التهذيب في فقه الإمام الشافعيصفحات 97-138

بسم الله الرحمن الرحيم؛ قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
اليمين: هي تحقيق الأمر أو توكيد الأمر بذكر اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، وعند أصحاب الرأي: تحقيق الوعد بما يكفر بضده، وقيدوا بـ"الوعد"؛ لأن اليمين لا تنعقد عندهم في الماضي، والوعد يكون في المستقبل.
وقالوا: "إنما يكفر بضده"؛ لأن قصد الحالف بيمينه تعظيم الله- عز وجل- ويكفر بضده، ولذلك قالوا: لو حلف باليهودية والنصرانية- يكون يميناً؛ لأن قصده نفي اليهودية

والنصرانية عن نفسه، وبضده يكفر، ولا تنعقد اليمين إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته؛ فاليمين بالله؛ كقوله: "والذي أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده ونحوه" يكون يميناً" لأنه حلف بذاته، أما اليمين بالأسماء: فالأسماء على ثلاثة أضرب اسم مختص بالله- عز وجل- كقوله: "والله، والرحمن ورب العالمين، ومالك يوم الدين، والحي الذي لا يموت، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء، وما أشبه ذلك": فإذا حلف بشيء منها- كانت يميناً منعقدة، سواء نوى اليمين أو أطلق أو نوى غير اليمين؛ فإن قال: لم أرد به اليمين- لا يقبل.
والضرب الثاني: اسم ينصرف إلى الله- تعالى- عند الإطلاق وإلى غيره عند التقييد؛ كقوله: "والرحيم والخالق والرازق والقادر والرب وما أشبه"؛ فإذا أطلق يكون يميناً، وإن نوى به غير الله- لا يكون يميناً؛ لأنه يقال: "فلان رحيم القلب" و"رب الدين" و"خالق الكذب" و"قادر على المشي" ونحو ذلك؛ فهو كما لو قيد، فقال: "ورازق الجيش، ورب الدين- لا يكون يميناً، وسواء كان هذا الاسم مشتقاً من صفات الذات؛ مثل: "الرحمن الرحيم السميع البصير"، أو من صفات الفعل؛ مثل: "الخالق، والبارئ، وباسط الرزق، وفالق الإصباح، ومقلب القلوب، ونحوه"، فيكون يميناً.
والضرب الثالث: يستعمل في غيره؛ كقوله: "والشيء، والموجود، والناطق، والعالم، والحي، والمؤمن"؛ فلا يكون يميناً إلا أن ينوي.
فأما اليمين بالصفات: فالصفات قسمان [صفة ذات وصفة فعل؛ فصفة الذات كقوله: "وعظمة الله، وجلال الله، وعزة الله، وكبرياء الله، وبقاء الله، وكلام الله"؛ فهو يمين، وكذلك لو قال: "وعلم الله، وقدرة الله، ومشيئة الله" يكون يميناً؛ لأن العلم والقدرة من] صفات ذاته التي لم يزل موصوفاً بها؛ كالصفات الستة، فإن أراد بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور- لا يكون يميناً؛ لأن العلم يستعمل في المعلوم؛ كما يقال في الدعاء: اغفر لنا علمك الذي فينا، أي: معلومك، ويقال: "انظروا إلى قدرة الله، أي: مقدوره؛ فهو من صفات الفعل؛ كما لو قال: "ومعلوم الله، ومقدور الله"- لا يكون يميناً؛ لأنه

حلف بمحدث؛ كما لو قال: وخلق الله، ورزق الله، ولو قال: وقرآن الله، وكتاب الله- يكون يميناً؛ كقوله: "وكلام الله"، وعند أبي حنيفة: [كلام الله] لا يكون يميناً، ولو قال: وحق الله- فهو يمين إلا أن يريد به العبادات؛ فإنها من حقوق الله- تعالى- على العباد؛ فلا يكون يميناً، وقال المزني: "وحق الله" لا يكون يميناً؛ لأنه ليس من صفات الذات، قلنا: "الحق" يستعمل ف العبادات، ويستعمل فيما يستحقه الباري من صفات الذات، فحمل مطلقه عليه؛ لكثرة الاستعمال على صفات الذات، ولو قال/: وحق الله، وقدرة الله بالرفع أو بالنصب- لا يكون يميناً، إلا أن يريد به اليمين؛ لأنه يريد: حق الله واجب، وقدرة الله ماضية.
وحروف القسم ثلاثة: "الباء" و"الواو" و"التاء"، فإن قال: بالله، لأفعلن، أو: والله، أو: تالله- يكون يميناً، نوى أو لم ينو، والتاء لا تستعمل إلا في اسم الله، فإن أراد بالباء المعجمة بواحدة: بالله أستعين، بالله أثق- فلا يكون يميناً، وقال في "القسامة" "تالله" بالتاء المعجمة من فوق- لا يكون يميناً؛ فمن أصحابنا من جعل فيه قولين والمذهب: أنه يمين؛ قولاً واحداً؛ لقوله تعالى؛ إخباراً عن إبراهيم" ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]، وعن إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91]، وما نقل في القسامة: وقع مصحفاً؛ إنما قال الشافعي - رضي الله عنه-: "بالله، بالياء المعجمة باثنتين من تحت على سبيل النداء؛ لأنه دعاء ليس بيمين، وقيل: أراد به إذا حلفه الحاكم، فقال: قل: بالله، فقال هو: تالله بالتاء- لا يحسب؛ لأن يمين المدعى عليه يشترط أن يكون على وفق تحليف الحاكم، ولو قال: والله- بالرفع- يكون يميناً، والخطأ في الإعراب لا يمنع انعقاد اليمين، ولو قال: الله، لأفعلن بحذف حرف القسم- فلا يكون يميناً، إلا أن يريده؛ لأنه ليس بمعهود الشرع، ولا العرف، وقال صاحب "التلخيص": إطلاقه يكون يميناً، ولو قال: "الله" منصوباً أو مرفوعاً- فلا يكون يميناً إلا أن ينويه، ولو قال: "وايم الله"- فهو كقوله: "وحق الله"، ومعناه: "وأيمان الله"- يكون يميناً إلا أن يريد غير اليمين؛ لما روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في أسامة بن زيد: "وايم الله، إنه لخليق بالإمارة" ولو قال: "لاها الله" فهو يمين إن أراده؛ وإن لم يرد فليس بيمين؛ لأنه غير

متعارف؛ وكذلك لو قال: "لعمرو الله"- فلا يكون يميناً إلا أن يريده فيكون يميناً، قيل: معناه: لقاء الله، ولو قال: "أقسمت بالله، أو: أقسم بالله، أو: حلفت بالله، أو: أحلف بالله لأفعلن كذا".
فإن أراد به يميناً في الحال، أو أطلق- كان يميناً؛ لأنه ثبت له عرف الشرع والعادة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: 53]، وإن قال: أردت بقولي "أقسمت بالله وحلفت بالله": أني كنت أقسمت وحلفت وبقولي: "أقسم وأحلف": أني سأقسم- يقبل في الباطن، وهل يقبل في الحكم؟ نص الشافعي/ ههنا: أنه يقبل، ولا يكون يميناً، وقال في "الإيلاء": لا يقبل؛ اختلف أصحابنا فيه، منهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يقبل في الحكم؛ لأنه يمين في العرف.
والثاني- وهو الأصح-: يقبل؛ لأن ما يدعيه يحتمله اللفظ.
ومنهم من قال: في الإيلاء: لا يقبل في الحكم؛ لأنه تعلق به حق المرأة، ومبنى حقوق الآدميين على الشح والضيق، وفي غير الإيلاء: يقبل؛ لأنه لا يتعلق به إلا الكفارة، وهي من حقوق الله تعالى، ومبنى حقوق الله على المساهلة.
ولو قال: "شهدت بالله، أشهد بالله"؛ فإن أراد به اليمين، فإنه يمين؛ لأنه ورد به الشرع؛ قال الله تعالى: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 8]، وأراد به اليمين فإن أراد به غير اليمين، فلا يكون يميناً؛ لأنه قد يريد بالشهادة بالله غير الأيمان بالله، وإن أطلق ولم يكن له نية- ففيه وجهان: أحدهما: هو يمين؛ لورود الشرع به.
والثاني: ليس بيمين؛ لأنه لم يجر به العرف.
ولو قال: "عزمت بالله، أو: وأعزم بالله" فلا يكون يميناً إلا أن ينويه؛ لأنه يريد: أعزم على الفعل بمعونة الله، ولا يكون ذلك يميناً [إلا أن ينويه].
ولو قال: "أقسمت أو: أقسم، أو: حلفت أو: أحلف، أو: شهدت أو: أشهد، أو: عزمت، أو: أعزم"، ولم يذكر اسم الله- عز وجل-: لم يكن يميناً، نوى أو لم ينو؛ لأنه لم يحلف باسم من أسماء الله، ولا صفة من صفاته، وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: يكون يميناً.

ولو قال: "على عهد الله، وميثاقه، وأمانته، وكفالته"- فهو كقوله: "أشهد بالله".
فإن أراد به اليمين، فهو يمين، ويكون المراد من العهد استحقاقه لما أوجبه علينا وتعبدنا به، وإن أراد غير اليمين فهو: ما أخذ علينا من العهد في العبادات- فليس بيمين، وإن أطلق- فعلى وجهين.
ولو قال: "نذرت الله" ففيه وجهان، ولو قال: "اعتصم بالله، وأستعين بالله، وأتوكل عليه، وأثق به"- فلا يكون يميناً، وإن نوى، ولو قال لغيره: "أسألك بالله، أو: أقسم عليك بالله، لتفعلن كذا".
فإن أراد بذلك الشفاعة، أي: أتشفع بالله عليك لتفعلن كذا- فلا يكون يميناً، وكذلك إن كان أراد يمين من يقسم عليه، أن ينعقد للمسئول- فلا يكون يميناً في حق واحد منهما؛ لأن السائل أراد يمين غيره، وهو المسئول، والمسئول لم يحلف، وإن أراد يمين نفسه؛ كأنه يحلف على المسئول: لتفعلن كذا-: كان يميناً/ في حقه، ويستحب للمسئول أن ينوي في قسمه؛ لما روي عن البراء بن عازب، قال: "أمرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بسبع: بعبادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم"، ولو حلف رجل لا يفعل كذا، فقال غيره: يميني في يمينك، أو: أنا مثلك في اليمين- لا تنعقد اليمين بغير الله- عز وجل- ويكره ذلك؛ كقوله: "والرسول والكعبة والسماء والأرض" ونحو ذلك؛ روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أدرك عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو يسير في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت"؛ فإن قيل: أليس، قد أقسم الله تعالى بالمخلوقات، فقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1]، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: 1] وغيرها من الآيات؟ - قيل: ذكر الرب فيه مضمر، معناه: ورب النجم، ورب السماء؛ كما قال في موضع آخر: "فورب السماء والأرض، إنه لحق"، وقيل: إنما حلف بهذه الأشياء، لأنه ليس فوق الله أحد يعظم تعظيمه، فحلف بأعظم مخلوقاته، وقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "أفلح وأبيه، إن صدق"- صلة للكلام- ليس بقسم؛ يدل عليه: أن اليمين للتعظيم، ولا يحلف بأب الأعرابي تعظيماً له، ولو قال: إن فعلت كذا، فأنا برئ من الإسلام أو يهودي أو نصراني- فلا يكون يميناً.
وعند أبي حنيفة-: يكون يميناً، ومن سبق إلى لسانه لفظ اليمين من غير قصد؛ كقول الإنسان في لجاج أو عجلة، أو في صلة كلام: "لا، والله"، "بلى، والله"- لا يكون يميناً،

وكذلك: لو أراد اليمين على شيء، فسبق إلى لسانه غيره- فلا ينعقد يمينه، ولا كفارة عليه؛ لقول الله - عز وجل-: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت عائشة - رضي الله عنها-: لغو اليمين: "لا والله، بلى والله".
وعند أبي حنيفة: لغو اليمين: أن يحلف على أن مقتضى ظنه كذلك؛ فبان بخلافه لنا في هذا قولان؛ بناء على حنث الناسي.
ويصح اليمين على الماضي؛ كما يصح على المستقبل؛ فإن حلف على ماض؛ بأن قال: "والله، لقد كان كذا، ولم يكن كذا"/ وكان صادقاً- لا شيء عليه، وإن كان كاذباً- نظر: إن كان عالماً بالحال- فهو اليمين الغموس، وهي من جملة الكبائر؛ روي عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "الكبائر؛ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس" وعندنا: تجب به الكفارة مع العلم، وإن كان جاهلاً، هل يلزمه الكفارة؟ فعلى قولين؛ بناءً على ما لو حلف على شيء [في المستقبل] ألا يفعله ثم فعله ناسياً، هل تلزمه الكفارة؟ فيه قولان، وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: اليمين على الماضي: لا يوجب الكفارة، بل إن كان عالماً فهو كبيرة؛ لا تجب بها الكفارة كسائر الكبائر، وإن كان جاهلاً- فهو يمين اللغو، وربما يقولون: اليمين على الماضي لا تنعقد، والحجة عليهم أن الحكام عن آخرهم [يحلفون] على الماضي، ولو لم تكن منعقدة- لم يكن لتحليفهم معنى، وليس في كونه ماضياً أكثر من أنه آثم به، فتكون أولى بوجوب الكفارة؛ كما أن الله تعالى أخبر؛ أن الظهار قول منكر وزور ثم أوجب ب الكفارة.
فصل في كراهية الحلف قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]، اليمين في الجملة مكروهة إلا فيما لله فيه طاعة؛ كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً".

