التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 382-422

تزهى".
قيل يا رسول الله: وما تُزهى؟ قال: "حتى تحمر".
وقال - صلى الله عليه وسلم-:"أرأيت إذا منع الله الثمرة؛ فبم يأخذ أحدكم مال أخيه".
ذكرنا في الباب الأول: بيع الأصول، وهذا الباب في بيع الفروع.
إذا باع ثمرة على الشجرة دون الشجرة، نظر: إن كان قبل بُدو الصلاح فيها، فلا يجوز إلا بشرط القطع، فلو باع مطلقاً أو بشرط التبقية، لا يصح البيع.
وإن كان بعد بدو الصلاح، يجوز مطلقاً وبشرط القطع؛ سواء كان أصل هذه الثمرة مما يدوم؛ كالنخيل والأعناب والتفاح ونحوها، أو لا يدوم، كالبطيخ والباذنجان.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله-: يجوز بيعها مطلقاً قبل بدو الصلاح وبعده، ولا يجوز بشرط التبقية في الحالين، والخبر حجة عليه، حيث فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ما قبل بدو الصلاح وبعده.
والفرق بين الحالين: إن قبل بدو الصلاح يخشى هلاكها بورود العاهة عليها؛ لصغرها ورقة نواتها؛ فإذا تلفت، لا يبقى بمقابلة الثمن شيء؛ وذلك معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيت إذا منع الله الثمرة؛ فبم يأخذ أحدكم مال أخيه"؟ وإذا باع بشرط القطع جاز؛ لأنه إذا قطعها لا تأتي عليها الآفة، وبعد بدو الصلاح يأمن من العاهة في الغالب، لكبرها وغلظ نواتها؛ فلم يمتنع بيعها مطلقاً.
وإنما ألحقنا المطلق بشرط التبقية؛ لأن مطلق العقود يحمل على العادة، والعادة في الثمار التبقية.

ونعني ببدو الصلاح: أن يظهر فيها أثر النضج؛ فإن كانت الثمرة ذات لون، فحتى يظهر فيها أثر لونها من حمرة، أو صفرة، أو سواد.
فإن لم يكن لها لون العنب الأبيض؛ فحتى تنمو وتلين، ويظهر فيها أثر الحلاوة، وتزول عنها [العفوصة والحموضة].
وإن كان زرعاً، فحتى يشتد حبه، وبدو الصلاح في الخوخ والكمثرى والمشمش والإجاص والتفاح-: أن يطيب؛ بحيث يستطاع أكله، وفي البطيخ: أن يرى فيه أثر النضج، وفي القثاء: والقثد أن يتناهى في الكبر، وتكمل، بحيث يُجتنى في الغالب، وكذلك الباذنجان.
ولا اعتبار بالأكل في القثاء والباذنجان، لأنه يستطاب أكله صغارا؛ فلا يجوز بيعه في تلك الحالة مطلقاً؛ بخلاف الخوخ والتفاح.
وإذا بدا الصلاح في بعض الثمر دون البعض، سواء كان في بعض الحبات أو في شجرة دون أخرى، جاز بيع كلها مطلقاً؛ سواء كان النوع واحداً أو مختلفاً، وبدا الصلاح في أحد النوعين.
وقيل: إذا كان النوع مختلفاً، وبدا الصلاح في أحد النوعين دون الثاني يشترط القطع في النوع الذي لم يبد فيه الصلاح؛ كما لو كان الجنس مختلفاً.
هذا إذا جمع بينهما في البيع، فإذا أفرد بالبيع ما لم يبد فيه الصالح، فلا يجوز إلا بشرط القطع؛ لأن الناقص غنما يتبع الكامل إذا مع بينهما في العقد.
أما إذا كان الجنس مختلفاً؛ كالعنب مع الرطب، وبدا الصلاح في أحدهما دون الآخر؛ فباعهما - لا يجوز؛ حتى يشترط القطع فيما لم يبد فيه الصلاح.
ولو باع ثمر حائطين بدا الصلاح في أحدهما دون الآخر صفقة واحدة - فلا يجوز؛ حتى يشرط القطع فيما لمي بد فيه الصلاح وإن كان النوع واحداً.
وقال مالك -رحمة الله عليه -: بدو الصلاح في نوع من الثمار بمنزلة بدوه في أجناسه في البلد.

أما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح فيها مع الشجرة، يجوز مطلقاً، تبعاً للشجرة؛ ولأن الثمرة إذا هلكت بالآفة، تبقى الشجرة بمقابلة الثمن.
ولو باع الثمرة مع الشجرة بشرط القطع، لا يجوز؛ لأنه يمنعه من التصرف في ملكه؛ وهو تبقية الثمرة على شجرته.
ولو كانت الثمرة لواحد، والشجرة لآخر؛ فإن باع الشجرة بعد خُروج الثمرة؛ فبقيت الثمرة للبائع، ثم باع مالك الثمرة الثمرة من مالك الشجرة قبل بُدو الصلاح - فلا يجوز إلا بشرط القطع، وإن كان يجمعهما مِلك مالك واحد؛ لأنه أفرد الثمرة بالبيع، فلو تلفت، لا يبقى بمقابلة الثمن شيء.
وإذا باع بشرط القطع، يجوز للمشتري تبقيتها؛ لأن الأصل ملكه، وشرط القطع كان لحقه؛ حتى لا يذهب ماله بالآفة؛ فإذا رضي به، فله ذلك.
وكذلك لا يجوز بيع الزرع البقل إلا بشرط القطع، ولو باعه بعد اشتداد الحب وحبه ظاهر يجوز مطلقاً، وبشرط القطع.
ولو باعه مع الأرض، يجوز مطلقاً؛ سواء كان قبل اشتداد الحب أو بعده، ولو شرط القطع لا يجوز.
ولو باع الزرع البقل من مالك الأرض، لا يجوز إلا بشرط القطع، ثم يجوز للمشتري تبقيته؛ لأن الأصل ملكه.
فلو استأجر أرضاً سنة للزراعة؛ فزرعها، ثم بعد مي ستة أشهر باع الزرع البقل من مال الأرض بشرط القطع - فللبائع تكليفه القطع في الحال؛ لأن الأرض في إجارته؛ لينتفع بها بقية المدة.
وكذلك لا يجوز بيع القت والبقول في الأرض دون الأرض، إلا بشرط القطع أو القلع؛ سواء كان ذلك مما يجز مراراً، أو لا يُجز إلا مرة واحدة، غير أن ما يُجز مراراً إذا باعه بشرط القطع لا يجوز قلعه؛ لأنه لم يملك الأصل، وما لا يُجز إلا مرة واحدة يجوز، وإن باعه مع الأرض يجوز مطلقاً.
وإذا باع الثمرة قبل بُدو الصلاح، أو الزرع البقل؛ بشرط القطع - فللبائع مطالبته بالقطع؛ فلو سامح وترك إلى أوان الجُذاذ والحصاد، جاز.
وكذلك لو باع الشجرة أو الأرض، أو أجر الأرض منه بعد بيع الثمرة والزرع - يجوز للمشتري تبقيتها.
ولو باع ورق الفرصاد قبل أن يتناهى، لا يجوز إلا بشرط القطع، وإن كان بعد ما

يتناهى يجوز مطلقاً؛ وبشرط القطع، ثم يلتقطه المشتري وليس له قطع الأغصان.
ولو باع مع الأغصان، يجوز إذا بين مقاطعها.
قلت: وإذا باع الغصن، دخل فيه ما عليه من الأوراق.
ولو باع نصف الثمرة مشاعاً قبل بدو الصلاح، أو نصف الزرع البقل - لا يصح؛ لأن بيعه في هذه الحالة لا يجوز إلا بشرط القطع، ولا يمكن قطع نصفه إلا بقطع الكل؛ فكأنه يلتزم ضرراً في غير البيع، كما لو باع نصف سيف معيناً لا يجوز.
فإن باع نصفه مع الشجرة أو مع الأرض، يجوز، ولو باع نصفه بعد بدو الصلاح دون الأرض مطلقاً يجوز، ولا يجوز بشرط القطع.
ولو كان الزرع البقل والأرض مشتركاً بين رجلين؛ فباع أحدهما نصيبه من الزرع من صاحبه -لا يجوز، وإن شرط القطع.
ولو باع مع نصيبه من الأرض، جاز.
ولو باع أحدهما نصيبه من الزرع بنصيب صاحبه من الأرض - لا يجوز مطلقاً، ويجوز بشرط القطع، ثم على مشتري الزرع قطع جميعه، لأنه لما شرط قطع نصفه، ولا يتأتى ذلك إلا بقطع الكل - فكأنه التزم تفريغ الأرض لمشتريها؛ كما لو اشترى أرضاً وفيها زرع بقل، يبقى للبائع، ويبقى إلى أوان الحصاد؛ فلو شرط القطع في البيع، يجب قطعه.
ولو باع شجرة وعليها ثمرة، لم يبد فيها الصلاح، تبقى للبائع من غير شرط القطع، ويبقى إلى أوان الجذاذ، وكذلك الزرع البقل في الأرض؛ حتى لو باع نخله مطلعة، واستثنى الطلع لنفسه - جاز من غير شرط القطع، ويبقى إلى الإدراك؛ لأنه استدامة ملك؛ فإن شرط على نفسه القطع، يكلف القطع.
ولو باع شجرة يابسة في الأرض، يكلف نقلها، وإن كانت رطبة تبقى أبداً، إلا أن يبيع بشرط القلع، فيكلف القلع.
وإذا باع مطلقاً، لا يدخل المغرس في البيع؛ لأنه لم يبع الأرض.
وكذلك لو باع أرضاً، واستثنى لنفسه شجرة فيها تبقى أبداً، ولا يبقى له الغرس؛ حتى لو قلع الشجرة يوماً يكون مكانها لمشتري الأرض.
وعند أبي حنيفة: يدخل المغرس في البيع؛ وقال به بعض أصحابنا؛ ولا يصح ذلك.
وإذا باع ثمرة على شجرة بعد بدو الصلاح أو باع الزرع بعد اشتداد الحب - يبقى إلى

