التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 282-340

قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء 29].
البيع: هو معاوضة مالٍ بمالٍ، وهو نوعان: بيع وصف وبيع عين.
فبيع الوصف: هو السلم.
وبيع العين: هو أن يبيع عيناً معلومة بثمن معلوم، فيقول البائع: بعتُ منك هذا بكذا، ويقول المشتري، اشتريتُ أو ابتعت، أو يقول البائع: ملكتك هذا بكذا، فيقول: تملكت أو قبلت؛ فيصح إن كان المبيع حاضراً يراه المتبايعان، مقدوراً على تسليمه.
فصلٌ، في بيع العين الغائبة وإن اشترى شيئاً لم يره المشتري، سواء كان غائباً عن المجلس، أو كان حاضراً؛ لكنه في وعاء -: ففي صحة البيع قولان: أصحهما - وبه قال أبو حنيفة، رحمة الله عليه، وأكثر أهل العلم -: يصح، لأن المبيع معلوم العين مقدور على تسليمه؛ كالعين المرئية.

والثاني - وبه قال الحكم، وحماد، واختاره المزني -: أنه لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -"نهى عن بيع الغرر، وفيه غرر من حيث إنه لا يعلم بقاؤه.

ولأنه مجهول الوصف؛ كما لو أسلم في شيء ولم يصفه؛ فعلى هذا: فإن ذكر جميع أوصافه لا يصح؛ لأن طريق معرفة العين: العيان، وهو لم يعرفه بطريقه؛ كما لو أسلم في شيء، ولم يصفه لا يصح، ون شاهده؛ لأن طريق معرفته الوصف.
ولو باع ما لم يره البائع - فقد قيل: فيه قولان؛ كما لو اشترى ما لم يره.
وقيل: لا يصح؛ وهو الأصح؛ لأن المبيع ملكه، والاعتماد فيه على علمه؛ فإذا لم يعلم، فلا يُعذر بالجهالة.
وكذلك لو رهن عيناً غائبة، أو وهبها، أو أجرها، أو أجر داره بعين غائبة، أو جعل رأس مال السلم عيناً غائبة، ثم سلم في المجلس - ففي صحة العقد قولان: وكذلك لو تزوج امرأة على عين غائبة ثم سلم في المجلس - ففي صحة العقد قولان - وكذلك لو تزوج امرأة على عين غائبة أو خالعها على عين غائبة؛ فالنكاح صحيح، والبينونة في الخلع واقعة.
وفي صحة المسمى قولان: فإن قلنا: لا يصح، يجب على الزوج في النكاح، وعلى المرأة في الخلع مهر المثل.

وكذلك لو صالح عن القود على عين غائبة يسقط القود، وفي صحة المسمى قولان: فإن قلنا: لا يصح، تجب عليه الدية.
ولو ساقى على حائط لم يره، ففيه طريقان: أحدهما: أنه على قولين؛ البيع.
والثاني: لا يصح قولاً واحداً؛ لأن المُساقاة معقودة على الغرر، فلا يجوز أن يضاف إليه غرر عدم الرؤية، بخلاف البيع.
فإن قلنا: شراء الغائب لا يصح، فرؤية كل شيء على حسب ما يليق به؛ فإن اشترى داراً يجب أن يرى جميع بيوتها وحوائطها وسقوفها وسطوحها.
أو [اشترى] بستاناً يرى جميع أشجاره، ومسايل مائه.
فأما ما كان من التوابع؛ كعروق الأشجار، وأساس الجُدُر، لا يشترط رؤيتها.
وإن كان رقيقاً، فيرى ما ليس بعورة منه، ويشترط رؤية الشعر على أصح الوجهين.
وقيل: لا يشترط؛ كالعُكَنِ، والمغابن.
ولا يشترط رؤية الأسنان، واللسان، وأسنان الدابة؛ على الأصح.
وإن كانت دابة، يجب أن يرفع السر والإكاف عنها.
إن كان ثوباً صفيقاً؛ كالديباج والبُسُط يرى لا الوجهين منه، فإن كان الثوب رقيقاً لا يختلف وجهاه، يكتفي برؤية أحد الوجهين.
وإن كان كتاباً، يجب أن يرى جميع أوراقه، أو [اشترى] قرطاساً يرى كل طاقة منه، أو كُبَّة غَزْلٍ قلبها.
وإن كان سكراً أو فانيذاً في قراروةٍ رآه من وراء القارورة لا يصح؛ لأنه لا يحصل به

حقيقة المعرفة، بخلاف السَّمكِ في الماء الصافي، يجوز بيعه [إذا كان يراه تحت الماء، وكذلك الأرض إذا كان عليها ماء صافٍ يراها تحته]؛ لأن الماء من صلاحه ومحل حياته [ولا يمنع معرفته].
ولو وكل وكيلاً بالشراء، يشترط رؤية الوكيل؛ لأنه من أحكام العقْد، فتعلق بالوكيل؛ كالإيجاب والقبول.
وإن رآه الوكيل، ولم يره الموكل، صح العقد، وإن رآه الموكل دون الوكيل، لا يصح.
وإن قلنا: شراء الغائب يصح، فيشترط ذِكْرُ الجِنْس والنوع، فإن قال: بعتك ما في كُمي أو ما في كفي، أو بعتك حيواناً أو رقيقاً لا يصح؛ حتى يقول: بعتك عبدي أو جاريتي أو فرسي أو حماري ويذكر نوعه: فيقولك عبدي الهندي أو التركي، أو ثوبي الهروي أو المروي.
ثم إن كان له عبدان من هذا النوع، يجب أن يذكر ما يقع التمييز به بين المبيع، وغيره من: وصف، أو سن، أو المكان الذي هو فيه.
فإن لم يكن إلا واحد؛ فهل يشترط وراء ذكر النوع ذكر وصف آخر؟ فيه وجهان: أصحهما، وبه قال أبو حنيفة رحمة الله عليه-: لا يشترط؛ لأن خيار الرؤية ثابت له؛ فلا معنى للاستقصاء في الوصف.
والثاني: يشترط ذكر الصفات.
ثم فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذكر صفات السلم.
والثاني: معظم الصفات؛ وهو ما يوصف به المدعي عند القاضي، ثم إن رآه المشتري يثبت له الخيار، وإن كان قد وصفه البائع بجميع أوصافه، ووجده المشتري؛ كما وصفه؛ لأنه بيع الخيار؛ فذكر الوصف فيه لا يسقط خياره.
ويجوز للمشتري الفسخ قبل الرؤية، ولا تجوز الإجازة؛ لأن المانع من اللزوم عدم الرؤية، فلا يلزم قبل الرؤية بخلاف الفسخ "جاز"؛ لأن الفسخ دليل عدم الرضا، وعدم الرؤية مناسب له، والإجازة دليل الرضا؛ فلا يناسبه عدم الرؤية.
وإذا باع شيئاً لم يره وجوزنا، فهل يثبت للبائع الخيار إذا رآه؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت؛ كما يثبت للمشتري؛ بدليل أنهما استويا في خيار المكان والشرط.
والثاني - وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة: لا خيار له؛ لأن جانبه أبعدُ عن الخيار،

