فصل في حقيقة المفارقة إذا كان له على رجل حق، فقال: والله، [لا أفارقك] حتى استوفي حقي منك، ففارقه قبل الاستيفاء- حنث أيهما وقف؟ وفر الآخر؛ لأن الحالف إن فر- فقد فارقه، وإن فر الغريم، والحالف يمكنه أن يمشي- معه، فلم يفعل- فهو بالوقوف مفارقه وحد الفراق: ما ذكرنا في تفريق المتبايعين، ولو فر منه/ الغريم، ولم يمكنه متابعته- لم يحنث، وقال ابن أبي هريرة: فيه قولان، كالمكره؛ فليس بصحيح؛ لأنه حلف على فعل نفسه، ولم يوجد منه فعل: لا مختاراً ولا مكرهاً، وكل من علق اليمين على فعله، فيعتبر الاختيار والإكراه في فعله، فإن أكره الحالف حتى فارقه [أو فارقه] ناسياً، فيكون على قولين، قال شيخنا إمام الأئمة- رحمه الله-: فلو فر الغريم وأمكنهم متابعته، فلم يفعل- حنث؛ لأنه بالمقام مفارقه، ولو قال: لا تفارقني حتى أستوفي حقي منك، ففارق من عليه الحق، أو فر [حنث] الحالف؛ لأنه حلف على فعل الغريم، وهو كان مختاراً في المفارقة، ولو فارق الغريم مكرهاً أو ناسياً لليمين- فعلى قولين، وقيل: يحنث الحالف قولاً واحداً؛ لأن الاختيار والقصد يعتبر في فعل الحالف، لا في فعل غيره، والمذهب الأول: أنه يعتبر في فعل من حلف على فعله، ولو فر صاحب الحق- لم يحنث؛ لأنه لم يحلف على فعل نفسه، قال الشيخ- رحمه الله- فإن أمكن للغريم متابعته فلم يتابعه- وجب أن يحنث، ويجعل وقوفه [مع إمكان المتابعة] كفعل المفارقة فأما إذا قال: لا أفترق أنا وأنت، أو: لا أنا,لا أنت، حتى أستوفي حقي منك- فقد علق اليمين على مفارقة كل واحد منهما، فأيهما فارق صاحبه مختاراً- حنث الحالف، وأيهما أكره على المفارقة [لم يمكن] للآخر متابعته، فيكون على قولين، وإذا أقر أحدهما- حنث الحالف؛ لأن اليمين معلقة على فعل كل واحد، والفار مختار في المفارقة، ولو قال في يمينه: والله، لا نفترق، أو: لا افترقنا حتى أستوفي حقي منك-: قال بعض أصحابنا: تعلق اليمين- ههنا- بافتراقهما معاً، فإن فارق أحدهما صاحبه، وأقام الآخر- لم يحنث، وهو ضعيف، بل هو كقوله: لا أفترق أنا وأنت، فأيهما فارق صاحبه- حنث الحالف، ولو قال: لا أفارقك حتى أستوفي حقي منك، فأبرأ الغريم، ثم فارقه- حنث؛ لأنه لم يستوفه، ولو أفلس الغريم، ففارقه الحالف
مختاراً؛ لما علم من وجوب إنظار المعسر- حنث وإن وجب عليه بالشرع ترك ملازمته، كما لو حلف ألا يرد المغصوب، فرد- حنث، وإن وجب عليه الرد بالشرع، فإن منعه الحاكم عن ملازمته، ففارقه- هل يحنث؟ فيه قولان؛ كالمكره، ولو استوفى حقه، وفارقه، ثم وجده زيوفاً- نظر: إن كان ما أخذ غير حقه، غير أنه أردأ- لم يحنث، وإن كان نحاساً أو رصاصاً أو مغشوشاً: فإن كان عالماً به- حنث وإن كان جاهلاً- فعلى قولي حنث الناسي، ولو أحاله الغريم على إنسان، فقبل وفارقه، أو أحال الحالف غيره بماله عليه- فقد قيل: إن قلنا: الحوالة استيفاء- لم يحنث، وإن قلنا: معاوضة- حنث، وقيل- وهو المذهب-: يحنث قولاً واحداً، سواء جعلناها استيفاءً أو معاوضة؛ لأنها استيفاء من طريق الحكم، لا من طريق الحقيقة، إلا أن يريد بيمينه أنه لا يفارقه، وعليه شيء من حقه؛ فلا يحنث إذا فارقه بعد قبول الحوالة، وكذلك: لو أخذ عن حقه عوضاً، ففارقه- يحنث، سواء كانت قيمة ما أخذ قدر حقه أو أكثر أو أقل؛ لأنه لم يستوف حقه؛ إلا أن يريد [به] أنه لا يفارقه وعليه شيء من حقه، فلا حكاية [وما نقل المزني: [إن] كان قيمته أقل من حقه- يحنث] مذهب مالك، وعندنا: لا فرق بين أن يكون قيمته أقل أو أكثر فإن كان يمينه على عين حقه، فيحنث بكل حال، وإن كان على البراءة- بر بكل حال، سواء كانت قيمته أقل من حقه أو أكثر ولو تبرع إنسان فأدى ذلك الدين عن الغريم، فأخذ وفارق- نظر: إن كان الحالف قد قال: حتى استوفي حقي منك- حنث؛ لأنه لم يستوف منه، وإن كان قال: حتى أستوفي حقي- لم يحنث، وكذلك: لو استوفى الحق من وكيل الغريم.
ولو قال من عليه الحق: "والله، لا أفارقك حتى أدفع إليك مالك"، فوهبه له صاحب الحق- نظر: إن كان عيناً، فوهبها له وقبلها- حنث؛ لأنه منع نفسه من البر بقبوله، وإن كان ديناً، فأبرأه: إن قلنا: إن الإبراء يحتاج إلى القبول- فكذلك، وإن قلنا: لا يحتاج إلى القبول- فعلى الاختلاف في حنث المكره، لو حلف من عليه الحق، وقال: لا تأخذ، أو لا تستوف مالك علي، فأخذ منه- حنث، سواء كان المعطي مكرهاً أو مختاراً، ولو أكره الآخذ عىل الأخذ- فعلى قولي حنث المكره، ولو قال: لا أعطيك حقك، فأعطى ناسياً
أو مكرهاً- فعلى قولي حنث الناسي.
فصل فيما لو حلف لا يكلم فلاناً
إذا حلف لا يكلم فلاناً فسلم عليه- حنث، وإن كتب إليه كتاباً أو أرسل له رسولاً- ففيه قولان، قال في الجديد - وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني-: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى كلاماً في العادة؛ بدليل أنه لا يخرج المهاجر به عن إثم الهجران.
وقال في القديم: يحنث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [الشورى: 51]؛ استثنى الوحي- وهو الرسالة- من الكلام؛ فدل أنها منه، ولأنه بمنزلة الكلام بين الغائبين، وإن لم يخرج به عن [إثم] الهجران؛ [كما لو لقيه، فشتمه، أو قصده خصمه؛ ليكلمه، فزجره، وقال: تنح عني- يحنث، وإن لم يخرج به عن إثم الهجران] وقال ابن أبي هريرة: يخرج بالكتاب والرسالة عن إثم الهجران؛ لأن المقصود من الكلام إزالة الوحش، ويحصل ذلك بالمكاتبة والمراسلة، ولو أشار إليه بيده أو بعينه رمزاً، هل يحنث؟ قال أصحابنا: فيه قولان؛ كالكتابة:
أحدهما: يحنث؛ لأن الله تعالى استثنى الرمز من الكلام؛ فقال: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ [آل عمران: 41]؛ [فدل أنه من الكلام].
والثاني- وهو الأصح-: لا يحنث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ [مريم: 26]، ثم قال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29]، ولو كانت الإشارة كلاماً- لم تفعله، ولو قرأ آية من القرآن، ففهم ذلك الرجل بالقراءة مقصوده؛ مثل: أن دق الباب، فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الشعراء: 46]، فإن كان قصده قراءة القرآن- لم يحنث؛ وإلا حنث.
وإن حلف لا يكلم الناس- يتناول الرجال والنساء والأطفال؛ فإن قال: "ناساً"- انصرف إلى ثلاثة أنفس ولو حلف لا يتكلم، فقرأ القرآن، أو سبح- لم يحنث؛ لأن إطلاقه يتناول كلام الآدميين، وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: أن قراءة القرآن في غير صلاة حنث.
وإن حلف لا يقرأ القرآن فقرأ جنباً- حنث، وإن لم يثب عليه، ولو حلف أن يقرأ،
فقرأ جنباً- بر، وإن كان إثماً قال الشيخ- رحمه الله-: ولو نذر أن يقرأ القرآن، فقرأ جنباً- لم يخرج عن نذره؛ لأن المقصود من النذر القربة، ولا قربة/ في المعصية؛ حتى لو حلف لا يقرأ القرآن [جنباً] فقرأ جنباً- عصى، وخرج عن يمينه، ولو نذر أن يقرأ جنباً، لا ينعقد نذره؛ كما لو نذر أن يصلي محدثاً، لا ينعقد نذره.
