كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حَيَوَانًا آخَرَ مُحَرَّمًا فَكَانَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ أَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا غَيْرَ مَأْكُولٍ فَكَانَ مَأْكُولًا أَوْ قَطَعَ فِي ظُلْمَةٍ مَا ظَنَّهُ ثَوْبًا فَكَانَ حلق شاة فانقطع الحلقوم والمرئ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا إلَى شَاخِصٍ يَظُنُّهُ حَجَرًا فَكَانَ صَيْدًا أَوْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شئ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ذَبَحَ فِي ظُلْمَةٍ حَيَوَانًا فَظَنَّهُ مُحَرَّمًا وَكَانَ شَاةً فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ حَلَالٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَفِي الْجَمِيعِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ حَرَامٌ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلَوْ رَمَى إلَى شَاتِه الرَّبِيطَةِ سَهْمًا جَارِحًا فَأَصَابَ الْحُلْقُومَ والمرئ وِفَاقًا وَقَطَعَهُمَا فَفِي حِلِّ الشَّاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهَا.
احْتِمَالٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الذَّبْحَ بِسَهْمِهِ وبين ان يقصد الشاة فيصيب المذبح وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ رَمَى شَيْئًا يَظُنُّهُ حَجَرًا وَكَانَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا حِلُّهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
- وَقَالَ مالك لا يحل
- وقال محمد ابن الْحَسَنِ إنْ ظَنَّهُ حَجَرًا لَمْ يَحِلَّ وَإِنْ ظَنَّهُ حَيَوَانًا مُحَرَّمًا كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ حَلَّ إلَّا أَنْ يَظُنَّهُ آدَمِيًّا فَلَا يَحِلَّ وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ إذَا ظَنَّهُ إنْسَانًا لَمْ يَحِلَّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا رَأَى خِنْزِيرًا بَرِّيًّا أَوْ أَسَدًا أَوْ ذِئْبًا وَكَانَ ظَبْيًا حَلَّ
- وَقَالَ زُفَرُ لَا يَحِلُّ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ وَأَخَذَ غَيْرَهُ فِي طَرِيقِهِ وَسَمْتِهِ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ حَلَالٌ كَمَا سَبَقَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ وداود لا يحل * قال المصنف رحمه الله
- (وان توحش أهلى أو ند بعير أو تردى في بئر فلم يقدر على ذكاته في حلقه فذكاته حيث يصاب من بدنه لما روي رافع بن خديج قَالَ (كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غزاة وقد اصاب القوم غنما وابلا فند منها بعير فرمى بسهم فحبسه الله بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ان هذه البهائم لها اوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا) وقال ابن عباس رضى الله عنه " ما اعجزك من البهائم فهو بمنزلة الصيد ولانه يتعذر ذكاته في الحلق فصار كالصيد وان تأنس الصيد فذكاته ذكاة الاهلى كما ان الاهلى إذا توحش فذكاته ذكاة الوحشى)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ رَافِعٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الجزم فهو صحيح عنده (وقوله) ندهو - بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ - أَيْ هَرَبَ وَالْأَوَابِدُ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - وَهِيَ النُّفُورُ وَالتَّوَحُّشُ جَمْعُ آبِدَةٍ - بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْبَاءِ - وَيُقَالُ أَبَدَتْ - بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالتَّخْفِيفِ - يَأْبُدُ وَيَأْبِدُ - بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا - وَتَأَبَّدَتْ أَيْ تَوَحَّشَتْ وَنَفَرَتْ مِنْ الْإِنْسِ
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْحَيَوَانُ الْمَأْكُولُ الَّذِي لا تحل ميتة ضَرْبَانِ مَقْدُورٌ عَلَى ذَبْحِهِ وَمُتَوَحِّشٌ فَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ كَمَا سَبَقَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْإِنْسِيُّ وَالْوَحْشِيُّ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَبْحِهِ بِأَنْ أَمْسَكَ الصَّيْدَ أَوْ كَانَ مُتَوَحِّشًا فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ لِمَا ذكره المصنف
- وأما المتوحش كالصيد فجيع أجزائه مذبح مادام مُتَوَحِّشًا فَإِذَا رَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ بِهِ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ تَوَحَّشَ إنْسِيٌّ بِأَنْ نَدَّ بَعِيرٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ شَرَدَتْ شَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا فَهُوَ كَالصَّيْدِ يَحِلُّ بِالرَّمْيِ إلَى غَيْرِ مَذْبَحِهِ وَبِإِرْسَالِ الْكَلْبِ مِنْ الْجَوَارِحِ عَلَيْهِ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ أَوْ غَيْرُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ النَّادِّ فِي حِلِّهِ بِالرَّمْيِ بِلَا خِلَافٍ وَفِي حِلِّهِ بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ (أَصَحُّهُمَا) عندهم حتى البحر وَالْمُسْتَظْهَرَيْ التَّحْرِيمُ (وَاخْتَارَ) الْبَصْرِيُّونَ الْحِلَّ وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّدَ الْإِفْلَاتِ بَلْ مَتَى تَيَسَّرَ اللُّحُوقُ بِعَدْوٍ أَوْ اسْتِعَانَةٍ بِمَنْ يُمْسِكُهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ تَوَحُّشًا وَلَا يَحِلُّ حِينَئِذٍ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ فَقَدْ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْبَعِيرَ وَنَحْوَهُ كَالصَّيْدِ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الذَّبْحَ فِي الْحَالِ فَتَكْلِيفُهُ الصَّبْرَ إلَى الْقُدْرَةِ يَشُقُّ عَلَيْهِ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالصَّيْدِ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا حَالَةٌ عَارِضَةٌ قَرَّبَتْهَا لَهُ قَالَ لَكِنْ لَوْ كَانَ الصَّبْرُ وَالطَّلَبُ يُؤَدِّي إلَى مَهْلَكَةٍ أَوْ مَسْبَعَةٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ كَالصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى مَوْضِعِ لُصُوصٍ وَعَصَبَاتٍ مترصدين فوجهان
الفرق أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ وَإِتْلَافَهُمْ مُتَدَارَكٌ بِالضَّمَانِ
- هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي كَيْفِيَّةِ الْجَرْحِ الْمُفِيدِ لِلْحِلِّ فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَكْفِي جُرْحٌ يفضي إلى الزهوق كيف كان (والثانى) لابد مِنْ جُرْحٍ مُذَفِّفٍ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ
- (فَرْعٌ) حَيْثُ جَرَحَ النَّادَّ وَالْمُتَرَدِّيَ فَقَتَلَهُ حَلَّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فِي فَخِذِهِ أَوْ خَاصِرَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ بَدَنِهِ
- هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْ طَعَنْتَ خَاصِرَتَهُ لَحَلَّتْ لَكَ) قَالَ فَقَالَ الْمَرَاوِزَةُ خَصَّصَ الْخَاصِرَةَ لِيَكُونَ الْجُرْحُ مُذَفِّفًا فَلَا يَجُوزُ جُرْحٌ آخَرُ وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَكْفِي كُلُّ جِرَاحَةٍ تُفْضِي إلَى الْمَوْتِ هَذَا لَفْظُهُ فِي الْوَسِيطِ وَفِيهَا مُنْكَرَاتٌ (مِنْهَا) تَغْيِيرُ الْحَدِيثِ (وَمِنْهَا) تَغْيِيرُ الْحُكْمِ (أَمَّا) الْحَدِيثُ فَقَدْ سَبَقَ بِإِنْكَارِهِ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو ابن الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ هَذَا اخْتِصَارٌ مِنْ الْغَزَالِيِّ لِحَدِيثٍ اسْتَدَلَّ بِهِ فِي ذَلِكَ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا يُعْرَفُ بابى العسراء تَرَدَّى لَهُ بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ فَهَلَكَ فَرُفِعَتْ الْقِصَّةُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال (لابي العسراء وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِهَا لَحَلَّتْ لَكَ) قال أَبُو عَمْرٍو وَفِيمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثَلَاثَةُ أَغْلَاطٍ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ حماد ابن أبى سلمة عن أبى العسراء الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ قَالَ (وَأَبِيكَ لَوْ طَعَنْتهَا فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَ عَنْكَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ في كتبهم المعتمدة وأبى العسراء - بِضَمِّ الْعَيْنِ وَبِالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ الشُّعَرَاءِ - اسْمُهُ أُسَامَةُ بْنُ مَالِكٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَوَقَعَ فِيمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْغَلَطُ مِنْ أَوْجُهٍ (أحدها) جعله أبا العسراء هُوَ الَّذِي خَاطَبَهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ أبوه وأبو العسراء تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (وَالثَّانِي) فِي ذِكْرِهِ تَرَدَّى الْبَعِيرُ فِي بِئْرٍ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ وانما هو
تفسير من أهل العلم للحديث قالوا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي التَّرَدِّي فِي الْبِئْرِ وَأَشْبَاهِهِ وان كان الشيخ أبو حامد الاسفرايني قَدْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ دُونَ ذِكْرِ التَّرَدِّي وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَعِيرٍ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَقَالَ أَمَا تَصْلُحُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ (وَالثَّالِثُ) فِي قَوْلِهِ (لَوْ طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِهَا) وَإِنَّمَا قَالَ (فِي فَخِذِهَا) وَذِكْرُ الْخَاصِرَةِ وَرَدَ فِي أَثَرٍ رَوَيْنَاهُ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ (تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ وَطُعِنَ فِي شَاكِلَتِهِ فَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهِ) وَالشَّاكِلَةُ الْخَاصِرَةُ وَلَا يَثْبُتُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مَا رَامَهُ الْمَرَاوِزَةُ مِنْ تَخْصِيصِ الْخَاصِرَةِ وَأَشْبَاهِهَا فَالصَّحِيحُ إذَنْ قَوْلُ غَيْرِهِمْ إنَّهُ يَكْفِي فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا) هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ كَمَا قَالَ وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مداره على أبى العسراء قَالُوا وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَهُوَ مَجْهُولٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِعِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ شَجَاعَةٍ وَنَحْوِ ذلك ولم يوجد شئ من هذا الاستثناء في أبى العسراء فَهُوَ مَجْهُولٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادٍ قَالَ وَلَا يُعْرَفُ لِأَبِي العسراء عَنْ أَبِيهِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ في تاريخه في حديث أبى العسراء وَسَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ فِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- فَالصَّوَابُ أَنَّهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ جَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْهُ حَلَّ سَوَاءٌ الْخَاصِرَةُ وَالْفَخِذُ وَغَيْرُهُمَا لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُخَصِّصٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ فِي كُلِّ مَعْجُوزٍ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَيَتَعَيَّنُ رَدُّ مَا حُكِيَ عَنْ الْمَرَاوِزَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ وَقَعَ بَعِيرَانِ فِي بِئْرٍ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ فَطُعِنَ الْأَعْلَى فَمَاتَ الْأَسْفَلُ بِثِقَلِهِ حَرُمَ الْأَسْفَلُ فَلَوْ تَعَدَّتْ الطَّعْنَةُ فَأَصَابَتْهُ أَيْضًا حَلَّا جَمِيعًا فَإِنْ شَكَّ هَلْ مَاتَ بِالطَّعْنَةِ النَّافِذَةِ أَمْ بِالثِّقَلِ
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الطَّعْنَةَ أَصَابَتْهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ حَلَّ وَإِنْ شَكَّ هَلْ أَصَابَتْهُ قَبْلَ مُفَارِقَةِ الرُّوحِ أَمْ بَعْدَهَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي الْفَتَاوَى يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْعَبْدِ الْغَائِبِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ هَلْ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ
- (فَرْعٌ) لَوْ رَمَى حَيَوَانًا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَصَارَ مَقْدُورًا فَأَصَابَ غَيْرَ الْمَذْبَحِ لَمْ يَحِلَّ وَلَوْ رَمَى مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَصَارَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَأَصَابَ غَيْرَ مَذْبَحِهِ حَلَّ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا تَوَحَّشَ الْحَيَوَانُ الْإِنْسِيُّ الْمَأْكُولُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ كَالْبَعِيرِ النَّادِّ أَوْ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ وَعَجَزَ عَنْ عَقْرِهِ فِي مَحِلِّ الذَّكَاةِ
- فَمَذْهَبُنَا أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ مَحِلٌّ لِذَكَاتِهِ فَحَيْثُ جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ حَلَّ أَكْلُهُ وَبِهِ قال جمهور العلماء منهم على ابن أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عباس وطاووس وعطاء والشعبى والحسن البصري والاسود ابن يَزِيدَ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكٌ لَا يَحِلُّ إلَّا بِذَكَاتِهِ فِي مَوْضِعِ الذَّبْحِ وَهُوَ الْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَلَا يَتَغَيَّرُ مَوْضِعُ الذَّكَاةِ بِتَوَحُّشِهِ وَتَرَدِّيه
- دَلِيلُنَا حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خديج السابق * قال المصنف رحمه الله