ثم إن حلف على ترك مأمور: بأن حلف ألا يصلي، أو على ارتكاب محظور: بأن حلف أن يشرب الخمر، أو لا يكلم أخاه- عصى الله تعالى به ويجب أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه، ولو حلف على ترك مندوب؛ مثل: أن حلف ألا يعود مريضاً أو لا يزور صديقاً، أو على أن يأتي بمكروه- فالأصل: أن يحنث نفسه، ويكره أن يحفظ يمينه، روي عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة، وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير" وعن أبي موسى

الأشعري- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إني، والله، إن شاء الله/، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير".
وإن حلف على ترك مباح: بأن حلف لا يدخل الدار، أو: لا يأكل اللحم، ونحو ذلك- يباح له الحنث والإقامة على حفظ اليمين، وأيهما أولى؟ فيه وجهان: أحدهما: الأولى أن يحفظ يمينه، ولا يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91].
والثاني: الأولى أن يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87].
وقيل: إن حلف على التأييد، فالأولى أن يحنث نفسه، وإن كان مؤقتاً، فلا يحنث.
باب الاستثناء في الأيمان روي عن ابن عمر؛ أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه".

إذا حلف على يمين، فقال- موصولاً به-: إن شاء الله- لا تنعقد يمينه، فإن سكت بين اليمين والاستثناء، أو تكلم بشيء آخر- لا يصح الاستثناء، إلا أن يسكت يسيراً [بين اليمين]؛ كسكتة الرجل لتذكر أو لتنفس أو لعي أو لانقطاع صوت؛ فلا يمنع الاستثناء، والفصل بين اليمين والاستثناء ألطف من الفصل بين الإيجاب والقبول؛ لأنه كلام شخص واحد، والإيجاب والقبول يكون بين شخصين، ويشترط أن يعزم على الاستثناء في ابتداء كلامه، فلو لم يعزم، بل تداركه بعد الفراغ من اليمين فوصله به- لم يصح، ولو عزم في خلال اليمين- فيه وجهان، ولو علق اليمين بمشيئة آدمي- لا يخلو: إما إن علق الحنث بمشيئته أو منع الحنث: فإن علق الحنث بمشيئته - نظر: إن حلف على الإثبات، فقال: "والله لأدخلن هذه الدار، إن شاء فلان"، يعني: إن شاء فلان أن أدخلها"- فلا تنعقد يمينه حتى يشاء فلان الدخول؛ ودخوله قبل مشيئته لا حكم له، فإن شاء فلان أن يدخل- انعقدت يمينه، فإن دخل بر في يمينه، وإن لم يدخل بعد مشيئته، [فإن كان] قيد بزمان؛ بأن قال: "لأدخلن اليوم" حنث إذا مضى اليوم، وإن لم يقيد فيتقيد بالعمر: فإن مات بعد مشيئته قبل

الدخول، حنث قبل الموت، وإن شاء فلان ألا يدخل، أو لم يشأ بأن لم يعلم، أو علم ولم يشأ، أو فقدت مشيئته/ بموت أو جنون- فلا حنث عليه؛ لأن يمينه لم تنعقد، وإن حلف على النفي، فقال: "والله، لا أدخل هذه الدار، إن شاء فلان"، يعني: إن شاء فلان ألا أدخل، فإن شاء فلان ألا يدخل: فإن لم يدخل بر في يمينه، وإن دخل حنث، وإغن شاء فلان أنيدخل، أو لم يشأ شيئاً، فلا حنث عليه، دخل أو لم يدخل.
أما إذا علق منع الحنث بمشيئته- لا يخلو: إما أن يحلف على الإثبات أو على النفي.
فإن حلف على الإثبات، فقال: "والله، لأدخلن هذه الدار، إلا أن يشاء فلان [فلا يعني إلا أن يشاء فلان] ألا أدخل، فلا أحنث بترك الدخول؛ فقد عقد اليمين غير معلق، وجعل المشيئة شرطاً للخروج، وفي الصورة الأولى: علق انعقاد اليمين بالمشيئة فما لم يشأ لا ينعقد، ففي هذه الصورة: إن دخل بر في يمينه، شاء فلان أو لم يشأ، وإن لم يدخل - نظر: إن شاء فلان ألا يدخل بر، وإن شاء فلان أن يدخل، أو لم تعرف مشيئته- حنث.
وإن حلف على النفي، فقال: "والله، لا أدخل هذه الدار، إلا أن يشاء فلان"، فإن لم يدخل بر في يمينه، وإن دخل- نظر: إن كان قد شاء فلان قبل دخوله أن يدخل- بر، وإن كان قد شاء ألا يدخل، أو لم تعرف مشيئته- حنث، ومشيئته بعد الدخول لا تخرجه من الحنث؛ لأن الحنث قد حصل بالدخول قبل المشيئة، وعلى هذا: لو حلف ألا يدخل الدار إلا بإذن فلان، فمات فلان قبل الإذن، فدخل- حنث؛ لأن إذنه مانع من الحنث، ولم يوجد؛ [والله أعلم].
باب التكفير قبل الحنث.
روي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه وليفعل".

إذا حلف على شيء يجوز له أن يكفر قبل الحنث، إن كان الحنث جائزاً وعند أبي حنيفة: لا يجوز، والخبر حجة عليه؛ حيث قال: "فليكفر عن يمينه، وليفعل"؛ قدم التكفير على الفعل، ولأنه حق المال تعلق بسببين؛ فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين:/ كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب قبل الحول، هذا إن أراد أن يكفر بإطعام أو كسوة أو عتق، أما التكفير بالصوم: فلا يجوز قبل الحنث؛ لأنه لا يجوز إلا بعد العجز عن التكفير بالمال، ولا يتحقق العجز إلا بعد الوجوب، ولأن الصوم عبادة بدنية؛ فلا يجوز تعجيله قبل الوقت كالصوم الشرعي لا يجوز تقديمه على دخول رمضان، ويجوز تعجيل الزكاة قبل الحول، وإن كان الحنث معصية؛ بأن حلف ألا يشرب الخمر ونحوه، فكفر قبل أن يشرب، هل يصح؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يصح؛ لأنه يتطرق به إلى ارتكاب المحظور، وكذلك المنذور: يجوز تعجيله، إن كان مالياً؛ مثل: إن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبداً،:إن] رد الله غائبي، فلله علي أن أتصدق بكذا"؛ فعجل العتق والصدقة قبل شفاء المريض وقدوم الغائب- جاز، وإن كان بدنياً كالصوم والصلاة والحج- لم يجز تعجيله، وكذلك جميع الكفارات- يجوز تعجيلها بعد وجود سببها قبل وجوبها مثل كفارة الظهار بعد وجود الظهار قبل العود، وكفارة القتل بعد الجرح قبل زهوق الروح، وكذلك جزاء الصيد بعد جرح الصيد قبل الموت؛ وفدية الأذى بعد وجود الأذى قبل الحلق- يجوز، أما قبل الجرح والأذى: لا يجوز؛ كما لا يجوز كفارة اليمين قبل وجود اليمين، أما كفارة الجماع في شهر رمضان، وفي الحج- لا يجوز تقديمهما على الفعل؛ لأن الصوم ليس سبباً لوجوب

الكفارة، ولا الإحرام؛ لأنهما يحرمان الجماع، وما يحرم شيئاً لا يكون سبباً لإيجاب ما يجب بارتكاب ذلك المحرم؛ فتكفيره قبل الفعل يكون تكفيراً قبل وجود السبب، واليمين- ههنا- سبب؛ لأنه لا يمنع الحنث، وجوز أبو حنيفة كفارة القتل وجزاء الصيد بعد الجرح قبل الموت، وإن كفر بالصوم، ولو قال: "أعتقت عبدي عن كفارة يميني، إذا حنثت" يجوز العتق عن الكفارة، إذا حنث، أما إذا قال: "أعتقته عن كفارتي، إذا حلفت"- لا يجوز عن الكفارة؛ لأنه قدم التعليق على اليمين، وفي الصورة الأولى: قدم على الحنث؛ فجاز، ولو قال: "إذا حنثت في يميني غداً- فأنت حر عن/ كفارتي": فإن حنث غداً، عتق عن الكفارة، وإن لم يحنث غداً- لا يعتق العبد؛ لأن الصفة لم توجد، ولو قال لعبده: "انت حر عن كفارة يميني، [إن كنت حنثت]، ثم بان حانثاً- كان حراً عن كفارته؛ وإلا فلا يعتق، قال الشيخ- رحمه الله-: ولو قال: "أنت حر عن كفارتي إن كنت حلفت وحنثت" فبان حالفاً- وجب ألا يجوز؛ لأنه كان شاكاً في وجود اليمين، وفي الصورة الأولى: لم يشك في اليمين، إنما شك في الحنث، والتكفير قبل الحنث جائز، ولو قال: "أنت حر عن ظهاري، إن كنت ظاهرت" فبان مظاهراً- وجب ألا يجوز، ولو أعتق عبداً عن كفارته قبل الحنث، ثم ارتد العبد قبل الحنث، ثم حنث- لم يحسب عن الكفارة؛ كما لو عجل الزكاة، ثم ارتد المدفوع إليه قبل الحول- لم يحسب.
قال الشيخ رحمه الله: وعلى هذا- القياس: لو مات العبد قبل الحنث، ويحتمل في الموضعين أن يحسب كالشاة المعجلة في الزكاة، إذا ماتت قبل الحول، والله أعلم.
باب كفارة اليمين قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89].
كفارة اليمين مخيرة يتخير الحالف بين أن يطعم عشرة من المساكين، وبين أن يكسوهم أو يعتق رقبة: فإن عجز عنها يصوم ثلاثة أيام، فإن اختار الإطعام يجب أن يطعم كل مسكين مداً بمد النبي - صلى الله عليه وسلم وهو رطل وثلث من حب هو غالب قوت البلد، ولا يجوز