أوان الجذاذ والحصاد، ويجب السقي على البائع إلى أن يتم إدراكه؛ سواء كان قبل التخلية أو بعدها؛ لأن التسليم واجب عليه، والسقي من تتمة التسليم؛ فهو كالكيل في المكيل، والوزن في الموزون يكون على البائع.
ولو شرط السقي على المشتري، أو الكيل أو الوزن - يبطل العقد؛ لأنه خلاف قضية العقد.
أما الجُذاذ والصاد يكون على المشتري؛ لأنه بمنزلة التسليم، وليس للبائع من السقي إلا مقدار ما يسلم الثمرة من التلف.
فصل في اشتراط ظهور المقصود من الثمار والزروع عند البيع إذا باع ثمرة لا حائل دونها؛ كالعنب، والتين، والتفاح، والكمثرى - يجوز؛ سواء باعها على الشجرة، أو على وجه الأرض.
وكذل ما له كِمام واحد لا يزايله إلا عند الأكل؛ كالرمان، والبطيخ، والموز ونحوها.
أما ماله كمامان يزايله أحدهما، ويبقى الآخر إلى وقت الأكل؛ كالجوز، واللوز، والفستق والرانج ونحوها - يجوز بيعها في القشرة السفلى؛ لأنها من صلاحه، ولا يجوز في القشرة العليا؛ لا على القشرة، ولا على وجه الأرض؛ لتستر المقصود بما ليس من صلاحه.
وفيه قول آخر: أنه يجوز بيعها في حال الرطوبة في القشرة العليا؛ لأن رطوبتها مقصودة وبقاؤها في القشرة العليا.
وكذلك الفُول يجوز بيعه في القشرة السفلى بكل حالٍ، ولا يجوز في القشرة العليا؛ على الأصح.

وفيه قول آخر: أنه يجوز في حال الرطوبة.
ولو باع اللوز في القشرة العليا قبل انعقاد السفلى، يجوز؛ لأن كله مأكول؛ كالتفاح.
قلت: وكذلك إذا باع الورد قبل التفتق، والجوزق قبل أن يتكامل فيه القطن بشرط القطع يجوز؛ لأن ما فيه لم يدرك؛ فلا يكون مقصوداً، بل المقصود منه عينه كعلف الدواب وبيع الطلع يجوز بشرط القطع.
ولو باع الزرع بعد اشتداد الحب؛ نظر: إن كان زرعاً ترى حباته في السنبلة؛ كالشعير والسلت والأرز - يجوز بيعه مع السنبلة بعد الحصاد، وقبله مع الأرض ومفرداً.
وكذلك العلس؛ لأنه يدخر في كمامه، ويفسد إذا ادخر بلا كمام.
وإن كان زرعاً لا ترى حباته في السنبلة؛ كالحنطة، والذرة، والسمسم ونحوها- لا يجوز بيعها في السنبلة دون السنبلة.
ولو باعها مع السنبلة، فقولان: في الجديد - وهو الأصح: لا يجوز؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه؛ كما لو ديس الكدس؛ فباعه قبل التنقية، أو باع الحب الذي فيه - لا يجوز، وكبيع تراب الصباغة لايجوز.
وقال في القديم، وبه قال أبو حنيفة: يجوز، لأنها تُدخر في السنبلة.
وكذلك لو باع "المُحَّ" أو العدس أو الحمص في القشرة العليا-لا يجوز؛ على أصح القولين؛ فحيث قلنا: لا يجوز، فلو باعه مع الأرض أو باع الجوز واللوز في القشرة العليا مع الشجرة -فقد قيل: لا يصح في الزرع والجوز وهل يصح في الشجرة والأرض؟ فعلى قولين: والصحيح: أن العقد في الكل باطل؛ لجهالة أحد المقصودين.
وكذلك لا يجوز بيع الجزر والسلق والفجل والبصل والثوم في الأرض؛ لأن المقصود

منه ما هو في الأرض، وهو متستر، ولا ينبني على شراء الغائب؛ لأن ثم يمكنه رد المبيع بعد الرؤية بصفته، وهاهنا لا يمن.
ولو باع أوراق هذه الأشياء؛ بشرط القطع، يجوز؛ لأنها ظاهرة.
ولو قلع هذه الأشياء، ثم دفنها فباعها، فهو كبيع الغائب.
ولو باع القنبيط في الأرض قبلا لقلع، جاز؛ لأنه يون ظاهراً، وكذلك نوع من السلجم يكون ظاهراً على وجه الأرض؛ فيجوز بيعه.
وكذلك إذا كان بعضه ظاهرا؛ لأنه يستدل برؤية بعضه على رؤية كله.
فلو باع الأرض مع هذه الأشياء التي مقصودها في الأرض - فقد قيل: لا يصح البيع في هذه الأشياء، وفي الأرض قولان، بناء على تفريق الصفقة، والصحيح من المذهب: أن البيع في الكل باطل.
كذلك لو باع أرضاً مبذورة مع البذر، فالمذهب أن البيع باطل؛ لأن الصفقة إذا اشتملت على مقصودين، وأحدهما مجهول- لا يصح العقد في الكل؛ لأنه لا يمكن توزيع الثمن عليها.
ومن جوز في الأرض أوجب عليه جميع الثمن.
وذلك على القول الذي يقول: إنه إذا باع ماله وما ليس له، وقلنا: يصح العقد فيما له وللمشتري الخيار، فإذا أجاز يجيز بجميع الثمن.
ولو باع شاة مذبوحة قبل السلخ، لا يجوز؛ سواء باعها جملة، أو باع الجلد دون اللحم، أو اللحم دون الجلد؛ لأن المقصود هو اللحم؛ وهو مجهول؛ بخلاف ما لو باع الحيوان يجوز؛ لأن المقصود عين الحيوان لا ما فيه.
ولو سلخ الجلد، ثم باع المسلوخ ظاهراً، يجوز وإن لم ير باطنه؛ ما لو باع صبرة رأى ظاهرها.
ولو رد المسلوخ إلى الجلد، ثم باعه، فعلى قولي بيع الغائب.

ولو باع الرءوس والأكارع قبل الإبانة - لا يجوز، وبعد الإبانة يجوز مشوية كانت أو نيئة؛ لأن الجلد الذي عليه مأكول؛ كما لو باع شاة مسموطة؛ لأن جلدها مأكول لحمها.
فصل في الاستثناء في بيع الثمار إذا قال: بعتك مُدًّا من ثمرة هذا الحائط، لا يجوز؛ لأنه لا يدري كم اشتراه، وربما لا يحصل مُد، والمبيع ينبغي أن يكون معلوما، إما بالعيان، أو بالجزئية، أو بالوصف.
وكذلك لو قال: بعتك ثمر هذه النخيل إلا مُدا، أو إلا صاعاً - لا يصح؛ لأن الاستثناء المجهول يجعل الباقي مجهولاً.
وكذلك لو قال: بعتك نخلة من هذه النخيل، أو قال: بعتك هذه النخيل إلا واحدة ولم يعين - لا يصح.
فإذا علم بالجزئية، فقال بعتك ثلث ثمر هذه النخيل، أو قال: بعتك ثمر هذه النخيل إلا ثلثها، أو قال: إلا قدر الزكاة منها، أو قال: بعتك ثلث هذه النخيل، أو بعتك هذه النخيل إلا ثلثها - يجوز.
ولو قال: بعتك ثمر هذه النخيل بثلاثة آلاف درهم، إلا ما يخص ألفاً منها؛ فإن أراد ما يخص ألفاً بتوزيع الثمن على المثمن - يجوز؛ فكأنه استثنى الثلث.
وإن أراد ما يساوي ألفاً منها عند التقويم، لم يجز؛ لأنه مجهول.
وكذلك كل جملة معلومة من أرض أو ثوب، باع منها جزءاً شائعاً، أو استثنى جزءاً شائعاً - يجوز؛ بأن قال بعتك ربع هذا الثوب، أو قال بعتك هذا الثوب إلا ربعه.
ولو قال: بعتك عشرة أذرع من هذه الأرض، أو قال: ذراعاً من هذا الثوب نظر: إن كانت الذرعان معلومة، مثل: إن كانت الأرض مائة ذراع، أو كان الثوب عشرة أذرع - جاز، وجعل كأنه باع عشرة شائعاً.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز.
وإن كانت الذرعان مجهولة، لا يصح.
ولو قال: بعتك ثلث هذه الصبرة، أو قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة إلا ثلثها - يصح.
ولو قال: بعتك صاعاً من هذه الصبرة بكذا، أو قال: عشرة آصعٍ منها؛ كل صاع