- (وان ذكى ما يؤكل لحمه ووجد في جوفه جنينا ميتا حل اكله لما روى أبو سعيد قال قلنا يارسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفى بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله فقال (كلوه ان شئتم فان ذكاته ذكاة امه) ولان الجنين لا يمكن ذبحه فجعل ذكاة الام ذكاة له وان خرج الجنين حيا وتمكن من ذبحه لم يحل من غير ذبح وان مات قبل ان يتمكن من ذكاته حل)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا والترمذي وابن ماجه من رواية مجاهد عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ
- هَذَا كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَعَ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد مَدَارُهَا علي مخالد وهو ضعيف لا يحتج به وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَلَعَلَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ تُقَوِّي بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَيَصِيرُ حَسَنًا كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا (ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ رَجُلًا جَرَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ
- وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَرْفُوعًا فَقَدْ تَعَاضَدَتْ طُرُقُهُ كَمَا تَرَى فَلِهَذَا صَارَ حَدِيثًا حَسَنًا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
- وَقَوْلُهُ (ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ تَقْدِيرُهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ حَاصِلَةٌ بِذَكَاةِ أُمِّهِ
- (أَمَّا الْأَحْكَامُ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا ذَبَحَ الْمَأْكُولَةَ فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا جَنِينًا مَيِّتًا فَهُوَ حَلَالٌ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ أَشَعَرَ أَمْ لَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ إنَّمَا يَحِلُّ إذَا سَكَنَ فِي الْبَطْنِ عَقِبَ ذَبْحِ الْأُمِّ أَمَّا إذَا بَقِيَ زَمَنًا طَوِيلًا يَضْطَرِبُ وَيَتَحَرَّكُ ثُمَّ سَكَنَ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ حَرَامٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ جُرِحَ الْجَنِينُ وَبِهِ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ ثُمَّ مَاتَ حَلَّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الَّذِي مَاتَ فِي الْبَطْنِ قَبْلَ الذَّبْحِ وَإِنْ جُرِحَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَأَمْكَنَ ذَبْحُهُ فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حَلَالٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ وَلَوْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ثُمَّ ذُبِحَتْ الْأُمُّ فَمَاتَ قَبْلَ انْفِصَالِهِ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْقَفَّالُ يَحِلُّ لِأَنَّ خُرُوجَ بَعْضِ الْوَلَدِ كَعَدَمِ خُرُوجِهِ فِي الْعِدَّةِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ (وَالثَّانِي) وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ لَا يَحِلُّ إلَّا بِذَبْحِهِ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ فقياس ما قاله الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ يَجْرَحُهُ بِسِكِّينٍ وَنَحْوِهِ لِيَحِلَّ كَمَا لَوْ تَرَدَّى بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ وَلَوْ وجد في جوف المذكاة مضغة لم
تبين فيها الصورة ولا تشكلت الاعضاء ففحلها وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْغُرَّةِ فِيهَا وَثُبُوتِ حكم الاستيلاد والله أعلم
- (فر) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ
- مَذْهَبُنَا أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمَأْكُولَ إذَا ذُكِّيَ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ جَنِينٌ مَيِّتٌ حَلَّ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الامصار إلا أبا حنيفة وزفر فقال لَا يَحِلُّ حَتَّى يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذَكَّى
- وَقَالَ مالك من خَرَجَ مَيِّتًا تَامَّ الْخَلْقِ وَتَمَّ شَعْرُهُ فَحَلَالٌ بِذَكَاةِ الْأُمِّ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَحَرَامٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ النَّاسُ عَلَى إبَاحَتِهِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ مَا قَالُوهُ إلَى أَنْ جَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ فَحَرَّمَهُ وَقَالَ ذَكَاةُ نَفْسٍ لَا تَكُونُ ذَكَاةَ نَفْسَيْنِ وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ قَالَ فِي كِتَابٍ آخَرَ لَهُ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ أبا حَنِيفَةَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ غَيْرَهُ قَالَ وَلَا أَحْسَبُ أَصْحَابَهُ وَافَقُوهُ عَلَيْهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى إبَاحَتِهِ لَكِنْ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِشْعَارَ
- وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ ذَكَاةَ حَيَوَانٍ لَا تَكُونُ ذَكَاةَ حَيَوَانٍ آخَرَ قَالَ وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ (ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) أَيْ ذَكَاتُهُ كَذَكَاةِ أُمِّهِ أَيْ ذَكُّوهُ كَمَا تُذَكُّونَ أُمَّهُ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّيْدِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَهَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِنَا وَمُبْطِلٌ لِتَأْوِيلِهِمْ الْمَذْكُورِ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْجَنِينِ مَا كَانَ فِي الْبَطْنِ وَذَبْحُهُ فِي الْبَطْنِ لَا يُمْكِنُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُذَكَّى كَذَكَاةِ أُمِّهِ بَلْ ذَكَاةُ أُمِّهِ كَافِيَةٌ فِي حِلِّهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ (ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا (ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ) وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا قَالُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلْجَنِينِ مَزِيَّةٌ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ فيتبعها في الذكاة كالاعضاء والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (إذا أثبت صيدا بالرمي أو بالكلب فازال امتناعه ملكه لانه حبسه بفعله فملكه كما لو أمسكه بيده فان رماه اثنان واحد بعد واحد فهو لمن اثبته منهما فان ادعى كل واحد منهما انه هو الذي سبق وأزال امتناعه وان الآخر رماه فقتله فعليه الضمان لم يحل أكله لانهما اتفقا على أنه قتل بعد امكان ذبحه فلم يحل ويتحالفان فإذا حلف برئ كل واحد منهما مما يدعي الآخر وان اتفقا على ان أحدهما هو السابق غيران السابق ادعى انه هو الذى أثبته بسهمه وادعى الآخر أنه بقى على الامتناع إلى ان رماه هو فالقول قول الثاني لان الاصل بقاؤه على الامتناع وان كان الصيد مما يمتنع بالرجل والجناح كالقبح والقطا فرماه احدهما فاصاب الرجل ثم رماه الآخر فاصاب الجناح ففيه وجهان (احدهما) أنه يكون بينهما لانه زال الامتناع بفعلهما فتساويا (والثانى) انه للثاني وهو الصحيح لان الامتناع لم يزل الا بفعل الثاني فوجب أنه يكون له)
- (الشرح) في الفصل مسألتان (إحداهما) فِيمَا يُمْلَكُ بِهِ الصَّيْدُ (وَالثَّانِيَةُ) فِي الِازْدِحَامِ عَلَيْهِ (فَأَمَّا) الثَّانِيَةُ فَنُؤَخِّرُ شَرْحَهَا وَنَذْكُرُهُ مَعَ الْفَصْلَيْنِ بَعْدَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا الْأُولَى) فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِطُرُقٍ (مِنْهَا) أَنْ يَضْبُطَهُ بِيَدِهِ فَيَمْلِكَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قصد التملك في أخده بِيَدِهِ حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا لِيَنْظُرَ إلَيْهِ مَلَكَهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ سَعَى وَرَاءَ صَيْدٍ لِيَأْخُذَهُ فَوَقَفَ الصَّيْدُ لِلْإِعْيَاءِ لَمْ يَمْلِكْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ (وَمِنْهَا) أَنْ يَجْرَحَهُ جِرَاحَةً مُذَفِّفَةً أَوْ رَمْيَةً مُثْخِنَةً أَوْ يَرْمِيَهُ فَيَمْلِكَهُ وَكَذَا إنْ كَانَ طَائِرًا فَكَسَرَ جَنَاحَهُ فَعَجَزَ عَنْ الْعَدْوِ وَالطَّيَرَانِ جَمِيعًا قَالُوا وَيَكْفِي الْمُتَمَلِّكَ إبْطَالُ شِدَّةِ الْعَدْوِ وَصَيْرُورَتُهُ بِحَيْثُ يَسْهُلُ لِحَاقُهُ وَلَوْ جَرَحَهُ فَعَطِشَ وَثَبَتَ لَمْ يَمْلِكْهُ إنْ كَانَ عَطَشُهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَاءِ مَلَكَهُ لِأَنَّ عَجْزَهُ بِالْجِرَاحَةِ (وَمِنْهَا) لو نصب شبكة ونحوها لصيد فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ مَلَكَهُ فَلَوْ طَرَدَهُ طَارِدٌ فَوَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ لَا للطارد وقال الماوردى وغيره ولو وقع طائر فِي الشَّبَكَةِ ثُمَّ تَقَطَّعَتْ الشَّبَكَةُ فَأَفْلَتَ وَذَهَبَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَطْعِ الصَّيْدِ الْوَاقِعِ فِيهَا عَادَ مُبَاحًا فَيَمْلِكُهُ مَنْ صَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ تُثَبِّتْهُ شَبَكَتْهُ وَإِلَّا فَيَمْلِكُهُ صَاحِبُ الشَّبَكَةِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ فِي بَابِ الْبِئْرِ لَوْ وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ فَأَفْلَتَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَلَى الصَّحِيحِ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْمَذْهَبُ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ
الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ تَغَفَّلَ الصَّيْدَ بِالشَّبَكَةِ ثُمَّ قَلَعَ الشَّبَكَةَ وَذَهَبَ بِهَا فَأَخَذَهُ إنْسَانٌ نُظِرَ إنْ كَانَ يَعْدُو وَيَمْتَنِعُ مَعَ الشَّبَكَةِ فَلَهُ الْأَخْذُ فَإِنْ أَبْطَلَ ثِقَلُ الشَّبَكَةِ امْتِنَاعَهُ بِحَيْثُ تَيَسَّرَ أَخْذُهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ وَلَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ (وَمِنْهَا) إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَثْبَتَ صَيْدًا " مَلَكَهُ الْمُرْسِلُ فَلَوْ أَرْسَلَ سَبُعًا " آخَرَ فَعَقَرَهُ وَأَثْبَتَهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ لَهُ عَلَى السَّبُعِ يَدٌ مَلَكَ الصَّيْدَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ أَفْلَتَ الصيد بعد ما أَخَذَهُ الْكَلْبُ قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ صَاحِبُهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَلَا زَالَ امْتِنَاعُهُ فَعَلَى هَذَا يَمْلِكُهُ مَنْ صَاحَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (وَمِنْهَا) إذَا أَلْجَأَهُ إلَى مَضِيقٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِفْلَاتِ مِنْهُ مَلَكَهُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُدْخِلَهُ بَيْتًا وَنَحْوَهُ وَلَوْ اضْطَرَّ سَمَكَةً إلَى بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ حَوْضٍ صَغِيرٍ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ مَلَكَهُ كَمَا لَوْ اضْطَرَّ الصَّيْدَ إلَى بَيْتٍ
- وَالصَّغِيرُ هُوَ مَا يَسْهُلُ أَخْذُهَا مِنْهُ وَلَوْ اضْطَرَّهَا إلَى بِرْكَةٍ وَاسِعَةٍ يُعْسَرُ أَخْذُهَا مِنْهَا أَوْ دَخَلَتْهَا السَّمَكَةُ فَسَدَّ مَنَافِذَهَا فَفِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا فِيمَا إذَا دَخَلَ الصَّيْدُ مِلْكَهُ (فَإِنْ قلنا) بالاصح أنه لا يَمْلِكُهُ بِالدُّخُولِ فَسَدَّ مَنَازِلَ الْبِرْكَةِ مَلَكَ السَّمَكَةَ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى ضَبْطِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ تُرْجَعُ جَمِيعُ هَذِهِ الطُّرُقِ إلَى شئ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ سَبَبُ مِلْكِ الصَّيْدِ إبْطَالُ زَوَالِ امْتِنَاعِهِ وَحُصُولُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالطُّرُقِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ تَوَحَّلَ صَيْدٌ بِأَرْضِ إنْسَانٍ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَمْلِكُهُ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِسَقْيِ الْأَرْضِ الِاصْطِيَادَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ سَقْيُ الْأَرْضِ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الِاصْطِيَادُ وَتَوَحُّلُ الصَّيُودِ فَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ فَهُوَ كَنَصْبِ الشَّبَكَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الرُّويَانِيُّ لِأَرْضِ الشَّخْصِ بَلْ قَالَ لَوْ تَوَحَّلَ وَهُوَ فِي طَلَبِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ لِأَنَّ الطِّينَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَوْ كَانَ هُوَ أَرْسَلَ الْمَاءَ فِي الْأَرْضِ مَلَكَهُ لِأَنَّ الْوَحْلَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَهُوَ كَالشَّبَكَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَائِدًا إلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ قَصْدِ الِاصْطِيَادِ بِالسَّقْيِ وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ في أرض
وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ أَوْ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ طَائِرٌ وَبَاضَ وَفَرَّخَ وَحَصَلَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْبَيْضِ وَالْفَرْخِ لَمْ يَمْلِكْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ (وَالثَّانِي) يَمْلِكُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ حَفَرَ حُفْرَةً لَا لِلصَّيْدِ فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنْ حَفَرَ لِلصَّيْدِ مَلَكَ مَا وَقَعَ فِيهَا وَلَوْ أَغْلَقَ بَابَ الدَّارِ لِئَلَّا يَخْرُجَ صَارَ مِلْكًا لَهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ إذَا قُلْنَا لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَالدَّارِ فَهُوَ أَوْلَى بِمِلْكِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَدْخُلَ مِلْكَهُ وَيَأْخُذَهُ فَإِنْ فَعَلَ فهل يملكه فيه وجهان كمن يحجز مَوَاتًا وَأَحْيَاهُ غَيْرُهُ هَلْ يَمْلِكُهُ وَهَذِهِ الصُّوَرُ أولى بثبوت الملك لان الحجز لِلْإِحْيَاءِ وَلَا يُقْصَدُ بِبِنَاءِ الدَّارِ وُقُوعُ الصَّيْدِ فِيهَا (وَالْأَصَحُّ) فِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّ الْمُحْيِيَ وَآخِذَ الصَّيْدِ يَمْلِكَانِ وَإِنْ كَانَا غَاصِبَيْنِ بِتَفْوِيتِ حَقِّ المتحجز وَصَاحِبِ الْأَرْضِ
