وجوب التقابض، ثم قال في آخر الحديث: "ولكن بيعوا الذهب بالورق، والبر بالشعير؛ يداً بيد كيف شئتم" فأوجب التقابض عند اختلاف الجنس؛ بقوله: "يداً بيد"، وأباح التفاضل بقوله: "كيف شئتم"، فلو تصادفا أو تبايعاً طعاماً بطعام، وتفرقا قبل أن يتقابضا بطل العقد.
ولو تقابضا بعض كل واحد من العوضين، ثم تفرقا - بطل في غير المقبوض، وهل يبطل في المقبوض؟ فيه قولان؛ كما لو باع شيئين؛ فتلف أحدهما قبل القبض ينفسخ العقد في التالف، وهل ينفسخ في الآخر؟ فيه قولان:
أصحهما - وبه قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا ينفسخ.
ولو طال مقامهما في المجلس، أو فارقا ذلك المكان، ولم يتفرقا ثم قبضا - جاز.
ولو تخايرا في المجلس قبل التقابض، أو في السلم تخايرا قبل قبض رأس مال السلم - بطل العقد؛ لأن التخاير بمنزلة التفرق.
وقال ابن سريج: لا يبطل العقد؛ لبقاء المجلس؛ فعلى هذا: إذا تقابضا فلا خيار؛ لأن العقد قد لزم بالتخاير.
ولو وكل أحدهما وكيلاً بالقبض؛ نظر: إن قبض الوكيل قبل مفارقة الموكل مكان العقد- جاز، وإن فارق الموكل قبل قبض الوكيل، بطل العقد؛ وهذا بخلاف ما لو مات أحد المتبايعين قبل القبض، قام وارثه مقامه في القبض على قولنا: إن خيار المكان يورث؛ لأنه يقبض لنفسه، وقد أقامه الله مقام مورثه، والوكيل يقبض لغيره؛ فلا يجوز قبضه في حال لا يجوز للموكل العاقد.
إذا باع غير مال الربا بجنسه، يجوز متفاضلاً وجزافاً نقداً ونسيئة؛ حتى لو أسلم ثوباً في ثوب، أو في ثوبين، أو باع رطل نحاس أو حديد برطلين، أو باع حيواناً بحيوانين يجوز؛ لما رُوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أشتري بعيراً ببعيرين إلى أجل".
هل يشترط أن يكون بين رأس مال السلم وبين المسلم فيه تفاوت في وصف؟ فيه وجهان:
الصحيح من المذهب: أنه لا يشترط، بل يجوز أن يسلم ثوباً في ثوب مثله في الوصف.
وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه -: لا يجوز إسلام الشيء في جنسه.
فنقول: مالان لم يجمعهما علة تحريم ربا الفضل، فذكر الأجل لا يمنع بيع أحدهما بالآخر؛ كما لو أسلم ثوباً هروباً في مروي يجوز بالاتفاق.
وعند مالك: يجوز متساوياً، ولا يجوز متفاضلاً.
وعنده: إذا باع حيواناً بحيوانين؛ وهي مأكولة اللحم لا يجوز إذا أريد بهما الذبح.
فصل: في بيع الرطب باليابس
روي عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن شراء التمر بالرطب؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ فقالوا: نعم.
فنهى عن ذلك.
لا يجوز بيع الرطب بالرطب، ولا بيع الرطب بالتمر، وكذلك لا يجوز بيع العنب بالعنب، ولا يجوز بيع العنب بالزبيب؛ لأن المماثلة فيه شرط حالة الكمال؛ وهي حالة الجفاف، وعدم المماثلة حالة الجفاف متيقن في بيع الرطب بالتمر.
وإلى هذا أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "أينقص الرطب إذا يبس"؟
وفي بيع الرطب بالرطب المماثلة مجهولة في تلك الحالة؛ لأنه ربما ينقص أحدهما بالجفاف أكثر من الآخر، والجهل بالتماثل في الربا يقين التفاضل.
وعند أبي حنيفة رحمه الله: يجوز كل ذلك، وأكثر أهل العلم على أن بيع الرطب بالرطب، والعنب بالعنب يجوز، ولا يجوز بيع الرطب بالتمر، ولا العنب بالزبيب.
أما بيع التمر بالتمر، أو الزبيب بالزبيب يجوز بالاتفاق متساويين في الكيل، وكذلك كل ثمرة لها حالة جفاف؛ كالمشمش والخوخ والبطيخ الذي يفلق والكمثرى التي تفلق، والرمان الحامض لا يجوز بيع رطبه برطبه، ولا بيع رطبه بيابسه، ويجوز بيع يابسه بيابسه متساويين في الكيل إن كان يمكن كيله، وإن كان يتجافى في المكيال مثل: مفلق البطيخ ونحوه فيجوز وزناً.
أما ما ليس له حالة جفاف مثل: العنب الذي لا يتزبب، والرطب الذي لا يتمر والبطيخ الذي لا يفلق، والكمثرى والرمان الحلو، والقرع والباذنجان والبقول - فهل يجوز بيع بعضه ببعض عند اتفاق الجنس؟ فيه قولان:
أصحهما: لا يجوز؛ لأنها ليست على هيئة الادخار.
والثاني: يجوز؛ لأن هذه الحالة أكمل أحوالها؛ كبيع اللبن باللبن، فإن جوزنا بشرط المماثلة في الوزن وإن تفاوت العدد، فإذا اختلف الجنس يجوز بيع بعضه ببعض؛ متفاضلاً وجزافاً، يداً بيد، حتى يجوز بيع رمانه بسفرجلتين، وتفاحة برمانتين، والبطيخ مع
القثاء جنسان، وفي القثد مع القثاء وجهان.
وقال في "الأم": ولا يجوز بيع ركيب هندباء بركيب مثله، ويجوز بيعه بركيب جرجير أو غيره، متفاضلاً ومتماثلاً، يداً بيد.
ولا يجوز بيع التمر بالتمر، أو أحدهما، أو كلاهما منزوع النوى؛ لزواله عن حالة الادخار.
أما بيع مفلق المشمش بمثله، أو مفلق الخوخ بمثله منزوع النوى يجوز؛ على الأصح، لأن العادة في تجفيفه نزع النوى، ولا يجوز بيع الحنطة المبلولة بالمبلولة، ولا المبلولة بالجافة، ولا بيع المقلية بالمقلية؛ ولا بغير المقلية؛ لزوالها عن حال الكمال.
ويجوز بيع الحديث بالعتيق؛ لأن العتاقة بعد حصول الجفاف، إن أثرت إنما تؤثر في خفة الوزن، لا في تصغير الحبة؛ فلا يظهر ذلك في الكيل، فإن كان في الحديث نداوة لو زالت لظهرت في الكيل - لم يجز، ويجوز بيع الجيد بالرديء.
ويجوز بيع البيض بالبيض وزناً وإن كان عليه قشر؛ لأنه من صلاحه؛ كالنوى في التمر.
وكذلك يجوز بيع الجوز بالجوز وزناً، واللوز باللوز كيلاً، ويجوز بيع لب الجوز بلب الجوز، وبيع لب اللوز بلب اللوز.
وقيل: لايجوز؛ لأنه زال عن هيئة الادخار بالإخراج عن القشر؛ كالتمر الذي نزع عنه النوى، ولا يجوز بيع الجوز بلبه.
فصل في معيار الشرع الذي تُرعى المساواة به
وكل ما جاز بيعه بجنسه من مال الربا يشترط المساواة بينهما في معيار الشرع.
ومعيار الشرع الكيل أو الوزن؛ فما كان مكيلاً لا يجوز بيع بعضه ببعض وزناً، كما لا يجوز جُزافاً.
وإذا استويا في الكيل، فلا يضر التفاوت في الوزن، وما كان موزوناً لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلاً.
وإذا استويا في الوزن، لا يضر التفاوت في الكيل.
ثم كل شيء يتجافى في المكيال، يباع وزناً، وما لا يتجافى في المكيال؛ فينظر فيه؛ فإن كان مكيلاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو مكيل لا يجوز بيعه بجنسه وزناً، وما كان موزوناً على عهده - صلى الله عليه وسلم - فهو موزون، ولا يجوز بيعه بجنسه كيلاً.
ولا ينظر إلى ما أحدث الناس بعده، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يعتبر غالب عادات البلدان فيه؛ فالدراهم والدنانير موزونة والأشياء الأربعة المطعومة مكيلة، والملح إن كان قطعاً كباراً فموزونة.
وما لم يكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كان ولم يدر أنه كان يُكال أو يوزن، أو كان يُكال مرة ويوزن أخرى، ولم يكن أحد الأمرين أغلب - ففيه وهان:
أحدهما: تعتبر المساواة في الكيل؛ لأنه الأصل في المطعومات.
والثاني: تعتبر المساواة في الوزن؛ لأنه أحصر وأقل تفاوت.
وقيل: يعتبر غالب عادة بلد البيع.
وإذا كان بين رجلين شيء من مال الربا، فأراد قسمته، فالقسمة بيع؛ على أصح القولين، فلا يجوز قسمة المكيل وزناً، ولا قسمة الموزون كيلاً.
وما لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ كالعنب والرطب واللحم الرطب لا يجوز قسمته أصلاً.
وإن قلنا: القسمة إفراز حق يجوز قسمة المكيل وزناً، والموزون كيلاً، ويجوز قسمة العنب والرطب واللحم بالوزن.
ولا تجوز قسمة الثمار بالخرص على رؤوس الأشجار؛ لأنا إن قلنا: بيع، فبيع بعضه ببعض لا يجوزه، وإن قلنا: إفراز حق، فالخرص ظن لا يعلم نصيب كل واحد على الحقيقة، وفي الزكاة جوز بالخرص، لأنه ليس للمساكين فيه حقيقة شركة؛ بدليل أنه يجوز أداء حقهم من موضع آخر.
وقيل: إذا قلنا: القسمة إفراز حق، يجوز قسمة ثمر النخيل والكرم بالخرص.
فصل في تحريم بيع مال الربا بجنسه جزافاً
رُوي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع
الصبرة من التمر لا تعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر".
لا يجوز بيع مال الربا بجنسه جُزافاً؛ مثل: إن قال: بعتك هذه الصبرة من الحنطة بتلك الصبرة، أو هذه الدراهم بتلك الدراهم؛ لأنهما إن خرجتا متفاضلتين؛ فليقين التفاضل، وإن خرجتا متساويتين؛ فللجهل بالتماثل حالة العقد.
ولو قال صاحب الصبرة الصغيرة: بعتك هذه الصبرة بما يقابلها من صبرتك، أو هذه القطعة من الذهب بقدرها من دينارك، أو هذا الإناء من الفضة بما يوازيه من فضت - يصح ثم إن كالا أو وزنا في المجلس وتقابضا، تم العقد والزيادة من الكبيرة لبائعها، وإن تقابضا الجملتين وتفرقا قبل الكيل، والوزن - فقد قيل: يبطل العقد؛ لأنهما تفرقا مع بقاء العُلفة بينهما؛ كما لو تفرقا قبل القبض.