بدرهم -نص الشافعي - رضي الله عنه - على جوازه.
واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال- وهو الأصح-: يجوز، سواء كانت الصيعان معلومة أو مجهولة، والمبيع صاعاً منها لا بعينه؛ حتى لو تلف جميعها إلا صاعاً تعين العقد فيه؛ بخلاف ما لو باع صاعاً من ثمر النخيل، لا يجوز؛ لأنها تختلف، وأجزاء الصبرة الواحدة قل ما تختلف، والبائع إن شاء سلم الصاع من أعلى الصبرة، أو من أسفلها [يحوز] وإن لم يرها المشتري؛ لأن رؤية بعضها كرؤية كلها.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز هذا البيع، إلا أن تكون الصيعان معلومة؛ فيكون المبيع جزءاً شائعاً منها؛ مثل: إن كانت عشرة آصع؛ فيكون المبيع عشر الصبرة.
ولو تلف بعض الصبرة، يتلف من المبيع بقدره، فإن تلف نصفها، فيتلف نصف المبيع، وهذا هو القياس؛ كما لو قال بعتك هذه الصبرة غلا صاعاً منها، لا يجوز، إلا أن تكون الصيعان معلومة، فيكون المستثنى جزءاً شائعاً، وكما لو باع ذراعاً من ثوب أو من أرض، لا يصح ما لم تكن الذرعان معلومة.
وهذا القائل حمل النص على ما إذا كانت الصيعان معلومة.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة كل صاع منها بدرهم، أو هذا الثوب كل ذراع منه بدرهم، أو هذه الأرض كل ذراع بدينار - يجوز، سواء علما عدد الصيعان والذرعان، أو جهلاً؛ لأنه وجه العقد على جميع الصبرة.
والثمن يصير معلوماً بالكيل والذرع.
وكذلك لو قال: بعتك هذه الأغنام بكذا، لا يجوز؛ وإن كان يعرف عدد الكل؛ لأنها معدودة تختلف قيمتها؛ فلا يدري كم العشرة من جملتها؛ بخلاف الأرض أو الثوب يبيع منها عشرة أذرع.
ولو قال: بعتك من هذه الصبرة؛ كل صاع بدرهم - لا يصح؛ لأنه لم يبع جميع الصبرة، غنما باع بعضها، ولم يبين قدر ما باع.
ولو باع موضعاً معيناً من الأرض؛ فقال: بعتك من هاهنا إلى ذلك الموضع في جميع العرض- جاز.
ولو قال: بعتك من هاهنا عشرة أذرع؛ فإن أشار إلى المنتهى، جاز، وإن لم يُشر فوجهان:

أحدهما: يصح؛ لأنه يعلم المنتهى بالذرع.
والثاني: لا يصح؛ لأنه قد ينتهي إلى موضع جيد ورديء؛ فيختلفان.
ولو باع ذراعاً معيناً من ثوب؛ فإن كان الثوب نفيساً، لم يجز؛ لأن البائع لا يقدر على تسليمه إلا بضرر يدخل عليه من غيره.
وإن كان صفيقاً لا ينتقص بالخرق، جاز كالأرض.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم؛ كل صاع بدرهم، أو هذه الأرض بعشرة دنانير؛ كل ذراع بدينار؛ فن خرج كما زعم، صح البيع، وإن خرج زائداً أو ناقصاً، فعلى قولين: أحدهما - وهو الأصح-: لا يصح العقد؛ لأن الإشارة إلى الصبرة يقتضي تسليم جميعها؛ وتسمية الثمن تقتضي تسليم كله.
وإذا خرج زائداً يقتضي تسليم بعضها، وإذا خرج ناقصاً يقتضي تسليم بعض الثمن؛ فيفسد العقد؛ للتناقض.
والثاني: يصح؛ لأنه باع تلك الصبرة؛ فعلى هذا إن خرج ناقصاً، فللمشتري الخيار؛ فإن إجاز، بكم يجيز؟ فيه وجهان: أحدهما: [يجيز] بجميع الثمن؛ لأنه قابل الصبرة به.
والثاني: بحصته؛ لأنه قابل كل صاع بدرهم؛ وإن خرج زائداً، فالزيادة لمن تكون؟ فيه وجهان: أظهرهما: للمشتري؛ لأنه اشترى جميع الصبرة، فعلى هذا لا خيار له.
وفي البائع: وجهان: أصحهما: لا خيار له؛ لأنه رضي ببيع كل الصبرة بما سمي.
والوجه الثاني: الزيادة للبائع؛ فعلى هذا: لا خيار له، وفي المشتري وجهان: أصحهما: له الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميع الصبرة.
فأما إذا قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة؛ على أنها عشرة آصع، أو هذا الثوب بعشرة؛ على أنها عشرة أذرع، أو هذه الأرض بألف؛ على أنها جريبان - فإن خرج - كما زعم - صح البيع، وإن خرج ناقصاً، يصح وللمشتري الخيار.
فإن أجاز أجاز بجميع الثمن؛ لأنه جعل الثمن عشرة، ولم يقابل كل صاع بدرهم؛ فوجود النقصان فيه كعيب يوجد بالمبيع؛ فله الخيار فيه.
فإن أجاز، فعليه كل الثمن، ولو خرج زائداً فيه قولان:

أحدهما: لا يصح البيع.
والثاني: يصح، وللبائع الخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز، وكله للمشتري.
قلت: الصحيح عندي في هذه الصورة إذا خرج زائداً أن العقد يصح على جميعها بما سمي من الثمن؛ لأنه لم يقابل كل صاع بدرهم، ولا خيار للبائع؛ فوجود الزيادة فيها نقص يشترطه البائع بالمبيع؛ فلم يكن؛ كما أن وجود النقصان فيها بمنزلة سلامة يتوهمها المشتري؛ فلم تكن.
فصل في وضع الجوائح رُوي عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح".
وأراد ببيع السنين: بيع ما يثمر نخله سنين لا يجوز؛ لأنه بيع ما لم يُخلق.
إذا باع ثمرة على الشجرة بعد بُدو الصلاح؛ فأصابتها جائحة من حر أو برد أو حريق أو ريح أو جراد - نظر: إن كان قبل التخلية يكون من ضمان البائع: فإن تلف كلها ينفسخ البيع، وإن تلف بعضها ينفسخ في ذلك القدر، وفي الباقي قولان: أصحهما: لا ينفسخ، وللمشتري الخيار، وإن أجاز يجيز بحصته من الثمن.
وإن كان بعد التخلية؛ فمن ضمان من يكون؟ فيه قولان: قال- في الجديد؛ وبه قال أبو حنيفة -: يكون من ضمان المشتري؛ لأن بالتخلية حصل التسليم؛ كما لو هلك المبيع بعد القبض.
والدليل عليه: قول النبي - صلى الله عليه وسلم-:

"أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه".
ولو كانت الجائحة من ضمان البائع، لم يكن آخذاً لمال أخيه؛ لأنه يجب عليه رد الثمن.
وقال في القديم: يكون من ضمان البائع؛ لحديث جابر بن عبد الله؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أمر بوضع الجوائح"، ولأن بالتخلية لم تنقطع العلائق بين البائع والمشتري؛ فإنه يجب على البائع السقي؛ حتى تدرك الثمار؛ فهو كما لو أكرى داراً، وسلمها إلى المكتري، فانهدمت في خلال المدة، يكون من ضمان المكري.
ومن قال بالأول، حمل الحديث على الندب والاستحباب، أو على ما إذا أصابته الجائحة قبل التخلية.
فإن جعلناه من ضمان البائع؛ فتلف بعضها، ينفسخ العقد فيه، وفي الباقي قولان فإن قلنا: لا ينفسخ، فللمشتري الخيار: إن شاء فسخ في الباقي، وإن شاء أجاز بحصته من الثمن، كما قبل التخلية.
وقال مالك بوضع الثلث فصاعداً، ولا يوضع ما دونه؛ لأنه قليل لا يخلو عنه الثمرة.
ولو فات بعضها بجناية آدمي؛ بأن غصب أو سرق بعد التخلية - فيكون من ضمان المشتري قولاً واحداً؛ لأن الاحتراز عنه ممكن بإقامة الحُراس؛ ولأنه يمكنه الرجوع على الجاني بالضمان؛ بخلاف ما لو أصابته آفة سماوية.
ولو أصاب الثمرة عطش بانقطاع الماء؛ فتلف بعض الثمرة، أو كلها بعد التخلية: فقد قيل: فيه قولان: وقيل؛ وهو الأصح-: يكون من ضمان البائع قولاً واحداً؛ لأن السقي على البائع، فهو نقص حدث بسببه.

ولو باع الثمرة؛ بشرط القطع، فلم يقطعها بعد التخلية؛ حتى أصابتها جائحة- فمن ضمان من تكون؟ قيل: فيه قولان؛ كما ذكرنا.
وقيل: يكون من ضمان المشتري قولاً واحداً؛ لأن التفريط من جهته بترك القطع؛ ولأنه لا عُلقة بينهما؛ لأنه لا يجب السقي على البائع.
وقيل هاهنا تكون من ضمان البائع قولاً واحداً؛ لأن ما شرط فيه القطع، فقبضه يكون بالقطع والنقل، فإذا تلف قبله يكون كتلف المبيع قبل القبض.
ولو باع الثمرة مع الشجرة؛ فأصابت الثمرة جائحة بعد التخلية -يكون من ضمان المشتري قولاً واحداً؛ بخلاف ما لو باع الثمرة وحدها؛ لأن ثم لم تنقطع العلائق بينهما؛ لاتصال الثمرة بملك البائع، وهاهنا بخلافه.
ولو تلفت الثمرة قبل التخلية، بطل العقد [في الثمرة].
وفي الشجرة قولان.
أما إذا باع نخلة مطلعة، فتلف الطلع قبل التخلية: فإن قلنا: الطلع له قسط من الثمن، فالكثمرة المؤبرة.
وإن قلنا: لا قسط له، فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز بجميع الثمن؛ كما لو حدث بالمبيع عيب قبل القبض.
فصل في تلف المبيع قبل القبض إذا باع شيئاً، فالمبيع في يد البائع مضمون عليه بالثمن؛ حتى لو تلف في يده ينفسخ العقد، ويسقط الثمن.
وقال مالك وأبو ثور: يدخل المبيع في ضمان المشتري بمجرد العقد، ويكون أمانة في يد البائع؛ حتى إذا تلف لا شيء عليه، وعلى المشتري الثمن.
وعندنا: لو تغيب المبيع من يد البائع فالمشتري بالخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز وعليه جميع الثمن.
ولو اشترى أرضاً فغرقها بحر قبل القبض، أو ركبها رمل - فللمشتري الخيار.
وقيل: ينفسخ العقد؛ كما لو تلف المبيع.
ومن قال بالأول، قال في التلف: وقع اليأس عز