- وَلَوْ قَصَدَ بِبِنَاءِ الدَّارِ تَعْشِيشَ الطَّيْرِ فَعَشَّشَ فِيهَا طَيْرٌ أَوْ وَقَعَتْ الشَّبَكَةُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَتَغَفَّلَ فِيهَا صَيْدٌ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي الْأُولَى قَصْدٌ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَفِي الثَّانِيَةِ حَصَلَ الِاسْتِيلَاءُ بِمِلْكِهِ لَكِنَّهُ بِلَا قَصْدٍ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ يَمْلِكُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ
- (فَرْعٌ) لَوْ دَخَلَ بُسْتَانَ غَيْرِهِ أَوْ دَارِهِ وَصَادَ فِيهِ طَائِرًا أَوْ غَيْرَهُ مَلَكَهُ الصَّائِدُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ دَخَلَ صَيْدٌ دَارَ إنْسَانٍ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فَأَغْلَقَ أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهِ لَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُ الدَّارِ وَلَا الْأَجْنَبِيُّ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَمْ يَحْصُلْ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَنْ غَصَبَ شَبَكَةً وَاصْطَادَ بِهَا
- (فَرْعٌ) لَوْ أَخَذَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ صَيْدًا بِغَيْرِ إرْسَالٍ ثُمَّ أَخَذَهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ فَمِهِ يَمْلِكُهُ الْآخِذُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ
- وَاحْتَجُّوا لِلْأَوَّلِ بِمَا لَوْ أَخَذَ فَرْخَ طَائِرٍ مِنْ شَجَرِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْآخِذَ يَمْلِكُهُ وَأَمَّا الْكَلْبُ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ فَأَخَذَ صَيْدًا فَأَخَذَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ وَهُوَ حَيٌّ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُرْسِلِ وَيَكُونَ إرْسَالُهُ كَنَصْبِ شَبَكَةٍ تَغَفَّلَ بِهَا الصَّيْدُ قَالَ فَاحْتُمِلَ خِلَافُهُ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اختيارا * قال المصنف رحمه الله
- (وان رمى الصيد اثنان أحدهما بعد الآخر ولم يعلم باصابة من منهما صار غير ممتنع فقد قال في
المختصر انه يؤكل ويكون بينهما فحمل أبو إسحق هذا على ظاهره فقال يحل أكله لان الاصل انه بقي بعد عقر الاول على الامتناع إلى أن قتله الآخر فيحل ويكون بينهما لان الظاهر أنهما مشتركان فيه بحكم اليد ومن أصحابنا من قال ان بقى على الامتناع حتى رماه الآخر فقتله حل وكان للثاني وان زال امتناعه بالاول فهو للاول ولا يحل بقتل الثاني لانه صار مقدورا عليه فيجب أن يتأول عليه إذا لم يمتنع الصيد حتى أدركه وذكاه فيحل واختلفا في السابق منهما فيكون بينهما فان رمي رجل صيدا فأزال امتناعه ثم رماه الآخر نظرت فان أصاب الحلقوم والمرئ فقتله حل أكله لانه قد صار ذكاته في الحلق واللبة وقد ذكاة في الحلق واللبة ويلزمه للاول ما بين قيمته مجروحا ومذبوحا كما لو ذبح له شاة مجروحة وان أصاب غير الحلق واللبة نظرت فان وحاه لم يحل أكله لانه قد صار ذكاته في الحلق واللبة فقتله بغير ذكاة فلم يحل ويجب عليه قيمته لصاحبه مجروحا كما لو قتل له شاة مجروحة فان لم يوحه وبقى مجروحا ثم مات نظرت فان مات قبل أن يدركه صاحبه أو بعد ما أدركه وقبل أن يتمكن من ذبحه وجب عليه قيمته مجروحا لانه مات من جنايته وان أدركه وتمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يحل أكله لانه ترك ذكاته في الحلق مع القدرة واختلف أصحابنا في ضمانه فقال أبو سعيد الاضطخرى تجب عليه قيمته مجروحا لانه لم يوجد من الاول أكثر من الرمى الذى ملك به وهو فعل مباح وترك ذبحه إلى أن مات وهذا لا يسقط الضمان كما لو جرح رجل شاة لرجل فترك صاحبها ذبحها حتى ماتت (والمذهب) أنه لا يجب عليه كمال القيمة لانه مات بسببين محظورين جناية الثاني وسراية جرح الاول فالسراية كالجناية في ايجاب الضمان فيصير كأنه مات من جناية اثنين وما هلك بجناية اثنين لا يجب على أحدهما كمال القيمة وإذا قلنا بهذا قسم الضمان على الجانبين فما يخص الاول يسقط عن الثاني ويجب عليه الباقي ونبين ذلك في جنايتين مضمونتين ليعرف ما يجب على كل واحد منهما فما وجب على الاول منهما من قيمته أسقطناه عن الثاني فنقول إذا كان لرجل صيد قيمته عشرة فجرحه رجل جراحة نقص من
قيمته درهم ثم جرحه آخر فنقص درهم ثم مات ففيه لاصحابنا ستة طرق (أحدها) وهو قول المزني أنه يجب على كل واحد منهما أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد الجنايتين بينهما نصفان فيجب على الاول درهم وعلى الثاني درهم ثم تجب قيمته بعد الجنايتين وهى ثمانية بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة فيحصل على كل واحد منهما خمسه لان كل واحد منهما انفرد بجنايته فوجب عليه أرشها ثم هلك الصيد بجنايتهما فوجب عليهما قيمته (والثانى) وهو قول أبى اسحق أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم الجناية ونصف أرش جنايته فيجب على الاول خمسة دراهم ونصف وسقط عنه النصف لان أرش الجناية يدخل في النفس وقد ضمن نصف النفس والجناية كانت على النصف الذى ضمنه وعلى النصف الذي ضمنه الآخر فما حصل على النصف الذى ضمنه يدخل في الضمان فيسقط وما حصل على النصف الذى ضمنه الآخر يلزم فيحصل عليه خمسة دراهم ونصف والآخر جنى وقيمته تسعة فيلزمه نصف قيمته أربعة ونصف وأرش جنايته درهم فيدخل نصفه في النصف الذى ضمنه ويبقى النصف لاجل النصف الذى ضمنه الاول فيجب عليه خمسة دراهم ثم يرجع الاول على الثاني بنصف الارش الذى ضمنه وهو نصف درهم لان هذا الارش وجب بالجناية على النصف الذى ضمنه الاول وقد ضمن الاول كمال قيمة النصف فرجع بأرش الجناية عليه كرجل غصب من رجل ثوبا فخرقه رجل ثم هلك الثوب وجاء صاحبه وضمن الغاصب كمال قيمة الثوب فانه يرجع على الجاني بارش الخرق فيحصل على الاول خمسة دراهم وعلى الثاني خمسة دراهم فهذا يوافق قول المزني في الحكم وان خالفه في الطريق (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال الجناية ونصف أرش جنايته ويدخل النصف فيما ضمنه صاحبه كما قال أبو إسحق إلا أنه قال لا يعود من الثاني إلى الاول شئ ثم ينظر لما حصل على كل واحد منهما ويضم بعضه إلى بعض وتقسم عليه العشرة فيجب على الاول خمسة دراهم ونصف وعلى الثاني خمسة دراهم فذلك عشرة ونصف فتقسم العشرة على عشرة ونصف فما يخص خمسة ونصفا يجب على الاول وما يخص خمسا يجب على الثاني (والرابع)
ما قال بعض أصحابنا أنه يجب علي الاول ارش جنايته ثم تجب قيمته بعد ذلك بينهما نصفين ولا يجب على الثاني أرش جنايته فيجب على الاول درهم ثم تجب التسعة بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة دراهم ونصف فيحصل على الاول خمسة دراهم ونصف وعلى الثاني أربعة دراهم ونصف لان الاول انفرد بالجناية فلزمه أرشها ثم اجتمع جناية الثاني وسراية الاول فحصل الموت منهما فكانت القمية بينهما (والخامس) ما قال بعض أصحابنا أن الارش يدخل في قيمة الصيد فيجب على الاول نصف قيمته حال الجناية وهو خمسة وعلى الثاني نصف قيمته حال الجناية وهو أربعة ونصف ويسقط نصف درهم قال لانى لم أجد محلا أوجبه فيه (والسادس) وهو قول أبى على بن خيران وهو أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في القيمة فتضم قيمة الصيد عند جناية الاول إلى قيمة الصيد عند جناية الثاني فتكون تسعة عشر ثم تقسم العشرة على ذلك فما يخص عشرة فهو على الاول وما يخص تسعة فهو على الثاني وهذا أصح الطرق لان أصحاب الطرق الاربعة لا يدخلون الارش في بدل النفس وهذا لا يجوز لان الارش يدخل في بدل النفس وصاحب الطريق الخامس يوجب في صيد قيمته عشرة تسعة ونصفا ويسقط من قيمته نصف درهم وهذا لا يجوز
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْفَصْلُ مَعَ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ مُرْتَبِطَةٌ وَمَسَائِلُهَا مُتَدَاخِلَةٌ وَهِيَ مُتَشَعِّبَةٌ وَقَدْ لَخَصَّهَا الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْقُلُ مَا ذَكَرَهُ وَأَضُمُّ إلَيْهِ مَا تَرَكَهُ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ الِاشْتِرَاكُ فِي الصَّيْدِ وَالِازْدِحَامِ عَلَيْهِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ (الْحَالُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَتَعَاقَبَ جُرْحَانِ مِنْ اثْنَيْنِ فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفِّفًا وَلَا مُزْمِنًا بَلْ بَقِيَ عَلَى امْتِنَاعِهِ وَكَانَ الثَّانِي مذففا أو مزمنا فالصيد للثاني ولا شئ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ بِجِرَاحَتِهِ وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ مُذَفِّفًا فَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مَا نَقَصَ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ بِرَمْيِهِ وَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ مُزْمِنًا مَلَكَ الصَّيْدَ بِهِ وَنُفَصِّلُ فِي الثَّانِي فَإِنْ ذَفَّفَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ والمرئ فَهُوَ حَلَالٌ لِلْأَوَّلِ وَعَلَى الثَّانِي لِلْأَوَّلِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَذْبُوحًا وَمُزْمِنًا قَالَ الْإِمَامُ إنَّمَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ
مُسْتَقِرَّةٌ وَإِنْ كَانَ مُتَأَلِّمًا بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُذْبَحْ لَهَلَكَ فَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ بالذبح شئ فان ذفف الثاني لا بقطع الحلقوم والمرئ أَوْ لَمْ يُذَفِّفْ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَهُوَ صَيْدٌ وكذا الحكم رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَزْمَنَهُ ثُمَّ رَمَى إلَيْهِ ثَانِيًا وَذَفَّفَ لَا بِقَطْعِ الْمَذْبَحِ وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي كَمَالُ قِيمَةِ الصَّيْدِ مَجْرُوحًا إنْ كَانَ ذَفَّفَ فَإِنْ كَانَ جُرْحٌ لَا يُذَفَّفُ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَفِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
كَلَامٌ لَهُ مُقَدِّمَةٌ نَذْكُرُهَا أَوَّلًا وَهِيَ: إذَا جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ إنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَتِهِ أَوْ صَيْدٍ مَمْلُوكٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ جِرَاحَةً أَرْشُهَا دِينَارٌ ثُمَّ جَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً
أَرْشُهَا دِينَارٌ أَيْضًا فَمَاتَ بالجرحين ففميا يَلْزَمُ الْجَارِحَيْنِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ (أَحَدُهَا) يَجِبُ على الاول خسمة دَنَانِيرَ وَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ لِأَنَّ الْجُرْحَيْنِ سريا وصار قَتْلًا فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَضَعَّفَهُ الْأَصْحَابُ لِأَنَّ فِيهِ ضَيَاعَ نِصْفِ دِينَارٍ عَلَى الْمَالِكِ
(وَالثَّانِي)
قَالَهُ المزني وأبو إسحق الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ دِينَارًا فَلَزِمَهُ ثُمَّ مَاتَ بِجُرْحَيْهِمَا فَلَزِمَهُمَا بَاقِي قِيمَتِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَصَارَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ وَعَلَى هَذَا لَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الاول دينار أو جناية الثَّانِي دِينَارَيْنِ لَزِمَ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ وَلَزِمَ الثَّانِي خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَلَوْ نَقَصَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ ديناران وَجِنَايَةُ الثَّانِي دِينَارًا انْعَكَسَ فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَيَلْزَمُ الثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهَ أَيْضًا لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِ حَالَ أَخْذِهِمَا (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَالثَّانِي خَمْسَةٌ لِأَنَّ جِنَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ نَقَصَتْ دِينَارًا ثُمَّ سَرَيَا وَالْأَرْشُ يَسْقُطُ إذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا فَيَسْقُطُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الْأَرْشِ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ نِصْفُ الْقَتْلِ (وَاعْتَرَضُوا) عَلَى هَذَا بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتْلِفِ وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَنْجَرُّ إلَى إيجَابِ زِيَادَةٍ كَمَنْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ (وَأُجِيبُ) عَنْهُ بِأَنَّ قَاطِعَ الْيَدَيْنِ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْقَتْلِ بَلْ الْقَتْلُ يَقْطَعُ أَثَرَ الْقَطْعِ وَيَقَعُ مَوْقِعَ الِانْدِمَالِ وَهُنَا بِخِلَافِهِ (وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَنِصْفُ الْأَرْشِ لَكِنْ لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ عَلَى الْقِيمَةِ فَيُجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا تَقْدِيرًا وَهُوَ
عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ وَتُقْسَمُ الْقِيمَةُ وَهِيَ عَشَرَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ وَالنِّصْفِ لِيُرَاعَى التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فَيُبَسَّطُ أَنْصَافًا فيكون إحدى وعشرين فيلزم الاول احدى عشر جُزْءًا مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ عَشَرَةٌ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ عَشَرَةٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِإِفْرَادِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَنْ بَدَلِ النَّفْسِ (وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَالثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ انْفَرَدَ بِالْجُرْحِ وَالسِّرَايَةِ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا مَا لَزِمَ الثَّانِيَ وَالثَّانِي إنَّمَا جَنَى عَلَى نِصْفِ مَا يُسَاوِي تِسْعَةً وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ وَأَطْبَقَ الْعِرَاقِيُّونَ عَلَى تَرْجِيحِهِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَيَكُونُ تِسْعَةَ عَشَرَ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَا وَهِيَ عَشَرَةٌ فَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جزء امن عَشَرَةٍ وَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
