كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَلْزَمْهُ الْحَجُّ سَوَاءٌ طَلَبَ الرَّصَدِيُّ شَيْئًا قَلِيلًا أو كثيرا إذا تعين ذلك الطريق ولم يَجِدْ غَيْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَدُوُّ الَّذِي يَخَافُهُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كان العدو كافرا وَأَطَاقَ الْحَاجُّ مُقَاوَمَتَهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الْحَجِّ وَيُقَاتِلُونَهُمْ لِيَنَالُوا الْحَجَّ وَالْجِهَادَ جَمِيعًا وَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ وَلَا الْقِتَالُ قال أصحابنا ويكره بذل المال للرصديين لِأَنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى التَّعَرُّضِ لِلنَّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْن وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَوْ وَجَدُوا مَنْ يَخْفِرُهُمْ بِأُجْرَةٍ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَمْنُهُمْ فَفِي وُجُوبِ اسْتِئْجَارِهِ وَوُجُوبِ الْحَجِّ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (أصحهما) عِنْدَهُ وُجُوبُهُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أُهَبِ الطَّرِيقِ فَهُوَ كَالرَّاحِلَةِ (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ لِأَنَّ سَبَبَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ خَوْفُ الطَّرِيقِ وَخُرُوجُهَا عَنْ الِاعْتِدَالِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ شَرْطٌ هَكَذَا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَى خُفَارَةٍ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا بالخفارة ما يأخذه الرصديون في المراصد وَهَذَا لَا يَجِبُ الْحَجُّ مَعَهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَكُونُونَ مُتَعَرِّضِينَ لِمِثْلِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ويحتمل أنهم أرادو الصُّورَتَيْنِ فَيَكُونُ خِلَافَ مَا قَالَهُ وَلَكِنْ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبَ الْحَجِّ إذَا وَجَدُوا مَنْ يَصْحَبُهُمْ الطَّرِيقَ بِخُفَارَةٍ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَحَّحَهُ إمَامَانِ مِنْ مُحَقِّقِي مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا أبو القاسم الرافعى وأبو عمر وبن الصلاح مع اطلاعهما على عبارة الصحاب الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَلَوْ امْتَنَعَ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُوَ مَقِيسٌ عَلَى أُجْرَةِ الْخَفِيرِ وَاللُّزُومُ فِي الْمَحْرَمِ أَظْهَرُ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى الْأُجْرَةِ مَعْنًى فِي الْمَرْأَةِ فَهُوَ كَمُؤْنَةِ الْمَحْمِلِ فِي حَقِّ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وُجُودُ رُفْقَةٍ يَخْرُجُ مَعَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالْخُرُوجِ فِيهِ فَإِنْ خَرَجُوا قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ مَعَهُمْ وَإِنْ أَخَّرُوا الخروج بحيث لا يبلغوا مكة الا بان يقطعوا في كل أكثر من يوم مَرْحَلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَالَ حَالَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ بِيَوْمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَتْبَعَهُمْ هَذَا كُلُّهُ إذَا خَافَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَتْ آمِنَةً بِحَيْثُ لَا يَخَافُ الْوَاحِدُ فيها لزمه ولا يشترط الرفقة *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ لَمْ يكن له طريق الا في البحر فقد قال في الام لا يجب عليه وقال في الاملاء ان كان أكثر معاشه في البحر لزمه فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يجب لانه طريق مسلوك فاشبه البر (والثانى) لا يجب لان فيه تغريرا بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ومنهم من قال ان كان الغالب منه السلامة لزمه وان كان الغالب منه الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم من قال ان كان له عادة بركوبه لزمه وان لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه لان من له عادة لا يشق عليه ومن لا عادة له يشق عليه)
- (الشَّرْحُ) اخْتَلَفَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي رُكُوبِ الْبَحْرِ فَقَالَ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنْ أُوجِبَ عَلَيْهِ رُكُوبَ الْبَحْرِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ فِي الْبَرِّ طَرِيقٌ يُمْكِنُ سُلُوكَهُ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِيهِ طُرُقٌ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَالَ أبو إسحق الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِيمَا حَكَاهُ صاحب الشامل والتتمة وغيرهما أنه ان كن الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكَ إمَّا لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْبَحْرِ وَإِمَّا لِهَيَجَانِ الْأَمْوَاجِ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَجَبَ وَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ لَا يَجِبُ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) يَجِبُ قَوْلًا وَاحِدًا (الثَّالِثُ) لَا يَجِبُ (وَالرَّابِعُ) فِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ (وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ عَادَتُهُ رُكُوبَهُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا (وَالسَّادِسُ) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ لَهُ جُرْأَةٌ وَبَيْنَ الْمُسْتَشْعِرِ وَهُوَ ضَعِيفُ الْقَلْبِ فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَشْعِرَ وَفِي غَيْرِهِ قَوْلَانِ (وَالسَّابِعُ) حَكَاهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ يَلْزَمُ الجريئ وفى المستشعر قولان (والثامن) يلزم الجريئ وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَشْعِرَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ رُكُوبُ الْبَحْرِ فَفِي اسْتِحْبَابِهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ يُسْتَحَبُّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ حَرُمَ نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَفِي التَّحْرِيمِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) التَّحْرِيمُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ (والثانى) لا يحرم لكن يُكْرَهُ قَالَ إمَامُ
الْحَرَمَيْنِ لَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّحْرِيمِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا لَمْ نوجب ركوب البحر فتوسطه بِحَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّمَادِي فِي رُكُوبِهِ إلَى الْحَجِّ أَمْ لَهُ الِانْصِرَافُ إلَى وَطَنِهِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى مَكَّةَ أَكْثَرَ مِمَّا قَطَعَهُ مِنْ الْبَحْرِ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَزِمَهُ التَّمَادِي قَطْعًا وَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَلْزَمُهُ التَّمَادِي لِاسْتِوَاءِ الْجُهْدَيْنِ فِي حَقِّهِ (وَالثَّانِي) لَا قَالُوا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا كَانَ لَهُ فِي الرُّجُوعِ مِنْ مَكَّةَ إلَى وَطَنِهِ طَرِيقٌ فِي الْبَرِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ قَطْعًا لِئَلَّا يَتَحَمَّلَ زِيَادَةَ الْخَطَرِ بِرُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الرُّجُوعِ مِنْ الْحَجِّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ أُحْصِرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَأَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَهَلْ لَهُ التَّحَلُّلُ أَمْ لَا وَسَنُوَضِّحُهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا كُلُّهُ فِي الرَّجُلِ (أَمَّا) الْمَرْأَةُ فَإِنْ لَمْ نُوجِبْ رُكُوبَ الْبَحْرِ عَلَى الرَّجُلِ فَهِيَ أَوْلَى وَإِلَّا فَفِيهَا خِلَافٌ (وَالْأَصَحُّ) الْوُجُوبُ (وَالثَّانِي) الْمَنْعُ لِضَعْفِهَا عَنْ احْتِمَالِ الْأَهْوَالِ وَلِكَوْنِهَا عَوْرَةً مُعَرَّضَةً لِلِانْكِشَافِ وَغَيْرِهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ عَلَيْهَا لَمْ يُسْتَحَبَّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ فِي اسْتِحْبَابِهِ لَهَا حِينَئِذٍ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي الرَّجُلِ وَحَكَى الْبَنْدَنِيجِيُّ قَوْلَيْنِ هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الْبَحْرِ (أَمَّا) الْأَنْهَارُ الْعَظِيمَةُ كَدِجْلَةَ وَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ وَغَيْرِهَا فَيَجِبُ رُكُوبُهَا قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الْمُقَامَ فِيهَا لَا يَطُولُ وَلَا يَعْظُمُ الْخَطَرُ فِيهَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا أَنَّهُ كَالْبَحْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِ رُكُوبِ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ عِنْدَ غَلَبَةِ الْهَلَاكِ كَمَا سَبَقَ فَيَحْرُمُ رُكُوبُهُ لِلتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ وَكَذَا الْمَنْدُوبَةُ أَوْلَى وَهَلْ يَحْرُمُ رُكُوبُهُ فِي الذَّهَابِ إلَى الْعَدُوِّ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا (أَحَدُهُمَا) يَحْرُمُ لِأَنَّ الْخَطَرَ الْمُحْتَمَلَ فِي الْجِهَادِ هُوَ الحاصل بسبب القتل وليس هذا منه (والثاني) لَا يَحْرُمُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعَدُوِّ يُنَاسِبُهُ فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْجِهَادُ مَبْنِيًّا عَلَى الْعَدُوِّ لَمْ يَنْفُذْ احْتِمَالُ الْعَدُوِّ فِي السَّبَبِ وَاَللَّهُ أعلم
(فرع) إذا كان البحر مفرقا أَوْ كَانَ قَدْ اغْتَلَمَ وَمَاجَ حَرُمَ رُكُوبُهُ لِكُلِّ سَفَرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلا تُلْقُوا بايديكم إلى التهلكة) ولقوله تعالي (ولا تقتلوا أنفسكم) هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ (فَرْعٌ) مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَجُّ فِي الْبَحْرِ إنْ غَلَبَتْ فِيهِ السَّلَامَةُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الاحاديث حديث ابن عمر وبن الْعَاصِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا يركبن أحد بَحْرًا إلَّا غَازِيًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجًّا وَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ البخاري هذا الحديث ليس بصحيح رواه البيهقى من طرق عن ابن عمرو وموقوفا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ كَانَ أعمي لم يجب عليه الا ان يكون معه قائد لان الاعمي من غير قائد كالزمن ومع القائد كالبصير)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ وُجِدَ لِلْأَعْمَى زَادٌ وَرَاحِلَةٌ وَمَنْ يَقُودُهُ وَيَهْدِيهِ عِنْدَ النُّزُولِ وَيُرْكِبُهُ وَيُنْزِلُهُ وَقَدَرَ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَكَذَلِكَ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا الِاسْتِئْجَارُ لِلْحَجِّ عَنْهُمَا والحالة هذه وان لم يكن كذلك لم يلزمها الْحَجُّ بِأَنْفُسِهِمَا وَيَكُونَانِ مَعْضُوبَيْنِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عَنْهُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْحَجِّ عَنْهُ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَحَكَى هَذَا الْوَجْهَ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ القطان عن ابن أبى هربرة عن أبي على ابن خَيْرَانَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا مَا سَبَقَ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى قَادِرٌ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَأَشْبَهَ الْبَصِيرَ وَقَاسَهُ الْمَاوَرْدِيُّ علي جاهل الطريق وأفعال الحج وعلى الصم فَإِنَّهُمَا يَلْزَمُهُمَا الْحَجُّ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمَا الْجُمُعَةُ إذَا وَجَدَا الْقَائِدَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِهَادِ أَنَّ الْجِهَادَ يَحْتَاجُ إلَى الْقِتَالِ وَالْأَعْمَى لَيْسَ من أَهْلَ الْقِتَالِ بِخِلَافِ الْحَجِّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْقَائِدُ فِي حَقِّ الْأَعْمَى كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ يَعْنِي فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ اسْتِئْجَارِهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْوُجُوبُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَمْ يَلْزَمْهَا إلَّا أَنْ تَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهَا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ أَوْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ أَوْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَوَى الْكَرَابِيسِيُّ عَنْهُ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا جَازَ مِنْ غَيْرِ نِسَاءٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (حَتَّى لَتُوشِكَ الظَّعِينَةُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا بِغَيْرِ جِوَارٍ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ قَالَ عَدِيٌّ فَلَقَدْ رَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَخْرُجُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ) وَلِأَنَّهَا تصير مستطيعة بما ذكرناه ولا تصير مستعطيعة بغيره)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَدِيٍّ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ (بينا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَى إلَيْهِ آخَرُ فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ الْحَيَاةُ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ تَعَالَى قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ) هَذَا اللَّفْظُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرًا وَهُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثِ طَوِيلٍ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ جِوَارٍ - فَبِكَسْرِ الْجِيمِ - وَمَعْنَاهُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَذِمَّةٍ وَالْحِيرَةُ - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَهِيَ مَدِينَةٌ عِنْدَ الْكُوفَةِ وَالظَّعِينَةُ الْمَرْأَةُ وَيُوشِكُ - بِكَسْرِ الشين - أي يدع وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ الْحَجُّ إلَّا إذَا أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمِ نَسَبٍ أَوْ غَيْرِ نَسَبٍ أَوْ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ فَأَيُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وُجِدَ لَزِمَهَا الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شئ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَجُّ عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ وَجَدَتْ امْرَأَةً وَاحِدَةً أَمْ لَا وَقَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَخْرُجَ لِلْحَجِّ وَحْدَهَا إذَا كَانَ الطَّرِيقُ مَسْلُوكًا كَمَا يَلْزَمُهَا إذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا بِلَا خِلَافٍ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ وَطَائِفَةٍ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَا سَبَقَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَاز لِأَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ بِذَلِكَ وَالْجَوَابُ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الحرب
إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْخَوْفَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَكْثَرُ مِنْ الْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ وَإِذَا خَرَجَتْ مَعَ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ فَهَلْ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ أَنْ يَكُونَ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَحْرَمٌ لَهَا أَوْ زَوْجٌ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْأَطْمَاعَ تَنْقَطِعُ بِجَمَاعَتِهِنَّ (وَالثَّانِي) يُشْتَرَطُ فَإِنْ فُقِدَ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ قَالَ الْقَفَّالُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُنَّ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إلَى الرَّجُلِ وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِهِ سِوَى الْقَفَّالِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ منهن محرم أو زوج قال ويقصد بِمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ حُكْمَ الْخَلْوَةِ فَإِنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَخْلُوَ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُوَ بِنِسْوَةٍ وَلَوْ خَلَا رَجُلٌ بِنِسْوَةٍ وَهُوَ مَحْرَمُ إحْدَاهُنَّ جَازَ وَكَذَلِكَ إذَا خَلَتْ امْرَأَةٌ بِرِجَالٍ وَأَحَدُهُمْ مَحْرَمٌ لَهَا جَازَ وَلَوْ خَلَا عِشْرُونَ رَجُلًا بِعِشْرِينَ امْرَأَةً وَإِحْدَاهُنَّ مَحْرَمٌ لِأَحَدِهِمْ جَازَ قَالَ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ بِنِسَاءٍ مُفْرَدَاتٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُنَّ مَحْرَمًا لَهُ هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ هُنَا وَحَكَى صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ الْقَفَّالِ فِي الْخَلْوَةِ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِحُرُوفِهِ وَحَكَى فِيهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ فِي تَحْرِيمِ خَلْوَةٍ بنسوة منفردا بهن وهذا الذى ذكره الامام وصاحب العدة والمشهور جَوَازُ خَلْوَةِ رَجُلٍ بِنِسْوَةٍ لَا مَحْرَمَ لَهُ فيهن لعدم المفسدة غالبا لان النساء يستحين مِنْ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا فِي ذَلِكَ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ
- (فَرْعٌ) هَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ لِحَجِّ التَّطَوُّعِ أَوْ لِسَفَرِ زِيَارَةٍ وَتِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا مَعَ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ أَوْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ فِيهِ وَجْهَانِ وَحَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ وَحَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ كَالْحَجِّ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِهِمْ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَكَذَا نَقَلُوهُ عَنْ النَّصِّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ سفر لبس بِوَاجِبٍ هَكَذَا عَلَّلَهُ الْبَغَوِيّ وَيُسْتَدَلُّ لِلتَّحْرِيمِ أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ ثَلَاثًا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ مَحْرَمٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ قَالَ اُخْرُجْ مَعَهَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا تُسَافِرْ امْرَأَةٌ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَيْسَ مَعَهَا ذُو حُرْمَةٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (مَسِيرَةَ يَوْمٍ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ) وَسَأُعِيدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا مَعَ ذِكْرِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي آخِرِ بَابِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ الْبَالِغِ وَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْمَحْرَمِ مَا شُرِطَ فِي الْمَرْأَةِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِسْوَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ كَأَخَوَاتِهِ جَازَ وَإِنْ كُنَّ أَجْنَبِيَّاتٍ فَلَا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْفَتْحِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا
- (فَرْعٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَحْدَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ نِسْوَةٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وسواء كان طريقا مَسْلُوكًا أَوْ غَيْرَ مَسْلُوكٍ لِأَنَّ خَوْفَهَا عَلَى نَفْسِهَا وَدِينِهَا بِالْمُقَامِ فِيهِمْ أَكْثَرُ مِنْ خَوْفِ الطَّرِيقِ وَإِنْ خَافَتْ فِي الطَّرِيقِ سَبُعًا لَمْ يَجِبْ سُلُوكُهُ هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِتَفْصِيلِهَا هُنَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا وَذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ في كتاب السير
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَإِنْ لَمْ يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لاداء الحج لم يلزمه لانه إذا ضاق الوقت لم يقدر علي الحج فلم يلزمه فرضه)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إمْكَانُ السَّيْرِ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْحَجَّ شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ فَإِذَا وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ وَتَكَامَلَتْ وَبَقِيَ بَعْدَ تَكَامُلِهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَجُّ وَجَبَ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ تِلْكَ السَّنَةِ جَازَ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي لَكِنَّهُ يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الشَّرَائِطِ
زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَجُّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ قَالُوا والمراد أَنْ يَبْقَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَجُّ إذَا سَارَ السَّيْرَ الْمَعْهُودَ فَإِذَا احْتَاجَ إلَى أَنْ يقطع في يوم أو بعض الايام كثر مِنْ مَرْحَلَةٍ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْغَزَالِيُّ هَذَا الشَّرْطَ وَهُوَ إمْكَانُ السَّيْرِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ هَذَا الْإِمْكَانُ شَرَطَهُ الْأَئِمَّةُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَأَهْمَلَهُ الْغَزَالِيُّ فَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ عَلَى الرَّافِعِيِّ اعْتِرَاضَهُ هَذَا عَلَى الْغَزَالِيِّ وَجَعْلَهُ إمْكَانَ السَّيْرِ رُكْنًا لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ اسْتِقْرَارِ الْحَجِّ لِيَجِبَ قَضَاؤُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ وَلَيْسَ شَرْطًا لِأَصْلِ وُجُوبِ الْحَجِّ بَلْ مَتَى وُجِدَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ حُرٍّ لَزِمَهُ الْحَجُّ فِي الْحَالِ كَالصَّلَاةِ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُهَا ثُمَّ اسْتِقْرَارُهَا فِي الذِّمَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ زَمَنِ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهَا هَذَا اعْتِرَاضُهُ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كَمَا نُقِلَ (وَأَمَّا) إنْكَارُ الشَّيْخِ فَفَاسِدٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ من استطاع إليه سبيلا) وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ فَلَا حِجَّ عَلَيْهِ وَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا وَهُوَ عَاجِزٌ حِسًّا (وَأَمَّا) الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لِإِمْكَانِ تَتْمِيمِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ إمْكَانَ السَّيْرِ وَأَمْنَ الطَّرِيقِ لَيْسَا بِشَرْطٍ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ
- دَلِيلُنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مستطيعا بدونهما وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَإِنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تَقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَلَمْ يَجِدْ رَاحِلَةً نَظَرْت فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحَجُّ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَإِنْ كَانَ زَمِنًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَيَقْدِرُ عَلَى الْحَبْوِ لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِي الْحَبْوِ فِي الْمَسَافَةِ الْقَرِيبَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي السَّيْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَوَاضِعِ النُّسُكِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَجَبَ عليه لانه يصير مستطيعا بذلك)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا مَنْ كَانَ فِي مَكَّةَ أَوْ كَانَتْ دَارُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تَقْصُرُ فِيهَا الصَّلَاةُ فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَشْيِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَشَقَّةٌ كَثِيرَةٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ أَوْ يَنَالُهُ بِهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ اُشْتُرِطَتْ الرَّاحِلَةُ لِوُجُوبِ
الْحَجِّ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمَحْمِلُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّكُوبُ وَلَا يَلْزَمُهُ الزَّحْفُ وَالْحَبْوُ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَبْوُ حَكَاهُ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَهُوَ شَاذٌّ أَوْ غَلَطٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَرِيبَ مِنْ مَكَّةَ كَالْبَعِيدِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إلَّا بِوُجُودِ الرَّاحِلَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى اشْتِرَاطِ وُجُودِ الزَّادِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى هَذَا الْقَرِيبِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الزَّادَ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِخِلَافِ الرَّاحِلَةِ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى هَذَا الْقَرِيبِ وُجُودُ الزَّادِ وَالصَّوَابُ الْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهُ لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ فِي اعْتِبَارِ زَادِهِ كَلَامًا حَسَنًا قَالُوا إنْ عَدِمَ الزَّادَ وَكَانَ لَهُ صَنْعَةٌ يَكْتَسِبُ بِهَا كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ عِيَالِهِ وَيَفْضُلُ لَهُ مُؤْنَةُ حَجَّةٍ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَنْعَةٌ أَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يفضل منها شئ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ وَإِذَا اشْتَغَلَ بِالْحَجِّ أَضَرَّ بِعِيَالِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَمُقَامُهُ عَلَى عِيَالِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الْقَرِيبَ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ الرَّاحِلَةُ إذَا أَطَاقَ الْمَشْيَ هُوَ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْحَرَمِ وَهَكَذَا صَرَّحَ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ مَكَّةَ شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَضَبَطَهُ آخَرُونَ بِالْحَرَمِ فَقَالُوا الْقَرِيبُ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ مَسَافَةٌ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا الْخِلَافُ نَحْوَ الْخِلَافِ فِي حَاضِرِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَهَلْ يُعْتَبَرُ مِنْ مَكَّةَ أَمْ مِنْ الْحَرَمِ وَسَنُوَضِّحُهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ لَكِنَّ الْأَشْهَرَ هُنَا اعْتِبَارُ مَكَّةَ وَهُنَاكَ اعْتِبَارُ الْحَرَمِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ والله اعلم
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ رَاكِبًا (لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ رَاكِبًا) وَلِأَنَّ الرُّكُوبَ أَعْوَنُ عَلَى الْمَنَاسِكِ)
- (الشَّرْحُ) الْمَنْصُوصُ لَلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الاملاء غيره أَنَّ الرُّكُوبَ فِي الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ وَنَصَّ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ وأنه إذ أَوْصَى بِحَجِّهِ مَاشِيًا لَزِمَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَنْهُ مَنْ يَحُجُّ مَاشِيًا وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَمُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ (لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ رَاكِبًا) وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْمَنَاسِكِ وَالدُّعَاءِ وَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ فِي طَرِيقِهِ وَأَنْشَطُ لَهُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) الْمَشْيُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ) وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي بَابِ النَّذْرِ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ هُمَا قَبْلُ الْإِحْرَامِ فَإِذَا أَحْرَمَ فَالْمَشْيُ أَفْضَلُ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَنْ سَهُلَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ وَمَنْ ضَعُفَ وَسَاءَ خُلُقُهُ بِالْمَشْيِ فَالرُّكُوبُ أَفْضَلُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا عَنْ نَصِّهِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْحِجِّ مَاشِيًا أَنَّ الْوَصِيَّةَ يُتَّبَعُ فِيهَا مَا سَمَّاهُ الْمُوصِي وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ بِدِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَنْهُ بِدِينَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَجِّ مَاشِيًا وَرَاكِبًا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ الرَّاكِبَ أَفْضَلُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ
- وَقَالَ دَاوُد مَاشِيًا أَفْضَلُ
- وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ - أَوْ نَصَبِكِ -) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ (عَلَى قَدْرِ عَنَائِكِ وَنَصَبِكِ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (مَا آسى علي شئ مَا آسَى أَنِّي لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا) وَعَنْ عبيدة وعمير قال ابن عباس (ما ندمت على شئ فَاتَنِي فِي شَبَابِي إلَّا أَنِّي لَمْ أَحُجَّ مَاشِيًا وَلَقَدْ حَجَّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حَجَّةً مَاشِيًا وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ وَلَقَدْ قَاسَمَ اللَّهَ تَعَالَى مَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حتي كان يعطى الخف ويمسك النعل)