فصل فيما لو حلف لا يبيع ولا يشتري
إذا حلف ألا يشتري أو لا يبيع، فاشترى أو باع [لنفسه] أو للغير شيئاً بالوكالة- يحنث، فإن حلف لا يشتري أو لا يبيع لنفسه، ففعل بالوكالة- لا يحنث، ولو وكل رجلاً ليشتري له شيئاً أو يبيع، ففعل- لم يحنث.
وقال الربيع: إن كان الرجل محتشماً- يحنث [بفعل] الوكيل له، وكذلك: كل أمر حلف عليه مما لا يفعل بنفسه، ففعل بغيره؛ مثل تطيين الدار وغيره- يحنث عندي، فمن أصحابنا من جعل هذا قولاً للشافعي- رضي الله عنه- والمذهب: أنه لا يحنث بفعل الوكيل له؛ لأنه حلف على فعل نفسه، وإن لم تكن عادته؛ كالسلطان: إذا حلف ألا يلبس الثوب أو: لا يأكل الخبز- يحنث بلبس العباءة وأكل خبز الذرة، وإن لم يكن معتاداً له، وكذلك: لو حلف ألا يطلق أو لا يفتق، أو: لا يزوج ابنته، أو: لا يضرب أحداً فأمر الغير حتى فعله أو فوض الطلاق إلى زوجته، فطلقت نفسها- لم يحنث، إلا أن يكون بنيته ألا يفعل بنفسه ولا بغيره، فيحنث، ولو حلف لا ينكح، فنكح بنفسه، أو وكل وكيلاً ليقبل [له] نكاح امرأة فقبل- يحنث ولو قبل هو لغيره بالوكالة- لم يحنث؛ لأن النكاح لا يعلق له بالوكيل، بخلاف البيع والشراء، ولو حلف لا يحلق رأسه، فأمر غيره، فحلقه- قيل: هو كما لو حلف لا يبيع فأمر غيره باللابيع، وهو ممن لا يتولاه بنفسه؛ فلا يحنث على الأصح، وقيل: يحنث قولاً واحداً؛ لأن العرف في الحلق في حق كل أحد: أن يفعله غيره بأمره.
ولو حلف لا يبيع من فلان، فباع من وكيله، أو: وكل وكيلاً حتى باع من فلان- لم يحنث، ولو حلف لا يبيع مال زيد، فباع ماله بإذنه- حنث، وإن باع بغير إذنه- لم يحنث؛ لأن العقد لم يصح، ولو وكل به وكيلاً ببيع ماله، وأذن له في التوكيل، فوكل الوكيل الحالف، فباعه، ولم يعلم- هل يحنث؟ فعلى قولي حنث الناسي، ولو حلف لا يبيع لزيد
مالاً، فوكل الحالف رجلاً يبيع ماله، وأذن له في التوكيل، فدفع الوكيل المال إلى زيد، حتى باعه حنث الحالف، سواء علم زيد أنه متاع الحالف أو لم يعلم؛ لأنه باعه مختاراً، ولو حلف لا يستخدم فلاناً، فخدمه فلان، وهو ساكت، لم يدفعه- لم يحنث؛ لأنه حلف على فعله، [وهو طلب الخدمة] ولم يوجد منه ذلك.
ولو حلف لا يبيع من فلان شيئاً، أو: لا يهب منه، فباع أو وهب هبة فاسدة- لا يحنث، ولو حلف ألا يهب لفلان شيئاً، فوهب، ولم يقبل فلان- لم يحنث؛ لأن الهبة لم تتم، وإن قبل فلان وأقبضه- حنث، وإن لم يقبض- فالمذهب؛ أنه لا يحنث؛ لأن المقصود من الهبة لم يحصل، وقيل: يحنث؛ لوجود الهبة، وإن لم يحصل الملك؛ وبه قال أبو حنيفة؛ ولو حلف ألا يهب- يحنث بكل ما يملك في الحياة من غير عوض؛ كالنحلة والعمرى والرقبى وصدقة التطوع ولا يحنث بصدقة الفطر؛ لأنه يؤدي واجباً عليه؛ كما لو أدى ديناً عليه، وعند أبي حنيفة: لا يحنث بصدقة التطوع إن تصدق، على فقير، فإن تصدق على غني- حنث.
ولو أعار شيئاً من إنسان، أو أسكنه داره- لم يحنث؛ لأنه ليس بهبة، وكذلك: لو أوصى بشيء- لم يحنث؛ لأن الوصية تمليك بعد الموت، والميت لا يحنث، ولو وقف شيئاً لا يحنث، وقيل: إن قلنا: يزول الملك إلى الموقوف عليه- يحنث، وليس بصحيح، ولو باع شيئاً بالمحاباة- لا يحنث، ولو حلف لا يتصدق، فتصدق فرضاً أو تطوعاً، سواء تصدق على فقير أو غني- حنث، ولو وهب شيئاً- فوجهان:
أحدهما: يحنث؛ كما لو حلف ألا يهب، فتصدق، حنث.
والثاني- وهو الأصح-: لا يحنث؛ لأن اسم الصدقة أخص، فلا يقع على الهبة، واسم الهبة أعم، فيقع على الصدقة؛ كما لو حلف لا يأكل طعاماً، فأكل الخبز- حنث، ولو حلف لا يأكل الخبز، فأكل طعاماً آخر- لم يحنث، ولو أعتق عبداً- حنث، ولو وقف شيئاً إن قلنا: الملك للواقف- لا يحنث، وإن قلنا: زال إلى الله تعالى- حنث، وإن قلنا: للموقوف عليه- فوجهان؛ كالهبة.
فصل فيما لو حلف ألا يرى منكراً
إذا حلف لا يرى منكراً إلا رفعه إلى القاضي أو قال: لا أرى فلاناً يسرق إلا رفعته/
إلى القاضي: فإن لم يره حتى مات- لا شيء عليه، وإن رآه، ولم يرفعه إلى القاضي حتى مات- نظر: إن مات بعد التمكن- حنث، وإن مات قبل التمكن- فعلى قولين، وهذا اللفظ يتناول قاضي البلد، حتى لو عزل قاضي البلد، وولي غيره، فرفعه إلى الثاني- بر، وإن رفعه إلى المعزول، أو إلى قاضي بلد آخر- لم يبر، ولو قال: إلا رفعته إلى قاض، فأي قاض من قضاة المسلمين رفعه إليه في ولايته- بر، سواء كان يتسمن قاضياً أو حاكماً، وإن رفعه إلى قاض في غير ولايته، أو إلى المعزول- لم يبر؛ لأنه لا يقدر على إقامة موجبة عليه.
ولو قال: إلا رفعته إلى القاضي فلان بن فلان، فإن مات ذلك القاضي قيل إن رآه- خرج عن اليمين؛ كما لو مات الحالف، وإن مات بعد أن رآه، ولم يرفع إليه مع التمكن- حنث، وإن لم يتمكن لحبس أو مرض- فيه قولان، وإن اشتغل في الحال بإتيان القاضي، فمات القاضي قبل أن يصل إليه- فيه طريقان:
أحدهما: على قولين.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الاشتغال بأسباب الرفع - كالرفع.
ولو رآه ثم عزل القاضي- نظر: إن أراد بقوله: "إلا رفعته إليه": ما دام قاضياً- فهو كما لو مات، فإن تمكن من الرفع إليه، فلم يرفع- حنث، وإلا فقولان، وإن أراد [به] أنه يخبره وإن لم يكن قاضياً عليه أن يخبره بعد العزل، فإن لم يفعل- حنث، وإن أطلق يحمل على الرفع إليه في حال القضاء أم على الإخبار في أي وقت كان؟ [فيه وجهان]، ولو رأى ذلك بعد عزل القاضي: فإن أراد الرفع في حال القضاء فلا شيء عليه، وإن أراد الإخبار يخبره بعد العزل: فإن لم يفعل- حنث.
ولا يشترط في الرفع إلى القاضي أن يذهب معه إليه، بل إذا ذهب وحده، وأخبر القاضي، أو كتب إليه، أو أرسل رسولاً، حتى أخبره- بر في يمينه، وإن كان القاضي قد رآه بنفسه في ذلك الأمر- فعلى الحالف إخباره حتى يبر، ولو حلف لا يرفع منكراً إلى القاضي- لا يحنث إلا بالرفع إلى قاضي البلد؛ لأن التعريف بالألف واللام ينصرف إليه؛ وإن كان بالبلد قاض عند اليمين، فعزل وولي غيره، فرفع إلى الثاني- حنث، وإن قال: "إلى فلان
القاضي- لا يحنث بالرفع إليه، وهل/ يشترط أن يكون قاضياً يوم الرفع إليه؟ فيه وجاهن؛ كما ذكرنا في البر.