والصحيح من المذهب: أن العقد لا يبطل؛ لوجود التقابض في المجلس.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة مكايلة أو كيلاً بكيل، أو بعتك هذا الدينار بذلك الدينار موازنة أو وزناً بوزن؛ فإن كالا أو وزنا وخرجا متساويين صح العقد، وإن خرجا متفاضلين، ففيه قولان:
أصحهما: البيع باطل؛ لأنه قابل الجملة بالجملة؛ وقد ظهر الفضل بينهما.
والثاني: يصح في الكبيرة بقدر ما يقابلها من الصغيرة؛ لأنه قابل صاعاً بصاع، وثبت الخيار لمشتري الكبيرة؛ لأنه لم يسلم له جميعها.
فحيث قلنا: يصح العقد؛ فلو تفرقا بعد التقابض قبل الكيل والوزن، هل يبطل أم لا؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يبطل.
وإن كان الجنس مختلفاً بأن باع صبرة من حنطة بصبرة من شعير لا يعلم كيلها - يجوز.
فإن قال: بعتك هذه بتلك صاعاً بصاع، أو قال صاعاً بصاعين؛ فإن خرجا على ذلك جاز، وإن زاد أحدهما ففي صحة البيع قولان:
أصحهما: لا يجوز.
فإن جوزنا، فالزيادة غير مبيعة، ولمشتريها الخيار.
فصل في بيع الربوي بجنسه إذا كان مع أحد العوضين أو كليهما غيره
روي عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب - وهي من المغانم تباع - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذهب الذي في القلادة؛ فنزع وحده.
ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الذهب بالذهب وزناً"، ويروي: "لا تباع حتى تفصل".
إذا باع مال الربا بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر - لا يجوز مثل: إن باع مُد عجوة ودرهم بمدى عجوة أو درهمين، أو بمد عجوة ودرهم، أو باع قفيز حنطة
وقفيز شعير بقفيزي حنطة أو بقفيزي شعير، أو بقفيز حنطة وقفيز شعير.
وعند أبي حنيفة - رحمة الله عليه-: يجوز؛ حتى لو باع ثلاثة أكرار حنطة، وثلاثة أكرار شعير، وثلاثة أكرار تمر بِكُرِّ حنطة، وكُر شعير، وكر تمر - يجوز، ويقع كل شيء في مقابلة غير جنسه.
والحديث حجة عليه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء".
والتساوي هاهنا غير موود من قبل أن الصفقة إذا اشتمل أحد شقيها على مختلفي القيمة، توزع ما في الشق الآخر عليهما باعتبار القيمة؛ بدليل أنه لو باع شقصاً من دار وسيفاً بألف - توزع الألف عليهما باعتبار القيمة؛ حتى لو كانت قيمة الشقص ألفاً وقيمة السيف خمس مائة، أخذ الشفيع الشقص بثلثي الألف.
وهاهنا لو باع صاع حنطة وشقصاً من دار بصاعي حنطة، وقيمة الشقص مثلاً قيمة الحنطة؛ فالشفيع يأخذ الشقص بصاع وثلث فيبقى الصاع الذي مع الشقص بمقابلة ثلثي صاع.
وكذلك لو اشتمل أحد الشقين، أو كلاهما على مختلفي النوع؛ مثل: إن باع مد عجوة ومد صيحياني بمدى عجوة أو بمدى صيحاني، أو باع صاعاً من حنطة جيدة وصاعاً من حنطة رديئة بصاعين جيدين أو رديئين، أو بصاع جيد وصاع رديء - لا يجوز.
وكذلك لو باع ديناراً جيداً وديناراً رديئاً بدينارين وسطين لا يجوز، هذا إذا قابل ما في أحد الشقين بالآخر مطلقاً.
فأما إذا باع مد عجوة ودرهم "بمد عجوة ودرهم"، وقال: المد بمقابلة الدرهم والدرهم بمقابلة المد، أو قال المد بإزاء المد والدرهم "بإزاء الدرهم"؛ فقبل المشتري عليه - يجوز؛ لأنه بمنزلة صفقتين.
أما إذا خلط الجيد بالرديء، أو الحنطة النقية بالنجسة، ثم باع صاعاً منه بمثله، أو باعه بصاع جيد، أو بصاع رديء - جاز؛ لأن أحد النوعين إذا لم يتميز عن الآخر، لا يوجب التوزيع بالقيمة، بل تتوزع بالأجزاء؛ فيصير كما لو باع صاعاً جيداً بصاع رديء؛ فجائز.
أما إذا باع مال الربا بغير جنسه، ومعهما أو مع أحدهما شيء آخر - نظر: إن باعه بما لا يوافقه في علة الربا؛ مثل: إن باع ديناراً ودرهماً بصاع حنطة، وبصاع شعير - يجوز.
وإن باعه بما يوافقه في العلة، نظر: إن كنا القبض في الكل شرطاً في المجلس؛ مثل: إن باع صاع حنطة، وصاع شعير بصاع تمر وصاع ملح - فيجوز، وإن كان القبض في البعض شرطاً في المجلس، مثل: إنباع درهماً وصاع حنطة بصاع شعير، ففيه قولان؛ للجمع بين مختلفي الحكم؛ لأن ما يقابل الدرهم من الشعير لا يشترط فيه التقابض، ويشترط فيما يقابل الحنطة منه.
ولو باع داراً بذهب، فظهر فيها معدن الذهب - ففي صحة البيع وجهان:
أحدهما: لا يصح، كما لو باع داراً مموهة بالذهب دنانير، وكان التمويه بحيث يحصل منه شيء من الذهب لا يصح؛ كما لو باع بقرة بلبن بقرة؛ فبانت البقرة لبوناً - لا يصح.
والثاني: وهو الأصح: يصح؛ لأن المعدن تبع، كما لو باع داراً وفيها بئر ماء بدار فيها بئر ماء - يجوز؛ لأن الماء في البئر تبع الدار.
أما إذا باع داراً مموهة بالذهب دنانير، وكان التمويه بحيث لا يحصل منه شيء من الذهب، يصح البيع.
ولو أجر حُلياًّ من ذهب بذهب، يجوز، ولا يشترط القبض في المجلس؛ لأن الأجرة بمقابلة المنفعة لا بمقابلة العين، فلا يكون رباً.
ولو باع صاع حنطة بصاع حنطة، وفيهما أو في أحدهما قصل أو زؤان؛ قل أم
كثر، أو حبات شعير أو مدر - لم يجز؛ لأنه إن كان في أحدهما؛ فليقين التفاضل، وإن كان فيهما؛ فللجهل بالتماثل.
أما إذا كان في أحدهما قليل تراب، أو دقاق تبنٍ - فيجوز؛ لأنه يدخل في تضاعيف الحنطة؛ فلا يظهر في الكيل.
أما إذا باع موزوناً من مال الربا بجنسه، وفيهما أو في أحدهما قليل تراب، أو دقاق تبن - لم يجز؛ لأنه يؤثر في الوزن؛ فيمنع التماثل؛ ولو باع صاع حنطة بصاع شعير، وفي الشعير حبات حنطة، وفي الحنطة حبات شعير - جاز؛ لأن المساواة بين المقصودين غير شرط؛ فيعفى عن قليل ما يخالطه بما ليس بمقصود.
فصل في بيع الربوي المطعوم بفروعه وبيع فروعه بعضها ببعض
لا يجوز بيع الحنطة بكل ما يُتخذ منها من المطعومات من الدقيق والسويق والخبز وغيرها؛ لأن الحنطة إذا غيرت عن هيئتها، خرجت عن حالة المال، ولا تعرف المساواة، بينهما في حالة الكمال.
وكل ما يُتخذ من الحنطة من دقيق أو خبز، فلا يجوز بيع بعضه ببعض.
[وحى البويطي قولاً أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق؛ وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: يجوز بيع الحنطة بالدقيق] ويجوز بيع دقيق الحنطة بدقيق الشعير وخبزه، متفاضلاً وجزافاً، يداً بيد.
ولا يجوز بيع العنب بكل ما يتخذ منه من عصير ودبس وخل غيرها، ولا بيع الرطب بكل ما يتخذ منه، ويجوز بيع عصير العنب بعصير العنب، وبيع عصير الرطب بعصير الرطب متساويين في الكيل؛ لأنه على كمال حاله؛ فإن معظم منفعته في هذه الحالة؛ فهو كبيع اللبن باللبن، والدهن بالدهن.
ولا يجوز بيع عصير العنب بدبسه ولا بخله، ويجوز بيع خل العنب بمثله، وبيع خل
الرطب بمثله متساويين في الكيل؛ لأنه على هيئة الادخار.
ولا يجوز بيع دبس العنب بمثله؛ لأن أخذ النار منها يتفاوت ولا بيع دبسه بخله؛ لأن أصلهما واحد، ويمكن أن يُتخذ الخل من الدبس.
ولا يجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب، ولابيع خل التمر بخل التمر؛ لأنه لا يخلو عن الماء؛ فلا يعرف التماثل بين الخلين، وذلك لا يجوز بيع خل العنب بخل الزبيب، ولا خل الرطب بخل التمر؛ لأن في خل الزبب والتمر ماء؛ فتعدم المماثلة بين الخلين.
فإذا اختلف الجنس؛ مثل: إن باع عصير العنب بعصير الرطب، أو خل العنب بخل الرطب، أو دبس أحدهما بدبس الآخر - يجوز متفاضلاً وجزافاً يداً بيد؛ كبيع العنب بالرطب.
والخلول أجناس مختلفة إذا اختلفت أصولها، وإن اتفقت أساميها، وذلك الأدهان؛ لأنها فروع أصول [ربوية] مختلفة؛ فكان حكمها حكم أصولها؛ كدقيق الشعير مع دقيق الحنطة؛ بخلاف اللحمان؛ مثل: لحم الغنم، ولحم البقر والإبل جعلناها على أحد القولين جنساً واحداً؛ لأن أصولها غير ربوية، وحكم الألبان حكم اللحمان.
لا يجوز بيع خل الزبيب بخل التمر؛ لأن فهيما ماء، والماء فيه ربا ولا تعرف المماثلة بين الماءين؛ فن باع خل الزبيب بخل الرطب يجوز؛ لأن الماء في أحدهما، والمماثلة بين الخلين غير شرط.
ولا يجوز بيع السمسم بدهنه، ولا بكسبه، ويجوز بيع دهنه بدهنه متساويين في الكيل، ويجوز بيع كسبه بكسبه متساويين في الوزن إذا لم يكن فهي خلط، فإن كان فيه خلط فلا يجوز، ولا يجوز بيع طحينه بطحينه؛ كبيع الدقيق بالدقيق، ويجوز بيع دهنه بكسبه متفاضلين؛ لأنهما جنسان مختلفان يداً بيد، وكذلك الجوز واللوز بما يتخذ منه.
فإذا اختلف الجنس؛ بأن باع دهن الجوز بدهن السمسم، أو شيئاً مما يتخذ من أحدهما بالآخر - يجوز متفاضلاً وجزافاً يداً بيد.
والأدهان المطيبة مثل دهن الورد، والبنفسج، والنيلوفر -كلها جنس واحد؛ لأنها
دهن السمسم.
