المجموع شرح المهذبصفحات 92-131
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوكالة

صفحات 92-131
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(الشرح) الوكالة مشتقة من وكل يكل الامر إليه.
إذا أنابه عنه واعتمد عليه لعجز أو طلب للراحة، وفى الحديث: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا.
وأيضا " من تعلق تميمة وكل أمره إليها " كأن الله قد تخلى عنه وجرده من عنايته به فصار أمره إلى نفسه أو إلى التميمة التى يتعلقها.
والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والاجماع.
فأما الكتاب فقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) الآية 60 من سورة التوبة.
فجواز العمل عليها يفيد حكم النيابة عن المستحقين في تحصيل حقوقهم.
ويقول القاضى أبو بكر بن العربي: قوله تعالى (والعاملين عليها) وهم الذين يقدمون لتحصيلها ويوكلون على جمعها، وقال القرطبى في جامع أحكام القرآن: قوله تعالى (والعاملين عليها) يعنى السعاة والجباة الذين يبعثهم الامام لتحصيل الزكاة بالتوكل على ذلك.
ومن أدلة الكتاب على جواز الوكالة قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف) قال ابن العربي في أحكام القرآن: هذا يدل على صحة عقد الوكالة، وهو عقد

نيابة أذن الله فيه للحاجة إليه وقيام المصلحة به، إذ يعجز كل أحد عن تناول أمور إلا بمعونة من غيره أو يترفه فيستنيب من بريحه حتى جاز ذلك في العبادات لطفا منه سبحانه ورفقا بضعفة الخليقة، ذكرها الله كما ترون، وبينها رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تسمعون.
وهو أقوى آية في الغرض وقد تعلق بعض علمائنا في صحة الوكالة من القرآن بقوله تعالى (والعاملين عليها) وبقوله (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا) وآية القميص ضعيفة في الاستدلال، وآية العاملين حسنه.
وقد روى جابر بن عبد الله قال: أردت الخروج إلى خيبر فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقلت له: إنى أريد الخروج إلى خيبر، فقال ائت وكيلى فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته.
رواه أبو داود وقد جازت في الطهارة، وهى عبادة تجوز النيابة فيها في صب الماء خاصة على أعضاء الوضوء، ولا تجوز على عركها إلا أن يكون المتوضئ مريضا لا يقدر عليه.
وتجوز في الزكاة في أخذها وإعطاءها، وتجوز النيابة في الصيام عند الشافعي وأحمد وجملة من السلف الاول.
وكذلك الاعتكاف مثله، كما تجوز النيابة في الحج على ما مضى في أحكام الحج.
وتجوز الوكالة في البيع - وهو المعاوضه وأنواعها - والرهن وسائر المعاملات من الحجر والحواله والضمان والشركة والاقرار والصلح، والعارية كلها أعمال تجوز النيابة فيها.
وكذلك من الكتاب قوله تعالى (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) بناء على أنه وكيل.
وأما السنة فقد روى أبو داود والاثرم وابن ماجه عن الزبير بن الخريت عن أبى لبيد عن عروة بن الجعد قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا، فقال يا عروة ائت الجلب فاشتر لنا شاة، قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما أو أقودهما: فلقينى رجل في الطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة، فقلت يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتكم.
قال وصنعت

كيف؟ قال فحدثته الحديث، قال اللهم بارك له في صفقة يمينه.
هذا لفظه رواية الاثرم.
وروى أبو داود بإسناده حديث جابر الذى مضى وحديث أبى: استسلف النبي صلى الله عليه وسلم بكرا فجاءت إبل الصدقة فأمرني أن أقضى الرجل بكره " وقد تقدم تخريجه في السلم، وحديث ابن أبى أوفى، وقد مر في كتاب القرض وكتاب الزكاة.
وحديث أبى هريرة " وكلنى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حفظ زكاة رمضان.
وأعطى عقبة بن عامر غنما يقسمها بين أصحابه " وقد مر في كتاب الزكاة.
وفى الوكالة أحاديث كثيرة ستأتي في فصول هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأما الاجماع فهو منعقد على مدى الدهر منذ نزل الوحى إلى اليوم وإلى يوم الدين قال المصنف رحمه الله تعالى:

تجوز الوكالة في عقد البيع لما روى عن عروة بن الجعد قَالَ: أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا أشترى له شاة أو أضحية، فاشتريت شاتين فبعت إحداهما بدينار، وأتيته بشاة ودينار، فدعا لى بالبركة.
فكان لو اشترى ترابا لربح فيه، ولان الحاجة تدعو إلى الوكالة في البيع، لانه قد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ إليه لكثرة أشغاله فجاز أن يوكل فيه غيره، وتجوز في سائر عقود المعاملات كالرهن والحوالة والضمان والكفالة والشركة والوكالة والوديعه والاعارة والمضاربة والجعاله والمساقاة والاجاره والقرض والهبة والوقف والصدقة، لان الحاجة إلى التوكيل فيها كالحاجة إلى التوكيل في البيع وفى تملك المباحات، كإحياء الموات واستقاء الماء والاصطياد والاحتشاش قولان.

(أحدهما) لا يصح التوكيل فيها، لانه تملك مباح فلم يصح التوكيل فيه، كالاغتنام (والثانى) يصح، لانه تملك مال بسبب لا يتعين عليه، فجاز أن يوكل فيه كالابتياع والاتهاب، ويخالف الاغتنام لانه يستحق بالجهاد.
وقد تعين عليه بالحضور، فتعين له ما استحق به.

(الشرح) حديث عروة بن أبى الجعد البارقى رواه البخاري وأحمد وأبو داود والاثرم والترمذي وابن ماجه والدارقطني، وفى إسناد من عدا البخاري سعيد ابن زيد أخو حماد، وهو مختلف فيه، عن أبى لبيد لمازة بن زبار، وقد قيل إنه مجهول، لكنه قال الحافظ ابن حجر انه وثقه ابن سعد.
وقال حرب سمعت أحمد يثنى عليه.
وقال في التقريب انه ناصبى جلد قال المنذرى والنووي اسناده صحيح لمجيئه من وجهين، وقد رواه البخاري من طريق ابن عيينة عن شبيب بن غرقد سمعت الحى يحدثون عن عروة.
ورواه الشافعي عن ابن عيينه، وقال ان صح قلت به.
ونقل المزني عنه أنه ليس بثابت عنده.
قال البيهقى انما ضعفه لان الحى غير معروفين.
وقال في موضع آخر هو مرسل لان شبيب بن غرقد لم يسمعه من عروة، وإنما سمعه من الحى.
وقال الرافعى هو مرسل.
قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعى من فتح العزيز " الصواب أنه متصل في إسناده مبهم " أما الاحكام فإن الاجماع منعقد على أن ما جاز فيه المباشرة من الحقوق جازت فيه الوكالة كالبيع والشراء والاجارة وقضاء الديون والخصومات في المطالبة بالحقوق والتزويج والطلاق ونحو ذلك، واتفق الائمة على أن اقرار الوكيل على موكله في غير مجلس الحكم لا يقبل بحال.
وكذلك اتفقوا على أن اقراره على موكله في الحدود والقصاص غير مقبول، سواء كان بمجلس الحكم أو غيره.
وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز للوكيل أن يشترى بأكثر من ثمن المثل ولا إلى أجل.
وعلى أن قول الوكيل مقبول في تلف المال بيمينه.
وأما ما اختلفوا فيه فأمور ستأتي منبثة في فروع هذا وحول حديث عروة في شراء الشاة يقول ابن تيميه رحمه الله تعالى انه يدل على الوكيل في شراء معلوم بمعلوم إذا اشترى به أكثر من المقدر جاز له بيع الفاضل.
وكذا ينبغى أن يكون الحكم.
وقال صاحب الكافي " ظاهر كلام أحمد صحة ذلك الحديث عن عروة " وفى الحديث دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشترى به شاتين بالصفة المذكورة، لان مقصود الموكل قد

حصل وزاد الوكيل خيرا، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها بدرهمين أو بأن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم، وهو الصحيح عندنا كما نقله النووي في زيادات الروضة.
وقد استدل بهذا الحديث على صحة بيع الفضولي، وهو الذى يبيع مالا يملك أو ما ليس مأذونا في بيعه، وهو قول مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في القديم، وقواه النووي في الروضة، وهو مروى عن جماعة من السلف منهم على وابن عباس وابن مسعود وابن عمر، واليه ذهب الزيدية وقال الشافعي في الجديد وأصحابه: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان لحديث " لا تبع ما ليس عندك " وأجابوا عن حديث عروة بما فيه من المقال.
وعلى تقدير الصحة فيمكن أن يكون وكيلا في البيع أيضا بقرينة فهمها من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو حنيفة: إنه يكون البيع الموقوف صحيحا دون الشراء.
والوجه أن الاخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه بخلاف الادخال، ويجاب بأن الادخال المبيع في الملك يستلزم الاخراج من الملك للثمن.
وروى عن مالك العكس من قول أبى حنيفة، فإن صح فهو قوى فإن فيه جمعا بين الاحاديث وأما الوكالة في تملك المباحات كإحياء الموات واستقاء الماء والاصطياد والاحتشاش فعلى قولين (أحدهما) لا يصح فيها لانه تملك مباح، فهل يكون بتملكه بوضع يده نائبا عن غيره من نفسه، كأنه قد حاز شيئا ثم وهبه فلم يصح التوكيل فيه كالغنيمة، لا يخرج المجاهد بالغنيمة وكيلا لغيره (والثانى) يصح، لانه امتلك مالا بسبب لا يتعين عليه فجاز أن يوكل فيه كسائر المعاملات من المعاوضات والهبات قال في روضة الطالب: يجوز التوكيل في تملك المباحات وإحياء الموات والالتقاط، ويخالف الاغتناء لانه لا يستحق إلا بالجهاد، والجهاد لا وكالة فيه، لانه يتعين عليه بالحضور للملحمة، فاستحق قسمه وسهمه فتعين له.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجوز التوكيل في عقد النكاح لِمَا رُوِيَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

وكل عمرو بن أمية الضمرى في نكاح أم حبيبة " ويجوز في الطلاق والخلع والعتاق لان الحاجة تدعو إلى التوكيل فيه كما تدعو إلى التوكيل في البيع والنكاح، ولا يجوز التوكيل في الايلاء والظهار واللعان، لانها أيمان فلا تحتمل التوكيل.
وفى الرجعة وجهان (أحدهما) لا يجوز التوكيل فيه كما لا يجوز في الايلاء والظهار (والثانى) أنه يجوز، وهو الصحيح، فإنه إصلاح للنكاح، فإذا جاز في النكاح جاز في الرجعة.
(الشرح) حديث زواج أم حبيبة رضى الله عنها أخرجه ابو داود وأحمد والنسائي عن عروة عن أم حبيبة ولفظ أبى داود " أنه زوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة، وأخرج أبو داود أيضا من حديث الزهري مرسلا " أن النجاشي زوج أم حبيبة بنت أبى سفيان مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صداق أربعة آلاف درهم وكتب بذلك إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وكانت أم حبيبه مهاجرة إلى أرض الحبشه مع زوجها عبد الله بن جحش فمات بتلك الارض فزوجها النجاشي للنبى صلى الله عليه وسلم وقد وكل النبي صلى الله عليه وسلم أبا رافع في نكاح ميمونة وقد مضى تخريجه في كتاب الحج في أحكام نكاح المحرم ووجه الصواب في ذلك.
أما الاحكام فإنه يصح من كل من صح تصرفه في شئ بنفسه وكان مما تدخله النيابة كالزواج.
وهل يصح توكيل العبد في قبول النكاح لانه ممن يجوز أن يقبله لنفسه.
ذكر أصحابنا في ذلك وجهين (أحدهما) يجوز توكيله لانه ليس بولي.
ووجه الوجه الآخر أنه موجب للنكاح فأشبه الولى.
وقد صحح الائمة التوكيل في عقد النكاح في الايجاب والقبول، لان النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أميه وأبا رافع في قبول النكاح له، ولان الحاجة تدعو إليه فإنه ربما احتاج إلى التزوج من مكان بعيد لا يمكنه السفر إليه.
وفى الرجعة وجهان (أحدهما) أنه يجرى مجرى الايلاء والظهار فلا يجوز التوكيل (والثانى) وهو الصحيح أنه إصلاح لما فسد من النكاح، فإذا صح التوكيل في عقد النكاح ابتداء فقد صح في استئنافه وإعادته فجاز.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

