كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قوله: ويجوز أن يكون رأس المال في الذمة ثم يعينه في المجلس خلافا لابن المنذر الذى قَالَ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ على أنه إذا كان له في ذمة رجل دينار فجعله سلما في طعام إلى أجل لم يصح اه.
وحكى هذا ابن قدامة عن مالك والاوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأى والشافعي وعن ابن عمر أنه قال: لا يصح ذلك، وذلك لان المسلم فيه دين، فإن جعل الثمن دينا كان بيع دين بدين ولا يصح ذلك، قلت وقد مر بك في أول الباب مناقشة هذا الرأى.
والمهم في هذا جواز أن يكون رأس المال في الذمة ولكن يجب إحضاره إلى المجلس بعد تعيينه، فإن كان ما في الذمة من الاثمان حمل على نقد البلد، وإن كان في البلد أكثر من نقد حمل على النقد الغالب فيها وإن لم يكن في البلد نقد غالب وجب بيان نقد معلوم، وما دام رأس المال حاضرا في المجلس فإن المشاهدة تغنى عن ذكر صفاته ومقداره، كما لو كان رأس المال من الجواهر والاحجار الكريمة مما يصعب وصفه، فإن كان من الجواهر الثمينة وقلنا بأنه يجب ذكر صفاته لم يجز أن يكون ذلك رأس مال لتعذر وصفه، وإن قلنا لا يجب جاز لمشاهدته في المجلس.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
﴿باب تسليم المسلم فيه﴾
إذا حل دين السلم وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد فإن كان المسلم فيه تمرا لزمه ما يقع عليه اسم التمر على الاطلاق.
فإن أحضر حشفا أو رطبا لم يقبل منه، فإن كان رطبا لزمه ما يقع عليه اسم الرطب على الاطلاق
ولا يقبل منه بسر ولا منصف ولا مذنب ولا مشدخ، وان كان طعاما لزمه ما نقى من التبن، فإن كان فيه قليل تراب نظرت، فإن كان أسلم فيه كيلا قبل منه لان القليل من التراب لا يظهر في الكيل، وإن كان أسلم فيه وزنا لم يقبل منه لانه يظهر في الوزن فيكون المأخوذ من الطعام دون حقه، وان كان عسلا لزمه ما صفى من الشمع، فإن أسلم إليه في ثوب فأحضر ثوبا أجود منه لزمه قبوله، لانه
أحضر المسلم فيه وفيه زيادة صفة لا تتميز فلزمه قبوله، فإن جاءه بالاجود وطلب عن الزيادة عوضا لم يجز لانه بيع صفة والصفة لا تفرد بالبيع، فإن أتاه بثوب ردئ لم يجيز على قبوله لانه دون حقه، فان قال خذه وأعطيك للجودة درهما لم يجز لانه بيع صفة ولانه بيع جزء من المسلم فيه قبل قبضه فان أسلم في نوع من جنس فجاءه بنوع آخر من ذلك الجنس كالمعقلي عن البرنى والهروى عن المروى فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يَجُوزُ لانه غير الصنف الذى أسلم فيه فلم يجز أخذه عنه كالزبيب عن التمر.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: يَجُوزُ لان النوعين من جنس واحد بمنزلة النوع الواحد.
ولهذا يحرم التفاضل في بيع أحدهما بالآخر، ويضم أحدهما إلى الآخر في إكمال النصاب في الزكاة.
فإن اتفق أن يكون رأس المال على صفة المسلم فيه فأحضره ففيه وجهان أحدهما لا يجوز قبوله لانه يصير الثمن هو المثمن، والعقد يقتضى أن يكون الثمن غير المثمن والثانى أنه يجوز لان الثمن هو الذى سلم إليه والمثمن هو الموصوف، وان أسلم إلى محل فأحضر المسلم فيه قبله أو شرط أن يسلم إليه في مكان فأحضر المسلم فيه في غير ذلك المكان فامتنع المسلم من أخذه، نظرت فان كان له غرض صحيح في الامتناع من أخذه بأن يلزمه في حفظه مؤن أو عليه في حمله مشقة أو يخاف عليه أن يهلك أو يؤخذ لم يلزمه أخذه، وان لم يكن له غرض صحيح في الامتناع
لزمه أخذه، فان لم يأخذه رفع إلى الحاكم ليأخذه عنه، والدليل عليه ما روى أن أنسا رضى الله عنه كاتب عبدا له على مال إلى أجل فجاءه بمال قبل الاجل فأبى أن يأخذه فأتى عمر (رض) فأخذه منه وقال له: اذهب فقد عتقت، ولانه زاده بالتقديم خيرا فلزمه قبوله.
وان سأله المسلم أن يقدمه قبل المحل فقال: أنقصني من الدين حتى أقدمه ففعل لم يجز لانه بيع أجل والاجل لا يفرد بالبيع، ولان هذا في معنى ربا الجاهلية، فانه كان في الجاهلية يقول من عليه الدين: زدنى في الاجل أزدك في الدين.
(الشرح) الخبر الذى ساقه المصنف عن أنس المذكور في الفصل لم أحفظه بهذه الصورة، وانما الذى أحفظه ما رواه الاثرم عن أبى بكر بن حزم أن رجلا أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إنى كاتبت على كذا وكذا وانى أيسرت بالمال فأتيته به
فزعم أنه لا يأخذها الا نجوما، فقال عمر: يأبى؟ وأمر عامله على بيت المال: فخذ هذا المال فاجعله في بيت المال وأد إليه نجوما في كل عام وقد عتق هذا، فلما رأى ذلك سيده أخذ المال، ورواه عثمان بن منصور في سننه عن عمر وعثمان جميعا والذى ثبت فيه ذكر أنس حديث أخرجه البخاري عن موسى بن أنس " أن سيرين - أبا محمد وإخوته - سأل أنس بن مالك المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر فقال: كاتبه، فأبى فضربه عمر بالدرة وتلا عمر: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " وأحايث أخرى من باب المكاتبة ستأتي في الباب إن شاء الله تعالى.
أما لغات الفصل: فالبسر من ثمر النخل ما قبل الرطب وبقية لغات الفصل في الاحكام أما أحكام الفصل: فإنه إذا حل دين المسلم وجب على المسلم إليه تسليم المسلم فيه على ما اقتضاه العقد فإن كان المسلم فيه تمرا، قال الشافعي رحمه الله تعالى: فليس على المسلم أن يأخذه إلا جافا.
قال أصحابنا: ولم يرد بهذا أن يكون مشمسا
وإنما أراد به إذا بلغ إلى حالة الادخار فعليه أن يأخذه، وهو إذا وقع عليه اسم الجفاف، وإن لم يتناه جفافه، وان كان المسلم فيه رطبا لزمه ما يقع عليه اسم الرطب، ولا يلزمه أن يقبل بسرا ولا مذنبا، ولا منصفا، ولا مشدخا، فأما المذنب فهو الذى أرطب في أذنابه لا غير.
وأما المنصف فهو الذى صار نصف بسره رطبا ونصفها بسرا.
وأما المشدخ فذكر الشيخ أبو حامد أن المشدخ هو الذى ضرب بالخشب حتى صار رطبا فلا يلزمه قبوله لانه لا يتناوله اسم الرطب وإن تناوله فيكون رطبا مفتوتا.
وقيل: إنهم يشمسون البسر ثم يدلكونه بكسى صوف غليظ وما أشبهه فيصير طعمه طعم الرطب، يفعلون ذلك استعجالا لاكل الرطب من البسير قبل الارطاب، ولعل الشيخ أبا حامد أراد أنهم يضربون البسر بالخشب ليصير طعمه طعم الرطب، وان كان المسلم فيه طعاما لزمه أن يدفع إليه طعاما نقيا من الشعير والزوان وعقد التبن، لان هذه الاشياء تنقصه عن الكيل والوزن.
وإن كان فيه قليل تراب أو شئ من دقاق التبن - نظرت - فان أسلم فيه كيلا لزمه قبوله، لان ذلك لا يؤثر في الكيل، وإن أسلم فيه وزنا لم يلزمه قبوله لان دلك يؤثر في الوزن فيكون المقبوض دون حقه.
فإذا أسلم إليه في شئ فأتى المسلم إليه بالمسلم فيه لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن يأتيه بالمسلم فيه على الصفة المشروطة.
وإما أن يأتيه بأردأ منه.
وإما أن يأتيه بأعلى منه.
فإن أتى به على الصفة المشروطة وعلى صفة المسلم فيه، بأن أسلم إليه في طعام جيد فأتاه بطعام يقع عليه اسم الجيد، وان كان غيره اجود منه لزمه أن يقبل منه
وإن أتاه بأردأ من المسلم فيه، بأن أتاه بطعام ردئ لم يلزمه قبوله، لانه دون ما شرط، وان قال المسلم إليه: خذ هذا وأعطيتك عن الجودة عوضا لم يجز، لانه بيع جزء من المسلم فيه قبل القبض، وان أتاه بأعلى من المسلم فيه فلا تخلو الزيادة من أربعة أحوال: إما أن تكون زيادة في الصفة، أو في العدد، أو في الجنس، أو في النوع، فان كانت الزيادة في الصفة مثل أن يسلم إليه في طعام ردئ فجاءه بطعام جيد، فان رضى المسلم إليه بتسليمه عما في ذمته لزم المسلم قبوله، لانها زيادة لا تتميز أي لا تنفصل عن الطعام لانها صفة فيه.
فإذا رضى المسلم إليه بتسليمها لزم المسلم قبولها كما لو أصدق إمرأته عينا فزادت في يدها زيادة تتميز، ثم طلقها قبل الدخول، ورضيت المرأه بتسليم نصف العين مع زيادتها فان الزوج يلزمه قبولها.
وان لم يتطوع المسلم إليه بتسليمها بل طلب عن الجودة عوضا لم يصح لان الجودة صفة فلا يجوز إفرادها بالعقد، وان كانت الزيادة في العدد مثل أن يسلم إليه خمسة أرادب من القمح فجاءه بعشرة أرادب من القمح لم يلزمه المسلم قبول ما زاد على الخمسة، لان ذلك ابتداء هبة فلم يجبر على قبولها.
وإن كانت الزيادة في الجنس مثل أن يسلم إليه ذرة فأعطاه عن الذرة قمحا أو عدسا لم يلزمه قبول ذلك، فان قبله لم يصح لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره.
وإن كانت الزيادة في النوع مثل أن يسلفه على قمح هندي فجاءه بقمح شامى، أو ذرة صفراء فجاءه عنها بذرة بيضاء، فحكى الشيخ أبو حامد وجهين، أحدهما
يلزم المسلم قبوله، وهذا الوجه يستند أصحابه إلى دلالة قول الشافعي رحمه الله
وأصل ما يلزم المسلف قبول ما سلف فيه هو أن يأتيه به من جنسه، وهذا قد أتى به من جنسه، ولانه قد أعطى من جنس حقه، وفيه زيادة لا تتميز، فأشبه ما لو أسلم في نوع ردئ فأعطاه من ذلك النوع جيدا، فانه يلزمه قبوله، ولانه يمكنه إكمال نصاب الزكاة به.
والوجه الثاني.
لا يلزمه قبوله، لانه لم يأت به على الصفة التى اشترط عليه فلا يلزمه قبوله، كما لو أتاه بجنس آخر، وهذا الوجه يقول أصحابه: إنه يجوز أن يقبله إن رضى بغير إلزام لانه من جنس حقه.
قال العمرانى في البيان: قال القاضى أبو الطيب: الوجهان في الجواز، فأما الوجوب فلا يجب عليه قبوله وجها واحدا، وهو اختيار الشيخ أبى إسحاق في المهذب، وإن أسلم إليه بذرة بيضاء فجاءه عنها بذرة حمراء فلا يلزمه قبولها وجها واحدا.
قال العمرانى: وهل يلزمه قبولها.