فإن طرحت أوراق هذه الأشياء في الدهن؛ حتى يطيب - لايجوز بيع بعضه ببعض؛ لأنه اختلط به ما يمنع التماثل.
وإن ربا السمسم في الورد، ثم استخرج دنه - جاز بيع بعضه ببعض متساويين.
والأدهان المتخذة للتداوي مثل: دهن الخروع والخردل ودهن نوى الخوخ والمشمش - يثبت فيها الربا، ونوع من الدهن يتخذ لغير الأكل مثل دهن بزر الكتان، ودهن السمك لا ربا فيه؛ لأنه غير مطعوم.
وقيل: فيه ربا؛ لأن دُهن السمك يأكله الملاحون، ودهن بزر الكتان يؤل في أول ما يستخرج، ثم يتغير بمرور الزمان عليه.
ويجوز بيع اللبن باللبن متساويين في الليل إذا كان الجنس واحداً؛ سواء كانا حليبين أو رائيين أو حامضين، أو كان أحدهما حليباً والآخر حامضاً أو رائباً؛ فإن كان مغليين، أو أحدهما - لا يجوز؛ كبيع الدبس بالدبس، ولا يجوز بيع الهريد بالهريد، ولا بيع اللبأ باللبأ؛ لتأثير النار فيه.
لا يجوز بيع اللبن بل ما يتخذ منه من مخيض وزبد وسمن، ويجوز بيع المخيض بالمخيض إذا لم يكن فيهما ماء، ويجوز بيع السمن بالسمن متساويين في الكيل إن كان ذائباً وإن كان جامداً ففي الوزن.
ولا يجوز بيع الزبد بالزبد؛ لأنه لا ينفك عن قليل مخيض؛ فيمنع المماثلة، ويجوز بيع المخيض بالزبد وبالسمن متفاضلين، وإن كان في الزبد قليل مخيض، وفي المخيض قليل زبد، لأن المقصودين مختلفان في الجنس؛ كبيع الحنطة بالشعير، وفي أحدهما قليل قصل أو زؤان.
ولا يجوز بيع الزبد بالسمن؛ لأن السمن يتخذ من الزبد، ولا يجوز بيع الأقط بالأقط، ولا المصل بالمصل، ولا الجبن بالجبن؛ لأن حالة كماله كونه لبناً، ولا تعرف المماثلة بين اللبنين؛ ولأنه لا يخلو عن شيء يخالطه.
وإن كان الجنس مختلفاً؛ مثل: لبن البقر مع لبن الغنم والإبل - فيجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلين يداً بيد.
وكذلك يجوز بيع لبن أحد الصنفين بما يتخذ من لبن الصنف الآخر.
ولبن الغنم ضانيها وماعزها جنس واحد، ولبن الوعل مع المعز الأهلي صنفان.
وفيه قول آخر أن الألبان كلها صنف واحد؛ فلا يجوز بيع أحدهما بالآخر، إلا على الوجه الذي ذكرنا في بيع لبن الغنم بلبن الغنم.
والأول المذهب.
ولو باع لبن الشاة بشاة حية غير لبون - يجوز نقداً ونسيئة، وإن باع بشاة لبون؛ نظر: إن كانت مستفرغة الضرع حالة البيع، بأن حلب لبنها، ثم بيعت في الحال - يجوز، وإن كان في ضرعها لبن في تلك الحالة، لا يجوز؛ لأن اللبن في الضرع له قسط من الثمن، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في مقابلته صاعاً من التمر في المُصراة.
وكذلك لو باع شاة لبوناً بشاة لبون في ضرعها لبن - لا يجوز فإن كانتا أو أحداهما مستفرغة الضرع؛ بأن حلبها، ثم في الحال باعها، جاز.
ولو باع بن الشاة ببقرة لبون في ضرعها لبن أو بقرة لبوناً بشاة لبون في ضرعها لبن:
إن قلنا: الألبان جنس واحد، لا يجوز.
وإن قلنا بظاهر المذهب: إن الألبان أجناس مختلفة - فهل يجوز البيع فيه قولان؛ لأنه جمع بين مختلفي الحكم من حيث إن ما يقابل اللبن من اللبن يشترط التقابض فيه، وما يقابله من الحيوان لا يشترط.
ولو باع شيئاً عُرض على النار من مال الربا بجنسه - فهو على قسمين
قسم يعرض على النار؛ ليتميز ما ليس منه عنه؛ كالفضة والذهب يعرض على النار؛ ليتميز الغش عنه، والسمن يعرض على النار، ليتميز المخيض عنه؛ فيجوز بيع بعضه ببعض.
وقسم يعرض على النار؛ للطبخ؛ كاللحم، لا يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه، ولا بيع مطبوخه بنيه.
وكذلك الدبس لا يجوز بيع بعضه ببعض؛ على اهر المذهب، وفي بيع السكر بالسكر، والفانيذ بالفانيذ وجهان:
أصحهما: لا يجوز؛ كبيع الدبس بالدبس.
والثاني: يجوز؛ لأن للنار فيه نهاية لا يجاوزها؛ بخلاف الدبس، فإن تأثير النار فيه مختلف.
ولا يجوز بيع قصب السكر بالسر، ولا بقصب السكر؛ كما لا يجوز بيع الرطب بالتمر، ولا بالرطب.
ولو باع السكر بالفانيذ إن كان أصلهما مختلفاً - جاز، وإن كان واحداً، فكبيع الفانيذ بالفانيذ، وكذلك بيع قصب السكر بالفانيذ إن كان أصلهما واحداً، لا يجوز، وإن كان مختلفاً يجوز، كبيع الرطب بالعنب.
ويجوز بيع العسل بالعسل إن كان مصفى بالشمس، متماثلين في الكيل.
وإن كان مصفى بالنار، فعلى وجهين:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن النار قد تعقد أجزاءه.
والثاني: يجوز، لأن عرضه على النار؛ لتصفيته عن الشمع، وهي نار لينة لا تعقد أجزاءه؛ كالشمس.
ولا يجوز بيع الشهد بالشهد؛ لأنه لا يعرف تماثل العسلين؛ لما فيهما من السمع؛ بخلاف النوى في التمر؛ لأنه من صلاحه.
وكذل لا يجوز بيع العسل بالشهد؛ ليقين التفاضل، ويجوز بيع الشمع بالشمع متفاضلاً وجزافاً، نقداً ونسيئةً؛ لأنه ليس مال الربا.
وكذل يجوز بيع الشمع بالعسل وبالشهد، وأما عسل الرطب وهو رُبٌّ يسيل منه - يجوز بيع بعضه ببعض متساويين في الكيل، ويجوز بيعه بعسل النحل متفاضلاً وجزافاً يداً بيد؛ لأنهما جنسان مختلفان؛ كما يجوز بيع العسل بالدبس.
فصل في استبدال ما في الذمة بغيره
روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير؛ فآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق؛ فأخذ مكانها الدنانير، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن ذلك فقال: "لا بأس به بالقيمة".
إذا باع شيئاً بدراهم، أو بدنانير في الذمة - يجوز الاستبدال عن الثمن في الذمة، على قوله الجديد وهو المذهب، لحديث ابن عمر، وكما يجوز الاستبدال عن القرض، وبدل الإتلاف.
وقال في القديم: لا يجوز الاستبدال عنه؛ كما لا يجوز عن المسلم فيه قبل القبض، ولا فرق في جواز الاستبدال بني أن يكون بعد تسليم المبيع أو قبله.
ولو باع شيئاً بغير الدراهم والدنانير في الذمة - فالمذهب: أنه كالدراهم والدنانير في جواز الاستبدال عنه.
وقيل: لا يستبدل عن غير الدراهم والدنانير، وأصله: أن حد الثمنية ماذا؟ لأن ما يثبت في الذمة ثمناً يجوز الاستبدال عنه، وما يثبت مثمناً لا يجوز.
فالصحيح أن حد الثمنية ما يجعله المتبايعان ثمناً؛ وهو ما ألصق به باء الثمنية؛ فعلى هذا: يجوز أن يستبدل عن غير النقدين.
وقيل: إذا كان أحد العوضين من أحد النقدين، فهو ثمن بكل حال، وما ليس بنقد مثمن؛ فعلى هذا الاستبدال عن غير النقدين لا يجوز.
وإذا باع شيئاً بدراهم أو دنانير معينة تتعين؛ حتى لا يجوز إعطاء مثلها مكانها، ولو تلفت قبل القبض ينفسخ العقد، ولو وجد مشتريها بها عيباً لم يكن له أن يستبدل، بل عن شاء فسخ العقد، وإن شاء رضي به.
وقال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما: الدراهم والدنانير لا يتعينان بالتعيين، حتى يجوز لبائعها إعطاء غير ما وقع عليه العقد من جنسه، وإذا تلفت قبل القبض لا ينفسخ العقد، وإذا وجد بها عيباً يستبدل؛ لأن المقصود منها رواجاً لا أعيانها وغيرها يعمل عملها.
فنقول: أجمعنا على أنها تتعين في الغصب والوديعة، وما يتعين في الغصب والوديعة يتعين في العقد؛ كالسلع، يؤيده: أنه لو أخذ صاعاً من صبرة، فباعه بعينه يتعين؛ حتى لا يجوز أن يعطي صاعاً آخر من تلك الصبرة، مكانه، ون كان يعمل عمله كذا.
هذا إذا أراد أن يعطي مثلها بغير رضا مشتريها.
فأما إذا تراضيا على أن يأخذ مشتريها مثلها، أو شيئاً آخر من غير جنسها، فهو بيع المبيع من البائع، يجوز بعد القبض، ولا يجوز قبله.
وإذا باع شيئاً بدراهم أو دنانير، يشترط أن تكون معلومة بتعيين، أو وصف، أو كونه غالب نقد البلد؛ فلو باع بدينار أو بدرهم مطلقاً؛ نظر: إن كان نقد البلد واحداً انصرف إليه وصح، وإن كان في البلد نقود مختلفة انصرف إلى أعمها وأغلبها، إلا أن يقيد بغيره، فينصرف إلى ما قيده به.
وإن استوت النقود كلها في الرواج، لا يصح العقد ما لم يقيد بواحد منها.
وكذلك تقويم المتلف يكون بغالب نقد البلد؛ فإن كان في البلد نقدان مستويان، فالقاضي يعين واحداً للتقويم.
ولو باع شيئاً بدراهم مغشوشة يصح العقد؛ على ظاهر المذهب؛ لأن المقصود منها رواجها، ولو باع بدرهم مطلقاً، ونقد البلد مغشوش، يجب درهم من ذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح المعاملة بالدراهم المغشوشة، فلو باع بدرهم مطلقاً، ونقد البلد مغشوش - لا يصح؛ لأن المقصود ما فيه من النقرة؛ وهي مجهولة؛ كما لا يجوز بيع تراب المعدن وتراب الصاغة، لأن المقصود ما فيه من الذهب والفضة، وهو مجهول.
ولو كان نقد البلد فلوساً أو دراهم عطرسه - يجوز التصرف فيها، ومطلق العقد ينصرف إليها.
ولو باع شيئاً وسمي نقداً يعز وجوده في البلد - هل يصح؟ هذا ينبني على أن الاستبدال عن الثمن هل يجوز، أم لا؟
إن قلنا: يجوز، صح العقد؛ ثم إن وجد ل النقد، وإلا يستبدل.
