كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَرْبَعًا وَقَعَدَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ السَّلَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُ وَتَقَعُ الْأَخِيرَتَانِ نَفْلًا وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ هَذَا الْقَدْرَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ
- وَاحْتُجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ الْقَصْرَ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ " قَالَ الزُّهْرِيُّ قُلْت لِعُرْوَةِ فَمَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ قَالَ تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ " صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّيْت مَعَ أَبِي بَكْرٍ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْت مَعَ عُمَرَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ " صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِرَكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا الزِّيَادَةُ كَالْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ لَا جُنَاحَ إلَّا فِي الْمُبَاحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا من ربكم) وقَوْله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النساء وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خطبة النساء لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ اشتاتا) (فَإِنْ قَالُوا) هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَتْ بِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهُوَ ثَابِتٌ
عَنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ " أُنْزِلَتْ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا شَكُّوا فِي جَوَازِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ شِعَارَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ جَوَابًا لَهُمْ
- وَاحْتَجُّوا مِنْ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ويتم ويفطر ويصوم " رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ
- وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْمُتَقَدِّمِ فِي إتْمَامِ عُثْمَانَ وَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ وَاجِبًا لَمَا وَافَقُوهُ عَلَى تَرْكِهِ وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ إنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا قَالَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ رَكْعَتَيْنِ حَتْمًا لَمَا جَازَ فِعْلُهَا أَرْبَعًا خَلْفَ مُسَافِرٍ وَلَا حَاضِرٍ كَالصُّبْحِ (فَإِنْ قَالُوا) الصُّبْحُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا خَلْفَ الظُّهْرِ عِنْدَنَا (قُلْنَا) فَكَذَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ لَا تُصَحِّحُوا الظُّهْرَ فِي الْمُسَافِرِ خَلْفَ مُتِمٍّ وَلِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ أُبِيحَ لِلسَّفَرِ فَجَازَ تَرْكُهُ كَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا وَسَائِرِ الرُّخَصِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ قَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ الْقَصْرُ وَالْإِتْمَامُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِهِ وَمِنْ إقْرَارِهِ لِعَائِشَةَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِمَا لَكِنَّ الْقَصْرَ كَانَ أَكْثَرَ فَدَلَّ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَا (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ " أَنَّ مَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا وَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَتَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ وَتَأْوِيلُهُمَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ جَائِزًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَصِحُّ وَقَدْ أَوْضَحْت فَسَادَهُ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَلِأَنَّ الْمُخَالِفِينَ أَضْمَرُوا فِيهِ أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُقِيمٍ وَأَضْمَرْنَا فِيهِ إذَا أَرَادَ الْقَصْرَ وَلَيْسَ أَضِمَارُهُمْ بِأُولَى مِنْ إضْمَارِنَا وَمِمَّا يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ
فِي السَّفَرِ أَصْلٌ لَا مَقْصُورَةٌ وَإِنَّمَا صَلَاةُ الْحَضَرِ زَائِدَةٌ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي تَسْمِيَتِهَا مَقْصُورَةً وَمَتَى خَالَفَ خَبَرُ الْآحَادِ نَصَّ الْقُرْآنِ أَوْ إجْمَاعًا وَجَبَ تَرْكُ ظَاهِرِهِ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ " فَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْحَضَرِ وَقَوْلُهُ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ مَعْنَاهُ تَامَّةُ الْأَجْرِ هَذَا إذَا سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَإِلَّا فَقَدْ أَشَارَ النَّسَائِيُّ إلَى تَضْعِيفِهِ فَقَالَ لَمْ يَسْمَعْهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِنْ عُمَرَ وَلَكِنْ قد رواه
الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ عن عُجْرَةَ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلُهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ (وَأَمَّا الْجَوَابُ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَالصُّبْحَ شُرِعَتَا رَكْعَتَيْنِ مِنْ أَصْلِهِمَا لَا يقبلان تغيبر بحال بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ فَإِنَّهَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ لَزِمَهُ أَرْبَعٌ وَلَيْسَ كذلك الجمعة والصبح والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرٍ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ كَالسَّفَرِ لَقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قِتَالِ المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخص بشئ مِنْ رُخَصِ الْمُسَافِرِينَ لِأَنَّ الرُّخْصَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّقَ بِالْمَعَاصِي وَلِأَنَّ فِي جَوَازِ الرُّخْصِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهَذَا لا يجوز)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا خَرَجَ مُسَافِرًا عَاصِيًا بِسَفَرِهِ بِأَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا أَوْ آبِقًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ نَاشِزَةً مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مُتَغَيِّبًا عَنْ غَرِيمِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى قَضَاءِ دِينِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِالْقَصْرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إلَّا الْمُزَنِيَّ فَجَوَّزَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا التيمم
فَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِهِ أَنَّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ وَلَا إعَادَةَ (وَالثَّالِثُ) يَحْرُمُ التَّيَمُّمُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَيَكُونُ كَتَارِكِهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا بِالتَّيَمُّمِ بِأَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَبِيحَ التَّيَمُّمِ وَسَائِرَ الرُّخَصِ هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ خَرَجَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ سَفَرٍ مُبَاحٍ ثُمَّ نَقَلَهُ إلَى مَعْصِيَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَحَدُهُمَا) يَتَرَخَّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ السَّفَرَ انْعَقَدَ مُبَاحًا مُرَخَّصًا فَلَا يَتَغَيَّرُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا ظَاهِرُ النَّصِّ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا يَتَرَخَّصُ مِنْ حِينِ نَوَى الْمَعْصِيَةَ لِأَنَّ سَفَرَ الْمَعْصِيَةِ يُنَافِي التَّرَخُّصَ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَنْ سَافَرَ مُبَاحًا إلَى مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ نَوَى فِي طَرِيقِهِ إنْ لَقِيت فُلَانًا رَجَعْت فَهَلْ لَهُ اسْتِدَامَةُ التَّرَخُّصِ فِيهِ وَجْهَانِ أَمَّا إذَا أَنْشَأَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ تَابَ فِي أَثْنَاءِ طَرِيقِهِ وَنَوَى سَفَرًا مُبَاحًا وَاسْتَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ إلَى مَقْصِدِهِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ ابْتِدَاءَ سَفَرِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنْ كَانَ مِنْهُ إلَى مَقْصِدِهِ مَرْحَلَتَانِ تَرَخَّصَ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَا (وَالثَّانِي) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّ طرءان سفر الطاعة كطرءان نِيَّةِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَيَكُونُ فِيهِ الْوَجْهَانِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ مُبَاحٍ وَقَصْدٍ صَحِيحٍ ثُمَّ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فِي طَرِيقِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ فَلَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ بِخِلَافِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ
- (فَرْعٌ) لَيْسَ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ فَلَا يَسْتَبِيحُهُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى اسْتِبَاحَتِهِ بِالتَّوْبَةِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَحْيَاءُ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ وَأَمَّا الْمُقِيمُ الْعَاصِي إذَا أَضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ فَيُبَاحُ لَهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَحَكَى الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهَا لَا تُبَاحُ لَهُ حتى يتوب
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا مِمَّا يَلْحَقُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ وَيُعَذِّبَ دَابَّتَهُ بِالرَّكْضِ لِغَيْرِ غَرَضٍ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ انْتَقَلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ بِلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ لَمْ يَتَرَخَّصْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّفَرُ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ لَيْسَ بِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَلَا يَتَرَخَّصُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ: مَذْهَبُنَا جَوَازُ الْقَصْرِ فِي كُلِّ سَفَرٍ لَيْسَ مَعْصِيَةً سَوَاءٌ الْوَاجِبُ وَالطَّاعَةُ وَالْمُبَاحُ كَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَجُوزُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ وَعَنْ عَطَاءٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي سَفَرِ طَاعَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ وَاجِبًا وَرِوَايَةٌ كَمَذْهَبِنَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَغَيْرِهِ دَلِيلُنَا عَلَى الْأَوَّلِينَ إطْلَاقُ النُّصُوصِ وَعَلَى الْآخَرِينَ قَوْله تَعَالَى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مخمصة غير متجانف لاثم) وَأَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَجَمِيعُ رُخَصِ السَّفَرِ لَهَا حُكْمُ الْقَصْرِ فِي هَذَا فَلَا يَسْتَبِيحُ العاصى بسفره شيئا حَتَّى يَتُوبَ وَمِنْهَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَجَوَّزَهُ لَهُ أبو حنيفة: دليلنا الاية
- قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا أَنْ يُفَارِقَ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) فَعَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ بُنْيَانَ الْبَلَدِ فَإِنْ اتَّصَلَ حِيطَانُ الْبَسَاتِينِ بِحِيطَانِ الْبَلَدِ فَفَارَقَ بُنْيَانَ الْبَلَدِ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّ الْبَسَاتِينَ لَيْسَتْ مِنْ الْبَلَدِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْيَةٍ وَبِجَنْبِهَا قَرْيَةٌ فَفَارَقَ قَرْيَتَهُ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ إنْ كَانَتْ الْقَرْيَتَانِ مُتَقَارِبَتَيْنِ فَهُمَا كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَهُمَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ فَإِنْ كَانَتْ خِيَامًا مُجْتَمَعَةً لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ جَمِيعَهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً قَصَرَ إذَا فَارَقَ مَا يَقْرُبُ مِنْ خَيْمَتِهِ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الْبَلَدِ وَأَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ حَتَّى يَجْتَمِعُوا وَيَخْرُجُوا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْقَصْرُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْطَعُوا بِالسَّفَرِ وَإِنْ قَالُوا نَنْتَظِرُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعُوا سِرْنَا جَازَ لَهُمْ أَنْ يَقْصُرُوا لِأَنَّهُمْ قطعوا بالسفر
(الشَّرْحُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ إنْ سَافَرَ مِنْ بَلَدٍ لَهُ سُورٌ مُخْتَصٌّ بِهِ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَةُ السُّورِ سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَهُ بَسَاتِينُ وَمَزَارِعُ أَمْ لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسَافِرًا قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ فَإِذَا فَارَقَ السُّوَرَ تَرَخَّصَ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ مُفَارَقَتِهِ حَتَّى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ إذَا صَارَ خَارِجَ الْبَلَدِ تَرَخَّصَ وَإِنْ كَانَ ظَهْرُهُ إلَى السُّورِ يَعْنِي مُلْصَقًا بِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ السُّوَرِ دُورٌ وَمَقَابِرُ مُتَّصِلَةٌ بِهِ أَمْ لَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ خَارِجَ السُّورِ دُورٌ أَوْ مَقَابِرُ مُلَاصِقَةٌ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَعَجَبٌ مِنْ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ تَرْجِيحَهُ الثَّانِيَ مَعَ تَرْجِيحِهِ الْأَوَّلِ فِي الشَّرْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَلَدِ سُورٌ أَوْ كَانَ لَهُ سُورٌ فِي بَعْضِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَوْبِ مَقْصِدِهِ فَابْتِدَاءُ سَفَرِهِ بِمُفَارَقَةِ الْعُمْرَانَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتٌ مُتَّصِلٌ وَلَا مُنْفَصِلٌ وَالْخَرَابُ الْمُتَخَلِّلُ لِلْعُمْرَانِ مَعْدُودٌ مِنْ الْبَلَدِ وَكَذَا النَّهْرُ الْحَائِلُ بَيْنَ جَانِبَيْ بَلَدٍ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَسَاكِنُ خَرِبَتْ وَخَلَتْ مِنْ السَّكَّانِ وَلَا عِمَارَةَ وَرَاءَهَا فَإِنْ اتَّخَذُوا مَوْضِعَهَا مَزَارِعَ أَوْ هَجَرُوهُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَى الْعَامِرِ وَذَهَبَتْ أُصُولُ الْحِيطَانِ لَمْ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذُوهُ مَزَارِعَ وَلَا حَوَّطُوا على العابر وَبَقِيَتْ أُصُولُهُ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْكُونًا فَأَشْبَهَ الصَّحْرَاءَ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَوْ جُمْهُورُهُمْ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ الْبِلَادِ أَمَّا الْبَسَاتِينُ وَالْمَزَارِعُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْبَلَدِ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ مَحُوطَةً هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي والرافعي وجها انه يشترط وليس بشئ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَسَاتِينِ دُورٌ أَوْ قُصُورٌ يَسْكُنُهَا مُلَّاكُهَا بَعْضَ فُصُولِ السَّنَةِ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا هَكَذَا قَالَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضُ لَهُ الْجُمْهُورُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لانها ليست من البلد فلا يصير مِنْهُ بِإِقَامَةِ بَعْضِ النَّاسِ فِيهَا بَعْضَ الْفُصُولِ قال أصحابنا لو كان للبلد جانبين بَيْنَهُمَا نَهْرٌ كَبَغْدَادَ فَعَبَرَ الْمُنْشِئُ لِلسَّفَرِ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبُنْيَانَ فِي الْجَانِبِ الثَّانِي لِأَنَّهُمَا بَلَدٌ وَاحِدٌ قَالَ الْقَاضِي
أَبُو الطَّيِّبِ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ كَانَ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ مَيْدَانٌ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَ جمع بُنْيَانِ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا عَنْ الْأَصْحَابِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ: هَذَا حُكْمُ الْبَلْدَةِ الْكَبِيرَةِ وَأَمَّا الْقَرْيَةُ الصَّغِيرَةُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ لَهَا حُكْمُ الْبَلْدَةِ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مُجَاوَزَةُ الْمَزَارِعِ الْمَحُوطَةِ وَلَا الْبَسَاتِينِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ إنْ كَانَتْ الْبَسَاتِينُ أَوْ الْمَزَارِعُ مَحُوطَةً اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْمَزَارِعِ الْمَحُوطَةِ وَلَا الْبَسَاتِينِ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ وَيُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ الْمَحُوطَةِ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَرْيَةَ كَالْبَلْدَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ البساتين والمزارع المحوطة ويجئ فِيهَا وَجْهُ الْمُتَوَلِّي: أَمَّا إذَا كَانَتْ قَرْيَتَانِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا انْفِصَالٌ فَهُمَا كَمَحَلَّتَيْنِ مِنْ قَرْيَةٍ فَيُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُمَا بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْأُخْرَى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَإِنْ انْفَصَلَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى فَجَاوَزَ قَرْيَتَهُ جَازَ الْقَصْرُ سَوَاءٌ قَرُبَتْ الْأُخْرَى مِنْهَا أَمْ بَعُدَتْ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إذَا تَقَارَبَتَا اُشْتُرِطَ مُفَارَقَتُهُمَا وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ هُوَ الْأَوَّلُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي حَتَّى لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ذِرَاعٌ لَمْ يُشْتَرَطْ مُجَاوَزَةُ الْأُخْرَى بَلْ يَقْصُرْ بِمُفَارَقَةِ قَرْيَتِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ جَمَعَ سُورٌ قُرًى مُتَفَاصِلَةً لَمْ يُشْتَرَطْ مُجَاوَزَةُ السُّورِ وَكَذَا لَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ فِي بَلْدَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ وَلِهَذَا قُلْنَا أَوَّلًا إنْ ارْتَحَلَ مِنْ بَلْدَةٍ لَهَا سُورٌ مُخْتَصٌّ بِهَا وَأَمَّا الْمُقِيمُ فِي الصَّحْرَاءِ فَيُشْتَرَطُ مُفَارِقَتُهُ لِلْبُقْعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا رَحْلُهُ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ فَإِنْ سكن واديا وسار في عرضه فلابد مِنْ مُجَاوَزَةِ عَرْضِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ الْأَصْحَابُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاتِّسَاعِ الْمُعْتَادِ فِي الْأَوْدِيَةِ فَإِنْ أَفْرَطَتْ سِعَتُهُ لَمْ يُشْتَرَطُ إلَّا مُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ الَّذِي يُعَدُّ مَوْضِعَ نُزُولِهِ أَوْ مَوْضِعَ الْحِلَّةِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا كَمَا لَوْ سَافَرَ فِي طُولِ الْوَادِي فَإِنَّهُ يَكْفِيه ذَلِكَ الْقَدْرُ بِلَا خِلَافٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ عَرْضِهِ مُطْلَقًا وَجَانِبَا الْوَادِي كَسُورِ الْبَلَدِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَلَوْ كَانَ نَازِلًا فِي رَبْوَةٍ اُشْتُرِطَ أَنْ يَهْبِطَ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ فِي وَهْدَةٌ اُشْتُرِطَ أَنْ يَصْعَدَ وَهَذَا إذَا كَانَتَا مُعْتَدِلَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَادِي وَلَا فَرْقَ فِي اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ عَرْضِ الْوَادِي وَالْهُبُوطِ وَالصُّعُودِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ فِي خَيْمَةٍ وَمَنْ هُوَ فِي جَمَاعَةٍ أَهْلِ خِيَامٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ خِيَامٍ فَإِنَّمَا يَتَرَخَّصُ إذَا فَارَقَ الْخِيَامَ كُلَّهَا مُجْتَمَعَةً كَانَتْ أَوْ مُتَفَرِّقَةً إذَا كَانَتْ حِلَّةً
وَاحِدَةً وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبْنِيَةِ الْبَلَدِ وَلَا يُشْتَرَطُ مُفَارِقَتُهُ لِحِلَّةٍ أُخْرَى بَلْ الْحِلَّتَانِ كَبَلْدَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ وَضَبَطَ الصَّيْدَلَانِيُّ التَّفَرُّقَ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ بِأَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَجْتَمِعُونَ لِلسَّمَرِ فِي نَادٍ وَاحِدٍ وَيَسْتَعِيرُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِنْ كَانُوا هَكَذَا فَهِيَ حِلَّةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ مَعَ مجاوزة الْخِيَامَ مُجَاوَزَةُ مَرَافِقِهَا كَمَطْرَحِ الرَّمَادِ وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وَالنَّادِي وَمَرَاحِ الْإِبِلِ لِأَنَّهَا مِنْ مَوْضِعِ إقَامَتِهِمْ وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُفَارَقَةُ الْخِيَامِ بَلْ يَكْفِي مُفَارَقَةُ خَيْمَتِهِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ: ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا فَارَقَ بُنْيَانَ الْبَلَدِ قَصَرَ وَلَا يَقْصُرُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا وَإِنْ فَارَقَ مَنْزِلَهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا فَصَلَّى بهم ركعتين في منزله وفيهم الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ وَرُوِّينَا مَعْنَاهُ عَنْ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ نَهَارًا حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ خَرَجَ بِالنَّهَارِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَدْخُلَ اللَّيْلُ وَإِنْ خَرَجَ بِاللَّيْلِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَدْخُلَ النَّهَارُ وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا جَاوَزَ حِيطَانَ دَارِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ فَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ فَمَذْهَبُ مُجَاهِدٍ مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي قَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ وَمُوَافِقِيهِ مُنَابِذٌ لِاسْمِ السَّفَرِ
- (فَرْعٌ) إذَا فَارَقَ بُنْيَانَ الْبَلَدِ ثُمَّ رَجَعَ لِحَاجَةٍ فَلَهُ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْبَلَدُ وَطَنَهُ وَلَا أَقَامَ فِيهِ فَلَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِالرُّجُوعِ وَلَا بِدُخُولِهِ بَلْ لَهُ التَّرَخُّصُ بِالْقَصْرِ وَغَيْرِهِ فِي رُجُوعِهِ وَفِي نَفْسِ الْبَلَدِ (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ وَطَنَهُ فَلَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ فِي رُجُوعِهِ وَإِنَّمَا يَتَرَخَّصُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ ثَانِيًا هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ فِي رُجُوعِهِ لَا فِي الْبَلَدِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ (الثَّالِثُ) أَنْ لَا يَكُونَ وَطَنُهُ لَكِنَّهُ أَقَامَ فِيهِ مُدَّةً فَهَلْ لَهُ التَّرَخُّصُ فِي رُجُوعِهِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) يَتَرَخَّصُ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ غَيْرُ نَاوِي الْإِقَامَةِ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْمُتَوَلِّي (وَالثَّانِي) لَا يَتَرَخَّصُ وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ لِأَنَّهُ عَائِدٌ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَتَرَخَّصُ إذَا عَادَ فَنَوَى الْعَوْدَ وَلَمْ يَعُدْ
لَمْ يَتَرَخَّصْ بَلْ صَارَ بِالنِّيَّةِ مُقِيمًا وَسَوَاءٌ زَمَنُ الرُّجُوعِ وَزَمَنُ الْحُصُولِ فِي الْبَلَدِ فِي الحالتين فحيث ترخص بترخص فِيهِمَا وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَوْضِعِ الرُّجُوعِ إلَى الْوَطَنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَإِنْ كَانَتْ فَهُوَ مُسَافِرٌ فَيَتَرَخَّصُ بِلَا خِلَافٍ
- (فَرْعٌ) لَوْ خَرَجُوا مِنْ الْبَلَدِ وَأَقَامُوا فِي مَوْضِعٍ بِنِيَّةِ انْتِظَارِ رُفْقَتِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ خَرَجُوا سَارُوا كُلُّهُمْ وَإِلَّا رَجَعُوا وَتَرَكُوا السَّفَرَ لَمْ يَجُزْ لهم القصر لانهم لم يجزوا بِالسَّفَرِ وَهَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَأَمَّا إذَا قَالَ نَنْتَظِرُهُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً فَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا سِرْنَا فَلَهُمْ الْقَصْرُ لِأَنَّهُمْ جَزَمُوا بِالسَّفَرِ
- (فَرْعٌ) فِي انْتِهَاءِ السَّفَرِ الَّذِي تَنْقَطِعُ بِهِ الرُّخَصُ: قَالَ أَصْحَابُنَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ (الْأَوَّلُ) الْعَوْدُ إلَى الْوَطَنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَضَابِطُهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطْنَا مُفَارَقَتَهُ فِي إنْشَاءِ السَّفَرِ مِنْهُ فَبِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ تَنْقَطِعُ الرُّخَصُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِي مَعْنَى الْوَطَنِ الْوُصُولُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ إذَا عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِ الْقَدْرَ الْمَانِعَ مِنْ التَّرَخُّصِ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِهِ ذَلِكَ الْقَدْرِ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَنْقَطِعُ تَرَخُّصُهُ بَلْ يَتَرَخَّصُ فِيهِ لِأَنَّ حُكْمَ السَّفَرِ مُسْتَمِرٌّ حَتَّى يَقْطَعَهُ بِإِقَامَةٍ أَوْ نِيَّةٍ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاقِينَ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ (وَالثَّانِي) يَنْقَطِعُ كَالْوَطَنِ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَوْ حَصَلَ فِي طَرِيقِهِ فِي قَرْيَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ وَلَيْسَ هُوَ مُسْتَوْطَنُهَا الْآنَ فَهَلْ يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِدُخُولِهَا فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَنْتَهِي بل له الترخص فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مُقِيمًا وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَوْ مَرَّ فِي سَفَرِهِ بِوَطَنِهِ بِأَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَنَوَى أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهَا وَيَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إقَامَةٍ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهَا لِأَنَّهُ فِي وَطَنِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسَافِرًا (وَالثَّانِي) وَبِهِ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَبَلَدِ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ فَعَلَى أحدهما
العود إلى الوطن لا يَقْتَضِي انْتِهَاءُ السَّفَرِ إلَّا إذَا عَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ (الْأَمْرُ الثَّانِي) نِيَّةُ الْإِقَامَةِ (وَالثَّالِثُ) صُورَةُ الْإِقَامَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَسَنَشْرَحُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ لَوْ خَرَجَ إنْسَانٌ مِنْ الْمَدِينَةِ وَالِيًا عَلَى مَكَّةَ وَأَرَادَ الْحَجَّ وَأَحْرَمَ بِهِ قَصَرَ فِي طَرِيقِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ فَإِذَا دَخَلَهَا انْقَطَعَ سَفَرُهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ فِي خُرُوجِهِ إلَى عَرَفَاتِ وَمِنًى فَإِنْ عُزِلَ عَنْ الْوِلَايَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ بُنَيَّةِ السَّفَرِ إلَى مَسَافَةِ القصر وان ولى بلادا كثيرة فَخَرَجَ إلَيْهَا وَنِيَّتُهُ الْمَقَامُ فِي بَعْضِهَا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ يَدْخُلُهُ غَيْرَ بَلَدِ الْإِقَامَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا فِي وِلَايَتِهِ ويقصر " * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ حَتَّى يَكُونَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ فَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَلَدِ ثُمَّ سَارَتْ السَّفِينَةُ وَحَصَلَتْ فِي السَّفَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَكَذَا إنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي سَفِينَةٍ فِي السَّفَرِ ثُمَّ اتَّصَلَتْ السَّفِينَةُ بِمَوْضِعِ الْإِقَامَةِ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ اُجْتُمِعَ فِي صَلَاتِهِ مَا يَقْتَضِي الْقَصْرَ وَالْإِتْمَامَ فَغَلَبَ الْإِتْمَامُ وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ حَتَّى يَنْوِيَ الْقَصْرَ فِي الْإِحْرَامِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ عَلَى الْإِتْمَامِ فَلَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ كالمقيم)
- (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسَائِلُ كَمَا ذَكَرَهَا بِاتِّفَاقٍ الْأَصْحَابُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا صَارَ مُقِيمًا أَتَمَّ صَلَاتَهُ أَرْبَعًا وَلَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْإِتْمَامِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ قَطَعَتْ حُكْمَ الرُّخْصَةِ بِتَعْيِينِ الْإِتْمَامِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِتْمَامُ مُنْدَرِجٌ فِي نِيَّةِ الْقَصْرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ نَوَيْت الْقَصْرَ مَا لَمْ يَعْرِضْ مَا يُوجِبُ الْإِتْمَامَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ شَكَّ هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا ثُمَّ تَذَكَّرَ عَلَى قُرْبٍ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ مَضَى جُزْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى حكم الاتمام وكذا لو دخل في فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فِي سَفِينَةِ بَلَدِهِ أَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ بَلَدُهُ أَمْ لَا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بَلَدَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَسْتَشْكِلُ ذِكْرُ مَسْأَلَةِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ فِي سَفِينَةٍ لِأَنَّهُ إنْ نوى الصلاة
تَامَّةً أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً وَلَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْقَصْرِ وَهُوَ نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ مَنْ نَوَى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ فِي الْبَلَدِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ كَمَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَيَكْفِي فِي أَشْكَالِهَا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ مَعَ جَلَالَتِهِ اسْتَشْكَلَهَا فَقَالَ لَيْسَ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كثير فَائِدَةٍ ثُمَّ بَسَطَ الْقَوْلَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَتْهُ وَذَكَرَ احْتِمَالَيْنِ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُقِيمِ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ لَيْسَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ نَقْلٌ قَالَ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْمُقِيمَ لَوْ نَوَى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ جَزْمًا وَلَمْ يَنْوِ التَّرَخُّصَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ نَوَى التَّرَخُّصَ بِالْقَصْرِ فَفِيهِ احْتِمَالٌ هَذَا كَلَامُهُ وَجَزَمَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُقِيمِ الَّذِي نَوَى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ و (الجواب) عَنْ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُقَالَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ مُطْلَقًا فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَلَدِ ثُمَّ يَسِيرُ وَيُفَارِقُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَائِهَا فَيَجِبُ الْإِتْمَامُ لِعِلَّتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ (وَالثَّانِيَةُ) اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِيهَا فبينو أَنَّ اجْتِمَاعَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْعِبَادَةِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْحَضَرِ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ حِينَئِذٍ فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ وَهِيَ إذَا مَسَحَهُ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ فَعِنْدَنَا يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَمْسَحُ مَسْحَ مُسَافِرٍ فَيَقُولُ اجْتَمَعَ الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ وَاجْتِمَاعُهُمَا يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْحَضَرِ وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا وَهَذَا الْقِيَاسُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ
أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُفِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ حَتَّى يَنْوِيَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ الْمُزَنِيّ لَوْ نَوَاهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَلَوْ قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ الْقَصْرُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْقَصْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ الْقَصْرُ وَحَكَى الشيخ أبو حامد وصاحب البيان عن المغربي أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَائِهَا أَنْ يَقْصُرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ لِمَا سَبَقَ وَعَلَى الْآخَرِينَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمَا فَمَتَى وَجَدَ جُزْءٌ مِنْهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَجَبَ إتْمَامُهَا تَغْلِيبًا لِلْأَصْلِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَصْرِ الْعِلْمُ بِجَوَازِهِ فَلَوْ جَهِلَ جَوَازَهُ فَقَصَرَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ احتمالا وليس بشئ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ وَكَأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَرَ نَصَّهُ فِي الْأُمِّ وَاتِّفَاقَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْمَسْأَلَةِ ثُمَّ إنْ كَانَ نَوَى الظُّهْرَ مُطْلَقًا وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ عَمْدًا لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا أَرْبَعًا لِالْتِزَامِهِ الْإِتْمَامَ فَإِنْ صَلَاتُهُ انْعَقَدَتْ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ نَوَى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَاهِلُ الْقَصْرَ فَهُوَ مُتَلَاعِبٌ وَإِذَا أَعَادَهَا فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا عَلِمَ جَوَازَهُ لِعَدَمِ شُرُوعِهِ فِيهَا وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ فِي الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْقِدُ صَلَاتَهُ تَامَّةً ثُمَّ فَسَدَتْ وَهُنَا لَمْ تنعقد بِخِلَافِ الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا نِيَّةُ الْقَصْرِ شَرْطٌ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَجِبُ اسْتِدَامَةُ ذِكْرِهَا لَكِنْ يُشْتَرَطُ الِانْفِكَاكُ عَنْ مُخَالِفَةِ الْجَزْمِ بِهَا فَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ فِي الْإِحْرَامِ ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي الْقَصْرِ والاتمام أو شك فيه جَزَمَ بِهِ أَوْ تَذَكَّرَهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَاهٍ بِأَنْ كَانَ حَنَفِيًّا لَا يَرَى الْإِتْمَامَ لَمْ يَلْزَمْ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ بَلْ يُخَيَّرُ إنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ حَتَّى يَعُودَ وَيُسْلَمَ مَعَهُ وَإِنَّمَا قَالُوا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ بِقِيَامِ الْإِمَامِ سَاهِيًا تَوَجَّهَ السُّجُودُ عَلَيْهِمَا فَلَوْ أَرَادَ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ أَتَمَّ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْإِمَامِ فِي سَهْوِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ غَيْرُ مَحْسُوبٍ لَهُ كَالْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ آخِرِ الصَّلَاةِ رَكْعَةً ثُمَّ قَامَ الْإِمَامُ بَعْدَهَا إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي تَدَارُكِ مَا عَلَيْهِ وَلَوْ شَكَّ هَلْ قَامَ إمَامُهُ سَاهِيًا أَوْ مُتِمًّا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِتَرَدُّدِهِ وَلَوْ نَوَى الْمُنْفَرِدُ الْقَصْرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فَإِنْ كَانَ حَدَثَ مَا يقتضى الاتمام كنية الاتمام أَوْ الْإِقَامَةِ أَوْ حُصُولِهِ بِدَارِ الْإِقَامَةِ فِي سَفِينَةٍ فَقَامَ لِذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ وَاجِبَهُ وَإِنْ لم يحدث شئ مِنْ ذَلِكَ وَقَامَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ عَمْدًا كَمَا لَوْ قَامَ الْمُقِيمُ إلَى خَامِسَةٍ وَكَمَا لَوْ قَامَ الْمُتَنَفِّلُ إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ قَبْلَ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ وَإِنْ قَامَ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ وَيُسْلَمَ فَلَوْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ بَعْدَ التَّذَكُّرِ لَزِمَهُ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقُعُودِ ثُمَّ يَنْهَضَ مُتِمًّا وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي قِيَامِهِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ النُّهُوضَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَاجِبٌ وَنُهُوضُهُ كَانَ لَاغِيًا لِسَهْوِهِ وَلَوْ صَلَّى ثَالِثَةً وَرَابِعَةً سَهْوًا وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ فَتَذَكَّرَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَوَقَعَتْ صَلَاتُهُ مَقْصُورَةً وَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ الزَّائِدَتَانِ لَاغِيَتَيْنِ وَلَا تَبْطُلُ بِهِمَا الصَّلَاةُ لِلسَّهْوِ فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ الاتمام يقتضى
أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مَحْسُوبَاتٍ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا نَوَى الْقَصْرَ ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ فِي سَفِينَةٍ فِي السَّفَرِ ثُمَّ وَصَلَتْ الْوَطَنَ فِيهَا وَلَوْ نَوَى الْإِمَامُ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ وَالْمَأْمُومِينَ الْإِتْمَامُ قَالَ أبو حامد قال مالك للمأمومين القصر
- قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ لِمَنْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ فَإِنْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَا يَقْتَضِي الْقَصْرَ وَالتَّمَامَ فَغَلَبَ التَّمَامُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْصُرَ الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِمُقِيمٍ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةٌ تَامَّةٌ فَهُوَ كَالْمُؤْتَمِّ بِمَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ تَامَّةً فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ أَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَ صَلَاتُهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لَزِمَهُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِفْسَادِ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بالصلاة في السفر أو في الحضر أَوْ هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا أَوْ هَلْ إمَامُهُ مُسَافِرٌ أَوْ مُقِيمٌ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لان الاصل هو التمام والقصر أُجِيزُ بِشُرُوطٍ فَإِذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الشُّرُوطُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ فَإِنْ ائْتَمَّ بِمُسَافِرٍ أَوْ بِمَنْ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ جَازَ أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ خَلْفَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرٌ فَإِنْ أَتَمَّ الْإِمَامُ تَبِعَهُ فِي الْإِتْمَامِ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ أَوْ بِمَنْ نوى الْإِتْمَامَ وَإِنْ أَفْسَدَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ أَوْ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَهُوَ قَوْلُ ابى اسحق لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي عَدَدِ الصَّلَاةِ وَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ لَا عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَهُوَ الثَّلَاثُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ لِأَنَّهُ أئتم بمن الظاهر منه انه يقصر)
(الشَّرْحُ) قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ لِمَنْ ائْتَمَّ بمتم كان الاحسن أن يقول بمقيم لِأَنَّهُ أَعَمُّ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ مؤتم بمقيم كان الاحسن بمتم وقوله لِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةٌ تَامَّةٌ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَقِيلَ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ وَسَنُوضِحُهُ فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ شَرْطُ الْقَصْرِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِمُتِمٍّ فَمَنْ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ فِي لَحْظَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتِمُّ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا نَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ تَرَكَ نِيَّةَ الْقَصْرِ وَدَلِيلُهُ فِي الْكِتَابِ وَيُتَصَوَّرُ الِاقْتِدَاءُ بِالْمُتِمِّ فِي لَحْظَةٍ فِي صُوَرٍ (مِنْهَا) أَنْ يُدْرِكَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ يُحَدِّثَ الْإِمَامُ عَقِبَ إحْرَامِ الْمَأْمُومَ أَوْ يَنْوِيَ مُفَارَقَتَهُ عَقِبَ الِاقْتِدَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ مَقْصُورَةً خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ مَقْصُورَةً جَازَ لَهُ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِمُتِمٍّ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ مَقْصُورَةً خَلْفَ مَنْ يَقْضِي الصُّبْحَ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) بِاتِّفَاقِهِمْ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِمُتِمٍّ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْعَدَدِ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ (وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا فَلِلْمَأْمُومِ الْقَصْرُ وَإِلَّا فَلَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الصُّبْحَ لَا يَخْتَلِفُ الْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ فِيهَا وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ مَقْصُورَةً خَلْفَ الْجُمُعَةِ مُسَافِرًا كَانَ إمَامُهَا أَوْ مُقِيمًا فَطَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِمُتِمٍّ (وَالثَّانِي) إنْ قُلْنَا هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ جَازَ الْقَصْرُ كَالظُّهْرِ مَقْصُورَةً خَلْفَ عَصْرٍ مَقْصُورَةٍ وَإِلَّا فَهِيَ كَالصُّبْحِ وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَمَتَى عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ لَزِمَهُ الاتمام فلو اقتدى به ونوى القصر انعقد صَلَاتُهُ وَلَغَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُقِيمِ يَنْوِي الْقَصْرَ لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْرِ وَالْمُسَافِرُ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَضُرَّهُ نِيَّتُهُ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ صَارَ مُقِيمًا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَيْهَا أَمَّا إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ إمَامَهُ مُسَافِرًا وَعَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ خَلْفَهُ وَكَذَا لَوْ عَلِمَ أو ظنه مسافرا ولم يدرأ نوى الْقَصْرَ أَمْ لَا فَلَهُ الْقَصْرُ وَرَاءَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَضُرُّهُ الشَّكُّ فِي نِيَّةِ إمَامِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ نِيَّةُ الْقَصْرِ وَلَوْ عَرَضَ هَذَا الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ يُؤَثِّرْ بَلْ لَهُ الْقَصْرُ وَلَوْ جَهِلَ نِيَّةَ إمَامِهِ الْمُسَافِرِ فَعَلَّقَ عَلَيْهَا فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت وَإِنْ أَتَمَّ أَتْمَمْت فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) صِحَّةُ التَّعْلِيقِ فَإِنْ أَتَمَّ الْإِمَامُ أَتَمَّ وَإِنْ قَصَرَ قَصَرَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ الْقَصْرُ وَمُقْتَضَى الْأَطْلَاقِ هُوَ مَا نَوَى (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ لِلشَّكِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَوْ أَفْسَدَهَا فَقَالَ كُنْت نَوَيْت الْقَصْرَ جَازَ لِلْمَأْمُومِ الْقَصْرُ وَإِنْ قَالَ كُنْت نَوَيْت الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَإِنْ انْصَرَفَ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ مَا نَوَاهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذكرهما المصنف
بدليلهما (أصحهما) وهو المنصوص وقول أبى اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ (وَالثَّانِي) قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ لَهُ الْقَصْرُ وَلَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ امامه بشئ لَكِنَّهُ عَادَ فَاسْتَأْنَفَ صَلَاتَهُ رَكْعَتَيْنِ فَلِلْمَأْمُومِ الْقَصْرُ وَإِنْ صَلَّاهَا أَرْبَعًا لَزِمَ الْمَأْمُومُ الْإِتْمَامَ فَيَعْمَلُ بِفِعْلِهِ كَمَا يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ ذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ شَكَّ هَلْ إمَامُهُ مُسَافِرٌ أَمْ مُقِيمٌ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ لَهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ سَوَاءٌ بَانَ الْإِمَامُ مُتِمًّا أَوْ قَاصِرًا أَوْ انصرف وجهل حاله وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ إذَا بَانَ قَاصِرًا فَلَهُ الْقَصْرُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَمَّا إذَا اقْتَدَى بِمُتِمٍّ ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَوْ بان محدثا أو فسدت صلاة المأموم فستأنفها فَيَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِلَا خِلَافٍ لِالْتِزَامِهِ ذَلِكَ بِشُرُوعٍ صَحِيحٍ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا قَاصِرًا فَبَانَ مُقِيمًا أَوْ مُتِمًّا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِاقْتِدَائِهِ بِمُتِمٍّ وَلَوْ بَانَ مُقِيمًا مُحْدِثًا نَظَرَ إنْ بَانَ كونه مقيما أو لا لزم الاتمام وان بان اولا محدئا ثُمَّ بَانَ مُقِيمًا أَوْ بَانَا مَعًا فَطَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهُرُهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) الْقَصْرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَقْتِدَاؤُهُ (وَالثَّانِي) لَا قَصْرَ لَهُ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي لَهُ الْقَصْرُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ أَوْ مُطْلَقًا أَوْ كَانَ مُقِيمًا ثُمَّ بَانَ مُحْدِثًا ثُمَّ سَافَرَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَلَهُ الْقَصْرُ بِالِاتِّفَاقِ لِعَدَمِ الشُّرُوعِ الصَّحِيحِ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ فَبَانَ حَدَثَ الْمَأْمُومُ فَلَهُ الْقَصْرُ لِعَدَمِ شُرُوعِهِ الصَّحِيحِ وَكَذَا لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْرِفُهُ مُحْدِثًا وَيَعْلَمُهُ مُقِيمًا فَلَهُ الْقَصْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ
- (فَرْعٌ) إذَا صَلَّى مُسَافِرٌ بمسافرين ومقيمين جاز ويقصر الامام والمسافرين وَيُتِمُّ الْمُقِيمُونَ وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ سَلَامِهِ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمُ سَفَرٍ
- (فَرْعٌ) إذَا شَكَّ هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا أَوْ هَلْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ أَمْ فِي السَّفَرِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ تَذَكَّرَ عَلَى قُرْبٍ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ وَأَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ مَضَى جُزْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ فِي حَالِ الشَّكِّ عَلَى حُكْمِ الْإِتْمَامِ بِخِلَافِ مَنْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَاهَا أَمْ لَا فَإِنَّهُ إذَا تَذَكَّرَ عَلَى قُرْبٍ وَلَمْ يَفْعَلْ رُكْنًا فِي حَالِ شَكِّهِ يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ سَوَاءٌ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً أَمْ دُونَهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَكْثَرُونَ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْي وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَإِلَّا فَلَهُ الْقَصْرُ وقال طاوس والشعبي
وَتَمِيمُ بْنُ حَذْلَمَ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مَعَهُ اجزأتاه وقال اسحق بن راهويه له القصر خلف المقيم بِكُلِّ حَالٍ فَإِنْ فَرَغَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ تَشَهَّدَ وَحْدَهُ وَسَلَّمَ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى بَاقِي صَلَاتِهِ وحكاه الشيخ أبو حامد عن طاوس وَالشَّعْبِيِّ وَدَاوُد
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مُسَافِرٍ اقْتَدَى بِمُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَ الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ لَزِمَهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ فِي رِوَايَةٍ يَقْصُرُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُسَافِرٍ وَمُقِيمٍ ثُمَّ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ الْمُقِيمُ فَصَلَّى خَلْفَهُ الْمُسَافِرُ الْآخَرُ: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَدَاوُد يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وقال مالك وابو حنيفة له القصر
- قال الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ
- (قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وان صلي بِمُقِيمِينَ فَرَعَفَ وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا أَتَمَّ الرَّاعِفُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ إنَّ الرَّاعِفَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُؤْتَمِّ بِالْمُقِيمِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ فَرْعُ الرَّاعِفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ الفرع ولا يلزم الاصل وليس بشئ)
(الشَّرْحُ) فِي قَوْلِهِ رَعَفَ لُغَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهُرُهُمَا فَتْحُ الْعَيْنِ وَالثَّانِيَةُ ضَمُّهَا وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ رَعَفَ وَخَلْفَهُ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ فَقَدَّمَ مُقِيمًا كَانَ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَالرَّاعِفُ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا لِأَنَّهُ لَا يُكْمِلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا إلَّا وَهُوَ فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ قَالَ الْمُزَنِيّ هَذَا غَلَطٌ فَالرَّاعِفُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا رَكْعَتَانِ هَذَا نَصُّهُ وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ (أَصَحُّهَا) عند الاصحاب وتأويل المزني وابي اسحق وَجُمْهُورِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرَّاعِفَ ذَهَبَ فَغَسَلَ الدَّمَ وَرَجَعَ وَاقْتَدَى بِالْمُقِيمِ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَقْتَدِ بِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ قَوْلًا وَاحِدًا قَالُوا وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَتَعْلِيلُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ هَذَا التَّأْوِيلُ قول اكثر اصحابنا وصححه الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ وَآخَرُونَ عَنْ أَبِي غَانِمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرَّاعِفَ حِينَ أَحَسَّ بِالرُّعَافِ وَخَرَجَ مِنْهُ يَسِيرٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا وَحَصَلَ مُؤْتَمًّا بِهِ ثُمَّ انْدَفَقَ رُعَافُهُ فَخَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِمَصِيرِهِ مُؤْتَمًّا بِمُقِيمٍ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ هَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّهِ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ الَّذِي فِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ هُوَ الِاسْتِخْلَافُ بِعُذْرٍ فَأَمَّا الِاسْتِخْلَافُ بِلَا عُذْرٍ فَلَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا الْإِمَامُ إذَا اسْتَخْلَفَ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّمِ الْكَثِيرِ
تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَلَا يَكُونُ مُقْتَدِيًا بِالْمُقِيمِ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ الْإِحْسَاسُ بِالرُّعَافِ عُذْرٌ وَمَتَى حَضَرَ أَمَامَ حَالِهِ أَكْمَلَ مِنْهُ جَازَ اسْتِخْلَافُهُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ مُرَادَهُ التَّفْرِيعُ عَلَى الْقَدِيمِ حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ فَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ مُقْتَدِيًا بِمُقِيمٍ وَضَعَّفَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ بَاطِلٌ فِي الْقَدِيمِ فَلَا تُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْقَدِيمِ (الرَّابِعُ) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ فَرْعُهُ فَهُوَ أُولَى هَذَا هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ آخِرًا وَضَعَّفَهُ وَحَكَاهُ الْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَيْضًا وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِخِلَافِ الرَّاعِفِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ الْمُسَافِرُونَ فَعَلَيْهِمْ الْإِتْمَامُ إنْ نَوَوْا الِاقْتِدَاءَ بِالْخَلِيفَةِ الْمُقِيمِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَنْوُوا وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِالْخَلِيفَةِ لَا تَجِبُ فَعَلَيْهِمْ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُمْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِخْلَافِ كَانُوا مُقْتَدِينَ حتى لو نوووا مُفَارَقَتَهُ عَقِبَ الِاسْتِخْلَافِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الشَّاذِّ إنَّ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِالْخَلِيفَةِ واجبة لزمهم الاتمام أن نووا الاقتدء بِهِ وَإِلَّا فَلَهُمْ الْقَصْرُ وَلَوْ نَوَى بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ أَتَمَّ النَّاوُونَ وَقَصَرَ الْآخَرُونَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَلَا اسْتَخْلَفُوا فَلِلْمُسَافِرِينَ الْقَصْرُ سَوَاءٌ الْإِمَامُ الرَّاعِفُ وَغَيْرُهُ وَإِنْ اسْتَخْلَفَ أَوْ اسْتَخْلَفُوا مُسَافِرًا فَلِلرَّاعِفِ وَالْمُسَافِرِينَ الْقَصْرُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فَاسْتَخْلَفَ الْقَوْمُ فَطَرِيقَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ كَاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ فَفِيهِ الطُّرُقُ الْأَرْبَعَةُ (وَالثَّانِي) لِلرَّاعِفِ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِهِ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ لَيْسَ فَرْعًا لِلرَّاعِفِ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فَعَلَى هَذَا لَوْ اسْتَخْلَفَ الْمُقِيمُونَ مُقِيمًا وَالْمُسَافِرُونَ مُسَافِرًا جَازَ وَلِلْمُسَافِرِينَ الْقَصْرُ مَعَ إمَامِهِمْ وكذا لو افترقوا ثلاث فرق واكثر *
- قال المصنف رحمه الله
- (إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمِ الدُّخُولِ وَيَوْمِ الْخُرُوجِ صَارَ مُقِيمًا وَانْقَطَعَتْ رُخَصُ السَّفَرِ لِأَنَّ بِالثَّلَاثِ لَا يَصِيرُ مُقِيمًا " لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِيمُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا وَأَجْلَى عُمَرُ رَضِيَ الله عنه اليهود ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثًا " وَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ وَيَخْرُجُ فَلَا يُحْتَسَبُ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فِيهِ وَإِقَامَتُهُ فِي بَعْضِهِ لَا تَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا لِأَنَّهُ مَا مِنْ مُسَافِرٍ إلَّا وَيُقِيمُ بَعْضَ الْيَوْمِ وَلِأَنَّ مَشَقَّةَ السَّفَرِ لَا تَزُولُ إلَّا بِإِقَامَةِ يَوْمٍ وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى حَرْبٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَقْصُرُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ " أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم اقاموا برام هرمز تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ (وَالثَّانِي) لَا يَقْصُرُ لِأَنَّهُ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَا سَفَرَ فِيهَا فَلَمْ يَقْصُرْ كَمَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ في غير حرب واما إذا قام فِي بَلَدٍ عَلَى حَاجَةٍ إذَا انْتُجِزَتْ رَحَلَ ولم ينو مدة ففيه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَقْصُرُ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّمَامُ إلَّا فِيمَا وَرَدَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ " سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ " وَبَقِيَ فِيمَا زَادَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ (وَالثَّانِي) يَقْصُرُ أَبَدًا لِأَنَّهُ إقَامَةٌ عَلَى حَاجَةٍ يَرْحَلُ بَعْدَهَا فَلَمْ يَمْنَعْ الْقَصْرَ كَالْإِقَامَةِ فِي سَبْعَةَ عَشْرَ وَخَرَّجَ أبو إسحق قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُ يَقْصُرُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَبْلَغُ فِي نِيَّةِ الْإِقَامَةِ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ وَالنِّيَّةُ يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَقْصُرْ فَلَأَنْ لَا يَقْصُرَ إذَا أقام أولى)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ تَحْرِيمِ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ " يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجْلَى الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ ثُمَّ أَذِنَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا أَنْ يُقِيمَ ثَلَاثًا صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ فَرَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ وَحَدِيثُ إقَامَةِ الصَّحَابَةِ بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ عِكْرِمَةَ بْنَ عَمَّارٍ وَهُوَ مُخْتَلِفٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ تِسْعَةَ عَشْرَ بِنُقْصَانِ وَاحِدٍ مِنْ عِشْرِينَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ أَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ سَبْعَةَ عَشْرَ بِنُقْصَانِ ثَلَاثَةٍ مِنْ عِشْرِينَ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ: أَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ أَجْلَى عُمَرُ الْيَهُودَ مَعْنَاهُ أَخْرُجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ جَلَا الْقَوْمُ خَرَجُوا مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَأَجْلَيْتهمْ وَجَلَوْتهمْ أَخْرَجَتْهُمْ وَرَامَهُرْمُزَ - بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ زَايٌ - وَهِيَ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ وَقَوْلُهُ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ هُوَ بِالتَّاءِ فِي أَوَّلِ تِسْعَةِ وَقَوْلُهُ الْإِقَامَةُ لَا يَلْحَقُهَا الْفَسْخُ هُوَ بِالْفَاءِ أَيْ لَا تُرْفَعُ بَعْدَ وُجُودِهَا وَالنِّيَّةُ يُمْكِنُ قَطْعُهَا وَإِبْطَالُهَا أَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِالْإِقَامَةِ الْمُقَيَّدَةِ فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تِسْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ سَبْعَةَ عَشْرَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خَمْسَةَ عَشْرَ وَلَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ مُرْسَلَةٌ وَكَانَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فِي إقَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ لِحَرْبِ هَوَازِنَ فِي عَامِ الْفَتْحِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرْ الصَّلَاةَ " إلَّا أَنَّ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تِسْعَةَ عَشْرَ وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ قَالَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ رِوَايَةِ ثَمَانَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَسَبْعَ عَشْرَةَ فَإِنَّ مَنْ رَوَى تِسْعَ عَشْرَةَ عَدَّ يَوْمِيِّ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَمَنْ رَوَى سَبْعَ عَشْرَةَ لَمْ يَعُدَّهُمَا وَمَنْ رَوَى ثَمَانَ عَشْرَةَ عَدَّ أَحَدَهُمَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَقَامَ رسول
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ " لَكِنْ رُوِيَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا قَالَ بَعْضُهُمْ وَرِوَايَةُ الْمُرْسَلِ أَصَحُّ (قُلْت) وَرِوَايَةُ الْمُسْنَدِ تَفَرَّدَ بِهَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ وَهُوَ إمَامٌ مُجْمَعٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَبَاقِي الْإِسْنَادِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِأَنَّ الصَّحِيحِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ فِي الْحَدِيثِ إرْسَالٌ وَإِسْنَادٌ حُكِمَ بِالْمُسْنَدِ
- أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا نَوَى فِي أَثْنَاءِ طَرِيقِهِ الْإِقَامَةَ مُطْلَقًا انْقَطَعَ سَفَرُهُ فَلَا يَجُوزُ التَّرَخُّصُ بشئ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ جَدَّدَ السَّيْرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ سَفَرٌ جَدِيدٌ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ مَرْحَلَتَيْنِ هَذَا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعٍ يَصْلُحُ لَهَا مِنْ بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ وَادٍ يُمْكِنُ الْبَدْوِيُّ الْإِقَامَةَ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَأَمَّا الْمَفَازَةُ وَنَحْوُهَا فَفِي انْقِطَاعِ السَّفَرِ وَالرُّخَصِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ انْقِطَاعُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسَافِرٍ فَلَا يَتَرَخَّصُ حَتَّى يُفَارِقَهَا (وَالثَّانِي) لَا يَنْقَطِعُ وَلَهُ التَّرَخُّصُ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْإِقَامَةِ فَنِيَّتُهُ لَغْوٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ وَهُوَ مَاكِثٌ أَمَّا إذَا نَوَاهَا وَهُوَ سَائِرٌ فَلَا يَصِيرُ مُقِيمًا بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ لان سبب القصر السَّفَرُ وَهُوَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةٌ أَمَّا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلُّ فَلَا يَنْقَطِعُ التَّرَخُّصُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صَارَ مُقِيمًا وَانْقَطَعَتْ الرُّخَصُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ نِيَّةً دُونَ أَرْبَعَةٍ لَا تَقْطَعُ السَّفَرَ وَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِي كَيْفِيَّةِ احْتِسَابِ الْأَرْبَعَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ (أَحَدُهُمَا) يَحْسِبُ مِنْهَا يَوْمَا الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ كما يحسب يوم الحدث وَيَوْمَ نَزْعِ الْخُفِّ مِنْ مُدَّةِ الْمَسْحِ (وَأَصَحُّهُمَا) وبه قطع المصنف والجمهور لا يحسبان لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ دَخَلَ يَوْمَ السَّبْتِ وَقْتَ الزَّوَالِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ: وَقْتَ الزَّوَالِ صَارَ مُقِيمًا وَعَلَى الثَّانِي لَا يَصِيرُ وَإِنْ دَخَلَ ضَحْوَةَ السَّبْتِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ مَتَى نَوَى إقَامَةَ زِيَادَةٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَارَ مُقِيمًا فَمُوَافِقٌ لِمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ غَيْرَ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ الْأَيَّامُ الْمُحْتَمَلَةُ مَعْدُودَةٌ بِلَيَالِيِهَا وَمَتَى نَوَى أَرْبَعَةً صَارَ مُقِيمًا فِي الْحَالِ وَلَوْ دَخَلَ في الليل
لَمْ يَحْسِبْ بَقِيَّةَ اللَّيْلِ وَيَحْسِبُ الْغَدَ هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبِ أَمَّا الْمُحَارَبُ وَهُوَ الْمُقِيمُ عَلَى الْقِتَالِ بِحَقٍّ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَحَدُهُمَا) يَقْصُرُ أَبَدًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَعَلَى هَذَا يَقْصُرُ أَبَدًا وَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فَلَا يَقْصُرُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فِي مَكَان وَاحِدٍ بَلْ كَانُوا يَتَنَقَّلُونَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ: أَمَّا إذَا أَقَامَ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ لِشُغْلٍ فَلَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَتَوَقَّعَ انْقِضَاءَ شُغْلِهِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَنَوَى الِارْتِحَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ إلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِلَا خِلَافٍ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهَا طَرِيقَانِ (الصَّحِيحُ) منهما قول الْجُمْهُورِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) يَجُوزُ الْقَصْرُ أَبَدًا سَوَاءُ فِيهِ الْمُقِيمُ لِقِتَالِ أَوْ لِخَوْفِ مِنْ الْقِتَالِ أَوْ لِتِجَارَةٍ وَغَيْرُهَا (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ أَصْلًا (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ الْقَصْرُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ يَوْمًا فَقَطْ وَقِيلَ عَلَى هَذَا يَجُوزُ سَبْعَةَ عَشْرَ وَقِيلَ تِسْعَةَ عَشْرَ وَقِيلَ عِشْرِينَ وَسَمَّى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذِهِ أَقْوَالًا وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي الْمُحَارَبِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَوْلًا وَاحِدًا وبه قال أبو إسحق كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ وَإِذَا جُمِعَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَوْجُهُ وَسُمِّيَتْ أَقْوَالًا كَانَتْ سَبْعَةً (أَحَدُهَا) لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ إلَى سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا (وَأَصَحُّهَا) إلَى ثَمَانِيَةَ عَشْرَ (وَالرَّابِعُ) إلَى تِسْعَةَ عَشْرَ (وَالْخَامِسُ) الي عشرين (والسادس) ابدا (والسابع) لِلْمُحَارِبِ مُجَاوَزَةُ أَرْبَعَةٍ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ يُعْرَفُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَاهُ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ شُغْلَهُ لَا يَفْرُغُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالْمُقِيمِ لِتِجَارَةٍ كَبِيرَةٍ وَلِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ فَإِنْ كَانَ مُحَارَبًا وقلنا في الحال الاول لا يقصر فههنا
أَوْلَيْ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَتَرَخَّصُ أَبَدًا (وَأَصَحُّهُمَا) لَا يَتَجَاوَزُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَارَبٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَرَخَّصُ أَصْلًا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ كَالْمُحَارَبِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالُوا هُوَ غَلَطٌ (فَإِنْ قِيلَ) ثَبَتَ فِي صَحِيحَيِّ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَرَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَأَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ " فَهَذَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَوَى إقَامَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ (فَالْجَوَابُ) مَا أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ قَالُوا لَيْسَ مُرَادُ أَنَسٍ أَنَّهُمْ أَقَامُوا فِي نَفْسِ مَكَّةَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ بَلْ طُرُقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ رِوَايَاتِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ مَكَّةَ فِي حَجَّتِهِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا ثلاثة ولم يحسب يوم لدخول وَلَا الثَّامِنَ لِأَنَّهُ خَرَجَ فِيهِ إلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَاتَ بِهَا وَسَارَ مِنْهَا يَوْمُ التَّاسِعِ إلَى عَرَفَاتٍ وَرَجَعَ فَبَاتَ بِمُزْدَلِفَةَ ثُمَّ أَصْبَحَ فَسَارَ إلَى مِنَى فَقَضَى نُسُكَهُ ثُمَّ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا يقصر ثم نفر منها بَعْدَ الزَّوَالِ فِي ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَنَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ وَطَافَ فِي لَيْلَتِهِ لِلْوَدَاعِ ثُمَّ رَحَلَ مِنْ مَكَّةَ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمْ يُقِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ سَافَرَ عَبْدٌ مَعَ سَيِّدِهِ وَامْرَأَةٌ مَعَ زَوْجِهَا فَنَوَى الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةُ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَنْوِ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) يَنْقَطِعُ رُخْصُهُمَا كَغَيْرِهِمَا (وَالثَّانِي) لَا يَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُمَا فِي الْإِقَامَةِ فَلَغَتْ نِيَّتَهُمَا قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَلَوْ نَوَى الْجَيْشُ الْإِقَامَةَ مَعَ الْأَمِيرِ وَلَمْ يَنْوِ هُوَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ (قُلْت) الْأَصَحُّ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُمْ يَتَرَخَّصُونَ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الْجَزْمُ بِالْإِقَامَةِ
- (فَرْعٌ) لَوْ دَخَلَ مُسَافِرَانِ بَلَدًا وَنَوَيَا إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَأَحَدُهُمَا يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْقَصْرِ مَعَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْآخَرُ لَا يَعْتَقِدُهُ كُرِهَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ صَحَّ وَإِذَا
قَصَرَ الْإِمَامُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَّا إذَا سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَيَقُومُ الْمَأْمُومُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِنِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ أَوْ عَقِبَ سَلَامِهِ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَا لَوْ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بحدث وغيره هكذا ذَكَرَ الْفَرْعَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ * (فَرْعٌ) لَوْ سَافَرُوا فِي الْبَحْرِ فَرَكَدَتْ بِهِمْ الرِّيحِ فَأَقَامُوا لِانْتِظَارِ هُبُوبِهَا فَهُوَ كَالْإِقَامَةِ لِتَنْجِيزِ حَاجَةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فَلَوْ فَارَقُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ثُمَّ أَدَارَتْهُمْ الرِّيحُ وَرَدَّتْهُمْ إلَيْهِ فَأَقَامُوا فِيهِ فَهِيَ إقَامَةٌ جَدِيدَةٌ تُعْتَبَرُ مُدَّتُهَا وَحْدَهَا وَلَا تَنْضَمُّ إلَى الْأُولَى نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَهُوَ ظَاهِرٌ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابِ إذَا خَرَجَ مُسَافِرًا إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ وَنَوَى أَنَّهُ إذَا وَصَلَهُ أَقَامَ فِيهِ يَوْمًا فَإِنْ لَقَى فُلَانًا أَقَامَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ رَجَعَ فَلَهُ الْقَصْرُ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَلْقَ فُلَانًا فَلَهُ الْقَصْرُ حَتَّى يَرْجِعَ وَإِنْ لَقِيَهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ مِنْ حِينِ لَقِيَهُ عَمَلًا بِنِيَّتِهِ فَلَوْ نَوَى بَعْدَ أَنْ لَقِيَهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنْ لَا يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ دُونِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ حَتَّى يُفَارِقَ بُنْيَانَ ذَلِكَ الْبَلَدِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي حَقِيقَةِ السَّفَرِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي إقَامَةِ الْمُسَافِرِ فِي بَلَدٍ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إنْ نَوَى إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ غَيْرِ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ وَإِنْ نَوَى دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقَطِعْ وَهُوَ مَذْهَبُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ إنْ نَوَى إقَامَةَ خَمْسَةَ عَشْرَ يوما مع الدُّخُولِ أَتَمَّ وَإِنْ نَوَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَصَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ عُمَرَ في رواية عنه وعبيد الله بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ إنْ نَوَى إقَامَةَ اثْنَيْ عَشْرَ يَوْمًا أَتَمَّ وَإِلَّا فَلَا وقال ابن عباس واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ إنْ نَوَى إقَامَةَ تِسْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا أَتَمَّ وَإِنْ
نَوَى دُونَهَا قَصَرَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إنْ نَوَى إقَامَةَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ أَنَسُ وَابْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَاللَّيْثُ إنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا أَتَمَّ وَقَالَ أَحْمَدُ إنْ نَوَى إقَامَةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ وَإِنْ نَوَى أَرْبَعَةً قَصَرَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ إنْ نَوَى إقَامَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ وَإِنْ نَوَى إحْدَى وَعِشْرِينَ قَصَرَ وَيُحْسَبُ عِنْدَهُ يَوْمَا الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وروى عن بن المسيب قال ان قام ثَلَاثًا أَتَمَّ قَالَ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقْصُرُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ قَالَ وَقَالَ رَبِيعَةُ إنْ نَوَى إقَامَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَتَمَّ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَحُكِيَ عن اسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا حَتَّى يَدْخُلَ وَطَنَهُ أَوْ بَلَدًا لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ أَمَّا إذَا أَقَامَ فِي بَلَدٍ لِانْتِظَارِ حَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَقْصُرُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشْرَ يَوْمًا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَقْصُرُ أَبَدًا
- وَقَالَ أَبُو يوسف ومحمد هو مقيم
- قال المصنف رحمه الله
(وان فاتته صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَفِيهِ قولان قال في القديم له أن يقصر لانها صلاة سفر فكان قضاؤها كأدائها في العدد كما لو فاتته في الحضر فقضاها في السفر وقال في الجديد لا يجوز له القصر وهو الاصح لانه تخفيف تعلق بعذر فزال بزوال العذر كالقعود في صلاة المريض وان فاتته في السفر فقضاها في السفر ففيه قولان (أحدهما) لا يقصر لانها صلاة ردت من أربع الي ركعتين فكان من شرطها الوقت كصلاة الجمعة والثاني له أن يقصر وهو الاصح لانه تخفيف تعلق بعذر والعذر باق فكان التخفيف باقيا كالقعود في صلاة المريض وان فاتته فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ له القصر لانه ثبت في ذمته صلاة تامة فلم يجز له القصر كما لو نذر أن يصلي أربع ركعات وقال المزني له أن يقصر كما لو فاته صوم في الحضر وذكره في السفر فان له أن يفطر وهذا لا يصح لان الصوم تركه في حال الاداء وكان له تركه وههنا في حال الاداء لم يكن له أن يقصر فوزانه من الصوم أن يتركه من غير عذر فلا يجوز له تركه في السفر)
- (الشَّرْحُ) قَوْلُهُ فَكَانَ قَضَاؤُهَا كَأَدَائِهَا فِي الْعَدَدِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ فَاتَتْهُ فِي الصِّحَّةِ فَقَضَاهَا فِي الْمَرَضِ قَاعِدًا أَوْ بِالتَّيَمُّمِ
- أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ إلَّا الْمُزَنِيَّ فَجَوَّزَ الْقَصْرَ وَإِنْ فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَقَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ (وَالثَّانِي) لَهُ الْقَصْرُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ فَلَوْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ فَأَقَامَ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْوَقْتِ فلم يصلى حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا فَاتَتْ بِكَمَالِهَا فِي السَّفَرِ صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: أَمَّا إذَا فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي ذَلِكَ السَّفَرِ فَقَوْلَانِ (أصحهما) عند المصنف هنا وعند أبي اسحق المروزى والشيخ أبو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْمَحَامِلِيِّ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَهُ الْقَصْرُ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا تَصْحِيحَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ الْقَصْرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ ثُمَّ سَافَرَ سَفَرًا آخَرَ فَقَضَى فِي السَّفَرِ الْبَاقِي هَلْ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ (أَصَحُّهُمَا) لَهُ الْقَصْرُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الصُّوَرَ فَقَالَ إذَا فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ (أَظْهَرُهَا) إنْ قَضَى فِي سَفَرٍ قَصَرَ وَإِنْ قَضَى فِي حَضَرٍ أَتَمَّ (وَالثَّانِي) يُتِمُّ مُطْلَقًا (وَالثَّالِثُ) يَقْصُرُ مُطْلَقًا (وَالرَّابِعُ) إنْ قَضَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا (فَإِنْ قُلْنَا) يُتِمُّ مُطْلَقًا فَشَرَعَ فِي صَلَاةٍ فِي السَّفَرِ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فِي أَثْنَائِهَا فَفِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ أَمْ قَضَاءٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ رَكْعَةٌ فَأَدَاءٌ وَإِنْ كَانَ دُونَهَا فَقَضَاءٌ فَإِنْ قُلْنَا قَضَاءً لَمْ يَقْصُرْ وَإِنْ قُلْنَا أَدَاءً قَصَرَ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ لَا يَقْصُرُ وَلَوْ فَاتَهُ صَلَاةٌ وَشَكَّ هَلْ فَاتَتْ فِي الْحَضَرِ أَمْ السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ لَوْ نَسِيَ الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الظُّهْرِ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَصَلَّى الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ صَارَ حَاضِرًا فِي وَقْتِهَا فَقَضَى الظُّهْرَ فِي أَوَاخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا قَوْلًا وَاحِدًا ولا يكون علي القولين فيمن نسبها فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْعَصْرِ هُوَ وَقْتٌ لِلظُّهْرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَكَأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا وَهُوَ حَاضِرٍ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَهَذِهِ فَائِتَةُ سَفَرٍ: وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِنَفْيِ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ فِي الْأُمِّ يَقُولُ إنَّ مَنْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ أَتَمَّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فِي الْأُمِّ خِلَافًا وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا عَنْ الْأُمِّ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْأُمِّ فَالصَّحِيحُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ *
- قال المصنف رحمه الله
- (فأما إذا دخل وَقْتُ الصَّلَاةِ وَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا ثُمَّ سَافَرَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَقَالَ الْمُزَنِيّ لَا يَجُوزُ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ لِأَنَّ السَّفَرَ يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَيْضِ ثُمَّ لَوْ طَرَأَ الْحَيْضُ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى فِعْلِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ فَكَذَا السَّفَرُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِحَالِ الاداء لا بحال الوجوب والدليل عليه لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى عَتَقَ صَارَ فَرْضُهُ الْجُمُعَةَ وَهَذَا فِي حَالِ الْأَدَاءِ مُسَافِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَقْصُرَ وَيُخَالِفَ الْحَيْضَ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ فَلَوْ أَثَّرَ مَا طَرَأَ مِنْهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ أَفْضَى إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّفَرُ يُؤَثِّرُ فِي الْعَدَدِ فَلَا يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلِأَنَّ الْحَائِضَ تَفْعَلُ الْقَضَاءَ وَالْقَضَاءَ يَتَعَلَّقُ بِالْوُجُوبِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْمُسَافِرُ يَفْعَلُ الْأَدَاءَ وَكَيْفِيَّةُ الْأَدَاءِ تُعْتَبَرُ بِحَالِ الْأَدَاءِ وَالْأَدَاءُ فِي حَالِ السَّفَرِ وان سافر بعد ما ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ لَا يَقْصُرُ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ صَلَاةُ حَضَرٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ المزني وأبى العباس وقوله ان تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ حَضَرٍ يَبْطُلُ بِالْعَبْدِ إذَا عَتَقَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَإِنْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مُؤَدٍّ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مُؤَدٍّ لِمَا فَعَلَهُ فِي الْوَقْتِ قَاضٍ لِمَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ الوقت لم يجز القصر
- (الشَّرْحُ) إذَا سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ وَقَدْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا وَنَصَّ فِيمَا إذَا أَدْرَكَتْ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ ثُمَّ حَاضَتْ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ
وَكَذَا سَائِرُ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ (أَحَدُهُمَا) يَجِبُ الْإِتْمَامُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَتَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْحَائِضِ (وَالثَّانِي) لَا صَلَاةَ عَلَيْهَا وَلَهُ الْقَصْرُ وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ بظاهر النصين فأوجبوا الصلاة عليها وجوزوا له الْقَصْرَ وَفَرَّقُوا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ بَقِيَ قَدْرُ الصَّلَاةِ قَصَرَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ لَا يَقْصُرُ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَإِذَا جُمِعَتْ الصُّورَتَانِ قِيلَ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْقَصْرُ (وَالثَّانِي) الْإِتْمَامُ (وَالثَّالِثُ) إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَتَمَّ وَإِلَّا قَصَرَ وَإِنْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ دُونَ قَدْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءُ قَصْرٍ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ دُونَ قَدْرِ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَافَرَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْقَصْرُ إنْ قُلْنَا يَمْتَنِعُ لَوْ مَضَى زَمَنٌ يَسَعُ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَاضَتْ وَقَدْ مَضَى زَمَنٌ لَا يَسَعُهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّ عُرُوضَ السَّفَرِ لَا يُنَافِي إتْمَامَ الصَّلَاةِ وَعُرُوضُ الْحَيْضِ يُنَافِيهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ شَاذٌّ مَرْدُودٌ فَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا سَافَرَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ الْوَقْتِ زَمَنٌ يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والقاضي وأبو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَقْصُرُ قَالُوا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا مَضَى قَدْرُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُسَافِرَ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا مَضَى قَدْرُهَا صَارَ فِي مَعْنَى مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ وَلَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ سَافَرَ قَبْلَ مُضِيِّ قَدْرِهَا بِكَمَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَمَتَى سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ من الوقت شئ وَقُلْنَا لَهُ الْقَصْرُ فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى فَاتَتْ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَرِ بَعْدَهُ فَهِيَ فَائِتَةُ سَفَرٍ فَفِي جَوَازِ قَصْرِهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ: هَذَا مُخْتَصَرُ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا إشْكَالٌ عَلَى لَفْظِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ نَقَلَ هُنَا عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ وَذَكَرَ قَبْلَ هَذَا عَنْ الْمُزَنِيِّ إذَا فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ قَصَرَ وَهَذَا تَنَاقُضٌ لِأَنَّهُ إذَا أَبَاحَ الْقَصْرَ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ فِي الْحَضَرِ فَفِي أَثْنَائِهِ أَوْلَى وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يَذْكُرْ مَنْعَ الْقَصْرِ هُنَا مَذْهَبًا لَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ إلْزَامًا لِلشَّافِعِيِّ فَقَالَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْحَائِضِ وَمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُزَنِيَّ يَعْتَقِدُ هَذَا وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْمُزَنِيَّ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ خَرَجَ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَصَرَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَقْصُرْ قَالَ الْمُزَنِيّ أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ أَنْ يُتِمَّ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوَافَقَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ فَمُرَادُهُ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ
خَرَّجَ وَجْهًا عَلَى وَفْقِ إيرَادِ الْمُزَنِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَخْرِيجِ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنْ الْحَائِضِ إلَى الْمُسَافِرِ وَعَكْسِهِ وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) لَهُ الْقَصْرُ وَلَا قَضَاءَ عليها (والثاني) يلزمه الاتمام ويلزمه الْقَضَاءُ (وَالثَّالِثُ) لَهُ الْقَصْرُ وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّ النَّقْلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُتَنَاقِضٌ وَيَنْدَفِعُ تَنَاقُضُهُ بِمَا ذَكَرْتُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَبْطُلُ بِالْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَمَعْنَاهُ لَوْ أُعْتِقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا وَأَمْكَنَتْ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُ الظُّهْرِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ بِحَالِ الْفِعْلِ لَا بِتَعَيُّنِ الْفِعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ يَقْصُرُ: وَلَوْ فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ كَمَا سَبَقَ وبه قال الاوزاعي واحمد واسحق وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقْصُرُ وَلَوْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَلَهُ قَصْرُهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَفِيهِ التَّخْرِيجُ السَّابِقُ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ في الكتاب
- قال المصنف رحمه الله
- (يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا جدبه السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " وَرَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ " وَفِي السَّفَرِ الَّذِي لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ سَفَرٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَجَازَ فِيهِ الْجَمْعُ كَالسَّفَرِ الطَّوِيلِ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ عِبَادَةٍ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَجُزْ فِي السفر القصير كالفطر في الصوم)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُمَا البخاري ومسلم وجد به السير أَسْرَعَ وَمَذْهَبُنَا جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ وَلَا يَجُوزُ جَمْعُ الصُّبْحِ إلَى غَيْرِهَا وَلَا الْمَغْرِبِ إلَى الْعَصْرِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَصِيرِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ جَوَازُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُ مِنْ أصحابنا وقال أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَعَلَّهُ
لَمْ يَبْلُغْهُ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ ان رخص السفر ثمان منهما مُخْتَصٌّ بِالطَّوِيلِ وَجَائِزٌ فِيهِمَا وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ وَأَمَّا الْحُجَّاجُ مِنْ الْآفَاقِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَاتٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بمزدلفة في وقت العشاء بالاجماع وَفِي سَبَبِ هَذَا الْجَمْعِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ (الصَّحِيحُ) مِنْهُمَا أَنَّهُ بِسَبَبِ السَّفَرِ وَبِهِ قَطَعَ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ (وَالثَّانِي) بِسَبَبِ النُّسُكِ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَإِنْ قُلْنَا بِالسَّفَرِ فَفِي جَمْعِ الْمَكِّيِّ الْقَوْلَانِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ وَلَا يَجْمَعُ الْعَرَفِيُّ بِعَرَفَاتٍ ولا المزدلفى لِأَنَّهُ وَطَنُهُ وَهَلْ يَجْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ بِالْبُقْعَةِ الْأُخْرَى فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالْمَكِّيِّ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي جَازَ الْجَمْعُ لِكُلِّهِمْ وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عِبَارَةً أُخْرَى فَقَالَ فِي جَمْعِ الْمَكِّيِّ قَوْلَانِ (الْجَدِيدُ) مَنْعُهُ (وَالْقَدِيمُ) جَوَازُهُ وَعَلَى الْقَدِيمِ فِي الْعَرَفِيِّ وَالْمُزْدَلِفِيِّ بِمَوْضِعِهِ وَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ مَنْعُ الْجَمْعِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ وَحُكْمُ الْبُقْعَتَيْنِ فِي الْجَمْعِ حُكْمُ سَائِرِ الْأَسْفَارِ فَيَتَخَيَّرُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لَكِنَّ الافضل في عرفات التقديم وفى المزدلفة التَّأْخِيرُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَفِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَمَالِكٍ واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَرَبِيعَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي الزِّنَادِ وَأَمْثَالِهِمْ قَالَ وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
- وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بِسَبَبِ السَّفَرِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي عَرَفَاتٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَفِي الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِسَبَبِ النُّسُكِ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُزَنِيِّ
- وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصلاة حتي يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَبَقَ فِي الْمَوَاقِيتِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ " مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَطُّ فِي السَّفَرِ إلَّا مَرَّةً " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ يَعْنِي الْجَمْعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَقِيَاسًا عَلَى جَمْعِ الْمُقِيمِ وَجَمْعِ الْمَرِيضِ وَجَمْعِ الْمُسَافِرِ سَفَرًا قَصِيرًا
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْجَمْعِ فِي
أَسْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها حديث ابن عمر قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجمع بين المغرب والعشاء إذ جدبه السَّيْرُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بينهما فان زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كان إذا جدبه السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَيَقُولُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا جدبه السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ إذَا عُجِّلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ تَرَحَّلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ المغرب والعشاء وإن يرتحل قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الْعَصْرَ وَالظُّهْرَ جَمِيعًا ثُمَّ ارْتَحَلَ " رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فِي إثْبَاتِ الْجَمْعِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ هِيَ نُصُوصٌ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا تَأْوِيلٌ وَدَلِيلُهُ فِي الْمَعْنَى الِاسْتِنْبَاطُ مِنْ صُورَةِ الْإِجْمَاعِ وَهِيَ الْجَمْعُ بِعَرَفَاتٍ وَالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ سَبَبَهُ احْتِيَاجُ الْحُجَّاجِ إلَيْهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَنَاسِكِهِمْ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ وَوَجَدْنَا الرُّخَصَ لَا يُسْتَدْعَى ثُبُوتَهَا نُسُكًا وَلَكِنَّهَا تَثْبُتُ فِي الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ كَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُ الْأَفْرَادَ الْمُتَرَفِّهِينَ فِي السَّفَرِ فَإِنَّا لَوْ تَتَبَّعْنَا ذَلِكَ عُسِّرَتْ الرُّخْصَةُ وَضَاقَ مَحَلُّهَا وَتَطَرَّقَ إلَى كُلِّ مُتَرَخِّصٍ إمْكَانُ الرَّفَاهِيَةِ فَاعْتَبَرَ الشَّرْعُ فِيهِ كَوْنَ السَّفَرِ مَظِنَّةً لِلْمَشَقَّةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى أَفْرَادِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَبِهَذَا تَمَّتْ الرُّخْصَةُ وَاسْتَمَرَّتْ التَّوْسِعَةُ قَالَ (فَإِنْ قِيلَ) الرُّخْصَةُ ثَبَتَتْ غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ وَالْمُتَّبَعُ فِيهَا الشرع ولو عللت بالمشقة لَكَانَ الْمَرِيضُ أَحَقَّ بِرُخْصَةِ الْقَصْرِ (قُلْنَا) الْمَرِيضُ يُصَلِّي قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا إذَا عَجَزَ وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ هِيَ اللَّائِقَةُ بِحَالِهِ فَالِاكْتِفَاءُ بِالْقُعُودِ مِنْهُ وَهُوَ بِلَا شُغْلٍ كَالْمُقِيمِ الَّذِي يُصَلِّي قَائِمًا وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَعَلَيْهِ أَفْعَالٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ وَقَدْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ إتْمَامُ الصَّلَاةِ فَخُفِّفَ لَهُ بِالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ (فَإِنْ قِيلَ) الْمَرِيضُ أَحْوَجُ
إلَى الْجَمْعِ مِنْ الْمُسَافِرِ وَأَنْتُمْ لَا تُجَوِّزُونَهُ (قلنا) الاتيان بصلاتين متعاقبتين افعال كثيرة وقد يَشُقُّ عَلَى الْمَرِيضِ مُوَالَاتُهَا وَلَعَلَّ تَفْرِيقَهَا أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَالْمُسَافِرُ يَشُقُّ عَلَيْهِ النُّزُولُ لِلصَّلَاةِ حَالَ سَيْرِ الْقَوَافِلِ وَقَدْ يُؤَدِّي إلَى ضَرَرِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ أَنَّ الْجَمْعَ أَرْفَقُ مِنْ الْقَصْرِ فَإِنَّ الْقَائِمَ إلَى الصَّلَاةِ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ رَكْعَتَانِ يَضُمُّهُمَا إلَى رَكْعَتَيْهِ وَرِفْقُ الْجَمْعِ واضح: وأما الجواب عن احتجاجهم بِأَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ فَهُوَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَأَحَادِيثُ الْجَمْعِ خَاصَّةٌ بِالسَّفَرِ فَقُدِّمَتْ وَبِهَذَا يُجَابُ أَيْضًا عَنْ حَدِيثٍ " لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ " فَإِنَّهُ عَامٌّ أَيْضًا (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَا داود قال روى موقوفا علي ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا رُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا هَلْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِلسَّلَفِ فَإِنْ سَلَّمْنَا الِاحْتِجَاجَ بِهِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ صَرِيحَةٌ فِي إخْبَارِهِ عَنْ جَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرَدُّهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَجْمَعُ فِي حَالِ سَيْرِهِ إنَّمَا يَجْمَعُ إذَا نَزَلَ أَوْ كَانَ نَازِلًا فِي وَقْتِ الْأُولَى: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ نَفْيٌ فَالْإِثْبَاتُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَعَ رُوَاتِهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ وَالْجَوَابُ عَنْ جَمْعِ الْمُقِيمِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ وَالْجَوَابُ عَنْ الْمَرِيضِ سَبَقَ فِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْجَوَابُ عَنْ السَّفَرِ الْقَصِيرِ إذَا سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ الْجَمْعِ فِيهِ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَضَرِ فَإِنَّهُ لَا يَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ (فَإِنْ قِيلَ) فَالسَّفَرُ الْقَصِيرُ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ بِلَا إعَادَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَكُمْ (فَجَوَابُهُ) أَنَّ مَدَارَ التَّيَمُّمِ عَلَى إعْوَازِ الْمَاءِ وَهُوَ يُعْدَمُ فِي الْقَصِيرِ غَالِبًا كالطويل والله اعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (ويجوز الجمع بينهما في وقت الاولة مِنْهُمَا وَفِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كان نازلا في وقت الاولة فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ وَإِنْ كَانَ سَائِرًا فالافضل ان يؤخر الاولة إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي الْمَنْزِلِ قَدَّمَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الزَّوَالِ " وَإِذَا سَافَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ولان هذا ارفق بالمسافر فكان افضل)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَهُ شَوَاهِدُ وَسَبَقَ مَعْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْجَمْعِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
- قال المصنف رحمه الله
- (فان أراد الجمع في وقت الاولة لَمْ يَجُزْ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ (أَحَدُهَا) أَنْ ينوى الجمع وقال المزني الْجَمْعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ جَمْعٌ فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالْجَمْعِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَلِأَنَّ الْعَصْرَ قَدْ يُفْعَلُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ عَلَى وجه الخطأ فلابد مِنْ نِيَّةِ الْجَمْعِ لِيَتَمَيَّزَ التَّقْدِيمُ الْمَشْرُوعُ مِنْ غَيْرِهِ وَفِي وَقْتِ النِّيَّةِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ ان ينوى عند ابتداء الاولة لِأَنَّهَا نِيَّةٌ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْإِحْرَامِ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْقَصْرِ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأُولَى وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ النِّيَّةَ تَقَدَّمَتْ عَلَى حَالِ الْجَمْعِ فَأَشْبَهَ إذَا نَوَى عِنْدَ الْإِحْرَامِ (وَالشَّرْطُ الثَّانِي) التَّرْتِيبُ وَهُوَ أَنْ يُقَدِّمَ الْأُولَى ثُمَّ يُصَلِّيَ الثَّانِيَةَ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلْأُولَى وَإِنَّمَا يَفْعَلُ الثانية تبعا للاولي فلابد مِنْ تَقْدِيمِ الْمَتْبُوعِ (وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ) التَّتَابُعُ وَهُوَ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا كَالصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِفَصْلٍ طَوِيلٍ بَطَلَ الْجَمْعُ وَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ أَخَّرَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ يؤخر للجمع وقد يؤخر لغيره فلابد مِنْ نِيَّةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا التَّأْخِيرُ الْمَشْرُوعُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتُ الْأُولَى فَجَازَ الْبُدَاءَةُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا وَأَمَّا التَّتَابُعُ فَلَا يَجِبُ لِأَنَّ الْأُولَى مَعَ الثَّانِيَةِ كَصَلَاةٍ فَائِتَةٍ مَعَ صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ فَجَازَ التفريق بينهما)
- (الشَّرْحُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا أَرَادَ الْمُسَافِرُ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أَحَدُهَا التَّرْتِيبُ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأُولَى لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَابِعَةٌ لَهَا فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْمَتْبُوعِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ هَكَذَا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " فَلَوْ بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ وَتَجِبُ إعَادَتُهَا بِفِعْلِ الْأُولَى جَامِعًا وَلَوْ صَلَّى الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةَ فَبَانَ فَسَادُ الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا (الْأَمْرُ الثَّانِي) نِيَّةُ الْجَمْعِ وَهِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجَمْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَالَ الْمُزَنِيّ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ لَا تُشْتَرَطُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ نَوَى الْجَمْعَ وَلَا أَمَرَ بِنِيَّتِهِ وَكَانَ يَجْمَعُ مَعَهُ مَنْ تَخْفَى عَلَيْهِ هَذِهِ النِّيَّةُ فَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ قَدْ تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْأُولَى جمعا وقد تفعل سهوا فلابد مِنْ نِيَّةٍ تُمَيِّزُهَا فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَفِي وَقْتِ النِّيَّةِ نَصَّانِ مُخْتَلِفَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ والخراسانيون قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ يَنْوِي عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى وَقَالَ فِي الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ إذَا نوى قبل التسيلم أَوْ مَعَهُ كَانَ لَهُ الْجَمْعُ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَغَوِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ (أَحَدُهُمَا) تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ فَيَجِبُ فِي الْمَطَرِ أَنْ يَنْوِيَ فِي الْإِحْرَامِ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَطَرِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْجَمْعِ فَلَمْ يمكن مَحِلًّا لِنِيَّتِهِ وَفِي السَّفَرِ تَجُوزُ النِّيَّةُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأُولَى لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ شَرْطٌ فَكَانَتْ مَحِلًّا لِلنِّيَّةِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا تَجُوزُ النِّيَّةُ فِيهِمَا جَمِيعًا إلَّا عِنْدَ الْإِحْرَامِ
بِالْأُولَى كَنِيَّةِ الْقَصْرِ (وَأَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ مَعَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ مَعَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا وَلَا يَجُوزُ مَعَ التَّحَلُّلِ وَوَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْأُولَى قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ وَهُوَ قَوْلٌ خَرَّجَهُ الْمُزَنِيّ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوِيٌّ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ نَوَى الْجَمْعَ ثُمَّ نَوَى تَرْكَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى ثُمَّ نَوَى الْجَمْعَ ثَانِيًا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) الْمُوَالَاةُ وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ اشْتِرَاطُهَا وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْأُولَى حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الثَّقَفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي بَيْتِهِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ جَازَ وهذا نص مُؤَوَّلٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَالْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَجْعَلُهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَوَجَبَتْ الْمُوَالَاةُ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ وَيَضُرُّ الطَّوِيلُ وَفِي حَدِّ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَجْهَانِ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ حَدَّ أَصْحَابُنَا الْقَصِيرَ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ إلى العرف وقد يقتضى العرف احتمال الزيادة عَلَى قَدْرِ الْإِقَامَةِ وَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ وَقَالُوا لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالطَّلَبِ وَالتَّيَمُّمِ لَكِنْ يُخَفَّفُ الطلب وقال أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بِالتَّيَمُّمِ لِحُصُولِ الْفَصْلِ بِالطَّلَبِ وَخَالَفَهُ الْأَصْحَابُ وَقَالُوا هَذَا فَصْلٌ يَسِيرٌ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْفَصْلِ الْمَانِعِ مِنْ الْجَمْعِ الْفَصْلَ الْمَانِعَ مِنْ بِنَاءِ الصَّلَاةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ إذَا سَلَّمَ نَاسِيًا وَعَلَيْهِ رَكْعَةٌ ثُمَّ أَرَادَ بِنَاءَهَا قَالَ فَكُلُّ مَا مَنَعَ الْبِنَاءَ مَنَعَ الْجَمْعَ وَمَا لَا فَلَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ صَلَّى بَيْنَهُمَا رَكْعَتَيْنِ سُنَّةً رَاتِبَةً بَطَلَ الْجَمْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يَبْطُلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَتَى طَالَ الْفَصْلُ امْتَنَعَ ضَمُّ الثَّانِيَةِ إلَى الْأُولَى وَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِهَا سَوَاءٌ طَالَ بِعُذْرٍ كَالسَّهْوِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا أَمْ بِغَيْرِهِ وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ الْأُولَى بَطَلَتَا جَمِيعًا وَلَهُ إعَادَتُهُمَا جَامِعًا لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَصِحَّ فَوُجُودُهُمَا كَالْعَدَمِ وَإِنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى فَإِنْ قَرُبَ الْفَصْلُ بَنَى عَلَيْهَا وَمَضَتْ الصَّلَاتَانِ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ لِطُولِ الْفَصْلِ بِفِعْلِ الثَّانِيَةِ الْبَاطِلَةِ وَيَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَلَوْ لَمْ يَدْرِ أَتَرَكَهُ مِنْ
الْأُولَى أَمْ الثَّانِيَةِ لَزِمَهُ إعَادَتُهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّرْكِ مِنْ الْأُولَى وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِاحْتِمَالِ التَّرْكِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ تَخْرِيجًا مِمَّا إذَا أُقِيمَتْ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ وَجُهِلَ أَسْبَقُهُمَا فَفِي قَوْلٍ يَجُوزُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ وَالْمَذْهَبُ امْتِنَاعُ الْجَمْعِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَإِنْ أَرَادَهُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْأَصْحَابُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّأْخِيرُ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا قَدْرٌ يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرُ فَإِنْ أَخَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْفَرْضَ عَصَى وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً يَمْتَنِعُ قَصْرُهَا إذَا مَنَعْنَا قَصْرَ الْمَقْضِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَأَمَّا التَّرْتِيبُ وَنِيَّةُ الْجَمْعِ حال الصلاة والموالاة ففيهما طَرِيقَانِ (الصَّحِيحُ) مِنْهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا كُلَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَلَوْ تَرَكَهَا كُلَّهَا صَحَّ الْجَمْعُ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) قَالَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) هَذَا (وَالثَّانِي) أَنَّهَا وَاجِبَاتٌ حَتَّى لَوْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً لَا يَجُوزُ قَصْرُهَا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ قَصْرَ مَقْضِيَّةِ السَّفَرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِحَدِيثِ أُسَامَةَ ابن زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ عَرَفَةَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي
مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِجَمْعِ الْمُسَافِرِ
( إحْدَاهَا) إذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا فَصَارَ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الثَّانِيَةِ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَوْ وُصُولِ سَفِينَتِهِ دَارَ الْإِقَامَةِ بَطَلَ الْجَمْعُ فَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِهَا أَمَّا الْأُولَى فَصَحِيحَةٌ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ وَلَوْ صَارَ مُقِيمًا فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَحَدُهُمَا) يَبْطُلُ الْجَمْعُ كَمَا يَمْتَنِعُ الْقَصْرُ بِالْإِقَامَةِ فِي أَثْنَائِهَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ فَعَلَى هَذَا هَلْ تَبْطُلُ الثَّانِيَةُ
أَمْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نَظَائِرِهَا (أصحهما) ينقلب نَفْلًا وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَالثَّانِي) مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ انْعَقَدَتْ عَلَى صِفَةٍ فَلَمْ تَتَغَيَّرْ بِعَارِضٍ كَصَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي السَّفَرِ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِيهَا وَيُخَالِفُ الْقَصْرَ فَإِنَّ الْإِتْمَامَ لَا يُبْطِلُ فَرْضِيَّةَ مَا مَضَى أَمَّا إذَا صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ قُلْنَا الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الْجَمْعِ فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ كَمَا لَوْ قَصَرَ ثُمَّ أَقَامَ وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالثَّانِي تَبْطُلُ وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا لِزَوَالِ السَّفَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْجَمْعِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ مُضِيِّ إمْكَانِ فِعْلِهَا فَإِنْ أَقَامَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ إمْكَانِ فِعْلِهَا لَمْ تَجِبُ إعَادَتُهَا بِلَا خِلَافٍ وَصَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ مَهْمَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثانية شئ هَذَا كُلُّهُ إذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا أَمَّا إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَصَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يَضُرَّ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأُولَى صَارَتْ قَضَاءً ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ فَإِنْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأُولَى أَدَاءً بِلَا خِلَافٍ (الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا جَمَعَ كَانَتْ