بدليل أنه لو باع شيئاً على أنه معيب؛ فبان صحيحاً - لا خيار له، ولو اشترى على أنه صحيح؛ فبان معيباً - له الخيار.
وإذا رأى المشتري المبيع بعد الشراء، فخيار الرؤية على الفور، أو على التراخي؟ فيه وجهان: أصحهما - وبه قال أبو إسحاق يمتد بامتداد مجلس الرؤية؛ لأنه خيار ترو ثبت بأصل الشرع؛ كخيار المكان.
والثاني- وبه قال ابن أبي هريرة - يكون على الفور؛ كخيار العيب.
وهل يثبت خيار المكان في شراء الغائب؟ فيه وجهان: أصحهما: يثبت؛ كما في شراء الحاضر؛ فإذا تفرقا قبل الرؤية، سقط خيار المكان، وبقى خيار الرؤية.
والثاني: لا يثبت؛ لأن خيار الرؤية ثابت؛ فيغني عن إثبات خيار المكان.
فإذا ارتفع خيار الرؤية حينئذ، ثبت خيار المكان.
ولو شرط نفي خيار الرؤية، لا يصح العقد؛ بخلاف ما لو شرط نفي خيار المكان، جاز فيقول؛ لأن ثمَّ قدر أى المبيع، وعلمه؛ فنفي الخيار لا يمكن غرراً في المبيع.
وفي شراء الغائب لم ير المبيع حقيقة، ولم يعلمه؛ فنفي الخيار يمكن غرراً في المبيع؛ فلم يجز، خيار الرؤية لا يمنع الملك؛ لأنه خيار اطلاع؛ كخيار العيب.
وقيل: هو كخيار الشرط.
ولو قبض المبيع وباعه قبل الرؤية، لا يصح؛ بخلاف ما لو باع في زمان الخيار، جاز؛ على الأصح؛ لأنه يصير به مُجيزاً للعقد، وهاهنا لا تصح الإجازة قبل الرؤية.
ولو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية، فهو كتلف المبيع في زمان الخيار، هل ينفسخ البيع؟ فيه وجهان.
ولو اشترى شيئاً رأى بعضه، ولم ير البعض، نظر: إن كان شيئاً لا يُستدل برؤية بعضه على رؤية كله؛ مثل: إن اشترى ثوباً مطوياً لم ينشر، أو دابة عليها إكافٌ أو سرج، أو داراً رأى بعض أبنيتها دون البعض؛ فهو كما لو لم ير شيئاً منه ففي صحة البيع قولان؛ كالعيب لا فرق بين أن يكون ببعض المبيع، أو بكله في ثبوت الخيار.
وإن كان مما يستدل برؤية بعضه على رؤية كله؛ مثل: إن اشترى صبرة حنطة، أو

شعير، أو شيء من الحبوب، أو تمر، أو لوز؛ رأى ظاهرها، أو كان في وعاء؛ فرأى أعلاه، أو كان سمناً أو دهناً، أو خلا في إناء؛ فرأى أعلاه صح العقد؛ لأن الغالب أن أجزاءُه لا تختلف.
ولا خيار له إذا رأى باطنه، إلا أن يخرج أسفله أردأ من أعلاه، أو يظهر تحت الصبرة دكة، أو في أسفل الوعاء غلظ خارج عن العادة؛ فيثبت له الخيار.
ولو كانت تحت الصبرة حفرة، فما في الحفرة لا يدخل في البيع.
وإن اشترى صبرة من بطيخ، أو عنب؛ فرأى ظاهرها فهو كشراء الغائب؛ لأنها تختلف.
وإن كانت الحنطة في بيت؛ وهو مملوء منها، فرأى بعضها من الكوة، أو من الباب؛ فإن كان يعرف الطول والعرض من البيت، صح، وإن لم يعرف، لم يصح.
وكذلك الجمد في المجمدة، والثلج في المثلجة.
ولو أخرج كفاً من الوعاء؛ فأراه، ثم باعه ما في الوعاء - ففيه وجهان: أصحهما - هو كشراء الغائب؛ لأن المبيع غير مرئي.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة هو كما لو رأى أعلاه من الوعاء، فيصح.
ولو اشترى جوزاً أو لوزاً في القشرة السفلى، يجوز، وإن لم ير اللُّبَّ الذي هو المقصود؛ لأنه يتستر بما فيه صلاحه.
فإن باع اللب الذي فيه وحده، لم يجز.
ولو اشترى شيئاً رآه قبل العقد، ولم يره حالة العقد - نظر: إن كان ذلك مما لا يتغير في الغالب؛ كالأراضي والحجار، والحديد، والنحاس، ونحوها، أو إن كان مما يتغير والمدة قريبة لا يتغير في مثلها - صح الشراء.
وإن كان مما يتغير، فقد قيل: فيه قولان؛ كشراء ما لم يره.
وقيل - وهو الأصح - يصح قولاً واحداً؛ لأنه قد رآه من قبل وعلمه، والأصل بقاؤه على ما رآه.

فعلى هذا: لا خيار له عند الرؤية؛ إلا أن يجده متغيراً عما رآه؛ فله الخيار؛ لأجل التغير.
فلو وجده متغيراً؛ فاختلفا: فقال البائع: كان هذا التغير موجوداً يوم الرؤية؛ فلاخيار لك.
وقال المشتري: بل حدثبعد؛ فلي الخيار - فالقول قولُ المشتري مع يمينه؛ لأن البائع يدعي عليه الرضا بالتغير، وهو ينكر.
فرع: ولو اشترى عينين: إحداهما حاضرة، والأخرى غائبة صفقة واحدة: فإن قلنا: شراء الغائب لا يصح، فلا يصح العقد في الغائبة، وفي الحاضرة قولان؛ كما لو باع ماله.
وما ليس له صفقة واحدة، ففي صحته فيما له قولان.
وإن قلنا: شراء الغائب يصح، فقد جمع بين مختلفي الحكم؛ لأن الحاضرة لا يثبت فيه الخيار، ويثبت [الخيار] في الغائبة.
وفي مثل هذا العقد قولان: أصحهما: يجوزُ العقد فيهما جميعاً، ثم يجوز له رد الغائبة، وإمساك الحاضرة.
وإذا اشترى عينين غائبتين؛ فأراد الفسخ في أحداهما هل له ذلك؟ فعلى قولي تفريق الصفقة في الرد بالعيب.
فرع: ولو ملك عبدين، فقال: بعتك أحدهما، ولمي بين - لا يصح العقد؛ كما لو قال: بعتك شاة من هذا القطيع، ولم يبين فلو كان له واحد، فقال: بعتك عبدي من هذه العبيد، أو شاتي من هذا القطيع، ولم يبين [للمشتري] فقد قيل هو كشراء الغائب، وإن كان يرى الكل؛ لأنه لا يعرف المبيع بعينه.
فإذا بين فللمشتري الخيار، كما لو رأى الغائب.
قلت: والذي عندي أن هذا البيع باطل؛ لأن المبيع غير متعين، بخلاف الغائب؛ فهو كما لو قال: بعتك عبداً منها، ولم يضف إلى نفسه لا يصح.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: إذا قال: بعتك عبداً من هذه العبيد الثلاث على أنك تختار أيهم شئت يجوز.
ولم يجوز في الأربع، ولا يتبين الفرق بينهما.
فرع: ولو اشترى جوهرة ظنها عقيقاً، فإذا هي زجاج صح العقد إن كانت لها قيمة، ولا خيار للمشتري إذا علم؛ لأنه اغتر بعلمه؛ كما لو اشترى دابة ضخم البطن ظنها حاملاً، فلم يكن، لا خيار له.

فإذا قال البائع: بعتك هذا العقيق، أو بشرط أنه عقيق؛ فبان زُجاجاً لم يكن له قيمة -لا يصح العقد.
وإن كانت له قيمة، ففي صحة البيع قولان.
وكذلك لو قال: بعتك هذا العبد؛ فإذا هو جارية، أو هذا الفرس، فإذا هو حمار أو بغل؛ فإن كان المشتري عالماً به، صح العقد، ولا خيار له.
وإن لم [يكن عالماً] فقولان: أصحهما - وبه قال أبو حنيفة -: لا يصح؛ اعتباراً بلفظه.
والثاني - يصح؛ تغليباً لإشارته.
فإن قلنا: يصح يثبت الخيار للمشتري.
والله أعلم.
باب خيار المتبايعين روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار".
فرع: خيار المكان ثابت في البيع يجوز لكل واحد من المتبايعين فسخ العقد ما لم يتفرقا، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رحمة الله عليهم: لا يثبت خيار المكان، والخبر حجة لمن أثبته.