قال المصنف رحمه الله تعالى

(فصل) ويجوز التوكيل في اثبات الاموال والخصومة فيها لما روى أن عليا كرم الله وجهه وكل عقيلا (رض) عند أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وقال: ما قضى له فلى وما قضى عليه فعلى، ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان (رض) وقال على: إن للخصومات قحما.
قال أبو زياد الكلابي: القحم المهالك، ولان الحاجة تدعو إلى التوكيل في الخصومات لانه قد يكون له حق أو يدعى عليه حق ولا يحسن الخصومه فيه، أو يكره أن يتولاها بنفسه، فجاز أن يوكل فيه.
ويجوز ذلك من غير رضى الخصم، لانه توكيل في حقه فلا يعتبر فيه رضى من عليه كالتوكيل في قبض الديون، ويجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف لانه حق آدمى فجاز التوكيل في إثباته كالمال، ولا يجوز التوكيل في إثبات حدود الله تعالى لان الحق له، وقد أمرنا فيه بالدرء والتوصل إلى إسقاطه، وبالتوكيل يتوصل إلى إيجابه فلم يجز، ويجوز التوكيل في استيفاء الاموال، لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث العمال لقبض الصدقات وأخذ الجزى.
ويجوز في استيفاء حدود الله تعالى، لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث أنيسا لاقامة الحد وقال: يأ أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، ووكل عثمان (رض) عليا كرم الله وجهه ليقيم حد الشرب على الوليد بن عقبه.
وأما القصاص وحد القذف فإنه يجوز التوكيل في استيفائهما بحضرة الموكل لان الحاجه تدعو إلى التوكيل فيه لانه قد يكون له حد أو قصاص ولا يحسن أن يستوفيه فجاز أن يوكل فيه غيره، وهل يجوز أن يستوفيه في غيبة الموكل؟ قال في الوكالة: لا يستوفى، وقال في الجنايات: ولو وكل فتنحى به فعفا الموكل فقتله الوكيل بعد العفو، وقبل العلم بالعفو، ففى الضمان قولان.
وهذا يدل على أنه يجوز أن يقتص مع غيبة الموكل، فمن أصحابنا من قال: يجوز قولا واحدا، وهو قول أبى اسحاق، لانه حق يجوز أن يستوفيه بحضرة الموكل فجاز في غيبته كأخذ المال، وحمل قوله لا يستوفى على الاستحباب، ومنهم من قال لا يجوز قولا واحدا، لان القصاص والحد يحتاط في إسقاطهما، والعفو مندوب إليه فيهما، فإذا حضر رجونا أن يرحمه فيعفو عنه، وحمل قوله في الجنايات على أنه أراد إذا تنحى به ولم يغب عن عينه فعفا ولم يسمع الوكيل فقتل.

ومنهم من قال فيه قولان.
أحدهما يجوز، والثانى لا يجوز ووجههما ما ذكرناه (فصل) ويجوز التوكيل في فسخ العقود لانه إذا جاز التوكيل في عقدها ففى فسخها أولى، ويجوز أن يوكل في الابراء من الديون، لانه إذا جاز التوكيل في إثباتها واستيفائها جاز التوكيل في الابراء عنها، وفى التوكيل في الاقرار وجهان (أحدهما) يجوز، وهو ظاهر النص، لانه اثبات مال في الذمة بالقول فجاز التوكيل فيه كالبيع.

(والثانى) لا يجوز، وهو قول أبى العباس، لانه توكيل في الاخبار عن حق فلم يجز كالتوكيل في الشهادة بالحق، فإذا قلنا: لا يجوز فهل يكون توكيله اقرارا؟ فيه وجهان.

(أحدهما) أنه اقرار، لانه لم يوكل في الاقرار بالحق الا والحق واجب عليه (والثانى) أنه لا يكون اقرارا كما لا يكون التوكيل في الابراء ابراء.
(الشرح) حديث أنيس سيأتي في كتاب الحدود وقد أخرجه البخاري ومسلم وقصة توكيل على لاخيه عقيل وابن أخيه عبد الله بن جعفر.
قال الشافعي في الام: وأقبل الوكالة من الحاضر من الرجال والنساء في العذر وغير العذر، وقد كان على بن أبى طالب وكل عند عثمان عبد الله بن جعفر، وعلى حاضر، فقيل: ذلك عثمان وكان يوكل قبل عبد الله بن جعفر عقيل بن أبى طالب ولا أحسبه الا كان يوكله عند عمر، ولعل عند أبى بكر: وكان على يقول: ان للخصومة قحما وان الشيطان يحضرها اه.
وأما أحكام الفصل: أنه يجوز التوكيل في اثبات حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فإذا كان لرجل خصومة لرجل على شئ فوكل غيره عنه كما فعل على حين وكل عقيلا أخاه عند أبى بكر وعبد الله بن جعفر بن أخيه عند عثمان وقال " ان للخصومة قحما، وان الشيطان ليحضرها، وانى لاكره أن أحضرها " قال أبو زياد الكلابي: القحم المهالك، وهذه الروايات تحتاج إلى تحرير وتخريج الا أن ابن قدامة في المغنى يقول: وهذه قصص قد انتشرت، لانها في مظنة الشهرة فلم ينقل انكارها، ولان الحاجة تدعو إلى ذلك، فانه قد يكون له حق أو يدعى عليه ولا يحسن الخصومة، أو لا يحب أن يتولاها بنفسه.

قلت: ولاصحابنا وجهان (أحدهما) لا يجوز التوكيل فيه لانه اخبار بحق فلم يجز التوكيل فيه كالشهادة.

(والثانى) يجوز، وهو الصحيح، واليه ذهب المصنف رحمه الله تعالى، ولا يشترط في صحة التوكيل رضى الخصم، لانه توكيل في حقه فلا يعتبر فيه رضى من عليه الحق كالتوكيل في قبض الديون، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد رضى الله عنهم من أن وكالة الحاضر صحيحة، وان لم يرض الخصم بشرط أن لا يكون الوكيل عدوا للخصم.
وقال أبو حنيفة لا تصح وكالة الحاضر الا برضى الخصم الا أن يكون الموكل مريضا أو مسافرا على ثلاثة أيام فيجوز حينئذ وأما التوكيل في الجنايات فينقسم إلى قسمين: (أحدهما) التوكيل في اثبات الجناية فهذا غير جائز، لان الحق لله تعالى وقد أمرنا فيه بالدرء لقوله صلى الله عليه وسلم " ادرءوا الحدود بالشبهات " وأمرنا بالتوصل إلى اسقاطه وقد يتوصل بالتوكيل إلى ايجابه فلم يجز.
(القسم الثاني) وهو استيفاء حدود الله تعالى، كالقصاص وأرش الجناية وحد القذف وكل ما تعلق به حق للعباد، وكذلك في اقامة الحد بعد ثبوت الجنايه لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لانيس اذهب إلى امرأة فلان فان اعترفت فارجمها فعلق الجزاء على شرط الاعتراف، وكذلك يمكن التوكيل في حضرة الموكل، وهذه العبارة التى ساقها المصنف في قوله: فانه يجوز التوكيل في استيفائها بحضرة الموكل، لان الحاجة تدعو إلى التوكيل فيه، لانه قد يكون له حد أو قصاص الخ عبارته.
تدل هذه العبارة على صحة ما اتسم به عصرنا هذا من تخصيص فريق من الدارسين لاحكام الشرع وفقه الفروع يتوكلون عن أصحاب الخصومات في عمل الاجراءات التى يترافعون بها في ساحة المحاكم ومجالس القضاء ويسمونهم بالمحامين.
(فرع) قال الشافعي في الجنايات: ولو وكل فتنحى به فعفا الموكل فقتله الوكيل بعد العفو وقبل العلم بالعفو، فعلى من يكون الضمان؟ على القاتل الذى لم يعلم بعفو موكله؟ أم على الموكل الذى لم يحتط فوقع القتل؟

قال المصنف فيه قولان، وهذا يدل على أنه يجوز أن يقتص مع غيبة الموكل فمن أصحابنا من قال: يجوز قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لانه حق يجوز استيفاؤه بحضرة الموكل فجاز في غيبته، كقبض الدين، وحمل قوله: لا يستوفى الذى قاله الشافعي في الوكالة على الاستحباب ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولا واحدا، لان الحد والقصاص إذا عرفنا أننا مأمورون بالدرء والاحتياط والتماس الشبهات الصارفة عن الادانة وعرفنا مع ذلك أن العفو مندوب إليه بل رغب الله فيه وقال " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " ومن ثم كان رجاؤنا أن يرحم أخاه فيعفو عنه، ومن هنا حمل قول الشافعي في الجنايات على أنه أراد إذا تنحى به ولم يغب عن عينه فعفا عنه من حيث لم يسمع الوكيل صيغة العفو فقتله، ووجه القولين بالجواز وعدمه ما ذكرنا والله تعالى أعلم.
(فرع) توكيل مسلم كافرا في استيفاء قود من مسلم هل يصح؟ قولان.

(أحدهما) لا يصح (والثانى) يصح، وهو اختيار الرملي في شرحه للمنهاج للنووي قال: وهذه مردودة بأن الوكيل لا يستوفيه لنفسه، وبأن المصنف إنما جعل صحة مباشرته شرطا لصحة توكله، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط وإنما يلزم من عدمه عدمه والاول صحيح والثانى في غير محله إذ الشرط وهو صحة المباشرة غير موجود هنا رأسا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى (فصل) ولا يصح التوكيل إلا ممن يملك التصرف في الذى يوكل فيه بملك أو ولاية فأما من لا يملك التصرف في الذى يوكل فيه كالصبى والمجنون والمحجور عليه في المال والمرأة في النكاح والفاسق في تزويج ابنته، فلا يملك التوكيل فيه لانه لا يملكه، فلا يملك أن يملك دلك غيره، وأما من لا يملك التصرف إلا بالاذن كالوكيل والعبد المأذون، فإنه لا يملك التوكيل الا بالاذن لانه يملك التصرف بالاذن، فكان توكيله بالاذن، واختلف أصحابنا في غير الاب والجد من العصبات، هل يملك التوكيل في التزويج من غير إذن المرأة؟ فمنهم من قال:

يملك، لانه يملك التزويج بالولاية من جهة الشرع، فملك التوكيل من غير اذن كالاب والجد، ومنهم من قال: لا يملك لانه لا يملك التزويج إلا بإذن فلا يملك التوكيل إلا بإذن كالوكيل والعبد المأذون.
(الشرح) الاحكام: لا يصح التوكيل إلا إذا صدر للوكيل من الموكل الذى يملك التصرف عن نفسه في ملكه أو فيما يولى فيه أو عليه فإذا كان فاقد الاهلية لصغر سن أو جنون أو حجر لسفه أو غيره فإن أولئك لا يصح توكيلهم ما داموا لا يملكون التصرف، وفاقد الشئ لا يعطيه، ويلحق بهؤلاء المرأة لا تكون وكيلة عن غيرها من النساء ولو ابنتها في عقد النكاح، وكذلك الفاسق المعروف بفسقه في تزويج ابنته، لفقده حق الولاية عليها، ويلحق بالمجنون المغمى عليه والنائم، إذ تصرفه لنفسه أقوى منه لغيره فإذا لم يملك الاقوى لم يملك ما دونه بالاولى وانما أبيح توكيل الصبى فيما يكون مصدقا فيه كالخادم والعبد ما دام الصبى مميزا لم يجرب عليه كذب وذلك في الاذن في دخول دار وايصال هدية.
أما الصبى غير المأمون المجرب الكذب عليه فلا يعتمد قطعا وما حفته قرينة يعتمد قطعا، وحينئذ يكون العمل بالعلم لا بالخبر.
وأما المرأة فلا تتوكل في عقد النكاح كما قلنا ايجابا وقبولا.
واختلف في الجد وغير الاب من العصبات هل يملك التوكيل في التزويج من غير اذن المرأة؟ فان قلنا بحصول ولايته عليها من جهة الشرع فملك التوكيل من غير اذنها كالاب وأبى الاب.
ومنهم من قال: لا يملك التزويج الا باذن، ويكون الاذن بمثابة توكيل منها والحق أن الاذن والتوكيل والولاية الشرعية أمور تحتاج منا إلى بيان درجاتها واعطائها ما تستحقه من تقويم فالولاية الشرعية يعطى الولى الحق في التزويج بغير اذن ولا توكيل، والتوكيل يعطى الحق للوكيل بالولاية الجعليه أو الولاية العرفية، والظاهر أن الاولى أقوى فيكتفى فيها بما لا يكتفى في الثانيه، وأن باب الاذن أوسع من باب الوكالة، وما جمع به بعضهم بين ما ذكر بحمل عدم الصحة