فصل فيما لو حلف لا يضربن عبده
إذا حلف ليضربن عبده، فضربه ضرباً يتناولها لاسم بر في يمينه، وإن لم يؤلمه، وعند مالك- رحمه الله-: الإيلام شرط، قلنا: اسم الضرب يتناول الكل؛ بدليل أنه لا يجوز نفي اسم الضرب عن غير المؤلم، أما إذا وضع السوط عليه، [ورفعه- فلا يبر]، لأنه لا يسمى ضرباً، ولو قال: ضرباً شديداً- فلا يبر إلا بضرب مؤلم يسمى شديداً، ولو حلف ليضربنه، فعضه، أو قرصه أو خنقه، أو نتف شعره- لم يبر؛ لأنه ليس بضرب، ولو لكزه أو لطمه أو رفسه- فيه وجهان:
أصحهما: يبر؛ لأن كلها ضرب.
والثاني: لا يبر؛ لأن الضرب المتعارف ما كان بآلة.
ولو حلف ليضربن عبده- مائة سوط، أو مائة خشبة، فربه بإثكال عليه مائة شمراخ، أو شد مائة سوط، فضربه بها ضربة واحدة، فإن تيقن أن الكل أصابته- بر في يمينه؛ لأن الله تعالى قال لأيوب- عليه السلام-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44]، وإن تيقن أن الكل لم يصبه أو لم يصل إليه ألم الكل- لم يبر، [ولو تراكم البعض على البعض- يحنث، ووصل إليه ألم الكل- بر]؛ كما لو ضربه فوق ثوب وإن شك هل أصابه الكل أو هل وصل إليه ألم الكل؟ نص على أنه لا يحنث في الحكم، والورع: أن يحنث نفسه، ونص فيما لو قال: ليفعلن كذا في وقت، إلا أن يشاء فلان، فلم يفعل، ومات فلان، ولم تعرف مشيئته-: أنه يحنث، واختيار المزني أنه [لم] يحنث في الموضعين، فمن أصحابنا من جعل فيهما قولين، ومنهم من فرق بينهما، فقال- ههنا-: لا يحنث؛ لأنه حلف على الضرب، وقد وجد الضرب المبر، والشك في المحنث، والأصل أنه لم يحنث، وهناك: حلف على الفعل ولم يفعل، فتيقنا وجود المحنث ومشيئة فلان المنع من الحنث، وشككنا [فيه] في وجوده، والأصل عدمه.
ولو حلف ليضربنه مائة مرة فضربه [بالمائة المشدودة ضربة واحدة- لم يبر؛ لأنه لم يضربه إلا مرة واحدة، ولو حلف ليضربنه مائة، فضربه] بها [مائة] ضربة- ففيه وجهان:
أحدهما: لا يبر؛ لأنه يقتضي تعدد الضربات/، وهو لم يضرب إلا ضربة واحدة.
والثاني: يبر؛ لأنه حصل بكل واحدة ضربة؛ كما لو قال: مائة سوط.
فصل فيما لو حلف وقال ليس لي مال
إذا حلف، وقال: ليس لي مال- حنث إذا كان له مال من أي نوع كان وإن قل، حتى ثياب بدنه، وعند أبي حنيفة: لا يحنث إلا بالمال الزكوي من النعم أو أحد النقدين، وإن كان له دين حال على ملي- يحنث؛ لأنه متى شاء، أخذه؛ كما لو كان ماله وديعة عند إنسان، وإن كان الدين مؤجلاً - ففيه وجهان:
أصحهما: يحنث؛ لأنه مال يملك التصرف فيه بالإبراء والحوالة.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يملك قبضه متى شاء، وإن كان على جاحد أو كان ضالاً- فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأنه على ملكه.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يصل إلى المجحود، فهو كالمعدوم في حقه، ولا يتحقق بقاء الضال، وإن كان قد اشتغل عقاراً- هل يحنث؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يحنث، وهذا بناء على أنه هل تجب فيه زكاة التجارة، وإن كان له مدبر أو معلق عتقه بصفة أو مال أوصى به لإنسان- يحنث؛ لأنه باق على ملكه، وإن كان له مكاتب أو حلف لا يملك عبداً، وله مكاتب- هل يحنث؟ فيه وجهان:
الأصح: لا يحنث، وهذا بناء على أنه لو قال: مماليكي أحرار- هل يدخل فيهم المكاتب؟ فيه قولان:
الأصح: لا يدخل، وإن كانت له أم ولد- هل يحنث؟ فيه وجهان؛ بناء على أنه هل يجب القطع بسرقتها؟ فيه وجهان.
فصل في نذر اللجاج
روي عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كفارة النذر كفارة اليمين".
النذر قسمان:
نذر على وجه التبرر، وهو: أن يلتزم القربة في ذمته بمقابلة حدوث نعمة [أو] انكشاف بلية؛ مثل: أن يقول: إن حدث لي ولد- فلله علي حج أو: إن رد [الله علي] غائبي- فلله علي [صوم شهر، أو: إن شفا الله مريضي فلله علي] عتق رقبة، فإذا وجد ما كان ينتظر- لزمه ما التزم.
ونذر على وجه اللجاج، وهو: أن يمنع نفسه عن شيء مباح على وجه اللجاج والغضب بالتزام قربة؛ مثل: أن يقول: إن دخلت الدار- فلله علي حج، وإن كلمت فلاناً/ فلله علي عتق رقبة، وإن أكلت الخبز- فلله علي صوم شهر، فإذا فعل ذلك، ماذا يلزمه فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: عليه كفارة اليمين؛ لظاهر الخبر، وهو قول عائشة- رضي الله عنها- وعدة من الصحابة- رضوان الله عليهم- لأن قصده منع نفسه عن ذلك الفعل، كما لو حلف ألا يفعل كذا، فإذا فعل- يلزمه كفارة اليمين.
والقول الثاني- وبه قال أبو حنيفة- يلزمه الوفاء بما التزم كما في نذر التبرر.
والثالث: يتخير بين كفارة اليمين والوفاء بالمنذور؛ لأن ابتداء كلامه يشبه الأيمان، وهو قوله: "إن دخلت الدار"؛ لأنه يقصد منع نفسه عن الدخول وانتهاءه، وقوله: "لله علي كذا"- يشبه النذور ومن أصحابنا من قال: المسألة على قولين:
أشهرهما: أنه يتخير بين الوفاء بما سمى وبين كفارة اليمين.
وأصحهما: أنه يلزمه كفارة اليمين.
أما إذا قال: إن دخلت الدار، أو: إن كلمت فلاناً- فعبدي حر-: فليس هذا بنذر؛ لأنه لم يلتزم شيئاً في الذمة، بل هو تعليق عتق، فإذا دخل أو كلم- عتق العبد، ولو نذر على وجه اللجاج عتق رقبة بعينه؛ فإن قلنا: عليه كفارة اليمين: فإن شاء أعتق ذلك العبد إن كان مسلماً [سليماً]، أو عبداً غيره، وإن شاء أطعم أو كسا، وإن كان ذلك كافراً أو معيباً- عليه إعتاق رقبة أخرى إن اختار العتق، وإن قلنا: عليه الوفاء بما سمى- فعليه إعتاقه على أي صفة كان، وإن قال: "إن دخلت الدار- فلله علي كفارة يمين": فإن دخل- عليه كفارة اليمين على الأحوال كلها، وكذلك: لو قال: "إن فعلت كذا، فعلي نذر" يلزمه كفارة اليمين.
ونذر اللجاج متصور في فعل الطاعة والمعصية والمباح جميعاً.
أما الطاعة: فتنقسم إلى النفي والإثبات، ففي إثباته: يتصور التبرر والغلق، فالتبرر: أن يقول: "إن صليت، فلله علي صوم يوم" يعني: إن وفقني الله على الصلاة فعلي صوم، فإذا صلى- يلزمه الوفاء بما التزم، وهو الصوم، والغلق: أن يقال له: صل، فقال: لا أفعله، وإن صليت- فلله علي عتق عبد، أو صوم، فإذا صلى ماذا يلزمه؟ فعلى الأقوال [الثلاثة].
وأما النفي: فلا يتصور فيه إلا الغلق؛ لأنه لا تبرر في/ ترك الطاعة؛ مثل: أن يقال له: لا تصل، فيقول: أصلي، وإن لم أصل، فلله علي عتق رقبة، [أو صوم شهر]، فإن صلى- فلا شيء عليه، وإن لم يصل- فعلى الأقوال الثلاثة.
وأما المعصية: فتنقسم- أيضاً- إلى النفي والإثبات:
ففي النفي: يتصور التبرر والغلق، فالتبرر: أن يقول: "إن لم أشرب الخمر- فلله علي صوم يوم" يعني: إن عصمني الله عن شربها، فإذا لم يشرب- يجب الوفاء بالمنذور، والغلق: أن يقال له: لا تشرب فيقول: أشرب، وإن لم أشرب، فلله علي عتق عبد، فإن شرب- لا عتق عليه، وإن لم يشرب- فعلى الأقوال الثلاثة.