ابن عمير يقول ذلك رواية عن الحسن ابن عَلِيٍّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى رَجَعَ إلَيْهَا كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ وَحَسَنَاتُ الْحَرَمِ الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ) وَهُوَ ضَعِيفٌ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ حَجَّا مَاشِيَيْنِ وَمَنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلِهَذَا كَانَ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ لِمَنْ أَطَاقَ الصَّوْمَ وَصِيَامُ الصَّيْفِ أَفْضَلُ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ رَاكِبًا) (فَإِنْ قِيلَ) حَجَّ رَاكِبًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ 1 وَكَانَ يُوَاظِبُ فِي مُعْظَمِ الْأَوْقَاتِ عَلَى الصِّفَةِ الْكَامِلَةِ فَأَمَّا مَا لَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ وَمِنْهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحُجَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الْمَنَاسِكِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْحَجُّ عَلَى الْمُقْتَبِ وَالزَّامِلَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَحْمِلِ لِمَنْ أَطَاقَ ذَلِكَ وَدَلِيلُ ذَلِكَ حَدِيثُ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ (حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ وَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَةً) رَوَاهُ البخاري والله اعلم
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَالْمُسْتَطِيعُ بِغَيْرِهِ اثْنَانِ (أَحَدُهُمَا) مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ لِزَمَانَةٍ أَوْ كِبَرٍ وَلَهُ مَالٌ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْحَجِّ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ الْحَجِّ بِغَيْرِهِ كَمَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ فَيَلْزَمُهُ فَرْضُ الْحَجِّ (وَالثَّانِي) مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ وَلَكِنْ لَهُ وَلَدٌ يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُسْتَطِيعًا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَجَبَ عَلَى الْأَبِ الْحَجُّ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَ الْوَلَدَ بِأَدَائِهِ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْحَجِّ بِوَلَدِهِ كَمَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ الْحَجِّ بِطَاعَتِهِ (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الصَّحِيحَ لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ فَالْمَعْضُوبُ أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُطِيعُهُ غَيْرَ الْوَلَدِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِطَاعَتِهِ لِأَنَّ فِي الْوَلَدِ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَضْعَةٌ مِنْهُ فَنَفْسُهُ كَنَفْسِهِ وَمَالُهُ كَمَالِهِ فِي النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَجِبْ الْحَجُّ بِطَاعَتِهِ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِمَنْ يُطِيعُهُ فَأَشْبَهَ الْوَلَدَ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَجِبُ الْحَجُّ عَلَيْهِ بِطَاعَتِهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْحَاكِمَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْإِذْنِ كَمَا يَنُوبُ عَنْهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ (وَالثَّانِي) لَا يَنُوبُ عَنْهُ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يُجَهِّزْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَمْ يُنِبْ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي تَجْهِيزِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَإِنْ بَذَلَ لَهُ الطَّاعَةَ ثُمَّ رَجَعَ الْبَاذِلُ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْمَبْذُولِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ لم يجز للباذل أن يرجع (والثاني) أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْبَذْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا بَذَلَ (وَأَمَّا) إذَا بَذَلَ لَهُ مَالًا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الطَّاعَةِ (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ إيجَابُ كَسْبٍ لِإِيجَابِ الْحَجِّ فلم يلزمه كالكسب بالتجارة)
- (الشرح) قوله لانه بضعة منه هو بفتح الباء لا غير وهي قطعة اللَّحْمِ وَأَمَّا الْبِضْعُ وَالْبِضْعَةُ فِي الْعَدَدِ فَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ كَسْرُ الْبَاءِ وَفَتْحُهَا - وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَأَمَّا الْمَعْضُوبُ فَهُوَ بِالْعَيْنِ المهملة والضاد المعجمة وأصل المعضب القطع كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ وَيُقَالُ له أيضا
الْمَعْصُوبُ - بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ الرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ قَطَعَ عَصَبَهُ أَوْ ضَرَبَ عَصَبَهُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَأَوَّلُهَا بَيَانُ حَقِيقَةِ الْمَعْضُوبِ قَالَ أَصْحَابُنَا مَنْ كَانَ بِهِ عِلَّةٌ يُرْجَى زَوَالُهَا فَلَيْسَ هُوَ بِمَعْضُوبٍ وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا بَعْدَ هَذَا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ عَجْزًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ لِكِبَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ أَوْ كَانَ كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شديدة أو كان شابا نضؤ الْخَلْقِ لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا مَعْضُوبٌ فَيُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا مَنْ يُطِيعُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ أَوْ وَجَدَهُ وَطَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَمْ يَجِبْ الْحَجُّ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَلَوْ دَامَ حَالُهُ هَكَذَا حَتَّى مَاتَ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَإِنْ وَجَدَ مَالًا وَوَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ الْحَجُّ فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ وَحَجَّ الْأَجِيرُ عَنْهُ وَإِلَّا فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ لِوُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ بِالْمَالِ وَهَكَذَا إذَا كَانَ لِلْمَعْضُوبِ وَلَدٌ لَا يُطِيعُهُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ أَوْ يُطِيعُهُ وَلَمْ يَحُجَّ الْوَلَدُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْمَعْضُوبِ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ يُطِيعُهُ وَقَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَجَبَ الْحَجُّ عَلَى الْمَعْضُوبِ وَلَزِمَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْوَلَدِ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوبَ الِاسْتِنَابَةُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْجَاجُ عَنْ نَفْسِهِ فِي صُورَتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) أَنْ يجد ما لا يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَنْ يَحُجُّ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ باحرة الْمِثْلِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ فَاضِلًا عَنْ الْحَاجَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِيمَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ هُنَاكَ أَنْ يَكُونَ الْمَصْرُوفُ إلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ ذَهَابًا وَرُجُوعًا
وَهُنَا لَا يُشْتَرَطُ إلَّا كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ يَوْمَ الِاسْتِئْجَارِ خَاصَّةً وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ ذَلِكَ مُدَّةَ ذَهَابِ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ مَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ إذَا لم يفارق ولده أمكنه تحصيل نفقتهم ثُمَّ إنْ وَفَى مَا يَجِدُهُ بِأُجْرَةِ رَاكِبٍ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْحَجُّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَفِ إلَّا بِأُجْرَةِ مَاشٍ فَفِي وُجُوبِ الِاسْتِئْجَارِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَجِبُ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى عَاجِزٍ عَنْ الرَّاحِلَةِ (وَأَصَحُّهُمَا) يَجِبُ إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مَشْيِ الْأَجِيرِ بِخِلَافِ مَنْ يَحُجُّ بِنَفْسِهِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ الْأَجِيرُ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَجِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَعَدَمِهِ كَمَا فِي نَظَائِرِ الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ رَضِيَ الْأَجِيرُ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَوَجَدَ الْمَعْضُوبُ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْحَجُّ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ كَثِيرُ مِنَّةٍ وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ بِشَرْطِهِ فَلَمْ يَسْتَأْجِرْ فَهَلْ يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ الحاكم لا متناعه أَمْ لَا فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الْقَادِرُ مِنْ تَعْجِيلِ الْحَجِّ (وَالثَّانِي) يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ كَمَا يُؤَدِّي زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ هَكَذَا عَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إذَا لَزِمَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى صَارَ مَعْضُوبًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ يَبْقَى عَلَى التَّرَاخِي فِيهِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا عَلَى الْفَوْرِ فَامْتَنَعَ اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَعْضُوبِ أَنْ لَا يَجِدَ الْمَالَ لَكِنْ يَجِدُ مَنْ يُحَصِّلُ لَهُ الْحَجَّ وَلَهُ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَبْذُلَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِيَسْتَأْجِرَ بِهِ فَفِي وُجُوبِ قَبُولِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْفَصْلِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ لَا يَلْزَمُهُ وَادَّعَى الْمُتَوَلِّي الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ وَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْحَجُّ عَلَى هَذَا فِي ذِمَّتِهِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ (الثَّانِي) أَنْ يَبْذُلَ وَاحِدٌ مِنْ بَنِيهِ أَوْ بَنَاتِهِ أَوْ أَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا الْإِطَاعَةَ فِي الْحَجِّ عَنْهُ فَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْإِذْنُ لِلْمُطِيعِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيع كُتُبِهِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا السَّرَخْسِيَّ فَحَكَى فِي الْأَمَالِي وَجْهًا عَنْ حِكَايَةِ أَبِي طَاهِرِ الزِّيَادِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُطَاعَ الْحَجُّ بِذَلِكَ وَهَذَا غَلَطٌ وَالصَّوَابُ اللُّزُومُ وَسَنُوَضِّحُ دَلِيلَهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَى الْمُطَاعِ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ الْمُطِيعُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ فَرْضُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْمُطِيعُ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَاجِبَةٌ
عَنْ إسْلَامٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ (وَالثَّالِثُ) أن يكون موثوقا بوفائه بطاعته (والرابع) أن لا يَكُونَ مَعْضُوبًا هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الْأَصْحَابُ في الطريقين اتفقوا عَلَيْهَا إلَّا الدَّارِمِيَّ فَقَالَ إذَا كَانَ عَلَى الْمُطِيعِ حَجٌّ فَفِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُطَاعِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) لَا يَلْزَمُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ (والثاني) يلزمه ويلزم الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ لِلشَّكِّ فِي حُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ وَلَوْ تَوَسَّمَ فِيهِ أَمْرَ الطَّاعَةِ وَظَنَّهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْحَجِّ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ يَلْزَمُهُ لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يُصَرِّح بِالطَّاعَةِ لِأَنَّ الظَّنَّ قَدْ يُخْطِئُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةَ بِذَلِكَ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَلَوْ بَذَلَ الْمُطِيعُ الطَّاعَةَ وَجَبَ عَلَى الْوَالِدِ الْمُطَاعِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ فَهَلْ يَنُوبُ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (الصَّحِيحُ) لَا لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي قَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَالثَّانِي) قَوْلُ أَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَإِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ بِالطَّاعَةِ فَمَاتَ الْمُطِيعُ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَوْ رَجَعَ عَنْ الطَّاعَةِ وَصَحَّحْنَا رُجُوعَهُ فَإِنْ مَضَى بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ زَمَنُ إمْكَانِ الْحَجِّ اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الْحَجِّ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُطِيعُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِطَاعَتِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ موروث ولم يعلم به هكذا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَلَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَهُ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ هُوَ كَمَنْ فَقَدَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إعَادَةِ الصَّلَاةِ وَمَعْنَى هَذَا أنه يجئ هنا خلاف كذاك الْخِلَافُ فَيَكُونُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَجُّ وَلَا يعذر بالجهل لانه مقصر (والثاني) بعذر وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ هُوَ شَبِيهٌ بِالْمَالِ الضَّالِّ فِي الزَّكَاةِ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهَا فِيهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَك أَنْ تقول لا يجب الحج بِمَالٍ مَجْهُولٍ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَلَا اسْتِطَاعَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمَالِ وَالطَّاعَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلَوْ وَرِثَ الْمَعْضُوبُ مَالًا وَلَمْ يَعْلَمْهُ حَتَّى مَاتَ فَفِي وُجُوبِ قَضَاءِ الْحَجِّ مِنْ تِرْكَتِهِ هَذَا الْخِلَافُ قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُطِيعُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَ وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إحْرَامِهِ لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَصَحُّهُمَا) لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بشئ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الشُّرُوعُ فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ حَجِّ أَهْلِ بَلَدِهِ تَبَيَّنَّا
أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى الْمُطَاعِ هَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ الْوَجْهَانِ إذَا بَذَلَ الطَّاعَةَ وَقَبِلَهَا الْوَالِدُ فَأَمَّا إذَا بَذَلَهَا وَلَمْ يَقْبَلْ الْوَالِدُ وَلَا الْحَاكِمُ إذَا قُلْنَا يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ فَلِلْبَاذِلِ الرُّجُوعُ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَبْذُلَ الْأَجِيرُ الطَّاعَةَ فَيَجِبُ قَبُولُهَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَجْهًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَى الرُّجُوعِ (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ وَالْأَخُ كَالْأَجْنَبِيِّ مُطِيعًا لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهُ يَثْقُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَاسْتِخْدَامِ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ الْوَلَدِ (وَأَمَّا) ابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ فَكَالْأَخِ (وَأَمَّا) الْجَدُّ وَالْأَبُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا كَالْأَخِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَقِيلَ هُمَا كَالْوَلَدِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالْمِلْكِ وَمَنْعِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ رَجَعَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْأَبُ رَجَعْتُ بَعْدَ قَبُولٍ وَقَالَ الِابْنُ بَلْ قَبْلَهُ فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ مَا صَحَّحْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ جَوَازُ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَيْنِ وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ فَصَحَّحَ مَنْعَ الرُّجُوعِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَذْلِ الماء للتيمم ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِأَنَّ لِلْمَاءِ بَدَلًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْحَالُ الرَّابِعُ) أَنْ يَبْذُلَ لَهُ الْوَلَدُ الْمَالَ فَهَلْ يَجِبُ قَبُولُهُ والحج فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَصَحُّهُمَا) لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمَنُّ بِهِ بِخِلَافِ خِدْمَتِهِ بِنَفْسِهِ وَالْوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى بَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَالَ فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقَبُولَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فَالْوَلَدُ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) لَا يَجِبُ وَلَوْ بَذَلَ الْمَالَ لِلْمَعْضُوبِ أَبُوهُ فَهَلْ هُوَ كَبَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ أَمْ كَبَذْلِ الْوَلَدِ فِيهِ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) كَالْوَلَدِ لِعَدَمِ الْمِنَّةِ بَيْنَهُمَا غَالِبًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَذْلِ الطَّاعَةِ كُلُّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَاذِلُ يَحُجُّ رَاكِبًا فَلَوْ بَذَلَ الِابْنُ لِيَحُجَّ مَاشِيًا فَفِي لُزُومِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَلْزَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ هُمَا مُرَتَّبَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ اسْتِئْجَارِ الْمَاشِي وَهُنَا أولى مَنْعُ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشْيُ وَلَدِهِ وفى معناه الوالد إذا أطاع وأوجبنا قبوله ولا يجئ التَّرْتِيبُ إذَا كَانَ
الْمُطِيعُ أَجْنَبِيًّا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَبُولُ إذَا كَانَ الْمُطِيعُ مَاشِيًا أَبًا أَوْ وَلَدًا وَيَجِبُ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقَبُولَ وَالْمُطِيعُ مَاشٍ فَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ زَادٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَعُوِّلَ عَلَى الْكَسْبِ فِي طَرِيقِهِ فَفِي وُجُوبِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْكَسْبَ قَدْ يَنْقَطِعُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا وَعُوِّلَ عَلَى السُّؤَالِ قَالَ الْإِمَامُ فَالْخِلَافُ قَائِمٌ عَلَى التَّرْتِيبِ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَجِبَ قَالَ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى رُكُوبِ مَفَازَةٍ لَيْسَ بِهَا كَسْبٌ وَلَا سُؤَالٌ يَنْفَعُ لَمْ يَجِبْ الْقَبُولُ بِلَا خِلَافٍ لانه لا يَحْرُمُ التَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ عَلَى الِابْنِ الْمُطِيعِ فَإِذَا حَرُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ اسْتَحَالَ وُجُوبُ اسْتِنَابَتِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ فِي اشْتِرَاطِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لِلْمُطِيعِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَعَلَّلَ الْمُتَوَلِّي الْوُجُوبَ بِأَنَّ الْمُطَاعَ صَارَ قَادِرًا فَلَزِمَهُ الْحَجُّ كَمَنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ وَلَا يَكْفِيهِ لِحَجِّ فَرْضٍ وَوَجَدَ مَنْ يَحُجُّ بِذَلِكَ الْمَالِ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْجَارُ لِتَمَكُّنِهِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَفْسَدَ الْمُطِيعُ الْبَاذِلُ حَجَّهُ انْقَلَبَ إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَجِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) قَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ لا بويه فَقَبِلَا لَزِمَهُ وَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ قَالَ وَإِذَا قَبِلَ الْوَالِدُ الْبَذْلَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَعْضُوبِ حَجَّةُ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ فَهِيَ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيمَا سَبَقَ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُجْزِئُ الْحَجُّ عَنْ الْمَعْضُوبِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْحَجَّ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْإِذْنِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَكَاهُ المتولي عن القاضى أبي حامد المروروزى وَحَكَاهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَجِبُ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ كَالدَّيْنِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَيُخَالِفُ مَا لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَأَعْتَقَهَا أَجْنَبِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ على أحد
الطَّرِيقَيْنِ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوَلَاءُ يَقْتَضِي الْمِلْكَ وَإِثْبَاتُ الْمِلْكِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُسْتَحِيلٌ (وَأَمَّا) صِحَّةُ الْحَجِّ فَلَا تَقْتَضِي ثُبُوتَ مِلْكٍ لَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَلَهُ تَرِكَةٌ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) الْمَعْضُوبُ فَتَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةَ سَوَاءٌ طَرَأَ الْعَضَبُ بَعْدَ الْوُجُوبِ أَوْ بَلَغَ مَعْضُوبًا وَاجِدًا لِلْمَالِ ولوجوب الاستنابة صورتان سبق بينهما وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْمُتَوَلِّي الْمَعْضُوبُ إذَا كَانَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَا تَكْثُرُ الْمَشَقَّةُ عَلَيْهِ فِي أَدَاءِ الْحَجِّ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ قَادِرًا لَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ الرَّاحِلَةُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا طَلَبَ الْوَالِدُ الْمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنْ الِاسْتِئْجَارِ مِنْ الْوَلَدِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ اُسْتُحِبَّ لِلْوَلَدِ إجَابَتُهُ وَلَا تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ وَلَا الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِعْفَافِ وَهُوَ التَّزْوِيجُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَلَدَ عِنْدَ حَاجَةِ الْأَبِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَنَّهُ ليس عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوَالِدِ فِي امْتِنَاعِ الْوَلَدِ مِنْ الْحَجِّ ضَرَرٌ لِأَنَّهُ حَقُّ الشرع فإذا عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِعْفَافِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْأَبِ وَاضْطِرَارُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالنَّفَقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمُطِيعُ إنْسَانًا لِيَحُجَّ عَنْ الْمُطَاعِ الْمَعْضُوبِ فَإِنْ كَانَ الْمُطِيعُ وَلَدًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُطَاعَ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَقُلْنَا يَجِبُ الْحَجُّ بِطَاعَةِ الْأَجْنَبِيِّ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَنْ يُطِيعُهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَذَلَ الطَّاعَةَ بِنَفْسِهِ (وَالثَّانِي) لَا لِأَنَّ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ بَذْلُ مَالٍ وَلَا يَجِبُ الْحَجُّ بِبَذْلِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَالَ وَهَذَا إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ بَذْلَ الْأَجْنَبِيِّ الْمَالَ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ وَقَدْ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ بِاللُّزُومِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُطِيعُ وَلَدًا
- (فَرْعٌ) إذَا كَانَ لِلْمَعْضُوبِ مَالٌ ولم يستأجر من يحج عنه فهل يستأجر الحاكم مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لِامْتِنَاعِهِ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِيمَا إذَا امْتَنَعَ الْمُطَاعُ مِنْ الْإِذْنِ
لِلْمُطِيعِ الْبَاذِلِ لِلطَّاعَةِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ (وَالثَّانِي) لَا يَسْتَأْجِرُ عَنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِذْنِ لِلْمُطِيعِ أَنَّ لِلْمَعْضُوبِ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِ الِاسْتِئْجَارِ بِأَنْ يَنْتَفِعُ بِمَالِهِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الْبَاذِلُ لِلْحَجِّ عَنْ الْمَعْضُوبِ
- (فَرْعٌ) إذَا بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ وَقَبِلَهَا الْأَبُ ثم مات الباذل قبل الحج قال الدرامى إن كَانَ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ قَضَى مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا شئ عَلَيْهِ قَالَ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لِلْبَاذِلِ الرُّجُوعُ يَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ الرُّجُوعِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ وُجُوبِ قَضَائِهِ مِنْ تَرِكَةِ الْبَاذِلَ فِيهِ نَظَرٌ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ
- (فَرْعٌ) قَالَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ يَلْزَمُ الْبَاذِلَ أَنْ يَحُجَّ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ جَاوَزَهُ لَزِمَهُ دَمٌ وَكَذَا كُلُّ عَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِدْيَةٌ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَشُرُوطُ الْبَاذِلِ الَّذِي يَصِحُّ بَذْلُهُ وَيَجِبُ بِهِ الْحَجُّ أَرْبَعَةٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ أَدَاءُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِنَفْسِهِ بِأَنْ يكون بالغا عاقلا حرامسلما (وَالثَّانِي) كَوْنُهُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ (وَالثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِبَذْلِهِ لَهُ (وَالرَّابِعُ) أَنْ لَا يَكُونَ مَعْضُوبًا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَقَدْ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ بِإِيضَاحِهَا فَأَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً لِتُحْفَظَ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَذَكَرَ الْقَفَّالُ مَعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ بَقَاءُ الْمُطِيعِ عَلَى الطَّاعَةِ مُدَّةَ إمْكَانِ الْحَجِّ فَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ الْإِمْكَانِ فَلَا وُجُوبَ كَمَا إذَا اسْتَجْمَعَ أَسْبَابَ الِاسْتِطَاعَةِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَفَاتَ بَعْضُهَا قَبْلَ إمْكَانِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْوُجُوبُ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَجِبْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَعْضُوبِ إذَا وَجَدَ مَالًا وَأَجِيرًا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُهُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ إلَّا
أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ
- وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) وبقوله تَعَالَى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ استطاع إليه سبيلا) وَهَذَا لَا يَسْتَطِيعُ وَبِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَصِحُّ فيها النيابة مع القدرة فكذا مع العجر كَالصَّلَاةِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي رزين الفضلى أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (ان ابي شيخا كبيرا لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ (أَنَّ جَارِيَةً شَابَّةً مِنْ خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إنَّ أبى شيخا كبيرا قَدْ أَقَرَّ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَجِّ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَبْدِ الله ابن الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (جَاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ وَالْحَجُّ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ أَنْتَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دِينٌ فَقَضَيْتَهُ عَنْهُ أَكَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاحْجُجْ عَنْهُ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ 1 وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) أَنَّهُ وَجَدَ مِنْ الْمَعْضُوبِ السَّعْيَ وَهُوَ بَذْلُ المال والاستئجار وعن قَوْله تَعَالَى (مَنْ اسْتَطَاعَ) أَنَّ هَذَا مُسْتَطِيعٌ بِمَالِهِ وَعَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الْمَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْمَعْضُوبِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَالًا يَحُجُّ بِهِ غَيْرُهُ فَوَجَدَ مَنْ يُطِيعُهُ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَيْهِ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ
- وَدَلِيلُنَا وَدَلِيلُهُمْ يُعْرَفُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا ذَكَرْتُهُ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَا إذَا أَحَجَّ الْمَعْضُوبُ عَنْهُ ثُمَّ شُفِيَ وَقَدَرَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ
- قَدْ ذَكَرنَا أَنَّ الصحيح
مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ العلماء
- وقال أحمد واسحاق يجزئه * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ أن يقدمه لقوله تعالى (فاستبقوا الخيرات) ولانه إذا أخره عرضه للفوات بحوادت الزمان ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة لان فريضة الحج نزلت سنة ست وأخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج إلى سنة عشر من غير عذر فلو لم يجز التأخير لما أخره) (الشَّرْحُ) قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ قَدْ يُنْكَرُ فَيُقَالُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْتَحْ مَكَّةَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْحَجِّ إلَّا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أنه لم يتمكن مِنْ حِينِ نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَكَّنَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَنَةَ تِسْعٍ وَتَمَكَّنَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَحُجَّ وَيَحُجُّوا إلَّا سَنَةَ عَشْرٍ وَلَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ أنه تمكن من سنة ست (أما) حكم الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) الْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَجَبَ عليه الحج بنفسه أو بغيره تعجليه لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلِحَدِيثِ مِهْرَانَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ مِهْرَانَ وَمِهْرَانُ هَذَا مَجْهُولٌ قَالَ ابن أبي حاتم سئل أبوذرعة عَنْهُ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ (الثَّانِيَةُ) إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ وجب على التَّرَاخِي عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا الْمُزَنِيَّ فَقَالَ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ فَعَلَى الْمَذْهَبِ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بَعْدَ سَنَةِ الْإِمْكَانِ مَا لَمْ يَخْشَ الْعَضَبَ فَإِنْ خَشِيَهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ حَكَاهُمَا إمَامُ الحرمين والبغوى والمتولي وصحاب العدة وآخرون قال الرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ إلَى وَقْتِ فِعْلِهِ وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا (وَالثَّانِي) يَجُوزُ لِأَنَّ أَصْلَ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَتَغَيَّرُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَيَجْرِي هَذَانِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ خَافَ أَنْ يَهْلِكَ مَالُهُ هَلْ لَهُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ أَمْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ رَضِيَ الله تعالى عَنْهُمْ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ كَمَا سَبَقَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا نَصَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ فِي هَذَا الْفَصْلِ (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ) وَبِالْحَدِيثِ الْآخَرِ السَّابِقِ (مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْحَجِّ حَاجَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَوَجَبَتْ عَلَى الْفَوْرِ كَالصَّوْمِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ كَالْجِهَادِ قَالُوا وَلِأَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ الْحَجُّ وَأَخَّرَهُ إمَّا أَنْ تَقُولُوا يَمُوتُ عَاصِيًا وَإِمَّا غَيْرَ عَاصٍ (فَإِنْ قُلْتُمْ) لَيْسَ بِعَاصٍ خَرَجَ الْحَجُّ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا وَإِنْ (قلتم) عاص فأما أن تقولوا عصى بِالْمَوْتِ أَوْ بِالتَّأْخِيرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ بِالْمَوْتِ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ بِالتَّأْخِيرِ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ
- وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بِأَنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَزَلَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَفَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَانْصَرَفَ عَنْهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَتِهِ وَاسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ فَأَقَامَ النَّاسُ الْحَجَّ سَنَةَ ثَمَانٍ بِأَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ هُوَ وَأَزْوَاجُهُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ ثُمَّ غَزَا غَزْوَةَ تَبُوكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَانْصَرَفَ عَنْهَا قَبْلَ الْحَجِّ فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ رضي الله تعالى عَنْهُ فَأَقَامَ النَّاسُ الْحَجَّ سَنَةَ تِسْعٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَزْوَاجُهُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ قَادِرِينَ عَلَى الْحَجِّ غَيْرَ مُشْتَغِلِينَ بِقِتَالٍ وَلَا غَيْرِهِ ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ كُلِّهِمْ سَنَةَ عَشْرٍ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهِ هَذَا دَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَخْبَارِ قَالَ (فَأَمَّا) نُزُولُ فَرْضِ الْحَجِّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَكَمَا قَالَ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا لَهُ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ (وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا فَقَالَ يُؤْذِيَكَ هَوَامُّك قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَبُو دَاوُد فَقَالَ قَدْ آذَاكَ هو ام رَأْسِكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاحْلِقْ رَأْسَكَ قَالَ فَفِي نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ الي آخره) رواه البخاري ومسلم قَالَ أَصْحَابُنَا فَثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) إلَى آخِرِهَا نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ وَنَزَلَ بعدها قوله تعالي (وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة) وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحُدَيْبِيَةَ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا حُنَيْنًا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَقَسَّمَ غَنَائِمَهَا وَاعْتَمَرَ مِنْ سَنَتِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَكَانَ إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ إلا أياما يَسِيرَةٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ مَعَ أَنَّهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا حِينَئِذٍ مُوسِرِينَ فَقَدْ غَنِمُوا الْغَنَائِمَ الْكَثِيرَةَ وَلَا عُذْرَ لَهُمْ وَلَا قِتَالَ وَلَا شُغْلَ آخَرَ وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَنَةِ ثَمَانٍ بَيَانًا لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ وَلِيَتَكَامَلَ الْإِسْلَامُ وَالْمُسْلِمُونَ فَيَحُجَّ بِهِمْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ويحضرها الخلق فيبلغوا عنه المناسك وَلِهَذَا قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِيُبَلِّغْ (الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ وَلْتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) وَنَزَلَ فِيهَا قوله تعالي (اليوم أكملت لكم دينكم) قال أبو زرعة الرازي فيما روينا عَنْهُ حَضَرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةَ عَشْرَ أَلْفًا كُلُّهُمْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ فَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي زُرْعَةَ الَّذِي لَمْ يَحْفَظْ أَحَدٌ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَحِفْظِهِ وَلَا مَا يُقَارِبُهُ (فَإِنْ قِيلَ) إنَّمَا أَخَّرَهُ إلَى سَنَةِ عَشْرٍ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِطَاعَةِ لِعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ أَوْ الْخَوْفِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْجِهَادِ (فَجَوَابُهُ) مَا سَبَقَ قَرِيبًا
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نسمع فجاء رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ قَالَ صَدَقَ قَالَ فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَمَنْ خَلْقَ الْأَرْضَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ قَالَ اللَّهُ قَالَ فَبِاَلَّذِي خَلْقَ السَّمَاءَ وَخَلْقَ الْأَرْضَ وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا قَالَ صَدَقَ قَالَ فَبِاَلَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا قَالَ صَدَقَ قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نَعَمْ قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا قَالَ صَدَقَ قَالَ فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قَالَ وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حِجَّ الْبَيْتِ من استطاع إليه سبيلا صَدَقَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي أَوَّلِ
كِتَابِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَصْلَهُ وفى رواية البخاري أن هذا الرجل أبا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَقُدُومُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حبيب وآخرون وغيره سَنَةَ سَبْعٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِوُجُوبِ الْحَجِّ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هدى ان يفتتح الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيَجْعَلُهُ عُمْرَةً وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْحَجِّ مَعَ التَّمَكُّنِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَفَعَلَهُ يُسَمَّى مُؤَدِّيًا لِلْحَجِّ لَا قَاضِيًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ هَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ أَيْضًا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَلَوْ حَرُمَ التَّأْخِيرُ لَكَانَ قَضَاءً لَا أَدَاءً (فَإِنْ قَالُوا) هَذَا يُنْتَقَضُ بِالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ثُمَّ فَعَلَهُ كَانَ أَدَاءً مَعَ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ (قُلْنَا) قَدْ مَنَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَوْنَهُ أَدَاءً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَالَ بَلْ هُوَ قَضَاءٌ لِبَقَاءِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لَهَا لَا لِنَفْسِهِ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ فَلَا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الِاصْطِلَاحِ أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ خَارِجَ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْحَجِّ وَأَخَّرَهُ ثُمَّ فَعَلَهُ لَا تَرُدُّ شَهَادَتُهُ فِيمَا بَيْنَ تَأْخِيرِهِ وَفِعْلِهِ بِالِاتِّفَاقِ ولو حرم لردت لارتكابه المسئ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ أُسْلُوبُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقُولَ الْعِبَادَةُ الْوَاجِبَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) مَا يَجِبُ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَسَاكِينِ العاجزة وهو الزكاة فيجب على الفور لانه الْمَعْنَى مِنْ مَقْصُودِ الشَّرْعِ بِهَا (وَالثَّانِي) مَا
تعلق بغير مصلحة المكلف وتعلق باوقات شريقة كالصلاة وصوم رمضان فيتعن فِعْلُهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لَهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِعْلُهَا فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ (وَالثَّالِثُ) عِبَادَةٌ تَسْتَغْرِقُ الْعُمْرَ وَتُبْسَطُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَهُوَ الْإِيمَانُ فَيَجِبُ التَّدَارُكُ إلَيْهِ لِيَثْبُتَ وُجُوبُ اسْتِغْرَاقِ الْعُمْرِ بِهِ (وَالرَّابِعُ) عِبَادَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ وَلَا حَاجَةٍ وَلَمْ تُشْرَعْ مُسْتَغْرِقَةً لِلْعُمْرِ وَكَانَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ وَهِيَ الْحَجُّ فَحُمِلَ أَمْرُ الشَّرْعِ بِهَا لِلِامْتِثَالِ الْمُطْلَقِ وَالْمَطْلُوبُ تَحْصِيلُ الْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ وَلِهَذَا إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ كَانَ قَضَاؤُهَا عَلَى التَّرَاخِي لِعَدَمِ الْوَقْتِ الْمُخْتَصِّ وَكَذَا الْقِيَاسُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إذَا فَاتَ لَا يَخْتَصُّ قَضَاؤُهُ بِزَمَانٍ وَلَكِنْ تَثْبُتُ آثَارٌ اقْتَضَتْ غَايَتَهُ بِمُدَّةِ السَّنَةِ هَذَا كُلُّهُ إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَلَنَا طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ الْأَمْرَ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الِامْتِثَالُ الْمُجَرَّدُ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ نَقْلنَا الكلام معه إلَى أُصُولِ الْفِقْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْحَجُّ عِبَادَةٌ لَا تُنَالُ إلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ وَلَا يتأتى الاقدام عليها بعينها بل يقتضى التشاغل بِأَسْبَابِهَا وَالنَّظَرِ فِي الرِّفَاقِ وَالطُّرُقِ وَهَذَا مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ يَقْتَضِي مُهْلَةً فَسِيحَةً لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِوَقْتٍ وَهَذَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي إضَافَةِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا قَرِينَةٌ فِي اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ لِلتَّرَاخِي فَنَقُولُ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ هَذَا كلام امام الحرمين رحمه الله (اما) الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَأَنَّ الامر يقتضى الفور فمن وجهين (احدهما) ان أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا قَالُوا إنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ الْمُجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ بَلْ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِهِمْ فِي الْأُصُولِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا (وَالثَّانِي) أَنَّهُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَهُنَا قَرِينَةٌ وَدَلِيلٌ يَصْرِفُهُ إلَى التَّرَاخِي وَهُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ الْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلِيُعَجِّلْ) (فَجَوَابُهُ) مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ ضَعِيفٌ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا لِأَنَّهُ فَوَّضَ فَعْلَهُ إلَى إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يُفَوِّضْ تَعْجِيلَهُ إلَى اخْتِيَارِهِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ جَمَعَا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ (فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا) فَمِنْ أَوْجُهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ (وَالثَّانِي) أَنَّ الذَّمَّ لِمَنْ أَخَّرَهُ إلَى الْمَوْتِ وَنَحْنُ نُوَافِقُ عَلَى تَحْرِيمِ تَأْخِيرِهِ إلَى الْمَوْتِ وَاَلَّذِي نَقُولُ بِجَوَازِهِ هُوَ التَّأْخِيرُ بِحَيْثُ يُفْعَلُ قَبْلَ الْمَوْتِ (الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ مُعْتَقِدًا عَدَمَ وُجُوبِهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَهَذَا كَافِرٌ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ قَالَ (فَلِيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ وَإِلَّا فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ وَمَاتَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ بَلْ هُوَ عاص فوجب تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَالْجَوَابُ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ أَنَّ وَقْتَهُ مَضِيقٌ فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَيَّقًا بِخِلَافِ الْحَجِّ (وَالْجَوَابُ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْجِهَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى رَأْي الْإِمَامِ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي (وَالثَّانِي) أَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْجِهَادِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْحَجِّ (وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إذَا أَخَّرَهُ وَمَاتَ هَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدِنَا موته عصايا قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا عَصَى لِتَفْرِيطِهِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْمَوْتِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَمَا إذَا ضَرَبَ وَلَدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أو المعلم