وقوله عليه الصلاة والسلام:"إلا بيع الخيار" استثناء يرجع إلى مدة الخيار؛ معناه: كل واحد بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا قبل التفرق؛ فيلزم العقد.
وقيل: هذا استثناء يرجع إلى مفهوم مدة الخيار، معناه: إذا تفرقا، لزم العقد، إلا أن يتبايعا؛ بشرط خيار الثلاث؛ فيبقى خيار الشرط بعد التفرق.
وقيل: الاستثناء يرجع إلى أصل الخيار، معناه: كل واحد بالخيار، إلا أن يشترط نفي خيار المكان؛ فلا خيار لهما.
وللشافعي -رضي الله عنه - ثلاثة أقوال في البيع، بشرط نفي [خيار] المكان: أصحهما: أن البيع باطل؛ لأنه خلاف قضية العقد كما لو باع بشرط ألا يملك.
والثاني: البيع صحيح ولا خيار له؛ لأن الخيار فيه نوع غرر؛ لأنه يمنع مقصود العقد، غير أن الشرع أثبته، رفقاً بالمتبايعين؛ فنفيه لا يمنع (صحة) العقد.
والثالث: البيع صحيح، والشرط باطل؛ لأنه خلاف قضية العقد، وله الخيار.
فرع: ولو اختلف المتبايعان في الفسخ؛ نظر: إن اتفقا على عدم التفرق، فدعوى من يدعي الفسخ فسخ؛ لأن الفسخ له ثابت.
وإن اختلفا في التفرق؛ نظر: إن جاءا معاً، غير أن أحدهما يقول: كنا تفرقنا، ولزم العقد، والآخر ينر التفرق، ويريد الفسخ - فالقول قول من يريد الفسخ مع يمينه؛ لأن الأصل عدم التفرق، وعلى الآخر البينة.
وإن جاءا متفرقين، غير أن أحدهما يدعي أني كنت فسخت قبل التفرق؛ فالقول قول من يدعي اللزوم مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الفسخ.
فصل في العقود التي يثبت فيها الخيار رُوي عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير أعرابياً بعد البيع".

العقود قسمان: جائز، ولازم؛ أما الجائز: فلا يثبت فيه خيارُ المكان، ولا خيار الشرط؛ سواء كان جائزاً من الطرفين؛ كالشركة والوكالة والقراض والجعالة؛ لأنهما أبداً بالخيار، أو كان جائزاً من أحد الطرفين؛ كالرهن والضمان، والكتابة، فإنها لازمة من جهة الراهن، والضامن، والمولى، جائزة من جهة المرتهن، والمضمون له، والمكاتب؛ لأن أحدهما أبداً بالخيار، فلا معنى لإثبات خيار المكان والشرط له، والآخر شرع فيه على حقيقة الغبن؛ فإن الراهن هو الذي حبس ماله بالدين، والضامن شغل ذمته بدين الغير، والمولى في الكتابة باع ماله بماله، وحجر على نفسه التصرف في ماله، وإثبات الخيار للنظر، وتدار الغبن؛ فلا يثبت لهم؛ وقد رضوا بالغبن؛ حتى لو شرط الخيار للراهن، أو للضامن، أو للمولى في الكتابة يبطل العقد.
أما العقود اللازمة فقسمان: عقد على العين، وعقد على المنفعة.
أما العقد على العين فقسمان: قسم يشترط فيه قبض البدلين في المجلس؛ مثل: عقد الصرف، وبيع الطعام بالطعام، أو قبض أحد البدلين؛ كالسلم يثبت فيها خيار المكان، ولا يثبت خيار الشرط؛ لأن شرط هذين العقدين أن يتفرق المتعاقدان؛ ولا علقة بينهما؛ تحرزاً عن الربا في الصرف، وبيع الطعام بالطعام، وعن الكاليء بالكاليء في السلم؛ فلو أثبتنا الخيار، لبقيت العلقة بعد التفرق.

وقسم لا يشترط فيه القبض في المجلس؛ كسائر بيوع الأعيان يثبت فيها خيار المكان والشرط جميعاً، وكذلك التولية والتشريك، وصُلح المعاوضة إن لم ينك القبض فيه شرطاً في المجلس يثبت فيها الخياران جميعاً.
ولا خيار في صلح الحطيطة؛ لأنه إبراء، وثبوت الخيار في العقد؛ لينر هل له فيه حظ أم لا؟ وهو عالم في صلح الحطيطة أن لا حظ له فيه.
أما الإقالة: فهي فسخ على أصح القولين؛ فلا يثبت فيها واحد من الخيارين، وإن قلنا: هي بيع يثبت فيها الخياران.
ولا يثبت في الحوالة وإن جعلناها معاوضة في طريق؛ لأنها ليست بحقيقة معاوضة، ولو ان معاوضة لبطلت؛ لأنها بيع دين بدين.
وقيل: إن جعلناها معاوضة يثبت فيها خيار المكان، وليس بصحيح.
ولا يثبت الخيار في الهبة إن لم يكن فيها ثواب، وإن وهب بشرط الثواب، أو قلنا: مطلقها يقتضي الثواب - ففيه وجهان: أحدهما: يثبت فيها الخيار؛ كالبيع.
والثاني: لا يثبت لأن العوض فيها غير مقصود، كالنكاح.
وأما القسمة إن كان فيها رد، فهي بيع يثبت الخيار، وإن لم يكن فيها رد؛ نظر: إن

كان بالجبر والقرعة، فلا خيار فيها؛ لأن الجبر ينفي الخيار، وإن كان بالتراضي، فيبني على أن القسمة بيع أو إفراز حق؟ فيه قولان إن قلنا: إفراز حق، فلا يثبت فيها الخيار.
وإن قلنا: بيع، ففيه وجهان: أحدهما: يثبت فيها الخيار؛ كسائر البيوع.
والثاني: وهو الأصح - لا يثبت؛ لأن هذه قسمة لو امتنع منها جُبر عليها قهراً؛ والجبر المنفعة فقسمان منفعة لا تستباح بالإباحة؛ ومنفعة تستباح بالإباحة.
أما ما لا تستباح؛ مثل: عقد النكاح لا يثبت فيه واحد من الخيارين؛ لأنه عقد وُصلة لا عقد معاوضة؛ فلو شرط الخيار في النكاح، بطل العقد، ولو شرط في الصداق، صح النكاح، وفسد الصداق، ووجب مهر المثل.
وكذلك الخلع لا يقبل الخيار؛ فلو شرط فيه الخيار، وقعت البينونة وفسد المسمى، ووجب عليها مهر المثل.
وكذلك الصلح عن القود؛ لو شرط فيه الخيار، سقط القود، وبطل الشرط، ووجبت الدية.
وأما العقد على المنفعة التي تستباح بالإباحة، وهو الإجارة؛ هل يثبت فيها الخيار؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا يثبت فيها واحد من الخيارين؛ لأن عقد الإجارة عقد غرر؛ لأنه عقد على