يحتمل أن يكون على وجهين اه.
قلت، وقوله - أعنى المصنف رحمه الله في الفصل - وان أسلم إلى محل الخ " قلت: ان أسلم إليه في شئ إلى محل فجاءه المسلم إليه به قبل المحل فامتنع المسلم من قبضه، فان كان المسلم فيه مما يلحقه التغير والتلف إلى وقت المحل، بأن كان لحما أو رطبا، أو من أنواع الفواكه الرطبة لم يلزم المسلم قبوله، لان له غرضا في تأخيره أن يحتاج إلى أكله أو اطعامه في ذلك الوقت، وكذلك إذا كان المسلم فيه حيوانا لم يلزمه قبوله قبل المحل لانه يخاف عليه التلف، ويحتاج إلى العلف إلى ذلك الوقت.
وان كان لا يخاف التغير ولا التلف ولكن يحتاج إلى مكان يحفظ فيه وكان يلزمه عليه مؤنة حفظه كالقمح والقطن لم يلزمه قبوله، لان عليه ضررا في المؤنة في حفظه إلى وقت المحل، فان كان يحتاج إلى مؤنة في حفظه كالحديد والنحاس
وغيرها من المعادن وكانت مغلفة محفوظة مأمونة يلزمه قبوله.
لانه لا ضرر عليه في قبوله، فان لم يقبله قبله الحاكم، لحديث أبى بكر بن حزم الذى رواه الاثرم
ورواية عثمان بن منصور عن عمر وعثمان، وحديث أبى سعيد المقبرى الذى رواه الدارقطني بنحو حديث أبى بكر بن حزم.
وان سأل المسلم المسلم إليه أن يقدم المسلم فيه قبل المحل لم يلزم المسلم إليه تقديمه، لان ذلك يبطل فائدة التأجيل.
فان قال السلم إليه: أنقصني من الدين حق أقدمه لك ففعل لم يصح القبض لانه بيع أجل والاجل لا يفرد بالبيع.
فان جاء المسلم إليه بالمسلم فيه بعد حلول الدين على صفته فامتنع المسلم من قبضه قال له الحاكم: اما أن تقبضه أو يبرأ المسلم إليه منه، وان كان غرض، وسواء كان للمسلم غرض في الامتناع أو لا غرض له، لان للمسلم إليه غرضا في الدفع، وهو أن يبرأ مما عليه من الحق، وقد حل الحق، فان لم يفعل المسلم ذلك قبضه الحاكم عنه، وبرئ المسلم إليه، لان الحاكم ينوب عن الممتنع، ولا يملك الحاكم الابراء لانه لا نظر للمسلم في الابراء عنه ولا حظ له في حفظ ماله عنده.
(فرع)
إذا تعين موضع التسليم باطلاق العقد أو بالشرط لانه إذا أطلق العقد تعين موضع التعاقد وإذا اشترط موضعا بعينه فقد تعين بالشرط فإذا جاءه به في غير ذلك الموضع لم يلزمه قبوله، ولم يجز له أخذ الاجرة، لان بدل العوض عن المسلم فيه لا يجوز، فكذلك في تسليمه في موضع.
وان جعله نائبا عنه في حمله إلى ذلك الموضع، لم يكن المسلم قابضا له بهذه النيابة، بل يفتقر إلى تسليمه في الموضع المعين أو في غيره إذا رضى المسلم بذلك.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل) وان أسلم إليه في طعام بالكيل أو اشْتَرَى مِنْهُ طَعَامًا بِالْكَيْلِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الطَّعَامَ من غير كيل لم يصح القبض، لان المستحق قبض بالكيل فلا يصح قبض بغير الكيل، فان كان المقبوض باقيا رده على البائع ليكيله له، وان تلف في يده قبل الكيل تلف من ضمانه، لانه قبض عن حقه، وان ادعى أنه كان دون حقه فالقول قوله، لان الاصل أنه لم يقبض الا ما ثبت باقراره، فان باع الجميع قبل الكيل لم يصح، لانه لا يتحقق أن الجميع له، وان باع منه القدر الذى
يتحقق أنه له ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح، وهو قول أبى إسحاق، لانه دخل في ضمانه فنفد بيعه فيه كما لو بالكيل
(وَالثَّانِي)
لَا يَصِحُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ ابن أبى هريرة، وهو المنصوص في الصرف، لانه باعه قبل وجود القبض المستحق بالعقد، فلم يصح بيعه كما لو باعه قبل أن يقبضه، فإن دفع إليه بالكيل ثم ادعى أنه دون حقه فان كان ما يدعيه قليلا قبل منه، وإن كان كثيرا لم يقبل لان القليل يبخس به، والاصل عدم القبض والكثير لا يبخس به فكان دعواه مخالفا للظاهر فلم يقبل.
(الشرح) إذا أسلم إليه في شئ كيلا فأعطاه إياه وزنا، أو أسلم فيه وزنا فأعطاه كيلا لم يصح القبض، لان الكيل والوزن يختلفان، لان الرزين الرصين الثقيل يقل كيله ويكثر وزنه، والخفيف يقل وزنه ويكثر كيله، وهذا ما اتفق عليه أئمتنا وأئمة المذاهب.
قال ابن قدامة في المغنى من الحنابلة: ولا يقبض المكيل إلا بالكيل، ولا الموزون إلا بالوزن، ولا يقبضه جزافا ولا بغير ما يقدر به، لان الكيل والوزن يختلفان، فإن قبضه بذلك فهو كقبضه جزافا، فيقدره بما أسلم فيه، ويأخذ قدر حقه ويرد الباقي، ويطالب بالعوض، وهل له أن يتصرف في قدر حقه منه قبل
أن يعتبره؟ على وجهين - مضى ذكرهما في بيوع الاعيان - وإن اختلفا في قدره فالقول قول القابض مع يمينه اه.
وقال الشافعي رضى الله عنه: لو أعطاه طعاما فصدقه في كيله لم يجز، فإن قبض فالقول قول القابض مع يمينه، وجملة ذلك أنه إذا كان له في ذمة رجل طعام أو اشترى منه عشرة أقفزة 1 من صبرة 2 بعينها، فسلم إليه من عليه الطعام طعاما من غير كيل، وأخبره بكيله فصدقه على كيله أو لم يصدقه لم يجز له
قبضه بغير كيل، لان المستحق عليه القبض بالكيل، فإذا قبض من غير كيل لم يصح القبض.
فإن كان الطعام باقيا رده على البائع ثم يكيله على المسلم، فان كان أكثر من حقه كانت الزيادة للمسلم إليه، فان تلف الطعام في يد القابض قبل أن يكال عليه، تلف من ضمانه، لانه قبضه لنفسه، فان اتفقا على قدره فلا كلام.
وان اختلفا في قدره، فادعى القابض أنه كان دون حقه، وادعى مالك الطعام أنه قدر حقه أو أكثر فالقول قول القابض مع يمينه، سواء ادعى نقصانا قليلا أو كثيرا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الصرف، لان الاصل عدم القبض وبقاء الحق فلا تبرأ ذمة من عليه الحق إلا من القدر الذى يقر به القابض، فان قيل: كيف سمعت دعوى القابض في النقصان، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي المسألة فيصدقه في كيله؟ قلنا: لم يرد الشافعي رحمه الله أنه اعترف بصحة الكيل، وإنما هو قبول
قول المخبر، وحمله قوله على الصدق، فإذا بان له خلافه سمعت دعواه.
قال الشيخ أبو حامد فيما نقله عنه العمرانى في البيان: إذا ثبت هذا: فانه يكون قبضا فاسدا، فان المسلم إذا قبضه وكان قدر حقه وزيادة عليه، فانه يملك قدر حقه بالقبض، وينتقل الضمان إليه، وتبرأ ذمة البائع عنه اه.
وهل يجوز للقابض التصرف فيه نظرت.
فان أراد أن يتصرف في الجميع لم يجز، لان للبائع فيه تعلقا، لانه ربما إذا كيل، خرج زيادة على قدر ما يستحق القابض، فلم يصح تصرفه في الجميع، فان أراد أن يبيع منه قدر ما يتحقق أنه له بأن باع نصف قفيز منه وله قفيز ففيه وجهان: الاول: قال أبو إسحاق: يصح، لان ذلك الشئ في ملكه وانتقل الضمان إليه.
ويعلم أنه قدر حقه فجاز بيعه فيه.
الثاني: قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يصح بيعه، وهو المنصوص في الصرف عند الشافعي في الام، لان العلقة باقية بينه وبين البائع فيه، لان ماله غير متميز عن مال البائع فلم يصح بيعه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
فان أحاله على رجل له عليه طعام لم يصح لان الحوالة بيع، وقد بينا في كتاب البيوع أنه لا يجوز بيع المسلم فيه قبل القبض.
وإن قال لى عند رجل طعام فاحضر معى حتى أكتاله لك فحضر واكتاله له لم يجز، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صاع البائع وصاع المشترى، وهذا لم يجز فيه الصاعان، وهل يصح قبض المسلم إليه لنفسه؟ فيه وجهان بناء على القولين فيمن باع دين المكاتب
فقبض منه المشترى، فإن قبض المشترى لنفسه لا يصح، وهل يصح القبض للسيد فيه قولان:
(أحدهما)
يصح لانه قبضه بإذنه فصار كما لو قبضه وكيله
(والثانى)
لا يصح لانه لم يأذن له في قبضه له، وإنما أذن له في قبضه لنفسه فلا يصير القبض له، ويخالف الوكيل فانه قبضه لموكله، فان قلنا ان قبضه لا يصح اكتال لنفسه مرة أخرى ثم يكيله للمسلم، وإن قلنا ان قبضه يصح كاله للمسلم، فان قال احضر معى حتى أكتاله لنفسي وتأخذه ففعل ذلك صح القبض للمسلم إليه لانه قبضه لنفسه قبضا صحيحا، ولا يصح للمسلم لانه دفعه إليه من غير كيل، وان اكتاله لنفسه وسلم إلى المسلم وهو في المكيال ففيه وجهان.
(أحدهما)
لا يصح لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، وهذا يقتضى كيلا بعد كيل، وذلك لم يوجد
(والثانى)
أنه يصح لان استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه، ولو ابتدأ بكيله جاز فكذلك إذا استدامه.
(الشرح) حديث جابر رواه ابن ماجه والدارقطني أما الاحكام فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولو أسلم في طعام وباع طعاما آخر فأحضر المشترى من اكتاله من بائعه وقال: أكتاله لك.
لم يجز، لانه بيع الطعام قبل القبض.
واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة، فمنهم من قال: صورتها أن يسلم
زيد إلى عمرو في طعام، فلما حل الاجل باع زيد الطعام الذى له في ذمه عمرو من خالد قبل قبضه، فان هذا لا يصح، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " ولان
بيع الطعام المشترى قبل القبض لا يصح، وان كان معينا، فبأن لا يصح فيه قبل القبض أولى.
قال وتعليله يدل عليه، لانه باع ذلك الطعام من آخر.
وقال أكثر أصحابنا: ما ذكره القائل صحيح في الفقه، ولكن ليس هذا صورة المسألة التى ذكرها الشافعي رضى الله عنه، وإنما صورتها لزيد طعام في ذمة عمرو سلم، وفى ذمة زيد لخالد طعام سلم.
فقال زيد لخالد: احضر اكتيال مالى عند عمرو لاكتاله لك فانه لا يصح، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صاع البائع وصاع المشترى " ولو كان الشافعي يريد على ذلك الطعام لقال: وباع ذلك الطعام آخر، ولانه قال بعدها، ولو قال أكتاله لنفسي وحده بالكيل لم يجز، ولو كان قد باعه لم يكن لحضوره واكتياله لنفسه معنى قالوا وأما تعليله فانما أراد أن هذا مثل بيع الطعام قبل القبض، لانه يقبضه قبل أن يضمنه بقبضه خالصا له، كما لا يجوز بيعه قبل قبضه.