الدقيق و [لا] السويق ولا الخبز، ولا يجوز التفريق، وهو أن يطعم خمساً ويكسو خمساً، ويعتق نصف رقبة، وجوز أبو حنيفة أن يطعم البعض ويكسو البعض، ولم يجوز التفرييق بين العتق والإطعام والكسوة.
ولو كان عليه ثلاث كفارات لثلاثة أيمان، فأعتق ثلاث رقاب أو أطعم ثلاثين مسكيناً أو كساهم بنية الكفارة من غير تعيين/ جاز، وكذلك لو أطعم عشراً [أو كسا عشراً أو أعتق رقبة من غير تعيين- جاز]، فإن عين مبعضاً لم يجز، والنية شرط مقترناً بالتكفير، فإن نوى قبلها ولم تحضره النية حالة التكفير- لم يجز، إلا ف الصوم؛ فإنه إذا نوى من الليل قبل طلوع الفجر- يجوز، ولو كفر عن غيره بغير أمره- لم يجز.
وإذا اختار الكسوة- يجب أن يكسو عشرة مساكين: كل مسكين ثوباً واحداً مما يقع عليه اسم الكسوة: قميص، أو سراويل، أو عمامة، أو مقنعة، أو إزار، أو رداء، أو طيلسان؛ لأن الشرع ورد [به] مطلقاً من غير تقدير، فحمل على ما يسمى كسوة، ولا يشترط أن يكون ما يدفع كافياً للمدفوع إليه، حتى لو دفع إلى كبير سراويل صغيرة أو قطعة كرباس يحصل منه سراويل لصغير- جاز، ولا يتقدر بستر العورة، وقال مالك- رحمه الله-: يجب أن يعطى إلى كل شخص ما تجوز صلاته فيه، فيكسو الرجل ثوباً، والمرأة ثوبين، وهو قول الشافعي- رضي الله عنه- في "القديم" وحكاه البويطي عنه؛ وقال الشيخ- رحمه الله-: وهذا أحسن الأقاويل.
وأولاها، ويجوز ما اتخذ من القطن والكتان والشعر والصوف، ويجوز القز والديباج؛ سواء كان المدفوع إليه رجلاً أو امرأة؛ لأنه لا يشترط أن يلبس بنفسه، فيجوز أن يعطي الرجال كسوة النساء، والنساء كسوة الرجال، ويجوز المصبوغ والبيض، وهل يجوز اللبيس؟ نظر: إن ذهبت قوته لم يجز، وإن لم تذهب- جاز كالرقعة، يجوز، إن لم تبطل منفعتها، ولا يجوز المتخرق، وإن كان مرفعاً- نظر: إن كان متخرقاً فرقع لم يجز، وإن خيط في الابتداء مرقعاً لا للخرق جاز، ولا يجوز الخف والجورب والنعل والمنطقة والتكة والقفازات؛ لأنه لا يقع عليها اسم الكسوة، وهل تجوز القلنسوة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لا ينطلق عليه اسم الكسوة.

وقال أبو إسحاق: يجوز؛ لأنه روي أنه سئل عمران بن حصين عن هذا؟ فقال: "لو قدم وفد على أميركم فكساهم قلنسوة، قلتم: قد كساهم؟ "، وقيل: في الخف المنعل والزريول وجهان.
ويجوز صرف طعام الكفارة وكسوتها إلى الصغار، ويدفع إلى أوليائهم، وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة كاملة الرق سليمة عن العيوب التي تضر بالعمل ضرراً بيناً؛ كما ذكرنا في الظهار، فإن عجز عن هذه الأشياء يجب أن يصوم ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] فإن كان له مال، ولكنه غائب- لا يجوز أن يكفر بالصوم؛ لأن وقته موسع، فيصبر إلى أن يصل إلى المال، وهل يجب التتابع في صوم كفارة اليمين؟ فيه قولان: أصحهما- وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني-: يجب كما يجب في كفارة الظهار والقتل.
والثاني: لا يجب؛ لأن الله تعالى لم يذكر فيه [التتابع؛ كما أن قضاء رمضان لا يجب فيه التتابع]، لأن الله تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فلم يذكر التتابع؛ [ولأنه] خفف الأمر فيه بإثبات التخيير وقلة العدد، وكذلك بإسقاط التتابع، فإن قلنا: يجب التتابع، فلو أفطر يوماً بغير عذر- يجب الاستئناف، [ولو أفطرت المرأة اليوم الثاني والثالث بعذر الحيض، هل يجب الاستئناف] فيه قولان: أحدهما: لا يجب؛ كما في صوم شهرين في كفارة القتل.
والثاني: [يجب]؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأن هذه المدة قصيرة يمكن الاحتراز فيها عن الحيض خلاف الشهرين.
ولو مات، وعليه كفارة، يكفر من تركته، سواء أوصى به أو لم يوص، هذا هو المذهب، ثم إن كانت الكفارة مرتبة- يعتق من تركته عبد، وإن كانت مخيرة- يجب أنقص الأشياء قيمة من الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، فإن كفر الوارث بأعلاها قيمة [من

الإطعام] جاز، ولو أوصى الميت بالعتق- وهو أكثر قيمة من الإطعام والكسوة- يعتبر من الثلث، وماذا يعتبر؟ فيه قولان: أحدهما: جمع قيمة العبد فإن لم يخرج من الثلث أطعم عنه.
والثاني: يعتبر ما زاد على قيمة أنقصها قيمة.
وكذلك لو أوصى بأن يكسى عنه- وقيمة الكسوة أكثر من قيمة الطعام- فيعتبر [من الثلث] جميع قيمة الكسوة، أم ما زاد على قيمة الطعام؟ فعلى قولين، فإن أوصى بأن يطعم عنه، وقيمة الطعام أقل، يطعم عنه من رأس المال، فإن تبرع الوارث بإعتاق رقبة من مال الميت، جاز.
فصل في كفارة يمين العبد إذا حنث العبد في يمينه، فلا يتصور منه التكفير بالمال؛ لأنه لا ملك له، بل يكفر بالصوم، ثم ينظر: إن كان الصوم يضر به لشدة الحر وطول النهار، فهل له أن يصوم بغير إذن المولى؟ نظر: إن حلف بإذنه وحنث بإذنه، فله أن يصوم بغير إذنه، وإن حلف بغير إذنه وحنث بغير إذنه، فلا يصوم إلا بإذنه، ولو صام حسب، وإن كان أحدهما بإذنه دون الآخر، ففيه وجهان: أصحهما: الاعتبار باليمين، فإن كان اليمين بإذنه، والحنث بغير إذنه- له أن يصوم بغير إذنه، وإن كان اليمين بغير إذنه- فلا يصوم إلا بإذنه.
والثاني: الاعتبار بالحنث: فإن كان الحنث بإذنه، صام بغير إذنه، وإن كان الحنث بغير إذنه، صام بإذنه، فحيث قلنا: لا يصوم إلا بإذنه: فإن كان الصوم لا يضر به كالصوم في الشتاء، فهل له أن يصوم بغير إذنه؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك؛ لأنه لا ضرر على السيد فيه.
والثاني: لا يصوم إلا بإذنه؛ لأن الصوم يثبطه عن العمل وينقص من نشاطه، فكل موضع قلنا: لا يصوم إلا بإذنه: فلو صام أجزأه كما لو صلى الجمعة دون إذنه.
ولو ملكه السيد طعاماً أو كسوة ليكفر به: إن قلنا: العبد يملك بالتمليك، جاز، وعليه أن يكفر به، وإن قلنا: لا يملك- وهو المذهب- لم يجز، بل يكفر بالصوم، وكذلك

لو كفر عنه السيد [بالإطعام أو الكسوة بإذنه] فعلى هذين القولين، أما إذا ملكه عبداً ليعتقه أو أعتق عنه عبداً بإذنه- لا يجوز؛ لأنه يعقب الولاء، والعبد ليس [أهلاً أن] يثبت [له] الولاء، ولو مات العبد، ثم كفر عنه السيد بعد موته بإطعام أو كسوة- جاز، لا خلاف فيه؛ لأن التمليك بعد الموت ليس بشرط، ولو أعتق عنه لم يجز، ولو حنث العبد في يمينه، ثم عتق: إن كان معسراً يكفر بالصوم، وإن كان موسراً: إن قلنا: الاعتبار في الكفارات بحالة الأداء، وهو الأصح: يجب أن يكفر بالإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، وإن قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب- يجوز أن يكفر بالصوم، وهل يجوز أن يكفر بالمال؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز كالحر إذا كان معسراً حالة الوجوب، ثم أيسر- فله أن يكفر بالإعتاق والإطعام والكسوة على الأقوال كلها.
والثاني: لا يجوز بخلاف الحر إذا/ أيسر؛ لأنه كان يوم الحنث من أهل التكفير بالمال؛ ولأنه لو تكلف واستدان، فكفر بالمال- جاز، والعبد لم يكن يوم الحنث من أهل التكفير بالمال إلا على قولنا القديم؛ إنه يملك بالتمليك فله أن يكفر بالإطعام والكسوة، وإن كان بعضه حراً وبعضه رقيقاً: فإن كان معسراً يكفر بالصوم، وإن كان له مال فلا يجوز أن يكفر بالعتق؛ لأنه يعقب الولاء؛ لأنه ليس من أهله، وعليه أن يكفر بالإطعام أو الكسوة، وهو- في هذا الحكم- كالحر؛ كما إذا وجد ثمن الماء- لا يجوز أن يصلي بالتيمم أو ثمن الثوب لا يجوز أن يصلي عرياناً، ومن أصحابنا من قال- وهو قول المزني- رحمه الله-: هو [كالعبد القن]، لا يجوز أن يكفر بالمال؛ لأنه ناقص بالرق؛ كالحر إذا لم يجد إلا نصف الكفارة ينتقل إلى الصوم، والأول أصح؛ لأنه واجد لتمام الكفارة بنصفه الحر، ولا حق للمولى فيه؛ بخلاف الحر، لم يجد إلا بعض الكفارة، والله أعلم.
باب جامع الأيمان إذا حلف لا يسكن هذه الدار ولا يقيم فيها، فخرج في الحال- لم يحنث، وإن ترك المتاع فيها، وإن أقام وبعث المتاع والرحل- حنث؛ لأنه حلف على سكنى نفسه، لا على متاعه، وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: إن نقل المتاع، ولم يخرج- لم يحنث، وإن خرج

ولم ينقل المتاع- حنث، ولو مكث ساعة من غير عذر أو لأكل أو شرب أو غيره- حنث، وإن اشتغل بأسباب الخروج من جمع المتاع وإخراج الأهل أو لبس الثوب- لم يحنث.
وإن كان مريضاً لا يقدر على الخروج: فإن لم يجد من يخرجه- لم يحنث، وإن وجد من يأمره، فلم يأمره، حنث؛ وإن مرض وعجز بعدما حلف، فلم يكنه الخروج- هل يحنث؟ فيه قولان؛ كالمكره؛ قال الشيخ رحمه الله: وكذلك لو كان بالليل، فخاف العسس، وإن عاد مريضاً ماراً- لم يحنث، وإن قعد عنده حنث، ولو خرج في الحال، ثم دخل أو كان خارجاً حين حلف، ثم دخل- لا يحنث بالدخول ما لم يمكث، فإذا مكث حنث إلا أن يشتغل بحمل المتاع؛ كما في الابتداء/.
ولو حلف لا يساكن فلاناً في هذه الدار أو في هذا البيت- وهما فيه- فخرج أحدهما في الحال- لم يحنث الحالف، وإن مكثا ساعة حنث، وإن ساكنه في دار أخرى أو بيت آخر- لم يحنث، وإن خرج أحدهما، ثم عاد، فسكنا- حنث، وإن بنى بينهما جداراً من جص أو طين، ولكل واحد من الجانبين مدخل، أو فتحا في الحال مدخلاً، هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأن البناء يحتاج إلى مدة، وهما يتساكنان في تلك المدة.
والثاني- وهو الأصح-: أنه لا يحنث؛ لأن البناء اشتغال برفع المساكنة.
أما إذا خرج في الحال، ثم أمر ببناء الجدار، ثم عاد- لم يحنث، ولو قال: لا أساكن فلاناً مطلقاً وأراد: في بيت أو في دار، أو [في] سكة- حمل عليه، وإن لم تكن له نية، فإن ساكنه في بيت واحد بحنث] وإن كانا في سكة في دارين- لا يحنث؛ وإن كانا في دار واحدة، أو في خان واحد في بيتين- هل يحنث؟ فيه وجهان، وإن كان في الدار حجرتان مرافقهما متميزة من المدخل والمطبخ والمستحم، وسكن كل واحد حجرة- لا يحنث، ولو حلف لا يدخل داراً، فدخل صحنها، ولم يدخل البناء- حنث، وكذلك لو دخل الدهليز الذي خلف الباب أو بين البابين- حنث، ولو دخل الطاق ال ذي قدام الباب- لم يحنث، وقيل: يحنث، ولو صعد سطحها، فإن كان غير محوط- لم يحنث، وإن كان محوطاً- ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه يحيط به سور الدار.