على الوكالة، والصحة على التصرف، إذ قد تبطل الوكالة ويصح التصرف، رد بأنه خطأ صريح مخالف للمنقول إذ الابضاع يحتاط لها فوق غيرها ومقابل الاصح أنه يصح وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى (فصل) ومن لا يملك التصرف في حق نفسه لنقص فيه كالمرأة في النكاح والصبى والمجنون في جميع العقود لم يملك أن يتوكل لغيره لانه إذا لم يملك ذلك في حق نفسه بحق الملك لم يملكه في حق غيره بالتوكيل، ومن ملك التصرف فيما تدخله النيابة في حق نفسه جاز أن يتوكل فيه لغيره، لانه يملك في حق نفسه بحق الملك فملك في حق غيره بالاذن.
واختلف أصحابنا في العبد، هل يجوز أن يتوكل في قبول النكاح؟ فمنهم من قال: يجوز، لانه يملك قبول العقد لنفسه باذن المولى، فملك أن يقبل لغيره بالتوكيل، ومنهم من قال: لا يجوز لانه لا يملك النكاح، وانما أجيز له القبول لنفسه للحاجة إليه ولا حاجة إلى القبول لغيره، فلم يجز، واختلفوا في توكيل المرأة في طلاق غيرها، فمنهم من قال: يجوز كما يجوز توكيلها في طلاقها، ومنهم من قال: لا يجوز، لانها لا تملك الطلاق، وانما أجيز توكيلها في طلاق نفسها للحاجة، ولا حاجة إلى توكيلها في طلاق غيرها، فلم يجز، ويجوز للفاسق أن يتوكل في قبول النكاح للزوج، لانه يجوز أن يقبل لنفسه مع الفسق، فجاز أن يقبل لغيره، وهل يجوز أن يتوكل في الايجاب؟ فيه وجهان.

(أحدهما) لا يجوز، لانه موجب للنكاح فلم يجز أن يكون فاسقا كالولي، (والثانى) يجوز، لانه ليس بولي.
وانما هو مأمور من جهة الولى، والولى عدل (الشرح) الاحكام: بعض أحكام هذا الفصل مضى في الذى قبله.
وقال الرملي في شرح المنهاج وشرط الوكيل تعيينه الا في نحو: من حج عنى فله كذا، فيبطل: وكلت أحدكما، نعم ان وقع غير المعين تبعا لمعين كوكلتك في كذا وكل مسلم صح كما بحثه

الشيخ في شرح منهجه قال: وعليه العمل.
وما نظر فيه من قياسه على الموكل فيه غير صحيح فسيأتي الفرق بينهما، ودعوى أنه يحتاط في العاقد مالا يحتاط في المعقود عليه لا التفات له هنا، إذ الغرض الاعظم الاتيان بالمأذون فيه وصحة مباشرته التصرف الذى وكل فيه لنفسه، وإلا لم يصح توكيله إذ تصرفه لنفسه أقوى منه لغيره.
إلى أن قال: والاصح صحة توكيل عبد في قبول نكاح وإن لم يأذن له سيده لانتفاء ضرره وتعبيره بلكن فيه إشارة إلى استثناء هذين من عكس الضاط، وهو من لا تصح مباشرته لنفسه لا يصح توكله، ويستثنى صحة توكل سفيه في قبول نكاح بغير إذن وليه وتوكل امرأة في طلاق غيرها ومرتد في تصرف لغيره مع امتناعه لنفسه وإنما يصح ذلك إن لم يشرط في بطلان تصرفه لنفسه حجر الحاكم عليه، وسيأتى في بابه ما فيه: ورجل في قبول نكاح أخت زوجته مثلا أو خامسة وتحته أربع والموسر في قبول نكاح أمة.
واستثناء بعضهم توكل كافر عن مسلم في شراء مسلم أو طلاق مسلمة غير صحيح، إذ لو أسلمت زوجته فطلق ثم أسلم في العدة بان نفوذ طلاقه.
وأشار المصنف - يعنى النووي في المنهاج - في مسألة طلاق الكافر للمسلمة بأنه يصح طلاقه في الجملة إلى أن المراد صحة مباشرة الوكيل التصرف لنفسه في جنس ما وكل فيه في الجملة لا في عينه، وحينئذ فيسقط أكثر ما مر من المستثنيات وقياسه جريان ذلك في الموكل أيضا كما قدمناه، ومنعه أي توكيل العبد، أي من فيه رق في الايجاب للنكاح، لانه إذا امتنع عليه تزويج ابنته فبنت غيره أولى، ويصح توكيل المكاتب في تزويج أمته كما بحثه الاذرعى وشرط الموكل فيه أن يملكه الموكل حالة التوكيل، وإلا فكيف يأذن فيه؟ (فرع) إذا جاز للفاسق أن يتزوج وصح تعاقده فجاز أن يتعاقد لغيره على أحد الوجهين لانه ليس بولي.
والولى عدل.
والوجه الثاني: إذا امتنع عليه تزويج ابنته فبنت غيره أولى.

قال المصنف رحمه الله: (فصل) ولا تصح الوكالة إلا بالايجاب والقبول، لانه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الايجاب والقبول كالبيع والاجارة، ويجوز القبول على الفور وعلى التراخي.
وقال القاضى أبو حامد المروروذى: لا يجوز إلا على الفور لانه عقد في حال الحياة فكان القبول فيه على الفور كالبيع - والمذهب الاول - لانه إذن في التصرف، والاذن قائم ما لم يرجع فيه، فجاز القبول.
ويجوز القبول بالفعل، لانه أذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفعل كالاذن في أكل الطعام (الشرح) الاحكام: الوكالة كأى عقد من العقود لا ينقدح في الذمة إلا بتحقق هذين الشرطين: الايجاب والقبول، لما يترتب على هذا العقد من حق كل واحد منهما.
فيشترط من الموكل أو نائبه لفظ صريح أو كناية ككتابة أو إشارة أخرس مفهمه لا لكل أحد يقتضى رضاه كوكلتك في كذا أو فوضته إليك أو أنبتك فيه أو أقمتك مقامي فيه، أو أنت وكيلى فيه كبقية العقود، إذ الشخص ممنوع من التصرف في مال غيره إلا برضاه، فلا يصح أن يقول: وكلت من أراد بيع دارى ولا ينفذ تصرف أحد بهذا الاذن لفساده.
نعم لو لم يتعلق بعين الوكيل فيه غرض كوكلت من أراد في إعتاق عبدى هذا أو تزويج أمتى هذه صح على ما بحثه السبكى وأخذ منه صحة قول من لا ولى لها أذنت لكل عاقد في البلد أن يزوجنى.
قال الاذرعى: وهذا إن صح فمحله عند تعيينها الزوج ولم تفوض سوى صيغة العقد خاصة، وبذلك أفتى بن الصلاح، ويجرى ذلك التعميم في التوكيل، إذ لا يتعلق بعين الوكيل غرض وعليه عمل القضاة.
وقد يشترط القبول هنا لفظا، كما لو كان له عين مؤجرة أو معارة أو مغصوبة فوهبها لآخر وأذن له في قبضها فوكل من هي في يده في قبضها له، لابد من قبول لفظا لنزول يده عنها به.

إذا ثبت هذا فهل يجوز القبول على الفور.
أم يصح على التراخي.
قولان فالمصنف والاصحاب كافة على جوازه على الفور وعلى التراخي خلافا للقاضى أبى حامد المروروذى فإنه قال: لا يجوز إلا على الفور كالبيع (فرع) إذا قال أذنت لك في إعطاء فلان صكا بمائة دينار فأخرج القلم وأخذ يكتب الصك كان ذلك هو القبول.
ومن أصحابنا من اشترط التلفظ بلفظ القبول وهو مرجوح، إذ لو قال له أذنتك في الطعام فأقبل على الطعام ولم يقل شيئا وأكل ألا يكون ذلك قبولا، وما دام التوكيل أو الاذن القصد منه أداء الفعل فأداه فقد تحقق الغرض من الوكالة أو النيابة.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى .

(فصل) ولا يجوز التوكيل إلا في تصرف معلوم.
فإن قال وكلتك في كل قليل وكثير لم يصح، لانه يدخل فيه ما يطيق ومالا يطيق، فيعظم الضرر ويكثر الغرر.
وإن قال وكلتك في بيع جميع مالى أو قبض جميع ديونى صح، لانه يعرف ماله ودينه، وإن قال بع ما شئت من مالى أو اقبض ما شئت من ديونى جاز لانه إذا عرف ماله ودينه عرف أقصى ما يبيع ويقبض فيقل الغرر.
وإن قال اشتر لى عبدا لم يصح لان فيه ما يكون بمائة وفيه ما يكون بألف، فيكثر الغرر، وان قال اشتر لى عبدا بمائة لم يصح، لان ذكر الثمن لا يدل على النوع فيكثر الغرر.
وإن قال اشتر لى عبدا تركيا بمائة جاز، لان مع ذلك النوع وقدر الثمن يقل الغرر، فإن قال اشتر لى عبدا تركيا ولم يقدر الثمن ففيه وجهان.
قال أبو العباس يصح لانه يحمل الامر على أعلى هذا النوع ثمنا فيقل الغرر.
ومن أصحابنا من قال لا يصح لان أثمان الترك تختلف وتتفاوت، فيكثر الغرر، وإن وكله في الابراء لم يجز حتى يبين الجنس الذى يبرئ منه والقدر الذى يبرئ منه، وان وكله في الاقرار وقلنا إنه يصح التوكيل فيه لم يجز حتى يبين جنس ما يقر به، وقدر ما يقربه، لانه إذا أطلق عظم الضرر وكثر الغرر فلم يجز، وإن وكله في

خصومة كل من يخاصمه ففيه وجهان (أحدهما) يصح، لان الخصومة معلومة (والثانى) لا يصح، لانها قد تقل الخصومات وقد تكثر فيكثر الغرر.
(الشرح) الاحكام: لا يجوز التوكيل إلا في تصرف معلوم من بعض الوجوه لئلا يعظم الغرر.
ولا يشترط علمه من كل وجه.
هكذا قرر النووي في المنهاج، ولا يشترط ذكر أوصاف المسلم فيها لانها جوزت للحاجة فسومح فيها فلو قال: وكلتك في كل قليل وكثير لى في كل أمورى أو حقوقي، أو فوضت اليك كل شئ لى، أو كل ما شئت من مالى لم يصح لما فيه من عظيم الغرر، لانه يدخل فيه مالا يسمح الموكل ببعضه كعتق أرقائه وطلاق زوجاته والتصدق بأمواله وظاهر كلامهم بطلان هذا وإن كان تابعا لمعين.
وكذلك أفتى الرملي الكبير شهاب الدين.
فلا ينفذ تصرف الوكيل في شئ من التابع لان عظم الغرر فيه الذى هو السبب في البطلان لا يندفع بذلك.
قال شمس الدين الرملي: وفارق ما مر عن أبى حامد بأن ذاك في جزئي خاص معين فساغ كونه تابعا لقلة الغرر فيه بخلاف هذا، وبخلاف ما جاء في قوله: وكلتك في كذا وكل مسلم.
إذ الوكيل المتبوع معين والتابع غير معين وهو مستثنى من أن يكون الوكيل معينا، وليست هذه المسأله مثل ذلك لما تقرر من كثرة الغرر في التابع فيها.
وإن قال: وكلتك في بيع أموالي وعتق أرقائي ووفاء ديونى واستيفائها ونحو ذلك صح، وإن كان ما ذكر معلوما عندهما لقلة الغرر فيه.
ولو قال في بعض أموالي أو شئ منها لم يصح.
أما لو قال: بع هذا أو هذا لتناول كل بطريق العموم البدلى فلا إبهام فيه.
وكما لو قال: أبرئ فلانا عن شئ من دينى صح وحمل على أدنى شئ.
إذ الابراء عقد غبن فتوسع فيه بخلاف البيع.
وكقوله أبرئ فلانا عما شئت من دينى فليبق عليه شيئا.
أما لو قال أبرئه عن جميعه صح ابراؤه عن بعضه بخلاف بيعه لبعض ما وكله ببيعه بأنقص من قيمة الجميع لتضمن التشقيص فيه الغرر.
وان قال اشتر لى عبدا بمائة ولم يبين جنسه ولا يغنى ذكر الوصف كأبيض أو