إذا ثبت هذا ففيه خمس مسائل (الاولى) يقول زيد لخالد احضر معى حتى أكتاله لك، فاكتاله زيد لخالد من عمرو فلا يصح القبض لخالد وجها واحدا لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صاع البائع وصاع المشترى، وهذا لم يجر فيه الصاعان، ولانه لا يستحق على عمرو شيئا فلم يصح القبض له منه وهل يصح القبض لزيد من عمرو؟ فيه وجهان بناء على القولين في السيد إذا باع نجوم المكاتب وقلنا لا يصح البيع فقبض النجوم، فهل يعتق المكاتب؟ فيه قولان، فان قلنا يصح قبض زيد ما كاله لخالد مرة ثانية.
وان قلنا لا يصح قبض زيد لنفسه رد الطعام إلى عمرو ليكيله لزيد ثم يكيله زيد لخالد، فان اختلف
زيد وعمرو في المقبوض فالقول قول زيد مع يمينه، وانما يقبل قوله مع اليمين
إذا كان ما يدعيه محتمل، فأما إذا ادعى تفاوتا كثيرا لم يقبل قوله، لان هذا القدر لا يتفاوت كثيرا، وهكذا لو اختلف زيد وخالد فيما قبض خالد فالقول قول خالد مع يمينه، إذا كان ما يدعيه تفاوتا يسيرا.
وإن كان تفاوتا كثيرا لم يقبل قوله، لان مثل ذلك لا يتفاوت (المسألة الثانية) أن يقول زيد لخالد اذهب فاكتل لنفسك من عمرو ففعل، فإن قبض خالد لنفسه لا يصح وجها واحدا: لانه لا شئ له في ذمة عمرو وهل يصح قبض خالد من عمرو لزيد؟ على الوجهين طبقا لما ذكرناه في المسألة الاولى.
(المسألة الثالثة) أن يقول زيد لخالد أحضر معى حتى أكتال من عمرو لنفسي ثم يأخذ بذلك الكيل فحضرا فاكتاله زيد لنفسه ثم سلمه زيد إلى خالد جزافا من غير كيل صح قبض زيد لنفسه، لانه قبضه لنفسه قبضا صحيحا، ولا يصح قبض خالد من زيد لانه قبضه من غير كيل (المسألة الرابعة) إذا اكتاله زيد لنفسه من عمرو، ثم كاله زيد لخالد مرة ثانية صح القبضان، لان الطعام قد جرى فيه الصاعان (المسألة الخامسة) أن يكتاله زيد لنفسه من عمرو ثم يسلمه إلى خالد عما عليه له وهو في المكيال، فان قبض زيد لنفسه من عمرو صحيح، وهل يصح قبض خالد من زيد؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح لحديث جابر " حتى يجرى فيه الصاعان " وهذا يقتضى كيلا بعد كيل
(والثانى)
يصح لان استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه، بدليل أنه لو أسلم إليه بذهب طعاما، فابتدأ المسلم إليه وكاله للسلم صح، ولو كان الطعام في الذهب عند السلم فسلمه إليه صح، فكذلك ها هنا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (فصل) وان دفع المسلم إليه إلى المسلم دراهم وقال اشتر لى بها مثل مالك على واقبضه لنفسك ففعل لم يصح قبضه لنفسه، وهل يصح للمسلم إليه على الوجهين المبنيين على القولين في دين المكاتب، فان قال اشتر لى واقبضه لى ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ صَحَّ الشِّرَاءُ وَالْقَبْضُ للمسلم إليه ولا يصح قبضه لنفسه لانه لا يجوز أن يكون وكيلا لغيره في قبض حق نفسه
(الشرح) الاحكام: لو كان لزيد في ذمة عمرو طعام من سلم فدفع عمرو إلى زيد دراهم وقال اشتر بها لنفسك طعاما مثل الطعام الذى لك على ففعل لم يجز، لان الدراهم ملك لعمرو فلا يجوز أن تكون.
عوضا.
ملكا لزيد، فإن اشترى الطعام بقيمة الدراهم لم يصح الشراء، وان اشترى زيد الطعام بدراهم في ذمته ثم سلم تلك الدراهم عما في ذمته صح الشراء لنفسه ولا تبرأ ذمته بتسليم تلك الدراهم لانه لا يملكها وعليه ضمانها.
وإن قال عمرو لزيد اشتر بها لى طعاما واقبضه لنفسك فإن الشراء يصح لعمرو لانه اشتراه له، ولا يصح القبض لزيد لانه لا يصح أن يكون قابضا لنفسه.
من نفسه.
وهل يصح القبض لعمرو؟ فيه وجهان كالوجهين في المسألة قبلها.
(فرع)
وان كان لزيد في ذمة عمرو طعام من جهة القرض، ولخالد في ذمة زيد طعام من جهة السلم، وأحال زيد خالدا بالطعام الذى له عليه على عمرو لم تصح الحوالة، لان خالدا ببيع طعامه الذى له على زيد من السلم بالطعام الذى لزيد من جهة القرض، وقد بينا أن بيع المسلم فيه قبل القبض لا يصح، فالفساد ها هنا من جهة خالد، فإن كان الطعامان من جهة القرض، فهل تصح الحوالة بهما فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد
(أحدهما)
يصح.
وهو الصحيح.
لان بيع
العوض قبل القبض يصح، وكل واحد قرض، وكل واحد منهما مستقر في الذمة فجاز أن يعتاض من ذمة إلى ذمة بخلاف السلم، والباقى لا يصح لان الحوالة لو صحت في الطعام إذا كان من جهة القرض لصحت.
وان كانت من جهة البيع كالدراهم والدنانير لما جازت الحوالة بهما، إذا كانا من جهة القرض جازت أيضا إذا كانا من جهة البيع، فلما لم تجز الحوالة بالطعام إذا كان من جهة البيع إذا كان من جهة القرض (فرع)
ولا تجوز التولية والشركة في المسلم فيه قبل القبض، والشركة أن يقول لغيره أشركتك في النصف المسلم فيه بنصف الثمن، فيكون ذلك بيعا لنصف المسلم فيه.
والتولية أن يقول " وليتك بجميع الثمن أو وليتك نصفه بنصف الثمن "
(فرع)
ذكر الشافعي في الصرف أربع مسائل: الاولى: لو كان في ذمة رجل لغيره طعام، فسأل من عليه الطعام من له الطعام أن يبيعه طعاما بشرط أن يقبض ماله عليه منه فباعه منه بهذا الشرط، فالبيع باطل، لان هذا تبايع بمقتضى العبد فأبطله.
الثانية: إذا اشترى منه طعاما مطلقا وسها أن يقبضه منه صح البيع لانه بيع مطلق.
الثالثة: أن يقول من له الطعام لمن عليه: اقض مالى عليك على أن أبيعك فقضاه صح، لان هذا قبض مستحق عليه، فإذا قضاه وقع عن المقبوض والقابض بالخيار، بين أن يبيعه منه أو لا يبيعه، لان هذا وعد وعده، فكان بالخيار في الوفاء به.
الرابعة: أن يقول من له الطعام: اقضنى أكثر مما أستحقه، أو أجود منه بشرط أن أبيعه منك فقضاه كذلك لم يصح القبض، لان هذا مستحق عليه فكان
قبضا فاسدا، فيجب عليه أن يرد الزيادة، وإن قضاه من غير جنس حقه رده وأخذ قدر حقه من جنسه، ثم إن شاء باعه منه، وإن شاء لم يبعه والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
إذا قبض المسلم فيه ووجد به عيبا فله أن يرده لان اطلاق العقد يقتضى مبيعا سليما فلا يلزمه قبول المعيب فان رد ثبت له المطالبة بالسليم لانه أخذ المعيب عما في الذمة فإذا رده رجع إلى ماله في الذمة وإن حدث عنده عيب رجع بالارش لانه لا يمكنه رده ناقصا عما أخذ ولا يمكن اجباره على أخذه مع العيب فوجب الارش.
(الشرح) الاحكام: إذا قبض المسلم المسلم فيه فوجد به عيبا فهو بالخيار بين أن يرضى به معيبا وبين أن يرده ويطالب بالمسلم فيه سليما، لان إطلاق العقد يقتضى التسليم، فإذا أخذ المعيب ورده رجع إلى الذى في ذمة المسلم إليه، وإن حدث عند المسلم بالمقبوض عيب آخر فله أن يطالب بأرش العيب الموجود قبل القبض إلا أن يرضى المسلم إليه بأخذه معيبا فلا يثبت للمسلم المطالبة بالارش وقال أبو حنيفة رحمه الله: ليس للمسلم المطالبة بالارش لان رجوعه بالارش
أخذ عوض عن الجزء الفائت، وبيع المسلم فيه لا يجوز، دليلنا أنه عوض يجوز رده بالعيب فإذا سقط الرد لحدوث عيب ثبت له الرجوع بالارش كبيع الاعيان وأما قوله: إن الرجوع بالارش أخذ عوض عن الجزء الفائت، وبيع المسلم فيه لا يجوز مثل القبض فغير صحيح، لان بيع المبيع المعين قبل القبض لا يصح، وقد جاز أخذ الارش عنه، ولان ذلك فسخ العقد في الجزء الفائت، وليس ببيع، ولهذا يكون بحسب الثمن المسمى في العقد.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
فان أسلم في ثمرة فانقطعت في محلها أو غاب المسلم إليه فلم يظهر حتى نفدت الثمرة ففيه قولان
(أحدهما)
أن العقد ينفسخ لان المعقود عليه ثمرة هذا العام وقد هلكت فانفسخ العقد كما لو اشترى قفيزا من صبرة فهلكت الصبرة
(والثانى)
أنه لا ينفسخ لكنه بالخيار بين أن يفسخ وبين أن يصبر إلى أن توجد الثمرة فيأخذ لان المعقود عليه ما في الذمة لا ثمرة هذا العام، والدليل عليه أنه لو أسلم إليه في ثمرة عامين فقدم في العام الاول ما يجب له في العام الثاني جاز وما في الذمة لم يتلف وإنما تأخر فثبت له الخيار كما لو اشترى عبدا فأبق.
(الشرح) الاحكام: إذا سلم في شئ مؤجل إلى وقت: الغالب فيه وجود المسلم فيه في ذلك الوقت فجاء ذلك الوقت ولم يوجد ذلك الشئ كالثمرة إذا انقطعت أو تعذر القبض حتى نفد ذلك الشئ المسلم فيه، ففيه قولان، أحدهما ينفسخ السلم، لان المعقود عليه قد تعذر تسليمه فانفسخ العقد كما لو اشترى منه قفيزا من صبرة فتلفت الصبرة قبل القبض، ولانه لو أسلم إليه في ثمرة بلد معين كبغداد أو أسيوط صح السلم، ولم يكن للمسلم إليه أن يدفع إليه من ثمرة غير أسيوط أو بغداد، فكذلك إذا أسلم إليه في ثمرة عام يكن له أن يدفع إليه من ثمرة غير ذلك العام.
والقول الثاني لا ينفسخ السلم ولكن يثبت للمسلم الخيار بين أن يفسخ العقد وبين أن لا يفسخ ويصبر إلى أن يوجد المسلم فيه، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وهو الصحيح،
لان المعقود عليه في الذمة لم يتلف، بدليل أنه لو أسلم إليه في الرطب من ثمرة عامين فقدم المسلم إليه في العام الاول ما يجب فيه، وفى العام الثاني جاز، وإن انقطع بعض المسلم فيه ووجد البعض، فان قلنا: السلم ينفسخ إذا عدم جميع المسلم فيه انفسخ السلم ها هنا في قدر المفقود من المسلم فيه، وهل ينفسخ في الموجود منه
فيه طريقان كما قلنا فيمن اشترى بقرتين فتلفت إحداهما قبل القبض، من أصحابنا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لا ينفسخ قولا واحدا.