الصَّبِيَّ أَوْ عَزَّرَ السُّلْطَانُ إنْسَانًا فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ نظرت فان مات قبل أن يتمكن من الاداء سقط فرضه ولم يجب القضاء وقال أبويحيى البلخي يجب القضاء وأخرج إليه أبو إسحق نص الشافعي رحمه الله فرجع عنه والدليل علي أنه يسقط أنه هلك ما تعلق به الفرض قبل التمكن من الاداء فسقط الفرض كما لو هلك النصاب قبل أن يتمكن من اخراج الزكاة وان مات بعد التمكن من الاداء لم يسقط الفرض ويجب قضاؤه من تركته لما روى بريدة قال (أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ ولم تحج قال حجى عن أمك) ولانه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين الآدمى ويجب قضاؤه عنه من الميقات لان الحج يجب من الميقات ويجب من رأس المال لانه دين واجب فكان من رأس المال كدين الآدمى وان اجتمع الحج ودين الآدمى والتركة لا تتسع لهما ففيه الاقوال الثلاثة التى ذكرناها في آخر الزكاة)
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ بُرَيْدَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَدَاءِ بِأَنْ مَاتَ قَبْلَ حَجِّ النَّاسِ مِنْ سَنَةِ الْوُجُوبِ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْوُجُوبِ لَتَبَيُّنِ عَلَامَةِ عَدَمِ الْإِمْكَانِ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وكان أبويحيى الْبَلْخِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ تِرْكَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَخْرَجَ إليه أبو إسحق الْمَرْوَزِيُّ نَصَّ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَدَلِيلَهُ فِي الْكِتَابِ وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الْحَجِّ بِأَنَّ مَاتَ بَعْدَ حَجِّ النَّاسِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ وَوَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تِرْكَتِهِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَرُجُوعُ النَّاسِ لَيْسَ مُعْتَبَرًا إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ إمْكَانُ فَرَاغِ أَفْعَالِ الْحَجِّ حتى لو مات بعد انتصاب لَيْلَةِ النَّحْرِ وَمَضَى إمْكَانُ السَّيْرِ إلَى مِنَى والرمي بها والى مكة والطواف بها استقرار الْفَرْضُ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ وَإِنْ هَلَكَ مَالُهُ بَعْدَ رُجُوعِ النَّاسِ أَوْ بَعْدَ مُضِيّ إمْكَانِ الرُّجُوعِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ هَلَكَ مَالُهُ بَعْدَ حَجِّهِمْ وَقَبْلَ الرُّجُوعِ أَوْ إمْكَانِهِ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ
لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ وَقَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ مَالَهُ لَا يَبْقَى إلَى الرُّجُوعِ هَذَا حَيْثُ نَشْتَرِطُ أَنْ يَمْلِكَ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ فَإِنْ لَمْ نَشْتَرِطْهَا اسْتَقَرَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ أُحْصِرُوا وَأَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مَعَهُمْ فَتَحَلَّلُوا لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا عَجْزَهُ وَعَدَمَ إمْكَانِ الْحَجِّ هَذِهِ السَّنَةِ فَلَوْ سَلَكُوا طَرِيقًا آخَرَ وَحَجُّوا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَكَذَا لَوْ حَجُّوا فِي السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهَا إذَا عَاشَ وَبَقِيَ مَالُهُ (الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الحج وأمكنه الاداء فمات يعد اسْتِقْرَارِهِ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ تِرْكَتِهِ كَمَا سَبَقَ وَيَكُونُ قَضَاؤُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا إذَا لَمْ يُوصِ بِهِ فَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالثُّلُثِ وَلَا بِرَأْسِ الْمَالِ فَهَلْ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ أَمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَيْنُ آدَمِيٍّ وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْهُمَا فَفِيهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ (أَصَحُّهَا) يُقَدَّمُ الْحَجُّ (وَالثَّانِي) دَيْنُ الْآدَمِيِّ (وَالثَّالِثُ) يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ قَوْلًا غَرِيبًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ الْحَجَّةَ الواجبة الا إذا أوصى حج عنه من الثلث وهذا قولا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا وَسَنُوَضِّحُ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ فَلَوْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَلَا تَرِكَةَ لَهُ بَقِيَ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ الْحَجُّ عَنْهُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ فَإِنْ حَجَّ عَنْهُ الْوَارِثُ بِنَفْسِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ كَانَ أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ إذْنُهُ بِخِلَافِ الْمَعْضُوبِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ إذْنُهُ كَمَا سَبَقَ لِإِمْكَانِ أَدَائِهِ وَلَوْ حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ أَجْنَبِيٌّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْوَارِثُ كَمَا يَقْضِي دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ وَيَبْرَأُ الْمَيِّتُ بِهِ (الثَّالِثَةُ) إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهِ وَاسْتَقَرَّ وُجُوبُهُ فَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحُجَّ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَهَلْ نَقُولُ مَاتَ عَاصِيًا فِيهِ أَوْجُهٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَمُوتُ عَاصِيًا وَاتَّفَقَ الَّذِينَ ذَكَرُوا فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا
عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ قَالُوا وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ (وَالثَّانِي) لَا يَعْصِي لِأَنَّا حَكَمْنَا بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ (وَالثَّالِثُ) يَعْصِي الشَّيْخُ دُونَ الشَّابِّ لِأَنَّ الشَّيْخَ يُعَدُّ مُقَصِّرًا لِقِصَرِ حَيَّاتِهِ فِي الْعَادَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا لَوْ كَانَ صَحِيحَ الْبَدَنِ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى صَارَ زَمِنًا (وَالْأَصَحُّ) الْعِصْيَانُ أَيْضًا لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْحَجَّ بِنَفْسِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ فَإِذَا زَمِنَ وَقُلْنَا بِالْعِصْيَانِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى الْفَوْرِ بِخُرُوجِهِ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ اسْتِحْقَاقِ التَّرْفِيهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي مَعْنَى الْمَيِّتِ أَمْ لَهُ تَأْخِيرُ الِاسْتِنَابَةِ كَمَا لَوْ بَلَغَ مَعْضُوبًا فَإِنَّ لَهُ تَأْخِيرَ الِاسْتِنَابَةِ قَطْعًا فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَلْزَمُهُ عَلَى الْفَوْرِ وَعَلَى هذا لو امتن وَأَخَّرَ الِاسْتِنَابَةَ هَلْ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَيْهَا وَيَسْتَأْجِرُ عَنْهُ فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) نَعَمْ كَزَكَاةِ الْمُمْتَنِعِ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا وَقَدْ سَبَقَ الْوَجْهَانِ وَنَظَائِرُهُمَا قَرِيبًا فِيمَا إذَا بَذَلَ لِلْمَعْضُوبِ وَلَدُهُ الطَّاعَةَ فَلَمْ يَقْبَلْ هَلْ يَقْبَلُ الْحَاكِمُ عَنْهُ (الْأَصَحُّ) لَا يَقْبَلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا يَمُوتُ عَاصِيًا فَمِنْ أَيْ وَقْتٍ يُحْكَمُ بِعِصْيَانِهِ فِيهِ أَوْجُهٌ (أَصَحُّهَا) مِنْ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إلَيْهَا جَائِزٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطيب وغيره هذا قول ابى اسحق الْمَرْوَزِيِّ (وَالثَّانِي) مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى لِاسْتِقْرَارِ الْفَرْضِ فِيهَا (وَالثَّالِثُ) يَمُوتُ عَاصِيًا وَلَا يُضَافُ الْعِصْيَانُ إلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الخلاف في احكام الدنيا صُوَرٍ (مِنْهَا) أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ وَلَمْ يُحْكَمْ بِهَا حَتَّى مَاتَ لَمْ يُحْكَمْ لِبَيَانِ فِسْقِهِ وَلَوْ قُضِيَ بِشَهَادَتِهِ بَيْنَ السَّنَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ فَإِنْ قُلْنَا عِصْيَانُهُ مِنْ الْأَخِيرَةِ لَمْ يُنْقَضْ ذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَنَّ فِسْقَهُ لَمْ يُقَارِنْ الْحُكْمَ بَلْ طَرَأَ بَعْدَهُ فَلَا يُؤَثِّرُ وَإِنْ قُلْنَا عِصْيَانُهُ مِنْ الْأَوْلَى فَفِي نَقْضِهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا بَانَ أَنَّ فِسْقَ الشُّهُودِ كَانَ مُقَارِنًا لِلْحُكْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- هَذَا حُكْمُ الْحَجِّ وَلَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الْمُوسَعِ فَمَاتَ فِي أَثْنَائِهِ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ هَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا فِيهِ وَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) لَا يَمُوتُ عَاصِيًا (وَالْأَصَحُّ) فِي الْحَجِّ الْعِصْيَانُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْفَرْقُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الصلاة معلوم وقريب فلا يعد مفرط فِي التَّأْخِيرِ إلَيْهِ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالسَّلَامَةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ مَوَاقِيتِ الصلاة ان تأخير لواجب الموسع انما بجوز لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّلَامَةُ إلَى أَنْ يَفْعَلَ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ ذلك فلا يحل التَّأْخِيرُ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْحَجِّ فَمَاتَ يَجِبُ الْإِحْجَاجُ مِنْ تِرْكَتِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يُحَجُّ عَنْهُ إلَّا إذَا أَوْصَى بِهِ وَيَكُونُ تَطَوُّعًا
- دَلِيلُنَا حَدِيثُ بُرَيْدَةُ المذكور في الكتاب
- قال المصنف رحمه الله تعالي
- (وتجوز النيابة في حج الفرض في موضعين (احدهما) في حق الميت إذا مات وعليه حج والدليل عليه حديث بريدة (والثاني) في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة الا بمشقة غير معتادة كالزمن والشيخ الكبير والدليل عليه مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ امرأة من خثعم أَتَتْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال نعم قالت اينفعه ذلك قال نعم كما لو كان علي أبيك دين فقضيته نفعه) ولانه أيس من الج بنفسه فناب عنه غيره كالميت وفى حج التطوع قولان (احدهما) لا يجوز لانه غير مضطر إلى الاستنابة فيه فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح (والثانى) انه يجوز وهو الصحيح لان كُلُّ عِبَادَةٍ جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهَا جَازَتْ النيابة في نفلها كالصدقة فان استاجر من يتطوع عنه وقلنا لا يجوز فان الحج للحاج وهل يستحق الاجرة فيه قولان (أحدهما) أنه لا يستحق لان الحج قد انعقد له فلا يستحق الاجرة كالصرورة (والثاني) يستحق لانه لم يحصل له بهذا الحج منفعة لانه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب بخلاف الصرورة فان هناك قد سقط عنه الفرض (فاما) الصحيح الذى يقدر على الثبوت علي الراحلة فلا تجوز النيابة عنه في الحج لان الفرض عليه في بدنه فلا ينتقل الفرض إلى غيره الا في الموضع الذى وردت فيه الرخصة وهو إذا أيس وبقى فيما سواه على الاصل فلا تجوز النيابة عنه فيه (وأما) المريض فينظر فيه قان كان غير مايوس منه لم يجز أن يحج عنه غيره لانه لم يياس من فعله بنفسه فلا تجوز النيابة عنه فيه كالصحيح فان خالف وأحج عن نفسه ثم مات فهل يجزئه عن حجة الاسلام فيه قولان (احدهما) يجزئه لانه لما مات تبينا أنه كان مأيوسا منه (والثانى) لا يجزئه لانه أحج وهو غير مأيوس منه في الحال فلم يجزه كما لو برأ منه وان كان مريضا مأيوسا منه جازت النيابة عنه في الحج لانه مايوس منه فاشبه الزمن والشيخ الكبير فان أحج عن نفسه ثم برأ من المرض ففيه طريقان (احدهما) انه كالمسألة التى قبلها وفيها قولان (والثاني) أنه يلزمه الاعادة قولا واحدا لانا تبينا الخطأ في الاياس ويخالف ما إذا كان غير مأيوس منه فمات لانا لم نتبين الخطا لانه يجوز انه لم يكن مأيوسا منه ثم زاد المرض فصار مأيوسا منه ولا يجوز ان يكون مأيوسا منه ثم يصير غير مأيوس منه)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا قَرِيبًا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَبَقَ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حَجِّ الْمَعْضُوبِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا رَوَيَاهُ وَلَيْسَ فِيهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ وَهُنَاكَ سَبَقَ بَيَانُ لَفْظِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْحَجِّ عَنْ الْحَيِّ الْمَعْضُوبِ وَكَذَلِكَ احْتَجَّ بِهِ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ هُنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَخَلَائِقُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ (بَابُ الْحَجُّ عَنْ الْحَيِّ الْمَعْضُوبِ أَوْ الْعَاجِزِ) وَنَحْوِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَاحْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْأَوْصِيَاءِ عَلَى جَوَازِ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ وَكَذَا احْتَجَّ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا وَقَدْ يُنْكَرُ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ عَنْ الْحَيِّ الْمَعْضُوبِ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَ جَوَازُهُ عَنْ الْمَيِّتِ أَوْلَى فَيَكُونُ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِلْمَيِّتِ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَوْلُهُ) كُلُّ عِبَادَةٍ جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهَا جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي نَفْلِهَا كَالصَّدَقَةِ يُنْتَقَضُ بِالصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ فِي الْفَرْضِ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا سَبَقَ وَلَا تَجُوزُ فِي النَّفْلِ بِلَا خِلَافٍ (وَقَوْلُهُ) كَالصَّرُورَةِ هُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ لا يبقى أحد في الاسلام بلا حج وَلَا يَحِلُّ لِمُسْتَطِيعٍ تَرْكُهُ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ وَلَا حصل