التسليم، وهاهنا لم يقع [اليأس].
ولو اشترى درة فوقعت في لجة البحر - ينفسخ العقد، ولو وقعت في موضع يتصور إخراجها، أو اشترى عبداً؛ فنهبه العساكر أو أبق - فالصحيح أن العقد لا ينفسخ، وللمشتري الخيار.
وقيل: ينفسخ.
أما إذا غصبه غاصب معلوم، فلا ينفسخ، وله الخيار.
وإذا أجاز، لا يجب تسليم الثمن، وإن كان قد سلم.
قال الشيخ القفال: ليس له أن يسترده؛ فيحبسه على تسليم المبيع؛ لأنه يمكنه فسخ البيع، وإن أجاز، ثم بدا أن يفسخ، له ذلك؛ لأنه ضرر يتجدد كل ساعة؛ كما لو انقلع المسلم فيه، فأجاز، ثم بدا له أن يفسخ، فله ذلك.
ولو جحد البائع العين قبل التسليم، فللمشتري أن يفسخ البيع؛ لتعذر الوصول إليه؛ كما في الإباق.
أما إذا تلف المبيع قبل القبض بجناية جاني -نظر: إن أتلفه المشتري، صار قابضاً، واستقر عليه الثمن؛ لأن القبض مستحق له؛ فجعل إتلافه كقبضه، وإن أتلفه أجنبي، لا ينفسخ العقد، على الصحيح من المذهب، والمشتري بالخيار: إن شاء فسخ البيع، والبائع يرجع بقيمته على المتلف، وإن شاء أجاز، وأدى جميع الثمن، وأخذ القيمة من المتلف.
وفيه قول آخر: إن العقد ينفسخ بفوات التسليم؛ كما لو تلف.
وإن أتلفه البائع، فالمذهب أن العقد ينفسخ؛ كما لو تلف بآفة سماوية؛ لأن المبيع مضمون عليه بالثمن، فإذا أتلفه سقط الثمن.
وفيه قول آخر: أن إتلافه كإتلاف الأجنبي لا ينفسخ به البيع، وللمشتري الخيار: فإن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وأدى الثمن، وأخذ القيمة.
ولو جنى على المبيع قبل القبض؛ بأن كان عبداً؛ فقطعت يده - نظر: إن قطعها المشتري، يستقر عليه من الثمن بنسبة ما انتقص من قيمته؛ فن انتقص نصف قيمته يستقر عليه نصف الثمن، وإن انتقص أقل أو أكثر، فبتلك النسبة من الثمن، ولا خيار له بسبب هذه الجناية؛ لأنه حصل بفعله.
قلت: ولا رد له بعيب قديم يجده؛ لأنه تعيب في ضمانه.

ولو اندملت الجراحة، وهلك العبد قبل القبض - انفسخ العقد، وعلى المشتري ما استقر عليه بالجناية من الثمن.
وإن قطع يده أجنبي، فعلى الأجنبي نصف قيمته وللمشتري الخيار؛ فن فسخ البيع أخذ البائع من الجاني نصف القيمة، وإن أجاز فعليه جميع الثمن للبائع، ورجع على الجاني بنصف القمية، بخلاف المشتري؛ حيث أوجبنا عليه ضمان ما انتقص من الثمن؛ لأن ضمان المشتري ضمان عقد ورد على مالية العبد؛ فيجب عليه من المسمى بقدر ما يقابل نقصان ماليته.
وضمان الأجنبي ضمان عدوان؛ فيجب عليه ما يجب بالتعدي.
ولو قطع البائع يده، فللمشتري الخيار: فإن فسخ البيع لا شيء له على البائع، وإن أجاز فعليه جميع الثمن، ولا شيء له على البائع؛ لأن جنايته كآفة سماوية تصيب المبيع، كما لو شُلت يده قبل القبض، وأجاز لا شيء له.
وإن قلنا: جناية البائع كجناية الأجنبي، يرجع على البائع بنصف قيمته إذا أجاز البيع، والأول المذهب.
ولو أمر المشتري صبياً لا تمييز له، أو أعجمياً بإتلاف المبيع قبل القبض؛ ففعل - يستقر عليه الثمن؛ كما لو فعل بنفسه.
ولو أمر عاقلاً مميزاً، فهو كإتلاف الأجنبي.
ولو استعمل البائع المبيع قبل القبض، لا أجرة عليه؛ على ظاهر المذهب، وإن جعلنا جنايته كجناية أجنبي يجب.
ولو باع شيئين صفقة واحدة؛ فهلك أحدهما قبل القبض - انفسخ العقد فيه.
وهل ينفسخ في الثاني؟ فيه قولان: فإن قلنا: لا ينفسخ، فله الخيار، وإن أجاز عليه حصته من الثمن.
ولو باع نصف عبد، ثم أعتق البائع النصف الآخر قبل القبض، وهو موسر - عتق كله، وانفسخ البيع، ويسقط الثمن؛ كما لو أتلف المبيع.
وإن قلنا: جنايته كجناية أجنبي، فللمشتري الخيار؛ فإن أجاز أخذ قيمة ما اشترى؛ كما لو أعتقه البائع بعد التسليم.
ولو أن المشتري أبرأ البائع عن ضمان المبيع قبل القبض - هل يبرأ؛ حتى لو تلف يكون من ضمان المشتري، فلا ينفسخ البيع؟ فيه قولان: أحدهما - يبرأ؛ كما لو أبرأ الغاصب عن ضمان الغصب يبرأ.

والثاني - وهو الأصح: لا يبرأ؛ بخلاف الغصب؛ لأن ضمان الغصب ضمان جناية لحق المالك؛ فيسقط بإسقاطه، وضمان المبيع حق الشرع؛ فلا يسقط بإسقاط أحد والله أعلم.
باب المزابنة وبيع العرايا رُوي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"نهى عن المحاقلة والمزابنة".

عقد المزابنة والمحاقلة باطل.
فالمزابنة: بيع الرطب على الشجرة بالتمر على وجه الأرض؛ باعتبار الخرص.
والمحاقلة: بيع الزرع بعد اشتداد الحب بجنسه نقياً.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما المحاقلة؟ قال: المحاقلة في الحرث كهيئة المزابنة في النخل؛ سواء بيع الزرع بالقمح، قلت: أفسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني؟ قال: نعم.
أما إذا باع قصيل الحنطة قبل اشتداد حبه؛ سواء تسنبل، أو لم يتسنبل بالحنطة النقية - يجوز؛ لأن القصيل غير مأكول؛ كبيع التبن بالحنطة يجوز.
وعند مالك - رحمه الله -: المحاقلة استكراء الأرض بالثلث والربع، والمزابنة:

ضمان الصبرة بقدر معلوم؛ مثل: أن يقول: أضمن ل صبرتك هذه بعشرين صاعاً، فإن زاد فلي، وإن نقص فعلي؛ وهذا بالاتفاق حرام؛ لأنه قمار ومخاطرة.
وما ذكره من تفسير المحاقلة: أنها استكراء الأرض بالثلث والربع - جاء ذلك في تفسير المخابرة؛ وكل منهي عنه.
فصل في العرايا روي عن جابر - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن المزابنة".

والمزابنة: بيع التمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرية.
بيع العرايا جائز؛ وهو: أن يبيع رطب نخلة أو نخلتين؛ باعتبار الخرص بقدر مكيلته من التمر.
سميت عرية: لأنه يُعرى: أي يفرد نخلة أو نخلتين ببيع رطبها.
وعند أبي حنيفة، ومالك: العرية: أن يُفرد نخلة أو نخلتين؛ فيهب ثمرتها لرجل؛ حتى يجتني كل يوم، ثم يتأذى بدخوله حائطه.
فعند مالك: يشتريها منه بخرصه تمراً، ولا يجوز ذلك لغير صاحب الحائط.
وعند أبي حنيفة: يجوز أن يشتريها مجاناً، ويجوز أن يعطيه بخرصها تمراً.
والعرية رخصة استثناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المزابنة؛ لحاجة الفقراء إليه.
روي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه سمي رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرُّطَب يأتي، ولا فقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر؛ فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر.

وهذه الرخصة وإن جاءت بسبب الفقراء، فالحكم لا يختص بهم، بل يعم كل الفقراء والأغنياء جميعاً؛ على الصحيح من المذهب؛ كالرَّهل في الطواف [والاضطباع] أمر به، إظهاراً للقوة مع الكفار، ثم عم جميع الأزمنة.
وبيع العرايا جائز فيما دون خمسة أوسق من التمر، ولا يجوز في أكثر منها.
وهل يجوز في خمسة أوسق؟ فعلى قولين منشؤهما من شك الراوي في الحديث؛ وهو ما روى مال عن داود بن الحصين؛ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أرخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق".
أو - في خمسة أوسق الشك من داود.