- أَمَّا إذَا كَانَتْ الْجُنَاةُ ثَلَاثَةً وَأَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ دِينَارٌ وَالْقِيمَةُ عَشَرَةٌ فَعَلَى طَرِيقَةِ الْمُزَنِيِّ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ هِيَ ثُلُثُ سَهْمِ الْقِيمَةِ وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ 1 وَيَلْزَمُ الثَّالِثَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا دِينَارَانِ وَثُلُثٌ هِيَ ثُلُثُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَثُلُثَانِ هُمَا ثُلُثَا الْأَرْشِ فَالْجُمْلَةُ عَشَرَةٌ وَثُلُثَانِ وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ تُوَزَّعُ الْعَشَرَةُ عَلَى عَشَرَةٍ وَثُلُثَيْنِ وَعَلَى الْخَامِسِ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَرْبَعَةٌ وَثُلُثٌ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ ثَلَاثَةٌ وَالثَّالِثَ دِينَارَانِ وَثُلُثَانِ وَعَلَى السَّادِسِ تُجْمَعُ الْقِيَمُ فَتَكُونُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ فَتُقَسَّمُ الْعَشَرَةُ عَلَيْهَا (أَمَّا) إذَا جَرَحَ مَالِكُ الْعَبْدِ أَوْ الصَّيْدِ جِرَاحَةً وَأَجْنَبِيٌّ أُخْرَى فَيُنْظَرُ فِي جِنَايَةِ الْمَالِكِ أَهِيَ الْأُولَى أَمْ الثَّانِيَةُ وَيُخْرَجُ عَلَى الْأَوْجَهِ فَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ وَتَجِبُ حِصَّةُ الْأَجْنَبِيِّ وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْجِنَايَتَيْنِ عَلَى الْعَبْدِ هُوَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَإِنْ كَانَ فَلَيْسَ الْعَبْدُ فِيهَا كَالْبَهِيمَةِ وَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ حَتَّى لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ جِنَايَةً لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ فَنَقَصَتْ الْجِنَايَةُ عَشَرَةً ثُمَّ جَنَى آخَرُ جِنَايَةً لَا أَرْشَ لَهَا فَنَقَصَتْ عَشَرَةً أَيْضًا وَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْهُمَا فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ يَدْفَعُ مِنْهَا خَمْسَةً إلَى الْأَوَّلِ
- قَالَ فَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةٌ ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى لَزِمَ الْأَوَّلَ نِصْفُ أَرْشِ اليد
وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ خَمْسُونَ وَلَزِمَ الثَّانِيَ نِصْفُ أَرْشِ الْيَدِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَهُوَ أربعون فالجملة مائة وأربعون جميعها للسيدلان الْجِنَايَةَ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ وَاجِبُهَا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَقَتَلَهُ آخَرُ هَذَا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ وَنَعُودُ إلَى الصَّيْدِ فَنَقُولُ: إذَا جَرَحَ الثَّانِي جِرَاحَةً غَيْرَ مُذَفِّفَةٍ وَمَاتَ الصَّيْدُ بِالْجُرْحَيْنِ نُظِرَ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ لَزِمَ الثَّانِيَ تَمَامُ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا لِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَحَ شَاةَ نَفْسِهِ وَجَرَحَهَا آخَرُ وَمَاتَتْ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الثَّانِي إلَّا نِصْفُ الْقِيمَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجُرْحَيْنِ هُنَاكَ حَرَامٌ وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِهِمَا وَهُنَا فِعْلُ الْأَوَّلِ اكْتِسَابٌ وَذَكَاةٌ ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ الصَّيْدُ يُسَاوِي عَشَرَةً غَيْرَ مُزْمِنٍ وَتِسْعَةً مُزْمِنًا لَزِمَ الثَّانِيَ تِسْعَةٌ وَاسْتَدْرَكَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فَقَالَ فِعْلُ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إفْسَادًا فَيُؤَثِّرُ فِي الذَّبْحِ وَحُصُولِ الزُّهُوقِ قَطْعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فَيُقَالُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُزْمِنٍ يُسَاوِي عَشَرَةً وَمُزْمِنًا تِسْعَةً وَمَذْبُوحًا ثَمَانِيَةً تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ أَثَّرَ فِي فَوَاتِهِ الْفِعْلَانِ فَوُزِّعَ عَلَيْهِمَا قَالَ الْإِمَامُ وَلِلنَّظَرِ فِي هَذَا مَجَالٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُفْسِدُ يَقْطَعُ أَثَرَ فِعْلِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَذَبَحَهُ لَزِمَ الثَّانِيَ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ إنْ نَقَصَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَذْبَحْهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مات فوجهان (أحدهما) لا شئ عَلَى الثَّانِي سِوَى أَرْشُ النَّقْصِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الذَّبْحِ (وَأَصَحُّهُمَا) يَضْمَنُ زِيَادَةً عَلَى الْأَرْشِ وَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ الذَّبْحَ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ شَاتَه فَلَمْ يَذْبَحْهَا مَعَ التَّمَكُّنِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَضْمَنُ (وَجْهَانِ) قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ يَضْمَنُ كَمَالَ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا كَمَا لَوْ ذَهَبَ بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ عَبْدَهُ أَوْ شَاتَه وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلِ هُنَاكَ إفْسَادٌ وَالتَّحْرِيمُ حَصَلَ بِهِمَا وَهُنَا الْأَوَّلُ إصْلَاحٌ (والاصلاح) قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَا يَضْمَنُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ بَلْ هُوَ كَمَنْ جَرَحَ عَبْدَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَصَلَ بِهِمَا وَكِلَاهُمَا إفْسَادٌ أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ تَرْكَ الذَّبْحِ مَعَ التَّمَكُّنِ يَجْعَلُ الْجُرْحَ وَسِرَايَتَهُ إفْسَادًا وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْجُرْحُ الثَّانِي فَتَرَكَ الذَّبْحَ كان الصيد ميتة فعلى هذا تجئ الْأَوْجُهُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّوْزِيعِ عَلَى الْجُرْحَيْنِ فَمَا هُوَ فِي حِصَّةِ الْأَوَّلِ يَسْقُطُ وَتَجِبُ حِصَّةُ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَقَعَ
الجرحان معا فينظران تَسَاوَيَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُذَفِّفًا أَوْ مُزْمِنًا أَوْ انْفَرَدَا وَأَحَدُهُمَا مُذَفِّفًا وَالْآخَرُ مُزْمِنًا وَسَوَاءٌ تَفَاوَتَ الْجُرْحَانِ صِغَرًا وَكِبَرًا أَوْ تَسَاوَيَا أَوْ كَانَا فِي الْمَذْبَحِ أَوْ فِي غَيْرِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِيهِ وَالْآخَرُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُزْمِنًا أَوْ مُذَفِّفًا لَوْ انْفَرَدَ وَالْآخَرُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فَالصَّيْدُ لِمَنْ ذَفَّفَ أَوْ أَزْمَنَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ مِلْكَ الْغَيْرِ وَلَوْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا دُونَ ذَاكَ وَذَاكَ دُونَ هَذَا فَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا فِي ظاهر الحكم ويستحب أن يستحيل كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ تَوَرُّعًا وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُذَفِّفٌ وَشَكَكْنَا هَلْ الْآخَرُ أَثَّرَ فِي الْإِزْمَانِ وَالتَّذْفِيفِ أَمْ لَا قَالَ الْقَفَّالُ هُوَ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ لَهُ لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ جِرَاحَةً مُذَفِّفَةً وَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً لَا يَدْرِي أَمُذَفِّفَةٌ هِيَ أَمْ لَا فَمَاتَ فَقَالَ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا قَالَ الْإِمَامُ هَذَا بَعِيدٌ وَالْوَجْهُ تَخْصِيصُ الْقِصَاصِ بِصَاحِبِ الْمُذَفِّفَةِ وَفِي الصَّيْدِ يُسَلَّمُ نِصْفُهُ لِمَنْ جُرْحُهُ مُذَفِّفًا وَيُوقَفُ نِصْفُهُ بَيْنَهُمَا إلَى الْمُصَالَحَةِ أَوْ تَبَيُّنِ الْحَالِ فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ بَيَانٌ جُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
- (الْحَالُ الثَّالِثُ) إذَا تَرَتَّبَ الْجُرْحَانِ وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ لَوْ انْفَرَدَ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ وَارِدٌ عَلَى الْمَذْبَحِ وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ فَالصَّيْدُ حلال وان اختلفنا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوَّلًا وَأَزْمَنَهُ أَوْ أَنَّهُ لَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ فان حلفا فالصيد بينهما ولا شئ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالصَّيْدُ لَهُ وَعَلَى الْآخَرِ أَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ وَلَوْ تَرَتَّبَا وَأَحَدُهُمَا مُزْمِنٌ وَالْآخَرُ مُذَفِّفٌ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَلَمْ يُعْرَفْ السَّابِقُ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ الْإِزْمَانِ فَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ إلَّا بقطع الحلقوم والمرئ وَقِيلَ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ وَوَجْهُ الشَّبَهِ اجْتِمَاعُ الْمُبِيحِ وَالْمُحَرِّمِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ سَبَقَ هُنَاكَ جُرْحٌ يُحَالُ عَلَيْهِ فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ أَزْمَنَهُ أَوَّلًا وَأَنَّ الْآخَرَ أَفْسَدَهُ فَالصَّيْدُ حَرَامٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ فان حلفا فلا شئ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ الثَّانِيَ كُلُّ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا وَلَوْ قَالَ الْجَارِحُ أَوَّلًا أَزْمَنْته أَنَا ثُمَّ أَفْسَدْته أَنْتَ بِقَتْلِك فَعَلَيْكَ الْقِيمَةُ وَقَالَ الثَّانِي لَمْ تُزْمِنْهُ أَنْتَ بل كان على امْتِنَاعُهُ إلَى أَنْ رَمَيْتَهُ فَأَزْمَنْته أَوْ ذَفَفْته فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى غَيْرِ جِرَاحَةِ الْأَوَّلِ وَعَلِمْنَا أنه لا يبقي امتناع معها ككسر 1
وَكَسْرِ رِجْلِ الْمُمْتَنِعِ بِالْعَدْوِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِلَا يَمِينٍ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الِامْتِنَاعِ فَإِنْ حَلَفَ فَالصَّيْدُ لَهُ ولا شئ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْأَوَّلُ وَاسْتَحَقَّ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا الْجِرَاحَةَ الْأُولَى وَلَا يَحِلُّ الصَّيْدُ لانه ميتة برغمه وَهَلْ لِلثَّانِي أَكْلُهُ فِيهِ وَجْهَانِ (قَالَ) الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَا لِأَنَّ إلْزَامَهُ الْقِيمَةَ حُكْمٌ بِكَوْنِهِ مَيْتَةً وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ النُّكُولَ فِي خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ لَا تُغَيِّرُ الْحُكْمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
- وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ الْجِرَاحَةَ الْمُذَفِّفَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الَّتِي لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مُزْمِنَةً فَالصَّيْدُ حَلَالٌ فَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَا ذَفَفْته فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ فَإِنْ حَلَفَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا كَانَ لَهُ وَعَلَى الْآخَرِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ
- (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ رَمَاهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا وَلَمْ يُدْرَ أَجْعَلهُ الْأَوَّلُ مُمْتَنِعًا أَمْ لاجعلناه بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ حَلَّ أَكْلُهُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ هَذَا الصَّيْدُ لِاجْتِمَاعِ مَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْأَصْلُ التَّحْرِيمُ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْحِلِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بَلْ يَكُونُ لِمَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمَا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَيْنِ الِاعْتِرَاضَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَتَسْلِيمُ مَا قَالَهُ الْمُعْتَرِضِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ فَأَرَادَ بِهِ إذَا عَقَرَهُ أَحَدُهُمَا فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ أَصَابَ الثَّانِي مَحِلَّ الذَّكَاةِ فَقَطَعَ الحلقوم والمرئ أَوْ أَثْبَتَاهُ وَلَمْ يَصِرْ فِي حُكْمِ الْمُمْتَنِعِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ أَحَدُهُمَا فَذَكَّاهُ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّهُ بَيْنَهُمَا فَأَرَادَ إذَا كَانَتْ يَدُهُمَا عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ مُسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا (فأما) إذ وَجَدَاهُ مَيِّتًا مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْقَاتِلُ كَانَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَمَا سَبَقَ قَالَ أَصْحَابُنَا.