معدوم، جوز رفقاً بالناس، والخيار غرر؛ لأنه يمنع مقصود العقد؛ فلم يجز ضم غرر إلى غرر.
وقال صاحب "التلخيص": يثبت فيها الخياران؛ كالبيع.
وقال أبو إسحاق: يثبت فيها - خيار المكان؛ لأنه يسير؛ ولا يثبت خيار الشرط، ولا فرق بين الإجارة على العين، أو على مدة معلومة، أو على منفعة في الذمة؛ على الصحيح من المذهب.
وقيل: إذا كانت الإجارة على مدة لا يثبت فيها خيار الشرط؛ لأنا عن حسبنا المدة على المكري زدنا في المدة، وإن حسبنا على المكتري نقصنا من المدة، وفي خيار المكان وهان؛ لأنه يسير.
قال الشيخ القفال رحمه الله: الوجوه الثلاثة في إجارة العين.
أما الإجارة في الذمة يجب فيها تسليم الأجرة في المجلس؛ فيثبت فيها خيار المكان دون خيار الشرط؛ كما في السلم.
وإن قلنا: يثبت الخيار في الإجارة المعينة؛ فمدة الخيار على من تحسب نظر: ن كان قبل تسليم العين إلى المستأجر، تحسب على الآجر، وإن كان بعد التسليم، ففيه وجهان؛ بناء على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمان الخيار، فمن ضمان من يكون؟ فيه قولان: أصحهما: من ضمان المشتري؛ فعلى هذا يحسب على المستأجر، وعليه تمام الأجرة.
والثاني: يكون من ضمان البائع؛ فعلى هذا يحسب على الآجر، فيحط بقدر ما يقابل تلك المدة من الأجر.
أما عقد المساقاة: هل يثبت فيه الخيار؟ قيل: فيه ثلاثة أوجه؛ كالإجارة.
وقيل - وهو الأصح: لا يثبت فيه واحد من الخيارين وجهاً واحداً؛ لأن الغرر فيه أكثر من حيث الجهالة، وأن كل واحد من رب المال، والعامل لا يدري ماذا يحصل له؛ فلا يُضم إليه غرر الخيار.
أما عقد المسابقة والمناضلة: إن قلنا: ذلك عقد جائز، فهو كالجعالة، وإن قلنا: لازم، فكالإجارة.

(فصلٌ: فيما ينقطع به خيار المجلس) وكل عقد ثبت فيه خيار المكان، فيسقط ذلك الخيار بأحد أمرين:

إما بالتفرق، أو بالتخاير.

فرع: أما التفرق: فهو التفرق عن مكان العقد بالبدن، والمرجع فيه إلى العُرف فما يعرفه الناس تفرقاً يلزم به العقد؛ فن كانا في سوق أو في صحراء، فبأن يتفرقا؛ بحيث لو كلمه على العادة لا يسمع كلامه.
وإن كانا في البيت، فبأن يخرج أحدهما، وإن كانا في صحن، فبأن يدخل أحدهما بيتاً أو يصعد سطحاً.
ولو داما في ذلك المجلس مُدة أو قاما يمشيان معاً لايلزم العقد؛ وإن طالت المدة.
ولو أرخى بينهما ستر، أو شق بينها نهر لا يلزم.
ولو بُني بينهما جدار من طين أو جص، فوجهان: أصحهما: لا يلزم؛ لأنهما في مجلس العقد.
ولو أكرها على التفرق؛ بأن حُملا، أو حُمل أحدهما؛ والآخر لا يمكنه أن يتبعه - لا يبطل خيارهما.
وإن أمكنه الفسخ باللسان؛ فلم يفعله؟ لأن السكوت عن الفسخ لا يبطل خيار المكان؛ كما في المجلس.
ولو ضُربا حتى تفرقا بأنفسهما؛ فهل يبطل خيارهما؟ فيه قولان؛ بناء على حنث المُكره.
ولو هرب أحدهما، ولم يتبعه الآخر مع الإمكان بطل خيارهما، وإن لم يمكنه متابعته.
قلت: بطل خيار من هرب، دون الآخر.
[لو حمل أحدهما وما تبعه الآخر مع الإمكان، لا يبطل خيار المحمول، ويبطل خيار الآخر].
فرع: أما التخاير: أن يقولا في المجلس: تخايرنا، أو ألزمنا العقد، أو اخترنا إمضاء العقد سقط الخيار.
ولو قال أحدهما: اخترت، أو التزمت بطل خياره، ولا يبطل خيار الآخر؛ كما في

خيار الشرط إذا أبطل أحدهما خياره، لا يبطل خيار الآخر.
ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر، أو خيرتك؛ فقال الآخر؛ اخترت - بطل خيارهما.
ولو لم يقل الآخر: اخترت، لا يبطل خياره، وهل يبطل خيار القائل فيه وجهان: أحدهما - وهو الأصح - يبطل؛ لأن قوله: اختر رضا منه باللزوم؛ فصار كما لو قال: اخترت، فاختر.
والثاني- لا يبطل؛ لأن قوله: اختر تفويض الاختيار، فإذا اختار صاحبه، جعل كأنه تولى الاختيار عن نفسه، وعن صاحبه؛ فإذا لم يختر، فلا حكم له.
وإذا اشترى من ولده الطفل لنفسه شيئاً، ثبت فيه خيار المكان، ثم إذا فارق المجلس، لزم العقد؛ على أصح الوجهين.
وإن كان عقد صرف؛ ففارق قبل أن يقبض - بطل العقد.
وقيل: لا يلزم العقد إلا باختيار اللزوم؛ لأنه [لا] يفارق نفسه بمفارقة المجلس.
وفي الصرف على هذا الوجه يجوز أن يقبض بعد مفارقة المجلس ما لم يبطل الخيار [باختيار اللزوم].
فصل في ملك المبيع في زمن الخيار لمن؟ رُوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كُل بيعين لا بيع بينهما؛ حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار".
الملك في زمن الخيار لمن يكون؟ نظر: إن كان الخيار لهما؛ كخيار المكان أو تبايعا بشرط خيار ثلاثة أيام لهما جميعاً - ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: الملك للمشتري؛ لأنه بيع تم صحيحاً بالإيجاب والقبول؛ فثبوت الخيار فيه لا يمنع الملك؛ كخيار العيب.
والثاني: الملك للبائع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا بيع بينهما؛ حتى يتفرقا" وبدليل أنه تنفذ فيه تصرفات البائع، ولا تنفذ تصرفات المشتري.

والثالث - وهو الأصح: الملك موقوف، فإن تم البيع بينهما؛ بمضي الخيار، بان أن الملك كان للمشتري، فإن فسخ بان أنه كان للبائع؛ لأن سبب زوال الملك؛ وهو البيع قد وُجد؛ فلا يمكن القطع بأن الملك للبائع، وحق الاعتراض للبائع ثابت؛ فلا يقطع بالملك للمشتري؛ فقلنا بالوقف.
وإن كان الخيار لأحدهما، ففيه قولان: أحدهما: هو كما لو كان الخيار لهما.
وفيه ثلاثة أقوال: والقول الثاني - وهو الأصح: أن الملك لمن له الخيار؛ بدليل أن تصرف الآخر فيه لا ينفذ فيه.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: إن كان الخيار لهما، أو للبائع - فالملك للبائع، وإن كان للمشتري، فليس لواحد منهما، حتى يمضي زمان الخيار.
أما التفريع على الأقوال فيما إذا كان الخيار لهما.
فإن كان المبيع عبداً أعتقه البائع في زمان الخيار نفذ عتقه على الأقوال كلها، وكان [الإعتاق] فسخاً للعقد؛ لأنا إن قلنا: إن الملك للبائع، فقد أعتق ملك نفسه.
وإن قلنا [الملك] للمشتري، فحق الفسخ ثابت للبائع؛ فكان إعتاقه اختياراً للفسخ.
وإن أعتقه المشتري، بطل خياره.
وهل ينفذ عتقه، أم لا؟ إن قلنا: الملك للبائع، لا ينفذ، وإن تم العقد بينهما؛ لأنه أعتق ملك غيره.
وإن قلنا: موقوف، فالعتق موقوف؛ فإن تم البيع بينهما، بان أنه كان نافذاً، وإن فسخ فلا.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فالمذهب: أنه لا ينفذ عتقه أيضاً: لما فيه من إبطال حق البائع من الاسترجاع؛ فإن اختار البائع إمضاء البيع، فالعتق نافذ، وإلا فلا وفيه وجه آخر: أن عتقه ينفذ على هذا القول؛ لأنه أعتق ملك نفسه؛ فعلى هذا هل يبطل خيار البائع؟ فيه وجهان: أحدهما: يبطل، وليس له إلا الثمن.