وأما الإثبات: فلا يتصور فيه إلا الغلق؛ مثل: أن يقال له: اشرب، [فيقول: لا أشرب]، وإن شربت- فلله علي صوم، فإن شرب: ففيما تلزمه الأقوال الثلاثة.
وأما المباح فيتصور في إثباته ونفيه الوجهان جميعاً.
أما الإثبات: فالتبرر فيه [أن يقول]: "إن أكلت الخبز اليوم، فلله علي عتق عبد" يعني: إن قواني الله عليه، فإذا أكل- فعليه ما التزم، والغلق: أن يقال له: كل، فيقول: لا آكل، وإن أكلت، فلله علي عتق عبد، فإذا أكل: ففيما يلزمه الأقوال.
وأما النفي: فالتبرر فيه: أن يقول: "إن لم آكل الخبز اليوم، فلله علي عتق عبد" يعني: إن وفقني الله إلى كسر شهوتي بترك الأكل، فإن لم يأكل: فعليه ما التزم.
ووجه الغلق: أن يقال له: "لا تأكل، فيقول: إن لم آكل، فلله علي عتق عبد، فإذا لم يأكل: ففيما يلزمه الأقوال الثلاثة.
ولو علق ما التزم على مشيئة الغير، فقال: إن فعلت كذا، فلله علي نذر حج، إن شاء فلان، فإذا فعل ذلك لا شيء عليه، شاء فلان أو لم يشأ؛ لأن النذر يلزمه بالتزامه لا بمشيئة الغير، بخلاف ما لو قال: إن دخلت الدار، فلله علي نذر حج، فدخل- يلزمه في قول؛ لأن القائل هو الناذر غير أنه أخره إلى الدخول، وثم الشائي غير الناذر، ولو التزم في مقابلة نعمة ما لا يكون قربة؛ مثل: إن قال: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن آكل الخبز، أو: إن رد غائبي، فلله علي أن أدخل الدار؛ فالمذهب: أنه يمين، فإن لم يوجد شفاء/ المريض ولا رجوع الغائب- لا يلزمه شيء، وإن وجد - فعليه كفارة اليمين، وكذلك: لو قال: إن دخلت الدار، [فلله علي أن آكل الخبز، فإن لم يدخل الدار] لا شيء عليه، وإن دخل: فالمذهب: أن عليه كفارة اليمين، وهو كقوله: "والله، لا أدخل الدار"، وفيه وجه آخر: أنه لغو؛ لا يجب به شيء، ولو قال: "إن دخلت الدار، فلله علي ألا أكلم فلاناً"، فإن كلم قبل الدخول لا شيء عليه؛ لأن النذر لم ينعقد، وإن كلم بعده، فالمذهب: أن عليه كفارة اليمين، وكذلك: لو قال ابتداءً: "لله علي أن أدخل الدار اليوم"، فالمذهب: أنه يمين، فإن لم يدخل- عليه كفارة اليمين، وكذلك: لو قال لامرأته: "إن دخلت الدار، فلله علي أن أطلقك"، فهو كقوله: "إن دخلت الدار، فوالله لأطلقنك"، فإن مات أحدهما قبل التطليق- يجب عليه كفارة اليمين.
باب النذور
قال الله تعالى في وصف عبادة الأبرار: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] وروي عن عائشة عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه".
النذر هو: أن يوجب على نفسه قربة لم يوجبها الشرع عليه بمقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية، مثل: أن يقول: إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق رقبة، أو أصوم شهراً،
أو: إن رد غائبي، فلله علي أن أصلي ركعتين أو أحج بيت الله عز وجل، فإذا حصل ما علقه عليه- يلزمه ما التزم.
ولو لم يعلقه على شيء، بل قال: [لله] علي أن أصوم أو أصلي أو أحج أو أعتق عبداً" فالمذهب: أنه يلزمه؛ لقوله- عليه السلام-: "من نذر أن يطيع الله فليطعه"، ولأن ما يوجبه الإنسان على نفسه مقابل بما أوجبه الشرع، والشرع قد أوجب أشياء على الإنسان بلا سببب.
وفيه قول آخر: أنه لا يلزم إلا بمقابلة عوض؛ كما لا يلزم التبرعات من الهبة والوصية؛ لأنها ليست بمقابلة عوض، ولو قال: "إن شفى الله مريضي، فعلي حج أو علي عتق/ عبد"، ولم يقل: "لله علي" فالمذهب: أنه يلزمه؛ كما لو قال: "لله علي"، وفيه وجه آخر: أنه لا يلزمه ما لم يقل: "لله علي" وكذلك في نذر اللجاج [والغضب] إذا قال: "علي كذا" ولم يقل: "لله عليه" هل يلزمه موجبه؟ فعلى [هذين] القولين، والمذهب: أنه يلزمه، وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة، ولم يوجبها الشرع عليه، أما ما كان واجباً بالشرع: فلا يصح نذره؛ مثل: أن قال: "لله علي أن أصلي الظهر، أو: لله علي أن أصوم رمضان، أو: لله علي ألا أشرب الخمر أو: لا أرتكب محرماً"؛ فلا يكون هذا نذراً، سواء قاله بمقابلة نعمة أو مبتدئاً؛ [لأن أداء] صلاة الظهر وصوم رمضان وترك شرب الخمر والحرام- واجب عليه بحكم الشرع، ولكن هيكون يميناً على ظاهر المذهب، حتى لو لم يصل الظهر أو لم يصم رمضان أو شرب الخمر- تلزمه كفارة اليمين؛ كما لو قال: "والله، لا أشرب الخمر" فشرب، وكذلك: لا يصح [نذر] فعل المعصية؛ مثل: أن نذر القتل أو الزنا، أو نذرت المرأة أن تصلي وتصوم في أيام حيضها، أو نذر صوم يوم العيد، أو أن يصلي محدثاً، أو بلا قراءة، أو أن يقرأ القرآن جنباً؛ قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم"، ولو نذر ذبح ولده لا ينعقد، وعند أبي حنيفة: ينعقد [وعليه ذبح] شاة، وبالاتفاق: لو نذر ذبح والده أو قتل ولده- لا ينعقد، وعند أبي يوسف: إن نذر أن يصلي محدثاً أو بلا قراءة -ينعقد، ويصلي متطهراً بقراءة؛ كما لو نذر أن يصلي في أرض مغصوبة- تلزمه الصلاة، ويصلي في موضع آخر، قلنا: الغصب معصية في غير
الصلاة بخلاف الحدث؛ لأن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة، وإن كان عاصياً بالغصب، ولا يصح محدثاً، وبغير قراءة؛ بدليل أنه لو نذر مطلقاً: أن يصلي، فصلى في أرض مغصوبة- خرج عن نذره، ولو صلى محدثاً- لا يخرج عن نذره، وكذلك: الإتيان بالمباحات، أو الإعراض/ عنها-[لا يلزم بالنذر]، مثل: إن نذر أن يأكل أو يشرب، أو لا يأكل ولا يشرب- فلا يلزم بالنذر؛ لما روي عن ابن عباس قال: "بينما النبي- صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" غير أنه يمين على ظاهر المذهب، فإذا نذر ألا يفعل، ففعل، أو نذر أو يفعل، فلم يفعل- تلزمه كفارة اليمين.
فصل فيما لو نذر أن يتصدق بماله
إذا نذر أن يتصدق بماله- يلزمه أن يتصدق بجميع ماله، ولو قال: "إن شفى الله مريضي- فمالي صدقة، أو مالي في سبيل الله"- فالمذهب: أنه كقوله: "لله علي أن أنفق مالي في سبيل الله، أو: أتصدق بمالي"؛ فيلزمه أن يتصدق بجميع ماله، وكذلك: في نذر اللجاج، إذا قلنا: يلزمه الوفاء بما نذر، وعند أبي حنيفة- رحمه الله-: إذا قال: "مالي في سبيل الله" عليه أن يتصدق بما عنده من المال الزكوي، وعند مالك- رحمه الله-: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، ولو نذر هذياً- يجب عليه أن يحمله إلى مكة، فيتصدق على أهلها، ولو نذر أن يتصدق بماله على أهل بلد عينه- يجب أن يتصدق عليهم، أما إذا نذر أن يصوم في بلد- لا يتعين، وله أن يصوم حيث شاء، سواء كان في الحرم أو في غيره، وقال صاحب "التلخيص": إذا عين الحرم يختص به، والأول المذهب؛ كما أن الصوم الذي هو بدل هدايا الإحرام- لا يختص بالحرم؛ ولو نذر أن يصلي في بلد- لا يتعين؛ وله أن يصلي حيث يشاء إلا أن يعين لها المسجد الحرام، فيتعين، وفي مسجد المدينة- والأقصى: قولان،
ولو عين مسجداً آخر سوى هذه المساجد الثلاثة- لا يتعين، ولو نذر أن يجاهد في جهة عينها- هل يتعين؟ فيه وجهان، قال الشيخ أبو زيد: لا يتعين؛ وله أن يجاهد في أي جهة شاء؛ لن الناذر لا حق له في الجهاد، إنما مقصوده الغزو، وقال صاحب "التلخيص": تتعين تلك الجهة؛ لأن الجهاد يختلف باختلاف الثغور؛ لبعد المسافة، وكثرة المؤونة، وقوة العدو.