فإذا قلنا: ينفسخ فلا كلام، وإذا قلنا: لا ينفسخ ثبت للمسلم الخيار في الفسخ، لان الصفقة تفرقت عليه، فان فسخ فلا كلام، وإن لم يفسخ أخذ الموجود، وهل يأخذه بجميع الثمن أو بحصته؟ فيه قولان حكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ.
قلت: وعلى قياس ما ذكره المصنف أنه يأخذه بحصته من الثمن وهو رأس مال السلم قولا واحدا، فإذا قلنا: يأخذه بحصته فهل للمسلم إليه الخيار؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.
وإن قلنا: ان المسلم فيه إذا انقطع جميعه لا ينفسخ، بل يثبت للمسلم الخيار، ثبت له أيضا ها هنا الخيار ليأخذ بعض حقه، فان اختار فسخ السلم في المفقود والموجود جاز ليفرق حقه عليه، وان اختار أن يفسخ السلم في المفقود ويقره في الموجود فهل له ذلك؟ فيه قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فان قلنا: يجوز فسخ السلم في المفقود، فبكم يأخذ الموجود؟ فعلى ما مضى من قولنا حكاية عن الشيخ أبى حامد وابن الصباغ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(فصل)
يجوز فسخ عقد السلم بالاقالة لان الحق لهما فجاز لهما الرضا باسقاطه فإذا فسخا أو انفسخ بانقطاع الثمرة في أحد القولين أو بالفسخ في القول الآخر رجع المسلم إلى رأس المال فان كان باقيا وجب رده وان كان تالفا ثبت بدله في ذمة المسلم إليه، فان أراد أن يسلمه في شئ آخر لم يجز لانه بيع دين بدين وان أراد أن يشترى به عينا نظرت فان كان تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالدنانير والحنطة بالشعير لم يجز أن يتفرقا قبل القبض كما لو أراد أن
يبيع أحدهما بالآخر عينا بعين وإن لم تجمعهما علة واحدة في الربا كالدراهم بالحنطة والثوب بالثوب ففيه وجهان
(أحدهما)
يجوز أن يتفرقا من غير قبض كما يجوز إذا باع أحدهما بالآخر عينا بعين ان يتفرقا من غير قبض
(والثانى)
لا يجوز، لان المبيع في الذمة فلا يجوز أن يتفرقا قبل قبض عوضه كالمسلم فيه، والله تعالى أعلم.
(الشرح) الاحكام: الاقالة فسخ وليست ببيع على المشهور من المذهب سواء كان قبل القبض وبعده، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله لانه يقول: هي بيع في حق غير المتعاقدين، فتثبت بها الشفعة، وقال أبو يوسف رحمه الله: إن كان قبل القبض فهى فسخ، وإن كان بعد القبض فهى بيع، وقال مالك رحمه الله: هي بيع بكل حال.
وحكى القاضى أبو الطيب أنه قول قديم للشافعي رحمه الله، وأما أبو حامد فحكاه وجها لبعض أصحابنا.
دليلنا أن المبيع عاد إلى البائع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا كالرد بالعيب.
إذا ثبت هذا: فإن سلم رجل إلى غيره شيئا في شئ ثم تقايلا في عقد السلم صح، وقد وافقنا مالك رحمه الله على ذلك وهذا من أوضح دليل على أن الاقالة فسخ، لانها لو كانت بيعا لما صح في المسلم فيه قبل القبض، كما لا يصح بيعه، وإن أقاله في بعض المسلم فيه صح في القدر الذى أقاله.
وقال ابن أبى ليلى.
يكون إقالة في الجميع.
وقال ربيعة ومالك لا يصح.
دليلنا أن الاقالة مندوب إليها بدليل قوله صلى الله عليه وسلم " من أقال نادما في بيع أقاله الله نفسه يوم القيامة " وما جاز في جميع المبيع جاز في بعضه كالابراء والانظار، وان أقاله بأكثر من الثمن أو بأقل منه إلى جنس آخر لم تصح الاقالة.
وقال أبو حنيفة تصح الاقالة، ويجب رد الثمن المسمى في العقد، دليلنا أن المسلم
والمشترى لم يسقط حقه من المبيع الا بشرط العوض الذى شرطه، فإذا لم يصح له العوض لم تصح له الاقالة، كما لو اشترى منه داره بألف بشرط العوض الذى شرطه، فإذا لم يصح له العوض لم تصح له الاقالة، كما لو اشترى منه داره بألف بشرط أن يبيعه سيارته بألف.
(فرع)
وإن ضمن ضامن عن المسلم إليه المسلم فيه ثم ان الضامن صالح المسلم عما في ذمة المسلم إليه بمثل رأس مال السلم يصح الصلح، ولان الضامن لا يملك المسلم فيه فيعوض عنه، فأما إذا أكد المسلم إليه بمثل رأس مال السلم، قال أبو العباس صح الصلح وكان إقالة، لان الاقالة هو أن يشترى ما دفع ويعطى ما أخذ.
وهذا مثله (فرع)
وإذا انفسخ عقد السلم بالفسخ أو لانفساخ سقط المسلم فيه عن ذمة المسلم إليه، ورجع المسلم إلى رأس مال السلم، فإن كان باقيا أخذه، وإن كان تالفا رجع إلى مثله إن كان له مثل، وإن كان لا مثل له رجع إلى قيمته، وان أراد أن يسلم في شئ آخر لم يجز لانه بيع دين بدين.
وإن أراد أن يأخذ ما هو من جنسه جاز أن يأخذ مثله، ولم يجز أن يأخذ أكثر منه ولا أقل منه، ولا يصح أن يتفرقا قبل قبضه، وإن أراد أن يأخذ عنه من غير جنسه إلا أنه لا يصح أن يتفرقا قبل قبضه كما قلنا في البيع، وإن أراد أن يأخذ منه عوضا ليس من أموال الربا، كالثياب والدواب، أو كان رأس المال من غير أموال الربا صح ذلك أيضا وهل يشترط فيه القبض قبل التفرق؟ فيه وجهان أحدهما: أنه يشترط ذلك، فلا يفترقان والعوض المعوض في ضمان واحد والثانى لا يشترط ذلك، كما لو اشترى أحدهما بالآخر، وإن اختلفا في قدر
رأس مال السلم فالقول قول المسلم إليه مع يمينه، لان الاصل براءة ذمته مما زاد على ما أقر به، وإن اختلفا في قدر المسلم فيه أو الاجل أو في قدره تحالفا، وان اتفقا على الاجل واختلفا في انقضائه وادعى المسلم انقضاء الاجل، وادعى المسلم إليه بقاءه فالقول قول المسلم إليه مع يمينه لان الاصل بقاؤه.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
- ﴿باب القرض﴾
- القرض قربة مندوب إليه لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال " من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " وعن أبى الدرداء رضى الله عنه أنه قال " لان أقرض دينارين ثم يردا ثم أقرضهما أحب إلى من أن أتصدق بهما " وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما أنهما قالا " قرض مرتين خير من صدقة مرة "
(فصل)
ولا يصح الا من جائز التصرف لانه عقد على المال فلا يصح إلا من جائز التصرف كالبيع ولا ينعقد الا بالايجاب والقبول لانه تمليك آدمى فلم يصح من غير إيجاب وقبول كالبيع والهبة، بلفظ القرض والسلف لان الشرع ورد بهما، ويصح بما يؤدى معناه، وهو أن يقول ملكتك هذا على أن ترد على بدله.
فإن قال ملكتك ولم يذكر البدل كان هبة، فإن اختلفا فيه فالقول قول الموهوب له لان الظاهر معه، فإن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر وان قال أقرضتك ألفا وقبل وتفرقا ثم دفع إليه ألفا، فان لم يطل الفصل جاز لان الظاهر أنه قصد الايجاب، وان طال الفصل لم يجز حتى يعيد لفظ القرض
لانه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل.
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رواه مسلم بلفظ " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.
ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة.
وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عون أخيه.
ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة.
وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه " وفى حديث طويل عن ابن عمر رضى الله عنه " ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة.
ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة "
رواه البخاري ومسلم، والاثر عن أبى الدرداء في مسند أحمد.
وأما ما روى عن ابن مسعود فقد جاء مرفوعا وموقوفا بلفظ " ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة " المرفوع رواه ابن ماجه.
وفى إسناده سليمان بن بشير وهو متروك.
وقال الدارقطني " الصواب أنه موقوف على ابن مسعود " وأما حديث أنس فقد أخرجه ابن ماجه مرفوعا وفيه " الصدقة بعشرة أمثالها والقرض بثمانية عشر " وفى إسناده خالد بن يزيد بن عبد الرحمن الشامي.
قال النسائي " ليس بثقة " وهو باب من أبواب البر لقوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى " وقد كان القرض خيرا من الصدقة لانها قد تدفع إلى من هو غنى عنها، أما القرض
فلا يسأله إنسان إلا وهو يحتاج إليه.
أما اللغات، فالقرض القطع والقرض في المكان العدول عنه، ومنه قوله " وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، وقرضت الوادي جزته، وقرض فلان مات، وقرضت الشعر نظمته.
قال ابن دريد " وليس في الكلام يقرض على وزن ينصر البتة.
وإنما الكلام على وزن يضرب، والقرض ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه، والجمع قروض، واستقرض طلب القرض واقترض أخذه.
ولانه قطع له من ماله قطعة.
أما الاحكام، فإن القرض مندوب إليه، يعنى مأمور به من غير إيجاب.
ولا يصح القرض الا من جائز التصرف في المال، لانه عقد على المال فلا يصح الا من جائز التصرف فيه كالبيع.
ولا يصح الا بالايجاب والقبول، لانه تمليك آدمى فافتقر إلى الايجاب والقبول كالبيع والهبة.
وفيه احتراز من العتق، وينعقد بلفظ القرض والسلف لانه قد ثبت له عرف الاستعمال، ويمكن انعقاده بما يؤدى معنى ذلك.
فإن قال ملكتك هذا على أن ترد إلى بدله كان قرضا.
وان قال ملكتك هذا ولم يذكر البدل فهو هبة، وان اختلفا فيه فالقول قول الموهوب له لان الظاهر معه، ولان التمليك من غير عوض هبة.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
إذا امتنع الراهن من تسليم الرهن، أو انفسخ العقد قبل القبض نظرت، فان كان الرهن غير مشروط في العقد على البيع، بقى الدين بغير رهن، وإن كان الرهن مشروطا في البيع ثبت للبائع الخيار، بين أن يمضى البيع من غير رهن أو يفسخه، لانه دخل في البيع بشرط أن يكون له بالثمن وثيقة، ولم تسلم له، فيثبت له الخيار بين الفسخ والامضاء.
(الشرح) الاحكام: إذا امتنع الراهن من الاقباض أو انفسخ عقد الرهن قبل القبض نظرت، فان كان الرهن غير مشروط في العقد بقى الدين بغير رهن، ولا خيار للمرتهن، وإن كان الرهن مشروطا في بيع ثبت للبائع الخيار بين فسخ البيع وبين إمضائه، لانه دخل في البيع بشرط الوثيقة ولم تسلم له الوثيقة، فثبت له الخيار.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
إذا أقبض الراهن الرهن تلزم العقد من جهته، ولا يملك فسخه لانه عقد وثيقة، فإذا تم لم يجز فسخه من غير رضا من له الحق كالضمان، ولانا لو جوزنا له الفسخ من غير رضا المرتهن بطلت الوثيقة، وسقط فائدة الرهن.