وَلَا يُمْتَنَعُ التَّصْوِيرُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَقَدْ يجعل الشئ لِاثْنَيْنِ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُهُ فِي الْبَاطِنِ لِأَحَدِهِمَا كَمَنْ مَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ (وَالْوَجْهُ) الثَّانِي تَرْكُ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَتَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ صَيْدٌ مُمْتَنِعٌ بِرِجْلِهِ وَجَنَاحِهِ كَالْحَجَلِ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا رِجْلَهُ فَكَسَرَهَا وَأَصَابَ الآخر جناحه
فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهَا (وَأَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ لِلثَّانِي لِأَنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا بَعْدَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا زَالَ امْتِنَاعُهُ بِإِصَابَةِ الثَّانِي فَكَانَ لَهُ
- فَإِنْ قُلْنَا بَيْنَهُمَا فَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيهِ (وَإِنْ قُلْنَا) هُوَ لِلثَّانِي لَمْ يُعْلَمْ الثَّانِي مِنْهُمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ فَكَانَ بينهما
- (والوجه الثالث) وهو قول أبى اسحق الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ النَّصَّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنْ أَزْمَنَاهُ وَمَاتَ الصَّيْدُ وَلَمْ يُدْرَ هَلْ أَثْبَتَهُ الْأَوَّلُ أَمْ لَا فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ إلَى أَنْ عَقَرَهُ الثَّانِي فَيَكُونُ عَقْرُهُ ذَكَاةً وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاحْتِمَالِ الْإِثْبَاتِ مِنْ كِلَيْهِمَا وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ قُلْتُمْ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ إلَى أَنْ رَمَاهُ الثَّانِي فَكَيْفَ لَمْ تَزُلْ يَدُ الْأَوَّلِ (قُلْنَا) هَذَا لَا يُزَالُ بِهِ حُكْمُ الْيَدِ ولهذا لو كان في يده شئ يَدَّعِيهِ حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الْمِلْكِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَدَ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِي حِلِّ هَذَا الصَّيْدِ قَوْلَانِ كَمَسْأَلَةِ الْإِيمَاءِ السَّابِقَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
- (الْحَالُ الرَّابِعُ) إذَا تربت الْجُرْحَانِ وَحَصَلَ الْإِزْمَانُ بِهِمَا وَكُلُّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُزْمِنْ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصَّيْدَ لِلثَّانِي (وَالثَّانِي) أَنَّهُ بَيْنَهُمَا وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ (فَإِنْ قُلْنَا) إنَّهُ لِلثَّانِي أَوْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي مُزْمِنًا لَوْ انْفَرَدَ فلا شئ عَلَى الْأَوَّلِ بِسَبَبِ جُرْحِهِ فَلَوْ عَادَ الْأَوَّلُ بَعْدَ إزْمَانِ الثَّانِي وَجَرَحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى نُظِرَ إنْ أَصَابَ الْمَذْبَحَ فَهُوَ حَلَالٌ وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالذَّبْحِ وَإِلَّا فَالصَّيْدُ حَرَامٌ وَعَلَيْهِ إنْ ذَفَّفَ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتِهِ الْأُولَى وَجِرَاحَةِ الثَّانِي وَكَذَا إنْ لَمْ يُذَفِّفْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ فَإِنْ تَمَكَّنَ وَتَرَكَ الذَّبْحَ عَادَ الْخِلَافُ السَّابِقُ فَعَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَيْسَ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ الثَّانِيَةِ لِتَقْصِيرِ الْمَالِكِ وَعَلَى أَصَحِّهِمَا لَا يُقْصَدُ بِالضَّمَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَخَرَّجَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ جَرَحَ عَبْدًا مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ جَرَحَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا وَمَاتَ مِنْهُمَا وَفِيمَا يَلْزَمُهُ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) ثُلُثُ الْقِيمَةِ (وَالثَّانِي) رُبْعُهَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فَعَلَى هَذَا هُنَا رُبْعُ الْقِيمَةِ وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَعُودُ فِي التوزيع الاوجه الستة السابقة واختار العزالى وُجُوبَ تَمَامِ الْقِيمَةِ وَالْمَذْهَبُ التَّوْزِيعُ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) الِاعْتِبَارُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمُفْسِدِ بِالْإِصَابَةِ لَا ببدأ الرَّمْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ كل واحد منهما بينة أنه اصطاد هذ الصَّيْدَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) سُقُوطُهَا وَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ
- (فَرْعٌ) لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَيْدٌ فَقَالَ آخَرُ أَنَا اصْطَدْتُهُ فَقَالَ صَاحِبُ الْيَدِ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ كَجٍّ لَا نَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ بَلْ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيُسَلِّمَهُ إلَى مُدَّعِيهِ
- (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَوْ أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابَهُمْ عَلَى صَيْدٍ فَأَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُونَ قَتِيلًا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّ كَلْبَهُ الْقَاتِلُ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانَتْ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهُوَ بَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْكِلَابِ فَهُوَ لِصَاحِبِ هَذَا الْكَلْبِ وَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِبَةٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِالْقُرْعَةِ وقال غير أبى ثور لا تجئ الْقُرْعَةُ بَلْ يُوقَفُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنْ خِيفَ فَسَادُهُ بِيعَ وَوَقَفَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يصطلحوا هذا كلام ابن المنذر
- قال المصنف رحمه الله
- (ومن ملك صيدا ثم خلاه ففيه وجهان (أحدهما) يزول ملكه كما لو ملك عبدا ثم أعتقه (والثانى) لا يزول ملكه كما لو ملك بهيمة ثم سيبها وبالله التوفيق)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا مَلَكَ صَيْدًا ثُمَّ أَفْلَتَ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ وَمَنْ أَخَذَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَ يَدُورُ فِي الْبَلَدِ وَحَوْلُهُ أَوْ الْتَحَقَ بالوحوش ولا خلاف في شئ مِنْ هَذَا وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَالِكُهُ وَخَلَّاهُ لِيَرْجِعَ صَيْدًا كَمَا كَانَ فَهَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يَزُولُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ كَمَا لو أرسل بهيمة إلا 1 وَنَوَى إزَالَةَ مِلْكِهِ عَنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ بِلَا خِلَافٍ وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَوَائِبَ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ) وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ وَحَكَاهُ الْأَصْحَابُ عَنْهُ أنه ان قَصَدَ بِإِرْسَالِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى زَالَ ملكه والا فلا
- هامش)
- (1) كذا بالاصل فحرر
وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ مُطْلَقًا
- قَالَ أَصْحَابُنَا (فَإِنْ قُلْنَا) يَزُولُ عَادَ مُبَاحًا فَمَنْ صَادَهُ مَلَكَهُ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا يَزُولُ لَمْ يغيره أَنْ يَصِيدَهُ إذَا عَرَفَهُ فَإِنْ قَالَ عِنْدَ إرْسَالِهِ أَبَحْتُهُ لِمَنْ أَخَذَهُ حَصَلَتْ الْإِبَاحَةُ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ لَكِنْ لَا يَنْفُذُ تصرف الآخذ فيه ببيع ونحوه وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ فَأَرْسَلَهُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهَلْ يَحِلُّ اصْطِيَادُهُ فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا كَالْعَبْدِ الْمُعْتَقِ (وَأَصَحُّهُمَا) نَعَمْ لِأَنَّهُ رَجَعَ لِلْإِبَاحَةِ وَلِئَلَّا يَصِيرَ فِي مَعْنَى سَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ أَلْقَى كِسْرَةَ خُبْزٍ مُعْرِضًا عَنْهَا فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ أَخَذَهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَالُوا وَهُمَا مُرَتَّبَانِ عَلَى إرْسَالِ الصَّيْدِ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا تُمْلَكَ بَلْ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمُلْقِي لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ فِي الصَّيْدِ الْيَدُ وَقَدْ أَزَالَهَا وَرَدَّهُ إلَى الْإِبَاحَةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْخِلَافُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَحَاصِلُهَا لِمَنْ أَرَادَ أَكْلَهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الظَّاهِرَةَ كَافِيَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ هَذَا لَفْظُ الْإِمَامِ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُوَضِّحُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّالِحِيِّ مِنْ الْتِقَاطِ السَّنَابِلِ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ (قُلْتُ) الْأَصَحُّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا تَرَكَهُ الْوَارِثُ إعْرَاضًا كَالْكِسْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّعَامِ وَالسَّنَابِلِ وَأَمَّا الَّذِي يُصِيبُهُ فِي شئ ونحو ذلك ويصح تمرق الْأَخْذِ فِيهِ بِالتَّتَبُّعِ وَغَيْرِهِ هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ السلف ولم ينقل أنهم منعوا لتصرف في شئ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ فِي بَابِ أُخْرَيَاتِ الْأَطْعِمَةِ أَنَّ الثِّمَارَ السَّاقِطَةَ مِنْ الْأَشْجَارِ إنْ كَانَتْ دَاخِلَ الْجِدَارِ لَمْ تَحِلَّ وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً فَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَجْرِ عَادَاتُهُمْ بِإِبَاحَتِهَا فَإِنْ جَرَتْ بِذَلِكَ فَهَلْ تَجْرِي الْعَادَةُ الْمُطَّرِدَةُ مَجْرَى الْإِبَاحَةِ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) تَجْرِي وَسَبَقَ هُنَاكَ حُكْمُ الْأَكْلِ مِنْ مَالِ صَدِيقِهِ وَمِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ وَثِمَارِهِ وَزَرْعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ فَدَبَغَهُ مَلَكَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ اخْتِصَاصٌ فَضَعُفَ بِالْإِعْرَاضِ وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ خَمْرٍ فَأَخَذَهَا غَيْرُهُ فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْغَصْبِ حَيْثُ ذَكَرَهُ
الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ)
لَوْ صاد صيدا عليه أثر مالك بِأَنْ كَانَ مَرْسُومًا.