وإن قلنا: لا يجوز الاستبدال، لا يصح العقد؛ ما لو أسلم في شيء يعز وجوده.
وإن كان ذلك النقد موجوداً، فانقطع: إن قلنا: يجوز الاستبدال يستبدل.
وإن قلنا: لا يجوز، فهو كما لو انقطع المسلم فيه.
وإذا باع شيئاً بدراهم، وأوجبنا نقد البلد؛ فأبطل السلطان ذلك النقد- ليس له إلا ذل النقد؛ كما لو أسلم في حنطة، فرخصت يس له إلا الحنطة.
وقيل: يتخير البائع بين أن يجيز العقد؛ فيأخذ النقد الأول، وبين أن يفسخ؛ فيسترد ما أعطي؛ كما لو تعيب المبيع قبل القبض.
ولو باع سلعة أو تصارفا وتقابضا، ثم جاء مشتري الدينار به معيباً، فأنكر صاحبه أن يون ذلك الذي أعطاه - نظر: إن كان العقد ورد على دينار في الذمة، فالقول قول من يرد مع يمينه؛ لأن الأصل اشتغال ذمة صاحبه به، هذا هوا الأصح عندي.
وفيه وجه آخر: القول قول الدافع مع يمينه.
وكل لو أتى المسلم بالمسلم فيه معيباً، وقال المسلم إليه: ليس هذا ما دفعته إليك - فالقول قول المسلم مع يمينه؛ على الأصح.
ولو كان قد تلف في يد المسلم؛ فادعى به عيباً، حلف، وغرم التالف، وطالبه بالجيد.
وإن كان العقد قد ورد على معين، فالقول قول من أعطاه مع يمينه؛ لأن الذي يرده يريد فسخ العقد، والأصل مضيه على السلامة، إلا أن يكون المعين نحاساً لا قيمة له؛ فالقول قول من يرده؛ لأنه يدعي فساد العقد، والأصل بقاء ماله على ملكه.
فصل في الصرف
روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا
الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز".
يشترط في بيع أحد النقدين بالآخر تقابض البدلين في المجلس، وإن كان الجنس مثقفاً يشترط التساوي في المعيار، ولا يشترط أن يون معيناً حالة العقد؛ حتى لو تبايعا ديناراً بدينار أو بدرهم وأحدهما أو كلاهما في الذمة -جاز، ثم عليهما أن ينقدا ويتقابضا في المجلس، وإن لم يكن معهما فاستقرضا وتقابضا جاز.
وكذلك لو تبايعا طعاماً بطعام موصوفين في الذمة ثم عينا وتقابضا، جاز.
وإذا تصارفا في الذمة، يشترط بيان الوزن؛ فإذا عينا، لا يجوز التقابض جزافاً إلا بالوزن.
وإذا تعاقدا على معينين، يجوز جُزافاً عند اختلاف الجنس.
وإذا تصارفا على معينين، ثم خرج أحدهما مستحقاً أو خرج نحاساً لا قيمة له- فالعقد باطل، وإن خرج بعضه بهذه الصفة، فالعقد في ذلك القدر باطل، وفي الباقي قولان:
فإن قلنا: يجوز؛ فلمشتريه الخيار بين الفسخ والإجازة، فإن أجاز يجيز بحصته من
الثمن إن كان الجنس واحداً؛ لأن الفضل بينهما حرام، وإن كان الجنس مختلفاً فعلى قولين
أصحهما: يجيز بحصته من الثمن.
والثاني: يجيز بجميع الثمن.
وإن خرج أحدهما رديئاً، نظر: إن كان من جنس النقرة، غير أنها خشنة أو سوداء - فالمشتري بالخيار: إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أجاز، ولا يجوز الاستبدال.
وإن خرج البعض بهذه الصفة، له أن يفسخ العقد في الكل؛ فلو أراد أن يفسخ في القدر الرديء، ويجيز في الباقي - فهل يجوز، أم لا فيه قولان:
فإن جوزناه، يجيز بحصته من الثمن قولاً واحداً؛ لأن العقد فيه صح على الكل؛ فإذا ارتفع في بعضه، سقط بقدره من الثمن.
فأما إذا تصارفا في الذمة وتقابضا، ثم خرج أحدهما مستحقاً أو نحاساً لاقيمة له: فإن كان في مجلس العقد يستبدل، وإن كان بعد التفرق بطل العقد؛ لأنهما تفرقا قبل قبض ما ورد عليه العقد.
ولو خرج رديئاً؛ بأن كانت نقرة، إلا أنها خشنة؛ فإن كان قبل التفرق فهو بالخيار إن شاء رضي به، وإن شاء استبدله.
وإن كان بعد التفرق، فهل له الاستبدال؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: لا يجوز، بل إن شاء فسخ، وإن شاء أجاز؛ لأن الاستبدال قبض بعد التفرق؛ وذلك لا يجوز في الصرف.
والقول الثاني: وهو الأصح: يجوز الاستبدال، ولا فسخ له؛ لأن المقبوض عما [في] الذمة إذا خرج رديئاً لا يفسخ به العقد؛ كالمسلم فيه إذا خرج رديئاً، ولا يكون قبضاً بعد التفرق؛ لأن قبض الأول قبض تام؛ بدليل أنه لو رضي به جاز، وهذا بدل يقيمه مقام الأول؛ حتى قال أصحابنا: إذا رد الرديء، يجب أن يأخذ بدله قبل التفرق عن مجلس الرد، فإن تفرقا قبل قبض البدل، بطل العقد.
وإذا خرج بعضه بهذه الصفة بعد التفرق؛ فإن جوزنا الاسبتدال يستبدل ذلك القدر، وإن لم نجوز فهو بالخيار: إن شاء فسخ العقد في الكل، وإن شاء أجاز، فلو أراد أن يفسخ
في القدر الرديء، ويجيز في الباقي - فعلى قولين؛ بناء على تفريق الصفقة.
وحكم رأس مال السلم إذا وجد المسلم إليه به عيباً - حكم بدل الصرف؛ على التفصيل الذي ذكرنا.
ولو تصارفا وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما اشترى عيباً بعد ما تلفت في يده - والعيب مما يجوز الرضا به - بماذا يرجع؟ لا يخلو: إما أن يكون معيناً، أو في الذمة.
فإذا كان معيناً نظر: إن كان الجنس مختلفاً؛ مثل: إن باع ديناراً بدراهم، أو حليباً من ذهب بدراهم؛ فتلف الدينار والحلي عنده، ثم علم به عيباً يسترد من الثمن بقدر العيب؛ كما في غير الصرف.
وإن كان الجنس متفقاً؛ بأن باع ديناراً بدينار، أو حلياً من ذهب بذهب، ثم وجد به عيباً بعد التلف، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: يسترد من الثمن بقدره؛ كما في غير الصرف.
وقيل: يأخذ الأرش من غير جنس ما أعطى؛ لأنه إذا استرد بعض الثمن، ظهر الفضل في أحد العوضين.
وهذا ضعيف؛ لأنه لو امتنع الأول للفضل، لامتنع أخذ غير الجنس، لأنه يصير كبيع ما الربا بجنسه مع غيره.
وقال ابن أبي هريرة: يُغرم ما تلف عنده، ويفسخ العقد، ويسترد ما أعطى؛ فإن كان قد تعيب في يده، يغرم أرش النقصان ويفسخ.
والأول المذهب؛ لأن المماثلة في مال الربا تشترط في العقد، وحالة العقد كان العرضان متماثلين، واسترجاع بعض الثمن حق ثبت له ابتداء؛ فلا يراعى فيه معنى الربا.
فأما إذا تصارفا في الذمة وتقابضا، ثم وجد أحدهما بما اشتراه عيباً بعد التلف - نظر: إن كانا في مجلس العقد، يغرم ما تلف عنده ويستبدل، وإن كان بعد التفرق؛ فإن جوزنا الاستبدال فهكذا؛ وإن لم نجوز الاستبدال بعد التفرق؛ فإن كان الجنس مختلفاً يسترد من الثمن بقدر العيب؛ وإن كان الجنس متفقاً فعلى الأوجه الثلاثة.
أصحها: يسترد من الثمن بقدر العيب.
وكذلك لو باع طعاماً بطعام، ثم وجد بما اشترى عيباً بعد ما تلف عنده.
وكذلك لو وجد المسلم إليه برأس مال السلم عيباً بعد ما تلف عنده، فإن كان رأس مال السلم معيناً ثم يسقط من المسلم فيه بقدره مثل: إن كان العيب ينقص عشر قيمته؛ فتسقط عشر المسلم فيه، وإن كان في الذمة فعينه.
فإن كان في المجلس يُغرم ما تلف عنده
ويستبدل، وإن كان بعد التفرق، فإن جوزنا الاستبدال فكذلك، وإن لم نجوز، فيسقط من المسلم فيه بقدره؛ كما في المعين.
فصل في وجوب المساواة بين الربويات عند اتحاد الجنس
رُوي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أكل تمر خيبر هكذا فقال: لا، والله يا رسول الله: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تفعل، بيع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً.
لايجوز أن يبيع مال الربا بجنسه، ويأخذ فضلاً إلا بواسطة عقد آخر، مثل: إن أراد بيع دينار صحيح بدينار ودانق مكسر، يبيع الدينار بالدراهم، أو بثوب، ثم بعد ما تقابضا وتفرقا أو تخايرا، يشتري بالثوب أو بالدراهم الذهب المُكسر، كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامل خيبر أن يبيع الجميع بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم الجنيب.
فلو باع الدينار بالدراهم، ثم اشترى بالدراهم الذهب المكسر قبل قبضها - لم يجز، ولو اشترى بعد قبضها قبل التفرق، أو التخاير -فالمذهب جوازه، ويصير به مجيزاً للعقد الأول.
ولو لم يتبايعا، بل أقرض الدينار الصحيح من صاحبه، واستقرض منه ديناراً ودانقاً مكسراً، ثم أبرأ كل واحد منهما صاحبه، أو وهب كل واحد منهما ما معه لصاحبه، أو تبايعا ديناراً بدينار، ثم باع المكسر، ووهب الزيادة منه - جاز إذا لم يشترط في إقراضه أو هبته أو بيعه إقراض الآخر أو هبته؛ فإن فعل، لم يصح واحد منهما.
ولو باع حُليا من فضة بفضة لا يجوز طلب الفضل للصنعة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل".
ولو كان معه دينار قيمته عشرون درهما؛ فباع نصفه مشاعاً من رجل بعشرة، وسلم الكل إليه، ليحصل تسليم النصف - يجوز.
ولو باع كله بعشرين، ولم يكن مع مشتريه إلا عشرة دراهم، فدفعها إلى البائع، واستقرض عشرة من بائع الدينار غير هذه العشرة، ورد إليه من ثمن الدينار- يجوز.
ولو استقرض هذه العشرة التي دفعها إليه، هل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، كما لو استقرض غيرها.
والثاني: لا يجوز؛ لأن ملك بائع الدينار لم يستقر عليها.
والله أعلم.