(الشرح) الاحكام: إذا قبض الراهن الرهن لزم من جهته فلم يملك فسخه قال ابن الصباغ: وهو اجماع لا خلاف فيه، ولانه يراد للوثيقة فلو جاز له الفسخ لم يحصل بذلك وثيقة، وإذا قبض الرهن فانه يكون وثيقة بالدين وبكل جزء منه فإذا رهنه عينين بألف وقبضهما المرتهن ثم تلفت احداهما كان الباقي رهنا بجميع الالف، وبه قال أبو حنيفة فيما روى عنه في الاصول، وروى عنه في الزيادات أن الدين يتقسط على الرهن.
وروى عن أحمد أن العقد ينفسخ في التالفة إذا كان قبل القبض ويبقى في الباقية لان العقد كان صحيحا فيهما وانما طرأ انفساخ العقد في احداهما فلم يؤثر، كما لو اشترى شيئين ثم رد أحدهما بعيب أو خيار أو اقالة، والراهن مخير بين
يراد للفسخ وكل واحد منهما يملك فسخ القرض متى شاء، فلا معنى لاثبات الخيار ولو أقرضه شيئا إلى أصل ما يلزم الاجل وكان حالا، وهكذا لو كان له عنده له ثمن حال فأجله، أو كان مؤجلا فزاد في أجله لم يلزم ذلك
وقال مالك يدخل الاجل في ابتداء القرض بأن مقبوضه إلى أجل، ويدخل في انتهائه بأن يقرضه حالا ثم يؤجله له فيتأجل.
ووافقنا أبو حنيفة أن الاجل لا يدخل في القرض.
وأما الثمن الحال فيتأجل بالتأجيل دليلنا على مالك رحمه الله تعالى أن الاجل يقتضى جزءا من القرض، والقرض لا يحتمل الزيادة والنقصان في عوضه فلم يجز شرط الاجل فيه وأما الدليل على أبى حنيفة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل " وتأجيل الحال ليس في كتاب الله تعالى فكان باطلا، ولانه حق مستقر فلم يتأجل بالتأجيل كالقرض وقولنا " مستقر " احتراز من الثمن في مدة الخيار، ولانه إنظار تبرع فلم يلزمه، كالمرأة إذا وجدت زوجها عنينا فأجلته ثم رجعت من ذلك، فإن لها ذلك وقال أصحاب أحمد لا يجوز له الرجوع لان العقد لازم في حق المقرض جائز في حق المقترض، فلو أراد المقرض الرجوع في عين ماله لم يملك ذلك.
وقال الشافعي رحمه الله، له ذلك، لان كل ما يملك المطالبة بمثله ملك أخذه إذا كان موجودا كالمغصوب والعارية.
(فرع)
يجوز شرط الرهن في القرض، لان النبي صلى الله عليه وسلم " رهن درعا عند يهودى بالمدينة وأخذ منه شعيرا لاهله " ولحديث عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اشْتَرَى طعاما من يهودى إلى أجل ورهنه درعا من حديد " وفى رواية " توفى ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير " أخرجهما البخاري ومسلم: ولاحمد والنسائي وابن ماجه مثله من حديث ابن عباس قال ابن تيمية أبو البركات " وفيه من الفقه جواز الرهن في الحضر ومعاملة أهل الذمة " وسيأتى تفصيل ذلك في الرهن
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
وفى الوقت الذى يملك فيه وجهان
(أحدهما)
أنه يملكه بالقبض لانه عقد يقف التصرف فيه على القبض فوقف الملك فيه على القبض كالهبة فعلى هذا إذا كان القرض حيوانا فنفقته بعد القبض على المستقرض فان اقترض أباه وقبضه عتق عليه
(والثانى)
أنه لا يملكه إلا بالتصرف بالبيع والهبة والاتلاف لانه لو ملك قبل التصرف لما جاز للمقرض أن يرجع فيه بغير رضاه، فعلى هذا تكون نفقته على المقرض فان اقترض أباه لم يعتق عليه قبل أن يتصرف فيه، واختلف أصحابنا فيمن قدم طعاما إلى رجل ليأكله على أربعة أوجه (أحدها) أنه يملكه بالاخذ
(والثانى)
أنه يملكه بتركه في الفم (والثالث) أنه يملكه بالبلع (والرابع) أنه لا يملكه بل يأكله على ملك صاحب الطعام.
(الشرح) الاحكام: متى يملك المستقرض العين التى استقرضها؟ فيه وجهان من أصحابنا من قال: لا يملكها إلا بالتصرف بالبيع أو الهبة أو يتلفها أو تتلف في يده، لان المقرض له أن يرجع في العين ولان المستقرض له أن يردها، ولو ملكها المستقرض بالقبض لم يملك واحد منهما فسخ ذلك فعلى هذا إن استقرض حيوانا كانت نفقته على المقرض إلى أن يتلفه المستقرض.
قوله: فان اقترض أباه.
قال أحمد: أكره قرضهم، وقال ابن قدامة يحتمل كراهية تنزيه، ويصح قرضهم، وهو قول ابن جريج والمزنى لانه مال يثبت في الذمة سلما فصح قرضه كسائر الحيوان، ويحتمل أن أراد كراهة التحريم، فلا يصح قرضهم، اختاره القاضى، ويصح قرض العبيد دون الاماء، وهو قول مالك والشافعي إلا أن يقرضهن من ذوى محارمهن، لان الملك بالقرض ضعيف وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله.
ومنهم من قال: يملكها المستقرض بالقبض.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لانه بالقبض يملك التصرف فيها في جميع الوجوه، فلو لم يملكها بالقبض لما ملك التصرف فيها بما فيه حظ، وبما لا حظ فيها.
وأما الرجوع في العين المقترضة، فلا خلاف بين أصحابنا أن للمستقرض أن يردها على المقرض، أما المقرض فهل له أن يرجع فيها وهى في يد المستقرض؟ فإن قلنا إن المستقرض لا يملكها إلا بالتصرف فللمقرض أن يرجع فيها، ومنهم من قال للمقرض أن يرجع فيها بكل حال، وهو المنصوص عليه في الام.
ولا يكون جواز رجوع المقرض فيها مانعا من ثبوت الملك للمستقرض فيها قبل التصرف، ألا ترى أن الاب إذا وهب لابنه هبة وأقبضه اياها فإن الابن قد ملكها، وللاب أن يرجع فيها، وكذلك إذا اشترى سلعة بسلعة ثم وجد كل واحد منهما بما صار إليه عيبا، فإن لكل واحد منهما أن يرجع في سلعته، وان كانت ملكا للآخر، ويبطل بما لو تصرف هذا المستقرض بالعيب المستقرض ثم رجعت إليه، فإن للمقرض أن يرجع فيها، ولا يدل ذلك على أن المستقرض لم يكن مالكا للعين وقت التصرف فيها، فعلى هذا إذا اقترض حيوانا وقبضه كانت نفقته على المستقرض، وان اقترض وقبضه عتق عليه.
(فرع)
واختلف أصحابنا فيمن قدم إلى غيره طعاما، وأباح له أكله حتى يملكه المقدم إليه، فمنهم من قال.
يملكه بالتناول، فإذا أخذ لقمة بيده ملكها، كما إذا وهبه شيئا وأقبضه اياه، فعلى هذا لو أراد أن المقدم أن يسترجعها منه بعد أن يأخذها بيده لم يكن له ذلك.
ومنهم من قال: يملكه بتركه في الفم، فعلى هذا للمقدم أن يرجع فيه ما لم يتركه المقدم إليه في فمه.
ومنهم من قال لا يملكه الا بالبلع.
والرابع الذى حكاه المصنف أنه لا يملكه بالاكل، بل بأكله وهو على ملك صاحبه، فإذا قلنا ان المقدم إليه ملكه بأخذه باليد أو بتركه في الفم، فهل له أن يبيح لغيره أو يتصرف فيه بغير ذلك فيه وجهان، قال عامة أصحابنا لا يجوز له ذلك، لانه أباح له انتفاعا مخصوصا، فهل يجوز له أن ينتفع به بغيره كما لو أعاره ثوبا لم يكن له أن يعيره.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: له أن يفعل به ما شاء من وجوه
التصرفات مثل البيع والهبة لغيره، لانه ملكه، فهو كما لو وهبه شيئا وأقبضه اياه قال ابن الصباغ، وهذا الذى قالاه لا يجئ على أصولهما، لان من شرط الهبة عندهما الايجاب والقبول والاذن بالقبض إلا أن يتضمنها لقوله، ولم يوجد ذلك ها هنا، ولان الاذن بالتناول انما تضمن إباحة الاكل فلا يصح أن يحصل به الملك، ولو كان ذلك صحيحا لجاز له تناول جميع الذى قدم إليه، ويتصرف به إلى بيته، وكذلك إذا قلنا بتركه في فمه فانه لم يحصل الاكل المأذون فيه، وإنما يملكه بالبلع.
قال: وعندي أن بالبلع يبطل معنى الملك فيه، ويصير كالتالف.
قال: والاوجه في ذلك أن يكون إذنا في الاتلاف لا تمليك فيه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
ويجوز قرض كل مال يملك بالبيع ويضبط بالوصف لانه عقد تمليك يثبت العوض فيه في الذمة فجاز فيما يملك ويضبط بالوصف كالسلم، فأما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر وغيرها ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز لان القرض يقتضى رد المثل ومالا يضبط بالوصف لا مثل له
(والثانى)
يجوز لان مالا مثل له يضمنه المستقرض بالقيمة والجواهر كغيرها في القيمة ولا يجوز إلا في مال معلوم القدر فان أقرضه دراهم لا يعرف وزنها أو طعاما لا يعرف كيله
لم يجز لان القرض يقتضى رد المثل فإذا لم يعلم القدر لم يمكن القضاء.
(الشرح) الاحكام: يصح القرض في كل عين يصح بيعها وتضبط صفتها كما قلنا في السلم، وأما ما لا يضبط بالصفة كالجواهر وما عملت فيه النار، فهل يصح قرضها؟ فيه وجهان بناء على الوجهين فيما يجب رده بالقرض فيما لا مثل له فان قلنا: يجب رد القيمة جاز قرض هذه الاشياء، وان قلنا: يجب رد المثل فيها لم يجز قرضها ويأتى توجيههما في رد المثليات.
(فرع)
قال الصيمري: ولا يجوز قرض الدراهم المزيفة، ولا الزرنيخية ولا المحمول عليها، ولو تعامل بها الناس، فلو أقرضه دراهم أو دنانير ثم حرمت لم يكن له الا ما أقرض، وقيل: قيمتها يوم حرمت، ولا يصح القرض الا في
مال معلوم، فان أقرضه دراهم غير معلومة الوزن أو طعاما غير معلوم الكيل لم يصح، لانه إذا لم يعلم قدر ذلك لم يمكنه القضاء.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجوز استقراض الجارية لمن لا يحل له وطؤها ولا يجوز لمن يملك وطأها.
وقال المزني رحمه الله يجوز لانه عقد يملك به المال فجاز أن يملك به من يحل له وطؤها كالبيع والهبة والمنصوص هو الاول لانه عقد ارفاق جائز من الطرفين فلا يستباح به الوطئ كالعارية ويخالف البيع والهبة فان الملك فيهما تام لانه لو أراد كل واحد منهما أن ينفرد بالفسخ لم يملك والملك في القرض غير تام لانه يجوز لكل واحد منهما ان ينفرد بالفسخ فلو جوزنا فيمن يحل له وطؤها أدى إلى الوطئ في ملك غير تام وذلك لا يجوز وان أسلم جارية في جارية فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجُوزُ لانا لا نأمن أن يطأها ثم يردها عن التى تستحق عليه فيصير كمن اقترض جارية فوطئها ثم ردها.
ومن أصحابنا من قال.
يجوز وهو
المذهب لان كل عقد صح في العبد بالعبد صح في الجارية بالجارية كالبيع.
(الشرح) الاحكام: يجوز قرض غير الجوارى من الحيوان فالعبيد والانعام وغيرهما مما يصح بيعها ويضبط وصفها، وقال أبو حنيفة لا يصح قرضها وبنى ذلك على أصله أن السلم فيها لا يصح.