أَوْ مُقَرَّظًا أَوْ مَخْضُوبًا أَوْ مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ لَمْ يَمْلِكْهُ الصَّائِدُ بَلْ هُوَ لُقَطَةٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا فَأَفْلَتَ وَلَا يُنْظَرُ إلَى احْتِمَالِ أَنَّهُ صَادَهُ مُحْرِمٌ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ لِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ بَعِيدٌ وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ - (فَرْعٌ) لَوْ صَادَ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا دُرَّةً مَثْقُوبَةً لَمْ تُمْلَكْ الدُّرَّةُ بَلْ تَكُونُ لُقَطَةً وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ لَهُ مَعَ السَّمَكَةِ وَلَوْ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي جَوْفِهَا دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتْ مَثْقُوبَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ إنْ ادَّعَاهَا كَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْبَغَوِيّ قَالَ الرَّافِعِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ الدُّرَّةُ لِلصَّائِدِ كَالْكَنْزِ الْمَوْجُودِ فِي الْأَرْضِ يَكُونُ لِمُحْيِيهَا
(فَصْلٌ) إذَا تَحَوَّلَ بَعْضُ حَمَامٍ إلَى بُرْجِ غَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ الْمُتَحَوِّلُ مِلْكًا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ رَدُّهُ فَإِنْ حَصَلَ بَيْنَهُمَا بِيضٌ أَوْ فَرْخٌ فَهُوَ تَبَعٌ لِلْأُنْثَى دُونَ الذَّكَرِ وَإِنْ ادَّعَى تَحَوُّلَ حَمَامِهِ إلَى بُرْجِ غَيْرِهِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالْوَرَعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ كَذِبَهُ فَإِنْ كَانَ الْمُتَحَوِّلُ مُبَاحًا دَخَلَ بُرْجَ الْأَوَّلِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إلى الثاني فعلى الخلاف السابق في دخو الصَّيْدِ مِلْكَهُ (فَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَصَحِّ إنَّهُ لَا يملكه (والثانى) أن يملكه ومن دخل برج حَمَامٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِمِلْكِهِ مِلْكُ غَيْرِهِ وَعَسِرَ التَّمْيِيزُ فَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ وَاحِدَةٌ بِحَمَامَاتِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِالِاجْتِهَادِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً حَتَّى تَبْقَى وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرِ بِثَمَرِهِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَاحِدَةً مِنْهَا حَتَّى يُصَالِحَ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ قَالَ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يَنْبَغِي لِلْوَرِعِ أَنْ يَتَجَنَّبَ طَيْرَ الْبُرُوجِ وَأَنْ يَجْتَنِبَ بِنَاءَهَا وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لواحد منهما التصرف في شئ مِنْهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ لِثَالِثٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْمِلْكُ وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ وَهَبَ للآخر صَحَّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَتُحْتَمَلُ الْجَهَالَةُ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ بَاعَ الْحَمَامَ الْمُخْتَلِطَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِثَالِثٍ وَلَا يَعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ فان
كانت الاعداد معلومة كمأتين وَمِائَةٍ وَالْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةٌ وَوَزَّعَا الثَّمَنَ عَلَى أَعْدَادِهَا صَحَّ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ جَهِلَا الْعَدَدَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ فَالطَّرِيقُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ بِعْتُكَ الْحَمَامَ الَّذِي فِي هَذَا الْبُرْجِ بِكَذَا فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا وَيُحْتَمَلُ الْجَهْلُ فِي الْمَبِيعِ لِلضَّرُورَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ لو تصالحا على شئ صَحَّ الْبَيْعُ وَاحْتُمِلَ الْجَهْلُ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ
- وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَقَدْ يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ الْمُسَامَحَةُ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ كَالْكَافِرِ إذَا أسلم على أكثر من أربعة نِسْوَةٍ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ اصْطِلَاحُهُنَّ عَلَى الْقِسْمَةِ بِالتَّسَاوِي وَبِالتَّفَاوُتِ مَعَ الْجَهْلِ بِالِاسْتِحْقَاقِ فَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ الْقِسْمَةُ أَيْضًا بِحَسَبِ تَرَاضِيهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ بعت مالى مِنْ حَمَامِ هَذَا الْبُرْجِ بِكَذَا وَالْأَعْدَادُ مَجْهُولَةٌ يَصِحُّ أَيْضًا مَعَ الْجَهْلِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَنْفَصِلَ الْأَمْرُ بِحَسَبِ مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ حَمَامِ الْبُرْجِ بِإِذْنِ الْآخَرِ فَيَكُونُ أَصْلًا فِي الْبَعْضِ وَوَكِيلًا فِي الْبَعْضِ جَازَ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الثَّمَنَ
- (فَرْعٌ) لَوْ اخْتَلَطَتْ حَمَامَةٌ مَمْلُوكَةٌ أَوْ حَمَامَاتٌ بِحَمَامَاتٍ مُبَاحَةٍ مَحْصُورَةٍ لَمْ يَجُزْ الِاصْطِيَادُ مِنْهَا وَلَوْ اخْتَلَطَتْ بِحَمَامِ نَاحِيَةٍ جَازَ الِاصْطِيَادُ فِي النَّاحِيَةِ وَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ مَا لَا يُحْصَرُ فِي الْعَادَةِ بِاخْتِلَاطِ مَا يَنْحَصِرُ بِهِ ولو اختلطت حَمَامُ أَبْرَاجٍ مَمْلُوكَةٍ لَا تَكَادُ تُحْصَرُ بِحَمَامِ بَلْدَةٍ أُخْرَى مُبَاحَةٍ فَفِي جَوَازِ الِاصْطِيَادِ مِنْهَا وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْجَوَازُ وَإِلَيْهِ مَال مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ وَمِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ ضَبْطِهِ الْعَدَدُ الْمَحْصُورُ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهِ
- قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ تَحْدِيدُ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ قَالَ فَكُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَعْسَرُ عَلَى النَّاظِرِ عَدُّهُمْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ وَمَا سَهُلَ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ مَحْصُورٌ وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ تَلْحَقُ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ وَمَا وَقَعَ فِيهِ الشَّكُّ اُسْتُفْتِيَ فِيهِ الْقَلْبُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا انْصَبَّتْ حِنْطَتُهُ عَلَى حِنْطَةِ غَيْرِهِ أَوْ انْصَبَّ مَائِعُهُ فِي مَائِعِهِ وَجَهِلَا قَدْرَهُمَا فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي الْحَمَامِ الْمُخْتَلِطِ
(فَرْعٌ) وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ أَوْ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ أَوْ دُهْنٌ بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا طَرِيقُهُ أَنْ يَفْصِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ فَيَصْرِفَهُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَجِبُ صَرْفُهُ فِيهَا وَيَبْقَى الْبَاقِي لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا أَرَادَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
-
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إذَا اخْتَلَطَتْ دَرَاهِمُ أَوْ حِنْطَةٌ وَنَحْوُهَا لِجَمَاعَةٍ أَوْ غُصِبَ مِنْهُمْ وَخُلِطَتْ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُقَسَّمَ الْجَمِيعُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ (وَأَمَّا) مَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ اخْتِلَاطُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ يُحَرِّمُهُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْمَسْأَلَةِ بِأَدِلَّتِهَا فِي كِتَابِ الْغَصْبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أعلم.
-
﴿كتاب البيوع﴾
-
قال المصنف رحمه الله
-
(البيع جائز والاصل فيه قَوْله تَعَالَى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنو لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)
-
(الشَّرْحُ) قَوْله تَعَالَى (إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ لَكُمْ أَكْلُهَا بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ قَالَ الْعُلَمَاءُ خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْأَكْلَ بِالنَّهْيِ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَالِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) وقوله تعالى (الذين يأكلون الربا) وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ بِالْبَاطِلِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ أَكْلًا أَوْ بَيْعًا أَوْ هِبَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى (بِالْبَاطِلِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ (إلَّا بِحَقِّهَا) قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي الْبَاطِلُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ كَالرِّبَا وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَكُلِّ مُحَرَّمٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ وقَوْله تَعَالَى (إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً) فيها قراء تان الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ فَمَنْ رَفْعَ جَعَلَ كَانَ تَامَّةً إلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ وَمَنْ نَصَبَ قَالَ تَقْدِيرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْكُولُ تِجَارَةً أَوْ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ أَمْوَالَ تِجَارَةٍ فَحُذِفَ الْمُضَافُ قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَالْأَجْوَدُ الرَّفْعُ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ وَأَمَّا صَاحِبُ الْحَاوِي فَبَسَطَ تَفْسِيرَ الْآيَةِ فِي الْحَاوِي فَقَالَ قَوْله تَعَالَى (أَمْوَالَكُمْ) فِيهِ تَأْوِيلَانِ (أَحَدُهُمَا) الْمُرَادُ مَالُ كُلِّ
إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ أَيْ لَا يَصْرِفُهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (وَالثَّانِي) مَعْنَاهُ لَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مَالَ بعض كما قال تعالى (لا تقتلوا أنفسكم) (وَقَوْلُهُ) بِالْبَاطِلِ قِيلَ مَعْنَاهُ الصَّرْفُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَقِيلَ النَّهْبُ وَالْغَارَاتُ (وَالثَّالِثُ) التِّجَارَاتُ الْفَاسِدَةُ وَنَحْوُهَا وَالْمُخْتَارُ مَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَهْلِ الْمَعَانِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْأُمِّ تَفْسِيرَهَا مُسْتَوْفًى مَعَ اخْتِصَارٍ وَشَرَحَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَعْنَى الْآيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهَا عَامَّةٌ فَإِنَّ لَفْظَهَا لَفْظُ عُمُومٍ يَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ وَيَقْتَضِي إبَاحَةَ جَمِيعِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِنَا قَالَ فِي الْأُمِّ هَذَا أَظْهَرُ مَعَانِي الْآيَةِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّلِيلُ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بُيُوعٍ كَانُوا يَعْتَادُونَهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْجَائِزَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ تَنَاوَلَتْ إبَاحَةَ جَمِيعِ الْبُيُوعِ إلَّا مَا خُصَّ مِنْهَا وَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَخْصُوصَ قَالَ فَعَلَى هَذَا فِي الْعُمُومِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) إنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ وَإِنْ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ (وَالثَّانِي) إنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْعُمُومَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ وَإِنْ دَخَلَهُ تَخْصِيصٌ كَانَ الْخَارِجُ مِنْهُ بِالتَّخْصِيصِ أَقَلَّ مِمَّا بَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْبَيَانَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مُقَدَّمٌ عَلَى اللَّفْظِ وَفِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اللَّفْظِ أَوْ مُقْتَرِنٌ بِهِ قَالَ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ تَخْصِيصٍ وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْعُمُومِ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ إنَّهَا مُجْمَلَةٌ لَا يُعْقَلُ مِنْهَا صِحَّةُ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ إلَّا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَلِيلُهُ أَنَّ فِي الْبِيَاعَاتَ الْجَائِزَ وَغَيْرَهُ وَبَيَّنَ فِي الْآيَةِ مَا يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ ذَاكَ فَاقْتَضَتْ كَوْنَهَا مُجْمَلَةً فَعَلَى هَذَا هَلْ هِيَ مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا أَمْ بِعَارِضٍ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا لِأَنَّ قوله تعالى (وأحل الله البيع) يَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ مُتَفَاضِلًا وقَوْله تَعَالَى (وَحَرَّمَ الربا) يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيْعِ الرِّبَوِيِّ مُتَفَاضِلًا فَصَارَ آخِرُهَا مُعَارِضًا لِأَوَّلِهَا فَحَصَلَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِنَفْسِهَا (وَالثَّانِي) أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِغَيْرِهَا لِأَنَّهَا جَوَازُ كُلِّ بَيْعٍ مِنْ غَرَرٍ وَمَعْدُومٍ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بالنهي عن بيع الغرر وبيغ الْمُلَامَسَةِ وَغَيْرِهِمَا فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِغَيْرِهَا قَالَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْإِجْمَالِ عَلَى وَجْهَيْنِ (أحدهما)
أَنَّ الْإِجْمَالَ وَقَعَ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهِ دُونَ صِيغَةِ لَفْظِهَا لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ اسْمٌ لغوى لم يَرِدْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَمَعْنَاهُ مَعْقُولٌ لَكِنْ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مِنْ الشَّبَهِ مَا يُعَارِضُهُ بدافع الْعُمُومَانِ وَحْدَهُمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْمُرَادُ مِنْهُمَا إلَّا بِبَيَانِ الشَّبَهِ فَصَارَا مُجْمَلَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُشْكِلُ الْمَعْنَى * (وَالثَّانِي) أَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمَلٌ وَالْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْهُ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ مَا وَقَعَ عليه الاسم وتبينا أَنَّ لَهُ شَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللغة خرج اللفظ بالشرائط عن موضوعه فاللغة إلَى مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرَائِطُ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مَعْقُولَةٌ كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ إنَّهَا مُجْمَلَةٌ لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ شَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللُّغَةِ كَالْخُضُوعِ فكذلك البيع قال الماوردى وعلى الوجهين جميعا لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ قَالَ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِ الْعُمُومِ وَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا فَيَكُونُ عُمُومًا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وَمُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا مَخْصُوصًا وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ (وَالثَّانِي) أَنَّ الْعُمُومَ فِي قَوْله تعالى (وأحل الله البيع) والاجمال في قوله (وحرم الربا) (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ كَانَ مُجْمَلًا فَلَمَّا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ عَامًّا فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ وَفِي الْعُمُومِ بَعْدَ الْبَيَانِ قَالَ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِهَا فِي الْبُيُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالْقَوْلِ الثَّانِي (وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ) إنَّهَا تَنَاوَلَتْ بَيْعًا مَعْهُودًا وَنَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ أَحَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُيُوعًا وَحَرَّمَ بُيُوعًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) أَيْ الْبَيْعَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَبْلُ وَعَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ فَتَنَاوَلَتْ الْآيَةُ بَيْعًا مَعْهُودًا وَلِهَذَا دَخَلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِأَنَّهُمَا لِلْعَهْدِ أَوْ للجنس ولا يكون الجنس هنا مراد الخروج بَعْضِهِ عَنْ التَّحْلِيلِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَهْدُ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِظَاهِرِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ وَلَا فَسَادِهِ بَلْ يُرْجَعُ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِمَا تَقَدَّمَهَا مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الْبُيُوعُ الصَّحِيحَةُ فَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُجْمَلِ مِنْ وَجْهٍ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعُمُومِ مِنْ