والثاني: لا يبطل خياره، ولكن لا سبيل له إلى العتق، بل إذا فسخ العقد، أخذ قيمة العبد؛ كما لو باع عبداً بثوب؛ فأعتقه المشتري، ثم وجد البائع بالثوب عيباً ورده، أخذ قيمة العبد.
والمذهب هو الأول: أن عتقه لا ينفذ، بخلاف البائع إذا أعتق ينفذ عتقه؛ لأن عتقه فسخ، والفسخ أغلب من الإجازة؛ بدليل أن أحد المتبايعين إذا اختار الفسخ في زمان الخيار، والآخر الإجازة - كان الفسخ أولى.
ولو اشترى من يعتق عليه، فهل يثبت فيه خيار المكان أو الشرط، أم لا إن قلن: الملك للبائع أو موقوف، فلهما الخيار، ولا يحكم بالعتق؛ حتى يمضي زمان الخيار.
ثم إن قلنا: الملك للبائع، عتق حين مضى الخيار.
وإن قلنا: موقوف، بان أنه عتق بالشراء.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا خيار للمشتري، ويثبت للبائع، ولايحكم بالعتق؛ على ظاهر المذهب، حتى يمضي زمان الخيار؛ فيحكم بعتقه يوم الشراء.
وفيه وجه آخر: أنه يعتق على هذا القول، وفي خيار البائع وجهان؛ ما ذكرنا في الإعتاق، والمذهب الأول.
فإن قيل: إذا أعتقه المشتري على قولنا: إن الملك للبائع أو موقوف -أبطلتم خياره، وفي شراء [القريب] أثبتم الخيار للمشتري.
قلت: لأن في شراء الأجنبي وُجد من المشتري كمال الرضا بعد الشراء بالإقدام على العتق؛ فسقط خياره، وفي شراء القريب لم يوجد إلا الرضا بأصل العقد، والرضا بالعقد لا يكون رضا باللزوم؛ ولذلك ثبت الخيار في البيوع، فقلنا يثبت الخيار.
قلت: ويحتمل أن يُقال: الملك للمشتري، أنه يثبت به خيار في شراء القريب، على ظاهر المذهب الذي يقول: إنه لا يعتق في الحال؛ لأنه لم يوجد منه إلا الرضا بأصل العقد.
وإن كان المبيع جارية؛ فوطئها أحدهما في زمان الخيار، نظر: إن وطئها البائع، كان فسخاً للبيع؛ على الأقوال كلها، بخلاف الرجعة، لاتحصل بالوطء؛ لأن الرجعة لتدار ملك النكاح، وابتداء ملك النكاح لا يحصل بالفعل؛ فتداركه لا يحصل إلا بالقول،

وفسخ البيع ها هنا لتدارك ملك اليمين، وابتداء ملك اليمين يحصل بالفعل؛ مثل: الاحتطاب، والاحتشاش، والاغتنام؛ فتداركه يحصل بالفعل.
وهل يحل هذا الوطء للبائع، أم لا؟ إن قلنا: الملك له فيحل، وإلا فلا.
ولو قبلها البائع، أو لمسها بشهوة، أو استخدمها، أو كانت دابة، فربها كان فسخاً للبيع؛ كالوطء والعتق.
وإن وطئها المشتري، فهو وطء حرام؛ على الأقوال كلها؛ لأنا وإن قلنا: الملك له، فهو ملك ضعيف، لثبوت حق الفسخ للبائع؛ فهو كملك المكاتب لا يبيح الوطء؛ غير أنه لو وطئها لا حد عليه؛ لشبهة الملك؛ على الأقوال كلها، ثم نظر: إن وطئها بإذن البائع، بطل خيارهما جميعاً، ولا مهر على المشتري، وإذا أحبلها، كانت أم ولد له، ولا يجب عليه قيمة الولد.
وإن وطئها بغير إذن البائع، سواء كان البائع عالماً به أو جاهلاً - بطل خياره، ولا يبطل خيار البائع.
وكل لو قبلها المشتري، أو لمسها بشهوة، أو استخدمها، أو كانت دابة؛ فركبها -بطل خياره.
وهل يجب المهر على المشتري بالوطء؟ لا يخلو: إما إن تم البيع بينهما، أو فسخ: فإن تم البيع، إن قلنا: الملك للمشتري أو موقوف، لا يجب.
وإن قلنا: للبائع، يجب.
وإن فسخ البيع بينهما، فإن قلنا: الملك للبائع أو موقوف، يجب عليه المهر للبائع.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا يجب.
ولو أحبلها المشتري، فالولد حُر ثابت النسب.
وهل ينفذ استيلاده، أم لا إن قلنا: الملك للبائع، لا ينفذ.
ثم إن تم العقد بينهما أو فسخ، ثم ملكها بعده - هل تكون أم ولد له؟ فعلى قولين؛ كمن استولد جارية الغير بالشبهة، ثم ملكها.
وإن قلنا: الملك موقوف، فأمر الاستيلاد موقوف إن تم العقد بينهما - بان أنه قد نفذ، وإن فسخ فلا؛ حتى يملكها، [فإذا ملك] فيه قولان.

وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا يحكم بنفوذه في الحال؛ على ظاهر المذهب؛ لما فيه من إبطال حق البائع؛ كما في العتق.
فإذا تم البيع تبين نفوذه.
وهل يجب على المشتري قيمة الولد؟ حكمه حكم المهر إن تم العقد بينهما، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف، لا يجب.
وإن قلنا [الملك] للبائع، يجب.
وإن فسخ البيع بينهما إن قلنا: الملك للبائع أو موقوف، يجب.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فلا يجب.
أما سائر التصرفات؛ مثل: البيع، والإجارة، والرهن، والهبة، والتزويج.
إن وجد من البائع في زمان الخيار شيء منها - فهو فسخ للبيع.
والمذهب: أنه تصح هذه العقود؛ كما لو أعتقه، كان فسخاً، ونفذ العتق.
وقيل: لاتصح هذه العقود؛ لأن هذه الألفاظ تعينت للفسخ؛ فلا ينعقد بها عقد آخر؛ كما لو كبر وشرع في الصلاة، ثم كبر ثانياً؛ ينوي الشروع خرج من الأولى، ولايشرع في الثانية، وليس كالعتق؛ لأنه له غلبة؛ بدليل إن إعتاق المشتري قبل القبض ينفذ، ويكون قبضاً، وبيعه لا ينفذ.
ولو عرضه البائع على البيع، أو وكل ببيعه، أو وهب، أو رهن، ولم يقبض هل يكون فسخاً للبيع؟ فيه وجهان.
ولو وجد من المشتري هذه التصرفات، لا يصح شيء منها لإبطال حق البائع وهل يبطل به خياره؟ فيه وجهان: أحدهما: يبطل؛ كما لو أعتق.
والثاني: لا يبطل؛ لأن للعتق من القوة ما ليس لغيره.
أما إذا عقد المشتري شيئاً من هذه العقود مع البائع، أو مع غيره بإذنه، فالمذهب أنه تصح هذه العقود، وجعل كأن البائع اختار إمضاء البيع، ثم اشتراه، أو انتهبه.
وكذلك لو أمر البائع ببيعه؛ فباعه، صح؛ على ظاهر المذهب، وكان إجازة؛ كما لو أمره بإعتاقه.
وكذلك لو اشترى حنطة؛ فأمر البائع بطحنها في زمان الخيار - كان إمضاء للبيع.