وأصح القولين: هو اختيار المزني؛ أنه لا يجوز في خمسة أوسق؛ لأن الأصل تحريم بيع الرطب بالتمر؛ فلا يباح بالشك، وإنما لا يجوز أن يزيد على هذا القدر في صفقة واحدة.
فلو كان في حائطه ألف وسق من التمر، وباع الكل بيع العرايا بعقود مختلفة في كل عقد أقل من خمسة أوسق - جاز؛ سواء باع من واحد، أو من جماعة في مجلس واحد، أو في مجالس متفرقة.
ولو باع الرطب رجل من رجلين بالتمر صفقة واحدة - يجوز فيما دون عشرة أوسق، ولا يجوز في أكثر، وفي العشر قولان.
ولو باع رجلان من رجل، فعلى وجهين: أصحهما: حُكمه حكم ما لو باع رجل من رجلين؛ لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع؛ كما تتعدد بتعدد المشتري؛ كما في الرد بالعيب.
والثاني: وبه قال صاحب التلخيص-: حكمه حكم ما لو باع واحد من واحد لا يجوز في أكثر من خمسة أوسق؛ اعتباراً بمشتري الرطب؛ لأن الرخصة جاءت لحاجة المشتري إلى الرطب، والمشتري هاهنا واحد.
ولا يجوز بيع العرايا إلا بعد الخرص؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر؛ فيطيف الخارص بالنخلة فيقول رطبها كذا وإذا صار تمراً تحصل منه أربعة أوسق، فيبيعه بأربعة أوسق من التمر كيلاً.
ويجب التقابض في المجلس؛ وهو أن يسلم التمر إلى البائع بالكيل، والبائع يخلي بينه وبين النخلة.
وإن كان التمر غائباً، فباع الرطب بكيله في الذمة، ثم أحضر، وكال عليه في المجلس - جاز، ثم إن لم يظهر بينهما تفاوت؛ بأن أكل مشتري الرطب الرطب، فذلك وإن جففه مشتري الرطب فخرج متفاوتاً؛ فإن كان التفاوت قدر ما يقع بين الكيلين - لا يضر، وإن كان أكثر فالعقد باطل.
وقيل: يصح في الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار؛ لأنه لم يسلم له جميعه.
ولو باع الرطب على النخل بالرطب على النخل، أو بالرطب على الأرض باعتبار

الخرص في قدر العرية - المذهب: أنه لا يجوز؛ لأنه لا حاجة إلى مثل هذا البيع، فإن من له رطب قل ما يشتري الرطب.
وقال ابن خيران: يجوز؛ لأنه قد يشتهي من رطب جاره.
وقيل: إن اختلف النوعان يجوز، وإن اتفقا فلا.
أما إذا باع الرطب على الأرض بالتمر، أو بالرطب على الأرض - لايجوز؛ لأنه جوز لحاجة المشتري إلى الرطب؛ حتى يأكله على مر الأيام طرياً مع الناس، ولا يحصل ذلك من الرطب الموضوع على [وجه] الأرض؛ لأنه يتسارع إليه الجفاف؛ ولأن المخصوص لا يُقاس عليه غيره.
ويجوز بيع العرايا في العنب؛ كما يجوز في الرطب، ولا يجوز في سائر الثمار؛ على أصح القولين؛ لأن الخرص لا يتأتى فيها؛ لتفرق ثمارها في تضاعيف أوراقها؛ بخلاف العنب والرطب، فإن ثمرتها عناقيد متدلية ظاهرة يمكن خرصها.
ولو باع الرطب على الشجر بجنس آخر من الثمار على الشجر، أو على الأرض - يجوز من غير الخرص؛ قل أو كثر، ويتقابضان.
باب بيع الطعام قبل أن يستوفي روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتى يستوفيه"، ويروي: "حتى يقبضه".

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أما الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو الطعام أن يُباع حتى يستوفي".
وقال ابن عباس برأيه: ولا أحسب كل شيء إلا مثله.
من اشترى شيئاً، لا يجوز له بيعه قبل أن يقبضه؛ عقاراً كان أو منقولاً، باع بإذن البائع أو بغير إذنه، أدى الثمن أو لم يؤده.
وجوز أبو حنيفة بيع العقار قبل القبض.
وقال سعيد بن المسيب: والحسن وأحمد: ما ليس بمكيل، ولا موزون يجز بيعه قبل قبضه.
وقال مالك: إن اشترى طعاماً كيلاً، لا يجوز بيعه قبل القبض.
أما إذا اشتراه جُزافاً أو غير الطعام، يجوز.
ولو وهب المبيع قبل القبض، أو رهنه، أو أقرضه، أو تصدق به - فعلى قولين: أصحهما: لا يجوز كالبيع.
والثاني: يجوز إن كان بعد أداء الثمن؛ بخلاف البيع؛ لأن التسليم فيه مستحق؛ وهو لا يقدر عليه.
وفي هذه العقود التسليم غير مستحق، والمقصود فيها يتوقف على قبض المتهب من الواهب، فجاز أن يتوقف على قبض الواهب.
ولا خلاف أن هذه العقود لا تكون قبضاً ما دام المبيع في يد البائع، بل إذا قلنا: تصح هذه العقود، فإذا قبضه المشتري، ثم سلم غليه تمت هذه العقود.
وكذلك إذا قبضه المتهب أو المرتهن، أو المستقرض بإذن المشتري من البائع - تم البيع، وتمت هذه العقود.
ولو أجره قبل القبض، لا يصح كالبيع؛ لأن التسليم فيه مستحق.
وكل عقد منعناه قبل القبض فلو عقده بإذن البائع لا يصح أيضاً لحق الشرع.
وإن كانت جارية؛ فزوجها قبل القبض، صح التزويج؛ لأن التسليم فيه غير واجب وإذا دخل بها الزوج لايكون كقبض المشتري؛ لأنه يقبض المنفعة بحكم النكاح لا العين؛

بخلاف المتهب؛ فإنه يقبض العين بحكم الملك.
ولو أعتق المبيع قبل القبض، يعتق؛ لأن العتق له غلبة؛ بخلاف البيع؛ بدليل أنه لو أعتق العبد الآبق يجو، ولو باعه لا يجوز.
وقيل: إن أعتق قبل توفية الثمن، وكان الثمن حالاً فهو كإعتاق المرهون؛ لأن حبس المبيع ثابت للبائع؛ لاستيفاء الثمن؛ كالمرتهن يحبس المرهون؛ لاستيفاء الدين.
والمذهب هو الأول؛ بخلاف الرهن؛ لأن عقد الرهن للحجر عن التصرف، والراهن حجر على نفسه التصرف برهنه.
فامتنع عتقه والشراء لإطلاق التصرف، غير أن بيعه لم ينفذ؛ لعدم القدرة على التسليم، ونفوذ العتق لا يستدعي القدرة.
قلت: ولو استولد المُشتري الجارية قبل القبض، أو استولدها أبوه، نفذ، وحصل القبض؛ لأن الاستيلاد أقوى من العتق؛ لأنه فعل؛ بدليل أن استيلاد المجنون والأب ينفذ، وعتقهما لا ينفذ.
ولو كاتبه قبل القبض، لا يصح.
ولو باعه المشتري من البائع قبل القبض صح أو أجره منه فالمذهب: أنه لا يصح؛ كما لو باع من غيره، أو أجر.
وقيل: يجوز؛ لأن التسليم غير متعذر؛ كبيع المغصوب من الغاصب يجوز؛ وكبيع الدين ممن عليه يجوز، ولا يجوز من غيره.
ولو وهبه من البائع، أو رهنه، فالصحيح: أنه على قولين؛ كما لو رهنه، أو وهبه من غير البائع.
وقيل: لا تصح هذه العقود مع البائع قولاً واحداً؛ لأنه لا يجوز أن يكون نائياً عن المشتري في القبض؛ بخلاف الأجنبي.
فإن قلنا: يصح مع البائع، فإذا أذن له في القبض؛ فقبض مالك في الهبة، وفي الرهن يتم الرهن ولا يزول ضمان العقد حتى إذا تلف في يده ينفسخ العقد.
وإذا رهنه من البائع بالثمن الذي اشتراه به قبل القبض - نظر: إن كان الثمن حالاً لا يجوز؛ لأن حق الحبس ثابت له.
وإن كان الثمن مؤجلاً قلت: هو كما لو رهن منه بدين آخر.
فصل في القبض روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما - قال: "لقد رأيت الناس في عهد رسول الله

  • صلى الله عليه وسلم - يتبايعون جُزافاً - يعني: الطعام - يضربون أن يبيعوه في مكانهم؛ حتى يؤوه إلى رحالهم".
    قبض كل شيء على حسب ما يليق به، والمرجع فيه إلى العادة؛ فإن كان شيئاً خفيفاً من دراهم أو دنانير أو ثوب ونحوه - فيقبضه باليد، وإن كان ثقيلاً، فينقله إلى مكان آخر.
    وكذلك الطعام يشتريه جُزافاً، فإن اشتراه مكايلة أو موازنة؛ فقبضه، نقفله بالكيل أو الوزن، وإن قبضه جزافاً كان فاسداً، غير أنه دخل في ضمانه، ولا يتصرف فيه.
    وإن كان رقيقاً أمره بالانتقال عن موضعه، وإن كان دابة يقودها أو يسوقها، وإن كان عقاراً أو شجراً ثابتاً أو ثمراً باعه على الشجرة قبل أوان الجُذاذ؛ فقبضه بالتخلية بينه وبين المشتري، وتسليم مفتاح الدار إليه.
    ولا يشترط حضورهما المبيع.
    وقيل: يشترط حضورهما.
    وقيل: يشترط حضور المشتري دون البائع؛ فإن جوزنا مع الغيبة، هل يشترط مُضي زمان يمكن المصير إليه؟ فيه وجهان.