باب
بيع اللحم باللحم وبالحيوان
لحوم الحيوانات صنف واحد أم أصناف مختلفة؟
فيه قولان:
أصحهما؛ وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني - رحمة الله عليهما -: أنها أصناف مختلفة، لأنها فروع أصول مختلفة؛ كالأدقة.
والثاني: كلها صنف واحد؛ لأنها اشتركت في الاسم الأخص أول حالة دخولها في الربا اشتراكاً لا يتميز إلا بالإضافة؛ فأشبهت أنواع التمور كلها جنس واحد.
وليس كالثمار؛ لأنها لم تشترك في الاسم الأخص، إنما اشتركت في الاسم الأعم ولكل صنف منها اسم على حدة؛ فكانت أجناساً مختلفة، ولا كالأدقة؛ لأنها ليست أول حالة دخولها في الربا؛ فإن أصولها ربوية مختلفة؛ فكان حكمها حكم أصولها.
فإن قلنا جنس واحد، فلحوم جميع الحيوانات: أهليها ووحشيها، بريها وبحريها - جنس واحد.
وإن قلنا بالقول الأصح: إنها أجناس مختلفة، فلحم كل صنف جنس آخر، واختلاف النوع لا يوجب اختلاف الجنس، فلحوم الغنم ضانيها وماعزها صنف واحد، ولحوم البقر جواميسها وعرابها جنس واحد، ولحوم الإبل مع اختلاف أنواعها جنس واحد، ولحوم الإبل والبقر والغنم أجناس، والبقر الوحشي مع الأهلي جنسان، وكذلك الوعل مع المعز الأهلي.
وفي الطيور الحمام كلها جنس واحد، وهو ل ما عَبَّ وهدر مثل: اليمام والفواخت والقُمري، والدبسي.
وقيل: كل نوع صنف آخر.
والأول أصح.
والعصافير مع اختلاف أنواعها صنف واحد.
وحيوان البحر مع حيوان البر صنفان، وحيوان البحر السمك مع اختلاف أنواعها صنف واحد، وفي السمك مع سائر حيوانات البحر قولان، وكذلك سائر حيوانات البحر مع اختلاف أنواعها فيها قولان:
أحدهما: كلها جنس واحد؛ لأن الكل يسمى حوتاً.
والثاني: أجناس مختلفة؛ لأن كل صنف ينفرد باسم خاص كحيوانات البر.
فإن قلنا: اللحوم أجناس مختلفة، يجوز بيع بعضها ببعض عند اختلاف الجنس متفاضلاً أو جزافاً، نياً ومطبوخاً، رطباً ويابساً، يداً بيد.
وإن قلنا: جنس واحد؛ فباع لحم حيوان بمثله، مثل: إن باع لحم الشاة بلحم الشاة - نظر: إن كانا رطبيين أو أحدهما، لايجوز؛ بخلاف الثمار يجوز بيع بعضها ببعض في قول في حالة الرطوبة؛ لأن معظم الانتفاع بها حال رطوبتها، وإن كانا قديدين يابسين يجوز متساويين في الوزن، وإن كانا مملحين فإن كان عليهما أو على أحدهما من أثر الملح ما يظهر في الوزن - لم يجز، وإلا فيجوز.
وإن كان فيهما، أو في أحدهما عم يجوز؛ على أصح الوجهين؛ كالنوى في التمر.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز، حتى يكونا منزوعي العظم؛ لأن العظم فيه ليس من
صلاحه؛ بخلاف النوى في التمر؛ بدليل أن بيع التمر بالتمر منزوع النوى لا يجوز، ويجوز بيع اللحم باللحم منزوع العظم.
أما إذا استخرج العظم من أحدهما، ثم بيع بما فيه العظم لا يجوز، ولا يجوز بيع المشوي منه بالمشوي ولا بالنيء.
ويجوز بيع شحم البطن بشحم الهر ولحمه، متفاضلاً وجزافاً، رطباً ويابساً؛ لأنها جنسان، ولحم اظهر مع شحم الظهر ولحمه، متفاضلاً وجزافاً، رطباً ويابساً؛ لأنها جنسان، ولحم الظهر مع شحم الظهر جنس واحد، والآلية مع الشحم واللحم أجناس، وسنام البعير مع شحم ظهره وبطنه جناس، ولحم الرأس والأكارع مع لحم الظهر جنس واحد، والكبد والطحال والقلب والرئة والكرش أجناس مختلفة، واللحم معها جنس آخر.
قلت: وبيض الطيور جنس واحد، أم أجناس؟ فكاللحمان.
فصل في بيع اللحم بالحيوان
روي عن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.
إذا باع لحم الحيوان بحيوان مأكول اللحم، لا يجوز، سواء باع بجنسه، أو بغير جنسه؛ مثل: بيع لحم الشاة بالبقر.
روي عن ابن عباس رضي الله عنه- أن جزوراً نحرت على عهد "أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فجاء رجل: "بعناق" فقال؛ أعطوني جزءاً بهذه العناق.
فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: لا يصلح هذا.
ولو باع اللحم بحيوان غير مأكول من عبد أو حمار - فيه قولان:
أصحهما: وهو المنصوص في أكثر الكتب: لا يجوز، لظاهر الخبر.
وفيه قول آخر: أنه يجوز.
قلت: ولا يجو بيع سنام البعير وإليه الشاة بالحيوان؛ لأنه في معنى بيع اللحم بالحيوان، وجاء في الحديث؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"نهى أن يباع حتى بميت".
ويجوز بيع البيضة بالدجاج؛ لأن البيضة لم تنك حية فارقها الروح.
ولو باع بيضة بدجاجة في جوفها بيض، لا يجوز؛ كبيع اللبن باللبن.
باب
ثمر الحائط يباع أصله
روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
إذا باع نخلة قبل خروج طلعها يخرج الطلع على ملك المشتري.
وإن باع بعد خروج الطلع قبل تشققه، فالطلع يدخل في مُطلق بيع النخلة.
وإن باع بعد تشقق الطلع؛ سواء أبر أو لم يؤبر - فالثمرة تبقى على ملك البائع؛ لأنها ظهرت من كمامها بالتشقق؛ فلا تتبع الأصل، إلا أن يبيعها مع النخلة؛ فيكون للمشتري؛ هذا كما أن الحمل يدخل في مطلق بيع الأم، ولو باع الأم بعد خروج الولد، لا يتبعها الولد إلا أن يبيعه معها.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه -: الطلع لا يدخل في مطلق بيع النخلة.
وقال ابن أبي ليلى: المؤبرة تدخل.
ومنطوق الحديث حجة على ابن أبي ليلى، ومفهومه على أبي حنيفة؛ ولأن ماله حالة كمون وظهور في أصل الخلقة يتبع الأصل في حال الكون، كالحمل في البطن.
ولو باع نخيل حائط بعضها مؤبرة والبعض مطلعة صفقة واحدة، يبقى الكل على ملك البائع، سواء اتفقا في النوع، أو اختلفا؛ لأن المؤبرة كاملة؛ فتستتبع الناقصة.
وقيل: إن كان النوع مختلفاً أبر أحد النوعين دون الثاني؛ فلا تستتبع، بل تدخل غير المؤبرة في البيع.
والأول المذهب.
فإن أفرد المطلعة بالبيع يدخل الطلع في البيع؛ لأنه إنما يكون تبعاً للمؤبرة إذا جمع بينهما في البيع، فإذا أفرده، فلا يكون تبعاً له، بل يكون تبعاً للأصل.
ولو كان بعض نخيله مؤبرة، والبعض لم يخرج طلعه، فباع جميع الحائط؛ ففي الطلع الذي يخرج من بعد وجهان:
قال ابن أبي هريرة: يكون للمشتري؛ لأنه خرج من ملكه، ولايتبع المؤبر؛ لأنه لم يكن موجوداً يوم بيعه.
والثاني: يتبع المؤبرة ويكون للبائع؛ لأنه من ثمر عامة؛ كالطلع الظاهر.
ولو باع نخيل حائطين صفقة واحدة: ثمر أحدهما طلع، وثمر الآخر مؤبرة؛ بعضها أو كلها- فثمر الحائط الذي أبر بعضها، أو كلها، يبقى للبائع، وثمر الآخر يدخل في البيع،
سواء كان النوع مختلفاً أو متفقاً؛ بخلاف الحائط الواحد؛ حيث قلنا: يبقى الكل على ملك البائع؛ نفياً للضرر عنهما باختلاف الأيدي، وسوء المشاركة.
ولو باع نخلاً فخلا مطلعاً، يدخل طلعه في البيع؛ كطلع الإناث.
وقيل: يبقى طلعه للبائع، بخلاف طلع الإناث؛ لأن المقصود من الفحل طلعه، وهو ظاهر، ومن الإناث ثمرتها، وهي غير ظاهرة، فتدخل في البيع.
ولو باع نخيل حائط بعضها فحول، وبعضها إناث قد تشقق طلع أحد النوعين، يبقى الكل على مل البائع، على ظاهر المذهب.
والكُرسف نوعان: نوع منه: له ساق يبقى سنين، يثمر كلسنة؛ مثل: كرسف "الحجاز"؛ فهو كالنخل إن باعه قبل خروج الجوزق يخرج على مل المشتري، وإن باعه بعد خروج الوزق قبل تشققه يدخل في مطلق بيع الشر، وإن باعه بعد تشققه أو تشقق بعضه يبقى الكل للبائع.
والنوع الثاني منه: زرع لا يبقى إلا سنة واحدة، فإن باعه قبل خروج الجوزق، أو بعد هرت بالخروج عن الشجرة، فتسترها بالنور تستر ثمر النخل بعد التأبير بما عليها من القشر خروجه قبل أن يتكامل فهي القطن - لا يجوز إلا بشرط القطع؛ كبيع الزرع الأخضر؛ فإذا باعه بشرط القطع، فلم يتفق القطع حتى خرج الجوزق - يكون للمشتري؛ لأن الأصل له.
وإن باعه بعد ما تشقق الوزق، جاز مطلقاً، ويدخل الكُرسف في البيع، ويبقى إلى أوان اللقاط؛ بخلاف الثمر المؤبر لا يدخل في بيع الشجرة؛ لأن شجرة النخلة مقصودة لثمرة عام قابل، وهاهنا لا مقصود إلا هذا الموجود؛ فدخل في البيع.
فإن تكامل فيه القطن، ولم يتشقق، فلا يصح بيعه؛ على أصح الوجهين، وكذلك بيعه على وجه الأرض قبل التشقق؛ لأن المقصود منه القطن؛ وهو مستتر بما ليس من صلاحه، بخلاف الجوز في القشرة السفلى [يجوز]؛ لأن القشر عليه من صلاح اللب وشجر المقل مثل النخلة، هذا كله في شجرة تخرج ثمرتها في كمام، ثم تتشقق.