فصل في نذر الحج
إذا نذر حجاً أو عمرة- لزمه أن يحج/ ويعتمر، إذا قال: "لله علي أن أمشي إلى بيت الله أو آتي بيت الله" نظر: إن لم يرد [بيت الله] الحرام- لا يلزمه شيء، وقال أبو حامد: مطلقه يحمل على البيت الحرام؛ لأنه الذي يفهم من إطلاقه، وإن نوى البيت الحرام، أو صرح فقال: "لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام، أو آتي بيت الله الحرام"- هل يلزمه إتيانه؟ قيل: هذا ينبني على أن دخول الحرم، هل يقتضي إحراماً؟ وفيه قولان؛ إن قلنا: يقتضي إحراماً- يلزمه أن يأتيه، فيحج أو يعتمر، وإن قلنا: لا يقتضي إحراماً- فهو كما لو نذر أن يأتي مسجد المدينة أو المسجد الأقصى، ومن أصحابنا من قال- وهو المذهب-: يلزمه إتيانه قولاً واحداً، ويحج أو يعتمر؛ لأنه لا قربة في إتيانه إلا بنسك، [ثم] إن نذر المشي- فهو كما لو نذر أن يحج ماشياً أو يعتمر ماشياً، وإن نذر الإتيان- فلا يلزمه المشي، وعلي أن يحج ويعتمر، وقيل: إن قلنا: دخول مكة لا يقتضي إحراماً- فعليه أن يحج أو يعتمر، إن شاء، أو يصلي ركعتين، أو يعتكف في المسجد الحرام، فإذا أوجبنا إتيانه، وكان قد نذر المشي إليه، لو نذر الحج أو العمرة ماشياً- فهل يجوز أن يأتيه راكباً أم عليه المشي؟ فيه قولان؛ بناءً على أن الحج راكباً أفضل أو ماشياً؟ وفيه قولان:
أحدهما: راكباً؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- حج راكباً.
والثاني: ماشياً أفضل؛ لأن التعب فيه أكثر؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة- رضي الله عنها-: "أجرك على قدر نصبك": فإن قلنا: الحج راكباً أفضل، فإذا ركب- لا شيء عليه، وإن قلنا: ماشياً أفضل- وهو الأصح- فيجب عليه المشي، ومن أي موضع يلزمه [المشي]؟ نظر: إن قال: "لله علي أن أحج ماشياً" فمن الميقات، وإن أحرم قبل
الميقات- فمن حيث أحرم؛ لأن الحج يكون من ذلك الموضع.
وإن قال: "لله علي أن أمشي إلى بيت الله الحرام"- ففيه وجهان:
أحدهما: من الميقات؛ لأن المقصود منه الحج أو العمرة؛ وإنما يصير محرماً من الميقات.
والثاني: من دويرة أهله؛ لأن قضية قوله: "أمشي إلى بيت [الله": أن يخرج] إليه ماشياً، فلو قال: لله علي أن أمشي حاجاً، قيل: هو كقوله: "لله علي أن أحج ماشياً"، وقيل: هو كقوله: "أمشي إلى بيت/ الله الحرام"، فإذا قلنا: يلزمه المشي: إما من الميقات، أو من دويرة أهله- فيجب أن يمشي في الحج، حتى تحل له النساء عقداً ووطئاً، وهو بعد التحللين، وإذا فاته الحج- يتحلل بعمل العمرة ماشياً، ثم يقضي في العام الثاني ماشياً، وفيه قول آخر؛ أنه لا يلزمه أن يحل عن الفائتة ماشياً، بل له أن يركب فيه؛ لأن فرض النذر لا يسقط به، وعليه القضاء ماشياً، وفي العمرة: يجب أن يمشي حتى يطوف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم له أن يركب إن قلنا: الحلق استباحة محظور، وإن قلنا: نسك- فلا يركب حتى يحلق، فإذا أوجبنا عليه المشي، فحج راكباً مع القدرة على المشي- ففيه أقوال:
أصحها: صح حجه عن نذره؛ وعليه دم، ولا قضاء عليه.
وفيه قول آخر: صح حجه، ولا دم عليه.
وفيه قول ثالث: يجب عليه القضاء، ثم في القضاء: له أن يركب بقدر ما مشى في الأداء، ويمشي بقدر ما يركب، أما إذا عجز عن المشي، فحج راكباً- صح حجه عن نذره، ولا قضاء عليه، وهل يلزمه الدم؟ فيه قولان:
أحدهما: لا دم عليه؛ لأنه ركب للعجز؛ كما لو نذر أن يصلي، فعجز، فصلى قاعداً- لا شيء عليه.
والثاني- وهو الأصح-: يلزمه دم؛ والدليل عليه: ما روي أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، فسئل النبي- صلى الله عليه وسلم- أنها لا تطيق ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فلتركب ولتهد بدنة" وفي رواية: "ولتهد هدياً"، وليس كالصلاة؛ لأنه لا مدخل للمال
فيها، وله مدخل في الحج؛ ولو نذر أن يركب إلى بيت الله الحرام، فمشى- يلزمه [دم]؛ لنه ترفه بترك مؤنة الركوب، قال الشيخ- رحمه الله-: عندي: لا دم عليه؛ لأن عدوله إلى الطريق الأشق لزيادة الثواب؛ فلا يجب عليه الدم.
ولو نذر أن يحج حافياً-[له لبس] النعل، ولا شيء عليه؛ لأنه إتعاب للبدن بما لا فائدة فيه.
ولو نذر أن يمشي إلى بيت الله: لا حاجاً، ولا معتمراً- ففيه وجهان:
أحدهما: لا ينعقد نذره؛ لأن المشي إليه بغير نسك- ليس بقربة كالمشي إلى غير البيت.
والثاني: ينعقد؛ وعليه أن يمشي فيحج أو يعتمر؛ لأنه لزمه النسك بنذر المشي، ثم دام إسقاطه بنفيه، فلم يسقط، ولو نذر أن يأتي موضعاً/ من الحرم/ كالصفا والمروة ومقام إبراهيم ومنى وغيرها من بقاع الحرم- فهو كما لو نذر أن يأتي بيت الله الحرام، سواء قال بلفظ المشي أو الإتيان أو الحضور أو قال: أذهب أو أنتقل أو أصير إليها، إلا أنه إذا قال بغير لفظ المشي- يجوز له الركوب، وعند أبي حنيفة: لا يلزمه إلا بلفظ المشي، ولو نذر أن يأتي عرفات، أو مر الظهران- لا يلزمه؛ لأنها ليست من الحرم؛ كما لو نذر إتيان بلد آخر، ولو نذر أن يأتي مسجد "المدينة"، أو المسجد الأقصى- هل يلزمه إتيانه؟ فيه قولان:
أحدهما: يلزم [كما يلزمه] إتيان المسجد الحرام؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- خصها بالإتيان بين المساجد، فقال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
والثاني: لا يلزم؛ لأنهما لا يقصدان بالنسك؛ كسائر المساجد، بخلاف المسجد الحرام، فإن قلنا: يلزمه الإتيان: فإن كان نذر المشي- فهل له أن يركب؟ ينبني على ما لو
نذر الحج: إن قلنا هناك: يلزمه المشي من دويرة أهله- فههنا: يلزمه [كذلك؛ وإن] قلنا: لا يلزمه المشي، أو يلزمه من الميقات، فههنا: لا يلزمه المشي، وله أن يركب، فإذا حضره: يلزمه أن يصلي ركعتين، أو يعتكف ساعة في المسجد، أو يزور قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- في إتيان المدينة، حتى يكون قربة، وقيل: لا يلزمه شيء، إذا حضره؛ لأنه لا يلتزم إلا الإتيان، ونفس إتيانه قربة، بخلاف مكة، حيث يلزمه الحج أو العمرة؛ لأنه واجب بأصل الشرع، فلزم بالنذر، فإذا نذر حجاً- يلزمه أن يحج بنفسه، فإن كان مغصوباً- يحج بماله، ولا يتعين له سنة، ويستحب أن يحج في أول سنة الإمكان، فإن مات قبل الإمكان- لا شيء عليه، وإن مات بعد الإ/كان- يحج من ماله، ولو قال: "لله علي أن أحج [من] عامي هذا"- نظر: إن كان على مسافة لو خرج في الوقت- لا يمكنه أن يحج في ذلك العام- لا ينعقد نذره، وإن أمكنه- يلزمه أن يحج في ذلك العام، فلو لم يحج في ذلك العام، مع الإمكان- كان ديناً في ذمته؛ كما في حجة الإسلام، فإن مات- قضى من ماله، ولو لم يمكنه الحج في ذلك العام/ نظر: إن مات قبل الإمكان- فلا شيء عليه، وإن حبس حتى مضى العام- نظر: إن حبسه عدو أو سلطان - فالمذهب: أنه لا قضاء عليه؛ كحجة الإسلام، إذا أحرم به فحبسه عدو في أول سنة الإمكان- لا يلزمه القضاء، وخرج ابن سريج قولاً [آخر]؛ أنه يلزمه القضاء إذا أمكنه قبل موته؛ كما لو منعه مرض؛ لأن باب النذور أوسع؛ بدليل أنه لو نذر حججاً كثيرة- تلزمه بالنذر، ولا تجب بالشرع إلا واحدة، وكذلك: لو نذر صلاة في يوم بعينه، فأغمي عليه- لزمه القضاء، ولا يلزمه قضاء صلوات ذلك اليوم، فإن منعه عدو أو سلطان وحده- ففي وجوب القضاء قولان؛ كالحصر الخاص في حجة الإسلام، ولو منعه عن الحج في ذلك العام مرض، أو أخطأ العدد، أو نسي، أو ضل الطريق، حتى مضى العام- يلزمه القضاء، فإن كان مغصوباً يوم النذر، أو صار مغصوباً، أو لم يجد المال إلا بعد مضي السنة- فلا قضاء عليه، ولو نذر عشر حجات، فمات بعد مضي خمس سنين، أمكنه فيها الحج- يقضي من ماله خمس حجات، فإن كان مغصوباً يوما لنذر، أو صار مغصوباً [بعده، فمات بعد] مضي سنة، وله مال- أمكنه أن يحج عن نفسه في سنة واحدة عشر حجات- يقضي الكل من ماله، وإن لم يكن له
من المال إلا قدر حجتين- يستقر عليه حجتان.