دليلنا ما روى أبو رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " استسلف من أعرابي بكرا فأمرني أن أقضيه فقلت: لم أجد في الابل الا جملا خيارا رباعيا فقال اقضه، فإن خير الناس أحسنهم قضاء رواه الجماعة إلا البخاري، ولان ما صح أن ثبت في الذمة مهرا صح أن يثبت فيها قرضا كالثياب.
وأما استقراض الجوارى فيجوز ذلك لم لا يحل له وطؤها بنسب أو رضاع أو مصاهرة كغيرها من الحيوان، ولا يجوز لمن يحل له وطؤها.
وقال المزني وابن داود وابن جرير الطبري يجوز.
وحكى الطبري عن بعض أصحابنا الخراسانيين أنه يجوز قرضها ولا يحل للمستقرض وطؤها.
دليلنا أنه عقد ارفاق لا يلزم كل واحد من المتعاقدين فلم يملك به الاستمتاع كالعارية، فقولنا عقد ارفاق احتراز من البيع إذا اشترى جارية بجارية ووجد كل واحد بما صار إليه عيبا فان لكل واحد منهما أن يطأ جاريته وليس بعقد ارفاق، ولا ينتقض بالرجل إذا وهب لابنه جارية، لان الهبة تلزم جهة الموهوب، ولا تلزم جهة الواهب، ويقول ابن قدامة من الحنابلة وانا أنه عقد ناقل للملك فاستوى فيه العبيد والاماء كسائر العقود ولا نسلم ضعف الملك، فانه مطلق لسائر التصرفات بخلاف الملك في مدة الخيار.
وقولهم متى شاء المقترض ردها، ممنوع.
فاننا إذا قلنا الواجب رد القيمة لم يملك المقترض رد الامة، وانما يرد قيمتها، وان سلمنا ذلك لكن متى قصد المقترض
هذا لم يحل له فعله، ولا يصح اقتراضه كما لو اشترى أمة ليطأها ثم يردها بالمقايلة أو بعيب فيها وان وقع هذا بحكم الاتفاق لم يمنع الصحة كما لو وقع ذلك في البيع اه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز قرض جر منفعة مثل أن يقرضه ألفا على أن يبيعه داره أو على أن يرد عليه أجود منه أو أكثر منه أو على أن يكتب له بها سفتجة يربح فيها خطر الطريق، والدليل عليه ما رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن سلف وبيع والسلف هو القرض في لغة أهل الحجاز، وروى عن أبى بن كعب وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ولانه عقد ارفاق فإذا شرط فيه منفعة خرج عن موضوعه فان شرط أن يرد عليه دون ما أقرضه ففيه وجهان.
(أحدهما) لا يجوز، لان مقتضى القرض رد المثل فإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافى مقتضاه فلم يجز كما لو شرط الزيادة (والثانى) يجوز، لان القرض جعل رفقا بالمستقرض وشرط الزيادة يخرج به عن موضوعه فلم يجز وشرط النقصان لا يخرج به عن موضوعه فجاز فان بدأ المستقرض فزاده أورد عليه ما هو أجود منه أو كتب له سفتجة أو باع منه داره جاز لما روى أبو رافع رضى الله عنه قال استسلف رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ رجل بكرا فجاءته
إبل الصدقة فأمرني أن أقضى الرجل بكرا، فقلت لم أجد في الابل إلا جملا خيارا رباعيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعطه " فإن خياركم أحسنكم قضاء " وروى جَابِرِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ لى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق فقضاني وزادني، فإن عرف لرجل عادة أنه إذا استقرض زاد في العوض، ففى إقراضه وجهان:
(أحدهما)
لا يجوز إقراضه إلا أن يشترط رد المثل لان المتعارف كالمشروط ولو شرط الزيادة لم يجز فكذلك إذا عرف بالعادة
(والثانى)
أنه يجوز وهو المذهب لان الزيادة مندوب إليها فلا يجوز أن يمنع ذلك صحة العقد، فإن شرط في العقد شرطا فاسدا بطل الشرط.
وفى القرض وجهان
(أحدهما)
انه يبطل لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كل قرض جر منفعة فهو ربا، ولانه إنما أقرضه بشرط ولم يسلم الشرط فوجب أن لا يسلم القرض
(والثانى)
أنه يصح، لان القصد منه الارفاق، فإذا زال الشرط بقى الارفاق.
(الشرح) حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فقد رواه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان بلفظ " لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بيع " وقد رواه من طريق ابن عمر صاحب المنتقى وقال رواه الخمسة ابن ماجه، فخطأ الشوكاني روايته عن ابن عمر وقال الصحيح اثبات الواو، فتكون رواية عن عبد الله بن عمرو.
وبذلك تستقيم الروايات، فإن عمرو بن شعيب جد أبيه عبد الله بن عمرو.
والله تعالى أعلم.
أما لغات الفصل فقوله: سفتجة فارسية، وهى ما يقال لها بالعامية (كمبيالة) وقوله " بكرا " هي الثنى من الابل، وفى قول أبى عبيد أنه من الابل بمنزلة الفتى من الناس.
وقوله " خيارا " أعنى مختارا عند الطلب وقضاء الامور أما الاحكام: فلا يجوز بيع وسلف، وهو أن يقول: بعتك هذه الدار بمائة على أن تقرضني خمسين، لرواية عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ " نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بيعتين في بيعة.
وعن ربح ما لم يضمن وبيع ما ليس عندك "
ولا يجوز أن يقرضه دراهم على أن يعطيه بدلها في بلد آخر، ويكتب له بها
صحيفة (كمبيالة) فيأمن خطر الطريق ومئونة الحمل، وهو مذهبنا، وخالفنا أحمد وغيره مستدلين بأن عبد الله بن الزبير كان يقترض ويعطى من أقرضه صحيفة يأخذ قيمتها من مصعب أخيه واليه على العراق.
وفى المغنى مزيد بيان.
ودليل أصحاب أحمد وخلاصته أنه عقد ارفاق.
دليلنا أن أمن الطريق منفعة، وكل قرض جر نفعا فهو ربا.
ولا يجوز أن يقرضه شيئا بشرط أن يرد عليه درهمين، ولان هذا ربا عند تماثل البدلين فهو كالبيع فلا يجوز فيه التفاضل عند التماثل.
نعم ان كان ذلك في غير أموال الربا كالثياب والحيوان ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد
(أحدهما)
يجوز لما روى عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أجهز جيشا فنفدت الابل، فأمرني أن آخذ بعيرا ببعيرين إلى أجل، وهذا استسلاف مر بك في أبواب السلم
(والثانى)
لا يجوز وهو المذهب للحديث " كل قرض جر منفعة فهو حرام " ولان هذا زيادة لا يقابلها عوض فلم يصح، كما لو باعه داره بمائة على أن يعطيه مائة وعشرة، ولانه لو اشترط زيادة في الجودة لم يصح، فلان لا يجوز اشتراط الزيادة في العود أولى.
وأما الخبر في الحيوان فهو وارد في السلم بدليل أنه قال: كنت آخذ البعير بالبعيرين إلى أجل، والقرض لا يدخل الاجل وان أقرضه شيئا وشرط أن يرد عليه دون ما أقرضه، ففيه وجهان حكاهما المصنف
(أحدهما)
لا يجوز لان مقتضى القرض رد المثل، فإذا شرط النقصان عما أقرضه فقد شرط ما ينافى مقتضى العقد فلم يصح، كما لو شرط الزيادة.
(والثانى)
يجوز لان القرض جعل رفقا بالمستقرض وشرط الزيادة يخرج القرض عن موضوعه فلم يجز وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه فجاز.
والله تعالى أعلم.
(فرع)
إذا اقترض من غيره درهما فرد عليه درهمين، أو درهما أجود منه كأن أخذ منه جنيها مصريا فرد عليه جنيها استرلينيا، أو باع منه داره أو كتب له
بدراهمه صحيفة (كمبيالة) إلى بلد آخر من غير شرط ولا جرت للمقرض عادة بذلك جاز.
ومن أصحابنا من قال لا يجوز ذلك في أموال الربا ويجوز في غيرها، وليس بصحيح لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرض نصف صاع فرد صاعا واقترض صاعا فرد صاعين، واقترض من الاعرابي بكرا فرد عليه أجود منه وقال صلى الله عليه وسلم " خيار الناس أحسنهم قضاء " وقال جابر رضى الله عنه: كان لى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دين فقضاني وزادني ولانه متطوع بالزيادة فجاز، كما لو وصله بها كصلة.
وكذلك لو اقترض رجل شيئا فرد أنقص مما أخذ وطابت نفس المقرض بذلك، فإن كان الرجل معروفا إذا اقترض رد أكثر مما اقترض أو أجود منه، فهل يجوز إقراضه مطلقا، فيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح إقراضه إلا بشرط أن يرد عليه مثل ما أخذ لان ما علم بالعرف كالمعروف بالشرط
(والثانى)
وهو الصحيح أنه يجوز إقراضه من غير شرط لان الزيادة مندوب إليها في القضاء، فلا يمنع من جواز العقد فأما ما كان معروفا من جهة العرف فلا يمنع جواز الاقراض.
ألا ترى أنه لو وجدت عادة رجل أنه إذا اشترى من إنسان تمرا أطعمه منه أو أطعم البائع من غيره لم يضر ذلك بمنزلة المشروط في بطلان البيع منه قال العمرانى: وان أقرضه شيئا بشرط فاسد بأن أقرضه إلى أجل أو أقرضه درهما بدرهمين بطل الشرط لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل " وهل يبطل القرض، فيه وجهان
(أحدهما)
يبطل.
فعلى هذا لا يملكه المقترض، لان القرض انما وقع
بهذا الشرط، فإذا بطل الشرط بطل العقد كالبيع بشرط فاسد
(والثانى)
لا يبطل لان القرض عقد ارفاق، فلم يبطل بالشرط الفاسد بخلاف البيع وقال في المغنى " ان شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه وكان ذلك مما يجرى فيه الربا لم يجز لافضائه إلى فوات المماثلة فيما هي شرط فيه، وان كان في غيره لم يجز أيضا، وهو أحد الوجهين لاصحاب الشافعي، وفى الوجه الآخر يجوز لان القرض جعل للرفق بالمستقرض، وشرط النقصان لا يخرجه عن موضوعه بخلاف الزيادة.
اه
قال المصنف رحمه الله: (فصل) ويجب على المستقرض رد المثل فيما له مثل، لان مقتضى القرض رد المثل، ولهذا يقال الدنيا قروض ومكافأة فوجب أن يرد المثل، وفيما لا مثل له وجهان (أحدهما) يجب عليه القيمة، لان ما ضمن بالمثل إذا كان له مثل ضمن بالقيمة إذا لم يكن له مثل كالمتلفات (والثانى) يجب عليه مثله في الخلقة والصورة، لحديث أبى رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يقضى البكر بالبكر، ولان ما ثبت في الذمة بعقد السلم ثبت بعقد القرض قياسا على ما له مثل، ويخالف المتلفات فإن المتلف متعد فلم يقبل منه الا القيمة لانها أحصر، وهذا عقد أجيز للحاجة فقبل فيه مثل ما قبض كما قبل في السلم مثل ما وصف، فإن اقترض الخبز وقلنا يجوز اقراض ما لا يضبط بالوصف ففى الذى يرد وجهان (أحدهما) مثل الخبز (والثانى) ترد القيمة فعلى هذا إذا أقرضه الخبز وشرط أن يرد عليه الخبز ففيه وجهان (أحدهما) يجوز لان مبناه على الرفق فلو منعناه من رد الخبز شق وضاق (والثانى) لا يجوز لانه إذا شرط صار بيع خبز بخبز وذلك لا يجوز (الشرح) الاحكام: وإذا أقرض شيئا له مثل كالحبوب والادهان والدراهم والدنانير وجب على المقترض رد مثلها لانه أقرب إليه، وان اقترض منه مالا مثل له كالثياب والحيوان ففيه وجهان (أحدهما) يجب رد قيمته، وهو اختيار للشيخ أبى حامد ولم يذكر غيره، لانه مضمون بالقيمة في الاتلاف، فكذلك في القرض (والثانى) يضمنه بمثله في الصورة، وهو اختيار القاضى أبى الطيب الطبري لحديث أبى رافع رضى الله عنه قضاء البكر، ولان طريق القرض الرفق فسومح فيه بذلك، ألا ترى أنه يجوز فيه النسبة فيما فيه الربا، ولا يجوز ذلك في البيع بخلاف المتلف فإنه متعد، فأوجبت عليه القيمة لانها أحصر قال ابن الصباع فإذا قلنا يجب القيمة فإن قلنا انه يملك بالقبض وجبت القيمة حين القبض، وان قلنا انه لا يملك الا بالتصرف وجبت عليه القيمة أكثر ما كانت من القبض إلى حين التلف، وان اختلفا في قدر القيمة أو صفة المثل فالقول قول المستقرض مع يمينه لانه غارم.