والثاني: لا يحنث؛ لأن السطح حاجز بين الدار وخارجها؛ فصار كما لو لم يكن محوطاً، وكما لو صعد حائط الدار.
ولو كانت في الدار شجرة منتشرة أغصانها، فتعلق بغصن منها، فصعدها، فإن نزل على طرف السطح حتى أحاط به حائط الدار- حنث، وإن حازى السطح، فهو كما لو صعد السطح، وإن حلف لا يخرج من هذه الدار فصعد السطح: إن لم يكن محوطاً- حنث، وإن كان محوطاً- فوجهان، ولو حلف لا يدخل هذه الدار، وهو فيها، فلم يخرج- لا يحنث؛ لأنه لا يعبر بالدخول عن المقام كما لو حلف لا يسكن لا يحنث بالدخول؛ [لأنه لا يعبر بالسكنى عن الدخول]، وكذلك: لو حلف لا يخرج من هذه الدار، وهو خارج- لا يحنث تى/ يدخل ويخرج؛ حينئذ يحنث، وكذلك: لو حلف لا يتزوج، وهو متوزج، أو لا يتطهر، وهو متطهر، فدام عليه- لا يحنث؛ لأنه لا يعبر [فيه] بالدوام عن الابتداء، أما إذا حلف لا يلبس ثوباً، وهو لابسه، فلم ينزع في الحال، أو حلف لا يركب دابة، وهو راكبها، فلم ينزل- حنث؛ لأنه يعبر باللبس والركوب عن الاستدامة؛ بدليل أنه لو قيل له: انزع الثوب يصح أن يقول: حتى ألبس ساعة، ولو قيل: انزل عن الدابة، يصح أن يقول: حتى أركب ساعة، ولو قيل: اخرج من الدار- لا يحسن [في جوابه] أن يقول: حتى أدخل ساعة، بل يقول: حتى أسكن ساعة، حتى لو حلف لا يلبس ثوب فلان، وهو لابسه، فاستدام- حنث، ولزمته كفارة، فلو حلف ثانياً لا يلبسه، فاستدام- عليه كفارة أخرى؛ لأن اليمين الأولى قد انحلت بالاستدامة الأولى، والدليل عليه أيضاً: أنه يجوز أن يقدر المدة بهذه الشياء، فيقول: لبست يوماً، وركبت ليلة، وسكنت شهراً، أو أقمت يوماً، ولا يصح أن يقول: دخلت الدار يوماً، أو تزوجت شهراً، أو تطهرت يوماً، ولو حلف [أن] لا يقوم، وهو قائم، فلم يقعد، أو حلف أن لا يقعد، وهو قاعد، فلم يقم- حنث؛ لأنه يعبر بالقيام والقعود عن الدوام، ولو حلف- لا يتطيب، وهو متطيب فاستدام- هل يحنث؟ فيه وجهان: أصحهما: لا يحنث؛ لأن الاستدامة لا تجعل كالابتداء فيه؛ بدليل أنه إذا تطيب فأحرم واستدام ذلك الطيب بعد الإحرام- لا تجب عليه الفدية.

والثاني: يحنث؛ ويجعل كما لو ابتدأ؛ بدليل أن المحرم لو تطيب ناسياً لا فدية عليه، ولو علم واستدام: تجب عليه الفدية.
ولو حلف ألا يطأ، وهو في خلال الوطء، فلم ينزع [فهل يحنث]؟ فيه وجهان.
ولو حلف في خلال الصلاة ناسياً ألا يصلي- تنعقد يمينه، ولا تبطل صلاته، وهل يحنث بالاستدامة؟ فيه وجهان؛ بناءً على ما لو حلف ألا يصلي، فشرع فيها، ثم أفسد [ها، ولو] حلف ألا يصوم فأصبح صائماً فأفطر- هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث بالشروع؛ لأنه يسمى صائماً ومصلياً.
والثاني: لا يحنث حتى يصلي/ ركعة [ويتشهد] ويسلم، وحتى يتم صوم يوم لأنه يفرض أن يفسد، فيخرج ما مضى من أن يكون صلاة أو صوماً؛ ألا ترى أنه لو نذر أن يصلي- لا يبر حتى يصلي ركعة ويسلم، ولو نذر أن يصوم لا يبر، حتى يصوم يوماً، فإن قلنا- هناك-: يحنث بالشروع في الصلاة- فههنا: إذا حلف في خلال الصلاة- لا يحنث بالاستدامة؛ لأنه لم يوجب الشروع، وإن قلنا- هناك-: لا يحنث حتى يتم ويخرج فههنا: يحنث إذا أتمها وخرج، قال الشيخ- رحمه الله-: وكذلك لو حلف الصائم ألا يصوم، فاستدام- هل يحنث؟ فعلى هذين الوجهين.
ولو حلف ألا يغضب، [وكان قد] غضب، فأمسك المغضوب- لا يحنث، ولو حلف ألا يستقبل القبلة، وكان مستقبلها، فدام عليه- حنث، وعند أبي حنيفة: إذا حلف ألا يصوم، فأصبح صائماً- حنث، وإن أفطر بعده، وإن حلف ألا يصلي، فشرع فيها- لم يحنث، ما لم يسجد؛ لأن الصوم فعل [واحد]، وهو الإمساك، فإذا أمسك لحظة، فقد حصل الاسم، والصلاة أفعال متغايرة، فما لم يصل ركعة لا يحصل الاسم؛ فلا يحنث، ولو حلف ألا يسافر، وهو في السفر، فأخذ في العود- لم يحنث؛ لأنه في العود تارك السفر، وإن استدام السفر حنث.
ولو حلف لا يدخل داراً، فأدخل فيها رأسه، أو وضع فيها إحدى رجليه- لم

يحنث، وإذا وضع [فيها] رجليه معتمداً عليهما- حنث، وكذلك: لو حلف ألا يخرج منها، فأخرج رأسه أو إحدى رجليه- لم يحنث، [وإذا] أخرج رجليه معتمداً عليهما- حنث، وإن كان قاعداً فمد رجليه، فأخرج قدميه- لم يحنث ولو حلف لا يدخل داراً، فحمل وأدخل- نظر، إن حمل بأمره- حنث؛ كما لو ركب دابة ودخلها، وإن حمل بغير أمره- لم يحنث؛ سواء [كان] أمكنه الامتناع، فلم يفعل وتراخى أو لم يمكنه الامتناع.
وقال مالك- رحمه الله-: إن تراخى وأمكنه الامتناع- حنث.
ولو كان في الدارن هر جار، فطرح نفسه فيه، حتى حمله إلى الدار- حنث؛ لأنه دخلها باختياره، وإن كان نائماً، فانقلب، فحصل فيها- لم يحنث، ولو دخلها ناسياً باليمين، أو جاهلاً بالدار- هل يحنث؟ فيه قولان: أحدهما: يحنث؛ لوجود الفعل المحلوف عليه.
والثاني:/ لا يحنث؛ لقوله- عليه السلام-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإن قلنا: لا يحنث، فلو مكث بعدما دخل- لم يحنث بالمكث، وكذلك: لو أكره حتى دخلها- هل يحنث؟ فيه قولان: أحدهما: يحنث؛ لوجود الدخول.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه مكره.
فإن قلنا: يحنث، ينحل اليمين وتلزمه الكفارة، وإن قلنا: لا يحنث، فهل تنحل اليمين؟ فيه وجهان: أحدهما: تنحل؛ لوجود الفعل المحلوف عليه، ولكن لا كفارة عليه؛ لكونه مكرهاً.
والثاني: لا تنحل؛ حتى لو دخل بعده مختاراً، لزمته الكفارة.

وكذلك: كل فعل أو قول حلف عليه ألا يفعله؛ مثل: أن حلف لا يأكل كذا، أو لا يكلم فلاناً، أو نحو ذلك، ففعل ناسياً أو مكرهاً- هل يحنث؟ فيه قولان.
ولو حلف ألا يدخل هذه الدار، فانهدمت، إن كانت الأسس باقية، فدخلها- حنث، وإن صارت فضاءً، أو جعلت بستاناً أو مسجداً أو حماماً أو حانوتاً، فدخلها- لم يحنث؛ لأنه زال عنها اسم الدار، فلو أعيدت داراً- نظر: إن أعيدت بغير تلك الآلة فدخلها- لم يحنث؛ لأنها غير تلك الدار.
وإن أعيدت بتلك الآلة، ففيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنها عادت كما كانت.
والثاني: لا يحنث؛ لأنها غير تلك الدار.
وكذلك: لو حلف ألا يدخل هذا البيت، فصار فضاءً، فدخله- لم يحنث، وعند أبي حنيفة: في البيت لا يحنث، كما قلنا، أما الدار إذا صارت فضاءً، فدخلها- حنث؛ لأن العرب تسمي آثار الدار الخربة داراً، ووافقنا أنه لو حلف منكراً، فقال: لا أدخل داراً، فدخل داراً بعدما صارت فضاءً: أنه لا يحنث، فنقيس عليه وعلى ما لو جعلها حماماً، قالوا: لا يحنث بدخولها.
ولو حلف لا يدخل دار فلان، فدخل داراً يسكنها فلان ملكاً- حنث، وإن كان يسكنها بإجارة أو إعارة أو غصب- لا يحنث، إلا أن يريد مسكن فلان، فيحنث، وإن كان لفلان دار لا يسكنها، ويسكنها غيره، فدخلها- حنث، فإن أراد مسكه، لا يحنث، وعند أبي ثور: يحمل قوله: "دار فلان" على المسكن، سواء كان يسكنها فلان بملك أو إجارة أو إعارة أو غصب، وكان شيخي- رحمه الله-/ يقول: إذا قال ذلك بالفارسية- يحمل على المسكن، ولو كان لفلان دار حين حلف الحالف، فباعها، ثم دخلها- لم يحنث؛ لأنه لم يدخل دار فلان، فإن عين وقال: والله، لا أدخل دار فلان هذه؛ فباعها فلان، ثم دخلها- حنث؛ لنه عقد اليمين على عين الدار، إلا أنه أضافها إلى الملك فزوال الملك لا يسقط الحنث، وكذلك: لو حلف لا يكلم عبد فلان هذا، أو زوجة فلان هذه، فكلمه بعدما باعه أو طلقها- حنث، إلا أن تكون نيته ما دامت الدار أو العبد [في] [ملكه] أو الزوجة في نكاحه؛ فلا يحنث بعد زوال الملك والنكاح، وعند أبي حنيفة: في الدار لا يحنث، إذا دخلها بعد زوال