أما سائر الأشجار المثمرة، فعلى أقسام:
قسم تخرج ثمرته ظاهرة مثل التين والعنب؛ فإن باع أصله قبل خروج الثمرة، يخرج على ملك المشتري، وإن باع بعد خروجها يبقى للبائع، وإن ظهر بعضها: فما ظهر منها للبائع، وما يظهر بعده يون للمشتري، وكذل ماتخرج ثمرتها من كمام لا يزايلها إلا عند الأكل؛ كالرمان والموز، فإن باعه بعد ظهور ثمرته يبقى للبائع، وكذلك ما تخرج ثمرته وعليها قشر لا يزايلها في أول خروجها؛ كالجوز واللوز والرانج، والفستق ونحوها، فإذا باعها قبل خروجها تخرج على ملك المشتري، وإن باعها بعد خروجها تبقى للبائع، بخلاف الطلع؛ فإنه لا يتشقق في الابتداء، ولا يكون للثمرة إدراك إلا بعد تشققه؛ فكان قبل التشقق بمنزلة غصن الشجرة بخلاف الجوز، فإن قشرته لا تتشقق، ولا يكون للثمرة إدراك إلا ببقائها عليها؛ فكان كقشر الرمان.
وقسم يكون في "نور" يتناثر منه؛ كالتفاح والكمثرى والمشمش والسفرجل؛ فإن باع أصلها بعد انعقاد الثمرة، يبقى للبائع، سواء تناثر عند النور، أو لم يتناثر.
ولو باع قبل انعقاد الثمرة، يكون للمشتري، وإن خرج نورها.
وقال أبو إسحاق: إن كان بعد انعقاد الثمرة قبل أن يتناثر منه النور يدخل ف البيع، واستثارها بالنور كاستتار ثمر النخل بالطلع، والأول أصح؛ لأن الثمرة هاهنا ظهرت بالخروج عن الشجرة، فتسترها بالنور كتستر ثمر النخل بعد التأبي ربما عليها من القشر الأبيض لا يمنع بقاءها على ملك البائع.
وقسم من الأشجار يقصد ورده فهو قسمان: قسم يخرج ورده ظاهراً كالياسمين؛ فن باع أصله قبل خروج ورده يجوز ويخرج على ملك المشتري، وإن باع بعد خروج ورده يبقى الورد على ملك البائع، وإن باعه بعد خروج بعضه فما خرج منه للبائع، وما لم يخرج على ملك المشتري.
وقسم يخرج ورده في كمام، ثم يتشقق؛ كالورد المعروف من: الأحمر، والأبيض، والأصفر؛ فإن باع أصله بعد خروجه قبل تشققه دخل في البيع، وإن باع بعد تشققه يبقى ما تشقق على ملك البائع؛ كثمرة النخلة، إلا أنهما يفترقان فيما إذا كان قد تشقق بعضه؛ ففي
الورد ما تشقق يبقى للبائع وما لم يتشقق يدخل في البيع، وإن كان الكل على شجرة واحدة؛ بخلاف ثمر النخل، حيث قلنا: يبقى الكل للبائع؛ لأن ما تشقق من ثمر النخل لا يقطع، بل يترك إلى إدراك الكل؛ فاستوى حكم الكل، وفي الورد ما تشقق تم إدراكه ويجتني في الحال، ولايترك إلى تشقق الباقي؛ لأنه يتناثر ويفسد؛ فكان حكم ما تشقق منه مقطوعاً عما لم يتشقق.
هذا كله كلام في الثمار.
أما أغصان الشجرة وأوراقها تدخل في مطلق بيعها.
وقال أبو إسحاق: إذا باع شجرة الفرصاد في وقت الربيع بعد خروج أوراقها تبقى الأوراق للبائع؛ لأنها مقصودة؛ كثمار سائر الأشجار.
والمذهب: أنها تدخل في البيع؛ كما لو باعها في وقت الخريف؛ وكأوراق سائر الأشجار.
ولو باع شجرة رطبة وعليها غصن يابس، لا يدخل في البيع، لأنه مما يقطع كالثمرة.
قلت: ويحتمل أن يدخل؛ لأنه جزء من أصله؛ كالصوف على ظهر الغنم.
وكل موضع حكمنا ببقاء الثمرة للبائع، يبقى إلى أوان الجُذاذ، والقطاف، إلا أن يشترط على نفسه قطعها؛ فيؤمر بالقطع؛ لأنه التزم تفريغ المبيع.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله-: يؤمر بقطع الثمرة في الحال إذا باع مطلقاً؛ فإن شرط التبقية إلى أوان الجذاذ، فسد العقد، فنقول: مطلق العقد يحمل على العرف والعادة، والعادة في الثمار التبقية إلى أوان الجذاذ: فلا يكلف قطعها في الحال.
كما لو باع سفينة في وسط البحر؛ فلا يُكلف [البائع بالتفريع] حتى تبلغ إلى الساحل، أو باع داراً له فيها أمتعة يكلف تفريغها على العادة.
وإذا بلغت الثمرة أوان الجذاذ؛ وهو أن يتكامل نضجها - يكلف البائع القطع، وليس له تركه؛ حتى يستحكم، وإن كان بسراً جرت العادة بقطعه قبل أن يرطب، كلف القطع بعد ما صار بسراً؛ فإن كان لا يقطع إلا رطباً، لا يكلف القطع؛ حتى يصير رُطباً.
وإذا احتاجت الثمرة إلى السقي، فالسقي على البائع، وليس للمشتري منعه من دخول حائطه للسقي؛ فإن لم يأتمنه نصب القاضي أميناً يسقيها، ومؤنته على البائع، وليس للبائع من السقي إلا قدر ما فيه صلاح ثمره.
فإن كان في السقي منفعة لصاحب الثمرة والشجرة جميعاً، فلكل واحد منهما أن يسقي، فإذا امتنع أحدهما من السقي، لا يجبر عليه؛ لأنه يضر بنفسه.
فإن كان في السقي منفعة لأحدهما، ومضرة للآخر، قال ابن أبي هريرة: لمن له المنفعة أن يسقي؛ لأن الآخر قد رضي بالضرر؛ حيث أقدم على هذا العقد.
وقال أبو إسحاق: يقال لمن له المضرة: أترضى بضرر السقي؟ فإن رضي، وألا فيقال لمن له المنفعة: أترضى بترك حقك من السقي؟ فإن رضي، وألا يفسخ العقد بينهما؛ لتعذر إمضائه.
ولو امتنع البائع من السقي، والمشتري يتضرر به؛ بأن كانت الثمرة تجتلب ماء الشجر - يجبر البائع على السقي إن أمكن.
فإن لم يمكن السقي؛ لانقطاع الماء، ففيه قولان:
أحدهما: يكلف قطع الثمرة؛ دفعاً للضرر عن المشتري.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه استحق تركه إلى أوان الجذاذ، والمشتري رضي بالضرر حين أقدم على هذا العقد.
وكذلك لو أصاب الحائط عطش، والثمرة تضر بالشجرة - هل يكلف القطع؟ فيه قولان.
هذا إذا كان للبائع نفع في ترك الثمرة.
فإن لم يكن له نفع، وللمشتري ضرر، يكلف القطع.
فصل في حكم اختلاط الثمار المبيعة بغيرها
إذا باع ثمرة على شجرة بعد بدو الصلاح - والشجرة تثمر في السنة مرتين كالتين ونحوه - نظر: إن علم أن الحمل الثاني إذا خرج لا يختلط بالأول، أو إذا اختلط أمكن التمييز بين الحملين - يصح البيع مطلقاً.
وكذلك لو لم يعلم أنه يختلط، أو لا يختلط - يجوز بيعه مطلقاً.
وإذا علم أن الثاني إذا خرج يختلط بالأول اختلاطاً لا يمكن التمييز بينهما - فلا يصح البيع إلا بشرط أن يقطع المشتري ثمرته عند خوف الاختلاط.
فإذا باع بهذا الشرط، فلم يتفق القطع، حتى خرجت الثمرة الثانية، واختلطت بالأولى؛ بحيث لا يتميز؛ فقد اختلط المبيع بغيره؛ لأن الثمرة الأولى للمشتري، والثانية للبائع- ففيه قولان:
أحدهما: يبطل البيع؛ لتعذر تسليم المبيع؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض، ينفسخ العقد.
والقول الثاني: لا يبطل؛ لأن المبيع قائم، بل يقول الحاكم للبائع أتسمح بترك الثمرة الحادثة إلى المشتري، فإن ترك أجبر المشتري على القبول.
فإن لم يسمح، يفسخ العقد بينهما.
هذا إذا باع الثمرة، فأما إذا باع الشجرة، وعليها ثمرة ظاهرة تبقى للبائع، والشجرة مما تثمر مرتين، والثانية إذا خرجت تختلط بالأولى اختلاطاً لا يتميز؛ فالثمرة الثانية تكون للمشتري - فلا يصح البيع إلا بشرط أن يقطع البائع ثمرته عند خوف الاختلاط.
فإذا باع بهذا الشرط فلم يتفق القطع؛ حتى خرجت الثانية، واختلطت بالأولى - نقل المزني - رحمه الله - على قولين:
أحدهما يفسخ البيع.
والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: أتسمح بترك الثمرة القديمة إلى المشتري؟ فإن ترك أجبر على القبول، وإن لم يترك يقال للمشتري: أتسمح بترك الثمرة الحادثة إلى البائع؟ فإن ترك أجبر البائع على القبول، فإن لم يرض ينفسخ العقد بينهما؛ بخلاف المسألة الأولى، حيث قلنا: يدعى البائع إلى ترك حقه، ولا يُدعي المشتري؛ لأن المبيع هناك هو الثمرة، فإذا ترك المشتري حقه لا يبقى بمقابلة الثمرة شيء، وهاهنا المبيع هو الشجرة، فترك الثمرة الحادثة إلى البائع لا يخلي الثمن عن العوض.
فمن أصحابنا: من ذهب إلى هذا؛ أن المسألة على قولين هاهنا أيضاً، ومنهم من قال - وإليه ذهب ابن خيران: إن العقد هاهنا لا ينفسخ قولاً واحداً؛ لأن الاختلاط لم يوجد في المبيع، بل يدعى كل واحد إلى ترك حقه قطعاً للمنازعة؛ فإن لم يترك وتنازعا؛ نظر: إن كانت الثمرة والشجرة في يد البائع، فالقول قوله مع يمينه في قدر ما يستحق المشتري، وإن كانتا في يد المشتري، فالقول قوله مع يمينه فيقدر ما يستحقه البائع.
ومن قال بالأول، أجاب: بأن الاختلاط وإن لم يوجد في المبيع هاهنا، ولكن المقصود من الشجرة ثمرتها، وقد اختلط المقصود بغيره، فنزل منزلة اختلاط المبيع.
قلت: والقياس عندي: ألا يعترض على العقد في الصورة الثانية؛ لأن الاختلاط لم يوجد في المبيع، وبالفسخ لا يرتفع النزاع؛ لأن الثمرة الحادثة لا تعود إلى البائع؛ فلا معنى
للفسخ؛ كما لو اشترى داراً، وفيها لكل واحد حنطة؛ فاختلطت الحنطتان- لا ينفسخ العقد في الدار، بل إذا تنازعا في المقدار، فالقول قول من في يده في نصيب الآخر؛ كما قال ابن خيران.