ولو نذر صلاة أو صوماً أو اعتكافاً أو صدقة في شهر بعينه، فمنعه مرض أو سلطان- عليه القضاء، بخلاف الحج إذا منعه سلطان- لا يجب القضاء؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، والصلاة والصوم والصدقة- قد تجب ابتداءً مع العجز والمرض، وكذلك تلزم بالنذر، أما الحج: فلا يجب بالشرع إلا بشرط الاستطاعة؛ كذلك بالنذر.
فصل في نذر الصوم
إذا نذر صوم أيام- مثلاً- صوم عشرة أيام- لا يلزمه الشروع فيها عقيب النذر، وله أن يصومها متتابعة ومتفرقة، غير أن المستحب أن يعجل صومها عقيب النذر، وأن يصومها متتابعة، فإن قيد بالتتابع [يجب التتابع] ولا يجب التعجيل، وإذا شرع في صومها، فأفطر يوماً- يلزمه استئناف العشر، وإذا نذر أن يصوم متفرقاً- يلزمه التفريق؛ لأن التفرييق مما يلزم بالشرع كالتتابع، وهو في صوم المتمتع؛ فيلزمه بالنذر حتى لو صام عشرة متتابعة- يحسب/ له صوم خمسة أيام، ولا يصح بين كل يومين صوم يوم، ولو نذر صوم سنة- لا تخلو: إما إن عين أو لم يعين؛ فإن نذر صوم سنة بعينها: بأن قال: "لله علي [أن] أصوم سنة كذا، أو: سنة من وقتي هذا، أو: أشرع فيه غداً"، أو لم يعين، وقال: " [أصوم] سنة من محرم إلى محرم يجب أن يصومها متتابعاً؛ لتعيين الوقت؛ كما يجب صوم رمضان متتابعاً، ويصوم رمضان عن فرض الشرع، ولا يجب قضاءه عن النذر؛ لأنه لم يدخل في النذر، ويجب أن يفطر العيدين وأيام التشريق، ولا يجب قضاؤها؛ لأنها لا تقبل الصوم؛ فلم يتناولها النذر، وإذا أفطرت المرأة بعذر الحيض أو النفاس، هل يجب عليها قضاء أيام الحيض والنفاس؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ كما لا يجب قضاء يوم العيد.
والثاني: يجب؛ لأن زمان الحيض محل للصوم في حق غيرها، بخلاف يوم العيد؛ فإنه غير قابل للصوم في [حق] أحد، فلم يدخل في النذر، كزمان الليل، وهذا أصح، وإن أفطر يوماً بغير عذر- يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وهل يجب استئناف السنة؟ نظر: إن لم يقيد بالتتابع- لا يجب؛ لأن التتابع وجب فيه لحق الوقت، فإذا أفطر يوماً- لا يجب إلا قضاء ما أفطر كصوم رمضان، وإن قيد بالتتابع بأن قال: أصوم سنة كذا متتابعاً - ففيه
وجهان، قال الشيخ أبو حامد- رحمه الله-: يلزمه الاستئناف؛ كما لو لم يعين سنة، وشرط التتابع فأفطر يوماً- يلزمه الاستئناف، ويبطل ما مضى، وقال الشيخ القفال: لا يلزمه الاستئناف، ولا يبطل ما مضى؛ لأن التتابع كان لازماً لحق الوقت؛ فلا يكون لقوله: "متتابعاً" تأثير، وإن فاته صوم تلك السنة- يلزمه القضاء، ولا يلزمه التتابع؛ لأن التتابع في الأداء- كان لحق الوقت؛ كقضاء رمضان.
ولو قال: "لله علي صوم هذه السنة"- فلا يلزمه إلا ما بقي من تلك السنة إلى المحرم، وإن لم يبق إلا يوم واحد، ثم إن كان قبل رمضان- لا يجب عليه قضاء رمضان عن النذر، ولا يوم العيد وأيام التشريق، وفي وجوب قضاء زمان الحيض والنفاس قولان؛ كما ذكرنا في جميع السنة، أما إذا نذر صوم/ سنة، ولم يعين- لا يخلو: إما إن قيد بالتتابع أو لم يقيد: فإن لم يقيد- يجب عليه أن يصوم سنة اثني عشر شهراً، ولا يلزمه التتابع، ثم إن صام متتابعاً- يجب عليه أن يصوم رمضان عن فرض الشرع، وعليه قضاؤه عن النذر، وكذلك: يفطر يوم العيد وأيام التشريق، ويقضي عن النذر، ولا يجب قضاء يوم الشك؛ لأن صومه عن يوم النذر جائز، وعلى المرأة قضاء أيام الحيض، وإذا قضى عن رمضان شهراً بالهلال- جاز، تاماً كان أو ناقصاً؛ لنه قضى شهراً بإزاء شهر، وكل شهر في السنة صامه من أوله تاماً- يكون بالهلال، وإن خرج ناقصاً، إما شوال وذو الحجة- يجب أن يكملهما ثلاثين يوماً، وإن كانا ناقصين- فيصوم نقصانهما بعد السنة، وكذلك: كل شهر أفطر منه شيئاً بعذر أو من غير عذر- يجب إكمال ذلك الشهر ثلاثين يوماً، ولا يبطل ما مضى؛ أما إذا قيد التتابع، فقال: "لله علي أن أصوم سنة متتابعاً"- يجب أن يصوم متتابعاً، ولا ينقطع التتابع بفطر يوم العيد وأيام التشريق؛ لن الحول لا يخلو عن هذه الأيام، وكذلك بصوم شهر رمضان عن فرض الإسلام، ولا ينقطع به التتابع، ويجب عليه قضاء هذه الأيام متصلاً بالسنة متتابعاً، وهذا بخلاف ما لو نذر صوم سنة معينة- حنث، قلنا: لا يجب قضاء هذه الأيام؛ لأن النذر إذا تناول وقتاً بعينه فما لم يصح فيه لا يبدل بغيره، وههنا: تعلق النذر بصوم في الزمن، فإذا لم يقبله بعض الزمان- أبدله بغيره؛ كما لو باع عيناً، فوجد بها عيباً لا يجوز إبدالها بغيرها، وإذا وجد بالمسلم فيه عيباً- أخذ بدله، وكل شهر صامه تاماً من أوله- يكون بالهلال، وإن كان ناقصاً كما ذكرنا، وإن أفطرت المرأة بعذر الحيض- لا يجب استئناف السنة، وهل يجب قضاء أيام الحيض؟ فعلى قولين، وإن أفطر يوما بغير عذر- يجب استئناف السنة، وإن أفطر بعذر مرض، فهل يجب الاستئناف؟ فعلى قولين، وإن
أفطر بعذر سفر- يرتب على المرض، إن قلنا هناك: يجب الاستئناف، وينقطع التتابع- فههنا أولى وإلا: فعلى وجهين؛ كما في صوم كفارة الظهار/؛ فإن قلنا: لا ينقطع التتابع ولا يجب الاستئناف- فهل يجب قضاء ما أفطر بالمرض؟ فيه وجهان بناء على القولين في الحائض، وكذلك: لو نذر أن يصوم ثلثمائة وستين يوماً، إن لم يقل: "متتابعة" فعليه أن يصوم هذا العدد بالأيام، ولا تتابع عليه، وعليه قضاء صوم رمضان، ويومي العيد وأيام التشريق، وإن قال: "متتابعة"- فيجب التتابع، ويجب قضاء هذه الأيام متصلاً بالسنة، وتكون الشهور بالعدد، قال الشيخ- رحمه الله-: ولو أن امرأة نذرت صوم يوم [بعينه]، فحاضت فيه، فهل يجب القضاء؟ فيه قولان؛ كما ذكرنا في السنة المعينة، وإن نذرت يوما غير معين، فشرعت في الصوم في يوم، وحاضت- يجب القضاء، ولو أن رجلاً نذر صوم [يوم] الاثنين أبداً أو سنة- يجب عليه أن يصومها، ولا يجب عليه قضاء أثانين شهر رمضان؛ لأن وجوبه سبق نذره- فلا يدخل في النذر، وإن وافق يوم العيد وأيام التشريق- هل يجب قضاؤها؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو اختيار المزني-: لا يجب؛ كأثانين رمضان.