الأصح: يشترط.
وإن كانت الدار المبيعة مشغولة بمتاع البائع، لا يحصل التسليم؛ حتى يفرغها، وكذلك السفينة يبيعها، وفيها متاع البائع.
وإن كان متاع البائع في بيت من الدار، يحصل تسليم الدار بالتخلية، إلا في ذلك البيت.
والتخلية في المنقول لا يكون قبضاً؛ لأن نقله ممكن.
ولو اشترى داراً، وفيها أمتعة مع الأمتعة صفقة واحدة؛ فخلى البائع بينه وبينها حصل القبض في الدار، ولا يحصل في الأمتعة؛ حتى ينقلها.
وقيل يحصل تبعاً للدار.
والأول أصح؛ فإذا نقل المتاع من زاوية إلى أخرى في تلك الدار، حصل القبض.
ولو نقل المشتري المبيع في دار البائع من زاوية إلى أخرى - نظر: إن فعل بإذن البائع، حصل القبض، وصار كأنه استعار [تلك] الزاوية التي نقل إليها من البائع.
وإن نقل دون إذنه، لا يحصل القبض؛ حتى لا يجوز أن يتصرف فيه، لكن دخل في ضمانه؛ سواء كان بعد توفية الثمن، أو قبله.
ولو نقله من دار البائع إلى دار نفسه بغير إذنه، أو قبض ما يقبض باليد دون إذنه - نظر: إن كان بعد توفية الثمن، أو كان الثمن مؤجلاً، حصل القبض، وينفذ تصرفه فيه.
وكذلك المكتري يجوز له قبض ما اكترى دون إذن المكري بعد توفية الكراء، أو كان الكراء مؤجلاً؛ [كما للمرأة] بعد تسليم النفس قبض الصداق دون إذن الزوج.
وإن كان قبل توفية الثمن، والثمن حال، لا يصح قبضه، وعليه رده؛ لأن حق الحبس ثابت للبائع؛ لاستيفاء الثمن، ولا ينفذ تصرفه فيه، غير أنه دخل في ضمانه؛ حتى لو تلف يستقر عليه الثمن، ولو تعيب عنده لا يمكنه رده بعيب قديم يجده إلا برضا البائع؛ لحدوث العيب في ضمانه.
ولو جاء البائع بالمبيع؛ فوضعه بين يدي المشتري - نظر: إن قال المشتري: ضعه فوضعه.
حصل التسليم، وإن لم يقل شيئاً، أو قال: لا أريده، فوجهان: أصحهما: حصل التسليم؛ لأن التسليم واجب عليه؛ فيقع عن الواجب؛ كالغاصب إذا

وضع المغصوب بين يدي المالك يبرأ عن الضمان.
والثاني: لا يحصل؛ كما لا يحصل الإيداع بمجرد الوضع بين يدي المودع.
فإن قلنا يحصل التسليم، ينفذ تصرف المشتري فيه، ولو تلف لا يبطل العقد.
ولكن لو خرج مستحقاً، لا يجب الضمان على المشتري؛ لأن ذلك الضمان ضمان الغصب، والنقل شرط لوجوب ضمان الغصب.
ولو كان له على آخر دين فجاء به، أو بالمسلم فيه؛ فوضعه بين يدي رب السلم والدين - هل يحصل التسليم؟ يرتب على المبيع: إن قلنا ثَمَّ: لا يحصل، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أن ملكه غير متعين في الدين والمسلم فيه؛ بخلاف المبيع.
ولو دفع المشتري وعاء إلى البائع؛ ليجعل المبيع فيه؛ ففعل - لا يحصل التسليم؛ لأن قبض المشتري لم يوجد، والوعاء هل يكون مضموناً على البائع؟ نظر: إن كان المبيع متعيناً فلا؛ لأن البائع استعمله في ملك المشتري بإذنه، وإن كان سلماً أو قرضاً فإن جعله في الوعاء، ضمن الوعاء؛ لأنه استعمله في ملك نفسه.
ولو جاء البائع بالمبيع؛ فامتنع المشتري عن قبضه- أجبره الحاكم على القبض، فإن امتنع أن كان غائباً، قبضه الحاكم، أو يأمر من يقبض عنه؛ ليبرأ البائع.
وكذلك الغاصب إذا أتى بالمغصوب عند غيبة المالك، يجب على الحاكم أخذه؛ ليبرأ الغاصب.
ولو وكل المشتري وكيلاً بقبض المبيع جاز، ولو وكل عبد نفسه أو مكاتبه، يجوز.
ولو وكل عبد البائع، أو أم ولده بإذنه أو بغير إذنه - لم يجز؛ لأن أبدى هؤلاء يد البائع؛ كما لو قال للبائع: اقبض لي من نفسك، لا يجوز.
ولو وكل ابن البائع أو مكاتبه، يجوز، ولو وكل عبده المأذون له في التجارة، فعلى وجهين.
قلت: والأصح عندي: لا يجوز.
ولو قال للبائع: وكل من يقبض لي عنك يجوز، ويكون القابض وكيل المشتري.
ولو وكل صبياً بالقبض لم يجز، ولو تلف في يد الصبي، فيكون من ضمان البائع؛ بخلاف ما لو دفع الوديعة إلى صبي؛ بإذن المودع، فهلك عنده - يكون من ضمان المودع؛ لأنا نجعل كأن المودع أمره بإتلاف الوديعة، فيكون من ضمان المُودع.
ولو أمر البائع بإتلاف المبيع؛ فأتلف، يكون من ضمان البائع.

ولو باع شيئاً والمبيع في يد المشتري، فلا يحصل القبض للمشتري قبل توفية الثمن، إن كان الثمن حالاً إلا بإذن البائع.
فأما بعد توفية الثمن، أو كان الثمن مؤجلاً لا يحتاج إلى إذن البائع في القبض، ويشترط مُضي إمكان القبض؛ على أصح الوجهين.
فإن كان المبيع في داره، يشترط أن يمضي من الزمان بقدر ما يمكنه الرجوع إلى بيته ويقبض، ولا يصح تصرفه فيه قبله، فإن تلف قبله ينفسخ العقد.
وهل يشترط نقله؟ فيه وجهان.
أحدهما: بلى؛ لأن قبض المنقول بالنقل.
والثاني: لا؛ لأن النقل للإخراج من يد البائع إلى المشتري، والمبيع هاهنا في يد المشتري.
فإن قلنا: لا يشترط النقل، فهل يشترط أن يحضره ويشاهده؟ فيه وجهان: الأصح: لا يشترط.
فصل في أقسام المال المستحق للإنسان عند غيره كل ما كان مضموناً على الغير بعقد معاوضة يتوهم انفساخه بتلفه - لا ينفذ تصرف المالك فيه؛ كالمبيع قبل القبض؛ حتى لو أجر داره بثوب للآخر، بيع الثوب قبل القبض، ولا للمستأجر أجرة الدار قبل القبض؛ لانه ملك المنفعة بعقد معاوضة.
وهل يجوز للمرأة بيع عين الصداق قبل القبض؟ فيه قولان: إن قلنا: ضمانه على الزوج ضمان عقد، لا يجو.
وهذا أصح.
وإن قلنا: ضمان يد، يجوز؛ كالعارية في يد المستعير.
وكذلك هل يجوز للزوج بيع بدل الخلع قبل القبض؟ فعلى قولين.
وكذلك لو صالح عن القود على مال، هل يجوز بيعه قبل القبض؟ فعلى قولين.
أما إذا صالح عن الدية على مال وجوزنا، أو كان له على إنسان دين؛ فصالح عنه على عين - لا يجوز بيعها قبل القبض.
أما ما كان مضموناً على الغير بعقد مفسوخ، ينفذ تصرف المال فيه قبل الاسترداد؛ مثل: إن باع عبداً بثوب، وتقابضاً، ثم وجد بالثوب عيباً وفسخ العقد - ينفذ تصرفه في العبد قبل أن يسترد، وتصرف البائع في الثوب قبل أن يرد إليه.
وكذلك إذا فسخ البيع بالفلس، وعقد السلم بانقطاع المسلم فيه- نفذ تصرفه في المبيع، وفي رأس المال قبل أن يسترد.

ولو تقايلا البيع قبل التقابض، هل ينفذ تصرف كل واحد منهما فيما باع قبل أن يسترد؟ إن قلنا: الإقالة فسخ ينفذ.
وإن قلنا: بيع فلا.
وكذلك الشفيع إذا دفع الثمن وتملك الشقص، جاز له بيعه قبل القبض.
وكذلك ما كان مضموناً على الغير لا بعقد المعارضة؛ كالعارية في يد المستعير.
والمال في يد المستام، والمقبوض بحكم البيع الفاسد والهبة الفاسدة - ينفذ تصرف المالك فيه.
وكذلك لو باع المغصوب من الغاصب، أو ممن يقدر على أخذه منه - يجوز.
فرع: وكذلك ما كان أمانة في يد الغير كالوديعة في يد المودع، والمال في يد الوكيل بالبيع، ومال الشركة في يد الشريك، وفي يد القارض بعد فسخ القراض، والمرهون في يد المرتهن بعد افتكاك الرهن، والمال في يد المستأجر بعد انقضاء المدة ينفذ تصرف المالك فيه.
ولا يجوز للمتهب بيع الموهوب والمتصدق به قبل أن يقبض؛ لأنه لا يملكه قبل القبض، ولو وهب لابنه شيئاً وسلم، ثم رجع، له بيعه قبل أن يسترد، وكذلك لو بلغ رشيداً، وماله في يد قيمه، جاز له بيعه.
ولو احتطب العبد واكتسب أو أوصى له بشيء - فقبل: ينفذ تصرف السيد فيه قبل أن يقبض.
وكذلك لو رمي إلى صيد فأزال امتناعه أو نصب شبكة؛ فتعلق بها صيد- جاز بيعه قبل أخذه؛ لأنه ملكه.
ولو وقع في ملكه صيد فكسر؛ حتى لا يمكنه الخروج - فهو أولى به من غيره، ولكن لا يملكه.
وكذلك لو أفرخ طائر في ملكه، كان أولى به من غيره، ولكن لو باعه لا يصح؛ لأنه لا يملكه ما لم يأخذه.
والموقوف عليه الشجرة يجوز له بيع ثمرتها بعد ما خرجت قبل أخذ الشجرة.
ولو ورث مالاً، جاز له بيعه قبل أخذه؛ لأن ملكه عليه تام؛ فإن كان مورثه قد اشتراه، ولم يقبضه -لم يجز له بيعه ما لم يقبضه؛ لأن المورث كان لا يملك بيعه في حياته.