واختار المزني أن الاختلاط إن كان بعد القبض، لا ينفسخ العقد؛ لأن المبيع خرج عن ضمان البائع، وإن كان قبل القبض ينفسخ العقد؛ كما لو اشترى حنطة؛ فانثالت عليها حنطة أخرى للبائع بعد القبض - لا ينفسخ العقد، وإن كان قبل القبض ينفسخ العقد.
فمن أصحابنا من ذهب إلى هذا، وقال: القولان فيما إذا وُجد الاختلاط قبل القبض، وكذل الحنطة إذا انثالت عليها حنطة أخرى قبل القبض، هل ينفسخ العقد فيه قولان:
أما بعد القبض، فلا ينفسخ، بل القول قول المشتري في قدر حق البائع، لأنه صاحب اليد.
فإن كان المشتري قد أودع الحنطة من البائع بعد القبض - فالقول قول البائع فيما يستحقه المشتري؛ لأنها في يده.
ومن أصحابنا من قال: في اختلاط الثمار قولان؛ سواء كان قبل القبض أو بعده، وفي الحنطة إن كان بعد القبض لا ينفسخ قولاً واحداً.
والفرق: أن في الحنطة تم التسليم بالقبض، وانقطعت العلائق بين البائع والمشتري؛ فلم يؤثر الاختلاط في العقد، وفي الثمار لم تنقطع العلائق بين البائع والمشتري بالتخلية، فإن للبائع دخول الحائط وتعهد النخيل بالسقي والحفظ؛ لأجل الثمرة، أو لأجل النخيل.
فالاختلاط بعد التخلية كهو قبلها، حتى قال بعض أصحابنا: لو اشترى حنطة مكايلة؛ فقبضها قبل الكيل، فانثالت عليها حنطة أخرى - ففي انفساخ العقد بينها قولان، لبقاء علقة الكيل بينهما.
ولو باع الباذنجان أو الخربز فلا يخلو إما إن باع حملهما أو أصلهما: فإن باع حملهما؛ نظر: إن كان صغاراً لم يبلغ أوان الاجتناء، لا يجوز إلا بشرط القطع في الحال.
وإن بلغ أوان الاتناء أو يدا الصلاح في بعض الخربز؛ فإن كان لا يخشى خروج غيره جاز بيعه مطلقاً ويترك حتى يتلاحق الصغار، وإن كان يخشى خروج غيره؛ وهو الغالب في أمر هاتين الشجرتين - فلا يجوز إلا بشرط القطع عند خوف الاختلاط.
فلو باع بشرط القطع؛ فلم يتفق القطع حتى خرج غيره، واختلط بالأول - ففي انفساخ البيع قولان، كالثمار.
وإن باع أصل الباذنجان والخربز؛ نظر: إن كان قبل خروج الحمل، فلا يجوز إلا بشرط القطع أو القلع؛ كالزرع الأخضر.
فلو شرط القطع، فلم يتفق القطع حتى خرج الحمل، فهو للمشتري؛ لأن الأصل له، وإن كان قد خرج نوره حالة البيع يدخل ذلك في المبيع، وإن كان بعد خروج الحمل.
قلت: يجوز بيعه مطلقاً إذا كان لا يخشى اختلاط غيره، كزرع اشتد حبه يبيعه لا يشترط قطعه على المشتري، والحمل الموجود يبقى للبائع، وما يحدث بعده يكون للمشتري.
فإذا كان يخشى اختلاط الحملين، فلا يجوز إلا بأن يشرط على البائع قطع الموجود عند خوف الاختلاط.
فلو شرط [القطع] فلم يتفق القطع؛ حتى اختلط الحادث بالموجود - ففي انفساخ البيع ما ذكرنا من الطريقين في الثمار.
ولو باع القرط في الأرض، وهو القث، فلا يجوز إلا بشرط القطع أو القلع.
فإن باع بشرط القلع، فلم يقلع، حتى ازداد، فما حدث يكون للمشتري؛ لأنه ملك أصله.
وإن باع بشرط القطع، فليس له القلع؛ لأن ما يحدث بعده يكون للبائع، فلو لم يتفق القطع، حتى ازداد، نفي انفساخ البيع ما ذكرنا من القولين.
فإن قلنا: لا ينفسخ، يدعى البائع إلى ترك حقه فإن لم يترك يفسخ البيع بينهما، ولا يدعي المشتري إليه؛ لما ذكرنا أنه إذا ترك حقه لا يبقى بمقابلة الثمن شيء.
ومن أصحابنا من قال هاهنا: لا ينفسخ العقد قولاً واحداً، بل إن سلم البائع حقه، وإلا فسخ العقد بينهما؛ لأن هاهنا لم تحدث ثمرة أخرى، بل زاد المبيع في نفسه زيادة غر متميزة؛ كالثمرة إذا كبرت وكالسمن في الحيوان، والكبر في الشجر؛ والأول هو المذهب أنها على قولين، وليس ككبر الشجرة والثمرة، وسمن الدابة؛ لأن ثَمَّ لم تحدث عين لم تكن، بل تغيرت صفة المبيع بزيادة غير منفصلة؛ فكانت تلك الزيادة تابعة للأصل، وهاهنا في القت حدثت أعيان لم تكن من الأغصان، والأوراق وهي منفصلة عما كان، إلا أنا لا نعرفها؛ لاختلاطها ببدل على الفرق بينهما: أن في سمن الدابة وكبر الشجرة والثمرة يجبر البائع على تسليمه مع الزيادة، ولاينفسخ البيع بينهما، وف القت لا يجبر على تسليم الزيادة، ويفسخ العقد.
وكذلك لو باع "القصيل"؛ بشرط القطع، فلم يتفق؛ حتى ازداد وطال، أو باع شجراً مختلفاً؛ "كالخلاف"، والقصبن بشرط القطع، حتى ازداد وطال، أو باع ورق الفرصاد في أول خرجه، بشرط القطع، فلمي قطع حتى خرج غيره، أو باع الزرع بقلاً؛ بشرط القطع حتى ازداد - ففي انفساخ البيع قولان، كالقت.
قلت: عندي إذا كانت المقاطع معلومة؛ مثل: أغصان الفراصيد يتبين مقاطعها، فما يحدث من الأوراق فوق المقطع أو أطول - يكون للمشتري.
وفي القت والكراث إذا طال، إنما انفسخ؛ لأن ما يحدث من أصله الذي لم يبع غير متميز عما باع؛ لأنه لا يعرف مقاطعها بعد الزيادة.
فصل في بيان الألفاظ التي تطلق على المبيع
وتتأثر بالقرائن المنضمة إليها
إذا باع أرضاً فيها أبنية وأشجار؛ هل تدخل في البيع؟ نظر: إن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها، أو بما فيها دخل الكل في البيع.
وإن قال: دون ما فيها، لا يدخل، وإن قال: بعتك هذه الأرض مطلقاً، نص: عن البناء والشجر يدخل في البيع، ونص فيما لو رهن أرضاً؛ أنه لا تدخل في الرهن اختلف أصحابنا فيه: منهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، فجعلهما على قولين:
أحدهما: يدخل؛ لأنها مثبتة في الأرض؛ كأجزاء الأرض.
والثاني: لا يدخل؛ لأن اسم الأرض لا يقع عليها.
ومنهم من قال: لا يدخل.
وحيث قال: يدخل، أراد به: إذا قال: بعتك بحقوقها.
ومنهم من فرق بينهما - وهو الأصح - وقال: يدخل في البيع، لأن البيع قوي يزيل الملك؛ فيستتبع البناء والشجر والرهن ضعيف لا يزيل الملك؛ فلا يستتبع البناء والشجر، بدليل أن ما يحدث فيها من الأشجار بعد البيع يكون للمشتري، وما يحدث بعد الرهن لايكون مرهوناً.
أما إذا قال: بعتك هذه الدار، فما فيها من البناء يدخل في البيع، وكذلك في الرهن؛ لأن الدار اسم يقع على البناء والأرض وفي الأشجار التي فيها ما ذكرنا من الاختلاف.
ولو قال: البستان أو هذا الكرم بما فيها من الأشجار يدخل في البيع، وفي البناء ما ذكرنا من الاختلاف، والحائط يدخل.
ولو قال: هذه الدار بستان، دخل فيه الأبنية والأشجار كلها، ولو كان وراء الدار بستان متصل بها لا يدخل، ولو قال: هذا الحائط بستان أو هذه المحوطة - يدخل فيه الحائط المحيط به والأشجار.
وإن كان في وسطه بناء، فعلى الاختلاف.
ولو قال: بعتك هذه القرية، دخل فيها الأبنية، وما دار عليه الحائط من الأراضي، وفي الأشجار التي في وسطها ما ذكرنا من الاختلاف، ولا تدخل مزارعها في البيع، وإن قال: بحقوقها؛ لأن القرية اسم للأبنية، وإن قال: بمزارعها دخلت فيه.
ولو باع أرضاً، لا يدخل فيه الشرب، ومسيل الماء.
فإن شرط، أو قال: بحقوقها دخل.
ولو باع أرضاً، وفيها زرع؛ نظر: إن كان زرعاً لايُجز مراراً وليست له ثمرة بعد ثمرة؛ كالحنطة والشعير ونحوها- لا يدخل في البيع؛ لأنه ليس للتأبيد كالمنقولات.
ويصح بيع الأرض؛ بخلاف الدار المكراة لا يصح بيعها في قول؛ لأنها تحت يد حائلة، والأرض هاهنا في يد البائع أمكنه تسليمها؛ غير أنها مشغولة بمنقول للبائع؛ فيلزمه تفريغها على العادة؛ وهي بعد بلوغه أوان الحصاد.
ولا خيار للمشتري إن كان عالماً بالزرع، وإن كان جاهلاً فله الخيار، فإن أجاز فلا أجرة له على البائع لمدة بقاء الزرع فيها؛ لأن منفعة تلك المدة وقعت مستثناة للبائع؛ كما لو باع داراً مشغولة بالمتعة لا يستحق المشتري أجر مثل مدة التفريغ.
فإذا بلغ الزرع وان الحصاد، كلف البائع قطعة، وإن كان في تركه زيادة.
فإذا قطعه؛ نظر: إن لم يكن عروقها مضرة بالأرض لم يكلف قلعها، وإن كانت مضرة بالأرض؛ كالذرة كلف قطع العروق، وعليه تسوية الأرض، لأنه نقص دخل الأرض، لتخليص ملكه، كما لو كان في الدار المبيعة متاع كبير يضيق باب الدار عنه - ينقض الباب، وعلى البائع ضمانه.
وإن كان فيها النواة بذرت للنبت تدخل في البيع؛ على ظاهر المذهب؛ كالأشجار.
وإن كان فيها زرع يُجز مراراً القت والنعناع والطرخون والكرفس والقصب
الفارسي، ونحوها - فالجزة التي هي ظاهرة حالة البيع تبقى للبائع، وأصله: هل يدخل في البيع كالأشجار؛ فإن قلنا: يدخل، فلا يجوز؛ حتى يشترط البائع على نفسه قطع ما هو ظاهر منه، لأنه يزيد؛ فيختلط المبيع بغير المبيع.
وكذلك لو كان فيها اشجار خلاف يقطع من وجه الأرض كل مدة - فهي كالقصب الفارسي.