ملك فلان؛ لأن المقصود من اليمين هجران صاحب الدار، لا هجران الدار، فبعد البيع: لا يحنث بالدخول، وفي الزوجة- والعبد: يحنث؛ لأنهما يقصدان بالهجران، وكذلك - عندنا-: لو حلف لا يكلم سيد هذا العبد هذا، أو زوج هذه المرأة هنا، فكلمه بعدما باعه أو طلقها- حنث، ولو لم يشر، بل قال: لا أكلم عبد فلان أو زوجة فلان، فكلم بعد البيع والطلاق- لم يحنث، وكذلك: لو قال: لا أكلم سيد هذا العبد أو زوج هذه المرأة، فباعه، وطلقها، ونكحها غيره، فكلم البائع أو الزوج المطلق- لم يحنث، ولو كلم المشتري أو الزوج الثاني- حنث، فإن قيل: قد قلتم: إذا حلف لا يدخل هذه الدار، فصارت فضاءً، فدخلها- لم يحنث؛ لتبدل الاسم، ولو قال: دار فلان هذه، فتبدل الملك، فدخلها- حنث-: فما الفرق؟ قلنا: لأن الإضافة لا تكون للتأبيد؛ فإن الملك عرضة للزوال بأسباب كثيرة، فغلبنا الإشارة على الإضافة، والاسم يكون للتأبيد غالباً، وتبدله نادر، فاعتبرناه، وغلبناه على الإشارة.
ولو حلف لا يدخل دار فلان، فدخل داراً مشتركة بين فلان وغيره، أو لا يلبس ثوب فلان، فلبس ثوباً مشتركاً بينه وبين غيره- لم يحنث؛ لأنه عقد اليمين على ما يكون الجميع له.
ولو حلف لا يدخل هذه الدار من هذا الباب، فدخل تلك الدار من موضع آخر- لم يحنث، ولو قلع ذلك الباب من ذلك الموضع وركب على موضع آخر من تلك الدار، ودخل من المنفذ الأول- يحنث، ولو دخل من الموضع الذي ركب عليه [الباب] لا يحنث؛ لأن اليمين معقودة على الممر لا على عين الباب، إلا أن يريد عين المكان والباب؛ فسواء دخل من المنفذ الأول أو الموضع الذي ركب عليه الباب- لم يحنث، ومن أصحابنا من قال: مطلقه يحمل على المكان وعين الباب جميعاً، فأيهما فقد- لم يحنث، والأول أصح أن مطلقه محمول على المكان، وإن كانت نيته عين الباب، فإذا ركب على موضع آخر من تلك الدار، فدخلها من ذلك الموضع- -حنث، وإن دخل من المنفذ الأول- لم يحنث، ولو ركب الباب على دار أخرى، فدخل الدار الأخرى من ذلك الباب- لا يحنث، إلا أن ينوي لآ أدخل من هذا الباب، فعلى أي دار ركب، فدخل- حنث، ولو حلف لا يدخل من هذا الباب- يحمل على الخشبة أم على المنفذ-[فيه] وجهان، ولو قال: لا أدخل هذه الدار من بابها أو [لا] أدخل من باب هذه الدار، فسد بابها، وفتح من مكان

آخر باب، ففيه وجهان: قال ابن أبي هريرة: اليمين انعقدت على الباب الأول، فلا يحنث بالدخول من الثاني؛ كما لو حلف لا يدخل دار زيد، فباعها زيد، ثم دخلها- لم يحنث.
والثاني- وهو الأظهر، وهو قول أبي إسحاق-: يحنث بالدخول من الباب الثاني؛ لأنه عقد اليمين على بابها، وبابها- الآن- هذا الثاني، كما لو حلف ألا يدخل دار زيد، فباع زيد داره، واشترى داراً أخرى- يحنث بدخول التي اشتراها دون الأولى.
ولو حلف لا يدخل بيتاً، فدخل أي بيت كان من مدر أو طين أو آجر أو هجر أو خشب أو أدم أو شعر، أو دخل خيمة- يحنث؛ لأن اسم البيت ينطلق على الكل؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً﴾ [النحل: 8.]، وكلها للإيواء والسكنى.
ومن أصحابنا/: من قال- وهو قول [ابن سريج]-: إذا كان الحالف قروياً، فدخل خيمة أو بيتاً من شعر أو أدم- لا يحنث؛ لأن أهل القرى لا يطلقون عليها اسم البيت، والأول أصح؛ لأن كلها مبنية للسكنى؛ كالبدوي إذا دخل بيتاً من طين، أو مدر يحنث، وإن لم يكن ذلك متعارفاً فيهم، وإذا قال بالفارسية، فلا يحنث إلا ببيت مبني، ولو دخل بيت المسجد أو الكعبة أو غاراً في الجبل أو بيت الحمام- لا يحنث؛ لأنها غير مبنية للإيواء والسكنى؛ فلا يدخل في إطلاق اسم البيت وكذلك لو دخل بيعة أو كنيسة- لا يحنث؛ لأن مطلقه يتناول بيوت العباد.
ولو حلف لا يدخل على فلان بيتاً، فدخل بيتاً، وفلان فيه مع غيره- نظر: إن كان عالماً بكونه فيه، ولم يعزله بقلبه- حنث، وإن عزله بنيته، ونوى الدخول على غيره- ففيه قولان: أحدهما: يحنث؛ لوجود الدخول عليه.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لم يقصد الدخول عليه.
وإن دخله، ولم يعلم أن فلاناً فيه- فعلى قولي حنث الناسي.
ولو كان المحلوف عليه وحده فيه، فدخل الحالف عالماً به؛ لنقل متاع أو لشغل آخر: فإن لم يعزله بنيته- حنث، وإن عزله- قيل: فيه قولان؛ كما لو كان فلان مع غيره،

وقيل: ههنا يحنث قولاً واحداً؛ لأن الغير يكون مدخولاً عليه، والمتاع لا يكون مدخولاً عليه؛ لأنه [لا] يقال: فلان دخل على المتاع؛ فلا يمكن صرف الدخول إليه، ولو حلف ألا يسلم على فلان، فسلم على جماعة، وفلان فيهم - نظر: إن لم يعلم كونه فيهم، هل يحنث؟ فعلى قولي حنث الناسي، وإن علم كونه فيهم: إن لم يعزله بنيته- حنث، وإن عزله بنيته- نص على أنه لا يحنث، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو دخل على المحلوف عليه، وهو مع غيره، فعزله بنيته، ومنهم من قال: ههنا لا يحنث قولاً واحداً، وهو الأصح؛ بخلاف الدخول؛ فإنه فعل وقد حصل على الكل؛ فلا يتميز بالاستثناء، وأما السلام، فإنه قول؛ فيجوز تخصيصه بالاستثناء؛ فإنه قد يكلم واحداً بمحضر جماعة، ويصح أن يقول لقوم: سلام عليكم إلا على فلان، ولا يصح أن يقول: دخلت عليكم إلا على فلان؛ فهو فيهم.
فصل فيما لو حلف لا يلبس هذا الثوب.
إذا حلف لا يلبس هذا الثوب، واتخذ منه قميصاً أو سراويل أو قباء أو اتزر أو ارتدى به أو تعمم أو على أي وجه لبس- حنث، ولو كان معه رداء فحلف، وقال: لا البس هذا الثوب رداءً، فارتدى به- حنث، [فإن اتزر به أو تعمم أو جعله قميصاً أو سراويل، فلبسه، أو قال: لا ألبسه سراويل، فاتزر به أو لا ألبسه قميصاً، فارتدى- به- لم يحنث، ولو قال: لا ألبسه وهو رداء، فارتدى به، أو اتزر به أو تعمم- حنث؛ لأنه لبسه وهو رداء، وإن جعله قميصاً أو سراويل] فلبسه- لم يحنث؛ لأنه لم يلبسه وهو رداء، ولو قال: لا ألبس هذا الرداء، فارتدى به- حنث، ولو اتزر به أو تعمم أو جعله قميصاً، فلبسه- هل يحنث؟ فيه وجهان، وكذلك لو قال: لا ألبس هذا السراويل، فاتزر به، أو قال: لا ألبس هذا الخف، فاتخذ منه نعلاً، ولبسه، أو ذا القميص، فجعله حبة- فيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لوجود الإشارة.
والثاني: لا يحنث؛ لتبدل الاسم؛ كالدار إذا صارت فضاءً.

قال الشيخ- رحمه الله -: فإن قلنا: لا يحنث: فلو قال: هذا القميص، فشقه، ثم أعاده، أو هذا الخف، ففتقه، وأعاده- هل يحنث إذا لبسه؟ فيه وجهان؛ كالدار إذا هدمها، ثم بناها بتلك الآلة، ولو حلف لا يلبس هذا الغزل، فنسجه، ولبسه- حنث؛ لأن الغزل لا يمكن لبسه، إلا منسوجاً؛ فكان يمينه على منسوجه؛ كما لو حلف لا يأكل هذا الحيوان، فذبحه، وأكله- حنث؛ لأنه لا يمكن أكله حياً، فيمينه كان على لحمه.
ولو حلف لا يلبس شيئاً، فلبس درعاً أو جوشناً أو خفاً أو نعلاً- هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه لبس شيئاً.
والثاني: لا يحنث؛ لن إطلاق اللبس لا ينصرف إلى غير الثياب.
فلو حلف لا يلبس حلياً، فلبس خاتماً من ذهب أو فضة أو مخنقة من لؤلؤ أو غيره من الجواهر- يحنث؛ لأن جميعها حلي؛ قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً﴾ [الحج: 23] وإن لبس شيئاً من الخرز؛ قال الشيخ: فإن كان من عادته التحلي به؛ كأهل السواد- حنث؛ لأنهم يسمونه حلياً، وهل يحنث بلبسه غيرهم؟ فيه وجهان؛ كما ذكرنا فيما لو حلف [ألا] يدخل بيتاً، فدخل غير البدوي بيتاً من شعر- هل يحنث؟ فيه وجهان.
ولو تقلد سيفاً محلى- لم يحنث؛ لأن السيف ليس بحلي، ولو لبس منطقة محلاة- ففيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ كالسيف.
والثاني: يحنث؛ لأنها من حلي الرجال.
ولو حلف لا يلبس خاتماً، فلبسه في غير الخنصر- لا يحنث؛ لأنه غير متعارف [كما] لو حلف ألا يلبس قلنسوة، فلبسها في رجله - لم يحنث، ولو حلف لا يلبس ثوب فلان، فوهب له فلان [ثوباً]، وسلمه غليه، فلبسه- لم يحنث؛ لأنه لبس ثوب نفسه لا ثوب فلان، ولو قال: لاى البس ثوب رجل من عليه، فوهب له رجل ثوباً، فلبسه- حنث؛

لأن الهبة لا تخلو عن منة، فلو باع ما وهب له، واشترى بثمنه ثوباً، فلبسه- لم يحنث، وقال مالك: يحنث، ولو من عليه رجل، فحلف لا يشرب له ماءً من عطش، فأكل له خبزاً، أو لبس له ثوباً، أو شرب له ماءً من غير عطش- لم يحنث؛ لأن اليمين على شرب الماء من العطش، ولم يوجد.
ولو حلف لا يركب دابة العبد، فركب دابة هي باسم العبد- لا يحنث؛ لأن العبد لا ملك له، إلا أنيريد دابة هي باسمه، فإن ملكه السيد دابة، فركبها: إن قلنا: يملك العبد بالتمليك- يحنث، وإلا فلا، ولو حلف لا يركب دابة المكاتب، فاشترى المكاتب دابة، فركبها- حنث؛ لأن المكاتب ملكها، ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده- حنث، فإن كان سيده ملكه دابة، فركبها: إن قلنا: العبد يملك بالتمليك- لا يحنث، وإن قلنا: لا يملك- يحنث، ولو حلف لا يركب سرج هذه الدابة، فركب سرجاً هو مرسوم لتلك الدابة- حنث؛ لأن المقصود من تلك الإضافة التعريف لا الملك، قال الحليمي - رحمه الله-: إذا عقد اليمين على مملوك- انصرف إلى المالك؛ مثل: أن حلف لا يكلم عبد فلان ولا عبد له، فملك، كلمه- حنث؛ لأن المالك كان موجوداً يوم اليمين، وإذا عقد على غير مملوك- انصرف إلى المحلوف عليه، دون المضاف إليه؛ مثل: أن حلف لا يكلم بني فلان، ولا ابن له، فولد له بنون، فكلمهم- لم يحنث؛ لأن المحلوف عليه، لم يكن موجوداً يوم اليمين، ولو حلف، لا يجلس على الحصير، فبسط عليه ثوباً، وجلس عليه- لم يحنث، فإن لم يبسط عليه شيئاً، بل جلس مع [ثياب] بدنه، وإن لم يمس شيئاً من الحصير يحنث.
ولو حلف لا يجلس على البساط، فجلس على الأرض- لا يحنث/ وإن سماها الله تعالى بساطاً؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطاً﴾ [نوح: 19] لأنه لا يطلق عليه اسم البساط في العرف؛ كما لو حلف لا يعلق شيئاً على الوتد، فعلق على جبل- لم يحنث، وقد سماه الله تعالى وتداً، فقال: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ: 7].
إذا حلف لا يأكل الرءوس، ولا نية له، يحمل على الرءوس التي تباع منفردة عن