(فرع)
واما إقراض الخبز، فإن قلنا: يجوز قرض مالا يضبط بالصفة كالجواهر جاز قرض الخبز، وإن قلنا لا يجوز قرض مالا يضبط بالوصف ففى قرض الخبز وجهان
(أحدهما)
لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة كغيره مما لا يضبط بالوصف
(والثانى)
يجوز.
قال ابن الصباغ: لاجماع أهل الامصار على ذلك، فإنهم يقترضون الخبز، فإذا قلنا.
يجوز.
فإن قلنا يجب فيما لا مثل له رد مثله في الصورة رد مثل الخبز وزنا.
وإن قلنا يجب رد قيمة مالا مثل له رد قيمة الخبز فعلى هذا إن شرط أن يرد مثل الخبز ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح، لان الرفق باقتراض الخبز لا يحصل إلا بذلك
(والثانى)
لا يصح كما لا يجوز بيع الخبز بالخبز وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(فصل)
إذا أقرضه دراهم بمصر ثم لقيه بمكة فطالبه بها لزمه دفعها إليه، فان طالبه المستقرض بأن يأخذها وجب عليه أخذها لانه لا ضرر عليه في أخذها فوجب أخذها فان أقرضه طعاما بمصر فلقيه بمكة فطالبه به لم يجبر على دفعه إليه لان الطعام بمكة أغلى فان طالبه المستقرض بالاخذ لم يجبر على أخذه لان عليه مؤنة في حمله فان تراضيا جاز لان المنع لحقهما وقد رضيا جميعا، فان طالبه بقيمة الطعام بمكة أجبر على دفعها لانه بمكة كالمعدوم وماله مثل إذا عدم وجبت قيمته ويجب قيمته بمصر لانه يستحقه بمصر فان أراد أن يأخذ عن بدل القرض عوضا جاز لان ملكه عليه مستقر فجاز أخذ العوض عنه كالاعيان المستقرة وحكمه في اعتبار القبض في المجلس حكم ما يأخذه بدلا عن رأس مال السلم بعد الفسخ وقد بيناه والله أعلم.
(الشرح) قال الشافعي في الصرف: فإذا اقترض طعاما بمصر فلقيه بمكة وطالبه، لان عليه ضررا في نقل الطعام من مصر إلى مكة، ولان الطعام بمكه أكثر قيمة، وإن طالبه المستقرض بأخذه لم يلزم المقرض أخذه لان عليه مؤنة في حمله إلى مصر، وإن تراضيا على ذلك جاز لان الحق لهما، وإن طالب المقرض
المستقرض بقيمة طعامه بمكة أجبر المقترض على دفع قيمة الطعام، لان الطعام بمكة كالمعدوم وماله مثل إذا عدم وجبت قيمته.
قال الشيخ أبو حامد: ويأخذ قيمة الطعام بمصر يوم المطالبة لا بمكة، لانه إنما وجب عليه دفع القيمة يوم المطالبة، وهكذا إن غصب منه طعاما بمصر، أو أسلم إليه بطعام مصر فلقيه بمكة كان الحكم فيه كالحكم في القرض، الا أن الغاصب إذا دفع القيمة للطعام بمكة، وكان الطعام باقيا لم يملكه الغاصب، بل
إذا رجع إلى مصر رد الطعام الذى غصبه واسترجع القيمة، فإذا كان في ذمته له دراهم أو دنانير من قرض أو غصب أو سلم بمصر فطالبه بقضائها في مكة وجب عليه القضاء لانه ليس لنقلها مؤنة، ولا يختلف باختلاف البلد.
(فرع)
وان اقترض من رجل شيئا وقبضه وتصرف فيه أو أتلفه ثم أراد أن يعطيه عن بدل القرض عوضا جاز لانه مستقر في الذمة، لا يخشى انتقاصه بهلاكه فجاز تصرفه فيه قبل القبض كالمبيع بعد القبض بخلاف المسلم فيه، فإنه غير مستقر يخشى انتقاصه بهلاكه، وحكمه في اعتبار القبض حكم ما يأخذ عوضا عن رأس مال السلم بعد الفسخ وقد مضى بيانه، وان كانت العين المقترضة باقية في يد المقترض فانه لا يجوز أخذ العوض عنها، لانا ان قلنا: ان المقترض قد ملكها بالقبض فلا يجوز أخذ العوض، لان ملك المقرض قد زال عن العين، ولم يستقر بدلها في ذمة المستقرض، لان للمقترض أن يرجع في العين، وان قلنا ان المقترض لا يملك العين الا بالتصرف لم يجز للمقرص أخذ بدل العين، لان ملكه عليه ضعيف بتسليط المقترض عليه.
هكذا قال ابن الصباغ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قال المصنف رحمه الله: كتاب الرهن ويجوز الرهن على الدين في السفر لقوله عز وجل " وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة " ويجوز في الحضر لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم رهن درعا عند يهودى بالمدينة وأخذ منه شعيرا لاهله.
(الشرح) حديث أنس رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وبعد: - فالرهن بفتح الراء وسكون الهاء الاحتباس من قولهم: رهن الشئ إذا دام وثبت، ومنه قوله تعالى " كل نفس بما كسبت رهينة " وفى الشرع جعل مال وثيقة
على دين ليستوفى منه الدين عند تعذره ممن عليه ويطلق أيضا على العين المرهونة تسمية للمفعول به باسم المصدر، وأما الرهن بضمتين فالجمع، ويجمع أيضا على رهان بكسر الراء ككتب وكتاب، وقرئ بهما.
وقوله: عند يهودى هو أبو الشحم كما بينه الشافعي والبيهقي من طريق جعفر ابن محمد عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رهن درعا عند أبى الشحم اليهودي رجل من بنى ظفر، في شعير " وأبو الشحم بفتح المعجمة وسكون المهملة كنيته، وظفر بفتح الظاء والفاء بطن من الاوس وكان حليفا لهم، وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة وموحدة مكسورة اسم فاعل من الاباء وكأنه التبس عليه بآبى اللحم الصحابي.
وفى الحديث الذى روته عائشة رضى الله عنها عند البخاري ومسلم ولاحمد والنسائي وابن ماجه مثله " توفى صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير " في رواية الترمذي والنسائي من هذا التوجه " بعشرين " وقال في فتح الباري: لعله كان دون الثلاثين فجبر الكسر تارة وألغى الجبر أخرى والرهن مجمع على جوازه، وفيها أيضا دليل على صحة الرهن في الحضر وهو
قول الجمهور، والتقييد بالآية في السفر " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة " خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له لدلالة الاحاديث على مشروعيته في الحضر، وايضا السفر مظنة فقد الكاتب فلا يحتاج إلى الرهن غالبا إلا فيه، وخالف مجاهد والضحاك فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد الكاتب وبه قال داود وأهل الظاهر، والاحاديث ترد عليهم.
وقال ابن حزم: إن شرط المرتهن الرهن في الحضر لم يكن له ذلك، وان تبرع به الراهن جاز، وحمل أحاديث الباب على ذلك.
قال العمرانى في البيان: دليلنا على جوازه في الحضر مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه اقترض من أبى الشحم اليهودي ثلاثين صاعا من شعير لاهله بعد ما عاد من غزوة تبوك بالمدينة، ورهن عنده درعه فكانت قيمتها أربعمائة درهم، ففى هذا الخبر فوائد (منها) جواز الرهن لان النبي صلى الله عليه وسلم رهن.
(ومنها) جواز الرهن في الحضر، لان ذلك كان بالمدينة وكانت موطن النبي صلى الله عليه وسلم.
(ومنها) أنه يجوز معاملة من في ماله حلال وحرام إذا لم يعلم عين الحلال والحرام، لان النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهودي، ومعلوم أن اليهود يستحلون ثمن الخمر ويربون.
(ومنها) أن الرهن لا ينفسخ بموت الراهن، لان النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة.
(ومنها) أن الابراء يصح وأن يقبل المبرأ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يعدل عن معاملة مياسير الصحابة رضى الله عنهم وأرضاهم مثل عثمان وعبد الرحمن رضى الله عنهما وأرضاهما إلا لانه كان يعلم أنه لو استقرض منهم أبروه، فلو كانت البراءة لا تصح إلا بقبول المبرأ لكان لا تقبل البراءة فعدل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهودي الذى يعلم أنه يطالبه بحقه، ولانه وثيقة في السفر فجازت في الحضر كالضمان والشهادة اه.
وقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا خالف في الرهن في الحضر إلا مجاهدا قال:
لبس الرهن إلا في السفر لان الله تعالى شرط السفر في الرهن.
قال الشافعي رحمه الله، بعد أن ساق قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل
مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل " وقوله تعالى " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة " قال: فكان بينا في الآية الامر بالكتاب في الحضر والسفر، وذكر الله تبارك وتعالى الرهن إذا كانوا مسافرين ولم يجدوا كاتبا فكان معقولا - والله أعلم - فيها أنهم أمروا بالكتاب والرهن احتياطا لملك الحق بالوثيقة والمملوك عليه بأن لا ينسى ويذكر، لا أنه فرض عليهم أن يكتبوا، ولا أن يأخذوا رهنا لقول الله عز وجل " فإن أمن بعضكم بعضا " فكان معقولا أن الوثيقة في الحق في السفر والاعواز غير محرمة - والله أعلم - في الحضر وغير الاعواز، ولا بأس بالرهن في الحق الحال والدين في الحضر والسفر وما قلت من هذا مما لا أعلم فيه خلافا، ثم أورد أحاديث رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند أبى الشحم.
ثم قال: والدين حق لازم، فكل حق مما يملك، أو لزم بوجه من الوجوه جاز الرهن فيه، ولا يجوز الرهن فيما لا يلزم، فلو ادعى رجل على رجل حقا فأنكره وصالحه ورهنه به رهنا كان الرهن مفسوخا لانه لا يلزم الصلح على الانكار اه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يصح الرهن إلا من جائز التصرف في المال لانه عقد على المال فلم يصح إلا من جائز التصرف في المال كالبيع.
(الشرح) الاحكام: لا يصح الرهن إلا من جائز التصرف في المال، فأما الصبى والمجنون والمحجور عليه، فلا يصح منه الرهن لانه عقد على المال فلم يصح منهم كالبيع.
وقال الشافعي رضى الله عنه: كل من جاز بيعه من بالغ حر غير محجور عليه جاز رهنه ومن جاز له أن يرهن أو يرتهن من الاحرار فإذا جازت هبته في ماله جاز له رهنه بلا نظر، ولا يجوز أن يرتهن الاب لابنه، ولا ولى اليتيم له، إلا بما فيه فضل لهما.