أما إذا كان فيها جذوع خلاف عليها قوائم، فهي بمنزلة أغصان سائر الأشجار، حكمها حكم الأصل.
وإن كان فيها زرع يثمر مراراً النرجس والبنفسج وشجر الباذنجان والموز والكرسُف الحجازي - فما كان منها ظاهراً في هذه الثمار حالة البيع، يبقى للبائع، والأصل يدخل في البيع، على أصح الطرق، كسائر الشجار المثمرة لا تدخل ثمارها الظاهرة في مطلق بيع الأرض، وفي الأصل اختلاف، والطلع يتبع الأصل، والكرسف الخراساني كالزرع لا يدخل في مطلق بيع الأرض.
وكذلك إذا كان فيها جزر أو فجل أو سلق أو ثوم أو بصل - لا يدخل شيء منها في بيع الأرض.
ولو كان فيها بذر، فالبيع صحيح في الأرض، والبذر لا يدخل في الأرض، ويبقى إلى أوان الحصاد، كما ذكرنا في الزرع - وللمشتري الخيار إن كان جاهلا في فسخ البيع.
ولو كان فيها حجارة مدفونة، فلا يدخل في البيع؛ كالكنوز إن لم يكن تركها مضراً ولا قلعها؛ بأن كان لا تنتقص قيمة الأرض، ولا يفوت في نقلها مدة لمثلها أجرة؛ فلا خيار للمشتري، وعلى البائع نقلها وتسوية الأرض.
وكذلك إن كان الترك مضراً ولا قلعها؛ بأن كان لا تنتقص قيمة الأرض، ولا يفوت في نقلها مدة لمثلها أجرة؛ فلا خيار للمشتري، وعلى البائع نقلها وتسوية الأرض.
وكذلك إن كان الترك مضراً دون القلع، كلف البائع النقل، ولا خيار للمشتري؛ كما لو اشترى داراً أو استأجر - وبالوعتها منسدة، أو حشها ممتليء، أو عارٍ سطحها - فقال المشتري: أنا أنقيها، وأصلحها في زمان يسير - لا خيار له.
أما إذا كان كل واحد من الترك والقطع مضرين، فللمشتري الخيار إن كان جاهلاً؛ سواء كان جاهلاً بأصل الأحجار، أو كان عالماً بالأحجار جاهلاً بأن قلعها مضر، فإن أجاز أو كان عالماً بالضرر لا خيار له، وعلى البائع نقل الأحجار، وتسوية الأرض، سواء نقل قبل قبض المشتري أو بعده.
وهل يجب ضمان نقص يبقى في الأرض بعد القلع، وأجر مثل مدة النقل نظر: ن قلع قبل قبض المشتري لا يجب؛ لأن جناية البائع على المبيع قبل قبض المشتري، كافة سماوية نصيبه؛ فإذا أجاز المشتري البيع لا يجب على البائع ضمانها.
وقيل: جناية البائع كجناية الأجنبي؛ فعلى هذا حكمه حكم ما لو قلع بعد القبض.
وإن قلع بعد قبض المشتري، يجب ضمان النقص، وأجر المثل؛ كما لو جنى على المبيع بعد التسليم يجب عليه ضمانه.
وقيل: لا يجب أجر مثل مدة النقل؛ لأنها وقعت مستناة.
وفي ضمان النقص وجهان؛ سواء قلع بعد القبض، أو قبله.
ولو ترك البائع الأحجار إلى المشتري، لا يجب قبولها، ولا يسقط به خياره؛ لأن الضرر مع بقاء الأحجار موجود.
وإن كان قلع الأحجار مضراً دون الترك، فلا خيار للمشتري إن كان عالماً، وللبائع قلعها، وعليه تسوية الأرض.
وإن كان جاهلاً، فله الخيار.
فلو ترك البائع الأحجار إلى المشتري، سقط خياره.
ثم هل يكون تركها تمليكاً للمشتري، أو قطعاً للخصومة؟ فيه وجهان.
وفائدته: أن المشتري لو قلعها يوماً؛ هل يجب عليه ردها إلى البائع أم لا؟
إن قلنا: تمليك لا يجب وإلا فيجب.
وكذلك هل يجوز للبائع أن يرجع فيها بعد ما ترك؟ إن قلنا: تمليك فلا يجوز، وإلا فيجوز؛ فإذا رجع، يكون خيار المشتري باقياً.
ولو قال البائع: أنا أقلع الأحجار، وأعطي أرش النقصان الذي يدخل الأرض - لا يسقط به خيار المشتري؛ ما لو اشترى شيئاً؛ فود به عيباً، وقال البائع: أنا أغرم أرش العيب - لا يسقط به خياره.
ولو كان فوق الأحجار غراس؛ نظر: إن كانت الغراس موجودة يوم البيع؛ فاشتراها مع الأرض - فالضرر الراجع إلى الغراس من الأحجار كالضرر الراجع إلى الأرض في إثبات الخيار؛ فكل موضع أوجبنا ضمان نقص دخل الأرض، يجب ضمان نقص يدخل الغراس.
وإن كان الغراس أحدثها المشتري بعد الشراء، أو قلع الأحجار يضر بالغراس دون
الأرض - نظر: إن غرسها المشتري عالماً بالحجار، فللبائع قلع الأحجار، ولا يجب عليه ضمان نقص دخل الغراس؛ لأن المشتري متعد بالغرس.
وإن كان جاهلاً بالأحجار حالة الغرس، فهل له الخيار؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا خيار له؛ لأن الضرر لا يرجع إلى المبيع، إنما يرجع إلى الغراس؛ وهي غير مبيعة.
والثاني: له الخيار؛ لأن الضرر يعود إلى حق المبيع؛ فكان كالعائد إلى المبيع.
فإن قلنا: لا خيار له، فإن كان الضرر يعود إلى الأرض، فلا فسخ له أيضاً؛ لأن الغراس ينقص قيمة الأرض نقص بسبب الغراس، حينئذ له الفسخ.
وإذا قلع البائع الأحجار، يجب عليه أرش نقص دخل الغراس.
وإن كان فوق الأحجار زرع للبائع أو للمشتري، يترك إلى أوان الحصاد، فإن كان للبائع، لم يكن للمشتري تكليفه قلع الأحجار إن كان يضر بالزرع، وإن كان للمشتري لم يكن للبائع قلعها؛ لأن له نهاية؛ بخلاف الغراس، فإنها للتأبيد.
ولو باع داراً، فيدخل فيها كل ما هو مثبت فيها للتأبيد، مثل: السقوف، والأبواب المنصوبة، والإسطوانات الراسخة، والحجلة والمعاليق المثبتة، والأحجار التي في طيء البئر، وأساس الجُدر، ولا يدخل في البيع ما فيها من المنقولات، كالأقفال والسلاليم غير المسمرة والسرر، والرفوف غير المطينة، والكنوز والدفائن.
أما ما كان مثبتاً لا للتأبيد؛ كالسلالم المثبتة، والرفوف المثبتة، والخوابي وإجانة القصار ومعجن الخباز، ومنجار الدهان، وصندوق الطحان، والأوتاد المثبتة في الأرض أو الجدر والحجر السفلاني من الرحي - ففيها وجهان:
أصحهما: يدخل في البيع: لأنها مثبتة فيها.
وقيل: لا يدخل؛ لأنها لم تثبت للتأبيد، إنما أثبت لكيلا تتزعزع عند الاستعمال: فإن قلنا: يدخل الحجر السقلاني من الرحى، ففي الفوقاني وجهان:
أحدهما: لا يدخل، لأنه منقول.
والثاني: وهو الأصح: يدخل؛ لأنه لا يتم الانتفاع بالمثبت إلا به.
وكذلك ألواح الدكان، ومفتاح المغلاق المثبت فيها وجهان.
الأصح: يدخل، ويدخل فيه البئر؛ كالسرداب، ولا يدخل الرشا والدلو والبكرة، وفي صندوق رأس البئر وجهان.
أصحهما: يدخل.
أما ماء البئر؛ فعلى قول أبي إسحاق: لا يكون ملكاً ما لم يُحرزه في إناء؛ بدليل أنه يباح لمستأجر الدار أن ينتفع به، بل صاحب الدار أحق به من غيره؛ فإن أحرزه غيره ملكهن وليس لمالك الدار انتزاعه منه؛ فعلى هذا يصير المشتري أحق بذلك الماء من البائع.
وقال ابن أبي هريرة: الماء في البئر مملوك لمالك الدار؛ كالحشيش الذي ينبت في ملكه.
نص عليه في القديم؛ فعلى هذا: لا يدخل في مطلق بيع الدار، وما هو ظاهر منه حالة البيع من غير شرط، لأنه منقول، وما يظهر بعد البيع يون للمشتري، وعلى هذا: لا يصح البيع، حتى يشترط أن الظاهر من الماء للمشتري؛ لأنه إذا لم يشترط يختلط ماء البائع بماء المشتري؛ فينفسخ البيع.
وإن كان في الدار معدن؛ نظر: إن كان من المعادن الباطنة؛ كالذهب والفضة ونحوهما - دخل في البيع لأنه من أجزاء الأرض، وإن كان من المعادن الظاهرة؛ كالنفط والقير والكبريت والملح ونحوها - فهو كالماء على قول أبي إسحاق: غير مملوك، ويصير المشتري أحق به.
وعلى قول ابن أبي هريرة: هو مملوك، ولا يدخل في البيع ما هر منه إلا بالشرط.
ولو باع داراً في سكة نافذة، لا يدخل حريمها في البيع، ولا الأشجار التي على حريمها؛ لأن حريمها ممر لعامة المسلمين.
وإن كانت في سكة غير نافذة، فيدخل الحريم فيه، ويملك المشتري منها ما يملك البائع.
وفي الأشجار التي على الحريم ما ذكرنا من الاختلاف في الأرض التي فيها أشجار.
والطريق في السكة غير النافذة مشتركة بين أهل السكة؛ فلو باع واحد منهم نصيبه من الطريق، جاز إن استثنى لنفسه حق الاستطراق، وإن لم يستثن فلا طريق له إن أمكنه فتح باب في سكة أخرى.
وإن لم يمكنه ففيه أوه.
أحدها: البيع باطل.
والثاني: صحيح، ولا طريق له؛ لأنه ضيع حق نفسه بترك الاستثناء.
والثالث: صحيح، وله حق الاستطراق.
ولو باع بيتاً في دار فالمشتري يستحق الممر؛ فإن شرط نفي الممر، نظر: إن أمكن فتح باب في جانب آخر صح البيع، وإلا فلا يصح.
ولو باع داراً، واستثنى لنفسه بيتاً، فله الممر، وإن نفى الممر؛ نظر: إن أمكن اتخاذ ممر في موضع آخر، جاز.
وإن لم يمكن، فيه وحهان:
أحدهما: لم يجز، ما لو باع، ونفى الممر.
والثاني: جاز، ولا ممر له؛ لأنه لا يعود ضرره على المبيع، والبائع بخس بحقه؛ حيث نفى الممر.
والله أعلم.
باب
الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار
رُوي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "نهى عن بيع الثمار، حتى يبدو صلاحها".
وعن أنس - رضي الله عنه -أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن بيع الثمار؛ حتى