وَجْهَيْنِ (فَأَمَّا) الْوَجْهُ الْوَاحِدُ فَهُوَ أَنَّ بَيَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبُيُوعِ كَانَ قَبْلَ نُزُولِهَا وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ يَكُونُ مُقْتَرِنًا لِلَّفْظِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ
- وَأَمَّا الْوَجْهَانِ (فَأَحَدُهُمَا) مَا سَبَقَ مِنْ تَقْدِيمِ الْبَيَانِ فِي الْمَعْهُودِ وَإِقْرَارِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ بِالْعُمُومِ (وَالثَّانِي) جَوَازُ الِاسْتِدْلَالِ بِظَاهِرِ الْعُمُومِ دون الظاهر الْمَعْهُودِ
- هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا نَحْوَهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى نَقْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَصَحَّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ بَيْعٍ إلَّا مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) أَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ جَوَازُ الْبَيْعِ فَهُوَ مِمَّا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ بَيْعًا صَحِيحًا يَصِيرُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي أَوَّلِ بُيُوعِ الْوَسِيطِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا انْعَقَدَ الْبَيْعُ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ الْفَسْخُ إلَّا بِأَحَدِ سَبْعَةِ أَسْبَابٍ وَهِيَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ وَخِيَارُ الْعَيْبِ وخيار الحلف بِأَنْ كَانَ شَرَطَهُ كَاتِبًا فَخَرَجَ غَيْرَ كَاتِبٍ والاقالة والتحالف وَتَلَفُ الْمَبِيعِ وَأَمَّا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ فَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ إذَا جَوَّزْنَاهُ فَهُوَ مُلْتَحِقٌ فِي الْمَعْنَى بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) قَالَ ابن قتيبة وغيره يقال بعت الشئ بمعنى بعته وبمعنى شريته ويقال شريت الشئ بِمَعْنَى شَرَيْته وَبِعْتُهُ وَأَكْثَرُ الِاسْتِعْمَالِ بِعْتَهُ إذَا أَزَلْتَ الْمِلْكَ فِيهِ بِالْمُعَاوَضَةِ وَاشْتَرَيْتَهُ إذَا تَمَلَّكْته بِهَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْعَرَبُ تَقُولُ بِعْتُ بِمَعْنَى بِعْتُ مَا كُنْتُ مَلَكْتُهُ وَبِعْتُ بِمَعْنَى اشْتَرَيْتُ قَالَ وَكَذَلِكَ شَرَيْتُ بِالْمَعْنَيَيْنِ قَالَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مَبِيعٌ وَبَائِعٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ وَالْمُثَمَّنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعٌ وَيُقَالُ بِعْتُهُ أَبِيعُهُ فَهُوَ مَبِيعٌ وَمَبْيُوعٌ مخيط ومخيوط قال الخليل المحذوف مِنْ مَبِيعٍ وَاوُ مَفْعُولٍ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ فَهِيَ أَوْلَى بِالْحَذْفِ وَقَالَ الْأَخْفَشُ الْمَحْذُوفُ عَيْنُ الْكَلِمَةِ قَالَ الْمَازِنِيُّ كِلَاهُمَا حَسَنٌ وَقَوْلُ الْأَخْفَشِ أَقْيَسُ وَالِابْتِيَاعُ الِاشْتِرَاءُ وَبَايَعْتُهُ وَتَبَايَعْنَا وَاسْتَبَعْتُهُ سَأَلْتُهُ أَنْ يبيعني وأبعت الشئ عرضته للبيع وبيع الشئ - بكسر
الْبَاءِ وَضَمِّهَا - وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَبُوعَ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالْوَاوِ - لُغَةٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كِيلَ وَقِيلَ وَأَمَّا الشِّرَاءُ فَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ (أَفْصَحُهُمَا) الْمَدُّ (وَالثَّانِيَةُ) الْقَصْرُ فَمَنْ مَدَّ كَتَبَهُ بِالْأَلِفِ وَإِلَّا فَبِالْيَاءِ وَجَمْعُهُ أَشْرِيَةٌ وَهُوَ جَمْعٌ نَادِرٌ ويقال شريت الشئ أشريته شَرْيًا إذَا بِعْتُهُ وَإِذَا اشْتَرَيْتُهُ كَمَا سَبَقَ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ عَلَى اصْطِلَاحِ اللُّغَوِيِّينَ وَمِنْ المشترك على اصطلاح الاصوليين قال اللَّهِ تَعَالَى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) وقال تعالى (وشروه بثمن بخس) وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مُقَابَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَفِي الشَّرْعِ مُقَابَلَةُ الْمَالِ بِمَالٍ أَوْ نَحْوِهِ تَمْلِيكًا
- (فَرْعٌ) أَرْكَانُ الْبَيْعِ ثَلَاثَةٌ العاقدان والصيغة والمعقود عليه وشروط الْعَاقِدِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا مُخْتَارًا بَصِيرًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَيُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْمُشْتَرِي إنْ كان المبيع عبدا مسلما أو مصفحا وَعِصْمَتُهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ سِلَاحًا وَشُرُوطُ الْمَبِيعِ خَمْسَةٌ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَعْلُومًا ومقدورا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَمْلُوكًا لِمَنْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ وَيَدْخُلُ فِي الضَّابِطِ أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمَرْهُونُ وَالْمَوْقُوفُ وَالْمُكَلَّفُ وَالْجَانِي إذَا مَنَعْنَا بَيْعَهُمَا وَالْمَنْذُورُ إعْتَاقُهُ وَهَذَا الْحَدُّ نَاقِصٌ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَجْهُولُ وَالْمَعْجُوزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ وَغَيْرُ الْمَمْلُوكِ فَالصَّوَابُ الْحَدُّ الاول وهذه الشروط ستأنى مُفَصَّلَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا
- (فَرْعٌ) سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ الْأَطْعِمَةِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ أَطْيَبَ الْمَكَاسِبِ التِّجَارَةُ أَمْ الزِّرَاعَةُ أَمْ الصَّنْعَةُ
(فَصْلٌ) فِي الْوَرَعِ فِي الْبَيْعِ وغيره واجتناب الشهبات
- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ الله عظيم) وقال تعالى (ان ربك لبالمرصاد) وَعَنْ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ
طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِهَا وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ وَعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ حَاكَ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ - أَيْ تَرَدَّدَ فِيهِ
- وَعَنْ وَابِصَةَ بن مصدر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (أَتَيْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ الْبِرُّ مَا أَطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ في الصدور وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتُوكَ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا
- وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ تزوج امرأة لابي اهاب بن عرير فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَاَلَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا فَقَالَ لَهَا مَا أَعْلَمُ أنك أرضعتيني ولا أخبرتيني فَرَكِبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إهَابٌ - بكسر الهمزة وعرير بفتح العين وبراء مُكَرَّرَةٍ - وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مَعْنَاهُ اُتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِيهِ وَخُذْ مَا لَا تَشُكُّ فِيهِ
- وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ (مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنْ الْوَرَعِ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) وَحَسَّانُ هَذَا مِنْ تَابِعِي التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
(فَصْلٌ) عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنْهَا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدٌ يَمُوتُ حَتَّى يَبْلُغَهُ بِآخِرِ رِزْقٍ هُوَ لَهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ مِنْ الْحَلَالِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ * (فَصْلٌ) فِي النَّهْيِ عَنْ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (الْحَلِفُ منفقة للسلعة ممحقة للربح: وفى رواية: للبروفى رِوَايَةٍ لِلْكَسْبِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله وَسَلَّمَ يَقُولُ (إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا من هم يارسول اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(فَصْلٌ) عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُصَلَّى فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
- وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أبى غررة بغين - معجمة ثم راء ثم راء مَفْتُوحَاتٍ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَقَالَ
يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إنَّ الشَّيْطَانَ وَالْإِثْمَ يَحْضُرَانِ البيع فثوبوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
(فَصْلٌ) فِي التَّبْكِيرِ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ
- عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا) وَكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ إذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
(فَصْلٌ) فِي اسْتِحْبَابِ السَّمَاحَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْيِ وَالتَّقَاضِي وَالِاقْتِضَاءِ وَإِرْجَاحِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ
- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) وقال تعالى (يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا الناس أشياءهم) وقال تعالى (ويل للمطففين) الْآيَةَ
- وَعَنْ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ (قَالَ اشْتَرَى مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا فَوَزَنَ لِي وَأَرْجَحَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَعَنْ سُوَيْد بْنِ قَيْسٍ قَالَ (جَلَبْت أَنَا وَمَخْرَمَةُ العبدى برا مِنْ هَجَرَ فَجَاءَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَامَنَا بِسَرَاوِيلَ وَعِنْدِي وَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان زِنْ وَأَرْجِحْ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اسْمَحْ يُسْمَحْ لَكَ) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ
(فَصْلٌ) عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وبينا بورك لها في بيعها وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (بَايَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إقام الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَعَنْ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(فَصْلٌ) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من أصاب من شئ فَلْيَلْزَمْهُ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
- وَعَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كُنْتُ أُجَهِّزُ إلَى الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ فَجَهَّزْت إلَى الْعِرَاقِ فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كُنْتُ أُجَهِّزُ إلَى الشَّامِ فَجَهَّزْت إلى العراق فقالت لا تفعل مالك مَنْزِلٌ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا سَبَّبَ اللَّهُ لِأَحَدٍ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ أَوْ يَتَنَكَّرَ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ
(فَصْلٌ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ (لَا تَكُونَنَّ إنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ)
رَوَاهُ مُسْلِمٌ هَكَذَا مَوْقُوفًا عَلَى سَلْمَانَ وَرَوَاهُ الزقانى فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الذَّمُّ لِمَنْ أَكْثَرَ مُلَازَمَةَ السُّوقِ وَصَرَفَ أَكْثَرَ الْأَوْقَاتِ إلَيْهَا وَالِاشْتِغَالِ بِهَا عَنْ الْعِبَادَةِ وَهَذَا كَمَا قَالُوهُ لِثُبُوتِ الْأَحَادِيثِ فِي دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَسْوَاقَ مَعَ نَصِّ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاسواق) وَقَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثُمَّ انْصَرَفَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَيْنُقَاعُ قَبِيلَةٌ مِنْ الْيَهُودِ - بِفَتْحِ الْقَافِ الْأُولَى وَضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي السُّوقِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ السُّوقَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ السُّوقِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ فِيهَا يَمِينًا فَاجِرَةً أَوْ صَفْقَةً خَاسِرَةً) رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ * (فَصْلٌ) سَبَقَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ التِّجَارَةَ لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَهَا فَيَتَعَلَّمَ شُرُوطَهَا وَصَحِيحَ الْعُقُودِ مِنْ فَاسِدِهَا وَسَائِرَ أَحْكَامِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ * (فَصْلٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ غَيْرِ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا اللَّفْظِ بِحُرُوفِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ لِلِاسْتِحْبَابِ بقوله تعالى (وأشهد وإذا تبايعتم) هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ والحسن وأصحاب الرأى وأحمد واسحق وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى الْبَيْعِ وَهُوَ فَرْضٌ لَازِمٌ يُعْصَى بِتَرْكِهِ قَالَ رَوَيْنَا هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا بَاعَ بِنَقْدٍ أَشْهَدَ ولم يكتب
قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يستجاب لهم دعوة رجل باع بنقد (1) قَالَ وَرَوَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى وَأَبِي سُلَيْمَانَ الْمَرْعَشِيِّ وَاحْتَجُّوا بقوله تعالى (واشهد وإذا تبايعتم) وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ وَاشْتَرَى وَلَمْ يُنْقَلْ الْإِشْهَادُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَهُ وَحَمَلُوا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَا ذكرناه والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (ويصح البيع من كل بالغ عاقل مختار فاما الصبى والمجنون فلا يصح بيعهما لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يفيق) ولانه تصرف في المال فلم يفوض إلى الصبى والمجنون كحفظ المال)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وعائشة رضي الله عنهما سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَأَوَّلِ كِتَابَيْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَوْلُهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ احْتِرَازٌ مِنْ اخْتِيَارِ الصَّبِيِّ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ وَهُوَ مميز ومن عباداته وحمله الهدية ومن وطئ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ امْرَأَتَيْهِمَا وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ فَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي قوله تعالى (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهم) وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَصِحُّ الْبَيْعُ مِنْ كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ مُخْتَارٍ فَمِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْمَى وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا هُوَ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ وَيَدْخُلُ أَيْضًا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بَصِيرًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ قَرِيبًا وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَيْضًا إسْلَامُ الْمُشْتَرِي إنْ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (وَأَمَّا) السَّكْرَانُ فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَسَائِرِ عُقُودِهِ الَّتِي تَضُرُّهُ وَاَلَّتِي تنفعه (والثانى) لا يصح شئ مِنْهَا (وَالثَّالِثُ) يَصِحُّ مَا عَلَيْهِ دُونَ مَالِهِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ دُونَ إيهَابِهِ وَتَصِحُّ رِدَّتُهُ دُونَ إسْلَامِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْأَوْجُهَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَهُنَاكَ نُوَضِّحُهَا بِفُرُوعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) الصَّبِيُّ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ وَلَا إجَارَتُهُ وَسَائِرُ عُقُودِهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ سواء
بَاعَ بِغَبْنٍ أَوْ بِغِبْطَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مُمَيِّزًا أو غيره وسواء بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَسَوَاءٌ بَيْعُ الاختبار وغيره وبيع الاختبار هو الذى يمتحن الْوَلِيُّ بِهِ لِيَسْتَبِينَ رُشْدَهُ عِنْدَ مُنَاهِزَةِ الِاحْتِلَامِ وَلَكِنَّ طَرِيقَ الْوَلِيِّ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الِاسْتِلَامَ وَتَدْبِيرَ الْعَقْدِ فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْعَقْدِ أتى به الولى ولا خلاف في شئ مِمَّا ذَكَرْتُهُ عِنْدَنَا إلَّا فِي بَيْعِ الِاخْتِبَارِ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا شَاذًّا ضَعِيفًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَصِحُّ وَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْبَيْعُ لَزِمَ مِنْهُ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ عَلَى الصَّبِيِّ وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَجِبُ عليه شئ وَقِيلَ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ إسْقَاطُ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
-