لَهُ ثَوَابٌ هَكَذَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَالْمُخْتَارُ حُصُولُ الثَّوَابِ لَهُ بِوُقُوعِ الْحَجِّ لَهُ (وَقَوْلُهُ) لَمْ يَيْأَسْ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وكسرها لغتان مشهورتان (وقوله) برأ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ سَيَأْتِي 1 مُتَعَلِّقَةٌ بِاللَّفْظِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (قَوْلُهُ) الْإِيَاسُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَالْأَحْسَنُ الْيَأْسُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ الْمُسْتَقَرِّ فِي الذِّمَّةِ فِي مَوْضِعَيْنِ (أَحَدُهُمَا) الْمَعْضُوبُ (وَالثَّانِي) الْمَيِّتُ وَسَبَقَ بَيَانُ الْمَعْضُوبِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ (فَأَمَّا) حَجُّ التَّطَوُّعِ فَلَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ عَنْ حَيٍّ ليس بمعضوب ولا خلاف عن جمهور الاصحاب في (2) جَوَازِهِ وَلَا عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يُوصِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَهَلْ يَجُوزُ عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِهِ أَوْ حَيٍّ مَعْضُوبٍ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَصَحِّهِمَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ (أَصَحُّهُمَا) الْجَوَازُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى تَصْحِيحِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمُصَنَّفُ هُنَا وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْمَنْعَ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالشَّاشِيُّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ مَا ذَكَرَهُ الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا جَازَ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْفَرْضِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا يَجُوزُ فِي النَّفْلِ فَيَلْتَبِسُ بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ جَوَّزَ فِي الْفَرْضِ لِلْحَاجَةِ وَيَجُوزُ أَيْضًا فِي النفل وقد سبق في التيمم وَالْمُسْتَحَاضَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُمَا لَا يَفْعَلَانِ النَّفَلَ أَبَدًا تَخْرِيجًا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْحَجَّةُ الْوَاجِبَةُ بِقَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ فَيَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا عَنْ الْمَيِّتِ وَالْمَعْضُوبِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَعْضُوبِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَيَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَجُوزُ مِنْ الْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ أَمْ لَا بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ حَجٌّ وَلَا لَزِمَهُ حَجٌّ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ فَفِي جَوَازِ الْإِحْجَاجِ عَنْهُ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِوُقُوعِهِ وَاجِبًا (وَالثَّانِي) أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَالتَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْمَعْضُوبِ جَازَ حَجَّتَانِ وَثَلَاثٌ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ جَازَ أن يكون الاجير عبدا وصبيا لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُمَا فِيهَا وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُمَا فِي حَجَّةِ النَّذْرِ قَالَ الرَّافِعِيُّ إنْ قُلْنَا يَسْلُكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ جَائِزِ التَّبَرُّعِ جَازَ وإلا فلا قال أصحابنا وإذا صَحَحْنَا النِّيَابَةَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ اسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الاجرة المسماة بلا خلاف وهل يستحق أجرة المثل فيه قولان
مَشْهُورَانِ ذَكَرُهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا 1 (أَصَحُّهُمَا) لَا يُجْزِئُهُ (وَالثَّانِي) يُجْزِئُهُ هَكَذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ الصُّورَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ إذَا مَاتَ بِذَلِكَ الْمَرَضِ فَلَوْ مَاتَ فِيهِ بِسَبَبٍ عَارِضٍ بِأَنْ قُتِلَ أَوْ لَسَعَتْهُ حَيَّةٌ وَنَحْوُهَا أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ سَقْفٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ قَوْلًا وَاحِدًا لانا لم نتبين كون المرض غير مرجوا لزوال (أَمَّا) إذَا كَانَ الْمَرَضُ وَالْعِلَّةُ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ فَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فَإِنْ حَجَّ النَّائِبُ وَاتَّصَلَ بِالْمَوْتِ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ شُفِيَ فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما (أحدهما) القطع بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ (وَأَصَحُّهُمَا) فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالصُّورَةِ الَّتِي قَبْلهَا (أَصَحُّهُمَا) لَا يُجْزِئُهُ (فَإِنْ قُلْنَا) فِي الصُّورَتَيْنِ يُجْزِئُهُ اسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا يُجْزِئُهُ فَعَمَّنْ يَقَعُ الْحَجُّ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَقَعُ عَنْ الْأَجِيرِ تَطَوُّعًا لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَعَلَيْهِ فَرْضٌ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْغَزَالِيِّ يَقَعُ عَنْ تَطَوُّعِ المستأجر ويكون ذا غَرَرًا فِي وُقُوعِ النَّفْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ كَالرِّقِّ وَالصِّبَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ (فَإِنْ قُلْنَا) يَقَعُ عَنْ الْأَجِيرِ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَيْنِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا (وَالثَّانِي) يَسْتَحِقُّ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَبْنَيَانِ عَلَى أَنَّ الْأَجِيرَ إذَا أَحْرَمَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ صَرَفَ الْإِحْرَامَ إلَى نَفْسِهِ لَا يَنْصَرِفُ بَلْ يَبْقَى لِلْمُسْتَأْجِرِ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يَسْتَحِقُّ لِأَنَّ حَجَّهُ وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَرْضًا كَأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْهُ (وَالثَّانِي) لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ وَالْفَرْقُ فِي الصُّورَتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ حَيْثُ قُلْنَا الْأَصَحُّ فِي هَذِهِ الثَّانِيَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَالْأَصَحُّ في الاولي المبنية لا يستحق أن في الثانية وقع الحج قرضا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا اسْتَأْجَرَهُ وَفِي الْأُولَى لَمْ يَقَعْ عَنْهُ وَقَاسَ أَصْحَابُنَا وُجُوبَ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي صُورَةِ صَرْفِ الْإِحْرَامِ إلَى نَفْسِ الْأَجِيرِ عَلَى مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ إنْسَانٌ لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا فَبَنَاهُ الْأَجِيرُ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْحَائِطَ لِنَفْسِهِ فَبَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْفَرْقُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْأَجِيرَ فِي صَرْفِ الْإِحْرَامِ جَائِرٌ مُخَالِفٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْصَرِفُ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنْ قُلْنَا فِي أَصْلِ مَسْأَلَتِنَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فَهَلْ هِيَ المسمى أن أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) الْمُسَمَّاةُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَبْطُلْ (وَالثَّانِي) أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَعَيَّنُ عَمَّا عُقِدَ عَلَيْهِ وَهَذَا أَصَحُّ (وَإِنْ قُلْنَا) عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ اسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَلْ هِيَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَمْ الْمُسَمَّى (الصَّحِيحُ) أَنَّهَا الْمُسَمَّى وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الشَّيْخُ أبو محمد
لا يبعد تخريجه الْوَجْهَيْنِ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ مَرِيضًا غَيْرَ مَأْيُوسٍ مِنْهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَلَوْ اسْتَنَابَ وَمَاتَ لَا يُجْزِئُهُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا إذَا مَاتَ بَعْدَ حَجِّ الْأَجِيرِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ حَجِّ الْأَجِيرِ أَجْزَأَهُ وَوَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ تَفَاحَشَ ذَلِكَ الْمَرَضُ فَصَارَ مَأْيُوسًا مِنْهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ
- (فَرْعٌ) يُعْرَفُ كَوْنُ الْمَرِيضِ مَأْيُوسًا مِنْهُ بِقَوْلِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الخبرة ذكره 1 وينبغي ان يجئ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي كَوْنِ الْمَرَضِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِسُهُولَةٍ أَمْرُ التَّيَمُّمِ
- (فَرْعٌ) الْجُنُونُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ زَوَالِهِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْأَصْحَابُ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ثُمَّ جُنَّ لَا يُسْتَنَابُ عَنْهُ فَإِذَا مَاتَ حَجَّ عَنْهُ وَإِنْ اسْتَنَابَ وَحَجَّ عَنْهُ فِي حَالِ حَيَّاتِهِ ثُمَّ أَفَاقَ لَزِمَهُ الْحَجُّ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا سَبَقَ فِي الْمَرِيضِ إذَا شُفِيَ وَإِنْ اسْتَمَرَّ جُنُونُهُ حَتَّى مَاتَ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَرِيضِ إذَا اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِالْمَوْتِ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْمَرِيضَ غَيْرَ الْمَأْيُوسِ مِنْهُ لَا يَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَجِّ وَكَذَا الْمَجْنُونُ لَا يَجُوزُ اسْتِنَابَتُهُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدْ وَدَاوُد وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَالَ وَيَكُونُ مَوْقُوفًا فَإِنْ صَحَّ وَجَبَ فِعْلُهُ وَإِنْ مَاتَ أَجْزَأَهُ
- وَاحْتَجَّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَعْضُوبِ قُلْنَا الْمَعْضُوبُ آيِسٌ مِنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ هَذَا
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ لَا يَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي حَجِّ فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد
- وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ اسْتِنَابَتَهُ فِي التَّطَوُّعِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ
- دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْفَرْضِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ حَيٍّ وَلَا يُصَلِّي وَلَا يَعْتَكِفُ تَطَوُّعًا
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجُّ الْإِسْلَامِ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ وَجَبَ قَضَاؤُهَا مِنْ تِرْكَتِهِ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وابن المنذر وقال النخعي وابن أبى ذئيب لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا لَمْ يُوصِ بِهِ يُتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ الْحَجِّ وَيُهْدَى عَنْهُ أَوْ يُتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتَقُ عنه
قال المصنف رحمه الله تعالى
- (ولا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا يقول لبيك عن شبرمة فقال أحججت عن نفسك قال لا قال فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياسا علي الحج قال الشافعي رحمه الله وأكره أن يسمي من لم يحج صرورة لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا صرورة في الاسلام) ولا يجوز أن يتنفل بالحج والعمرة وعليه فرضهما ولا يحج ويعتمر عن النذر وعليه فرض حجة الاسلام لان النفل والنذر أضعف من حجة الاسلام فلا يجوز تقديمهما عليها كحج غيره على حجه فان أحرم عن غيره وعليه فرضه انعقد أحرامه لنفسه لما روى في حَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أحججت عن نفسك قال لا قال فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة) فان أحرم بالنفل وعليه فرضه انعقد إحرامه عن الفرض وان أحرم عن النذر وعليه فرض الاسلام انعقد احرامه عن فرض الاسلام قياسا على من أحرم عن غيره وعليه فرضه فان أمر المعضوب من يحج عنه عن النذر وعليه حجة الاسلام فاحرم عنه انصرف إلى حجة الاسلام لانه نائب عنه ولو أحرم هو عن النذر انصرف إلى حجة الاسلام فكذلك النائب عنه وان كان عليه حجة الاسلام وحجة نذر فاستئجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة فقد نص في الام أنه يجوز وكان أولى لانه لم يقدم النذر عن حجة الاسلام ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانه لا يحج بنفسه حجتين في سنة وليس بشئ)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (لَا صَرُورَةَ فِي الْإِسْلَامِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بَعْضُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَبَاقِيهِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَالصَّرُورَةُ - بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - قَدْ بَيَّنَّاهُ قَرِيبًا وَأَنَّهُ اسْمٌ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ صر بنفسه عن أخراجها فِي الْحَجِّ وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ صَرُورَةٌ لِأَنَّهُ صَرَّ بِنَفْسِهِ عَنْ إخْرَاجِهَا فِي النِّكَاحِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ شبرمة فرواه أبو داود والدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شُبْرُمَةَ قَالَ مَنْ شُبْرُمَةُ قَالَ أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ قَالَ أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ قَالَ لَا قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عن شبرمة) هذا لفظ أبي دَاوُد وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ مَنْ شُبْرُمَةَ فَذَكَرَ أَخًا لَهُ أَوْ قَرَابَةً فَقَالَ أَحَجَجْتَ قَطُّ قَالَ لَا قَالَ فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شبرمة) قال البيهقي هذا إسناده صَحِيحٌ قَالَ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَذَلِكَ مَرْفُوعًا قَالَ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ومن رواه مرفوعا حافظ ثقة فلا يفسره خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سمع رجلا يقول لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شُبْرُمَةُ فَقَالَ أَخٌ لِي فَقَالَ هَلْ حَجَجْتَ قَالَ لَا قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ) قال البيهقى قال الدارقطني هَذَا هُوَ الصَّوَابُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهْمٌ قَالَ إنَّ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ كَانَ يَرْوِيهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الصَّوَابِ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ غَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (وَأَمَّا) شُبْرُمَةُ - فَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَضْمُومَةٍ (أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ) فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ حَجَّةُ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا لِمَنْ عَلَيْهِ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ إذَا أَوْجَبْنَاهَا أَوْ عُمْرَةُ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ الْغَيْرِ هَذَا مَذْهَبُنَا وبه قال ابن عباس والاوزاعي وأحمد اسحق وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ عَنْ الْغَيْرِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وايوب السجستاني وعطاء والنخعي وابو حنيفة 1 نُظِرَ إنْ ظَنَّهُ قَدْ حَجَّ فَبَانَ لَمْ يَحُجُّ لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً لِتَغْرِيرِهِ وَإِنْ عِلْمَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ وَقَالَ يَجُوزُ فِي اعْتِقَادِي أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فحج الاجير الاخير وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ سَبَقَ نَظَائِرُهُمَا (وَأَمَّا) إذَا اسْتَأْجَرَ لِلْحَجِّ مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَعْتَمِرْ أَوْ لِلْعُمْرَةِ مَنْ اعْتَمَرَ وَلَمْ يَحُجَّ فَقَرَنَ الْأَجِيرُ وَأَحْرَمَ بِالنُّسُكَيْنِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ أَحْرَمَ بِمَا استؤجر له عن المستأجر وبالاخير عَنْ نَفْسِهِ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ (الْجَدِيدُ) الاصح يقعان عن لاجير لِأَنَّ نُسُكَيْ الْقِرَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ لِاتِّحَادِ الْإِحْرَامِ وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ إلَيْهِ (وَالثَّانِي) أَنَّ مَا اُسْتُؤْجِرَ لَهُ يَقَعُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْآخَرُ عَنْ الْأَجِيرِ وَقَطَعَ كَثِيرُونَ بِالْجَدِيدِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ عَنْهُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا وَقَعَ النُّسُكَانِ جَمِيعًا عَنْ الْمَيِّتِ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ قَالُوا لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَجُوز أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ وَيَعْتَمِرَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا إذْنِ وَارِثٍ بِلَا خِلَافٍ كَمَا يَقْضِي دينه (أما) إذا استأجر رجلان شخصا
(أَحَدُهُمَا) لِيَحُجَّ عَنْهُ (وَالْآخَرُ) لِيَعْتَمِرَ عَنْهُ فَقَرَنَ عَنْهُمَا فَعَلَى الْجَدِيدِ يَقَعَانِ عَنْ الْأَجِيرِ وَعَلَى الثَّانِي يَقَعُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا اسْتَأْجَرَ لَهُ
- (فَرْعٌ) لَوْ أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ نَذْرَ حَجَّةً نَظَرَ إنْ نَذَرَهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَنْصَرِفْ حَجُّهُ إلَيْهِ بَلْ يَقَعُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ نَذْرَهُ قَبْلَهُ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا (1) والرافعي وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) انْصِرَافُهُ إلَى الْأَجِيرِ (وَالثَّانِي) لَا ينصرف ولو أحرم رجل يحج تطوع ثم ندر حَجًّا بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى النَّذْرِ وَقَبْلَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ (2) (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) نَقَلَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ يُسَمَّى مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ سَبَبُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْعِشَاءِ عَتَمَةٌ وَلِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ وَلِلطَّوَافِ شَوْطٌ قَالُوا وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّي مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً لِصَرِّهِ النَّفَقَةَ وَإِمْسَاكِهَا وَتُسَمِّي مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ صَرُورَةً لِأَنَّهُ صَرَّ الْمَاءَ فِي ظَهْرِهِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي (وَقَوْلُهُ) يُكْرَهْ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ شَوْطًا هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ شَوْطًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا اسْتَعْمَلَاهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَهَذَا جَوَابٌ ضَعِيفٌ وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي مَسَائِلِ الطَّوَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) كَرَاهِيَةُ تَسْمِيَةِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ صَرُورَةً وَاسْتِدْلَالَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْإِسْلَامِ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا يَحُجُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي
مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَحَجَّةُ نَذْرٍ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ تَقْدِيمِ حَجَّةِ الاسلام وبه قال ابن عمرو عطاء وأحمد واسحق وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُجْزِئُهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ عَنْهُمَا وَقَالَ مَالِكٌ إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ وَفَاءَ نَذْرِهِ فَهِيَ عَنْ النَّذْرِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ مَنْ قَابِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَصْلٌ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ)
هَذَا الْفَصْلُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَبَعْضًا مِنْهُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ وَحَذَفَ بَعْضًا مِنْهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ هُنَا وَتُرْجَمَ لَهُ بَابًا مُسْتَقِلًّا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى ذِكْرِهِ هُنَا إلَّا الْمُصَنِّفُ فَأَرَدْتُ موافقة المزني والاصحاب1
فَأَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَاصِدَ مَا ذَكَرُوهُ مُخْتَصِرَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ وَعَلَى الْعُمْرَةِ لِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا كَالزَّكَاةِ وَيَجُوزُ بِالْبَذْلِ كَمَا يَجُوزُ بِالْإِجَارَةِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ والصحاب قَالُوا وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ حُجَّ عَنَى وَأُعْطِيكَ نَفَقَتَكَ أَوْ كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ حَيْثُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي صُورَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَفِي الْمَعْضُوبِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَأُجْرَةُ الْحَجِّ حَلَالٌ مِنْ أَطْيَبِ الْمَكَاسِبِ
- (فَرْعٌ) الِاسْتِئْجَارُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ ضَرْبَانِ (أَحَدُهُمَا) اسْتِئْجَارُ عَيْنِ الشَّخْصِ (وَالثَّانِي) إلْزَامُ ذِمَّتِهِ الْعَمَلَ مِثَالُ الْأَوَّلِ مِنْ الْحَجِّ أَنْ يَقُولَ الْمَعْضُوبُ استأجرتك أن تحج عَنْ مَيِّتِي وَلَوْ قَالَ اُحْجُجْ بِنَفْسِكَ كَانَ تَأْكِيدًا (وَمِثَالُ الثَّانِي) أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ تَحْصِيلَ الْحَجِّ لِي أَوْ لَهُ وَيَفْتَرِقُ النَّوْعَانِ فِي أُمُورٍ سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ لِصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ شُرُوطٌ وَآثَارٌ وَأَحْكَامٌ مَوْضِعُهَا كِتَابُ الْإِجَارَةِ وَاَلَّذِي نَذْكُرُ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ الْحَجِّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ضَرْبَيْ الْإِجَارَةِ قَدْ يُعَيَّنُ فِيهِ زَمَنُ الْعَمَلِ وَقَدْ لَا يُعَيَّنُ وَإِذَا عُيِّنَ فَقَدْ تُعَيَّنُ السَّنَةُ الْأُولَى وَقَدْ تُعَيَّنُ غَيْرُهَا فَأَمَّا فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ فَإِنْ عَيَّنَّا السَّنَةَ الْأُولَى جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ وَالْحَجُّ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا مَقْدُورًا لِلْأَجِيرِ فَلَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجَ أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ غَيْرَ آمِنٍ أَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً بِحَيْثُ لَا تَنْقَطِعُ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِلْعَجْزِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ عَيَّنَّا غَيْرَ السَّنَةِ الْأُولَى لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ لِلشَّهْرِ الْمُسْتَقْبَلِ قَالَ أَصْحَابُنَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهَا فِي سَنَةٍ فَلَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ السَّنَةُ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا مَا سَبَقَ (وَأَمَّا) الْإِجَارَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الذِّمَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا السَّنَةُ الْأُولَى بَلْ يَجُوزُ تَعَيُّنُ السَّنَةِ الْأُولَى وَتَعَيُّنُ غَيْرِهَا فَإِنْ عَيَّنَ الْأُولَى أَوْ غَيْرَهَا تَعَيَّنَتْ وَإِنْ أطلق حمل عى الْأُولَى وَلَا يَقْدَحُ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ مَرَضُ الْأَجِيرِ وَلَا خَوْفُ الطَّرِيقِ لِإِمْكَانِ الِاسْتِنَابَةِ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ وَلَا يَقْدَحُ فِيهَا أَيْضًا ضِيقُ الْوَقْتِ إنْ عَيَّنَ غَيْرَ السَّنَةِ الْأُولَى قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ أَنْ يَسْتَنِيبَ بِحَالٍ وَأَمَّا فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ فَقَدْ أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ إنْ قَالَ أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ تَحْصِيلَ حَجَّةٍ لِي جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَإِنْ قَالَ اُحْجُجْ بِنَفْسِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِيبَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْيَانِ الْأُجَرَاءِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْفَصْلَ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ وَخَطَّأَهُ
فِيهِ وَقَالَ الْإِجَارَةُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بَاطِلَةٌ لان الدينية مع الربط بالغنيمة يتاقضان كمن أسلم في ثمرة انسان مُعِينٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا إشْكَالٌ قَوِيٌّ
- (فَرْعٌ) ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إلَى ضَرْبَيْنِ كَالْإِجَارَةِ (أَحَدُهُمَا) بَيْعُ عين وهو أن يبيع عينا بعينه فَيَقُول بِعْتُكَ هَذَا فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ اقْتَضَى الصِّحَّةَ وَتَسْلِيمَ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ فَإِنْ تَأَخَّرَ التَّسْلِيمُ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ بِلَا عُذْرٍ وَإِنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ تَأْخِيرَ السَّلَمِ وَلَوْ سَاعَةً بَطَلَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ لَا يُفْتَقَرُ الْعَقْدُ إلَيْهِ وَرُبَّمَا تَلِفَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ الثَّانِي وَهُوَ بَيْعُ صِفَةٍ وَهُوَ السَّلَمُ فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ اقْتَضَى الْحُلُولَ وَإِنْ شَرَطَ أَجَلًا صَحَّ بِخِلَافِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ تَلَفُهُ فَلَا غَرَرَ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا أَعْمَالُ الْحَجِّ مَعْرُوفَةٌ فَإِنْ عَلِمَهَا الْمُتَعَاقِدَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ وَإِنْ جَهِلَهَا أَحَدُهُمَا لَمْ تَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ وَمِمَّنْ صرح به امام الحرمين والبغوى وَالْمُتَوَلِّي وَهَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمِيقَاتِ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ الْأَجِيرُ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ وَنَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ لا يشترط وللاصحاب أَرْبَعُ طُرُقٍ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ المروزى والا كثرون وَوَافَقَ الْمُصَنَّفُونَ عَلَى تَصْحِيحِهِ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يُشْتَرَطُ وَيُحْمَلُ عَلَى مِيقَاتِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقَعُ عَلَى حَجٍّ شَرْعِيٍّ وَالْحَجُّ الشَّرْعِيُّ لَهُ مِيقَاتٌ مَعْقُودٌ شَرْعًا وَغَيْرُهَا فَانْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُقَرِّرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ وَمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْعُرْفِ وَهُوَ النَّقْدُ الْغَالِبُ وَيَكُونُ كَمَا قَرَّرَاهُ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى تَصْحِيحِ هَذَا الْقَوْلِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ وَالْغَرَضُ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ فَوَجَبَ بَيَانُهُ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) إنْ كَانَ لِلْبَلَدِ طَرِيقَانِ مُخْتَلِفَا الْمِيقَاتِ أَوْ طَرِيقٌ يُفْضِي إلَى مِيقَاتَيْنِ كَقَرْنٍ وَذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَالْجُحْفَةِ وَذِي الْحُلَيْفَةِ لِأَهْلِ الشَّامِّ فَإِنَّهُمْ تَارَةً يَمُرُّونَ بِهَذَا وَتَارَةً يَمُرُّونَ بِهَذَا اشْتَرَطَ بَيَانُهُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا الطَّرِيقُ مَشْهُورٌ فِي طريقي الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ (وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَنْ حَيٍّ اُشْتُرِطَ وَإِنْ كَانَ عَنْ مَيِّتٍ فَلَا لِأَنَّ الْحَيَّ قَدْ يَتَعَلَّقُ لَهُ بِهِ غَرَضٌ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِي حَقِّهِ تَحْصِيلُ الْحَجِّ وَهَذَا الطَّرِيقُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وضعفه الشيخ