أسود.
نعم لا يشترط ذكر أوصاف السلم ولا ما يقرب منها.
هذا إذا كان العبد للاقتناء أما إذا كان للتجارة فلا يجب فيه ذكر نوع أو غيره لشبهه بالقراض.
ونقله ابن الرفعة عن الماوردى وغيره.
قال الرملي شمس الدين: ولو وكله في تزويج امرأة اشترط تعيينها، ولا يكتفى بكونها مكافئة له، لان الغرض يختلف مع وجود وصف المكافأة كثيرا فاندفع ما ذكره السبكى هنا.
نعم ان أتى له بلفظ عام كزوجني من شئت صح للعموم، وجعل الامر راجعا إلى رأى الوكيل بخلاف الاول فإنه مطلق، ودلالة العام على أفراد ظاهرة، وأما المطلق فلا دلالة فيه على فرد فلا تناقض، أو في شراء دار للقنية أيضا وجب بيان المحلة - أي الحارة - ومن لازمها بيان البلد، فلذا لم يصرح به.
أما الاقرار فإنه لا يصح التوكيل فيه الا إذا بين جنس ما يقر به وقدره لعظم الغرر عند الاطلاق وكثرة الضرر فلم يصح، فإذا وكله في خصوماته، كقوله: وكلتك في خصومة من أخاصمه ففيه وجهان قال المصنف رحمه الله: (فصل) ولا يجوز تعليق الوكالة على شرط مستقبل.
ومن أصحابنا من قال يجوز لانه أذن في التصرف فجاز تعليقه على شرط مستقبل كالوصية، والمذهب الاول لانه عقد تؤثر الجهالة في إبطاله فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع والاجارة ويخالف الوصية فإنها لا يؤثر فيها غرر الجهالة فلا يؤثر فيها غرر الشرط ولوكالة تؤثر الجهالة في ابطالها فأثر غرر الشرط فإن علقها على شرط مستقبل ووجد الشرط وتصرف الوكيل صح التصرف، لان مع فساد العقد الاذن قائم فيكون تصرفه بإذن فصح، فإن كان قد سمى له جعلا سقط المسمى ووجب له أجرة المثل لانه عمل في عقد فاسد لم يرض فيه بغير بدل فوجب أجرة المثل كالعمل في الاجارة الفاسدة، وان عقد الوكالة في الحال وعلق التصرف على شرط، بأن قال وكلتك أن تطلق امرأتي أو تبيع مالى بعد شهر صح، لانه لم يعلق العقد على شرط، وإنما علق التصرف على شرط فلم يمنع صحة العقد

(الشرح) الاحكام: فرقوا بين تعليق العقد على شرط وتعليق التصرف على شرط فالاول لا يجوز والثانى يجوز.
أما أجرة الوكيل فتتحدد بأجرة المثل ولو سمى له جعلا.
أما الشرط فقد قال الرملي شمس الدين: ولا يصح تعليقها بشرط من صفة أو وقت في الاصح كسائر العقود سوى الوصية لقبولها الجهالة والامارة للحاجة والثانى: تصح كالوصية ورد بما مر اه، ومثال الوصية قوله: إذا جاء رأس الشهر فقد أوصيت له بكذا، وصورة الوكالة الباطلة لارتباطها بالشرط كقوله: وكلت من أراد بيع دارى، وقال الزركشي: لا ينفذ التصرف.
قال ابن الصلاح: والاقدام على التصرف بالوكالة الفاسدة جائز، إذ أنه ليس من تعاطى العقود الفاسدة لانه إنما قدم على عقد صحيح خلافا لابن الرفعه.
فإن نجزها وشرط للتصرف شرطا جاز، كوكلتك الآن ببيع هذا ولكن لا تبعه الا بعد شهر، وعلم من هذا أنه لو قال لآخر قبل رمضان: وكلتك في إخراج فطرتي وأخرجها في رمضان صح لتنجيزه الوكالة، وإنما قيدها بما قيدها به الشارع، بخلاف إذا جاء رمضان فأخرج فطرتي، لانه تعليق محض وعلى هذا التفصيل يحمل إطلاق من أطلق الجواز ومن أطلق المنع.
قال الشمس الرملي: والاقرب إلى كلامهم عدم الصحة إذ كل من الموكل والوكيل لا يملك ذلك عن نفسه حال التوكيل (قلت) وعلى هذا يتوجه كلام ابن الصلاح، لان إخراج الفطرة هنا عمل صحيح ترتب على وكالة فاسدة فنقول بصحة إخراجها عنه.

قال المصنف رحمه الله تعالى .

(فصل) ولا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه اذن الموكل من جهة النطق أو من جهة العرف لان تصرفه بالاذن فلا يملك الا ما يقتضيه الاذن والاذن يعرف بالنطق وبالعرف فان تناول الاذن تصرفين.
وفى أحدهما اضرار بالموكل لم يجز ما فيه ضرار لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار " فان

تناول تصرفين وفى أحدهما نظر للموكل لزمه ما فيه النظر للموكل لما روى ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأس الدين النصيحة: قلنا يا رسول الله لمن قال لله ولرسوله ولكتابه ولائمة المسلمين وللمسلمين عامة وليس من النصح أن يترك ما فيه الحظ والنظر للموكل.
(الشرح) حديث " لا ضرر ولا ضرار " مضى تخريجه في غير موضع، وحديث ثوبان رواه الجماعه.
الاحكام: إذا وكله في بيع شئ أو طلب الشفعه أو قسم شئ ففيه وجهان (أحدهما) يملك تثبيته، وهو قول أبى حنيفة في القسمة وطلب الشفعة، لانه لا يتوصل إلى ما وكله فيه إلا بالتثبيت (والثانى) لا يملكه، وهو قول بعض أصحابنا لانه يمكن أحدهما دون الآخر، فلم يتضمن الاذن في أحدهما الاذن في الآخر، فإذا قال: اقبض حقى من فلان لم يكن له قبضه من وارثه.
لانه لم يؤمر بذلك، وإن قال: اقبض حقى الذى قبل فلان أو على فلان جاز له مطالبة وارثه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فصل) وان وكل في تصرف وأذن له أن يوكل إذا شاء نظرت، فإن عين له من يوكله وكله أمينا كان أو غير أمين لانه قطع اجتهاده بالتعيين، وان لم يعين من يوكل لم يوكل الا أمينا لانه لا نظر للموكل في توكيل غير الامين، فان وكل أمينا فصار خائنا فهل يملك عزله، فيه وجهان.

(أحدهما) يملك عزله، لان الوكالة تقتضي استعمال أمين، فإذا خرج عن أن يكون أمينا لم يجز استعماله، فوجب عزله.

(والثانى) لا يملك عزله، لانه أذن له في التوكيل دون العزل، وان وكله ولم يأذن له في التوكيل نظرت، فإن كان ما وكله فيه مما يتولاه الوكيل ويقدر عليه، لم يجز أن يوكل فيه غيره، لان الاذن لا يتناول تصرف غيره من جهة النطق، ولا من جهة العرف، لانه ليس في العرف إذا رضيه أن يرضى غيره،

وإن وكله في تصرف وقال: اصنع فيه ما شئت ففيه وجهان (أحدهما) أنه يجوز أن يوكل فيه غيره لعموم قوله: اصنع فيه ما شئت.

(والثانى) لا يجوز، لان التوكيل يقتضى تصرفا يتولاه بنفسه، وقوله: اصنع فيه ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل في تصرفه بنفسه، وإن كان ما وكله فيه مما لا يتولاه بنفسه كعمل لا يحسنه، أو عمل يترفع عنه، جاز أن يوكل فيه غيره، لان توكيله فيما لا يحسنه أو فيما يترفع عنه إذن في التوكيل فيه من جهة العرف.
وان كان مما يتولاه إلا أنه لا يقدر على جميعه لكثرته، جاز له أن يوكل فيما لا يقدر عليه منه، لان توكيله فيما لا يقدر عليه إذن في التوكيل فيه من جهة العرف، وهل يجوز أن يوكل في جميعه؟ فيه وجهان.

(أحدهما) له أن يوكل في جميعه.
لانه ملك التوكيل فملك في جميعه كالموكل (والثانى) ليس له أن يوكل فيما يقدر عليه منه، لان التوكيل يقتضى أن يتولى الوكيل بنفسه، وإنما أذن له فيما لا يقدر عليه للعجز، وبقى فيما يقدر عليه على مقتضى التوكيل، وإن وكل نفسين في بيع أو طلاق فإن جعله إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما أن ينفرد به، لانه أذن لكل واحد منهما في التصرف وإن لم يجعل إلى كل واحد منهما لم يجز لاحدهما أن ينفرد به، لانه لم يرض بتصرف أحدهما، فلا يجوز أن ينفرد به، وإن وكلهما في حفظ ماله حفظاه في حرز لهما.
وخرج أبو العباس وجها آخر أنه إن كان مما ينقسم، جاز أن يقتسما ويكون عند كل واحد منهما نصفه، وان لم ينقسم جعلاه في حرز لهما كما يفعل المالكان والصحيح هو الاول، لانه تصرف أشرك فيه بينهما.
فلم يجز لاحدهما أن ينفرد ببعضه فيه كالبيع، ويخالف المالكين، لان تصرف المالكين بحق الملك ففعلا ما يقتضى الملك، وتصرف الوكيلين بالاذن، والاذن يقتضى اشتراكهما، ولهذا يجوز لاحد المالكين أن ينفرد ببيع بعضه ولا يجوز لاحد الوكيلين أن ينفرد ببيع بعضه.

(الشرح) الاحكام: لا يخلو التوكيل من ثلاثة أحوال: (أحدها) أن ينهى الموكل وكيله عن التوكيل فلا يجوز له ذلك بغير خلاف لان ما نهاه عنه غير داخل في اذنه كما لو لم يوكله.
(الثاني) أذن له في التوكيل فيجوز له ذلك، لانه عقد أذن له فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون فيه، ولا نعلم في هذا خلافا، فإن قال له: وكلتك فاصنع ما شئت فهل له أن يوكل؟ نظرت فإن كان ما وكله فيه مما يمكن أن يتولاه الوكيل ويقدر عليه، فإنه ليس له التوكيل، لانه موكل بتصرف يتولاه بنفسه، وقوله اصنع ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه، وقال أصحاب أحمد له أن يوكل من شاء لدخوله في عموم التوكيل.
ولنا أنه إذا كان ما وكل به كثير الجوانب متعدد الجهات بحيث يحتاج الوكيل إلى من يعينه على أدائه، ومثله لو كان العمل شاقا لا يقدر مثله على القيام به، ويحتاج إلى شخص قوى يؤديه جاز له توكيله، ومثل ذلك لو كان العمل يحتاج إلى مهارة أو فن خاص له دارسوه والمتخصصون فيه كالهندسة ونحوها جاز له توكيله، وكذلك لو كان عملا سهلا ولكنه من الاعمال التى يترفع مثله عن القيام بها لدناءتها جاز له أن يوكل من يقوم به.
(الثالث) أطلق الوكالة فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون العمل من الاعمال التى أشرنا إليها مما يرتفع الوكيل عن مثله كالاعمال الدنيئة في حق أشراف الناس أو يعجز عن فعلها أو لاى اعتبار مما ذكرنا آنفا فإن الاذن ينصرف إلى ما جرت به العادة من الاستنابة، وبه قال أحمد وأصحابه، القسم الثاني.
أن يكون مما يعجز عن عمله لكثرته وانتشاره فجاز التوكيل في بعضه فيما لا يقدر عليه منه، أما التوكيل في جميعه فيجوز عند أصحاب أحمد، أما عند أصحابنا فوجهان (أحدهما) له أن يوكل في جميعه لانه ملك التوكيل فملك في جميعه كالموكل (والثانى) ليس له أن يوكل الا فيما لا يقدر عليه منه، وانما أذن له فيما لا يقدر عليه للعجز، وبقى ما يقدر عليه على مقتضى التوكيل، وهذا قول عند أصحاب أحمد ذكره ابن قدامة عن القاضى.