(فَرْعٌ) قَالَ الْفُقَهَاءُ إذَا اشْتَرَى الصَّبِيُّ شَيْئًا وَسُلِّمَ إلَيْهِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ مَالًا لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُضَيِّعُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَمَا دَامَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فَلِلْمَالِكِ الِاسْتِرْدَادُ وَإِنْ قَبَضَهَا الْوَلِيُّ مِنْ الصَّبِيِّ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْوَلِيِّ وَلَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ إلَى الْبَائِعِ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ لَمْ يَصِحَّ تَسْلِيمُهُ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ رَدُّهُ إلَى الْوَلِيِّ وَيَلْزَمُ الْوَلِيِّ طَلَبُهُ وَاسْتِرْدَادُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ رَدَّهُ إلَى الصَّبِيِّ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ الصَّبِيُّ دِرْهَمًا إلَى صَرَّافٍ لِيَنْقُدَهُ أَوْ سَلَّمَ مَتَاعًا إلَى مُقَوِّمٍ لَيُقَوِّمَهُ فَإِذَا قَبَضَهُ مِنْ الصَّبِيِّ دخل في ضمان القابض ولم يجزله رَدُّهُ إلَى الصَّبِيِّ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُرَدَّهُ إلَى وَلِيِّهِ إنْ كَانَ الْمَالُ لِلصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ لِكَامِلٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ أَوْ وَكِيلِهِ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَمَرَهُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ بِدَفْعِهِ إلَى الصَّبِيِّ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ إنْ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلِيِّ فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ لَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَالِ الصَّبِيِّ فِي بَحْرٍ فَأَلْقَاهُ فَإِنَّهُ يلزمه ضمانه قطعا
-
(فرع)
-
لو تبايعا صَبِيَّانِ وَتَقَابَضَا وَأَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا قَبَضَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ جَرَى ذَلِكَ بِإِذْنِ الْوَلِيَّيْنِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَلِيَّيْنِ وَيَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيَّيْنِ الضَّمَانُ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُمَا لَا يُعَدُّ تَسْلِيطًا وَتَضْيِيعًا بِخِلَافِ تَسْلِيمِ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
-
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الصَّبِيِّ بِنَفْسِهِ وَلَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ لَكِنْ فِي تَدْبِيرِهِ
وَوَصِيَّتِهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ وَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُمَا أَيْضًا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَذِنَ الْوَلِيُّ أَمْ لَا لِأَنَّ عِبَارَتَهُ مُلْغَاةٌ فَلَا أَثَرَ لاذن الولى كما لو اذن لمجنون أما إذَا فَتَحَ الصَّبِيُّ بَابًا وَأَخْبَرَ بِإِذْنِ أَهْلِ الدَّارِ فِي الدُّخُولِ أَوْ أَوْصَلَ هَدِيَّةً وَأَخْبَرَ عَنْ إهْدَاءِ مُهْدِيهَا فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ انْضَمَّتْ إلَى ذَلِكَ قَرَائِنُ تُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ جَازَ الدُّخُولُ وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَمَلٌ بِالْعِلْمِ لَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ نُظِرَ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونِ الْقَوْلِ لَمْ يجر اعْتِمَادُ قَوْلِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْقَطْعُ بِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ لِإِطْبَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلِحُصُولِ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ فِي الْعَادَةِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) حَكَاهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) إذَا سَمِعَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ حَدِيثًا فَهَلْ يَصِحُّ تَحَمُّلُهُ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أحدها) لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا لَا قَبْلَ بُلُوغِهِ وَلَا بَعْدَهُ لِضَعْفِ ضَبْطِهِ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَغَيْرُهُ (وَالثَّانِي) تَصِحُّ رِوَايَتُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ كَمَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَسَائِرِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَاحْتُمِلَ فِيهَا أَشْيَاءُ لَا تُحْتَمَلُ فِي غَيْرِهَا كَاعْتِمَادِهِ عَلَى خَطِّهِ وَكَوْنِهَا لَا تُرَدُّ بِالتُّهْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَامَحَةِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهَا تُقْبَلُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا تُقْبَلُ قَبْلَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ وَمِمَّا يَرُدُّ الْأَوَّلَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى قَبُولِ رِوَايَاتِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ مَا تَحَمَّلُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَرَوَوْهُ بَعْدَهُ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ جَعْفَرٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا كَمَا لَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ تَصَرُّفَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ فَلَوْ اتَّهَبَ لَهُ الْوَلِيُّ شَيْئًا وَقَبِلَهُ ثُمَّ قَبَضَهُ الصَّبِيُّ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ بِهَذَا الْقَبْضِ وَلَوْ وُهِبَ لَأَجْنَبِيٍّ وَأَذِنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَقْبِضَهُ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ الْوَاهِبُ فِي الْقَبْضِ فَقَبَضَهُ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ سَلِّمْ حَقِّي إلَى هَذَا الصَّبِيِّ فَسَلَّمَ قَدْرَ حَقِّهِ إلَى
الصَّبِيِّ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَكُونُ مَا سَلَّمَهُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ ضَاعَ ضَاعَ عَلَى الدَّافِعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّ الدَّافِعَ ضَيَّعَهُ بِتَسْلِيمِهِ وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ وَلَا يَزُولُ الدَّيْنُ عَنْ الذِّمَّةِ كَمَا لَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ أَلْقِ حَقِّي فِي الْبَحْرِ فَأَلْقَى قَدْرَ حَقِّهِ لَا يَبْرَأُ بِلَا خِلَافٍ وَمَا يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِ الْمُلْقِي قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودِعِ سَلِّمْ وَدِيعَتِي إلَى هَذَا الصَّبِيِّ فَسَلَّمَ إلَيْهِ خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمَرَهُ فِي حَقِّهِ الْمُعَيَّنِ كَمَا لَوْ قَالَ أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ فَأَلْقَاهَا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ لِصَبِيٍّ فَسَلَّمَهَا إلَى الصَّبِيِّ ضَمِنَ سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لانه ليس للمودع تضعييها وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِيهِ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ هَذَا الْفَرْعَ عَنْ الْأَصْحَابِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي بَيْعِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
- وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وأحمد واسحق يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ
- وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَجَازَ أحمد واسحق بيعه وشراءه في الشئ الْيَسِيرِ يَعْنِي بِلَا إذْنٍ
- دَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ المصنف
- قال المصنف رحمه الله
- (فأما المكره فان كان بغير حق لم يصح بيعه لقوله تَعَالَى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فدل على أنه إذا لم يكن عن تراض لم يحل الاكل وروي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (انما البيع عن تراض) فدل على أنه لا بيع عن غير تراض ولانه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم وان كان بحق صح لانه قول حمل عليه بحق فصح ككلمة الاسلام إذا أكره عليها الحربى)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (لَأَلْقَيَنَّ اللَّهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُعْطِيَ أَحَدًا مِنْ مَالِ أَحَدٍ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ احْتَرَزَ بِالْقَوْلِ عَنْ الْفِعْلِ بِأَنْ أُكْرِهَتْ عَلَى الْإِرْضَاعِ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُمَا وَكَذَا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ عَنْ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ كَإِكْرَاهِ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَإِكْرَاهِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُتَمَكِّنٌ فِي الْبَيْعِ فِي أَدَائِهِ
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُكْرَهُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ كَانَ إكْرَاهُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ صَحَّ وَصُورَةُ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَعَهُ مَتَاعٌ يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهِ بَعْدَ امْتِنَاعِ الْمَالِكِ مِنْ الْوَفَاءِ وَالْبَيْعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ وَالْأَصْحَابُ الْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ بَاعَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَكْرَهَهُ عَلَى بَيْعِهِ وَعَزَّرَهُ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَبِيعَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا التَّصَرُّفَاتُ الْقَوْلِيَّةُ الَّتِي يُكْرَهُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ الرِّدَّةُ وَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَسَائِرُ الْمُعَامَلَاتِ وَالنِّكَاحُ وَالْخُلْعُ وَالطَّلَاقُ وَالْإِعْتَاقُ وَغَيْرُهَا (وَأَمَّا) مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَهُوَ صَحِيحٌ قَالُوا فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ وَالْحَرْبِيَّ إذَا أُكْرِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ صَحَّ إسْلَامُهُمَا لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ وَكَذَا الْمُكْرَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِحَقٍّ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا سَبَقَ (وَأَمَّا) الذِّمِّيُّ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ إكْرَاهٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّا شَرَطْنَا فِي الذِّمَّةِ أَنْ نُقِرَّهُ عَلَى دِينِهِ فَإِذَا أُكْرِهَ فَهَلْ يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ المصنف هنا وآخرون (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كتاب الطلاق وفى كتاب الكفارات وحكاهما الْغَزَالِيُّ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لَكِنَّهُ حَكَاهُمَا فِي الْكَفَّارَاتِ قَوْلَيْنِ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يَصِحُّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَصِيرُ إلَى صِحَّتِهِ مَعَ أَنَّ إكْرَاهَهُ غَيْرُ سَائِغٍ وَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي إكْرَاهِ الْحَرْبِيِّ لِكَوْنِهِ إكْرَاهًا بِحَقٍّ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فِي الذِّمِّيِّ لِأَنَّ إكْرَاهَهُ مَمْنُوعٌ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا أُكْرِهَ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْإِسْلَامِ فَنَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ تَحْتَ السَّيْفِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغُمُوضِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِأَنَّ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَتَيْنِ نَازِلَتَانِ فِي الْإِعْرَابِ عَنْ الضَّمِيرِ مَنْزِلَةَ الْإِقْرَارِ
والظاهر ممن يقولها تَحْتَ السَّيْفِ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إخْبَارِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- وَأَمَّا الْمَوْلَى بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَإِذَا طَلَّقَ بِإِكْرَاهِ الْقَاضِي لَهُ نَفَذَ طَلَاقُهُ لانه إكراه بحق أو لانه لَيْسَ بِحَقِيقَةِ إكْرَاهٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ بَلْ يَلْزَمُهُ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ هَذَا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ فَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ فَإِذَا تَلَفَّظَ بِهَا (فَإِنْ قُلْنَا) لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِالْفِسْقِ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَلَغَتْ الزيادة (وإن قلنا) ينعزل لم يقع شئ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفَاتِ عندنا الا في خمسة مواضع (احداها) الْإِسْلَامُ فَيَصِحُّ إسْلَامُ الْحَرْبِيِّ الْمُكْرَهِ وَلَا يَصِحُّ إكْرَاهُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْأَصَحِّ (الثَّانِي) الْإِرْضَاعُ فَإِذَا أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ مَنُوطٌ بِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ لَا بِالْقَصْدِ (الثَّالِثُ) الْقَتْلُ فإذا أكره عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ (الرَّابِعُ) الزِّنَا فَإِذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْحَدُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَمَأْخَذُ الْوَجْهَيْنِ التَّرَدُّدُ فِي تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ (الْخَامِسُ) إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فَأُكْرِهَ عَلَيْهِ وَقَعَ طَلَاقُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْأَصَحُّ لَا يَقَعُ وَأَنَّهُ لَا يُحَدُّ الْمُكْرَهُ عَلَى الزِّنَا قَالَ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي التَّحْقِيقِ يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ فَحَسْبُ وَإِلَى الْقَتْلِ عَلَى قَوْلٍ (وَأَمَّا) مَا عَدَاهُ فَسَبَبُهُ عَدَمُ تَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ (وَقَوْلُهُ) إنَّهُ إنَّمَا يَسْتَثْنِي هَذِهِ الْخَمْسَةَ يَرِدُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ (مِنْهَا) إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ فَفِي فِطْرِهِ قَوْلَانِ سبقا في موضعهما الْأَصَحُّ لَا يُفْطِرُ (وَمِنْهَا) إذَا أُكْرِهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْكَلَامِ فَتَكَلَّمَ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (وَأَصَحُّهُمَا) تَبْطُلُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ (وَمِنْهَا) إذَا أُكْرِهَ الْمُصَلِّي حَتَّى فَعَلَ أَفْعَالًا كَثِيرَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَطْعًا (وَمِنْهَا) لَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ فِي الفريضة مع القدرة فصلى قاعد الزمه الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ
- (فَرْعٌ) الْمُصَادَرُ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ يَظْلِمُهُ بِطَلَبِ مَالٍ وَقَهْرِهِ عَلَى إحْضَارِهِ إذَا بَاعَ مَالَهُ لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ وَالْأَذَى الَّذِي يَنَالُهُ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ وَقَدْ سَبَقَا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ فِي مَسَائِلِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ (أَحَدُهُمَا)
لَا يَصِحُّ كَالْمُكْرَهِ (وَأَصَحُّهُمَا) يَصِحُّ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ لِأَنَّهُ لَا إكْرَاهَ عَلَى نَفْسِ الْبَيْعِ وَمَقْصُودُ الظَّالِمِ تَحْصِيلُ الْمَالِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُكْرَهَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بما ذكره المصنف وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَهَذَا مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي دَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ
- وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَشْيَاءَ لَا يُحْتَجُّ بِهَا (مِنْهَا) مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ خَطَبَنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ وَبَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرَكَ) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ (وَلا تنسوا الفضل بينكم) وشهد الاسرار وَيُسْتَذَلُّ الْأَخْيَارُ وَمَا يُمْنَعُ الْمُضْطَرُّونَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بَيْعِ الْمُضْطَرِّ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُطْعِمَ) وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ هَذَا الشَّيْخَ مَجْهُولٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَكُلُّهَا غَيْرُ قَوِيَّةٍ (وَمِنْهَا) مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يركبن رجلا بَحْرًا إلَّا غَازِيًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجًّا فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا وَتَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَلَا يُشْتَرَى مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فِي ضَغْطَةٍ) . قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُضْطَرِّ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الْعَقْدِ مِنْ طَرِيقِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ (وَالثَّانِي) أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الْبَيْعِ لِدَيْنٍ أَوْ مُؤْنَةٍ تُرْهِقُهُ فَيَبِيعُ مَا فِي يَدِهِ فَالْوَكْسُ مِنْ أَجْلِ الضَّرُورَةِ فَسَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ الْمُرُوءَةُ أَنْ لَا يُتْرَكَ حَتَّى يَبِيعَ مَالَهُ وَلَكِنْ يُعَانُ وَيُقْرَضُ وَيُسْتَمْهَلُ لَهُ إلَى الْمَيْسَرَةِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ فِيهِ بَلَاغٌ فَإِنْ عَقَدَ