أما إذا كان الخيار لأحدهما، فلا ينفذ تصرف الآخر فيه، وينفذ تصرف من له الخيار، ثم إن كان الخيار للبائع، فتصرفه فسخ للبيع، وإن كان للمشتري، فتصرفه إجازة؛ حتى لو باعه، أو وهبه، أو رهنه، أو أجره، أو كانت جارية، فزوجها - لزم البيع، وصحت هذه العقود.
وقيل: لا تصح هذه العقود؛ لأن هذه الألفاظ تعينت للإجازة؛ فلا ينعقد بها عقد آخر.
والأول هو المذهب، والمنصوص عليه.
ولو عرضه على البيع؛ هل يصير به مجيزاً للبيع؟ فيه وجهان: ولو تبايعا عبداً بجارية؛ فأعتقهما أحدهما في زمان الخيار، والخيار لهما، لا ينفذ عتقه فيهما، بل ينفذ فيما باع، وكان فسخاً.
وإن كان الخيار لأحدهما، فالصحيح أن الملك لمن له الخيار، فإذا أعتقهما من له الخيار، نفذ عتقه فيما اشترى؛ على أصح الوجهين؛ لأنه ملكه، وليس للبائع خيار؛ حتى يمتنع عتق المشتري لحقه، وكان إجازة.
وقيل: ينفذ فيما باع، وكان فسخاً.
وإذا حصلت من المبيع زوائد في زمان الخيار؛ الكسب، والولد، والثمرة، ومهر الجارية فلمن يكون؟ لا يخلو: إما إن تم البيع بينهما، أو فسخ: فإن تم العقد، إن قلنا: الملك للمشتري، أو موقوف، تكون الزوائد للمشتري.
وإن قلنا: الملك للبائع، فتكون [الزوائد] له.
وإن فسخ العقد: إن قلنا: الملك للبائع، أو موقوف - فتكون للبائع.
وإن قلنا: الملك للمشتري، فتكون له.
وإن كانت حاملاً يوم الشراء؛ فوضعت في زمان الخيار -فالولد لمن يكون؟ هذا ينبني على أن الحمل هل له قسط من الثمن؟ وفيه قولان: أصحهما: له قسط من الثمن؛ فعلى هذا: إن تم العقد، فيكون للمشتري.
وإن فسخ، فللبائع؛ كما لو اشترى عبدين.
والثاني: ليس له قسط من الثمن؛ فعلى هذا: حكمه حمك زيادة حدثت بعد الشراء.

ولو زيد في زمان الخيار في الثمن، أو في الأجل، أو في الخيار- فإن قلنا: الملك للبائع، تلتحق بالعقد.
وإن قلنا: للمشتري، أو موقوف، وتم العقد - فلا تلتحق.
وإن قلنا: موقوف، ففسخ، فقد التحق، وارتفع بارتفاع العقد؛ لا فرق فيه بين خيار المكان والشرط.
وقيل: إن كان في خيار المجلس، تلتحق بالعقد، وإن كان في خيار الشرط، فلا تلتحق؛ لأن مجلس العقد كحالة المُقاولة؛ بدليل أنه يصلح لقبض رأس مال الصرف والسلم.
ولو حط بعض الثمن، فيحط عن المشتري، على الأقوال كلها.
ثم من قال: تلتحق بأصل العقد؛ فإن كان المبيع شقصاً من ربع؛ وله شفيع، فالزيادة تلزم الشفيع؛ كما تلزم المشتري، وما حط ينحط في حق الشفيع؛ ما ينحط في حق المشتري.
وإن قلنا: لا تلتحق، فالزيادة لا تلزم المشتري، ولا الشفيع، والحط يعمل في حق المشتري، ولا يعمل في حق الشفيع، كما لو زاد أو حط بعد مُضي زمن الخيار.
ولو حط جميع الثمن، وقلنا: تلتحق بأصل العقد، فيفسد؛ كما لو باع بلا ثمن، وكذل ما ألحق به مما يفسد العقد من شرط فاسد، أو خيار أو بيع أو أجل مجهول.
فإن قلنا: تلتحق الزيادة بالعقد، يفسد العقد، وإلا فلا.
ولو باع بيعاً فاسداً ثم حذف الفاسد في المجلس - لا ينقلب صحيحاً؛ لأنه لا عقد هاهنا؛ حتى يكون لمجلسه حكم.
وعند أبي حنيفة: إذا زيد في الثمن بعد زمان الخيار، تلتحق بالعقد.
فنقول: زيادة لا تلزم الشفيع مع إقراره بها؛ فلا تكون تلك الزيادة ثمناً واجباً بالعقد؛ كما لو زيد بلفظ الهبة.
ولو تلف المبيع في زمان الخيار، إن قلنا: الملك للبائع، ينفسخ العقد، سواء تلف أو أتلفه متلف.
وإن قلنا: الملك للمشتري، أو موقوف؛ [نظر]: إن تلف بآفة سماوية قبل القبض،

ينفسخ البيع؛ لأن التلف قبل القبض في غير زمان الخيار يوجب انفساخ العقد، ففي زمان الخيار أولى، وإن تلف بعد القبض [في غير الخيار، يوجب انفساخ العقد، ففي زمان الخيار أولى، وإن تلف بعد القبض] هل ينفسخ العقد؟ فيه قولان: أصحهما: لا ينفسخ؛ لأنه دخل في ضمان المشتري بالقبض، وإن كان الفسخ ثابتاً له؛ كما لو قبضه، وبه عيب، فتلف - يكون من ضمان المشتري.
والثاني: ينفسخ؛ لأنه هلك قبل إبرام العقد؛ كما لو تلف قبل القبض.
فإن قلنا: لا ينفسخ، فالمذهب أن الخيار لا يسقط؛ فإن أجازا، فعلى المشتري الثمن، وإن فسخا، فالقيمة.
قلت: إتلاف البائع فسخ، وإتلاف المشتري إجازة، سواء كان قبل القبض أو بعده؛ فعليه القيمة، والخيار قائم، فإن فسخا، فالقيمة للبائع، وإن أجازا، فللمشتري.
ولا يجب على واحد من المتبايعين تسليم المعقود عليه في زمان الخيار؛ فلو تبرع بالتسليم جاز، ولا يبطل به خياره، ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده، ولمن سلم أن يسترد ما دفع على الصحيح من المذهب.
وقيل: ليس له أن يسترد ما دفع، كما لو سلم المبيع في غير زمان الخيار متبرعاً، لم يكن له رده إلى جنسه؛ لاستيفاء الثمن، وله أن يأخذ ما اشترى دون إذن صاحبه.
فصلٌ (هل يورث الخيار أم لا؟) إذا باع شيئاً بشرط الخيار؛ فمات من له الخيار في زمان الخيار؛ يثبت ما بقي من

الخيار لوارثه؛ لأنه خيار لازم تعلق بعين المبيع؛ فيثبت الوارث؛ كخيار الرد بالعيب.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يثبت للوارث، بل يلزم العقد بموته؛ فلو لم يعلم الوارث بموته؛ حتى مضت المدة لا تعاد، ولا يلزم العقد، بل يثبت للوارث الخيار بعد العلم على الفور.