(القسم الثالث) وهو ما يمكنه عمله بنفسه ولا يترفع عنه، فهل يجوز له التوكيل فيه؟ على روايتين إحداهما لا يجوز.
وهو المذهب عندنا، واليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف لانه لم يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه، ولانه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له أن يوليه لمن لم يأمنه كالوديعة والاخرى يجوز، نقلها حنبل وبه قال ابن أبى ليلى، إذا مرض أو غاب، لان الوكيل له أن يتصرف بنفسه فملكه نيابة كالمالك.
دليلنا أن التوكيل لا يتناول تصرف غيره من جهة النطق ولا من جهة العرف، لانه ليس في العرف إذا رضيه أن يرضى غيره ويفارق المالك، فإن المالك يتصرف بنفسه في ملكه كيف شاء بخلاف الوكيل فإنه يتصرف بالاذن.
(فرع) كل وكيل جاز له التوكيل فليس له أن يوكل إلا أمينا لانه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين، فيقيد جواز التوكيل بما فيه الحظ والنظر، كما أن الاذن في البيع يتقيد بالبيع بثمن المثل، إلا أن يعين له الموكل من يوكله فيجوز توكيله وإن لم يكن أمينا، لانه قطع نظره بتعيينه.
وإن وكل أمينا وصار خائنا فعليه عزله، لان تركه يتصرف مع الخيانة تضييع وتفريط، والوكالة تقتضي استئمان أمين.
وهذا ليس بأمين فوجب عزله ويقول النووي: لا يملك الوكيل عزله في الاصح لانه أذن في التوكيل دون العزل.
وقد أورد الرملي الوجهين.
(فرع) إذا وكل وكيلين في تصرف وجعل لكل واحد الانفراد بالتصرف فله ذلك، لانه مأذون له فيه، فإن لم يجعل ذلك فليس لاحدهما الانفراد به، لانه لم يأذن له في ذلك، وإنما يجوز له ما أذن فيه موكله، وبهذا قال أحمد وأصحاب الرأى.
وإن وكلهما في حفظ ماله حفظاه معا في حرز لهما، لان قوله افعلا كذا يقتضى اجتماعهما على فعله، وهو مما يمكن فتعلق بهما.
وفارق هذا قوله بعتكما، حيث كان منقسما بينهما.
لانه لا يمكن كون الملك لهما على الاجتماع فانقسم بينهما فإن غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر أن يتصرف.

وخرج أبو العباس بن سريج وجها آخر أنه إن كان المال مما ينقسم اقتسماه ويكون عند كل واحد منهما نصفه والصحيح ما قررنا وليس للحاكم أن يضم أمين إلى الوكيل ليحل محل الغائب، لان الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه، فلا يضم الحاكم وكيلا له بغير أمره وفارق ما لو مات أحد الوصيين - وفرق بين الوصاية والوكالة - حيث يضيف الحاكم إلى الوصي أمينا ليتصرف، لكون الحاكم له النظر في حق الميت واليتيم.
ولهذا لو لم يوص إلى أحد أقام الحاكم أمينا في النظر لليتيم.
وإن حضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب وادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما، ولم يملك الحاضر التصرف وحده، فإذا حضر الآخر تصرفا معا ولا يحتاج إلى إعادة البينة، لان الحاكم سمعها لهما مرة.
وإن ججد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخر أن يتصرف، وبما ذكرناه قال أحمد وأبو حنيفة وقال أبو حنيفة إذا وكلهما في خصومة فكل واحد منهما الانفراد بها.
ولنا أنه لم يرض بتصرف أحدهما فأشبه البيع والشراء وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وإن وكل رجلا في الخصومة لم يملك الاقرار على الموكل، ولا الابراء من دينه ولا الصلح عنه، لان الاذن في الخصومة لا يقتضى شيئا من ذلك، وان وكله في تثبيت حق فثبته لم يملك قبضه، لان الاذن في التثبيت ليس بإذن في القبض من جهة النطق، ولا من جهة العرف، لانه ليس في العرف أن من يرضاه للتثبيت يرضاه للقبض، وان وكله في قبض حق من رجل فجحد الرجل الحق، فهل يملك أن يثبته عليه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يملك، لان الاذن في القبض ليس بإذن في التثبيت من جهة النطق، ولا من جهة العرف، لانه ليس في العرف أن من يرضاه للقبض يرضاه للتثبيت.

(والثانى) أنه يملك لانه يتوصل بالتثبيت إلى القبض، فكان الاذن في

القبض إذنا في التثبيت، وإن وكله في بيع سلعة فباعها لم يملك الابراء من الثمن، لان الاذن في البيع ليس بإذنه في الابراء من الثمن.
وهل يملك قبضه أم لا؟ فيه وجهان (أحدهما) أنه لا يملك، لان الاذن في البيع ليس بإذن في قبض الثمن من جهة النطق ولا من جهة العرف، لانه قد يرضى الانسان للبيع من لا يرضاه للقبض (والثانى) أنه يملك، لان العرف في البيع تسليم للمبيع وقبض الثمن، فحملت الوكالة عليه، وإن وكله في شراء عبد فاشتراه وسلم الثمن ثم استحق العبد فهل يملك أن يخاصم البائع في درك الثمن.
فيه وجهان (أحدهما) يملك، لانه من أحكام العقد (والثانى) لا يملك، لان الذى وكل فيه هو العقد، وقد فرغ منه فزالت الوكالة.
(الشرح) الاحكام: إذا وكل رجلا في الخصومة لم يقبل إقراره على موكله بقبض الحق ولا غيره، وبهذا قال أحمد ومالك وابن أبى ليلى.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يقبل إقراره في مجلس الحكم فيما عدا الحدود والقصاص.
وقال أبو يوسف يقبل إقراره في مجلس الحكم وغيره، لان الاقرار أحد جوابي الدعوى فصح من الوكيل كالانكار دليلنا أن الاقرار معنى يقطع الخصومة وينافيها، فلا يملكه الوكيل فيها كالابراء، وفارق الانكار فإنه لا يقطع الخصومة، ويملكه في الحدود وفى غير مجلس الحاكم، ولان الوكيل لا يملك الانكار على وجه يمنع الموكل من الاقرار فلو ملك الاقرار لامتنع على الموكل الاقرار فافترقا.
ولا يملك المصالحة عن الحق ولا الابراء منه بغير خلاف نعلمه، لان الاذن في الخصومة لا يقتضى شيئا من ذلك، وان أذن له في تثبيت حق لم يملك قبضه، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة يملك قبضه، لان المقصود من التثبيت قبضه وتحصيله.
دليلنا أن القبض لا يتناوله الاذن نطقا ولا عرفا، إذ ليس كل من يرضاه لتثبيت الحق يرضاه لقبضه وإن وكله في قبض حق فجحد من عليه الحق فهل يملك القيام بثبيت الحق على الجاحد.
فيه وجهان لاصحابنا (أحدهما) لا يملك وليس له ذلك، وهو أحد

الوجهين عند أصحاب أحمد، لانهما معنيان مختلفان، فالوكيل في أحدهما لا يكون وكيلا في الآخر، كما لا يكون وكيلا في القبض بالتوكيل في الخصومة.

(والثانى) كان له القيام بتثبيت الحق على جاحده، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو أحد الوجهين عند أصحاب أحمد ووجه هذا الوجه أنه لا يتوصل إلى القبض إلا بالتثبيت، فكان إذنا فيه عرفا، ولان القبض لا يتم الا به فملكه، كما لو وكل في شراء شئ ملك وزن ثمنه أو وكل في بيع شئ ملك تسليمه، ويحتمل أنه أن كان الموكل عالما بجحد من عليه الحق أو مطله كان توكيلا في تثبيته والخصومة فيه لعلمه بوقوف القبض عليه.
وان لم يعلم ذلك لم يكن توكيلا فيه لعدم علمه بتوقف القبض عليه، ولا فرق بين كون الحق عينا أو دينا.
وقال بعض أصحاب أبى حنيفة: ان وكله في قبض عين لم يملك تثبيتها لانه وكيل في نقلها، أشبه الوكيل في نقل الزوجة.
(فرع) إذا وكله في بيع شئ ملك تسليمه، لان اطلاق التوكيل في البيع يقتضى التسليم لكونه من تمامه، ولم يملك الابراء من ثمنه، وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يملكه دليلنا أن الابراء ليس من البيع ولا من تتمته، فلا يكون التوكيل في البيع توكيلا فيه كالابراء من غير ثمنه (فرع) وأما قبض الثمن فعلى وجهين، ان قلنا انه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن فعلى هذا ليس له قبض الثمن.
وان قلنا ان العرف في البيع تسليم للمبيع وقبض للثمن.
وأنه موجب للبيع ملك القبض فكان كتسليم المبيع، فعلى هذا ليس له تسليم المبيع الا بقبض الثمن، فإذا سلمه قبل قبض ثمنه ضمنه، والاولى أن ينظر فيه فان دلت قرينة الحال على قبض الثمن مثل توكيله في بيع ثوب في سوق غائب عن الموكل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له كان اذنا في قبضه، ومتى ترك قبضه كان ضامنا له، لان ظاهر حال الموكل أنه انما أمره بالبيع لتحصيل ثمنه فلا يرضى بتضييعه، ولهذا يعد من فعل

ذلك مضيعا مفرطا وان لم تدل القرينة على ذلك لم يكن له قبضه، وبالوجهين قال أحمد وأصحابه.
قال الماوردى في الحاوى: لو وكله في المطالبة بدين لم يكن له قبضه بعد المطالبة، وان وكله في المخاصمة في دار يدعيها لم يكن له قبضها.
ولو وكله في اثبات منفعة يستحقها لم يكن له انتزاعها وكان عمل الوكيل في هذه الاحوال كلها مقصورا على ما تضمنه الاذن والقسم الثاني ما كان عمل الوكيل فيه متجاوزا إلى ما تضمنته الوكالة من مقصوده، وهو ما كان مقصود واجبا على الموكل، كالتوكيل في بيع أو شراء فله إذا عقد البيع أن يسلم المبيع ويتسلم الثمن.
وان لم يصرح له الموكل به، لان عقد البيع أوجب عليه تسليم ما باعه، وهو مندوب إلى أن لا يسلمه الا بعد قبض ثمنه، فلذلك جاز أن يتجاوز العقد إلى تسليم المبيع وقبض ثمنه وهكذا لو وكله في شراء سلعة جاز له أن يقبضها ويدفع ثمنها، فان الشراء قد أوجب عليه دفع الثمن، وهو مندوب إلى أن لا يدفع الثمن الا بعد قبض المبيع، فان وكله في البيع على أن لا يقبض الثمن من المشترى صحت الوكالة ولم يكن له قبض الثمن، ولو وكله فيه على أن لا يسلم المبيع كان في الوكالة وجهان ذكرهما أبو على الطبري في افصاحه