والثاني: يجب قضاؤها؛ لأن هذه الأيام [قد] تخلو عن الأثانين؛ فكانت داخلة في النذر، بخلاف رمضان؛ فإنه لا يخلو عن الأثانين، فإن اتفق في رمضان خمسة أثانين، هل يجب قضاء الخامس؟ فيه وجهان؛ بناءً على هذين القولين؛ لأن رمضان لا يخلو عن أربع أثانين، ويخلو عن الخامس، ولو لزمه صوم شهرين متتابعين عن كفارة- يجب عليه أن يصوم عن الكفارة، سواء سبق وجوبه نذر صوم يوم الاثنين أو تأخر عنه، وإنما قدمنا صوم الشهرين؛ لأنه إذا بدأ به يمكنه [بعد الفراغ منه أن يقضي صوم الأثانين، وإذا بدأ بصوم الأثانين- لا يمكنه] قضاء الشهرين، ثم إن سبق نذر صوم الاثنين، ثم لزمته الكفارة- يجب عليه قضاء أثاني الشهرين، فإن كان وجوب صوم الكفارة سابقاً على وجوب نذر صوم الاثنين- هل يجب قضاء أثاني الشهرين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب؛ لأن وجوبه سبق النذر؛ كما لا يجب قضاء أثاني رمضان.
والثاني: يجب؛ لأن الوقت لم يكن متعيناً لصوم الكفارة، وكان صومه عن النذر
ممكناً، فإذا صام عن غيره- لزمه القضاء، بخلاف شهر رمضان؛ فإن الوقت كان متعيناً/ [له] وهذا أصح.
ولو لزمه صوم شهرين متتابعين بنذر، أو صوم أسبوع متتابعاً بنذر- قيل: هو كصوم الكفارة، [وإن نذر [الأسبوع أو الشهرين] بعد نذر الأثانين- لزمه قضاء [أثاني] الشهرين والأسبوع]، وإن نذر الشهرين بعد نذر الأثانين- فوجهان]: قال الشيخ- رحمه الله-: هذا إذا نذر [صوم] شهرين متتابعين، لا على التعيين: فإن نذر على التعيين قبل نذر الأثانين- ينبغي ألا يدخل أثاني الشهرين في نذر الأثانين؛ كأثاني رمضان، ولا يجب قضاؤها؛ قال الشيخ- رحمه الله-: ويحتمل أن يقال: إذا صادف نذران زماناً واحداً على التعيين: أن الثاني لا ينعقد، كما يأتي نظيره، وإن وافق بعض الأثانين زمان حيض المرأة أو نفاسها- نص: أنها تقضيها، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ كما لو وافق يوم العيد وأيام التشريق، ومن أصحابنا من قال: يقضي ما وافق زمان الحيض والنفاس قولاً واحداً؛ لأن النذور يسلك بها مسلك واجب الشرع، ولو أنها حاضت أو نفست في شهر رمضان- يجب عليها القضاء؛ كذا ههنا، ألا ترى أنها إذا أفطرت بعذر مرض أو سفر- يجب القضاء؛ كما يجب قضاء رمضان بخلاف العيد وأيام التشريق؛ لأن تلك الأيام لا تقبل الصوم في حق أحد؛ فكان كزمان الليل، وزمان الحيض قابلاً للصوم في حق غيرها، والفطر في حقها- كان لعارض؛ فيجب القضاء، كما لو أفطرت لسفر أو مرض.
ولو نذر أن يصوم يوماً بعينه- فلا يجوز أن يصوم قبله.
ولو نذر أن يصوم يوماً معيناً من أسبوع، ونسي اليوم الذي عينه- يصوم آخر يوم من الأسبوع، وهو يوم الجمعة، فإن كان نذر صومه - كان أداء، وإن عين يوماً آخر- كان قضاء، فلو صام قبله- لم يحسب؛ لاحتمال أنه عين يوماً بعده، ولا يجوز تقديم القضاء، وكذلك: لو نذر أن يصلي صلاة في وقت، فصلى قبله، أو أن يحج سنة بعينها، فحج قبلها- لم يحسب عن النذر.
فصل فيما لو نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان
إذا نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان- نظر: إن قدم ليلاً- فلا صوم عليه، ويستحب أن يصوم صبيحة تلك الليلة؛ لأنه التزم ما التزم شكراً لله عز وجل، فإذا حصلت النعمة- يستحب أن يشكر الله عز وجل، وإن قدم نهاراً- فهل ينعقد نذره؟ فيه قولان:
أحدهما: لا ينعقد نذره؛ لأن صوم الفرض لا يصح إلا بنية من الليل، وهو لا يعلم متى يكون قدوم فلان، حتى ينوي من الليل، ولأن الصوم إنما يلزمه حين يقدم فلان، وإذا قدم بعد مضي بعض النهار- يصير كأنه قال عند قدومه: "لله علي أن أصوم [اليوم] وإذا قال ذلك- لا يلزم.
والثاني: ينعقد نذره، وعليه صوم يوم آخر، فعلى هذا: من أي وقت يلزمه الصوم؟ فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال ابن الحداد-: يلزمه من أول النهار؛ كأنه قال: "لله عليه أن أصوم اليوم الذي يتصور فيه قدوم فلان"، فإذا قدم يتبين أن الصوم لزمه من أول النهار، غير أنه لم يكن له سبيل إلى معرفة قدومه، حتى يبيت النية فصار كمن لم يعرف دخول رمضان، فأفطر- عليه القضاء.
والثاني: يلزمه من حين ما قدم؛ لأن الصوم معلق بقدومه فلا يسبقه إلا أن صوم بعض النهار لا يتصور؛ فيلزمه صوم يوم تام، وليس هذا كنذر صوم بعض اليوم، حيث لا ينعقد على ظاهر المذهب لأنه نذر ههنا- صوم يوم، إلا أن شرط الوجوب وجد في البعض دون البعض، فهو كمن شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه - لزمه على ظاهر المذهب؛ فيكون واجباً من حين نذره، وأوله تطوع، وكما في جزاء الصيد: يصوم عن كل مد يوماً، فلو فضل نصف مد لزمه صوم يوم تام، والواجب: نصف يوم، وإن قلنا: لا ينعقد نذره- لا شيء عليه، سواء قدم فلان، وهو مفطر أو صائم، وإن كان صائماً- أتم الصوم الذي هو فيه، إن كان فرضاً، وإن كان تطوعاً: إن شاء أتم، وإن شاء أفطر، وإن قلنا: ينعقد نذره- نظر: إن قدم فلان، وهو مفطر قد أكل، أو صائم عن فرض: من قضاء أو نذر- يتم ما هو فيه، [ويجب] عليه صوم يوم آخر عن هذا النذر، ويستحب: إن كان صائماً عن فرض آخر- أن يعيد ذلك الصوم الذي هو عليه لوقوع الاشتراك من حيث إن صومه كان لازماً
عن هذا النذر، [فصامه] عن غيره، وفيه دليل على أنه إذا نذر صوم يوم عينه، ثم صامه عن نذر آخر، أو قضاء: أنه ينعقد، ويقضي نذر هذا اليوم، وفيه وجه آخر: أنه لا ينعقد؛ كما إذا صام رمضان عن فرض آخر، وكما لو قال: "إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق هذا العبد" فأراد إعتاقه عن نذر آخر، أو عن كفارة- لا يجوز، أما إذا قدم فلان، وهو فيه صائم عن تطوع أو غير صائم، ولكنه لم يأكل شيئاً، وكان قبل الزوال: هذا يبنى على أنه من أي وقت يلزمه الصوم؟ إن قلنا: بظاهر المذهب، أنه يلزمه الصوم من أول النهار- فههنا: يجب عليه صوم يوم آخر، فإن قلنا: يلزمه من وقت القدوم- فههنا: وجهان:
أصحهما: يجب عليه صوم يوم آخر.