الأبدان، وهي رءوس النعم، فإن أكل رأس طير أو صيد أو حوت- لم يحنث؛ لأنها لا تباع منفردة، فإن كان في بلد يفرد فيه رءوس الظباء والصيود ورءوس الحيتان، فيشوى- يحنث هناك بأكلها، وهل يحنث بأكلها في سائر البلاد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه يعتبر لكل بلد عرفهم.
والثاني: يحنث؛ لأن ما ثبت به العرف في مكان- وقع به الحنث في جميع المواضع، كما لو حلف لا يأكل الخبز يحنث بخبز الأرز، وإن لم تجر عادتهم بأكله.
ولو حلف لا يأكل البيض، فلا يحنث إلا ببيض يزايل بائضه وهو حي كبيض الدجاجة والحمامة والنعامة والأوز والطيور؛ لأنها تؤكل وتباع مفردة، ولا يحنث بما لا يزايل بائضه؛ كبيض السمك والجراد.
ولو حلف لا يأكل اللحم- حنث بأكل لحم النعم والوحوش والطيور، ولا يحنث بأكل لحم السمك إلا أن يريده، لأنه لا يطلق عليه اسم اللحم، وإن كان الله تعالى سماه لحماً؛ فقال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ [فاطر: 12]؛ كما لو حلف ألا يجلس في ضوء السراج، فجلس في ضوء الشمس- لا يحنث، وإن سماها الله تعالى سراجاً، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ [النبأ: 13]؛ لأن الناس لا يعرفونها سراجاً.
ولو أكل لحم خنزير أو ميتة أو لحم ما لا يؤكل لحمه، هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة-: يحنث؛ لأن اسم اللحم ينطلق عليه، وإن كان حراماً؛ كما لو أكل لحماً مغصوباً.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه يقصد بيمينه الامتناع عما يتعارفه الناس مأكولاً، والميتة لا يتعارفونها مأكولة.
ولو أكل الكرش، أو ما في البطن من الأمعاء والطحال والرئة والقلب والكبد- فيه وجهان: أحدهما: يحنث؛ لأنه في معنى اللحم.
والثاني- وهو الأصح، والمذهب-: لا يحنث؛ لأن مطلق الاسم لا يتناوله، ويجوز

نفي اسم اللحم عنها، وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها.
ولو أكل لحم الخد ولحم الرأس ولحم الأكارع واللسان-: قيل- وهو الأصح-.
يحنث، وقيل: فيه وجهان.
ولو حلف لا يأكل اللحم، فأكل شحم البطن- لا يحنث، ولو أكل شحم الظهر والجنب، وهو البياض الذي لا يخالطه اللحم الأحمر [هل يحنث]؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه شحم كشحم البطن؛ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146]. والثاني- وهو الأصح، والمذهب-: يحنث؛ لأنه لحم سمين، ولو حلف لا يأكل الشحم، فأكل شحم البطن- يحنث، ولو أكل اللحم- لا يحنث، ولو أكل شحم الظهر- فعلى هذين الوجهين، على [الوجه] الأول: يحنث؛ وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأن الله تعالى سماه شحماً؛ فقال: "إلا ما حملت ظهورهما".
والثاني- وهو المذهب-: لا يحنث؛ وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لحم سمين.
واختلف أصحابنا في الآلية، منهم من قال: هي لحم [يحنث به في اليمين على اللحم، ولا يحنث في اليمين على الشحم؛ لأنه ثابت في اللحم]، ومنهم من قال: هي شحم؛ لأنه يذوب كالشحم، ومنهم من قال- وهو الأصح-: ليس بلحم ولا شحم، لا يحنث به في اليمين على واحد منهما؛ لأنه مخالف لهما في الاسم والصفة؛ لأنه يذوب بخلاف اللحم، وهو صلب؛ بخلاف الشحم، قال الشيخ- رحمه الله-: والسنام كالآلية.
في دخوله في اللحم [يحنث به في اليمين على اللحم، ولا يحنث في اليمين على الشحم؛ لأنه ثابت في اللحم] و [الشحم]، والأصح: أنه لا يدخل في واحد منهما، ولو حلف لا يأكل الآلية، فأكل السنام، أو لا يأكل السنام، فأكل الآلية- لا يحنث، ولو حلف لا يأكل دسماً- يحنث بشحم الظهر والبطن والآلية والسنام، وأي دهن كان، ولو حلف على اللحم، فأكل شحم العين- لم يحنث؛ لأنه يخالف اللحم اسماً وصفة، ولو حلف على الشحم- هل يحنث به؟ فيه وجهان.

[ولو حلف لا يأكل الميتة، فأكل السم- فيه وجهان]: أحدهما: يحنث؛ لأن الشرع سماه ميتة؛ فقال: "أحلت لنا ميتتان".
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الميتة في العرف، وهو المذهب؛ كما لو حلف لا يأكل الدم؛ فلا يحنث [بأكل الكبد] والطحال.
ولو حلف لا يأكل لحم البقر، فأكل لحم الجاموس/ - يحنث، وإن أكل لحم بقر الوحش؟ قال الشيخ- رحمه الله-: فيه وجهان؛ بناءً على أنه هل يجعل جنساً [واحداً] في الربا؟ فيه وجهان، وكذلك لو حلف ألا يركب الحمار، فركب حمار الوحشي فيه وجان، ولو حلف على الحنطة، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يشير إلى حنطة، فقال: لا آكل هذه، فأكلها- حنث، سواء أكلها كذلك أو طحنها، فأكل الطحين، أو خبزها فأكل الخبز.
[الحالة] الثانية: أن يقول: لا آكل حنطة، فيحنث بأكل الحنطة، سواء أكلها نيئاً أو مطبوخاً أو مبلولاً أو مقلياً، ولا يحنث بأكل الدقيق والسويق والعجين والخبز.
والثالثة: أن يقول: لا آكل هذه الحنطة، وأشار إلى صبرة، فأكل من غيرها- لم يحنث، وإن أكل منها- حنث مطبوخاً أو نيئاً، وإن طحنها، فأكل طحينها أو سويقها أو عجينها، أو خبزها فأكل خبزها، أو حلف لا يأكل هذا العجين، فخبزه وأكله- لا يحنث؛ لتبدل الاسم، كما لو حلف لا يدخل هذه الدار، فصارت فضاءً، فدخلها- لم يحنث.
وقال ابن سريج: يحنث؛ لوجود الإشارة؛ كما لو حلف لا آكل هذا الجمل، فذبحه وأكله- حنث.
والأول المذهب؛ بخلاف الجمل؛ لأنه لا يمكن أكله حياً، فكان يمينه على لحمه، والحنطة يمكن أكلها حياً، فكان يمينه على حبها، وكذلك: لو حلف لا يأكل الرطب، فأكل التمر، أو حلف لا يأكل التمر، فأكل الرطب، [أو حلف ألا] يأكل العنب، فأكل الزبيب، أو لا يأكل الزبيب، فأكل العنب- لم يحنث، وإن حلف لا يأكل الرطب، فأكل البسر أو

البلح- لم يحنث، [وكذلك: إذا حلف لا يأكل البسر، فأكل الرطب أو البلح- لم يحنث]؛ ولو حلف لا يأكل الرطب، فأكل المنصف- نظر: إن أكل [المنصف] المرطب- حنث، وكذلك: إن أكل الكل؛ لأنه أكل الرطب مع غيره، وإن أكل المنصف الآخر الذي لم يرطب- لا يحنث.
ولو حلف لا يأكل بسرة ولا رطبة [فأكل منصفاً- لم يحنث؛ لأنه لم يأكل بسرة ولا رطبة] تامة، فإن أشار، وقال: لا آكل هذه الرطب، فجعله تمراً، أو: لا آكل هذا العنب، فجعله زبيباً، فأكله- فكالحنطة يطحنها، فلا يحنث على الصحيح من المذهب، وكذلك لو حلف لا يأكل لحم هذا الحمل، فصار كبشاً، فذبحه وأكله، أو: لا يكلم هذا الصبي، فكلمه بعدما صار شيخاً- فعلى هذا الاختلاف، وقال ابن أبي هريرة في الحمل إذا صار كبشاً، فأكله، أو الرطب صار تمراً، أو الصبي إذا صار شيخاً فكلمه- يحنث؛ بخلاف الحنطة، إذا طحنها فأكلها- لم يحنث؛ لأن الانتقال في الحنطة حصل بصنعه، وفي الحمل ولاصبي والرطب- حصل لا بصنعه؛ فلا يمنع الحنث، وهذا لا يصح؛ لأنه لو حلف ألا يأكل هذا البيض، فصار فروجاً أو لا يأكل هذا الحب، فصار زرعاً، فأكله- لم يحنث؛ وإن حدث الانتقال بغير صنعه.
ولو حلف لا يشرب هذا العصير، فصار خمراً، أو: لا يشرب هذا الخمر، فصار خلا، فشرب- لم يحنث؛ كالحنطة إذا صارت دقيقاً، ولو حلف لا يأكل الخبز، فأي خبز أكله من بر أو شعير أو ذرة أو أرز أو مخ أو باقلي- حنث؛ لأن الكل يسمى خبزاً، وإن لم يكن معهود بلده؛ كما لو حلف ألا يلبس ثوباً- حنث بلبس أي ثوب كان، وإن لم يكن ملبوس بلده، ويحنث بأكل القرص والمشحم، ولو أكل جوزنيقا، من أصحابنا من قال: يحنث؛ لأنه لو نزع حشوه- كان خبزاً، وقيل: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى خبزاً.

ولو ثرد الخبز، فأكله- يحنث، ولو حلف لا يأكل السويق، فاستفه أو بله، فتناوله بالإصبع [حنث، وإن ماثه في الماء، فشربه- لم يحنث؛ لأنه لا يسمى أكلاً، ولو حلف ألا يشربه فماثه في الماء، فشربه- حنث، ولو استفه أو تناوله بالإصبع] لم يحنث، وكذلك اللبن وجميع المائعات، إذا حلف ألا يأكله، فأكله بخبز- حنث، وإن شربه- لم يحنث، وإن قال: لا أشربه، فشربه- حنث، وإن أكله بخبز- لم يحنث، وكذلك: الخبز إذا قال: لا آكله، [أو] لا أشربه، أما إذا قال: لا أطعم فسواء أكله كذلك، أو ماثه في الماء وشربه- يحنث؛ لأن الطعم يقع على الأكل والشرب جميعاً؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]، وكذلك إذا قال بالفارسية: "نخورم"- يحنث بالأكل والشرب، ولو حلف لا يأكل الرمان أو العنب، فمصه ورمى بتفله- لم يحنث؛ لأنه ليس بأكل، وكذلك: لو حلف لا يأكل الفانيد، فأمسكه في فيه، حتى ذاب، ولم يمضغه- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل/ الثريد، فأكل الخبز وحده- لم يحنث، ولو حلف لا يشرب الماء، فلا يحنث بأكل الجمد والثلج]، فشرب ماءهما- لم يحنث، ولو حلف على الثلج لا يحنث بالجمد، أو على الجمد- لا يحنث بالثلج، ولو حلف لا ياكل أو لا يشرب، فلا يحنث بالذوق، وإن وصل طعمه إلى حلقه؛ إذا لم يصل عين الطعام إلى حلقه، فإن وصل عينه إلى حلقه- حنث، ولو