(أحدهما) تصح الوكالة، كما لو نهاه عن قبض الثمن، فإذا أخذ تسليم المبيع أخذ به الموكل.
(والوجه الثاني) أن الوكالة باطلة، لان اقباض المبيع من لوازم البيع فإذا نهاه عنه بطل التوكيل (القسم الثالث) ما اختلف المذهب، هل يكون عمل المذهب فيه مقصورا على ما تضمنه الاذن أو تجوز له المجاوزة إلى ما أدى إليه، وهو مالا يمكن من عمل المأذون فيه الا به كالوكالة في مقاسمته في دار وقبض الحصة منها إذا جحد الشريك، هل يجوز للوكيل المخاصمة فيها واثبات الحجج والبينات عليها، وكالوكالة في قبض دين، أما جحده المطلوب هل يجوز للوكيل مخاصمته واثبات

البينة عليه؟ فيه قولان حكاهما ابن سريج مخرجا (أحدهما) ليس له ذلك ويكون مقصود العمل على ما تضمنه صريح الاذن، لان ما تجاوزه ليس بواجب فيه فشابه القسم الاول.
(والقول الثاني) يجوز له ذلك، لانه لا يصل إلى العمل المأذون فيه إلا به كالقسم الثاني.
والله أعلم اه قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وان وكل في البيع في زمان لم يملك البيع قبله ولا بعده، لان الاذن لا يتناول ما قبله ولا ما بعده من جهة النطق ولا من جهة العرف، لانه قد يؤثر البيع في زمان لحاجة، ولا يؤثر في زمان قبله ولا زمان بعده، وإن وكله في البيع في مكان - فان كان الثمن فيه أكثر أو النقد فيه أجود - لم يجز البيع في غيره، لانه قد يؤثر البيع في ذلك المكان لزيادة الثمن أو جودة النقد، فلا يجوز تفويت ذلك عليه، وان كان الثمن فيه وفى غيره واحدا ففيه وجهان (أحدهما) أنه يملك البيع في غيره، لان المقصود فيهما واحد، فكان الاذن في أحدهما اذنا في الآخر (والثانى) لا يجوز لانه لما نص عليه دل على أنه قصد عينه لمعنى هو أعلم به من يمين وغيرها فلم تجز مخالفته.
(الشرح) الاحكام: قال الماوردى في الحاوى.
وقال أبو حنيفة: يجوز له أن يوكل لامرين (أحدهما) أنه لما أقامه فيه مقام نفسه جاز له التوكيل فيه كما يجوز لنفسه (والثانى) أن المقصود بوكالته حصول العمل في الحالين لموكله.
وهذا خطأ من وجهين: (أحدهما) أن فعل الوكيل مقصور على ما تضمنه الاذن من غير مجاوزة، وليس في التوكيل مجاوزة (والثانى) أن الموكل يسكن في عمله إلى أمانة وكيله فلم يجز أن يوكل من لم يسكن الموكل إلى أمانته كالوديعة التى لا يجوز للمودع أن يودعها عند غيره، لان المالك لم يرض الا بأمانته.
فأما استدلاله بأن هذا أقامه مقام نفسه فلعمري أنه

كذلك في فعل ما وكل فيه لا في غيره، ألا ترى أنه لا يجوز أن يهب ولا يبرئ وان كان للموكل أن يهب ويبرئ لانه لم يأذن له فيه، فكذلك في التوكيل.
وأما الجواب عن قولهم بأن الغرض حصول العمل فهو كذلك لكن قد خصه به وارتضى أمانته، كمن استأجر أجيرا بعينه لعمل لم يكن له أن يستأجر غيره في عمله، لان قصد المستأجر انما هو حصول العمل من جهة الاجير وفعله لا بفعل غيره.
كذلك ها هنا.
قلت: ولكلام المصنف هنا دلالته على ما يترتب على مخالفة الاذن ومجاوزته من أحكام، فمثلا إذا أذن الموكل للوكيل بالبيع في زمان فباع قبله فترتب على بيعه قبله نقص ثمنه عن مثله في الزمن المحدد لنقص في السن أو الوزن أو الصفة كان ذلك من ضمان الوكيل.
وكذلك إذا باعه بعد الزمان الذى أذن له فيه فترتب على ذلك ما ذكرنا كان من ضمانه.
وكذلك إذا أذن له في مكان لمصلحة يراها الموكل لكثرة الطالبين للسلعة في ذلك المكان أو لكثرة الثمن أو جودة النقد فلا يملك الوكيل مخالفة مضمون الاذن، فإذا كان الثمن في كل هذه الاحوال التى خالف فيها متفقا مع الزمن المطلوب أو المكان المطلوب بحيث لا يفوت الموكل شئ من الفائدة فهل يجوز للوكيل مخالفة الاذن؟ فيه وجهان (أحدهما) يجوز له ذلك، لان المقصود فيها واحد (والثانى) لا يجوز، لان الموكل أعرف بما هو الاحظ له وعلى الوكيل الامتثال لامر الموكل قال الماوردى في الحاوى: أن يكون الشرط الذى شرطه الموكل في بيع وكيله يصح معه العقد ولا يبطل به البيع، فعلى الوكيل أن يعقد البيع على الشرط المأذون فيه ولا يتجاوزه الا أن يكون الشرط بالمجاوزة موجودا مع زيادة فصح البيع حينئذ على ما سنشرحه ولا تكون الزيادة مانعة من صحته.
فأما اذنه في بيعه على رجل بعينه فلازم ولا يجوز للوكيل أن يعدل إلى بيعه على غيره لانه المقصود بالتمليك فلم يصح عدول الوكيل عنه كالهبه، فعلى هذا لو مات ذلك الرجل بطلت الوكالة بالبيع.
ولم يجز للوكيل أن يبيعه على وارثه ولا على غير وارثه.

ولو كان حيا وامتنع من ابتياعه لم تبطل الوكالة لجواز أن يرغب فيه من بعد، وأما إذنه ببيعه في زمان بعينه فلازم، ولا يجوز للوكيل أن يبيعه قبل ذلك الزمان ولا بعده، أما قبله فلان وقت الاذن لم يأت، وأما بعده فلبطلان الوكالة بالفوات وقد يكون للانسان غرض صحيح في استيفاء ملكه إلى زمان بعينه.
فأما إذنه في مكان بعينه - فإن كان فيه غرض صحيح لاختلاف الاسعار باختلاف الاماكن أو جودة النقود وهو شرط لازم فلا يجوز للوكيل أن يبيعه في غير ذلك المكان، فان فعل وسلمه فالبيع باطل وهو بالتسليم ضامن، فإن لم يكن في ذلك المكان غرض صحيح، ولا معنى مستفاد نظر في صفة إذنه، فإن كان قال: لا تبيعوا إلا في مكان كذا أو في سوق كذا لزم، وكان بيع الوكيل في غير ذلك المكان باطلا لصريح النهى عنه.
وإن قال: بعه في سوق كذا أو في مكان كذا، ولم يصرح بالنهي عما سواه ففى لزوم اشتراطه وجهان.

(أحدهما) أنه شرط لازم لا يجوز للوكيل أن يبيعه في غيره، لانه أملك بأحوال إذنه.
(والوجه الثاني) أنه شرط غير لازم لفساد الغرض المقصود به، والاول أشبه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وإن وكله في البيع من رجل لم يجز أن يبيع من غيره، لانه قد يؤثر تمليكه دون غيره، فلا يكون الاذن في البيع منه إذنا في البيع من غيره، وان قال خذ مالى من فلان فمات لم يجز أن يأخذ من ورثته، لانه قد لا يرضى أن يكون ماله عنده، ويرضى أن يكون عند ورثته، فلا يكون الاذن في الاخذ منه إذنا في الاخذ من ورثته، وإن قال: خذ مالى على فلان فمات، جاز أن يأخذ من ورثته، لانه قصد أخذ ماله، وذلك يتناول الاخذ منه، ومن ورثته، وان وكل العدل في بيع الرهن فأتلفه رجل، فأخذت منه القيمة لم يجز له بيع القيمة، لان الاذن لم يتناول بيع القيمة.

(الشرح) الاحكام: فأما إذنه على رجل بعينه فلازم، لانه المقصود بالتمليك فلم يصح عدول الوكيل عنه كما أوضح ذلك الماوردى فيما نقلناه في الفصل قبله، وأما إذا قال الموكل لوكيله: قد وكلتك في استيقاء مالى (على) زيد فمات زيد جاز للوكيل أن يستوفيه من وارثه، فإذا قال الموكل لوكيله: قد وكلتك في استيفاء مالى (من) زيد فمات زيد لم يجز للوكيل أن يستوفيه من وارثه، والفرق بينهما أن الامر باستيفائه من زيد في الاول متوجه إلى المال فجاز أن يستوفيه من ورثته والامر باستيفائه من زيد في الثاني متوجه إلى زيد أن يكون هو المستوفى منه، فلم يجز أن يستوفيه من غيره.
فإذا وكل العدل لامانته وصدقه في بيع الرهن فأتلفه غيره فأخذت القيمة من المتلف فلا يجوز له أن يبيع القيمة ليحصل على الثمن لرده إلى الموكل، لان الاذن لا يتضمن بيع القيمة، وإنما كان قاصرا على بيع الرهن وليست القيمة عين الرهن قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وكل في بيع فاسد لم يملك الفاسد، لان الشرع لم يأذن فيه، ولا يملك الصحيح، لان الموكل لم يأذن فيه.
(الشرح) الاحكام: إذا وكله في بيع فاسد كبيع الخمر أو الكلب أو الخنزير أو بيع حر أو بيع مالا يملك كالمغصوب أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه أو البيع بغير جنس الاثمان، أو بيع مباح بمحرم أو باع بمالا يتغابن الناس بمثله على ما سيأتي تفصيله أو أعطاه دراهم ليسلم فيما لا يجوز السلم فيه كاللحم والثياب على ما مضى في كتاب السلم وكتاب البيوع بطلت الوكالة لان الشرع لم يأذن فيه للموكل فكان الحظر على الوكيل، وما كان محظورا على الوكيل لنفسه كان محظورا عليه نيابة لغيره، فإذا استبدل المبيع المحرم بمباح أو أبدل المسلم فيه بمجاز السلم فيه لم يملك ذلك من قبل أنه لم يأذن له الموكل في ذلك، لان مقتضى الوكالة في الاذن في البيع الفاسد فلم يصح العدول عن الفاسد إلى الصحيح كما لم يصح نفاذ الوكالة في الفاسد من جهة الشرع والله أعلم.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان وكل في بيع سلعة لم يملك بيعها من نفسه من غير اذن، لان العرف في البيع أن يوجب لغيره فحمل الوكالة عليه، ولان اذن الموكل يقتضى البيع ممن يستقصى في الثمن عليه، وفى البيع من نفسه لا يستقصى في الثمن، فلم يدخل في الاذن، وهل يملك البيع من ابنه أو مكاتبه؟ فيه وجهان.

(أحدهما) يملك، وهو قول أبى سعيد الاصطخرى، لانه يجوز أن يبيع منه ماله، فجاز له أن يبيع منه مال موكله كالأجنبي.

(والثانى) لا يجوز، وهو قول أبى اسحاق، لانه متهم في الميل اليهما كما يتهم في الميل إلى نفسه، ولهذا لا تقبل شهادته لهما، كما لا تقبل شهادته لنفسه، فان أذن له في البيع من نفسه، ففيه وجهان.
أحدهما: يجوز كما يجوز أن يوكل المرأة في طلاقها.
والثانى: لا يجوز، وهو المنصوص لانه يجتمع في عقده غرضان متضادان الاستقصاء للموكل، والاسترخاص لنفسه فتمانعا، ويخالف الطلاق، فانه يصح بالزوج وحده، فصح بمن يوكله، والبيع لا يصح بالبائع وحده، فلم يصح بمن يوكله، وان وكل رجلا في بيع عبده ووكله آخر في شرائه لم يصح، لانه عقد واحد يجتمع فيه غرضان متضادان، فلم يصح التوكيل فيه كالبيع من نفسه.
وان وكله في خصومة رجل ووكله الرجل في خصومته، ففيه وجهان.
أحدهما: لا يصح لانه توكيل في أمر يجتمع فيه غرضان متضادان، فلم يصح، كما لو وكله أحدهما في بيع عبده ووكله آخر في شرائه.
والثانى: يصح، لانه لا يتهم في اقامة الحجة لكل واحد منهما مع حضور الحاكم فان وكل عبد الرجل ليشترى له نفسه أو عبدا غيره من مولاه، ففيه وجهان.
(احدهما) يجوز، لانه لما جاز توكيله في الشراء من غير مولاه جاز توكيله في الشراء من مولاه (والثانى) لا يجوز، لان يد العبد كيد المولى، ولهذا يحكم له بما في يد العبد كما يحكم له بما في يده.
ثم لو وكل المولى في الشراء من نفسه لم يجز فكذلك إذا وكل العبد.