ويصح الرهن بكل حق لازم في الذمة كديون
السلم، ويدل القرض، وثمن المبيعات، وقيم المتلفات، والاجرة والمهر وعوض
الخلع والارش على الجاني، وأما الدية على العاقلة - فإن كان قبل الحول لم يصح لانه لم يجب عليهم شئ، وإن كان بعد حلول الحول صح
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجوز أخذ الرهن على دين السلم وعوض القرض للآية والخبر، ويجوز على الثمن والاجرة والصداق وعوض الخلع ومال الصلح وأرش الجناية وغرامة المتلف، لانه دين لازم فجاز أخذ الرهن عليه كدين السلم وبدل القرض ولا يجوز أخذه على دين الكتابة لان الرهن إنما جعل ليحفظ عوض ما زال عنه ملكه من مال ومنفعة وعضو، والمعوض في الكتابة هو الرقبة، وهى باقية على ملكه لا يزول ملكه عنها إلا بالاداء فلا حاجة به إلى الرهن، ولان الرهن إنما يعقد لتوثيق الدين حتى لا يبطل، والمكاتب يملك أن يبطل الدين بالفسخ إذا شاء فلا يصح توثيقه.
فأما مال الجعالة قبل العمل ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجوز أخذ الرهن به لانه مال شرط في عقد لا يلزم فلا يجوز أخذ الرهن به كمال الكتابة
(والثانى)
يجوز لانه دين يؤول إلى اللزوم فجاز أخذ الرهن به كالثمن في مدة الخيار.
وأما مال السبق والرمى ففيه قولان
(أحدهما)
أنه كالاجارة فيجوز أخذ الرهن به
(والثانى)
أنه كالجعالة فيكون على الوجهين.
وأما العمل في الاجارة فانه ان كانت الاجارة على عمل الاجير فلا يجوز أخذ الرهن به، لان القصد بالرهن استيفاء الحق منه عند التعذر، وعمله لا يمكن استيفاؤه من غيره، وإن كانت الاجارة على عمل في الذمة جاز أخذ الرهن به، لانه يمكن استيفاؤه من الرهن
بأن يباع ويستأجر بثمنه من يعمل (الشرح) قال الشيخ أبو حامد: ويحكى عن بعض الناس أنه قال، لا يصح الرهن إلا في دين السلم وهو خلاف الاجماع اه قلت: قد يكون الدين في الذمة ثمنا، وقد يكون فيها مثمنا، ولانه حق ثابت في الذمة فجاز أخذ الرهن كالسلم، ويجوز أخذ الرهن بالدين الحال، لان النبي
صلى الله عليه وسلم رهن درعه ببدل القرض، وهو حال ولا يصح، ولا يصح الرهن بدين الكتابة.
وقال أبو حنيفة يصح.
دليلنا أنه وثيقة يستوفى منها الحق فلم يصح في دين الكتابة كالضمان، ولان الرهن إنما جعل لكى يستوفى منه من له الحق إذا امتنع من عليه الحق وهذا لا يمكن في الكتابة، لان للكاتب أن يعجز نفسه أي وقت شاء.
ويسقط ما عليه، فلا معنى للرهن به.
وأما الرهن بمال الجعالة بأن يقول: من رد لى حصاني الجمامح فله دينار، فإن رده رجل استحق الدينار وصح أخذ الرهن به وهل يصح أخذ الرهن به قبل الرد؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يصح وهو اختيار أبى على الطبري والقاضى أبى الطيب لانه حق غير لازم، فهو كمال الكتابة والثانى: يصح لانه يؤول إلى اللزوم فهو كالثمن في مدة الخيار وأما مال السبق والرمى فإن كان بعد العمل صح أخذ الرهن به، وإن كان قبل العمل.
فان قلنا إنه كالاجارة صح أخذ الرهن به، وإن كان قبل العمل، فان قلنا انه كالاجارة صح أخذ الرهن به.
وان قلنا إنه كالجعالة فعلى الوجهين في الجعالة.
وأما العمل في الاجارة فهل يصح أخذ الرهن به، ينظر فيه فان كانت الاجارة على عمل الاجير بنفسه لم يصح أخذ الرهن به لانه لا يمكن استيفاء عمله من الرهن، وان كانت الاجارة على تحصيل عمل في ذمته صح أخذ الرهن به، لانه
يمكن استيفاء العمل به من الرهن لانه يباع الرهن ويستأجر منه من يعمل (فرع)
لا يصح أخذ الرهن باليمين والاجرة والصداق وعوض الخلع.
- إذا كان معينا - ولا بالعين المغصوبة ولا المعارة، ولا بالعين المأخوذة بالسوم.
وقال أبو حنيفة: كل عين كانت مضمونة بنفسها جاز أخذ الرهن بها، وأراد بذلك أن ما كان مضمونا بمثله أو قيمته جاز أخذ الرهن به، لان المبيع لا يجوز أخذ الرهن به لانه مضمون بفساد العقد، ويجوز عنده أخذ الرهن بالمهر وعوض الخلع لانه يضمن بمثله أو قيمته.
دليلنا أنه قبل هلاك العين في يده يثبت في ذمته دين فلا يصح أخذ الرهن به كالمبيع.
وعند أحمد ومالك مثل ما عند أبى حنيفة.
قال ابن قدامة: فإذا رهنه المضمون كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد أو على وجه السوم صح وزال الضمان، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
اه وقال الشافعي رضى الله عنه: لا يزول الضمان ويثبت فيه حكم الرهن، والحكم الذى كان ثابتا فيه يبقى بحاله لانه لا تنافى بينهما، بدليل أنه لو تعدى في الرهن صار مضمونا ضمان الغصب، وهو رهن كما كان فكذلك ابتداؤه، لانه أحد حالتى الرهن.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
ويجوز عقد الرهن بعد ثبوت الدين، وهو أن يرهن بالثمن بعد البيع، وبعوض القرض بعد القرض، ويجوز عقده مع العقد على الدين، وهو أن يشترط الرهن في عقد البيع وعقد القرض، لان الحاجة تدعو إلى شرطه بعد ثبوته وحال ثبوته، فأما شرطه قبل العقد فلا يصح لان الرهن تابع للدين
فلا يجوز شرطه قبله، (الشرح) الاحكام: يجوز عقد الرهن بعد ثبوت الدين، مثل أن يقرضه شيئا أو يسلم إليه في شئ فيرهنه بذلك لانه وثيقة بالحق بعد لزومه فصح كالشهادة والضمان.
ويجوز شرط الرهن مع ثبوت الحق بأن يقول: بعتك هذا بدينار في ذمتك بشرط أن ترهننى كذا، أو أقرضك هذا بشرط أن ترهننى كذا، لان الحاجة تدعو إلى شرطه في العقد، فإذا شرط هذا الشرط لم يجب على المشترى الرهن، أي لا يجبر عليه، ولكن متى امتنع مه ثبت للبائع الخيار في فسخ البيع ولا يجوز عقد الرهن قبل ثبوت الحق.
مثل أن يقول: رهنتك هذا على عشرة دراهم تقرضنيها، أو على عشرة أبتاع بها منك.
وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: يصح دليلنا أنه وثيقة بحق فلم يجز أن يتقدم عليه كالشهادة بأن تقول: اشهدوا أن له على ألفا أقترضها منه غدا
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز أخذ الرهن على الاعيان كالمغصوب والمسروق والعارية والمأخوذ على وجه السوم، لانه إن رهن على قيمتها إذا تلفت لم يصح، لانه رهن على دين قبل ثبوته، وان رهن على عينها لم يصح، لانه لا يمكن استيفاء العين من الرهن.
(الشرح) الاحكام: إن نقلت السفينة لقوم في البحر متاعا وخافوا الغرق، فقال رجل لغيره ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه، فإن كان المتاع غير معلوم لم يصح أخذ الرهن به قبل الالقاء لانه رهن بدين قبل وجوبه، وهل يصح الضمان
به؟ فيه وجهان حكاهما الصيمري.
أحدهما: لا يصح الرهن به ولا الضمان به.
وهذا هو المشهور لان القيمة لا تجب قبل الالقاء.
والثانى: يصحان، ويمكن أن يكون للمسألة وجه ثالث: يصح الضمان ولا يصح الرهن.
وأما إذا ألقاه في البحر وجبت القيمة في ذمة المستدعى وصح أخذ الرهن بها والضمان لانها دين واجب فإذا رهنه المضمون، كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع فاسد أو على وجه السوم لم يصح عندنا، وعند أصحاب أحمد ومالك وأبى حنيفة صح وزال الضمان.
ولانه مأذون له في إمساكه رهنا لم يتجدد منه فيه عدوان فلم يضمنه كما لو قبضه منه ثم أقبضه إياه أو أبرأه من ضمانه، ويقولون عن التنافى بينهما انه ممنوع لان الغاصب يده عادية يجب عليه إزالتها، ويد المرتهن محقة جعلها الشرع له، ويد المرتهن يد أمانة، ويد الغاصب والمستعير ونحوهما يد ضامنة، وهم ينقضون قول الامام الشافعي رضى الله عنه في قوله " لا يزول الضمان ويثبت فيه حكم الرهن، والحكم الذى كان ثابتا فيه يبقى بحاله لانه لا تنافى بينهما، بدليل أنه لو تعدى في الرهن صار مضمونا ضمان الغصب وهو رهن كما كان، فكذلك ابتداؤه لانه أحد حالتى الرهن
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
ولا يلزم الرهن من جهة المرتهن، لان العقد لحظه، لا حظ فيه للراهن، فجاز له فسخه إذا شاء، فأما من جهة الرهن فلا يلزم إلا بقبض، والدليل عليه قوله عزوجل: فرهن مقبوضة، فوصف الرهن بالقبض، فدل على أنه لا يلزم إلا به، ولانه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول والقبض فلم يلزم من
غير قبض كالهبة، فإن كان المرهون في يد الراهن لم يجز للمرتهن قبضه إلا بإذن الراهن.
لان للراهن أن يفسخه قبل القبض فلا يملك المرتهن إسقاط حقه من غير إذنه فان كان في يد المرتهن فقد قال في الرهن انه لا يصير مقبوضا بحكم الرهن إلا بإذن الراهن، وقال في الاقرار والمواهب إذا وهب له عينا في يده صارت مقبوضة من غير إذن، فمن أصحابنا من نقل جوابه في الرهن إلى الهبة وجوابه في الهبة إلى الرهن فجعلهما على قولين.
(أحدهما) لا يفتقر واحد منهما إلى الاذن في القبض لانه لما لم يفتقر إلى نقل مستأنف لم يفتقر إلى أذن مستأنف.
(والثانى) أنه يفتقر وهو الصحيح لانه عقد يفتقر لزومه إلى القبض فافتقر القبض إلى الاذن، كما لو لم تكن العين في يده، وقولهم: إنه لا يحتاج إلى نقل مستأنف لا يصح، لان النقل يراد ليصير في يده، وذلك موجود، والاذن يراد لتمييز قبض الهبة والرهن عن قبض الوديعة والغصب، وذلك لا يحصل الا بإذن، ومن أصحابنا من حمل المسئلتين على ظاهرهما، فقال في الهبة لا تفتقر إلى الاذن، وفى الرهن يفتقر، لان الهبة عقد يزيل الملك فلم يفتقر إلى الاذن لقوته والرهن لا يزيل الملك فافتقر إلى الاذن لضعفه، والصحيح هو الطريق الاول، لان هذا الفرق يبطل به إذا لم تكن العين في يده فإنه يفتقر إلى الاذن في الرهن والهبة مع ضعف أحدهما وقوة الآخر فإن عقد على عين رهنا واجارة وأذن له في القبض عن الرهن والاجارة صار مقبوضا عنهما، فان أذن له في القبض عن الاجارة دون الرهن لم يصر مقبوضا عن الرهن، لانه لم يأذن له في قبض