وقيل: يمتد بامتداد مجلس العلم.
أما إذا مات أحد المتبايعين في مجلس العقد، نص على أنه يثبت خيار المكان لوارثه.
وقال في المكاتب: إذا اشترى شيئاً؛ فمات في مجلس البيع، وجب البيع.
فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من جعل فيهما قولين: أحدهما: يلزم البيع؛ لأنه خيار يسقط بمفارقة المكان؛ فبمفارقة الدنيا أولى أن يسقط.
والثاني: يثبت للوارث، ولسيد المكاتب إذا مات المكاتب؛ كخيار الشرط، وخيار العيب يثبت لهما؛ لأنه تفرق اضطرار؛ بخلاف مفارقة المكان.
ومنهم من قال: يثبت للوارث، ولمولى المكاتب قولاً واحداً، وهو الأصح.
وقوله في المكاتب: "وجب البيع لم يرد به: لزوم البيع، بل أراد به: أن البيع بموته لا يبطل، وإن ارتفعت الكتابة.
ومنهم من فرق على ظاهر النص، وقال: يثبت للوارث؛ لأنه خليفة المورث، ولايثبت للمولى؛ لأنه ليس بخليفة مكاتبه.
وإذا اشترى العبد المأذون له في التجارة شيئاً، أو الوكيل بالشراء، ومات في مجلس العقد، فهل يثبت الخيار للمولى والموكل؟ حكمه حكم المكاتب.
فإن قلنا: لا يورث خيار المكان، فيبطل خيار الميت، ولا يبطل خيار الحي، حتى يفارق المجلس.
وإن قلنا: يورث؛ فإن كان الوارث حاضراً في مجلس العقد، فيمتد الخيار بينه وبين

الحي إلى أن يتفرقا، أو يتخايرا.
وإن كان الوارث غائباً، فخيار الحي يسقط بمفارقة مجلس العقد، وخيار الوارث قائم إلى أن يصل الخبر إليه.
ثم يكون على الفور، أم يمتد بامتداد مجلس العقد فيه وجهان.
فإذا ثبت الخيار للوارث: إما خيار المكان، أو الشرط، وكان له وارثان فسخ أحدهما، وأجاز الآخر.
قيل: لا ينفسخ في شيء حتى يتفقا.
والصحيح: أنه فسخ في الكل؛ كما لو فسخ احد المتبايعين، وأجاز الآخر يغلب الفسخ؛ وكالمورث في حياته لو فسخ في البعض، وأجاز في البعض، كان فسخاً.
ولو جُن أحد المتبايعين في زمان الخيار، لا يبطل العقد؛ لأنه قعد يفضي إلى اللزوم؛ بخلاف الوكالة تبطل بالجنون، ولا يسقط الخيار، فيقيم الحاكم من ينظر له؛ فإن رأى النظر في الفسخ فسخ، وإن رأى في الإجازة أجاز، فن فعل ما فيه النظر ليس للمجنون بعد الإفاقة رده، وإن ترك النظر له رد ما فعله.
وإن خرس أحدهما يفسخ، أو يجيز بالإشارة أو بالكتابة، فن لم يعقل الكتابة ولا الإشارة، فهو كالمجنون.
فصل (في خيار الشرط) روي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما - أن رجلاً ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا بايعت فقل لا خلابة".

ويروى أن ذلك الرجلان حبان بن مُنقذٍ أصابته أمة في رأسه.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" وجعل له الخيار ثلاثاً.
كل عقد جاز فيه خيار الشرط، فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام؛ فلو شرط خيار أربعة

أيام، فسد العقد، وبحذف الزيادة لا ينقلب صحيحاً.
وقال أبو حنيفة: إذا حذفت الزيادة قبل دخول اليوم الرابع، ينقلب صحيحاً.

فنقول: بيع فسد لمعنى؛ فزوال ذلك المعنى لا يُوجب انقلابه صحيحاً؛ كما لو باع آبقاً فعاد، أو خمراً فتخللت، أو باع بمائة وزق خمر، فحُذف زق الخمر.
وإن باع؛ بشرط خيار ثلاثة أيام، يكون ابتداء المدة من وقت العقد، على الصحيح من المذهب، وإن كان خيار المكان ثابتاً.
وإذا تفرقا قبل مضي الثلاث، يرتفع خيار المكان، ويبقى خيار الشرط، وإن تم الثلاث قبل التفرق ارتفع خيار الشرط، وبقي خيار المكان.
ولو أوجب أحدهما البيع في المجلس، سقط خيار المكان والشرط جميعاً في حقه.
وقيل ابتداء خيار الشرط من وقت التفرق، أو التخابر؛ لأن خيار المكان وقت العقد ثابت؛ فلا معنى لإثبات خيار الشرط.
والأول أصح؛ لأن وقت التفرق غير معلوم؛ فيصير

خيار الشرط مجهولاً؛ حتى لو شرط خيار الثلاث من وقت التفرق يبطل العقد.
فإن قلنا: يثبت من وقت التفرق؛ فأوجب أحدهما البيع في المجلس، سقط خيار المجلس؛ وهل يسقط خيار الشرط؟ فيه وجهان: أحدهما: يسقط، لأن مقتضاهما واحد.
والثاني: لا يسقط؛ لأن خيار الشرط لم يثبت بعد.
ولو تبايعا؛ بشرط خيار الثلاث لهما؛ فأسقط أحدهما خياره، لزم العقد في حقه، ولا يسقط خيار صاحبه.
ولو أسقط خيار اليوم الأول، سقط الكل؛ لأن العقد بعد اللزوم لا يعود جائزاً.
ولو أسقط اليوم الثاني، سقط خيار اليوم الثاني، والثالث، وبقي خيار اليوم الأول.
ولو شرط في العقد خيار غد دون اليوم، لا يصح.
وكذلك لو قال: على أنك بالخيار اليوم وبعد غد دون الغد، لا يصح.
(فصلٌ: في شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما أو لأجنبي) ولو شرط الخيار لأحد المتبايعين بعينه دون الآخر جاز، ويثبت لمن شرط له دون الآخر، ولو شرط لأحدهما خيار يوم وللآخر يومين أو ثلاث، جاز.
ولو شرط الخيار لأجنبي، أو اشترى عبداً وشرط خيار الثلاث للعبد بعينه - فالمذهب: أن العقد صحيح، ويثبت الخيار، للمشروط له؛ لأنه ربما يحتاج إلى نظر الأجنبي، لمعرفته بالمبيع.
وفيه قول آخر: أن العقد لا يصح؛ لأنه حكم من أحكام العقد؛ فلا يثبت لغير العاقد؛ كسائر الأحكام.
فإن قلنا: يصح العقد، فهل يثبت الخيار للمتبايعين؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يثبت؛ لأنه خيار ثابت بالشرط، فلا يثبت لغير من شرط له؛ كما لو شرط لأحد المتبايعين، لا يثبت للثاني.
والثاني- وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: يثبت؛ لأنه لما ثبت لغير العاقد؛ فالعاقد أولى.

وكذلك لو شرط أحد المتبايعين خياره لأجنبي ثبت للأجنبي على الأصح.
وهل يثبت له؟ فيه وجهان: فإن قلنا: لا يثبت للعاقد؛ فإذا مات الأجنبي في زمان الخيار، هل يثبت للعاقد؟ فيه وجهان.
أصحهما: أنه يثبت.
فإذا أثبتنا الخيار للعاقد، والأجنبي يجوز لكل واحد منهما أن يفسخ من غير مؤامرة الآخر؛ فلو أجاز أحدهما، وفسخ الآخر؛ كان الفسخ أولى.
والوكيل بالبيع لا يبيع بشرط الخيار، إلا بإذن الموكل، فإذا أذن له؛ فباعه بشرط الخيار، ثبت الخيار للوكيل.
وهل يثبت للموكل؟ فيه وجهان؛ كما إذا شرط للأجنبي، هل يثبت للعاقد؟ فيه وجهان، غير أنهما يفترقان [في شيء] من حيث إن الوكيل لا يتصرف بالفسخ، ولا الإجارة إلا على وجه النظر؛ لأنه مؤتمر، والأجنبي يفعل ما يشاء؛ لأنه لم يفوض إليه على وجه الائتمار، ولو شرط الوكيل الخيار للموكل؛ يثبت للموكل دونه.
ولو اشترى شيئاً فقال: اشتريته على أن أآمر فلانا، فإن أمرني بالإجازة أجزت، وإن أمرني بالفسخ فسخت، نص على جوازه، ثم إذا أراد الفسخ، أو الإمضاء، لم يجز إلا بمؤامرة فلان؛ وصورته: أن يشترط مؤامرة فلان في ثلاثة أيام، فإن أطلق لا يجوز؛ كما لو باع بشرط الخيار مطلقاً.
وقيل: هذا يجوز وإن لم يبين للمؤامرة مدة.
وقد زاد على الثلاث؛ كخيار الرؤية يجوز أن يزيد على الثلاث؛ والأول المذهب: أنه لا يجوز حتى يقيد المؤامرة بالثلاث، ثم إذا مضت ثلاثة أيام ولم يؤامر فلاناً، أو آمره ولم يشر إليه بشيء - لزم العقد، ولا ينفرد هو بالفسخ، ولا الإمضاء في مدة الثلاث؛ حتى يؤامر فلاناً؛ لأنه لم يجعل نفسه مستبداً بالرأي.
وقيل: ينفرد، وحمل النص على الاحتياط.
ولو اشترى شيئين صفقة واحدة، وشرط الخيار في أحدهما بعينه، ففي صحة البيع قولان؛ للجمع بين مختلفي الحكم.
فإن قلنا: يصح، فله الخيار فيما شرط دون الآخر، وكذلك لو شرط في أحدهما خيار يوم، وفي الآخر خيار يومين.