حلف ألا يذوق، فأكل أو شرب- حنث؛ لأنه ذوق وزيادة، فإن أخذ بلسانه ومضغه ولفظه ولم ينزل إلى حلقه- حنث؛ لأنه صورة الذوق، وقيل: لا يحنث؛ لأن الذوق لا يتحقق إلا بازدراد شيء من عينه، ولو حلف لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق، فأوجر في حلقه حتى وصل إلى جوفه- لم يحنث؛ لأنه لم يأكل ولم يشرب، ولم يذق.
ولو حلف على شيء ألا يأكله، فابتلعه من غير مضغ- حنث، ولو حلف لا يأكل اللبن- يحنث بلبن الأنعام والصيود كلها؛ لأنه يطلق على الكل اسم اللبن؛ كما في اللحم، ويحنث بالحليب والرائب، ولا يحنث بأكل الجبن واللوز والأقط والمصل والزبد والسمن، وقال ابن أبي هريرة: إذا حلف على اللبن- يحنث بكل ما يتخذ منه، وليس بصحيح؛ لأن اسم اللبن لا ينطلق على ما يتخذ منه؛ كما لو حلف ألا ياكل الرطب، فأكل التمر، أو: لا يأكل السمسم، فأكل دهنه- لم يحنث، ولو حلف لا يشرب الرائب، فشرب الحليب- لم يحنث، ولو حلف على الزبد أو السمن- فلا يحنث باللبن، وقيل: يحنث؛ لن فيه زبداً، ولو حلف على الزبد، فأكل السمن، [أو على السمن] فأكل الزبد- لم يحنث، ولو حلف ألا يأكل الأقط فأكل الجبن، أو لا يأكل المصل، فأكل الجبن أو الأقط- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل المصل، فأكل الجبن أو الأقط- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل من هذا اللبن، فأكل من جبنه أو أقطه أو مصله- لا يحنث على المذهب الصحيح؛ كالحنطة يطحنها ويخبزها، ولو حلف لا يأكل السمن، فأكله بخبز أو غيره- حنث؛ جامداً كان أو ذائباً، وإن كان ذائباً فشرب- لم [يحنث]، وإن كان جامداً، فأكله وحده بلا خبز- حنث، وإن جعله في عصيدة أو في سويق: فإن استهلك فيه، فأكله- لم يحنث، وإن كانت/ عينه باقية- حنث، و [كذلك] لو حلف لا يأكل الخل، فأكل مرقاً، فيه خل، أو: حلف لا يأكل اللبن، فجعله في طبيخ، فأكله: فإن كان مستهلكاً فيه- لم يحنث، وإن كان طعمه أو لونه فيه ظاهراً- حنث، ولو حلف لا يأكل التمر، فأكل عصيره أو دبسه أو: لا يأكل الدبس، فأكل التمر أو العنب، أو: لا يأكل السمسم، فأكل الشيرج، أو: لا يأكل الشيرج، فأكل السمسم- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل الفاكهة، فأكل الرطب أو العنب أو الرمان أو الأترج أو النبق أو التوت أو البطيخ أو الموز-

يحنث؛ كما يحنث بالتفاح والسفرجل؛ لأنها ثمار الأشجار.
وقال ابن سريج: لا يحنث بالقثاء والخيار؛ لأنهما من الخضروات، وقال أبو حنيفة- رحمه الله-: لا يحنث بالعنب والرطب والرمان؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] عطفهما على الفاكهة دل [على] أنهما غير الفاكهة، قلنا: العطف لا يدل على المخالفة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: 71]، وكان نوح من الأنبياء، وعطف عليهم.
ولو حلف لا يأكل الثمار- فهو يتناول الرطب، ولا يحنث باليابس، أما الفاكهة تتناول الرطب واليابس جميعاً، ولو حلف لا يأكل البطيخ - فلا يحنث بالبطيخ الهندي، [ولو حلف لا يأكل الجوز- فلا يحنث بالجوز الهندي، أو: لا يأكل التمر-[فلا يحنث] بالتمر الهندي]، أو لا يأكل الخيار- فلا يحنث بخيار شنير؛ لأنه لا يتناوله مطلق اسمه، وإذا كان لليمين حقيقة متعارفة ومجاز غير متعارف- فيحمل على الحقيقة المتعارفة؛ مثل: أن حلف ألا يأكل من هذه البقرة- يتناول لحمها، دون الولد واللبن؛ حتى لو كانت حاملاً أو لبوناً، فأكل من لحم ولدها أو شرب [من] لبنها- لم يحنث، وإن كان لها مجاز متعارف وحقيقة غير متعارفة- يحمل على المجاز المتعاف؛ مثل: أن حلف ألا يأكل من هذه الشجرة-[يتناول الثمرة] دون الجزع والورق، إلا أن ينويه، ولو حلف لا يأكل طعاماً- يتناول جميع الأطعمة من القوت والأدم والفواكه والحلاوي؛ لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وهل يحنث بأكل الدواء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يطلق عليه اسم الطعام/.
والثاني: يحنث؛ لأنه يطعم في حال الاختيار؛ فلذلك جرى فيه الربا، فلو [قال]:

أردت طعاماً دون طعام أو: قال: لا أشرب، وقال: أردت شراباً دون شراب، أو: قال: لا ألبس، وقال: أردت ثوباً دون ثوب- يقبل قوله في الباطن دون الظاهر، وبه قال ابو حنيفة، وكذلك

-[عندنا]-

: إذا حلف لا ياكل، ولم يقل: طعاماً، أو: قال: لا أشرب، أو: لا ألبس، ولم يقل: شراباً، ولا ثوباً، فقال: عنيت به البعض- يقبل في الباطن، وعند أبي حنيفة: لا يقبل، وفرق بأن قوله طعاماً يقتضي الوجدان إلا أن ظاهره للجنس؛ فحمل على الظاهر.
فإذا قال: [أردت الوجدان- قبل، وإذا قال: لا آكل- يقتضي العموم، فإذا قال]: أردت التخصيص - لم يقبل، [ولو حلف] لا يأكل قوتاً، فأكل شيئاً من الحبوب التي تقتات- حنث، وإن أكل التمر أو الزبيب أو اللحم: فإن كان من قوم قوتهم ذلك- حنث، وهل يحنث به غيرهم؟ فعلى وجهين؛ كما ذكرنا في رؤوس الصيد.
ولو حلف لا يشرب الماء، فيحنث بشرب جميع مياه الأنهار والآبار والبحار على أي طعم كان، فإن قال: [ماءً] فراتاً- فيحنث بالماء العذب؛ سواء كان من دجلة أو من الفرات، أو من غيرهما، ولا يحنث بالأجاج والملح؛ لأنه اسم للماء العذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: 27]، فإن حلف لا يشرب [من] ماء الفرات فشرب من ماء دجلة أو غيرها- لم يحنث؛ لأن الفرات إذا عرف يراد به النهر الذي بين الشام والعراق، فإذا شرب منه- حنث، ولو حلف لا يأكل أدماً أو خبزاً بإدام، فيحنث باللحم والخل والمري، وبكل ما يؤتدم حتى الملح والبصل والثوم والبقل والفجل والثمار كلها؛ روي عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت النبي- صلى الله عليه وسلم- أخذ كسرة من خبز الشعير، فوضع عليها تمرة فقال: "هذه إدام هذه، وأكل"، وعند أبي حنيفة: لا يحنث، إلا بما يصيب في السكرجة مما يصبغ الخبز، أما إذا قال: لا آكل خبزاً يصبغ- فيتناول بالاتفاق ما يصب في السكرجة [من] المائعات؛ كالخل والدبس والسمن ونحوها.
ولو حلف لا يشم الريحان، فشم الضيمران، وهو: الريحان الفارسي- يحنث، ولو

شم ما سواه من الورد والبنفسج والياسمين والزعفران- لم يحنث، لأنه لا يطلق اسم الريحان إلا على الضيمران، فإذا حلف لا يشم المشموم- حنث بجميعها؛ لأن جميعها مشموم، ولا يحنث بشم الكافور والمسك والعود والصندل؛ لأنه لا يطلق عليه اسم المشموم.
ولو حلف لا يشم الورد أو البنفسج، فشم دهنها- لم يحنث؛ لأنه لم يشم الورد والبنفسج، وإن شم الورد والبنفسج بعد ما جف، هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ كما لو حلف ألا يأكل الرطب، فأكل التمر.
والثاني: يحنث؛ لأنه بقي فيه ما يشم.
فصل إذا حلف لا يأكل طعاماً اشتراه فلان إذا حلف لا يأكل طعاماً اشتراه فلان، فإذا أكل مما انفرد فلان بشرائه- حنث، وإن أكل مما اشتراه فلان مع غيره- لم يحنث، إلا أن يريد أنه لا يأكل طعام فلان أو من طعام فلان؛ يحنث بالمشترك، وإذا قال: لا آكل من طعام اشتراه فلان، فأكل مما اشتراه فلان [مع غيره]- ففيه ثلاثة أوجه: أصحها: لا يحنث؛ لأنه لم ينفرد بشرائه.
والثاني: يحنث، وإن أكل منه حبة أو لقمة؛ لأنه ما من جزء إلا وقد وقع عليه شراؤه.
والثالث: لا يحنث، حتى يأكل أكثر من النصف، فيتحقق أنه أكل من طعام اشتراه فلان.
وإن كان ورث فلان مع غيره طعاماً وقسماً ما ورثاه، فأكل من نصيب فلان- لم يحنث، وإن قلنا: القسمة بيع؛ لأنها ليست ببيع متعارف، وكذلك إن كان فلان صالح على طعام، أو كان قد باع طعاماً [ثم] قبل الثمن، ثم استقاله بعد اليمين، فأكل منه- لم يحنث، وإن جعلناه بيعاً؛ لأنه ليس ببيع متعارف، وكذلك: لو حلف ألا يدخل داراً اشتراها

فلان، فأخذ فلان داراً بالشفعة، فدخلها- لم يحنث؛ لأن الأخذ بالشفعة ليس بحقيقة شراء، أما إذا اشترى طعاماً سلماً، فأكل منه - حنث؛ لأنه شراء حقيقة، ولو اشترى فلان وغيره كل واحد طعاماً، ثم خلطاه، فأكل منه- لا يحنث حتى يأكل قدراً يتيقن أنه أكل من طعام فلان؛ مثل: أن كان لكل واحد نصفه، فأكل أكثر من النصف- حنث، وإن أكل النصف فأقل- لم يحنث.
ولو اشترى فلان لغيره بوكالته طعاماً، فأكل منه- حنث؛ لأنه باشر شراءه، ولو وكل فلان رجلاً آخر ليشتري [له] طعاماً، فاشترى فأكل منه الحالف- لم يحنث؛ لأن فلاناً لم يشتره.
ولو حلف لا يأكل من قدر طبخه فلان، أو مرقة طبخها فلان- فالطابخ الذي يوقد النار تحت القدر حتى ينضج، فإن فعله فلان، فأكل منه- حنث، وإن كان واضع القدر على النار والمدخل للحم والماء فيه غيره، ولو كان فلان يوقد النار زماناً، وغيره زماناً- أو أخذاً معاً خشبة وجعلاها تحت القدر، فأكل منه- لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد فلان بطبخه، أما إذا وضع القدر في تنور، حتى نضج: فإن انفرد فلان بوضعه، فأكل منه- حنث، وإن أوقد النار غيره، وإن وضعه مع غيره فيه- لم يحنث، وكذلك: لو حلف لا يأكل خبزاً خبزه فلان: فإن ألصق العجين بالتنور، فأكل منه- حنث، وإن عجن وأوقد النار [وألصق غيره- لم يحنث، ولو حلف لا يأكل هذه التمرة بعينها، فوقعت في صبرة من التمر: فإن أكل جميع تلك الصبرة حنث، وإن بقيت منها أو ضاعت تمرة- لم يحنث؛ لاحتمال أن الباقية هي المحلوف عليها [والورع أن يحنث نفسه، وإن أكل منها واحدة؛ لاحتمال أنه أكل المحلوف عليها] فلا يبرأ].
ولو حلف لا يأكل هذه التمرة، فوقعت في صبرة- لا يبر إلا بأكل الكل، فإن ضاعت منها واحدة- حنث]، وكذلك لو حلف لا يأكلن هذه الرمانة، فأكلها إلا حبة هلكت- حنث، وكذلك: لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، فضاعت منه [فتاتة] وأكل الباقي- لم يحنث، ولو قال: لآكلن هذا الرغيف، فضاعت فتاتة- لا يبر.