(الشرح) الاحكام: إذا وكله في بيعها لا يجوز له أن يبيعها من نفسه، فان أذن له كان بيعا، فان وقع حين التسليم وعقد الوكالة كان بيعا ولا عبرة بالوكالة ولان العرف في البيع وأيضا أحكام الشريعة في البيع تقوم على الايجاب، والايجاب هو أن يوجب لغيره، ولان اذن البيع يقتضى من الوكيل أن يبيع بما هو الاحظ في الثمن من حيث استقصاء الثمن بغير محاباة، فلو باع من نفسه فانه ربما تغاضى عن مراعاة هذا الاعتبار بمحاباة نفسه، ولم يدخل في الاذن.
ودليلنا أن كل ما عقده الوكيل للموكل اقتضى وقوع الملك بالعقد للموكل كالنكاح، ولان كل من ناب في العقد عن غيره وقع الملك به للمعقود له دون عاقده قياسا على ولى اليتيم وأب الطفل، ولانه لما كان الوكيل في البيع لا يملك الثمن ويكون الثمن بالعقد ملكا للموكل وجب أن يكون الوكيل في الشراء لا يملك الثمن ويكون الملك بالعقد واقعا للموكل وأما الجواب عن استدلالهم بالشفعة فمنتقض بولي اليتيم وأب الطفل، ثم المعنى في الشفيع أنه يملك المبيع بالشفعة دون العقد.
وأما الجواب عن استدلالهم بالثمن فسيذكر من شرح المذهب فيه ما يكون انفصالا عنه.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تمام العقد لمتعاقدين فكذا موجبه من الملك يكون واقعا بالمتعاقدين فهو أنه منتقض بالحاكم وولى اليتيم وأب الطفل وبعقد النكاح، وليس لهم استدلال في المسألة يسلم من الكسر.
(فرع) قال في الحاوى: قال المزني: أعلم للوكيل والوصى أن يشترى من نفسه.
اعلم أن النيابة في البيع والشراء قد يكون من أربعة أوجه، أحدها من جهة النسب، وهى الاب والجد على ابنه الطفل، والثانى من جهة الحكم، وهى للحاكم أو أمينه على المولى عليه لصغر أو سفه.
والثالث من جهة الوصية، وهى وصاية الاب والجد وغيرهما على الطفل ممن تصح وصايته.
والرابع من جهة الوكالة، وهو الوكيل الرشيد، فاختلف الفقهاء هل لهم ولاية أن يبيعوا على أنفسهم مالهم بيعه، ويشتروا من أنفسهم ما لهم شراؤه؟ على أربعة مذاهب (أحدها) وهو مذهب مالك والاوزاعي أنه يجوز لجميعهم أن يبيعوا على أنفسهم ويشتروا من أنفسهم.

والمذهب الثاني، وهو قول زفر بن الهذيل: أنه لا يجوز لجميعهم أن يبيعوا على أنفسهم ولا أن يشتروا من أنفسهم والمذهب الثالث، وهو قول أبى حنيفة: أنه يجوز ذلك لجميعهم إلا الوكيل وحده.
والمذهب الرابع، وهو مذهب الشافعي: أنه لا يجوز ذلك لجميعهم إلا الاب وحده والجد مثله واستدل من ذهب إلى جوازه لجميعهم بأن المقصود في البيع حصول الثمن وفى الشراء حصول المشترى.
ولذلك لم يلزم ذكر من له البيع والشراء بخلاف النكاح، فلم يقع الفرق بين حصول الثمن من النائب وغيره لحصول المقصود في الحالين، وقياسا على الاب أن كل من جاز له بيعه على نفسه كالاب واستدل من منع جوازه لجميعهم بأن الانسان مجبول على تغليب حظ نفسه على حظ غيره، والنائب مندوب إلى طلب الحظ المستبين فإن باع نفسه انصرف بجبلة الطبع إلى حظ نفسه، فصار المقصود بالنيابة معدوما فلم يجز، وقياسا على الوكيل لانه نائب في العقد عن غيره فلم يجز أن يعقد مع نفسه واستدل من منع منه للوكيل وحده، وأجاز لمن سواه بأن نيابة الوكيل غير جائز الامر فكان مأذونا له من غير ولاية فصار أنقص حالا من ذى الولاية.
فجاز للولى مبايعة نفسه لقوة سببه كالاب، ولم يجز لغير ذى الولاية كالوكيل مبايعة نفسه لضعف سببه كالأجنبي ودليلنا أن غير الاب لا يجوز له مبايعة نفسه، ما روى أن رجلا أوصى إلى رجل بوصية فأراد الوصي بيع فرس من التركة على نفسه، فسأل عبد الله بن مسعود عن جوازه فقال لا.
وليس نعرف له مخالفا في الصحابة ولا جبلة الطبع تصرفه عن حظ غيره إلى حظ نفسه، ولان كل من كانت ولايته لغيره لم يكن له مبايعة نفسه كالوكيل ودليلنا على أن الاب يجوز له مبايعة نفسه هو أن الاب مجبول بحيوية الابوة وشدة الميل والمحبة على طلب الحظ لولده والايثار على نفسه والاستكثار لولده ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: الولد مجبنة مبخلة مجهلة، فانتفت التهمة عنه في مبايعة نفسه.
وهذا المعنى مفقود فيمن عداه، فصار هذا الحكم لاختصاصه

بمعناه مقصورا عليه منتفيا عما سواه.
وهذا دليل وانفصال، فلو وكل الابن البالغ أباه في بيع سلعة، فاختلف أصحابنا هل يجوز له بيعها على نفسه أم لا؟ على وجهين: (أحدهما) يجوز كما لو كان في حجره تغليبا لحكم الابوة (والثانى) لا يجوز، لان ارتفاع الحجر يقتضى تغليب الوكالة.
(فرع) فأما الوصي والوكيل إذا أراد بيعها لمتولاه بالوصية والوكالة، على ابن نفسه أو على أب نفسه ففيه لاصحابنا وجهان (أحدهما) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى: أنه يجوز لانه غير مبايع لنفسه (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أنه لا يجوز لانه مقهور في الميل إلى ولده كما كان مقهورا في الميل إلى نفسه.
ولذلك لم يجز أن يشهد لولده، كما لا يصح منه الشهادة لنفسه فلم يجز مبايعة ولده بمال غيره، كما لم يجز مبايعة نفسه أو يشترى من نفسه، فمذهب الشافعي رضى الله عنه أنه غير جائز لما فيه تنافى المقصود والغرض من الوكالة قال الماوردى: لان عقد الوكالة قد أوجب عليه الاستقصاء لموكله، وإذا كان هو المشترى انصرف منه إلى الاستقصاء لنفسه.
وقال ابن سريج: يجوز ذلك كما يجوز أن يجعل إلى زوجته الطلاق لنفسها أو إلى أمته عتقها قال الماوردى: وهذا خطأ لما ذكرنا في الفرق بين البيع والطلاق والعتق من ثلاثة أوجه (أحدها) أن في البيع ثمنا يختلف بالزيادة والنقصان، فصار بالميل إلى نفسه متهما فيه، وليس في الطلاق والعتق لمن تصير بالميل إلى نفسها متهمة فيه (والثانى) أن العتق والطلاق أوسع لوقوعهما بالصفات، والبيع أضيق حكما منهما.
(والثالث) أنه ليس في الطلاق والعتق قبول معتبر.
وفى البيع قبول معتبر فلم يجز أن يكون الباذل قابلا.
فأما إذا وكله رجل في بيع سيارته ووكله آخر في شراء السيارة الموكل في بيعها لم يجز لتنافى المقصود في العقدين، وكان له أن يقيم على إحدى الوكالتين، فإن أراد أن يقيم على أسبقهما في بيع أو شراء جاز، وإن أراد أن يقيم على الثانية فيهما بيعا كان أو شراء احتمل وجهين، لان ثبوت الاولة يمنع من جواز الثانيه

والوجه الثاني: يجوز، لان الوكالة لا تلزم، فلم يكن للمتقدمة منهما تأثير، وتبطل بقبول الثانية.
ومثل ذلك يقال في التوكل في الخصومة قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وكل في شراء سلعة موصوفة لم يجز أن يشترى معيبا لان إطلاق البيع يقتضى السلامة من العيب، ولهذا لو اشترى عينا فوجد بها عيبا ثبت له الرد، فإن اشترى معيبا نظرت، فإن اشتراه وهو يعلم أنه معيب لم يصح الشراء للموكل، لانه اشترى له ما لم يأذن فيه، فلم يصح له، وإن اشتراه وهو لا يعلم أنه معيب ثم علم لم يخل إما أن يرضى به أو لا يرضى، فإن لم يرض به نظرت، فان علم الموكل ورضى به لم يجز للوكيل رده، لان الرد لحقه وقد رضى به فسقط.
وإن لم يعلم الموكل ثبت للوكيل الرد، لانه ظلامة حصلت بعقده فجاز له رفعها كما لو اشترى لنفسه فإن قال له البائع: أخر الرد حتى تشاور الموكل، فإن لم يرض قبلته لم يلزمه التأخير، لانه حق تعجل له فلم يلزمه تأخيره، وإن قبل منه وأخره بهذا الشرط فهل يسقط حقه من الرد، فيه وجهان: (أحدهما) يسقط لانه ترك الرد مع القدرة (والثانى) لا يسقط لانه لم يرض بالعيب، فان ادعى البائع أن الموكل علم بالعيب ورضى به فالقول قول الوكيل مع يمينه، لان الاصل عدم الرضا، فان رضى الوكيل بالعيب سقط خياره، فان حضر الموكل ورضى بالعيب استقر العقد وإن اختار الرد نظرت فان كان قد سماه الوكيل في الابتياع أو نواه وصدقه البائع جاز أن يرده، لان الشراء له وهو لم يرض بالعيب، وإنما رضى وكيله فلا يسقط حقه من الرد، وإن لم يسمه الوكيل في الابتياع ولا صدقه البائع أنه نواه فالمنصوص أن السلعة تلزم الوكيل، لانه ابتاع في الذمة للموكل ما لم يأذن فيه له ومن أصحابنا من قال يلزم الموكل، لان العقد وقع له وقد تعذر الرد بتفريط الوكيل في ترك الرد، ويرجع الموكل على الوكيل بنقصان العيب، لان الوكيل صار كالمستهلك له بتفريطه