ولو شرط الخيار فيهما، ثم أراد الفسخ في أحدهما فعلى قولي تفريق الصفقة في الرد بالعيب.
ولو باع شيئاً من رجلين صفقة واحدة، وشرط الخيار لأحد لمشتريين دون الآخر ففي صحة البيع قولان: الأصح: جوازه، فلو شرط لهما، ثم أراد أحدهما الفسخ في نصيبه، جاز؛ كما في الرد بالعيب.
ويجوز الفسخ بخيار الشرط، أو المكان من غير حضور صاحبه وعلمه، غير أن المستحب أن يشهد، حتى لا يؤدي إلى المنازعة، وكذلك الرد بالعيب.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا يجوز الفسخ بخيار الشرط، إلا بمحضر صاحبه، ولا يشترط رضاه.
وفي الرد بالعيب قال: إن كان قبل القبض فكذلك، وإن كان بعد القبض فلا يجوز إلا برضا صاحبه، أو قضاء القاضي.
فنقول: رفع عقد؛ فلا يشترط فيه حضور مَنْ لا يشترط رضاه؛ كالطلاق لا يتوقف على حضور المرأة.
والله أعلم.
باب الربا قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه".
الربا حرام.
والربا في اللغة [عبارة عن] الزيادة، وطلب الزيادة بالبيع غير حرام، والتحريم مختص ببعض الأموال في بعض الأحوال، وجاء بيانه في الحديث.
روي عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - صلى لله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، [ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، يداً بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب،

والبر بالشعير، والشعير بالبر]، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يداً بيد كيف شئتم.
ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ستة أشياء من مال الربا، وعامة أهل العلم على أن الحكم غير مقصور عليها، بل ثبت الربا فيها لأوصاف ومعان فيها نبه الشرع عليها، فيثبت الحكم في كل ما توجد فيه تلك الأوصاف من الأموال.
فصل في مذاهب الفقهاء في تعليل حكم الربا ثم اختلفوا في تلك الأوصاف: فذهب الشافعي - رضي الله عنه -إلى أن العلة في

الدراهم والدنانير النقدية العامة، وكونهما ثمنين للأشياء غالباً، ولا يقاس غيرهما عليهما؛ كما اختص بهما تقويم المتلفات.
والعلة في الأشياء الأربعة الطعم؛ فأثبت الربا في جميع المطعومات؛ لما روي عن معمر بن عبد الله قال كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:

"الطعام بالطعام؛ مثلاً بمثل" فعلق الحكم باسم الطعام، والحكم إذا علق باسم مشتق، كان ذلك علة فيه، القطع في السرقة، والحد في الزنا؛ علق باسم السارق والزاني، ثم كانت السرقة والزنا علة فيهما.
وقيل في القديم: العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن؛ فكل مطعوم هو مكيل أو موزون يثبت فيه الربا، وما ليس بمكيل ولا موزون لا يثبت فيه الربا؛ وهو قول سعيد بن المسيب.
وعند مالك رحمة الله عليه: العلة في الدراهم والدنانير النقدية؛ كما قلنا، والعلة في الأشياء الأربعة القوت؛ وما يستصلح به القوت؛ فإن الملح مما يستصلح به القوت.
وعند أبي حنيفة رحمة الله عليه: العلة في النقدين الوزن، وفي الأشياء الأربعة الكيل.
فأثبت الربا في جميع الموزونات مثل: الحديد والنحاس والقطن ونحوها، وفي جميع المكيلات مثل: الجص والنورة ونحوها؛ حتى قال يجوز بيع حفنة من حنطة بحفنتين؛ لأن هذا القدر غير مكيل، وهذا لا يصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا البُرَّ بالبر إلا سواء بسواء".
واسم البر يتناول القليل والكثير؛ فثبت أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا متساويين.
إذا ثبت أن الطعم علة، فيثبت الربا في كل ما هو مخلوق للأكل والشرب؛ من: الحبوب، والثمار، والتوابل والبقول والمائعات المشروبة، وثبت في الماء؛ وسواء فيه ما يؤكل وحده، أو مع غيره؛ كالزعفران والملح، [ويثبت فيما يؤكل للتداوي كالإهليلج والبليلج والسقمونيا وغيرها]، ولا يثبت فيما يؤكل نادراً؛ كالإذخر والبلوط

والخضروات التي تؤكل في الربيع، ويثبت في الراب والطرثوث؛ كما يثبت في الجزر والثوم والبصل والهيشر.
فصل في أنواع الربا والربا نوعان: ربا الفضل، وربا النساء؛ فإذا تبايعا مالاً بمال، ولم يكن واحد منهما مال الربا؛ مثل: الثياب، والخشب، والحيوانات - لا يثبت فيها واحد من نوعي الربا؛ فيجوز نقداً ونسيئة ومتفاضلاً؛ سواء كان الجنس مختلفاً أو متفقاً.

وكذلك إذا كان أحدهما مال الربا دون الآخر، يجوز نقداً ونسيئة.
وإن كانا ربويين؛ نظر: إن لم يتفقا في العلة مثل: إن سلم أحد النقدين في مطعوم، أو باع مطعوماً بأحد النقدين نقداً أو نسيئة فجائز، وإن اتفقا في العلة نر: إن كان الجنس واحداً مثل: أن باع الدراهم بالدراهم، أو الدنانير بالدنانير، أو باع شيئاً من المطعومات بجنسه؛ فيثبت فيه لا نوعي الربا؛ حتى لا يجوز إلا متماثلين في معيار الشرع إن كانا مكيلين؛ ففي الكيل، أو موزونين؛ ففي الوزن، ويشترط قبضهما في مجلس العقد.
وإن كان الجنس مختلفاً؛ مثل: إن باع الدراهم بالدنانير، أو باع مطعوماً بمطعوم آخر من غير جنسه؛ كالحنطة بالشعير؛ فيثبت فهي ربا النساء دون ربا الفضل؛ حتى يجوز متفاضلاً وجزافاً، ولكن يشترط التقابض في المجلس.
وعند أبي حنيفة: لا يشترط التقابض إلا في الصرف؛ وهو بيع أحد النقدين بالآخر، أو بجنسه؛ والخبر حجة عليه حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، إلى أن قال: إلا يداً بيد"، والمراد من قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إلا يداً بيد" إيجاب التقابض؛ فسوى فيه بين بيع الذهب بالذهب، والبر بالبر؛ فدل أن الكل سواء في

جارٍ التحميل