ولو حلف لا يدخل دارين- لا يحنث بدخول أحدهما، حتى يدخلهما، وكذلك: لو حلف لا يلبس هذين الثوبين- فلا يحنث بلبس أحدهما وإذا لبسهما- حنث، سواء لبسهما معاً، أو لبس أحدهما ثم نزعه ولبس الآخر، ولو قال: لا ألبس هذا ولا هذا- حنث بلبس أحدهما، وعند مالك- رحمه الله-: إذا قال: لا أدخل هاتين الدارين أو: لا ألبس هذين الثوبين- فيحنث بأحدهما، ووافقنا فيما لو قال: لا ألبسهما أو: لا أدخلهما- أنه لا يبر بأحدهما، حتى يأتي بهما [جميعاً].
ولو حلف فقال: لا أشرب ماء هذه الإداوة، فشرب إلا قطرة- لم يحنث، ولو قال: لأشربن ماءها- لا يبر إلا بشر كله، أما إذا قال: لا أشرب من [ماء] هذه الإداوة، فشرب منه قليل حنث، ولو قال: لأشربن من ماء هذا النهر، فشرب منه قليلاً- بر؛ لأن "من" للتبعيض؛ فيحصل الحنث، والبر ببعضه، أما إذا حلف، وقال: لا أشرب ماء هذا النهر، أو ماء هذه البئر، هل يحنث بشرب بعضه؟ فيه وجهان: قال ابن سريج: يحنث بشرب بعضه؛ لأنه لا يتصور شرب جميعه؛ فانصرف اليمين إلى بعضه، وقال أبو إسحاق: لا يحنث؛ لأنه حلف على شرب جميعه فلا يحنث ببعضه؛ كما لو قال: لا أشرب ماء- هذه الإداوة- فلا يحنث بشرب بعضه، ولو قال: لأشربن ماء هذا النهر- فعلى وجهين: أحدهما: يبر بشرب بعضه.
والثاني: لا يبر بشرب بعضه، وهو حانث عليه الكفارة، لأن عجزه عن شرب جميعه حقيقة، فعلى هذا: يحنث في الحال أم قبيل الموت؟ فيه وجهان.
ولو قال: لأشربن ماء هذه الإداوة، فانصب قبل أن يشرب أو مات الحالف- نظر: إن كان بعد الإمكان- حنث، وإن كان قبل الإمكان- فقولان؛ كالمكره، ولو حلف ليشربن من ماء هذه الإداوة فصبه في حوض، ثم شرب منه قليلاً من موضع علم أنه وصل إليه- بر، وإن حلف لا يشرب منه، فصبه في حوض وشرب منه قليلاً- حنث، وكذلك لو حلف لا يشرب من لبن هذه البقرة، فخلطه بلبن آخر، فشرب منه- حنث بخلاف ما لو حلف لا يأكل هذه التمرة فخلطها بصبرة- لا يحنث؛ إلا بأكل جميع الصبرة؛ لأن الذائب إذا اختلط بالذائب يصير شيئاً واحداً بخلاف الجامد، ولو حلف ليشربهن ماء هذا الكوز، ولا ماء فيه، أو: ليقتلن فلاناً، وفلان

ميت، هل تنعقد يمينه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا تنعقد؛ لأنه لا يتصور فيه البر.
والثاني: تنعقد، وإن كان البر لا يتصور؛ كما لو حلف لقد أكلت الخبز بالأمس ولم يكن أكل- انعقد يمينه، وإن كان البر غير متصور فيه؛ فعلى هذا: يحنث في الحال أم قبيل الموت؟ فيه وجهان.
وكذلك لو حلف ليصعدن السماء، هل تنعقد يمينه؟ فيه وجهان، فإن قلنا: تنعقد، هل يحنث في الحال أم قبل الموت؟ فيه وجهان، ولو حلف ليصعدن السماء غداً، وقلنا: تنعقد [يمينه] هل يحنث في الحال أم [قبل الموت؟ فيه وجهان، ولو] بعد مجيء الغد؟ فيه وجهان، ولو حلف لا يصعد السماء، هل تنعقد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن الحنث فيه لا يتصور.
والثاني: تنعقد؛ وإن كان الحنث لا يتصور؛ كما لو حلف لقد فعل كذا بالأمس، فكان صادقاً.
والأول أصح بخلاف ما لو قال: لقد فعل بالأمس، لأن الحنث فيه متصور بأن يكون كاذباً، وصعود السماء غير متصور بحال، ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غداً، فأكله من الغد- بر في يمينه، وإن مات الحالف قبل مجيء الغد- لا شيء عليه، ولو مات [وتلف الطعام أو بعضه] بعد مجيء الغد- نظر: إن كان بعد التمكن من الأكل- حنث، وإن كان قبله، فعلى قولي المكره، فإن قلنا: يحنث، فحنث في الحال أو عند غروب الشمس؟ فيه وجهان، ولو كان الطعام بحاله، فلم يأكل حتى غربت الشمس من الغد، مع القدرة عليه- حنث، ولو أتلف الحالف ذلك الطعام قبل مجيء الغد أو أكله أو بعضه- حنث؛ لأنه منع نفسه [من] البر بفعله، ثم متى يحنث؟ فيه قولان: أحدهما: بعد مجيء الغد؛ لأنه وقت البر والحنث.
والثاني: في الحال؛ لأنه وقع اليأس من أكله الآن، فإن قلنا: يحنث بعد مجيء الغد ففيه- وجهان: أصحهما: إذا مضى من الغد قدر إمكان الأكل- يحنث.

والثاني: يحنث قبل غروب الشمس.
ولو تلف الطعام قبل مجيء الغد أو أتلفه أجنبي، هل يحنث؟ فعلى قولي [المكره، والمنصوص]: أنه لا يحنث، فإن قلنا: يحنث، فمتى يحنث؟ فعلى قولين؛ كما في إتلاف نفسه.
فصل فيما لو حلف فقال "والله لأقضين حقك" إذا حلف فقال: والله لأقضين حقك، فمات قبل القضاء، [و] بعد التمكن- حنث قبل الموت، وإن مات قبل التمكن- فعلى قولين، ولا نعني بعدم التمكن الإعسار إنما نعني به التمكن من الدفع إليه، حتى [لو تمكن] من الدفع إليه، أو ملك شيئاً، لكنه معسر- حنث، ولو مات صاحب الدين- لم يحنث؛ لأن القضاء إلى وارثه بعد موته ممكن، إلا أن يقول: لأقضينك، فأيهما مات بعد التمكن- حنث، وإن كان قبل التمكن- فعلى قولين.
ولو قال: لأقضينك حقك غداً، فمات الحالف قبل مجيء الغد- لم يحنث؛ لأنه لم يدخل وقت البر، وإن/ مات المقضي إليه- فعلى [قولي المكره، فإن قلنا: يحنث- يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد فعلى] قولين؛ كما ذكرناه في الأكل، فإن جاء الغد، ولم يقض حتى مضى اليوم أو مات أحدهما في الغد، فإن كان بعد التمكن من القضاء- حنث، وإلا فقولان، وإن قضاه اليوم قبل مجيء الغد أو قضى بعضه- حنث؛ لأنه منع نفسه من البر بفعله، إلا أن يريد بيمينه أنه لا يمضي الغد إلا وقد قضيت حقك؛ فلا يحنث ولو أبرأه صاحب الحق اليوم، أو وهب له، فإن قلنا: يحتاج الإبراء إلى القبول، فقبل- حنث؛ لأنه منع نفسه من البر بالقبول، وإن لم يقبل- لم يحنث؛ لأن الدين باق، يمكنه أداؤه في الغد، وإن قلنا: يسقط من غير قبول- سقط الدين، وهل يحنث؟ فيه قولان؛ كالمكره، وإذا قال: لأقضين حقك عند رأس الهلال، أو مع رأس الهلا- ينبغي أن يقضيه في آخر الشهر عند غروب الشمس، فإن قضاه قبل رؤية الهلال- حنث؛ لأه فوت القضاء عند الهلال باختياره، ولو قضى بعد غروب الشمس قدر إمكان الأداء، ولم يقض- حنث؛ فإن أخذ عند رؤية الهلال في كيله، وتأخر الفراغ منه؛ لكثرته- لم يحنث؛ لأنه

مشتغل بأسباب القضاء، وعند مالك وأبي حنيفة: إذا قال: عند رأس الهلال- فلا يحنث حتى يطلع الفجر من الليلة الأولى قبل القضاء، ولو أخذ في القضاء في الليلة الأولى للشك في الهلال، ثم بان أنه كان من الشهر- هل يحنث؟ فيه قولان؛ كالناسي والجاهل، ولو قال: لأقضين حقك إلى رمضان- ينبغي أن يقضيه قبل دخول رمضان، فإن لم يقضه حتى دخل رمضان- حنث، فلو قال: لأقضينك [حقك] إلى حين- فهو كما لو أطلق؛ فيحمل على العمر، فإن مات قبل أن يقضيه- حنث، والورع: أن يقضيه قبل مضي يوم، فإن مضى يوم، ولم يقضه- كفر؛ لأن "الحين" اختلفوا في قدره، وأقل ما قيل فيه يوم فإن نوى مدة- فهو على نيته، وعند أبي حنيفة: يحمل "الحين" على ستة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: 25] ومن حين تطلع النخل إلى أن يؤكل [منه] ستة أشهر، قلنا: قد يقع على أربعين سنة؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] ويقع على العمر، لقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 8.] أي: إلى البلى؛ فقال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88]، قيل: بعد انقضاء الدنيا، ولو قال: إلى زمان أو دهر أو حقب أو أحقاب- فهو كما لو قال: "إلى حين يحمل على العمر"؛ وكذلك: "إلى أوان" أو: "وقت" ولو قال: "إلى أيام" فهو إلى ثلاثة أيام، ولو حلف لا يكلم فلاناً حيناً أو دهراً أو زماناً أو حقباً- بر بأدنى زمان يمضي" لأنه يقع على القليل والكثير، ولو قال: لا يكلمه مدة قريبة أو قال: مدة بعيدة- بر بمضي أدنى زمان يمضي؛ لأنه يقع على القليل والكثير؛ لأنه ما من مدة إلا وهي قريبة بالإضافة إلى ما هو أبعد منها، وبعيدة بالإضافة إلى ما هو أقرب منها، ولو قال: لأقضينك حقك غداً إلا أن تشاء، يعني: إلا أن تشاء أن أؤخره، فإن قضى في الغد- بر في يمينه، شاء أو لم يشأ، وإن لم يقض حتى مضى الغد- نظر: إن شاء صاحب الحق قبل مضي الغد أن يؤخر- لم يحنث، وإن لم يشأ شيئاً أو شاء التعجيل، أو لم يعرف حاله: بأن مات أو غبي غباوة- حنث في يمينه، وكذلك: لو قال: إلا أن يشاء فلان أن أؤخره غير أنه إن مات فلان قبل المشيئة في خلال النهار- لا يحنث؛ لأن القضاء بعد موته ممكن، فإن غربت الشمس قبل القضاء- حنث، وإن جعل المشيئة إلى صاحب الحق، فمات في خلال النهار قبل المشيئة بعد إمكان الأداء إليه- يحنث، وإن كان قبل الإمكان- فعلى قولين، ولو قال: لأقضينك حقك إلى الغد، إلا أن يشاء تأخيره- ينبغي أن يقضيه من الآن إلى طلوع الفجر من الغد، فإن لم يقض حتى طلع الفجر، ولم يشأ صاحب الحق تأخيره- حنث.

جارٍ التحميل