أما إذا اشترى من مورثه شيئاً؛ فمات البائع قبل قبض المشتري - نفذ تصرفه فيه؛ لأنه لو لم يكن قد اشتراه، كان تصرفه فيه نافذاً.
فإن كان معه وارث آخر، لم يكن له أن يتصرف في قدر حق الآخر قبل القبض؛ حتى لو لم يكن أدى الثمن، فللوارث الآخر حبس قدر حقه؛ لاستيفاء نصيبه من الثمن.
وإن كان على الميت دين فحق الغرماء في الثمن، ويجوز بيع الوارث العين المشتراة.
ولو أوصى له بشيء فقبله بعد موت الموصي، نفذ تصرفه فيه قبل أن يقبض، ولو تصرف فيه بعد الموت قبل القبول.
إن قلنا: يملك بالموت نفذ، وإن قلنا: بالقبول أو موقوف، فلا ينفذ.
ولو باع واحد من الغانمين نصيبه شائعاً قبل القبض - نظر: إن كان معلوماً جاز؛ مثل: إن كانوا عشرة، فالخمس منها لأهل الخمس، وما بقي بينهم على عشرة أسهم؛ فيكون نصيبه سهمان من خمس وعشرين، فباعه شائعاً جاز؛ سواء أفرزه السلطان، أو لم يفرزه؛ حتى لو ترك واحد من الباقين حقه بعد بيع أحدهم نصيبه يكون للآخرين، ولا تدخل في البيع تلك الزيادة التي صارت له بالترك.
ونص الشافعي -رضي الله عنه - على أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض.
واختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: أراد به إذا وكل رجلاً بقبضه؛ فقبضه وكيله، ثم باعه الموكل- جاز.
فأما قبله فلا يجوز؛ لأنه لم يملكه.
ومنهم من قال: إذا أفرزه السلطان وأعلمه، فباعه قبل أن يقبضه - جاز، ويد الإمام يده في الحفظ؛ حتى لو تلف يتلف من حقه.
ولو دفع ثوباً إلى صباغ ليصبغه بأجرة؛ فصبغه؛ فإن كان دفع الأجرة جاز له بيعه قبل أن يسترد، وإن كان قبل أن يدفع لا يجوز؛ لأن للصباغ حبسه؛ لاستيفاء الأجرة؛ المبيع قبل القبض.
وقيل: إن صبغ، لا يجوز بيعه أيضاً إذا كان قد استأجر الصباغ ليصبغه؛ لأن للصباغ حبسه؛ لإيقاع عمله فيه.
ولو دفع ثوباً إلى قصار فقصره، هل له بيعه قبل الاسترداد؟ نظر: إن كان قد دفع الأجرة يجوز، وإن كان قبل دفعها؛ فإن قلنا: القصارة عين لم يجز؛ لأن للقصار حبسه؛ لاستيفاء الأجرة.

وإن قلنا: القصارة أثر جاز؛ لأنه ليس له حبسه لاستيفاء الأجرة، وكذلك الدابة يروضها والذهب يصوغه.
فصل في إجراء الكيلين في السلم روي عن الحسن، عن النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان" يعني: صاع البائع، وصاع المشتري.
ويروي موصولاً عن أنس وأبي هريرة وجابر رضي الله عنهم.
إذا أسلم زيد إلى عمرو في طعام، وأسلم عمرو إلى بكر في مثله، ثم قال عمرو لزيد: احضر معي؛ حتى اكتاله من بكر لك ففعل - لم يجز؛ لأن عمراً لم يقبضه لنفسه، وما أخذه زيد مضمون عليه؛ لأنه قبضه بدلاً عن حقه، ولا ينفذ تصرف فيه؛ لأنه بض فاسد، وتبرأ ذمة بكر عن حق عمرو؛ على الصحيح من المذهب؛ لأنه دفعه إلى زيد بإذنه، ولا ينفصذ تصرف عمرو فيه؛ كالمقبوض جزافاً.
وفيه وجه آخر: أنه لا تبرأ ذمة بكر؛ بناء على ما لو باع نجوم مكاتبه لا يصح، فإن قبضها المشتري من المكاتب هل يعتق فيه قولان.
ولو قال عمرو لزيد: أحضر معي؛ حتى أكتاله من بكر لنفسي، ثم تأخذه أنت بذلك

الكيل؛ فقبض عمرو لنفسه صحيح، ولا يصح قبض زيد منه بذلك الكيل، ويكون ما لو قبض زيد جُزافاً.
فلو كال عمرو على زيد بعد قبضه صح، ثم إن زاد أو نقص؛ فتكون الزيادة لعمرو والنقصان عليه إن كان قدراً يقع بين الكيلين، ولو كان أكثر علم أن الغلط وقع في الكيل الأول؛ فيجرع على الدافع بنقصانه، ويرد الفضل إليه.
ولو أخذ الأول؛ وهو عمرو لنفسه في المكيال، ولم يخرجه؛ فسلم على زيد كذل - هل يصح في حق زيد؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو الأصح عندي: لا يصح؛ حتى يخرجه "من" المكيال، ثم يجعله فيه ثانياً للكيل على زيد.
والثاني: يصح؛ لأن استدامة الكيل كابتدائه؛ كما لو اشترى كيلاً من طعام؛ فأخرجه البائع في مكياله - يجب عليه أخذه، وإن لم يبتدأ كيلاً بعد البيع وكذلك لو لم يحضر عمرو، بل قال لزيد: اذهب إلى بكر، واقبض لنفسك مالي عليه فقبض - لم يصح، وتبرأ ذمة الدافع، على أصح الوجهين.
ولو قال: اقبضه لي، ثم اقبض مني بذلك الكيل، صح قبضه لعمرو، وتبرأ ذمة الدافع، ولا يصح قبضه لنفسه، وإذا قبض لنفسه دخل في ضمانه.
ولو قال: اقبض لي، ثم كل مني على نفسك فقبضه لعمرو صحيح، وهل يصح اكتياله لنفسه؟ فيه وجهان: الأصح: لا يجز؛ لأنه لا يكون أميناً على الغير فيما يقبض لنفسه.
فإن قلنا: يصح، برئت ذمة عمرو عن حقه بعدما اكتال لنفسه.
وإن قلنا: لا يصح، فلا تبرأ.
وقيل: اكتيال زيد لنفسه أمانة في يده، وبعده مضمون عليه.
وعلى هذا: لو اشترى صبرة حنطة مكايلة واتكالها، ثم باعها مكايلة - يجب أن يكيلها ثانياً على المشتري؛ فإن باعها جزافاً، لا يجب أن يكيلها ثانياً.
ولو اشترى صاع حنطة فقبضه في المكيال، ثم باع صاعاً، وسلم إليه قبل إخراجها عن المكيال - هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان.
ولو أسلم في طعام؛ فدفع المسلم إليه دراهم إلى المسلم، وقال: اشتر بها لنفسك الطعام الذي لك عليَّ - لا يصح التوكيل ولا الشراء؛ لأنه لا يجوز أن يشتري لنفسه بمال الغير شيئاً.

فإن ذهب واشترى نظر: إن اشترى بعين تلك الدراهم، لا يصح الشراء، وإن اشترى في الذمة يقع العقد له، ويجب أن يدفع الثمن من مال نفسه.
ولو قال: اشتر لي، ثم اقبضه لنفسك ففعل، صح الشراء، ولا يصح قبضه لنفسه؛ لأن القبض لم يحل لمن وقع له الشراء، فإذا قبض لنفسه دخل في ضمانه، وهل تبرأ ذمة الدافع؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين.
الأصح: تبرأ.
ولو قال: اشتر لي واقبض لي، ثم اقبض مني لنفسك بذل الكيل - صح الشراء، والقبض للموكل، ولا يصح قبضه لنفسه.
وقيل: إن قبضه لنفسه أمانة في يده، وبعده مضمون عليه؛ فلو قال كل مني على نفسك ففعل، ففيه وجهان: ولو استحق طعاماً أو شيئاً آخر على إنسان ببيع أو سلم مكايلة أو وزناً فقبضه جزافاً، أو قال الذي عليه: خذ؛ فإنه كذا كيلاً أو وزناً؛ فصدقه وقبضه- فالقبض فاسد، غير أن المعطي تبرأ ذمته عن مقدار ما يتصادقان عليه؛ لأنه دخل في ضمان الآخذ، ولا ينفذ تصرف الآخذ فيه؛ سواء باع الجميع أو باع القدر الذي يتحقق أنه له؛ لأنه باعه قبل وجود القبض المستحق بالعقد، فإن كال عليه الدافع أو وزن، صح، ونفذ تصرفه فيه.
ولو كال القابض على نفسه بغير إذن الدافع - لم يصح، وإن كال بإذنه فوجهان: الأصح: لا يجوز، ولو أمره بأن يأمر غيره ليكيل عليه، جاز؛ لأنه لا يكون قابضاً لنفسه من نفسه؛ كما لو وكل ببيع متاعه من نفسه لا يجوز، ولو وكله بأن يأمر رجلاً؛ حتى يبيع منه يجوز.
ولو تلف في يده قبل الكيل والوزن؛ فاختلفا؛ فقال الدافع: كان قدر حقك، وقال الآخذ: كان أقل، أو قال الدافع كان أكثر من حقك؛ فعليك رد الفضل، وقال القابض: لم يكن أكثر - فالقول قول القابض مع يمينه.
ولو اشترى طعاماً كيلاً؛ فأخذه وزناً، أو اشتراه وزناً؛ فأخذه كيلاً - فهو كما لو أخذه جزافاً.
ولو قبضه بالكيل أو الوزن؛ كما اشترى، ثم جاء وادعى أنه خرج أنقص - نظر: إن كان يدعي نقصاناً قليلاً يقع مثله في الكيل يقبل، وإن ادعى أكثر هل يقبل؟ فيه قولان: أحدهما: لا يقبل، والقول قول الدافع مع يمينه؛ لأن الظاهر أنه أوفاه؛ بخلاف ما لو ان القبض فاسداً اكن القول قول القابض في القدر.