والثاني: يجب عليه إتمام ما هو فيه، فأوله يكون تطوعاً وآخره يكون فرضاً؛ كمن شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه عليه إتمامه، وإن لم يكن صائماً فيه- ينوي ويصوم بقية النهار، فإن كان قبل الزوال، فإن قلنا: ينعقد نذره- وعليه صوم يوم آخر، فإنما لم يصح صوم يوم القدوم عن هذا [النذر]؛ لأنه لم يبيت النية من الليل، فلو واطأه فلان؛ أني أريد القدوم يوم كذا، أو غلب على ظنه قدومه يوماً، فنوى من الليل الصوم عن النذر، هل يصح أم لا؟ فيه وجهان: قال الشيخ القفال: لا يصح؛ لأنه لم يكن على حقيقة من قدومه، وقال غيره: يصح؛ لأن قدومه كان غالباً عنده.
وفرع ابن الحداد على هذا المعنى الذي ذكر: أنه إذا نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، أنه يتبين بقدومه: أن الصوم لزمه من أول النهار.
مسألة
وهي أنه لو قال لعبده: "أنت حر اليوم الذي يقدمفيه فلان" فباعه في أول النهار، ثم قدم فلان في خلال النهار- هل يصح بيعه؟ أو قال لامرأته: "أنت طالق اليوم الذي يقدم فيه فلان" فماتت في أول النهار، ثم قدم فلان- هل يرثها أم لا؟ إن قلنا: نذر الصوم لزم من أول النهار فلا يصح بيع العبد، وبان بقدومه: أنه عتق من قبل، وكذلك: لا يرث المرأة إذا ظهر أنها بانت من قبل.
وإن قلنا: يلزم [من] حين القدوم- فبيع العبد صحيح، ويرث من المرأة.
ولو نذر صوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبداً، فقدم يوم الاثنين، فحكم اليوم الذي قدم فيه: كما ذكرنا، أما سائر الأثانين- يلزمه صومها؛ كما لو نذر صوم يوم الاثنين، ولو نذر صوم الليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم يوم العيد- قال الشيخ- رحمه الله-: لا شيء عليه؛ لأنه لا يقبل الصوم؛ كما لو قدم ليلاً؛ كذلك: لو قدم في رمضان- لا يلزمه بالنذر شيء، ولو نذر صوم نصف يوم، أو نذر صوم اليوم الذي هو فيه- هل ينعقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينعقد، وعليه صوم [يوم] كامل.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينعقد، ولا يلزمه شيء.
وفرع بعضنا على الوجه الأول: أنه إذا قال: "لله علي ركوع": أنه يلزمه ركعة تامة، والمذهب: أنه لا يلزمه شيء.
هذا إذا أصبح غير صائم، فنذر صومه.
أما إذا أصبح صائماً عن تطوع، ثم نذر إتمامه- المذهب: أنه يلزمه الإتمام، وإذا اجتمع على رجل نذران في يوم واحد؛ مثل: أن قال: "إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصوم أول خميس من هذا الشهر"، ثم قال: "لله علي أن أصوم [اليوم] الذي يقدم فيه فلان"، فشفي المريض، وأصبح يوم الخميس [صائماً، و] قدم فلان فيه- يصح صومه عما نواه، وأما النذر الثاني: [إن قلنا: لا ينعقد- لا يلزمه شيء، وإن قلنا: ينعقد- فيقضي يوماً عن النذر، [الثاني] ولو قال: "إن قدم زيد فلله علي أن أصوم [اليوم الثاني منه، وإن قدم عمرو فلله علي أن أصوم] أول خميس بعده"، فقدما جميعاً يوم الأربعاء- لزمه صيام يوم الخميس عن أول نذر نذره، ثم يقضي يوماً [عن الآخر]، [قال الشيخ- رحمه الله-: ويحتمل ألا يلزمه بالنذر، الثاني [شيء]؛ لأن الوقت مستحق صومه عن النذر الأول].
فصل فيما لو نذر صوماً مطلقاً
إذا نذر رجل صوماً مطلقاً- يجب عليه أن يصوم يوماً تاماً؛ لأنه لا صوم أقل من يوم، ولو قال: "لله علي أن أصوم أياماً" فأقل ما يلزمه ثلاثة أيام، ولو قال: "دهراً" يخرج عنه
لصوم يوم، ولو نذر أن يتصدق، فتصدق بقليل، وإن كانت حبة- يخرج عن نذره؛ لأن ذلك [القدر] يجب شرعاً عند اختلاط المال، وإن نذر صلاة: فإن بين عدداً- يلزمه ما التزم به، وإن لم يبين، ففيما يلزمه قولان:
أحدهما: يحمل مطلق النذر على أقل ما أوجبه الشرع من جنسه؛ فيجب/ عليه ركعتان؛ لأن [أقل] ما يلزم بالشرع من الصلاة ركعتان، وهو صلاة الصبح، ويجب أن يصليها قائماً، إلا أن يعجز فيصلي قاعداً.
والثاني: يحمل مطلق النذر على أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى من جنسه، فأقل ما يلزمه ركعة واحدة، ويجوز أن يصليها قاعداً مع القدرة على القيام.
ولو نذر اعتكافاً- يخرج منه بأقل ما يقع عليه الاسم، ولو ساعة، ويستحب أن يتم يوماً، ولو نذر إعتاق رقبة: فعلى القول الأول: يجب علي إعتاق رقبة [مؤمنة] تجزئ في الكفارة، وعلى الثاني: إذا أعتق رقبة كافرة زمنة- يخرج عن نذره، أما إذا قيد، فقال: "لله علي إعتاق رقبة مؤمنة سليمة" لا يخرج عنه بإعتاق الكافرة والمعيبة؛ كما لو نذر أن يتصدق بألف- لا يخرج عنه بأقل منها، ولو نذر إعتاق كافرة أو معيبة- لا يلزمه إلا ذلك، فلو أعتق مسلمة سليمة- فهو كما لو نذر أن يتصدق بحنطة رديئة، فتصدق بجيدة- كان أفضل، أما إذا عين فقال: "لله علي أن أعتق هذا العبد الكافر أو الزمن" لا يقوم غيره مقامه، وإن كان خيراً منه؛ لأنه إذا نذر إعتاق عبد بعينه- فلا يقوم غيره مقامه؛ كما لو نذر أن يتصدق بديرنا عينه- لا يقوم غيره مقامه، وإن كان خيراً منه.
وقيل: إذا نذر إعتاق كافرة أو معيبة، فأعتق مؤمنة سليمة- لا يخرج عن نذره، قال الشيخ- رحمه الله-: والأول أصح؛ لأن ذكر الكفر والعيب- لا للتقرب، بل لنفي وجوب ما هو أفضل، فإذا عدل إلى الأفضل- جاز؛ كذكر الرداءة في الحنطة، ولو نذر أن يصلي قائماً- لا يخرج عنه بالصلاة قاعداً، ولو نذر أن يصلي قاعداً، فصلى قائماً- خرج عن نذره؛ لأنه أتى بالأفضل، وكذلك لو نذر أن يصلي ركعتين فصلى أربعاً [بتسليمه واحدة- جاز؛ قال الشيخ- رحمه الله-: ولو نذر أن يصلي أربعاً يصلي بتشهدين، فلو صلى] بتشهد واحد- خرج عن نذره.
ولو نذر طول القراءة في الصلاة، وأن يقرأ سورة كذا في صلاة الصبح، وأن يصلي الظهر في الجماعة- يجب؛ لأن جنسه واجب في الشرع، وهو القراءة في الصلاة، والجماعة
في الجمعة، ولون ذر صلاة في وقت عينه غير الأوقات المنهية عن الصلاة فيها- يتعين؛ حتى لا يجوز قبلها/، ولا يجوز التأخير عنه، فلو لم يصل فيه- يجب أن يقضيه كفرائض الأوقات، ولو نذر أن يصلي في الضحوة- صلى في ضحوة أي يوم شاء، فلو صلى في غير الضحوة- لا يخرج عن نذره، فإن عين ضحوة، ففات- قضى في أي وقت كان ضحوة أو غيرها، وذهب بعضنا: إلى أن كل فعل لا يجب من جنسه شرعاً؛ مثل: عيادة المريض واتباع الجنازة والتسليم على الغير- لا يجب بالنذر، وقالوا: لو نذر الصوم في السفر أو إتمام الصلاة- لا يلزم؛ لأنه يتضمن رد الرخصة، وقالوا: لو نذر في الحج أن يحرم من بلد كذا- يلزم، والزمان لا يلزم؛ مثل: إن نذر أن يحرم في شوال- فله أن يحرم بعده؛ قال الشيخ- رحمه الله-: والصحيح- عندي- وهو اختيار شيخي- رحمه الله- أن كل ما فيه قربة- يلزم بالنذر من عيادة المريض وتشييع الجنازة والتسليم على الغير، والصوم في السفر وإتمام الصلاة؛ إن جعلنا الإتمام أفضل، والإحرام في شوال وغيرها من أنواع القرب، ولا يختص بما يجب جنسه في الشرع؛ فإن الاعتكاف يلزم بالنذر بالإجماع، وجنسه غير واجب في الشرع، والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين