كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأمانا، وإن لم يكن عهد وذمة ودار لكان له حكم الكف عنهم والعدل فيهم، فلا حجة لرواية عيسى في هذا.
وقال الشوكاني في النيل: وحديث أنس يدل على أنه يقتل الرجل بالمرأة، واليه ذهب المجهور.
وحكى ابن المنذر الاجماع عليه إلا رواية عن على وعن الحسن البصري وعطاء، ورواه البخاري عن أهل العلم، وروى في البحر عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعكرمة وعطاء ومالك وأحد قولى الشافعي أنه لا يقتل الرجل بالمرأة وإنما تجب الدية، وقد رواه أيضا عن الحسن البصري أبو الوليد الباجى والخطابى.
وحكى هذا القول عن صاحب الكشاف، وقد أشار السعد في حاشيته على الكشاف إلى أن الرواية التى ذكرها الزمخشري وهم محض، قال ولا يوجد في كتب المذهبين يعنى مذهب مالك والشافعي تردد في قتل الذكر بالانثى وقال في مكان آخر: حديث ابن عمر يدل على أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم.
وقد حكى صاحب البحر الاجماع على أنه يجلد الحربى، وأما الرجم فذهب الشافعي وأبو يوسف والقاسيمة إلى أنه يرجم المحصن من الكفار، وذهب أبو حنيفة ومحمد وزيد بن على والناصر والامام يحيى إلى أنه يجلد ولا يرجم، قال الامام
يحيى: والذمى كالحربي في الخلاف، وقال مالك لاحد عليه وأما الحربى المستأمن فذهبت العترة والشافعي وأبو يوسف إلى أنه يحد، وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا يحد، ووقد بالغ ابن عبد البر فنقل الاتفاق على شرط الاحصان الموجب للرجم هو الاسلام، وتعقب بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك ومن جملة من قال بأن الاسلام شرط ربيعة شيخ مالك وبعض الشافعية، ثم قال: ومن غرائب التعصبات ما روى عن مالك أنه قال انما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهودين، لان اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم إذا أقام الحد على من لا ذمة له فلان يقيمه على من له ذمة بالاولى كذا قال الطحاوي.
وقال القرطبى معترضا على قول مالك: إن مجئ اليهود سائلين له صلى الله عليه وسلم يوجب لهم عهد، كما لو دخلوا للتجارة فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم، ثم قال ومن جملة ما تمسك به من قال ان الاسلام شرط حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا (من أشرك بالله فليس بمحصن) ورجح الدارقطني وغيره الوقف
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا امتنع الذمي من التزام الجزية أو امتنع من التزام أحكام المسلمين انتقض عهده، لان عقد الذمة لا ينعقد إلا بهما فلم يبق دونهما، وإن قاتل المسلمين انتقض عهده، سواء شرط عليه تركه في العقد أو لم يشرط، لان مقتضى عقد الذمة الامان من الجانبين، والقتال ينافى الامان فانتقض به العهد، وان فعل ما سوى ذلك نظرت فإن كان مما فيه اضرار بالمسلمين فقد ذكر الشافعي رحمه الله تعالى ستة أشياء، وهو أن يزنى بمسلمة أو يصيبها باسم النكاح، أو يفتن
مسلما عن دينه أو يقطع عليه الطريق أو يؤوى عينا لهم أو يدل على عوراتهم، وأضاف إليه أصحابنا أن يقتل مسلما، فإن لم يشرط الكف عن ذلك في العقد لم ينتقض عهده لبقاء ما يقتضى العقد من التزام أداء الجزية والتزام أحكام المسلمين والكف عن قتالهم.
وان شرط عليهم الكف عن ذلك في العقد ففيه وجهان:
(أحدهما)
أن هـ لا ينتقض به العقد، لانه لا ينتقض به العهد من غير شرط فلا ينتقض به مع الشرط، كإظهار الخمر والخنزير وترك الغيار (الثاني) أنه ينتقض به العهد لما روى أن نصرانيا استكره امرأة مسلمة على الزنا فرفع إلى أبى عبيدة بن الجراح فقال: ما على هذا صالحنا كم، وضرب عنقه، ولان عقوبة هذه الافعال تستوفى عليه من غير شرط فوجب أن يكون لشرطها تأثير، ولا تأثير الاما ذكرناه من نقض العهد، فإن ذكر الله عز وجل أو كتابه أو ذَكَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ دينه بما لا ينبغى فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو إسحاق في حكمه حكم الثلاثة، الاولى وهى الامتناع من
التزام الجزية والتزام أحكام المسلمين والاجتماع على قتالهم، وقال عامة أصحابنا حكمه حكم ما فيه ضرر بالمسلمين، وهى الاشياء السبعة ان لم يشترط في العقد الكف عنه لم ينقض العهد، وان شرط الكف عنه فعلى الوجهين، لان في ذلك اضرارا بالمسلمين لما يدخل عليهم من العار فألحق بما ذكرناه مما فيه اضرار بالمسلمين ومن أصحابنا من قال: من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب قتله، لما روى أن رجلا قال لعبد الله بن عمر سمعت راهبا يشتم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لو سمعته لقتلته، انا لم نعطه الامان على هذا وان أظهر من منكر دينهم ما لاضرر فيه على المسلمين كالخمر والخنزير وضرب الناقوس والجهر بالتوراة والانجيل وترك الغيار لم ينتقض العهد، شرط أولم بشرط، واختلف أصحابنا في تعليله، فمنهم من قال لا ينتقض العهد لانه اظهار مالا ضرر فيه على المسلمين، ومنهم من قال ينتقض لانه اظهار ما يتدينون به وإذا فعل ما ينتقض به لعهد ففيه قولان (أحدهما) أنه يرد إلى مأمنه لانه حصل في دار الاسلام بأمان فلم يجز قتله قبل الرد إلى مأمنه كما لو دخل دار الاسلام بأمان صبى (والثانى) وهو الصحيح أنه لا يجب رده إلى مأمنه، لان أبا عبيدة بن الجراح قتل النصراني الذى استكره المسلمة على الزنا ولم يرده إلى مأمنه ولانه مشرك لا أمان له فلم يجب رده إلى مأمنه كالاسير، ويخالف من دخل بأمان الصبى، لان ذلك غير مفرط لانه اعتقد صحة عقد الامان فرد إلى مأمنة وهذا مفرط لانه نقص العهد فلم يرد إلى ما مأمنه، فعلى هذا يختار الامام ما يراه من القتل والاسترقاق والمن والفداء، كما قلنا في الاسير (الشرح) أثر (أن نصرانيا استكره) أخرجه البيهقى في السنن الكبرى بلفظ (عن سويد بن غفلة كنا مع عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أمير المؤمنين بالشام فأتاه نبطى مضروب مشيجح، فغضب غضبا شديدا، فقال لصهيب انظر من صاحب هذا، فانطلق صهيب فإذا هو عوف بن مالك الاشجعى، فقال له ان أمير المؤمنين قد غضب غضبا شديدا، فلو أتيت معاذ بن جبل فمشى معك
إلى أمير المؤمنين فإنى أخاف عليك بادرته، فجاء معه معاذ فلما انصرف عمر من الصلاة قال أبن صهيب؟ فقال أنا هذا يا أمير المؤمنين، فقال أجئت بالرجل الذى ضربه؟ قال نعم، فقام إليه معاذ بن جبل فقال يا أمير المؤمنين إنه عوف ابن مالك فاسمع منه ولا تعجل عليه، فقال له عمر مالك ولهذا، قال يا أمير
المؤمنين رأيته يسوق بامرأة مسلمة فنخس الحمار ليصرعها فلم تصرع ثم دفعها فخرت عن الحمار ثم تغشاها ففعلت ما ترى، قال ائتنى بالمراة لتصدقك، فأتى عوف المرأة فذكر بالذى قال له عمر رضى الله عنه، قال أبوها وزوجها ما أردت بصاحبتنا فضحتها، فقالت المرأة والله لاذهبن معه إلى أمير المؤمنين، فلما أجمعت على ذلك قال أبوها وزوجها نحن نبلغ عنك أمير المؤمنين فأتيا فصدقا عوف بن مالك بما قال، قال فقال عمر لليهودي والله ما على هذا عاهدناكم فأمر به فصلب، ثم قال يا أيها الناس فوا بذمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له.
قال سويد به غفلة وإنه لاول مصلوب رأيته.
أثر (أن رجلا قال لعبد الله بن عمر سمعت راهبا يشتم) رواه البيهقى بلفظ (أن عرفة بن الحارث الكندى مر به نصراني فدعاه إلى الاسلام فتناول النبي صلى الله عليه وسلم وذكره فرفع عرفة يده فدق أنفه، فرفع إلى عمر وبن العاص فقال عمرو أعطيناهم العهد، فقال عرفة معاذ الله أن نكون أعطيناهم على أن يظهروا شتم النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطيناهم على أن نخلى بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم وأن لا نحملهم ما لا يطيقون وإن أرادهم عدو قاتلتاهم من ورائهم ونخلى بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتوا راضين بأحكامنا، فنحكم بينهم بحكم الله وحكم رسوله، وإن غيبوا عنا لم نعرض لهم فيها.
قال عمرو صدقت.
وروى أبو داود والنسائي (عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فنهاها فلا تنهى، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المغول فجمله في بطنها واتكا عليه فقتلها، فلما أصبح ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال أنشد الله رجلا فعل ما فعل لى عليه حق إلا قام، فقام الاعمى يتخطى الناس وهو يتدلدل حتى قعد بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يَا رسول الله
أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنها ها فلا تنهى وأزجرها فلا تنزجر ولى منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بى رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليه حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا اشهدوا أن دمها هدر وروى أبو داود من طريق آخر عن على أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذمتها) اللغة: المغول بالغين المعجمة قال الخطابى شبيه المشمل نصله دقيق ماضن وكذلك قال غيره هو سيف رقيق له قفا يكون غمده كالسيوط، واشتقاق المغول من غاله الشئ واغتاله إذا أخذه من حيث لم يدر قوله (إذا امتنع الذمي) قالت الحنابلة ومن أبى من أهل الذمة بذل الجزية أو أبى الصغار، أو أبى التزام أحكامنا انتقض عهده، أو زنى بمسلمة أو أصابها بنكاح انتقض عهده، نص عليه لما روى عن عمر (أنه رفع إليه رجل أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنى، فقال ما على هذا صالحناكم، فأمر به فصلب في بيت المقدس أو قطع الطريق، أو ذكره الله تعالى أو رسوله بسوء أو ذكر كتابه أو دينه بسوء، نص عليه لما روى أنه قيل لابن عمران راهبا يشتم النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ سمعته لقتلته انا لم نعط الامان على هذا، أو تعدى على مسلم يقتل أو فتنه عن دينه انتقض عهده لانه ضرر يعم المسلمين، أشبه مالو قاتلهم.
ومثل ذلك ان تجسس أو أوى جاسوسا، ويخير الامام فيه كالاسير الحربى بين رق وقتل ومن وفداء، لانه كافر لا أمان له قدرنا عليه في دارنا بغير عقد ولاعهد وما له فئ ولا ينقض عهد نسائه وأولاده، فإن أسلم حرم قتله ولو كان سب النبي صلى الله عليه وسلم، لعموم حديث الاسلام يجب ما قبله،
وقياسا على الحربى إذا سبه صلى الله عليه وسلم ثم تاب بإسلام قبلت توبته اجماعا قال في الفروع وذكر ابن أبى موسى أن ساب الرسول يقتل ولو أسلم، اقتصر عليه في المستوعب.
وذكره ابن البنا في الخصال قال الشيخ تقى الدين وهو الصحيح من المذهب ونقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب
قتله ونقل أبو بكر الفارسى أحد ائمة الشافعية في كتاب الاجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل، لان حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وخالفه القفال فقال كفر بالسب فسقط القتل بالاسلام.
وقال الصيدلانى يزول القتل ويجب حد القذف.
قال الخطابى لاأعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما، وقال ابن بطال: اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم.
فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك يقتل من سبه منهم إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله في حق اليهود نحوه وحكى عن عياض هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف، ونقل عن بعض المالكية أنه لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك لانهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وقيل إنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذى لا بد منه، ولذلك قال في الرد عليهم وعليكم أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به، أشار إلى ذلك القاضى عياض واحتج الطحاوي لاصحابه بحديث أنس الذى فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لم يقتل من كانوا يقولون له السام عليك، وأيده بأن هذا الكلام لو صدر من مسلم لكانت ردة، وأما صدوره من اليهودي فالذي هم عليه من الكفر أشد فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وتعقب بأن دمائهم لم تحقن إلا بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم تعدى العهد فينقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه إلا أن يسلم ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لو يقتلوا لان من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل، فإن قيل إنما يقتل بالمسلم قصاصا، بدليل انه يقتل به ولو أسلم، ولو سب ثم أسلم لم يقتل.
ومسك الختام أورد لك بعض ما ذكره الامام المناضل شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابة الصارم المسلول على شاتم الرسول (طبعة الهندسة 1322 هـ) فيقول
(فصل)
في إيراد السنن والاحاديث الدالة على حكم شاتم النبي صلى الله عليه وسلم فيورد حديث شعبة السابق الاشارة إليه، وقال رواه أبو دود وابن بطة في سننه وهو من جملة ما استدل به الامام أحمد في رواية ابنه عبد الله، وذكره بألفاظ متقاربة، ثم ذكر حديث ابن عباس وقال: سئل الامام أحمد في قتل الذمي إذا سب أحاديث؟ قال نعم، منهم حديث الاعمى الذى قتل المرأة، قال سمعها تشتم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الثالث فقال: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه الذمة، وهو قصة كعب بن الاشرف اليهودي، قلت وهى في الصحيحين.
قال الخطابى، قال الشافعي يقتل الذمي إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ منه الذمة
واحتج في ذلك بخبر ابن الاشرف.
وكان بودى أن أسير شوطا طويلا مع هذا الامام العظيم وأسرد لك ما ذكره في كتابه المذكور لولا الخوف من الاطالة وتنبيه الناشر بالاقتصار على أقل القليل حتى لا يخرج الكتاب عن الحيز المرسوم له، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى الصارم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يمكن مشرك من الاقامة في الحجاز، قال الشافعي رحمه الله هي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، قال الاصمعي سمى حجازا لانه حاجز بين تهامة وتجد، والدليل عليه ما روى ابن عباس رضى الله عنه قال (اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) وأراد الحجاز والدليل عليه ما روى أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قال (آخر ما تكلم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب وروى ابن عمر أن عمر رضى الله عنه أجلى اليهود والنصارى من الحجاز
ولم ينقل أن أحدا من الخلفاء أجلى من كان باليمن من أهل الذمة، وإن كانت من جزيرة العرب، فإن جزيرة العرب في قول الاصمعي من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام في العرض، وفى قول أبى عبيدة ما بين حفر أبى موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين النهرين إلى السماوة، وفى العرض قال يعقوب حفر أبى موسى على منازل من البصرة من طريق مكة على خمسة أو ستة منازل، وأما نجران فليست من الحجاز ولكن صالحهم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أن لا يأكلوا الربا فأكلوا ونقضوا العهد فأمر بإجلائهم فأجلاهم عمر، ويجوز
تمكينهم من دخول الحجاز لغير الاقامة، لان عمر رضى الله عنه أذن لمن دخل منهم تاجرا في مقام ثلاثة أيام ولا يمكنون من الدخول بغير إذن الامام، لان دخولهم إنما أجيز لحاجة المسلمين، فوقف على رأى الامام، فإن استأذن في الدخول فن كان للمسلمين فيه منفعة بدخولة لحمل ميرة أو أداء رسالة أو عقد ذمة أو عقد هدنة أذن فيه، لان فيه مصلحة للمسلمين، فإن كان في تجارة لا يحتاج إليها المسلمون لم يؤذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارتهم شيئا، لان عمر رضى الله عنه أمر أن تؤخذ من أنباط الشام من حمل القطنية من الحبوب العشر ومن حمل الزيت والقمح نصف العشر ليكون أكثر للحمل، وتقدير ذلك إلى رأى الامام، لان أخذه باجتهاده فكان تقديره إلى رأيه، فإن دخل للتجارة فله أن يقيم ثلاثة أيام ولا يقيم أكثر منها لحديث عمر رضى الله عنه، ولانه لا يصير مقيما بالثلاثة ويصير مقيما بما زاد.
وإن أقام في موضع ثلاثة أيام ثم انتقل إلى موضع آخر وأقام ثلاثة أيام، ثم كذلك ينتقل من موضع إلى موضع ويقيم في كل موضع ثلاثة أيام جاز، لانه لم يصر مقيما في موضع، ولا يمنع من ركوب بحر الحجاز، لانه ليس بموزضع للاقامة، ويمنع من المقام في سواحله والجزائر المسكونة فيه لانه من بلاد الحجاز وإن دخل لتجارة فمرض فيه ولم يمكنه الخروج أقام حتى يبرأ لانه موضع ضرورة وان مات فيه وأمكن نقله من غير تغير لم يدفن فيه لان الدفن إقامة على التأييد وان خيف عليه التغير في النقل عنه لبعد المسافة دفن فيه لانه موضع ضرورة.
(الشرح) حديث ابن عباس (اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، رواه البخاري عن قتيبه وغيره، ورواه مسلم عن سعيد بن منصور وغيره بلفظ سمعت ابن عباس رضى الله عنه يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى ثم
قال: اشتد وجع رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اثتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعد أبدا فتتنازعوا ولا ينبغى عند نبى تنازع، فقال ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأمرهم بثلاث، فقال اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوقد بنحو مما كنت أجيزهم.
والثالثة نسيتها) حديث أبى عبيدة بن الجراح (آخر ما تكلم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رواه البيهقى في السنن الكبرى وأحمد بلفظ عن أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قال: آخر ما تكلم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شر الناس الذين اتخذوا قبورهم مساجد) وروى مسلم وأحمد والترمذي عن عمر بن الخطاب قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (لئن عشت لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها الا مسلما) أثر ابن عمر: روى البخاري عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لما فدعت بخيبر قام عمر رضى الله عنه خطيبا في الناس فَقَالَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامل يهود خيبر على أموالها وقال نقركم ما أقركم الهل، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدى عليه في الليل ففدعت بداه وليس لنا عدو هناك غيرهم وهم تهمئنا وقد رايت اجلاءهم فلما أجمع على ذلك أتاه أحد بنى أبى الحقيق فقال يا أمير المؤمنين تخرجنا وقد أقرنا محمد وعاملنا على الاموال وشرط ذلك لنا، فقال عمر رضى الله عنه أظننت أنى نسيت قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَيْفَ بك إذا خرجت من خيبر تعدو بك قلو صك ليلة بعد ليلة، فأجلاهم وأعطاهم قيمة مالهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك) ومن طريق آخر عن ابن عمر أن عمر رضى الله عنه أجلى اليهود والنصارى
من أرض الحجاز وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الارض إذا أظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فسأل اليهود رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يقرهم بها على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقركم على ذلك ما شئنا، فأقروا بها وأجلاهم عمر رضى الله عنه في إمارة إلى تيماه واريحا حديث (صالحهم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أن لا يأكلوا الربا) سبق تخريجه.
أثر (لان عمر رضى الله عنه أذن) أخرجه البيهقى في السنن الكبرى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضرب اليهود والنصارى والمجوس بالمدينة اقامة ثلاثة أيام يتسوقون بها ويقضون حوائحهم ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال أثر عمر (أن عمر رضى الله عنه أمر أن تؤخذ من أنباط الشام) رواه البيهقى في السنن الكبرى عن سالم عن أبيه أن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية العشر.
اللغة قوله (جزيرة العرب) سميت جزيرة لان البحرين، بحر فارس وبحر الحبشة والرافدين قد أحاطت بها والرافدان دجلة والفرات، قال ووليت العراق ورافديه
- فزاريا أجذيد القميص قوله (ريف العراق) حيث المزارع ومواضع الخصب منها قوله (إلى أطرار الشام) الجوهرى، أطرار الشام أطرافها.
وحفر أبى موسى ركايا احتفرها بطريق مكة من البصرة بين ماوية والنجشانيات، وكان لا يوجد بها قطرة ماء، ولها حكاية والميرة الطعام الذى يمتاره الانسان أي يجئ به من بعد، يقال مار أهله يميرهم إذا حمل إليهم الميرة، قال الله تعالى (ونمير أهلنا) وأنباط الشام قوم من العجم.
والقطنية بكسر القاف هو ما سوى الطعام كالعدس واللوبيا والحمص وما شاكله.
وقيل الكلام في الفقه أورد لك ما ذكره البيهقى تحت باب ما جاء في تفسير
أرض الحجاز وجزيرة العرب (أولا) قال سعيد بن العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر (ثانيا) قال أبو عبد الرحمن يعنى المقرى جزيرة العرب من لدن القادسية إلى لدن قعر عدن إلى البحرين.
(ثالثا) قال مالك عمر أجلى أهل نجران ولم يجلوا من تيماء لانها ليست من بلاد العرب، فأما الوادي فإنى أرى انما لا يجلى من فيها من اليهود انهم لم يروها من أرض العرب.
(رابعا) قال الشافعي والحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها.
وفى رواية أخرى وليست اليمن بحجاز وأما ما ذكره ياقوت في المعجم في الجزء الاول طبعة بيوت سنة 1374 هـ في ذكر الاقاليم السبعة داخل دائرة الثاني، الحجاز حدة مما يلى مصر وعدن أبين واليمن وبادية العرب وبلاد الجزيرة بين نهرى الفرات ودجلة إلى أرض لثعلبية مما يلى العراق.
وقال في الجزء 20 في كلمة يمن يفصل بينها وبين باقى جزيرة العرب خط يأخذ من حدود عمان ويبربن إلى حد ما بين اليمن واليمامة فإلى حدود الهجيرة وتثليث وكثبة وجرش منحدرا في السراء إلى شعف عنيز وشعف الجبل أعلاه إلى تهامة
إلى أم جحدم إلى البحر يقال له كرمل بالقرب من حمضة، وذلك حد ما بين كنانة واليمن من بطن تهامة.
(قلت أنا) وهو لياقوت هذا الخط من البحر الهندي إلى البحر اليمنى عرضا في البرية من الشرق إلى جهة الغرب.
الخ الحجاز وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة قيل نصفها تهامى ونصفها حجازى وقيل كلها حجازى.
وقال الكلبى حد الحجاز ما بين جبل طئ وطريق العراق، وسمى الحاجز حجاز لانه حجز بين تهامة ونجد، وقيل لانه حجز بين نجد والسراه، وقيل لانه حجز بين نجد وتهامة والشام قال الحربى (وتبوك من الحجاز) وما بهمنا من هذا أن اليمن تخرج عن أرض الحجاز كما ذكر الامام الشافعي.
وحكى الحافظ في الفتح في كتاب الجهاد عن الجمهور أن الذى يمنع منه المشركون من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة، قال وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب لاتفاق الجميع، على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب قال وعن الحنفية يجوز مطلقا إلا المسجد، وعن مالك يجوز دخولهم المسجدا لحرام للتجارة وقال الشافعي لا يدخلون أصلا إلا بإذن الامام لمصلحة المسلمين اه قال ابن عبد البر في الاستذكار ما لفظه، قال الشافعي جزيرة العرب التى أخرج عمر اليهود والنصارى منها، مكة والمدينة واليمامه ومخاليفها، فأما اليمن فليس من جزيرة العرب.
اه قال في البحر (مسألة) ولا يجوز إقرارهم في الحجاز إذا أوصى صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء: إخراجهم من جزيرة العرب، الخبر ونحوه، والمراد بجزيرة
العرب في هذه الاخبار مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ووج والطائف وما ينسب اليهما، وسمى الحجاز حجازا لحجزه بين نجد وتهامة.
ثم قال في حديث أبى عبيدة (أجلى عمر أهل الذمة من الحجاز فلحق بعضهم بالشام وبعضهم بالكوفة) وأجلى أبو بكر قوما فلحقوا بخيبر، فاقتضى أن المراد الحجاز لا غير اه.
وباقى كلام المؤلف في الفصل سبق بيانه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يمكن مشرك من دخول الحرم لقوله عز وجل (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بعد عامهم هذا) والمسجد الحرام عبارة عن الحرم، والدليل عليه قوله عز وجل (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الحرام إلى المسجد الاقصى) وأراد به مكة، لانه أسرى به من منزل خديجة.
وروى عطاء إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يدخل مشرك المسجد الحرام، فإن جاء رسولا خرج إليه من يسمع رسالته، وإن جاء لحمل ميرة خرج إليه من يشترى منه، وإن جاء ليسلم خرج إليه من يسمع كلامه، وإن دخل ومرض فيه لم يترك فيه، وإن مات لم يدفن فيه، وإن دفن فيه نبش وأخرج منه
للآية، ولانه إذا لم يجز دخوله في حياته فلان لا يجوز دفن جيفته فيه أولى، وإن تقطع ترك، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يأمر بنقل من مات فيه منهم ودفن قبل الفتح، وإن دخل بغير إذن فإن كان عالما بتحريمه عزر، وان كان جاهلا أعلم فإن عاد عزر، وان أذن له في الدخول بمال لم يجز فإن فعل استحق عليه المسمى لانه حصل له المعوض ولا يستحق عوض المثل، وان كان فاسدا، لانه لا أجرة لمثله، والحرم من طريق المدينة على ثلاثة أميال، ومن طريق العراق على تسعة أميال ومن طريق الجعرانة على تسعة أميال ومن طريق الطائف على عرفة على
سبعة أميال، ومن طريق جدة على عشرة أميال
(فصل)
وأما دخول ما سوى المسجد الحرام من المساجد فإنه يمنع منه من غير اذن، لما روى عياض الاشعري أن أبا موسى وفد إلى عمر ومعه نصراني فأعجب عمر خطه فقال قل لكاتبك هذا يقرأ لنا كتابا، فقال انه لا يدخل المسجد، فقال لم؟ أجنب هو؟ قال لا، هو نصراني، قال فانتهره عمر، فإن دخل من غير اذن عزر لما روت أم غراب قالت: رأيت عليا كرم الله وجهه على المنبر وبصر بمجوسى فنزل فضربه وأخرجه من باب كندة، فإن استأذن في الدخول، فإن كان لنوم أو أكل لم يأذن له، لانه يرى ابتذاله تدينا فلا نحميه من أقذاره، وان كان لسماع قرآن أو علم فإن كان ممن يرجى إسلامه أذن له لقوله عز وجل (وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) ولانه ربما كان ذلك سببا لاسلامه.
وقد رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَ أخته تقرأ طه فأسلم، وان كان جنبا ففيه وجهان.
(أحدهما) أنه يمنع من المقام فيه، لانه إذا منع المسلم إذا كان جنبا فلان يمنع المشرك أولى.
(والثانى) أنه لا يمنع لان المسلم يعتقد تعظيمه فمنع، والمشرك لا يعتقد تعظيمه فلم يمنع، وان وفد قوم من الكفار ولم يكن للامام موضع ينزلهم فيه جاز أن ينزلهم في المسجد لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنزل سبى بنى قريضة والنضير في مسجد المدينة وربط ثمامة بن أثال في المسجد
(الشرح) حديث عطاء لم أعثر على رواية هذا الحديث عن عطاء، والذى رواه البخاري أن أبا هريرة رضى الله عنه قال بعثنى أبو بكر رضى الله عنه فيمن يؤذن يوم النحر بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وأن لا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الاكبر يوم النحر، وإنما قيل الحج الاكبر من أجل قول الناس الحج الاصغر، فنبذ أبو بكر رضى الله عنه إلى الناس في ذلك العام فلم يحج في العام القابل الذى حج فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجة الوداع مشرك، وأنزل الله في العام الذى نبذ فيه أبو بكر رضى الله عنه إلى المشركين (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس إلى بعد عامهم هذا) وروى البيهقى عن على قال (أرسلت إلى أهل مكة بأربع لا يطوفن بالكعبة عريان، ولا يقربن بالمسجد الحرام مشرك بعد عامه، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ومن كان له عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عهد فعهده إلى مدته، ومن طريق آخر عن زيد بن يتبع قال، سألنا عليا رضى الله عنه بأى شئ بعثت قال بأربع فذكر هن إلا أنه قال لا يجتمع مسلم ومشرك بعد عامهم هذا في الحج، وزاد ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر أثر عياض سبق للامام النووي تخريجه في أوائل أجزاء المجموع، رواه ابن أبى شيبة والبيهقي أثر على رواه ابن أبى شيبة والبيهقي أثر عمر رواه ابن أبى اسحاق وابن هشام في السيرة والبيهقي حديث أنزل سبى بنى قريظة والنضير في مسجد المدينة سبق تخريجه وروى الطبراني والبيهقي أن وفد ثقيف قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقوبهم فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا (أي لا يصلوا) ولا يستعمل عليهم من غيرهم، فقال لا تحشروا ولا تعشروا ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم من غيركم، ولا خير في دين ليس فيه ركوع) قلت وفى سنده محمد بن اسحاق وهو مدلس ولكنه عنعنه حديث (وربط ثمامة بن أثال في المسجد) أخرجه البخاري عن
أبى هريرة بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فجاءت برجل من بنى حنيفة يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ من سوارى المسجد فخرج إلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نجل قريب من المسجد فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله) اللغة: وبصر بمجوسى، أي نظر وقيل علم، قال أبو عبيد في قوله تعالى (بصرت بما لم يبصروا به) نظرت من البصر وقال قتادة فطنت من البصيرة وقال مقاتل علمت.
قال الهروي: يقال بصر يبصر إذا صار عليما بالشئ فإذا نظرت قلت أبصرت أبصر التجبية: أن يقوم الانسان قيام الراكع، وقيل السجود، والمراد بقولهم انهم لا يصلون، من النهاية لابن الاثير النجل بفتح فسكون الماء النابع من الارض وقد اختلف الفقهاء في دخول غير المشركين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الاسلام، فقال البغوي في تفسيره (أراد بالمشركين عبدة الاصنام دون غيرهم من أصناف الكفار، وقيل أراد جميع أصناف الكفار عبدة الاصنام وغيرهم من اليهود والنصارى.
ثم قاد والمراد من منعهم من دخول الحرم لانهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد، ثم قال، قال العلماء وجملة بلاد الاسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام
(أحدهما)
الحرم فلا يجوز لكافر أن بدخله بحال، ذميا كان أو مستأمنا لظاهر الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، فلو جاء رسول من دار الكفر
والامام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم بل يخرج إليه بنفسه أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.
القسم الثاني من بلاد الاسلام الحجاز (وحددها بما سبق الاشارة إليه في الفصل قبله) ثم قال فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالاذن، ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام، وروى الاحاديث في صدر الفصل.
القسم الثالث سائر بلاد الاسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن المسلم وقوله (وأما دخول ما سوى المسجد) قلت ويجوز دخول الكافر المسجد بإذن المسلم لقول عطية بن شعبان قدم وفد ثقيف عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان فضرب لهم قبة في المسجد، فلما اسلموا صاموا معه، أخرجه الطبراني، ولحديث أبى هريرة الذى أسروا فيه ثمامة بن أثال، ولهذا قالت الشافعية يجوز دخول الكافر ولو غير كتابي المسجد بإذن المسلم إلا مسجد مكة وحرمها.
قال النووي في المجموع، قال أصحابنا لا يكن كَافِرٌ مِنْ دُخُولِ حَرَمِ مَكَّةَ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فيجوز أن يدخل كل مسجد ويبيت فيه بِإِذْنِ الْمُسْلِمِينَ وَيُمْنَعُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ جُنُبًا فَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْ اللَّبْثِ في المسجد فيه وجهان أصحهما يمكن اه وقالت الحنفية ومجاهد يجوز دخول الكتابى دون غيره لِحَدِيثِ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لايدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم، أخرجه أحمد بسند جيد، وهذا هو الظاهر
وقالت المالكية (لا يجوز للكافر دخول مسجد الحل والحرم إلا لحاجة) قال العلامة الصاوى يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم على الظاهر.
اه وقالت الحنبلية (لا يجوز لكافر دخول الحرم مطلقا ولا مسجد الحل إلا لحاجة) قال في كشاف القناع (ولا يجوز لكافر دخول مسجد الحل ولو بإذن مسلم لقوله تعالى (إنما يعمر مساجد الله..) ويجوز دخول مساجد الحل للذمي والمعاهد والمستأمن إذا استؤجر لعمارتها لانه لمصلحتها اه وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة والمزنى (لا يجوز دخوله مطلقا)
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يمكن حربى من دخول دار الاسلام من غير حاجة، لانه لا يؤمن كيده، ولعله للتجسيس أو شراء سلاح، فإن استأذن في الدخول
لاداء رسالة أو عقد ذمة أو هدنة أو حمل ميرة وللمسلمين إليها حاجة جاز الاذن له من غير عوض، لان في ذلك مصلحة للمسلمين، وإذا انقضت حاجته لم يمكن من المقام، فإن دخل من غير ذمة ولا أمان فالامام أن يختار ما يراه من القتل والاسترقاق والمن والفداء.
والدليل عليه ما روى ابن عباس في قتح مكة ومجئ أبى سفيان مع العباس إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عمر دخل وقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه من غير عقد ولا عهد فدعني أضرب عنقه، فقال العباس يا رسول الله إنى قد أجرته، ولانه حربى لاأمان له فكان حكمه ما ذكرناه كالاسير، وإن دخل وادعى أنه دخل لرسالة قبل قوله، لانه يتعذر إقامة البينة على الرسالة، وإن ادعى أنه دخل بأمان مسلم ففيه وجهان
(أحدهما) أنه لا يقبل قوله لانه لا يتعذر إقامة البينة على الامان (والثانى) أنه يقبل قوله وهو ظاهر المذهب، لان الاظهر أنه لا يدخل من غير أمان، وإن أراد الدخول لتجارة ولا حاجة للمسلمين إليها لم يؤذن له إلا بمال يؤخذ من تجارته، لان عمر رضى الله عنه أخذ العشر من أهل الحرب، ويتسحب أن لا ينقص عن ذلك اقتداء بعمر رضى الله، فان نقص باجتهاده جاز لان أخذه باجتهاده فكان تقديره إليه ولا يؤخذ ما يشترط على الذمي في دخول الحجاز في السنة إلا مرة، كما لا تؤخذ الجزية منه في السنة إلامرة، وما يؤخذ من الحربى في دخول دار الاسلام فيه وجهان (أحدهما) أنه يؤخذ منه في كل سنة مرة كأهل الذمة في الحجاز (والثانى) أنه يؤخذ منه في كل مرة يدخل، لان الذمي تحت يد الامام، ولا يفوت ما شرط عليه بالتأخير، والحربي يرجع إلى دار الحرب، فإذا لم يؤخذ منه فات ما شرط عليه، وإن شرط أن يؤخذ من تجارته أخذ منه، باع أو لم يبع، وإن شرط أن يؤخذ من ثمن تجارته فكسد المتاع ولم يبع لم يؤخذ منه لانه لم يحصل الثمن، وان دخل الذمي الحجاز أو الحربى دار الاسلام ولم يشرط عليه في دخوله مال لم يؤخذ منه شئ، ومن أصحابنا من قال يؤخذ من تجارة الذمي نصف العشر ومن تجارة الحربى العشر، لانه قد تقرر هذا في الشرع
بفعل عمر رضى الله عنه، فحمل مطلق العقد عليه، والمذهب الاول لانه أمان من غير شرط المال فلم يستحق به مال كالهدنة.
(الشرح) حديث ابن عباس سهق تخريجه أثر عمر سبق تخريجه (قلت) سبق إيضاح هذا الفصل ضمن ما سبق بيانه من الفصول
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الهدنة
(الشرح) أصل الهدنة السكون، يقال هدن يهدن هدونا إذا سكن، وهدنة أي سكنة يتعدى ولا يتعدى، وهادنته صالحته والاسم منها الهدنة، والموادعة بمعنى المهادنة ومعناها المتاركة
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
لَا يَجُوزُ عقد الهدنة لاقليم أو صقع عظيم إلا للامام أو لمن فوض إليه الامام لانه أو جعل ذلك إلى كل واحد لم يؤمن أن يهادن الرجل أهل إقليم، والمصلحة في قتالهم فيعظم الضرر فلم يجز إلا للامام أو للنائب عنه، فإن كان الامام مستظهرا نظرت فإن لم يكن في الهدنة مصلحة لم يحز عقدها لقوله عز وجل (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الا علون والله معكم) وإن كان فيها مصلحة بأن يرجو إسلامهم أو بذل الجزية أو معاونتهم على قتال غيرهم جاز أن يهادن أربعة أشهر لقوله عز وجل (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر) ولا يجوز أن يهادنهم سنة فما زاد لانها مدة يجب فيها الجزية فلا يجوز إقرارهم فيها من غير جزيه، وهل يجوز فيما زاد على أربعة أشهر وما دون سنة فيه قولان
(أحدهما)
أنه لا يجوز لان الله تعالى أمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يعطوا الجزية لقوله تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) وأمر بقتال عبدة الاوثان إلى أن يؤمنوا، لقوله عز وجل (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ثم اذن في الهدنة في أربعة أشهر وبقى ما زاد على ظاهر الآيتين.
والقول الثاني أنه يجوز لانها مدة تقصر عن مدة الجرية فجاز فيها عقد الهدنة كأربعة أشهر.
وإن كان الامام غير مستظهر بأن كان في المسلمين ضعف وقلة، وفى المشركين قوة وكثرة.
أو كان الامام مستظهرا لكن العدو على بعد ويحتاج في قصدهم إلى مؤنة مجحفة جاز عقد الهدنة إلى مدة تدعو إليها الحاجة، وأكثرها عشر سنين، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هادن قريشا في الحديبية عشر سنين، ولايجوز فيما زاد على ذلك لان الاصل وجوب الجهاد إلا فيما وردت فيه الرخصة، وهو عشر سنين وبقى ما زاد على الاصل وإن قد على عشر سنين وانقضت والحاجة باقية استأنف العقد فيما تدعو الحاجة إليه، وإن عقد على أكثر من عشر سنين بطل فيما زاد على الشعر، وفى العشر قولان بناء على تفريق الصفقة في البيع، وإن دعت الحاجة إلى خمس سنين لم تجز الزيادة عليها، فإن عقد على ما زاد على الخمس سنين بطل العقد فيما زاد، وفى الخمس قولان.
فإن عقد الهدنة مطلقا من غير مدة لم يصح لان إطلاقه يقتضى التأبيد وذلك لا يجوز، وإن هادن على أن له أن ينقض إذا شاء جاز لان النبي صلى الله عليه وسلم وادع يهود خيبر وقال: أقركم ما أقركم الله.
وان قال غير النبي صلى الله عليه وسلم هادنتكم إلى أن يشاء الله تعالى أو أقررتكم ما أقركم الله تعالى لم يجز لانه لا طريق له إلى معرفة ما عند الله تعالى، ويخالف الرسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ كَانَ يعلم ما عند الله تعالى بالوحى، وان هادنهم ما شاء فلان وهو رجل مسلم أمين عالم له رأى جاز، فإن شاء فلان أن ينقض نقض.
وان قال هادنتكم ما شئتم لم يصح لانه جعل الكفار محكمين على المسلمين، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الاسلام يعلو ولا يعلى)
ويجوز عقد الهدنة على مال يؤخذ منهم، لان في ذلك مصلحة للمسلمين،
ولا يجوز بمال يؤدى إليهم من غير ضرورة لان في ذلك الحاق صغار بالاسلام فلم يجز من غير ضرورة، فإن دعت إلى ذلك ضرورة بأن أحاط الكفار بالمسلمين وخافوا الاصطلام، أو أسروا رجلا من المسلمين وخيف تعذيبه جاز بذل المال لاستنقاذه منهم لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الحرث بن عمرو الغطفانى رئيس غطفان قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ جعلت لى شطر ثمار المدينة والا ملانها عليك خيلا ورجلا؟ فقال النبي صلى الله عليه حتى أشاور السعديين يعنى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسعد بن زيارة فقالوا ان كان هذا بأمر من السماء فتسليم لامر الله عزوجل، وان كان برأيك فرأينا تبع لرأيك، وان لم يكن بأمر من السماء ولا برأيك فو الهل ما كنا نعطيهم في الجاهلية ثمرة الاشراء أو قراء، وكيف وقد أعزنا الله بك، فلم يعطهم شيئا، فلو لم يجز عند الضرورة لما رجع إلى الانصار ليدفعوه ان رأوا ذلك، ولان ما يخاف من الاصطلام وتعذيب الاسير أعظم في الضرورة من بذل المال فجاز دفع أعظم الضررين بأخذهما وهل يجب بذل المال؟ فيه وجهان بناء على الوجهين في وجوب الدفع عن نفسه، وقد بيناه في الصول، فإذا بذل لهم على ذلك مال لم يملكوه لانه مال مأخوذ بغير حق فلم يملكوه كالمأخوذ بالقهر.
(الشرح) حديث (أنه صلى الله عليه وسلم هادن قريشا) أخرجه البخاري مطولا في كتاب الشروط عن الزهري، وأخرجها الحاكم في الاكيل من طريق أبو الأسود عن عروة منقطعة، وأخرجها بن عائذ في المغازى، ورواه ابن اسحاق في الدلائل عن موسى بن عقبة، رواه عاصم العمرى عن عبد الله بن دينار عن ابن عرم أنها كانت أربع سنين، وعاصم ضعفه البخاري وغيره، قال
الحافظ وصححه من طريق الحاكم في التخليص.
حديث (وادع يهود خيبر..) أخرجه البخاري حديث (الاسلام يعلو..) الدارقطني وعلقه البخاري والطبراني في الصغير واسناده ضعيف جدا حديث أبى هريرة أخرجه الطبراني، وفيه حسان بن الحارث ضعيف.
ورواه ابن إسحاق في المغازى عن الزهري قال: لما اشتد على الناس البلاء بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عيينة بن حصن بن وحذيفة بن بدر إلى الحارث ابن أبى عوف المزني وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما الصلح ولم تقع الشهادة، فلما أراد فلما أراد ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشار هما فيه فذكره مطولا اللغة (مجحفة) أي تذهب بالمال وقد ذكر قوله (وخافوا الاصطلام هو الاستئصال بالقتل وغيره والطاء بدل من التاء وأصله استئصال قطع الاذن يقال ظليم مصطلم وهو خلقة فيه، والظليم ذكر النعام والحق أن الامام وأهل الشورى معه هم الذين يفوضون الامام في عقد الهدنة أو لمن يفوضه، إلا الحنفية فإنهم قالوا.
ولا يشترط إذن الامام بالموادعة فإذا وادعهم الامام أو فريق من المسلمين من غير إذن الامام جازت موادعتهم لان كون عقد الموادعة مصلحة للمسلمين وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره في (براءة من الله ورسوله..) اختلف المفسرون ههنا اختلافا كثيرا فقال قائلون هذه الآية لذوى العهود المطلقة غير المؤقتة أو من له عهد دون أربعة أشهر فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجله إلى مدته فهما كان لقوله تعالى (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم)
وللحديث (ومن كان بين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته) وهذا أحسن الاقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله، وروى عن الكلبى ومحمد بن كعب القرظى وغير واحد..اه وقال الشوكاني في النيل: وقد اختلف العلماء هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلما من عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل نعم على ما دلت عليه قصة أبى جندل وأبى بصير، وقيل لا، وإن الذى وقع في القصة منسوخ وإن ناسخ حديث (أنا برئ من كل مسلم بين مشركين) وهو قول الحنفية، وعند الشافعية يفصل بين العاقل وبين المجنون والصبى فلا يردان.
وقال الشافعية: جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب، وباقى أقوال المصنف سبق شرحها فيما سبق
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يجوز عقد الهدنة على رد من جاء من المسلمات، لان النبي صلى الله عليه وسلم عقد الصلح بالحديبية، فجاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط مسلمة، فجاء أخواها فطلباها فأنزل الله عز وجل (فلا ترجعوهن إلى الكفار) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ اللَّهَ تعالى منع من الصلح في النساء) ولانه لا يؤمن أن تزوج أن تزوج بمشرك فيصيبها، ولا يؤمن أن تفتن في دينها لنقصان عقلها ولا يجوز عقدها على رد من لا عشيرة له من الرجال تمنع عنه، لانه لا يأمن على نفسه في اظهار دينه فيما بينهم، ويجوز عقدها على رد من له عشيرة تمنع عنه لانه يأمن على نفسه في اظهار دينه، ولايجوز عقدها مطلقا على رد من جاء من الرجال مسلما، لانه يدخل فيه من يجوز رده ومن لا يجوز (فصل) وان عقدت الهدنة على ما لا يجوز مما ذكرناه أو عقدت الذمة على ما لا يجوز من النقصان عن دينار في الجزية والمقام في الحجاز أو الدخول إلى الحرم أو بناء كنيسة في دار الاسلام أو ترك الغيار أو اظهار الخمر والخنزير في دار الاسلام وجب نقضه، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رد) ولما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خطب الناس وقال: ردوا الجهالات إلى السنة، ولانه عقد على محرم فلم يجز الاقرار عليه كالبيع بشرط باطل أو عوض محرم.
(فصل) وان عقدت الهدنة على ما يجوز إلى مدة وجب الوفاء بها إلى أن تنقضي المدة ما أقاموا على العهد لقوله عز وجل (أوفوا بالعقود) ولقوله تعالى (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ان الله يحب المتقين) ولقوله عز وجل (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) وروى سليمان بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم هدنة فسار معاوية في أرضهم كأنه يريد أن يغير عليهم، فقال له عمرو بن عبسة سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كان بينه وبين قوم عهد فلا يحل عقدة ولا يضدها حتى يمضى أمدها أو ينبذ إليهم على سواء، قال فانصرف معاوية ذلك العام، ولان الهدنة عقدت لمصلحة المسلمين فإذا لم يف لهم عند قدرتنا عليهم لم يفوا لنا عند قدرتهم علينا فيؤدى ذلك إلى الاضرار بالمسلمين وإن مات الامام الذى عقد الهدنة وولى غيره لزمه إمضاؤه لما روى أن نصارى نجران أتوا عليا كرم الله وجهه وقالوا إن الكتاب كان بيديك والشفاعة اليك وإن عمر أجلانا من أرضنا فردنا إليها، فقال على إن عمر كان رشيدا في أمره وإنى لا أغير أمرا فعله عمر رضى الله عنه.
(الشرح) حديث عقد صلح الحديبية..) أخرجه البخاري من حديث المسور وفيه (فجاءت أم كلثوم..) حديث (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رد) متفق عليه أثر (ردوا الجهالات إلى السنة..) أخرجه البيهقى في السنن أثر (أن نصارى نجران..) أخرجه البيهقى في السنن اللغة: قوله (ولم يظاهروا عليكم أحدا) أي لم يعاونوا، والمظاهرة المعاونة والظهير العون، قال الله تعالى (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب) قوله (أو ينبذ إليهم على سواء) قال المفسرون في تفسير قوله تعالى (فانبذ إليهم على سواء) أي اطرح إليهم عهدهم حتى تكون أنت وهم في العلم سواء، وأصله الوسط وحقيقته العدل، ومنه (في سواء الجحيم) أي وسطه قوله (وأن عمر أجلانا من أرضنا) أي أخرجنا منها، قال الله تعالى (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) وهو الخروج عن الاوطان، تقول العرب إما حرب مجلية أو سلم مخزية، معناه إما حرب أو دمار وخروج عن الديار، وإما صلح وقرار على صغار.
قوله (زهدوها في الاسلام) أي قللوا رغبتها فيه، زهدت في الشئ وعن الشئ لم أرغب فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجب على الامام منع من يقصدهم من المسلمين ومن معهم من أهل الذمة، لان الهدنة عقدت على الكف عنهم، ولا يجب عليه منع من قصدهم من أهل الحرب ولا منع بعضهم من بعض لان الهدنة لم تعقد عل حفظهم وإنما عقدت على تركهم، بخلاف أهل الذمة فإن أهل الذمة عقدت على حفظهم فوجب منع كل من يقصدهم، ويجب على المسلمين ومن معهم من أهل الذمة ضمان أنفسهم وأموالهم والتعزير بقذفهم، لان الهدنة تقتضي الكف عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم فوجب ضمان ما يجب في ذلك.
(فصل)
إذا جاءت منهم حرة بالغة عاقلة مسلمة مهاجرة إلى بلد فيه الامام أو نائب عنه ولها زوج مقيم على الشرك وقد دخل بها وسلم إليها مهرا حلالا، فجاء زوجها في طلبها فهل يجب رد ما سلم إليها من المهر؟ فيه قولان
(أحدهما)
يجب لقوله تعالى عز وجل (فلا ترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا) ولان البضع مقوم حيل بينه وبين مالكه فوجب رد بدله، كما لو أخذ منهم مالا وتعذر رده والقول الثاني وهو الصحيح، وهو اختيار المزني أنه لا يجب، لان البضع ليس بمال والامان لا يدخل فيه الا المال، ولهذا لو أمن مشركا لم تدخل امرأته في الامان ولانه لو ضمن البضع الحيلولة لضمن بمهر المثل كما يضمن المال عند تعذر الرد بالمثل بقيمته، ولا خلاف أنه لا يضمن البضع بمهر المثل فلم يضمن بالمسمى، وأما الآية فإنها نزلت في صلح رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ قبل تحريم رد النساء، وقد منع الله تعالى من ذلك بقوله تعالى (فلا ترجعوهن إلى الكفار) فسقط ضمان المهر.
فإن قلنا لا يجب رد المهر فلا تفريع، وان قلنا انه يجب وعليه التفريع وجب ذلك في خمس الخمس، لانه مال يجب على سبيل المصلحة فوجب في خمس الخمس، وان لم يكن قد دفع إليها المهر لم يجب له المهر، لقوله تعالى (وآتوهم ما انفقوا) وهذا لم ينفق.
وإن دفع إليه مهرا حراما كالخمر والخنزير لم يجب له شئ لانه لا قيمة لما دفع إليها فصار كما لو لم يدفع إليها شيئا، فإن دفع إليها بعض مهرها لم يجب له أكثر منه لان الوجوب يتعلق بالمدفوع فلم يجب إلا ما دفع.
وإن جاءت إلى بلد ليس فيها إمام ولا نائب عنه لم يجب رد المهر، لانه يجب في سهم المصالح، وذلك إلى الامام أو النائب عنه فلم يطالب به غيره.
(فصل) وإن جاءت مسلمة عاقلة ثم جنت وجب رد المهر لان الحيلولة حصلت بالاسلام، وإن جاءت مجنونة ووصفت الاسلام ولم يعلم هل وصفته في حال عقلها أو في حال جنونها لم ترد إليه لجواز أن يكون وصفته في حال عقلها فإذا ردت إليهم خدعوها وزدهوها في الاسلام فلم يجز ردها احتياطا للاسلام وإن أفاقت ووصفت الكفر وقالت إنها لم تزل كافرة ردت إلى زوجها، وإن وصفت الاسلام لم ترد، فإذا جاء الزوج في طلبها دفع إليه مهرها لانه حيل بينهما بالاسلام، وإن طلب مهرها قبل الافاقة لم يدفع إليه لان المهر يجب بالحيلولة، وذلك لا يتحقق قبل الافاقة لجواز ان تفيق وتصف الكفر فترد إليه فلم يجب مع الشك.
(فصل) فإن جاءت صبية ووصفت الاسلام لم ترد إليهم، وان لم يحكم بإسلامها، لانا نرجو اسلامها، فإذا ردت إليهم خدعوها وزهدوها في الاسلام فإن بلغت ووصفت الكفر قرعت، فإن أقامت على الكفر ردت إلى زوجها فإن وصفت الاسلام دفع إلى زوجها المهر لانه تحقق المنع بالاسلام، فإن جاء يطلب مهرها قبل البلوغ ففيه وجهان (أحدهما) أنه يدفع إليه مهرها لانها منعت منه بوصف الاسلام فهى كالبالغة (والثانى) أنه لا يدفع لان الحيلولة لا تتحق قبل البلوغ لجواز أن تبلغ وتصف الكفر فنرد إليه فلم يجب المهر كما قلنا في المجنونة
(فصل) وان جاءت مسلمة ثم ارتدت لم ترد إليهم لانه يجب قتلها، وان جاء زوجها يطلب مهرها، فإن كان بعد القتل لم يجب دفع المهر لان الحيلولة حصلت بالقتل، وان كان قبل القتل ففيه وجهان (أحدهما) أنه يجب لان المنع وجب بحكم الاسلام.
(والثانى) لا يجب لان المنع وجب لاقامة الحد لا بالاسلام.
(فصل)
وان جاءت مسلمة ثم جاء زوجها ومات أحدهما، فإن كان الموت بعد المطالبة بها وجب المهر، لان الحيلولة حصلت بالاسلام، وان كان قبل المطالبة لم يجب لان الحيلولة حصلت بالموت
(فصل)
فإن أسلمت ثم طلقها الزوج، فإن كان الطلاق بائنا فهو كالموت وقد بيناه وان كان رجعيا لم يجب دفع المهر لانه تركها برضاه، وان راجعها ثم طالب بها وجب دفع المهر لاه حيل بينهما بالاسلام، وان جاءت مسلمة ثم أسلم الزوج، فإن أسلم قبل انقضاء العدة لم يجب المهر لاجتماعهما على النكاح، وان أسلم بعد انقضاء العدة فإن كان قد طالب ابها قبل انقضاء العدة وجب المهر لانه وجب قبل البينونة، وان طالب بعد انقضاء العدة لم يجب لان الحيلولة حصلت بالبينونة باختلاف الدين
(فصل)
وان هاجرت منهم أمة وجاءت إلى بلد فيه الامام نظرت فإن فارقتهم وهى مشركة ثم أسلمت صارت حرة لانا بينا أن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض فملكت نفسها بالقهر، فإن جاء مولاها في طلبها لم ترد عليه لانها أجنبية منه لاحق له في رقبتها، ولانها مسلمة فلا يحوز ردها إلى مشرك وان طلب قيمتها فقد ذكر الشيخ أبو حامد الاسفراينى رحمه الله فيها قولين كالحرة إذا هاجرت وجاء الزوج يطلب مهرها، والصحيح أنه لا تجب قيمتها
قولا واحدا، وهو قول شيخنا القاضى أبى الطيب الطبري رحمه الله، لان الحيلولة حصلت بالقهر قبل الاسلام وتخالف الحرة فإنها منعت بالاسلام والامة منعت بالملك وقد زال الملك فيها قبل الاسلام وان أسلمت وهى عندهم ثم هاجرت لم تصر حرة لانهم في أمان منا وأموالهم محظورة علينا فلم يزل الملك فيها بالهجرة، فإن جاء مولاها في طلبها لم ترد إليه لانها مسلمة فلم يجز ردها إلى مشرك، وإن طلب قيمتها وجب دفعها إليه كما لو غصب منهم مال وتلف.
وان كانت الامة مزوحة من حر فجاء زوجها في طلبها لم ترد إليه وان طلب مهرها فعلى القولين في الحرة، وان كانت مزوجة من عبد فعلى القولين أيضا،
إلا أنه لا يجب دفع المهر إلا أن يحضر الزوج فيطالب بها لان البضع له فلا يملك فالمولى المطالبة به ويحضر المولى ويطالب بالمهر، لان المهر له فلا يملك الزوج المطالبة به
(فصل)
وإن هاجر منهم رجل مسلم فإن كان له عشيرة تمنع عنه جاز له العود إليهم، والافضل أن لا يعود، وقد بينا ذلك في أول السير، فإن عقد الهدنة على رده واختار العود لم يمنع، لان النبي صلى الله عليه وسلم أذن لابي جندل وأبى بصير في العود وإن اختار المقام في دار الاسلام لم يمنع لانه لا يجوز إجبار المسلم على الانتقال إلى دار الشرك، وإن جاء من يطلبه قلنا للمطالب إن قدرت على رده لم نمنعك منه، وإن لم تقدر لم نعنك عليه، ونقول للمطلوب في السر إن رجعت إليهم ثم قدرت أن تهرب منهم وترجع إلى دار الاسلام كان أَفْضَلُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بصير فهرب منهم وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال
قد وفيت لهم ونجاني الله منهم.
(الشرح) حديث (اذن لابي جندل وأبى بصير في العود) أخرجه البخاري عن عروة بن الزبير في حديث طويل في صلح الحديبية، وفيه ثم رجع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ فجاء أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوني في طلبه رجلين فقالوا العهد الذى جعله لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون تمرا لهم، فقال أبو بصير لاحد الرجلين والله سيفك هذا يا فلان جيد، فاستله الآخر فقال أجل إنه جيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير أرنى أنصر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قتل صاحبي والله وإنى لمقتول، فجاء أبو بصير فقال يا نبى الله قد أوفى الله ذمتك رددتني إليهم ثم أنجانى اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى
سيف البحر، قال وتفلت منهم أبو جندل بن سهل فلحق بأبى بصير) وأخرجه أحمد وفيه: يا أبا جندل أصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا) وفى رواية البخاري عن مروان والمسور (فرد يومئذ أبا جند إلى أبيه سهيل) حديث (رد أبى بصير..) جزء من الحديث السابق الاشارة إليه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ومن أتلف منهم على مسلم مالا وجب عليه ضمانه وإن قتله وجب عليه القصاص، وإن قذفه وجب عليه الحد لان الهدنة تقتضي أمان المسلمين في النفس والمال والعرض فلزمهم ما يجب في ذلك، ومن شرب منهم الخمر أو زنى لم يجب عليه الحد لانه حق لله تعالى، ولم يلتزم بالهدنة حقوق الله تعالى، فإن سرق مالا لمسلم ففيه قولان.
(أحدهما) أنه لا يجب عليه القطع لانه حد خالص لله تعالى فلم يجب عليه كحد الشرب والزنا.
(والثانى)
أنه يجب عليه، لانه حد يجب لصيانة حق الآدمى، فوجب عليه كحد القذف.
(الشرح) قوله (والمال والعرض) (الامانم في العرض) هو أن لا يذكر سلفه وآباءه وأن لا يذكره نفسه بسوء وبما ينزل قدره ومحله
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا نقص أهل الهدنة عهدهم بقتال أو مظاهرة عدو أو قتل مسلم أو أخذ مال انقضت الهدنة لقوله عز وجل (فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) فدل على أنهم إذا لم يستقيموا لنا لم نستقم لهم لقوله عز وجل (إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فاتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) فدل على أنهم إن ظاهروا علينا أحدا لم نتم إليهم عهدهم، ولان الهدنة تقتضي الكف عنا فانتقضت بتركه ولا يفتقر تقضها إلى حكم الامام بنقضها لان
الحكم إما يحتاج إليه في أمر محتمل وما تظاهروا به لا يحتمل غير نقض العهد، وإن نقض بعضهم وسكت الباقون ولم ينكروا ما فعل الناقض انتقضت الهدنة في حق الجميع.
والدليل عليه أن ناقة صالح عليه السلام عقرها القدار العبزار بن سالف وأمسك عنها القوم فأخذهم الله تعالى جميعهم به، فقال الله عز وجل (فدمدم
عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها) ولان النبي صلى الله عليه وسلم وادع بنى قريظة وأعان بعضهم أبا سفيان بن حرب على حرب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخندق، وقيل إن الذى أعان منهم ثلاثة: حى بن أخطب وأخوه وآخر معهم، فنقض النبي صلى الله عليه وسلم عهدم وغزاهم وقتل رجالهم وسبى دراريهم، ولان النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشا بالحديبية وكان بنو بكر حلفاء قريش وخزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاربت بنو بكر خزاعة، وأعان نفر من قريش بنى بكر على خزاعة، وأمسك سائر قريش، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك نقضا لعهدم وسار إليهم حتى فتح مكة، ولانه لما كان عقد بعضهم الهدنة أمانا لمن عقد ولمن أمسك وجب أن يكون نقض بعضهم نقضا لمن نقض ولم أمسك.
وإن نقض بعضهم العهد وأنكر الباقون أو اعتزلوهم أو راسلوا إلى الامام بذلك انتقض عهد من نقض وصار حربا لنا بنقضه ولم ينتقض عهد من لم يرض لانه لم ينقض العهدو لا رضى بفعل من نقض، فإن كان من لم ينقض مختلطا بمن نقض أمر من لم ينقض بتسليم من نقض إن قدروا أو بالتميز عنهم، فإن لم يفعلوا أحد هذين مع القدرة عليه انتقضت هدنتهم، لانهم صاروا مظاهرين لاهل الحرب، وإن لم يقدروا على ذلك كان حكمهم حكم من أسره الكفار من المسلمين وقد بيناه في أول السير، وإن أسر الامام قوما منهم وادعو أنهم ممن لم ينقض العهد وأشكل عليه حالهم قبل قولهم، لانه لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا من جهتهم.
(فصل)
وان ظهر مهم من يخاف معه الخيانة جاز للامام أن ينبذ إليهم عهدهم لقوله عز وجل (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) ولا تنتقض الهدنة إلا أن يحكم الامام بنقضها لقوله عز وجل (فانبذ إليهم على سواء) ولان نقضها لخوف الخيانة وذلك يفتقر إلى نظر واجتهاد فافتقر إلى الحاكم، وان خاف من أهل الذمة خيانة لم ينبذ إليهم، والفرق بينهم وبين عقد أهل الهدنة أن النظر في عقد الذمة وجب لهم، ولهذا إذا طلبوا عقد الذمة وجب العقد لهم فلم ينقض لخوف الخيانة والنظر في عقد الهدنة لنا، ولهذا لو طلبوا الهدنة كان النظر فيها الى الامام، وان رأى عقدها عقد وان لم يرد عقدها لم يعقد فكا النظر إليه في نقضها عند الخوف، ولان أهل الذمة في قبضته فإذا ظهرت منهم خيانة أمكن استداركها وأهل الهدنة خارجون عن قبضته فإذا ظهرت خيانتهم لم يمكن استداركها فجاز نقضها بالخوف، وان لم يظهر منهم ما يخاف معهم الخبانة لم يجز نقضها، لان الله تعالى أمر بنبذ العهد عند الخوف فدل على أنه لا يجوز مع عدم الخوف، ولان نقض الهدنة من غير سبب يبطل مقصود الهدنة ويمنع الكفار من الدخول فيها والسكون البها وإذا نقض الهدنة عند خوف الخيانة ولم يكن عليهم حق ردهم إلى مأمنهم، لانهم دخلوا على أمان فوجب ردهم إلى المأمن ان كان عليهم حق استوفاه منهم ثم ردهم إلى مأمنهم.
(الشرح) حديث (وادع بنى قريظة) أما الموادعة فرواها أبو داود في حديث طويل من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رجل من الصحابة وأم االنقض فرواه ابن إسحاق في المغازى كان الذين حزبوا الاحزاب نفرا من بنى النضير فكان منهم حيى بن أخطب وكنانة بن أبى الحقيق ونفر من بنى وائل فذكر الحديث قال: وخرج حى بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد صاحب عقد بنى قريظة، فلما سمع به أغلق حصنه وقال: انى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء وقد وادعنى ووادعته فدعني وارجع عنى فلم يزل به حتى فتح له، فقال له ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر بقريش ومن معها أنزلتها بردمه وجئتك
بغطفا على قادتها وسادتها أنزلتها إلى جانب أحد جئتك ببحر طام لا يرده شئ فقال جئتني والله بالذل فلم يزل به حتى وادعه فنقض العهدو أظهر البراءة مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفى البخاري من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن يهود بنى النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلى بنى النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربوا معه فقتل رجالهم وقسم أموالهم وأولادهم بين المسلمين إلا بعضهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنهم وأسلموا.
حديث (ولن النبي صلى الله عليه وسلم هاذن قريشا..) مسلم في صحيحه عن أنس (أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم..) وأصل الحديث في صحيح الخبارى من حديث المسور.
اللغة: قوله (فدمدم عليهم ربهم) قال الجوهرى: دمدمت الشئ إذا ألصقته بالارض وطحطحته.
وقال العزيزي: أرجف أرضهم وحركها عليهم.
وقال الازهرى: أطبق عليهم والكل معناه أهلكهم، فسواها أي سواها بالارض قال الشاعر: فدمدموا بعد ما كانوا ذوى نعم
- وعيشة أسكنوا من بعدها الحفرا ولا خلاف فيما ذكره الصمنف.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا دخل الحربى دار الاسلام بأمان في تجارة أو رسالة ثبت له الامان في نفسه وماله ويكون حكمه في ضمان النفس، والمال وما يجب عليه من الضمان والحدود حكم المهادن لانه مثله في الامان فكان مثله فيما ذكرناه، وإن
عقد الامان ثم عاد إلى دار الحرب في تجارة أو رسالة فهو على الامان في النفس والمال كالذمي إذا خرج إلى دار الحرب في تجارة أو رسالة وان رجع إلى دار الحرب بنية المقام وترك ماله في دار الاسلام انتقص الامان في نفسه ولم ينتقض في ماله، فان قتل أو مات انتقل المال إلى وارثه وهل يغنم أم لا، فيه قولان.
قال في سير الواقدي: ونقله المزني أنه يغنم ماله وينتقل إلى بيت المال فيئا وقال في المكاتب: يرد إلى ورثته فذهب أكثر أصحابنا إلى أنها على قولين.
(أحدهما)
أنه يرد إلى ورثته وهو اختيار المزني، والدليل عليه أن المال لوارثة ومن ورث مالا ورثه بحقوقه، وهذا الامان من حقوق المال فوجب أن يورث والقول الثاني أنه يغنم وينتقل إلى بيت المال فيئا، ووجهه أنه لما مات انتقل ماله إلى وارثه وهو كافر لاأمان له في نفسه ولا في ماله فكان غنيمة.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى اختلاف حالين، فالذي قال يغنم إذا عقد الامان مطلقا ولم يشرط لوارثه والذى قال لا يغنم إذا عقد الامان لنفسه ولوارثه، وليس للشافعي رحمه الله ما يدل على هذه الطريقة، وأما إذا مات في في دار الاسلام فقد قال في سير الواقدي انه يرد إلى ورثته واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال هو أيضا على قولين كالتى قبلها، والشافعي نص على أحد القولين ومنهم منقال يرد إلى ارثة قولا واحدا، والفرق بين المسألتين أنه إذا مات في دار الاسلام مات على أمانه فكان ماله على الامان، وإذا مات في دار الحرب فقد مات بعد زوال أمانه فبطل في أحد القولين أمان ماله، فإن استرق زال ملكه عن المال بالاسترقاق، وهل يغنم؟ فيه قولان، أحدهما يغم فيئا لبيت المال والقول الثاني أنه موقوف لانه لا يمكن نقله إلى الوارث لانه حى ولا إلى مسترقه لانه مال له أمان، فإن عتق دفع المال إليه بملكه القديم، وان مات عبدا ففى ماله قولان حَكَاهُمَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ
(أَحَدُهُمَا)
انه يغنم فيئا ولايكون موروثا، لان العبد لا يورث
(والثانى)
أنه لوارثه لانه ملكه في حريته
(فصل)
فإن اقترض حربى من حربى مالاثم دخل الينا بأمان أو أسلم فقد قال أبو العباس عليه رد البدل على المقرض لانه أخذه على سبيل المعاوضة فلزمه البدل، كما لو تزوج حربية ثم أسلم، قال ويحتمل أنه لا يلزمه البدل، فإن الشافعي رحمه الله قال في النكاح: إذا تزوج حربى حربية ودخل بها وماتت ثم أسلم الزوج أو دخل الينا بأمان فجاء وارثها يطلب ميراثه من صداقها أنه لا شئ له لانه مال فائت في حال الكفر، قال والاول أصح ويكون تأويل المسألة أن الحربى تزوجها على غير مهر، فإن دخل مسلم دار الحرب بأمان فسرق منهم مالا أو اقترض منهم مالا وعاد إلى دار الاسلام ثم جاء صاحب المال إلى دار الاسلام بأمان وجب على المسلم رد ما سرق أو اقترض لان الامان يوجب ضمان المال في الجانبين فوجب رده
باب خراج السواد
(الشرح) الخراج الاتاوة، وهو ما يؤخذ من الارض أو من الكفار بسبب الامان قال الازهرى: الخراج يقع على الضريبة ويقع على مال الفئ ويقع على الجزية، وسواد العراق قراها ومزارعها، سميت سوادا لكثرة حضرتها، والعرب تقول لكل أخضر أسود
قال المصنف رحمه الله تعالى:
سواد العراق ما بين عبادان إلى الموصل طولا، ومن القادسية إلى حلوان عرضا، قال الساجى هو إثنان وثلاثون ألف ألف جريب، وقال أبو عبيد هو ستة وثلاثون ألف ألف جريب، وفتحها عمر رضى الله عنه وقسمها بين الغانمين ثم سألهم أن يردوا ففعلوا، والدليل عليه ما روى قيس بن أبى حازم البجلى قال: كنا ربع الناس في القادسية فأعطانا عمر رضى الله عنه ربع السواد وأخذناها ثلاث سنين، ثم وفد جرير بن عبد الله البجلى إلى عمر رضى الله عنه بعد ذلك فقال: أما والله لولا أنى قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم وأرى أن تردوا على المسلمين ففعلوا.
ولا تدخل في ذلك البصرة.
وإن كات داخلا في حد السواد، لانها كانت أرضا سبخة فأحياها عمرو بن العاص الثقفى وعتبة بن غزوان بعد الفتح الا مواضع من شرقي دخلتها تسميها أهل البصرة الفرات، ومن غربي دخلتها نهر يعرف بنهر المرة.
واختلف أصحابنا فيما فعل عمر رضى الله عنه فيما فتح من أرض السواد فقال أبو العباس وأبو إسحاق: باعها من أهلها وما يؤخذ من الخراج ثمن، والدليل عليه أن من لدن عمر إلى يومنا هذا تباع وتبتاع من غير انكار.
وقال أبو سعيد الاصطخرى وقفها عمر رضى الله عنه على المسلمين فلا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا هبتها ولارهنها، وانما تنقل من يد إلى يدوما يؤخذ من الخراج فهو أجرة وعليه نص في سير الواقدي، والدليل عليه ما روى بكير بن عامر عن عامر قال اشترى عقبة ابن فرقد أرضا من أرض الخراج، فأتى عمر فأخبره، فقال ممن اشتريتها؟ قال من أهلها، قال فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه شيئا؟ قالوا لا، قال فاذهب فاطلب مالك، فإذا قلنا انه وقف فهل تدخل المنازل في الوقف؟ فيه
وجهان
(أحدهما)
أن الجميع وقف
(والثانى)
أنه لايدخل في الوقف غير المزارع، لانا لو قلنا ان المنازل دخلت في الوقف أدى إلى خرابها، وأما الثمار فهل يجوز لمن هي في يده الانتفاع بها؟ فيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يجوز وعلى الامام أن يأخذها ويبيعها ويصرف ثمنها في مصالح المسلمين والدليل عليه
ما روى الساجى في كتابه عن أبى الوليد الطيالسي أنه قال: أدركت الناس بالبصرة ويحمل إليهم الثمر من الفرات فيؤتى به ويطرح على حافة الشط ويلقى عليه الحشيش ولا يطير ولا يشترى منه الا أعرابي أو من يشتريه فينبذه، وما كان الناس يقدمون على شرائه.
والوجه الثاني أنه يجوز لمن في يده الارض الانتفاع بثمرتها لان الحاجة تدعو إليه فجاز كما تجوز المساقاة والمضاربة على جزء مجهول
(فصل)
ويؤخذ الخراج من كل جريب شعير درهمان، ومن كل جريب حنطة أربعة دراهم، ومن كل جريب شجر وقصب وهو الرطبة ستة دراهم.
واختلف أصحابنا في خراج النخل الكرم، فمنهم من قال يؤخذ من كل جريب نخل عشرة دراهم، ومن كل جريب كرم ثمانية دراهم، لما روى مجاهد عن الشعبى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعث عثمان بن حنيف فجعل على جريب الشعير درهمين وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشجر والقضب ستة دراهم وعلى جريب الكرم ثمانية دراهم وعلى جريب النخل عشرة دراهم وعلى جريب الزيتون اثنى عشر، ومنهم من قال يجب على جريب الكرم عشرة وعلى جريب الزيتون اثنى عشر، ومنهم من قال يجب على جريب الكرم عشرة وعلى جريب النخل ثمانية، لما روى أبو قتادة عن لاحق بن حميد يعنى أبا مجلز قال بعث عمر بن الخطاب عثمان بن حنيف وفرض على جريب الكرم عشرة وعلى جريب النخل ثمانية وعلى جريب البر أربعة وعلى جريب الشعير درهمين وعلى جريب القضب ستة وكتب بذلك إلى عمر فأجازه ورضى به وروى عباد بن كثير عن قحزم قال جبى عمر العراق مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف وجباها عمر بن عبد العزيز مائة ألف وأربعة وعشرون ألف ألف وجباها الحجاج ثمانية عشر ألف ألف وما يؤخذ من ذلك يصرف في مصالح المسلمين الاهم فالاهم لانه للمسلمين فصرف في مصالحهم والله أعلم
(الشرح) قال أبو يوسف في كتاب الخراج: فلما افتتح السواد شاور عمر رضى الله عنه الناس فيه فرأى عامتهم أن يقسمه، وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك وكان رأى عبد الرحمن بن عوف أن يقسمه، كان رأى عثمان وعلى وطلحة رأى عمر رضى الله عنه، وكان رأى عمر (رض) أن يتركه ولا يقسمه حتى قال عند إلحاحهم عليه في قسمته: اللهم اكفني بلالا وأصحابه فمكثوار بذلك اياما حتى قال عمر رضى الله عنه لهم قد وجدت حجة في تركه وأن لا أقسمه قول اللَّهُ تَعَالَى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ ديارهم وأمولهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا) فتلا عليهم حتى بلغ إلى قوله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم) قال: فكيف أقسمه لكم وأدع من يأتي بغير قسم فأجمع على تركه وجمع خراجه واقراره في أيدى أهله ووضع الخراج على أرضيهم والجزية على رؤسهم ومسح عمر السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف ألف جريب وأنه وضع على جريب الزرع درهما وقفيزا، وعلى الكرم عشرة دراهم، وعلى الرطبة خمسة دراهم، وعلى الرجل اثنى عشر درهما وأربعة وعشرين درهما وثمانية وأربعين درهما.
وبعث عمر عمار بن ياسر على الصلاة والحرب، وعبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الارضين، وجعل بينهم شاة كل يوم شطرها وبطنها لعمار بن ياسر وربعها لعبد الله بن مسعود، والربع الآخر لعثمان ابن حنيف وقال: انى أنزلت نفسي وإياكم من هذا المال بمنزلة والى اليتيم فإن الله تبارك وتعالى قال (ومن كان غنيا) ..إلى.. (بالمعروف) والله ما أرى أرضا يؤخذ منها شاة في كل يوم الا استسرع خرابها قال: فمسح عثمان الارضين وجعل على جريب العنب عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب
وطلحة رأى عمر رضى الله عنه، وكان رأى عمر (رض) أن يتركه ولا يقسمه حتى قال عند إلحاحهم عليه في قسمته: اللهم اكفني بلالا وأصحابه فمكثوار بذلك اياما حتى قال عمر رضى الله عنه لهم قد وجدت حجة في تركه وأن لا أقسمه قول اللَّهُ تَعَالَى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ ديارهم وأمولهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا) فتلا عليهم حتى بلغ إلى قوله تعالى (والذين جاءوا من بعدهم) قال: فكيف أقسمه لكم وأدع من يأتي بغير قسم فأجمع على تركه وجمع خراجه واقراره في أيدى أهله ووضع الخراج على أرضيهم والجزية على رؤسهم ومسح عمر السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف ألف جريب وأنه وضع على جريب الزرع درهما وقفيزا، وعلى الكرم عشرة دراهم، وعلى الرطبة خمسة دراهم، وعلى الرجل اثنى عشر درهما وأربعة وعشرين درهما وثمانية وأربعين درهما.
وبعث عمر عمار بن ياسر على الصلاة والحرب، وعبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الارضين، وجعل بينهم شاة كل يوم شطرها وبطنها لعمار بن ياسر وربعها لعبد الله بن مسعود، والربع الآخر لعثمان ابن حنيف وقال: انى أنزلت نفسي وإياكم من هذا المال بمنزلة والى اليتيم فإن الله تبارك وتعالى قال (ومن كان غنيا) ..إلى.. (بالمعروف) والله ما أرى أرضا يؤخذ منها شاة في كل يوم الا استسرع خرابها قال: فمسح عثمان الارضين وجعل على جريب العنب عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى الرأس اثنى عشر درهما وأربعة وعشرين درهما وثمانية وأربعين درهما، وعطل من ذلك النساء والصبيان.
قال سعيد بن أبى عروبة خالفني بعض أصحابي فقال على جريب النخل عشرة دراهم، وعلى جريب العنب ثمانية دراهم.
التكملة الثانية المجموع شرح المهذب
للامام ابي زكريا محيى الدين بشرف النووي المتوفى سنة 676 هـ
الجزء العشرون
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
قال المصنف رحمه الله تعالى