والقول الثاني- وهو قول أبي حنيفة: القول قول القابض؛ لأن الأصل اشتغال ذمة الدافع بحقه؛ وهو الأصح عندي.
وكذلك لو دفع إليه ديناراً عن حق له عليه؛ فجاء به رديئاً وقال: هذا ما دفعته إليَّ، وأنكر الدافع - فالقول قول مَنْ؟ فيه وجهان: أحدهما: القول قول الدافع مع يمينه.
والثاني- وهو الأصح عندي -: القول قول القابض مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة الدافع بحقه.
فصل في بيع الدين يجوز الاستبدال عن القرض، وبدل الإتلاف، ولا يجوز عن المسلم فيه قبل القبض.
وهل يجوز عن الثمن في الذمة والأجرة؟ فيه قولان: أصحهما - وهو قوله الجديد -: يجوز، كالقرض.
وقال في القديم: لا يجوز؛ كالمسلم فيه.
ولو كان الصداق في ذمة الزوج؛ هل للمرأة الاستبدال عنه، أو بدل الخلع في ذمة المرأة هل للزوج الاستبدال عنه إن جعلنا ضمان الصداق ضمان يد، يجوز كبدل المتلف.
وإن قلنا ضمان عقد، فكالثمن.
فحيث جوزنا الاستبدال، ينظر فيه؛ فإن كان ما في ذمته مال الربا؛ فاستبدل منه شيئاً يوافقه في العلة؛ مثل: إن استبدل من الدراهم دنانير ومن الحنطة شعيراً - يشترط قبض البدل في المجلس.
وهل يشترط أن يكون البدل معيناً حالة العقد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ كما لو تصارفا في الذمة، ثم عينا وتقابضا يجوز.
والثاني: يشترط؛ لأن أحد البدلين دينٌ؛ فإن لم يكن الآخر معيناً أشبه بيع الدين بالدين.
وإن استبدل شيئاً لا يوافقه في العلة؛ مثل: إن استبدل عن الدراهم طعاماً أو ثوباً، أو استبدل عن الطعام دراهم - نظر: إن كان معيناً يجوز.

وهل يشترط قبض البدل في المجلس؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو ظاهر النص-: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فلو لم يقبض الثاني أشبه بيع الدين بالدين؛ كما يشترط قبض رأس مال السلم في المجلس.
والثاني - وهو الأصح -: لا يشترط؛ كما لو باع ثوباً بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب في المجلس.
والنص محمول على ما إذا استبدل من مال الربا شيئاً يوافقه في العلة.
ولو استبدل شيئاً في الذمة، هل يجوز أم لا؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين: فإن جوزنا يشترط التعيين في المجلس؛ حتى لو تفرقا قبلا لتعيين بطل العقد.
وهل يشترط القبض؟ فيه وجهان: ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال، ويجوز استبدال الحال عن المؤجل، ويصير كأن من عليه المؤجل عجله، هذا في بيع الدين ممن عليه.
أما إذا باع الدين من غير من عليه؛ مثل إن كان له على زيد عشرة دراهم؛ فاشترى من عمرو ثوباً بتلك العشرة، أو قال لعمرو: بعتك العشرة التي في ذمة زيد لي بثوبك هذا؛ فاشتراه عمرو - فالمذهب: أنه لا يجوز؛ لأنه غير قادر على تسليمه.
وفيه قول آخر: أنه يجز على حسب ما يجوز ممن عليه؛ فعلى هذا يشترط أن يقبض مشتري الدين الدين ممن عليه، وبائعه يقبض العوض في المجلس؛ حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل.
ولو كان لرجلين لكل واحد على ثالث دين؛ فباع أحدهما ما له عليه بما لصاحبه - لا يجوز؛ سواء اتفقا في الجنس أو اختلفا؛ لأن بيع الدين بالدين ممن عليه لا يجوز؛ فمن غير من عليه أولى؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- "نهى عن الكاليء بالكاليء".

ولو كان لرجلين لكل واحد منهما على صاحبه دين من جنس واحد، ووصف واحد؛ سواء كانا سلمين أو قرضين، أو أحدهما قرض والآخر بدل إتلاف أو سلم - ففيه أقوال: أحدها: بنفس الوجوب يتقاصان ويسقطان؛ كما لو كان له على مورثه مال؛ فمات المورث سقط.
والثاني: لا يسقط؛ حتى يتراضيا؛ بأن يجعل أحدهما بالآخر قصاصاً؛ فإن لم يفعلا، فلكل واحد منهما مطالبة صاحبه بما عليه؛ لأن المقاصة كالحوالة، وفي الحوالة يشترط رضا المُحيل والمحتال.

والثالث: إذا رضي أحدهما صار قصاصاً؛ لأنه إذا رضي أحدهما، فقد رضي بأداء ما عليه مما له في ذمة الآخر؛ فليس للآخر أن يمتنع؛ لأنه يجز لمن عليه الدين أداء الدين من حيث يشاء من ماله.
والرابع: لا يصير قصاصاً؛ حتى ينفذ أحدهما ما عليه، ويسلم إلى الآخر، ثم يأخذه عما عليه؛ حتى لا يون بيع الدين بالدين.
أما إذا كان الدائنان مؤجلين؛ نظر: إن كانا مؤجلين بأجل واحد.
قيل هو كما لو كانا حالين، والصحيح أن حكمه حكم ما لو كانا مؤجلين بأجلين مختلفين، أو أحدهما حال والآخر مؤجل -لا يصير قصاصاً، وكذلك لو كانا من جنسين، أو وصفين مختلفين لا يصير قصاصاً؛ حتى ينفذ أحدهما ما عليه ويسلم، ثم يشتريه بماله على الآخر.
وإذا كان له على رجل دراهم صحاحٌ؛ فقال من له الدين: أسقطت وصف الصحة لا يسقط.
إن كان مؤجلاً؛ فقال من عليه أسقطت الأجل هل يسقط؟ فيه وجهان أصحهما عندي: لا يسقط؛ كوصف الصحة.
والثاني: يسقط؛ لأن الأجل فسحة في العقد؛ فيسقط بالإسقاط؛ الخيار.
ولو كان له على رجل دين حال وهو مماطل فقال: أدِّ حقي؛ حتى أبيعك شيئاً؛ فأدى - لا يلزمه البيع، وليس للمعطي أن يسترد ما دفع؛ لأن الدفع كان واجباً عليه.
ولو قال: أعط أفضل أو أجود؛ حتى أبيعك ذا، ففعل - لا يجب البيع، وللمعطي أن يسترد ما أعطى، وإن أعطى أكثر يسترد الزيادة.
وكذلك لو كان الدين مؤجلاً، فقال من له الدين: عجل قبل المحل؛ حتى أبيعك شيئاً فعجل - لا يجب البيع، وله أن يسترد ما عجل.
وكذلك لو قال: عجل البعض؛ حتى أبرئك عن الباقي، فعجل - لا يجب الإبراء؛ وللمعجل أن يسترد ما أعطى.
وكذلك في السلم لو قال: أبرأتك عن نصفه؛ بشرط أن تعجل الباقي، والحق مؤجل - لا يصح الإبراء.
أما من غير شرط لو أخذ بعضه، وأبرأه عن الباقي - يصح.
وقال مالك: لا يصح.

باب بيع المُصراة روي عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُصروا الإبل والغنم للبيع؛ فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر".
وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: "من اشترى شاة مصراة، فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها، رد معها صاعاً من طعام لا سمراء".

فرع التصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو البقرة أو الشاة؛ فيترك حلابها أياماً؛ حتى يجتمع اللبن في ضرعها، ثم يبيعها؛ فينها المشتري كثيرة اللبن، مشتق من: صريت الماء في الحوض، إذا جمعته فيه.
فهي حرام، ويثبت بها الخيار للمشتري.

وعند أبي حنيفة: لا يثبت بها الخيار، والخبر حجة عليه.
ولا جماعنا: على أنه لو باع طاحونة حبس ماءها زماناً، ثم أرسله حالة البيع؛ فإن المشتري أنها أبداً كذلك، ثم علم - ثبت له الخيار.

جارٍ التحميل