وفى الذى يرجع به وجهان (أحدهما) وهو قول أبى يحيى البلخى: أنه يرجع بما نقص من قيمته معيبا عن الثمن، فإن كان الثمن مائة وقيمة السلعة مائة لم يرجع بشئ، وإن كان الثمن مائة وقيمة السلعة تسعين رجع بعشرة، كما نقول في شاهدين شهدا على رجل أنه باع سلعة بمائة، فأخذت منه ووزن له المشترى الثمن، ثم رجع الشهود عن الشهادة فإن الحكم لا ينقض ويرجع البائع على الشهود بما نقص من القيمة عن الثمن، فان كان الثمن والقيمة سواء لم يرجع عليهم بشئ، وإن كانت القيمة مائة والثمن تسعون رجع بعشرة (والثانى) أنه يرجع بأرش العيب، وهو الصحيح، لانه عيب فات الرد به من غير رضاه فوجب الرجوع بالارش.
وإن وكل في شراء سلعة بعينها فاشتراها ووجد بها عيبا فهل له أن يرد من غير إذن الموكل؟ فيه وجهان (أحدهما) له أن يرد، لان البيع يقتضى السلامة من العيب ولم يسلم من العيب فثبت له الرد كما لو وكل في شراء سلعة موصوفة فوجد بها عيبا فعلى هذا يكون حكمه في الرد على ما ذكرناه في السلعة الموصوفة (والثانى) لا يرد من غير إذن الموكل لانه قطع نظره واجتهاده بالتعيين.
(الشرح) قال المزني رحمه الله تعالى: ولو وكله بشراء سلعة فأصاب بها عيبا كان له الرد بالعيب.
وليس عليه أن يحلف: ما رضى به الآمر، فهذا قول الشافعي ومعناه.
اه قال الماوردى في الحاوى: أعلم أن للموكل إذا أمر وكيله بشراء شئ فعلى حالين (أحدهما) أن يعينه (والثانى) أن يصفه ولا يعينه، فإن وصفه ولم يعينه لزمه أن يشتريه سليما من العيوب لان إطلاق الصفه يقتضيه، ويجوز للعامل في القراض أن يشترى السليم والمعيب، والفرق بينهما أن يشترى الوكيل للقنيه، وليس في المعيب صلاح للمقتنى، وشراء العامل في القراض طلبا للربح، وقد يوجد الربح في المعيب كوجوده في السليم فإن اشترى الوكيل شيئا على الصفة وكان معيبا فعلى ضربين (أحدهما) أن

يشتريه عالما بعيبه فالشراء غير لازم للموكل لاقدامه على ابتياع ما لم يقتضه الاذن وهو لازم للوكيل على ما تقدم من اعتبار صفة الاذن والضرب الثاني: أن يشتريه غير عالم بعيبه فللوكيل إذا علم بعيبه أن يبادر إلى رده ولا يلزمه استئذان موكله، لان رد المعيب من حقوق عقده.
فلو قال له البائع: قد أمهلتك في رده فطالع موكلك بعيبه لم يلزمه المطالعه وكان له تعجيل الرد لما ذكرنا، فإن رده ثم جاء الموكل راضيا بعيبه لم يكن لرضاه بعد ذلك تأثير لفسخ البيع بالرد قبل الرضى ولو رضى بعيب قبل رد الوكيل لزم البيع ولم يكن للوكيل الرد، ولو رضى رب المال في القراض بعيب المشترى كان للعامل أن يرده بخلاف الوكيل والفرق بينهما أن للعامل في القراض شرك في الربح.
وليس للوكيل فيه شرك فإن ادعى البائع على الوكيل حين أراد الرد أن موكله راض بالعيب فلا يمين له على الوكيل، فان ادعى عليه أنه قد علم برضى موكله بالعيب وكان عليه أن يحلف أنه ما علم برضى موكله بالعيب، وله الرد واسترجاع الثمن.
ثم للبائع إذا أراد الثمن على الوكيل وظفر بالموكل أن يحلفه بالله أيضا ما رضى بعيب المشترى الذى ابتاعه موكله قبل رده، فان نكل عن اليمين حلف البائع وحكم له بلزوم البيع واستحقاق الثمن، وهذا حكم الوكيل إذا رد بالعيب والله اعلم فأما إن رضى الوكيل بالعيب نظر في الموكل، فان رضى بالعيب كان الشراء لازما له، وإن لم يرض بالعيب نظر في عقد البائع فان كان قد سمى موكله فيه فله الرد، لان مالك المشترى لا يلتزم عيبا لم يرض به، وإن لم يسم الموكل في عقده نظر في البائع، فان صدق المبيع أن عقد الشراء لموكله كان له الرد، وإن لم يصدقه حلف له، ولا رد للوكيل على البائع لما تقدم من رضاه وفى كيفية رجوع الموكل به وجهان: (أحدهما) وهو قول أبى يحيى البلخى: أنه يرجع عليه بقدر النقص من ثمنه فأما إن كان يساوى معيبا بمثل ما اشتراه فلا شئ له على الوكيل لعدم النقص في الثمن استشهادا بأن من ادعى بيع سيارته بمائة على رجل وأنكر، وأقام المدعى بينة بالبيع فحكم له بالثمن ثم رجع الشهود، فان كان ثمن السيارة مائة

فلا غرم على الشهود، وإن كان ثمنها أقل من مائة غرم الشهود برجوعهم قدر النقص من ثمنها.
والوجه الثاني، وهو قول جمهور أصحابنا: أنه يرجع على الوكيل بأرش العيب سواء كان يساوى قدر ثمنه معيبا أم لا، لان العيب إذا فات معه الرد كان مقدرا بالارش، وإن لم يكن معتبرا بنقص الثمن، وليس كالذى استشهد به من رجوع الشهود، لان غارم الثمن بشهادتهم إنما يستحق الرجوع بما غرم، فإذا وصل إليه من الثمن لم يبق له حق بغرمه، فهذا حكم التوكيل في شراء سيارة موصوفة، فأما إذا كانت السيارة معيبة فهل للوكيل عند ظهور العيب أن يردها قبل استئذان موكله أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ جمهور أصحابنا لا رد له إلا بعد استئذان موكله فيها، لانه بالتعيين فيها قد قطع اجتهاده فيها، ولعله قد أمره بشرائها مع علمه بعيبها.
والوجه الثاني وهو قول أبى حامد الاسفرايينى: له الرد من غير استئذان، لان الرد من حقوق عقده، ولانها لا تكون مأخوذة به إن لم يرض الموكل بعيبها هذا والله الموفق للصواب.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وكل في بيع عبد أو شراء عبد لم يجز أن يعقد على بعضه، لان العرف في بيع العبد وشرائه أن يعقد على جميعه، فحمل الوكالة عليه، ولان في تبعيضه إضرارا بالموكل فلم يملك من غير إذن، وإن وكل في شراء أعبد أو بيع أعبد جاز أن يعقد على واحد واحد، لان العرف في العبيد أن تباع وتشترى واحدا واحدا، ولانه لا ضرر في إفراد بعضهم عن بعض، وإن وكله أن يشترى له عشرة اعبد صفقة واحدة فابتاع عشرة أعبد من اثنين صفقة واحدة، ففيه وجهان، قال أبو العباس: يلزم الموكل، لانه اشتراهم صفقة واحدة، ومن أصحابنا من قال: لا يلزم الموكل، لان عقد الواحد مع الاثنين عقدان (فصل) ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع بغير نقد البلد من غير إذن،

ولا للوكيل في الشراء أن يشترى بغير نقد البلد من غير إذن، لان إطلاق البيع يقتضى نقد البلد، ولهذا لو قال: بعتك بعشرة دراهم حمل على نقد البلد، وإن كان في البلد نقدان باع بالغالب منهما، لان نقد البلد هو الغالب، فإن استويا في المعاملة باع بما هو أنفع للموكل، لانه مأمور بالنصح له، ومن النصح أن يبيع بالانفع، فان استويا باع بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا على الآخر فخير بينهما وإن أذن له في العقد بنقد لم يجز أن يعقد بنقد آخر، لان الاذن في جنس ليس بإذن في جنس آخر، ولهذا لو أذن له في شراء عبد لم يجز أن يشترى جارية، ولو أذن له في شراء حمار لم يجز أن يشترى فرسا.
(الشرح) الاحكام: إذا وكله في بيع الشئ جميعه لانه لا يتجزأ، أو يتجزأ ولكن الاذن منعقد على أن يباع صفقة واحدة، فلبس له أن يبيع بعضه، فان قال له: بع هذه السيارة بمائة، فباع نصفها بسبعين، فان هذا البيع لا يلزم الموكل، لانه لا يأمن أن يبيع الباقي بثلاثين فإن قال له: بع هذه السيارة بمائة، فباع نصفها بمائة جاز، لانه زاد خيرا وأتى بالغرض للموكل من الحصول على المائه، وزيادة ملكيته لنصف السيارة، وليس عليه ضير من هذه التجزئة.
وكذلك توكيله في بيع شيئين بمائه فباع أحدهما بمائه.
وبهذا قال أحمد والشافعي ومحمد وأبو يوسف وقال أبو حنيفة: يجوز أن يبيع بعض الموكل فيه بأى ثمن إذا كان التوكيل مطلقا بناء على أصله في أن للوكيل المطلق البيع بما شاء.
أما الشراء فإذا وكله في شراء طن من الورق فاشتراه رزمه رزمه، فإذا كان ثمنه ثمن الطن مرة واحدة جاز إذا لم يختلف بعضها عن بعض نوعا أو وزنا أو لونا أو ملمسا، وعند أحمد لا يصح لعدم الاذن والذى يدور عليه مفهوم الوكالة هو اذن الموكل أولا، وتوخى الانفع أو الاحظ له ثانيا، ومراعاة أن يكون النقد الذى يبيع به نقدا محليا، حتى لا يشق على الموكل الانتفاع به أو الحصول على نقد معتبر متداول معروف، فقد تتفق بعض النقود في الاسماء ولكنما تختلف من حيث القيمة وجهة الاصدار،

والمعتبر هو نقد بلد البيع وليس بلد التوكيل، فقد تعقد الوكالة في بلد والمراد بيعه في بلد آخر فيكون البيع بنقد البلد الذى جرى فيه البيع، وذلك لمعرفة أهل البلد بنقدهم، وتقويمهم المبيع بنقدهم يمنع وقوعهم في الغرر.
قال الماوردى: لما لم يصح من الوكيل أن يشترى بغير نقد البلد لم يصح من الوكيل في البيع أن يبيع بغير نقد البلد، وتحريره أنه عقد معاوضه بوكاله مطلقه فوجب أن لا يصح بغير نقد البلد قياسا على الشراء، أو لان كل جنس لا يجوز للوكيل أن يبتاع به لم يجز للوكيل أن يبيع به قياسا على البيع بغير جنس الاثمان وبالمحرمات، فعلى هذا لو كان غالب نقد البلد ذهبا لم يبعه بالفضة، ولو كان كلا النقدين سواء وليس أحدهما غالبا لزم الوكيل ببيعها بأحظها للموكل، فان استويا كان حينئذ مخيرا في بيعه بأيهما شاء، فان باعه بكلا النقدين فان كان في عقدين صحا جميعا إذا كان مما يجوز تفريق الصفقه في بيعه، وإن كان في عقد واحد فعلى وجهين أحدهما: يجوز الجمع بين النقدين كما جاز إفراد كل واحد من النقدين.
والثانى: لا يجوز، لان غالب البياعات يتناول جنسا واحدا من الاثمان فلم يجز أن يعدل إلى غالبها، وبالله التوفيق قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان دفع إليه ألفا وقال اشتر بعينها عبدا، فاشترى في ذمته لم يصح الشراء للموكل لانه لم يرض بالتزام غير الالف، فإذا ابتاع بألف في الذمه فقد ألزمه في ذمته ألفا لم يرض بالتزامها فلم يلزمه.
وان قال اشتر لى في الذمه وانقد الالف فيه، فابتاع بعينها ففيه وجهان، أحدهما أن البيع باطل، لانه أمره بعقد لا ينفسخ بتلف الالف فعقد عقدا ينفسخ بتلف الالف، وذلك لم يأذن فيه ولم يرض به.
والثانى أنه يصح لانه أمره بعقد يلزمه الثمن مع بقاء الالف ومع تلفها وقد عقد عقدا يلزمه الثمن مع بقائها ولا يلزمه مع تلفها فزاده بذلك خيرا، وان دفع إليه ألفا وقال اشتر عبدا ولم يقل بعينها، ففيه وجهان.
أحدهما أن مقتضاه الشراء بعينها لانه لما دفع إليه الالف دل على أنه قصد الشراء بها، فعلى هذا إذا اشترى في ذمته لم يصح الشراء.
والثانى أنه لا يقتضى الشراء بعينها لان الامر مطلق، فعلى هذا يجوز أن يشترى بعينها، ويجوز أن يشترى في الذمه وينقد الالف فيه.

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل