المجموع شرح المهذبصفحات 302-341
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب السير

صفحات 302-341
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في خلال القتال، ثم قال وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتال بالتغريق وقال غيره إنما نهى أبو بكر جيوشه عن ذلك لانه علم أن تلك البلا ستفتح فأراد إبقائها على المسلمين.
وقال القارى بجواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال الجمهور، وقيل لا يجوز، قال ابن الهمام يجوز لان ذلك المقصود كبت أعدء الله وكسر شوكتهم فيفعلون ما يمكنهم من التحريق وقطع الاشجار وإفساد الزرع، لكن إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح بادكره ذلك لانه إفساد في غير محل الحاجة وما أبيح إلا لها.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجوز للمسلم أن يؤمن من الكفار آحادا لا يتعطل بأمانهم الجهاد في ناحية كالواحد والعشرة والمائة وأهل القلعة، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أنه قال (ما عندي شئ إلا كتاب الله عز وجل وهذه الصحيفة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ويجوز للمرأة من ذلك ما يجوز للرجل لما روى ابن عباس رضى الله عنه عن أم هانئ رضى الله عنها أنها قالت يا رسول الله يزعم ابن أمي أنه قاتل من أجرت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أجرت من أجرت يا أم هانئ.
ويجوز ذلك للعبد لما روى عبد الله بن عمرو إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يجير على المسلمين أدناهم وروى فضل بن يزيد الرقاشى قال (جهز عمر بن الخطاب رضى الله عنه جيشا كنت فيه فحصرنا قرية من قرى رام هرمز فكتب عبد منا أمانا في صحيفة وشدها مع سهم ورمى به إليهم فأخذوها وخرجوا بأمانه، فكتب بذلك إلى عمر رضى الله عنه فقال العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم، ولا يصح ذلك من صبى ولا مجنون ولا مكره لانه عقد فلم يصح منهم كسائر العقود، فإن دخل مشرك على أمان واحد منهم، فإن عرف أن أمانة لا يصح حل قتله لانه حربى ولا أمان له، وان لم يعرف أن أمانة لا يصحخ فلا يحل قتله إلى أن يرجع إلى مأمنه،

لانه دخل على أمان ويصح الامان بالقول، وهو أن يقول أمنتك أو أجرتك أو أنت آمن أو مجار أو لا بأس عليك أو لاخوف عليك أو لا تخف أو مترس بالفارسية وما أشبه ذَلِكَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمُ فتح مكة (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ) وقال لام هاني (قد أجرت من أجرت) وقال أنس لعمر رضى الله عنه في قصة هرمز أن ليس لك إلى قتله من سبيل، قلت له تكلم لا بأس عليك فأمسك عمر.
وروى زر عن عبد الله أنه قال (إن الله يعلم كل لسان فمن أتى منكم أعجميا وقال مترس فقد أمنه) ويصح الامان بالاشارة لما روى أبو سلمة قال، قال عمر رضى الله عنه (والذى نفس عمر بيده لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك ثم نزل إليه على ذلك ثم قتله لقتلته) فإن أشار إليه بالامان ثم قال لم أرد الامان قبل قوله لانه أعرف بما أراده ويعرف المشرك أنه لا أمان له ولا يتعرض له إلى أن يرجع إلى مأمنه لانه دخل على أنه آمن، وإن أمن مشركا فرد الامان لم يصح الامان لانه ايجاب حق لغيره بعقد فلم يصح مع الرد كالايجاب في البيع والهبة، وان أمن أسيرا لم يصح الامان لانه يبطل ما ثبت للامام فيه من الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء وان قال كنت أمنته قبل الاسر لم يقبل قوله لانه لا يملك عقد الامان في هذه الحال فلم يقبل إقراره به.

(فصل) وان أسر أمرأة حرة أو صبيا حرا رق بالاسر، لان النبي صلى الله عليه وسلم قسم سبى بنى المصطلق واصطفى صفية من سبى خيبر وقسم سبى هوازن ثم استنزلته هوازن فنزل واستنزل الناس فنزلوا، وان أسر حر بالغ من أهل القتال فللامام أن يختار ما يرى من القتل والاسترقاق والمن والفداء، فان رأى القتل قتل، لقوله عز وجل (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ولان النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر ثلاثة من المشكين من قريش، مطعم بن عدى، والنضر ابن الحارث.
وعقبة بن أبى معيط.
وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحى، وقتل يوم الفتح بن خطل، وان رأى المن عليه جاز، لقوله عز وجل (فإما منا بعد واما فداء) ولان النبي صلى الله عليه وسلم من على أبى عزة الجمحى ومن على ثمامة

الحنفي ومن على أبى العاص بن الربيع وإن رأى أن يفادى بمال أو بمن أسر من المسلمين فادى به لقوله عز وجل (فإما منا بعد وإما فداء) وروى عمران بن الحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم فادى أسيرا من عقيل برجلين من أصحابه أسرتهما ثقيف.
وإن رأى أن يسترقه فإن كان من غير العرب نظرت فإن كان ممن له كتاب أو شبه كتاب استرقه، لما روى عن ابن عباس أنه قال في قوله عز وجل (ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أمر الله عز وجل في الاسارى (فإما منا بعد وإما فداء) فجعل سبحانه وتعالى للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أمر الاسارى بالخيار إن شاؤا قتلوا وإن شاءوا استعبدوهم وان شاءوا فادوم، فإن كان من عبدة الاوثان ففيه وجهان: (أحدهما) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى أنه لا يجوز استرقاقه لانه لا يجوز اقراره على الكفر بالجزية فلم يجز الاسترقاق كالمرتد (والثانى) أنه يجوز لما رويناه عن ابن عباس، ولانى من جاز المن عليه في الاسر جاز استرقاقه كأهل الكتاب، وان كان من العرب ففيه قولان قال في الجديد يجوز استرقاقه والمفاداة به وهو الصحيح، لان من جاز المن عليه والمفاداة به من الاسارى جاز استرقاقه كغير العرب.
وقال في القديم لا يجوز استرقاقه لِمَا رَوَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال يوم حنين (لو كان الاسترقاق ثابتا على العرب لكان اليوم، وانما هو أسر وفداء) فإن زوج عربي بأمة فأتت منه بولد فعلى القول الجديد الولد مملوك، وعلى القديم الولد حر ولا ولاء عليه لانه حر من الاصل (الشرح) حديث على (ما عندي شئ الا كتاب الله..) متفق عليه مسلم عن أبى هريرة والبخاري عن أنس حديث أم هانئ (أنها قالت يا رسول الله يزعم ابن أمي ... ) أصله في الصحيحين وساقه الحاكم في ترجمة بن هشام من حديث طويل، والازرقي عن

أبى هريرة عنها، وفيه الواقدي وسبق الكلام عنه فيما قبله، والطبراني وادعى الحاكم تواتره..حديث ابن عمر (يجير على المسلمين أدناهم..) أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم عن على وأحمد وأبن ماجه وأبو داود من طريق آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه وابن حبان حديث (مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ..) النسائي وأحمد وأبو داود حديث أنس (في قصة هرمز أن ليس لك إلى قتله من سبيل) ابن أبى شيبة ويعقوب بن سفيان في تاريخه والبيهقي والشافعي وعلقه البخاري مختصرا حديث عبد الله بن عمر أنه قال (ان الله يعلم كل لسان..) ذكره البخاري تعليقا والبيهقي موصولا من حديث أبى وائل ومالك بلاغا عن عمر، وابن أبى شيبة والحديث عن عمر وليس عن ابنه أثر عمر (والذى نفس عمر بيده.
) أخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن أبى شيبة في مصنفه حديث (قسم سبى بنى المصطلق.
) عن عائشة قالت لما قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صبايا بنى المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السبى لثابت ابن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة فأتت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله إنى جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فجئتك أستعينك على كتابتي؟ قال فهل لك في خير من ذلك؟ قالت وما هو يا رسول الله؟ قال أقضى كتابتك وأتزوجك، قالت نعم يا رسول الله قال قد فعلت، قال وخرج الخبر إلى الناس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم، قالت فلقد أعتق بتزويجه اياها مائة أهل بيت من بنى المصطلق فا أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها) أخرجه أحمد والحاكم وأبو داود والبيهقي وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر حديث (قسم سبى هوازن..) عن مروان بن الحكم ومسور بن مخرمة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال حين جاءه وقد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم

وسبيهم فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أحب الحديث إلى أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبى وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير راد إليهم إلا إحدى للطائفتين قالوا فإنا نختار سبينا، فَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين وانى رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أجب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه اياه من أول ما يفئ الله علينا فليفعل، فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله لهم، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انا لا ندرى من اذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى ترفع الينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروه أنهم قد طيبوا أذنوا، فهذا الذى بلغني عن سبى هوازن) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود حديث (قتل يوم بدر..) في مراسيل أبى داود عن سعيد بن جبير.
وقال الحافظ في التلخيص وفى قوله المطعم بن عدى تحريف والصواب طعيمة بن عدى، وأخرجه ابن أبى شيبة، ووصله الطبراني في الاوسط بذكر ابن عباس والبيهقي من طريق سعيد بن المسيب بهذه القصة مطولا وفى اسناده الواقدي حديث (من على أبى عزة الجحى..) أخرجه البيهقى من طريق سعيد بن المسيب مطولا وفيه (من على أبى عزة الجمحى عن أن لا يقاتله فلم يوف فقاتله يوم أحد فقتل فأسر وقتل، وفيه (فقال له أين ما أعطيتني من العهد والميثاق، والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول سخرت بمحمد مرتين، قال شعبة فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
وفى اسناده الواقدي حديث (من على ثمامة الحنفي..) روى مسلم عن أبى هريرة: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بنى حنيفة يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ من سوارى المسجد، فخرج إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعال له ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال يا محمد عندي خير ان تقتل تقتل ذا دم

وإن تنعم تنعم على شاكر، وان كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، وفيه (أطلقوا ثمامة) وأصله في البخاري (من على أبى العاص..) روى أحمد وأبو داود والحاكم من حدث عائشة لما بعث أهل مكة في فدى أساراهم بعثت زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فداء زوجها أبي العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال: ان رأيتم أن تطلقوالها أسيرها وتردوا عليها الذى لها، فقالوا نعم فأطلقوه وردوا عليه الذى لها، اللفظ لاحمد.
حديث عمران بن الحصين (فادى أسيرا من عقيل..) أخرجه مسلم في صحيحه مطولا وأحمد والترمذي وابن حبان مختصرا حديث ابن عباس (ما كان لنبى أن يكون له أسرى..) أخرجه البيهقى من حديث على بن أبى طلحة بنحوه، ويقال ان على لم يسمع من ابن عباس لكنه انما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره، وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم في التفسير.
حديث (لوك ان الاسترقاق ثابتا..) أخرجه البيهقى من طريق الواقدي والطبراني في الكبير من طريق فيها يزيد بن عياض وهو أضعف من الواقدي قوله (فمن أخفر مسلما) أي نقض عهده وذمته، يقال أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته بغير همز أجرته قوله (أصطفى صفية من سبى خيبر) أي أختارها، مأخوذ من صفوة المال وهو خياره، وسميت صفية لذلك، وقيل كان ذلك اسمها من قبل أن تسبى قوله (استنزلته هوازن فنزل) يقال استنزل فلان أي حط عن منزلته، فمعناه طلبوا منه أن ينحط عما ملكه، واستنزل الناس طلبهم أن يحطوا ويتركوا ما ملكواه من السبى، ومثله استنزله من ثمن المبيع قوله (ويجوز للمسلم أن يؤمن الكفار) قال ابن مفلح وهو حنبلي في الفروع باب الامان، ويصح منجزا ومعلقا من كل مسلم عاقل مختار حتى عبد أو أسيرا أأنثى، نص على ذلك، قال في عيون المسائل وغيرها، وإذا عرف

المصلحة فيه، وذكر غير واحد الاجماع في المرأة بدون هذا الشرط، وعنه مكلف، وقيل يصح للاسير من الامام، وقيل والامير بما يدل عليه من قول أو أشارة أوقف أو ألق سلاحك أمان لما لو أمن يده أو بعضه أو سلم عليه أو لا تذهل أو لا بأس وقيل كناية، فإن اعتقده الكافر أمانا ألحق بمأمنه وجوبا وكذا نظائره.
قال أحمد إذا أشير بشئ غير الامان فظنه أمانا فهو أمان، وكل شئ يرى العلج انه امان فهو امان، وقال إذا اشتراه ليقتله فلا يقتله لانه إذا اشتراه فقد آمنه ويصح من الامام للكل ومن الامير لمن جعل بإزائه ومن غيرهما لقافلة فأقل، قيل لقافلة صغيرة وحصن صغير، وأطلق في الروضة لحصن أو بلد وأنه يستحب استحبابا أن لا يجار على الامير الا بإذنه وقيل لمائه ويقبل من عدل أنى أمنته في الاصح وعند الآجرى يصح لاهل الحصن ولو هموا بفتحه من عبد أو امرأة أو أسير عندهم يروى من عمر، وأنه قول فقهاء المسلمين سأله أبو داود لو أن أسيرا في عموريه نزل بهم المسلمون فأمن الاسير أهل القرية، قال يرحلون عنهم، ويشترط للامان عدم الضررب علينا وان لا تزيد مدته على عشر سنين، وقال الشوكاني في الدرر البهية: ومن أمنه أحد المسلمين صار آما، وقال صديق حسن خان في الروضة الندية أجمع أهل العلم على أن من أمنه أحد المسلمين صار آمنا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جواز أمان امرأة، وأما العبد فأجاز أمانه الجمهور، واما الصبى فقال ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ امان الصبى غير جائز، واما المجنون فلا يصح امانه بلا خلاف (قلت) انما يصح الامان من آحاد المسلمين إذا امن واحدا أو اثنين، فأما عقد الامان لاهل ناحية على العموم فلا يصح الامن الامام على سبيل الاجتهاد وتحرى المصلحة كعقد الذمة، ولو جعل ذلك لآحاد الناس صار ذريعة إلى ابطال الجهاد، قال الشوكاني في نيل الاوطار (يسعى بها ادناهم) فدخل كل وضيع بالنص وكل شريف بالفحوى، ودخل في الادنى المرأة والعبد والصبى والمجنون فأما المرأة فيدل على ذلك حديث ابى هريرة وحديث ام هاني.
قال ابن المنذر: الجمع اهل العلم على جواز امان المرأة، الا شيئا ذكره

عبد الملك بن الماجشون صاحب مالك، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال إن أمر الامان إلى الامام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة.
قال ابن المنذر وفى قول النبي صلى الله عليه وسلم (يسعى بذمتهم أدناهم) دلالة على إغفال هذا القائل، قال في الفتح: وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال هو إلى الامام وإن أجازه جاز وان رده رداه وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه قاتل أو لم يقاتل، وقال أبو حنيفة ان قاتل جاز والا فلا، وقال سحنون ان أذن له سيده في القتال صح أمانه والا فلا.
وأما الصبى فقال ابن المنذر أجمع أهلالعلم أن أمان الصبى غير جائز.
قال الحافظ وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذا المميز الذى يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة.
وأما المجنون فلا يصح أمانه بخلاف الكافر، لكن قال الاوزاعي ان غزا الذى مع المسلمين فأمن أحدا فإن شاء الامام أمضاه والا فليرده إلى مأمنه.
وحكى ابن المنذر عن الثوري أنه استثنى من الرجال الاحرار الاسير في أرض الحرب فقال لا ينفذ أمانه وكذلك الاجير قوله (وان أسر امرأه حرة أو صبيا حرا..) ولا خلاف في أن ما أسراسترق ولا جدال، أما أن يسترق الرجل الحر المقاتل أو يقتل فقد اختلف فيه الاقوال فقال صديق حسن خان في الروضة: ذهب الجمهور إلى أن الامام يفعل ما هو الاحوط للاسلام والمسلمين في الاسارى فيقتل أو يأخذ الفداء أو يمن، وقال الزهري ومجاهد وطائفة لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلا، وعن الحسن وعطاء لا يقتل الاسير بل يتخير بين المن والفداء، وعن مالك لا يجوز المن بغير فداء، وعن الحنفية لا يجوز المن أصلا لا بفداء ولا بغيره وقال الامام ابن جرير الطبري في صفحة 42 جزء 16 في تفسير الآية (فإما منا بعد واما فداء) والصواب من القول عندنا في ذلك أن هذه الاية محكمة غير منسوخة، وذلك أن صفة الناسخ والمنسوخ أنه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حال واحدة أو ما قامت الحجة بأن أحدهما ناسخ الآخر وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المن والقتل إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم والى القائمين بعده بأمر

الامة وان لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لانه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله تعال (فاقتلوا المشركين) بل ذلك كذلك لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا من أهل الحرب فيقتل بعضا ويفادى ببعض ويمن ببعض وقال العلامة القاسمي في محاسن التأويل: وبالجملة فالذي عول عليه الائمة المحققون رضى الله عنهم أن الامير يخير بعد الظفر تخيير مصلحة لا شهوة في الاسراء المقاتلين بين قتل واسترقاق ومن وفداء، ويجب عليه احتيار الاصلح للمسلمين لانه يتصرف لهم على سبيل النظر فلم يجز له ترك ما فيه الحظ، ثم قال فإن منهم (أي الاسرى) من له قوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف ذو المال الكثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأى في المسلمين يرجى اسلامه فالمن عليه أولى ومن ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاته أصلح.
وذكر ذلك في شرح الاقناع وقال ابن حزم (أبطل الله تعالى كل عهد ولم يقره ولم يجعل للمشركين الا القتل أو الاسلام، ولاهل الكتاب خاصة اعطاء الجزية وأمن المستجير والرسول حتى يؤدى رسالته، ويسمع المستجير كلام الله ثم يردان إلى بلادهما ولا مزيد، فكل عهد غير هذا فهو باطل مفسوخ لا يحل الوفاء به لانه خلاف شرط الله عز وجل وخلاف أمره وقال الشوكاني (والحاصل أن القرآن والسنة قاضيان بما ذهب إليه الجمهور فإنه قد وقع منه صلى الله عليه وسلم المن وأخذ الفداء كما في الاحاديث، ووقع منه القتل، فإنه قتل النضر بن الحرث وعقبه بن معبط وغيرهما ووقع منه فداء رجلين من المسلمين برجل من المشركين قال الترمذي بعد أن ساق حديث عمران بن حصين في فداء أسيرين من المسلمين (والعمل على هذا عن أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرهم ان للامام ان يمن على من شاء من الاسارى ويقتل من شاء منهم ويفدى ن شاء) واختار بعض اهل العلم القتل على الفداء، ويروى انه قيل لاحمد (إذا أسر الاسير يقتل أو يفادى احب اليك؟ قال ان قدر ان يفادى

فليس به بأس وإن قتل فما أعلم به بأسا، قال اسحاق: الاثخان أحب إلى الا أن يكون معروفا يطمع به الكثير.
(قلت) والصحيح في هذا ما ذهب إليه العلامة القاسمي وكان بودى أن أقدم للقارئ بحثا مستفيضا عن الرق في الاسلام، وكيف قضى عليه الدين الحكيم، ولكن ضيق المقام وطلب الناشر الاختصار قدر الامكان لا يمنعنا من أن نقول ان عادة استرقاق أسر ى الحرب التى كانت عامة شاملة في جميع الامم والبلاد، والتى كانت المصدر الرئيسي للرقيق الانساني والتى ظلت جارية في كثير من البلاد والامم غير الاسلامية مدة طويلة إلى عهد قريب قد ضربت بآية (فإما منا بعد وإما فداء) ضربة حاسمة والتعديل الذى دخل عليها ليس من شأنه أن يخفف من شدتها لانه تخييير وليس إيجابها، وإذا أضفنا إلى هذا ما احقوا القرآن المكى والمدنى من وسائل عديدة لتحرير الرقيق، وما احتوته السنة من مثل ذلك بدا أن القرآن والسنة قد هدفا إلى الغاء الرقيق، وأن ما جاء فيهما من تشريع في صدده إنما كان تنظيما ومجاراة الواقع وليس إيجابا وتأييدا له أما قوله في استرقاق العرب، قال الشوكاني استدل المصنف (يعنى ابن تيميه الجد) رحمه الله تعالى بأحاديث الباب على جواز استرقاق العرب، والى ذلك ذهب الجمهور كما حكاه الحافظ في كتاب العتق من فتح الباري، وحكى في البحر عن العترة وأبى حنيفة أنه لا يقبل من مشركي العرب إلا الاسلام أو السيف، واستدل لهم بقوله تعالى (فإذا انسلخ الاشهر الحرم ... ) قال والمراد مشركوا العرب اجماعا، فإن كان أعجميا أو كتابيا جاز لقول ابن عباس في تفسير (فإما منا بعد..) خير الله تعالى نبيه في الاسرى بين القتل والفداء والاسترقاق، وان كان عربيا غير كتابي لم يجز وقال الشافعي يجوز لنا قوله صلى الله عليه وسلم (لو كان الاسترقاق ثابتا على العرب، الخبر، اه.
وهو يشير إلى حديث معاذ الذى أخرجه الشافعي والبيهقي إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يوم حنين (لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم، إنما هو أسرى وفى اسناده الواقدي ضعيف جدا، ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي، ومثل هذا

لا تقوم به حجة، وظاهر الآية عدم الفرق بين العربي والعجمي، وقد خصصت الهادوية عدم جواز الاسترقاق بذكور العرب دون اناثهم، ثم قال والحاصل (أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء والاسترقاق فمن ادعى أن بعض هذه الامو ر تختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم في مقام المنع، وقول ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم في مقام المنع، وقول على وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة، وقد استرق بنى ناحية ذكورهم وإناثهم وباعهم كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ، وبنو ناجية من قريش فكيف ساغت له مخالفته قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يختار الامام في الاسير من القتل والاسترقاق والمن والفداء إلا ما فيه الحظ للاسلام والمسلمين، لانه ينظر لهما فلا يفعل ما فيه الحظ لهما فإن بذل الاسير الجزية وطلب أن تعقد له الذمة وهو ممن يجوز أن تعقد له الذمة ففيه وجهان: (أحدهما) أنه يجب قبولها كما يجب إذا بذل وهو في غير الاسر، وهو ممن يجوز أن تعقد لمثله الذمة.

(والثانى) أنه لا يجب لانه يسقط بذلك ما ثبت من اختيار القتل والاسترقاق والمن والفداء، وإن قتله مسلم قبل أن يختار الامام ما يراه عزر القاتل لافتياته على الامام ولاضمان عليه لانه حربى لا أمان له، وان أسلم حقن دمه لقوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وهل يرق بالاسلام أو يبقى الخيار فيه بنى الاسترقاق والمن والفداء، فيه قولان (أحدهما) أنه يرق بنفس الاسلام ويسقط الخيار في الباقي لانه أسير لا يقتل فرق كالصبى والمرأة (والثانى) انه لا يرق بل يبقى الخيار في الباقي، لما روى عمران بن الحصين رضى الله عنه ان الاسير العقبلى قال يا محمد انى مسلم ثم فاداه برجلين، ولان

ما ثبت الخيار فيه بين أشياء إذا سقط أحدهما لم يسقط الخيار في الباقي ككفارة اليمين إذا عجز فيها عن العتق، فعلى هذا إذا اختار الفداء لم يجز أن يفادى به إلا أن يكون له عشيرة يأمن مهم على دينه ونفسه وإن أسر شيخ لاقتال فيه ولا رأى له في الحرب، فإن قلنا إنه يجوز قتله فهو كغيره في الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء، وإن قلنا لا يجوز قتله فهو كغيره إذا اسلم في الاسر وقد بيناه: (فصل) وإن رأى الامام القتل ضرب عنقه لقوله عز وجل (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) ولا يمثل به لما روى بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية قال اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله ولا تعذروا ولا تمثلوا ولا تغلوا، ويكره حمل رأس من قتل من الكفار إلى بلاد المسلمين لما روى عقبة بن عامر أن شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص بثا بريدا إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه برأس بناق البطريق، فقال أتحملون الجيف إلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ يا خليفة رسول الله إنهم يفعلون بنا هكذا، قال لا تحملوا الينا منهم شيئا، وان اختار استرقاقه كان للغانمين، وإن فاداه بمال كان للغانمين وإن أراد أن يسقط منهم شيئا من المال لم يجز إلا برضا الغانمين، لما روى عروة بن الزبير أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءه وفد هوازن مسلمين، فقال ان اخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين وانى قد رأيت أن أرد إليهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حقه حتى نعطيه إياه من أول ما بقئ الله علينا فليفعل، فقال الناس قد طيبنا لك يا رسول الله.
قال الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رد ستة آلاف سبى من سبى هوازن من النساء والصبيان والرجال إلى هوازن حين أسلموا، وان أسر عبد فرأى الامام أن يمن عليه لم يجز الا برضا الغانمين، وان رأى قتله لشره وقوته قتله وضمن قيمته للغانمين لانه مال لهم

(الشرح) حديث (أمرت أن أقاتل..) متفق عليه من حديث عمر وأبى هريرة.
حديث عمران بن الحصين (أن الاسير العقيلى قال يا محمد..) مسلم (بريدة (إذا أمر أميرا على جيش أو سرية..) أخرجه مسلم بطوله (عمرو بن العاص (بعثا بريدا إلى أبى بكر برأس يناق البطريق..) في كتاب أخبار زياد لمحمد بن زكريا الغلابى الاخباري حديث (جاء وفد هوازن مسلمين) سبق تخريجه (جاء ستة آلاف سبى من هوازن) الواقدي وابن اسحاق في المغازى اللغة: قوله (لا تغدروا) لا تتركوا الوفاء بالذمة، ولا تمثلوا لا تجدعوا الانف ولا تصلموا الاذن ونحوه، ولا تغلوا لا تخونوا لتخفوا شيئا من الغنيمة.
قوله (بعثا بريدا) أي رسولا وقد ذكر قوله (يناق البطريق) بتقديم الياء على النون والتشديد، قال الصنعانى في التكلمة ويخفف نونه أيضا، وهو جد الحسن بن مسلم بن يناق من تابع التابعين والبطريق عند الروم مثل الرئيس عند العرب وجمعه بطارقه قوله (فمن أحب منكم ان يطيب) معناه من أحب أن يهب بطيب نفس منه (وطيبنا لك) وهبنا لك عن طيب انفسنا ومنه (سبى طيبية) بكسر الطاء وفتح الياء صحيح السباء لم يكن عن غدر ولانقض عهد قوله (ولا يختار الامام ما في الاسير من القتل والاسترقاق) سبق ايضاحه فيما قبله مباشرة بشئ من التوسع، الا أن ابن حزم قال: ولا يحل فداء الاسير المسلم إلا بمال واما بأسير كافر، ولا يحل ان يرد صغير سبى من ارض الحرب إليهم لا بفداء ولا بغير فداء، لانه قد لزمه حكم الاسلام بملك المسلمين فهو وأولاد المسلمين سواء ولا فرق، وهو قول المزني قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان دعا مشرك إلى المبارزة فالمستحب ان يبرز إليه مسلم، لما روى ان عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة دعوا إلى المبارزة فبرز إليهم

حمزة بن عبد المطلب وعلى بن أبى طالب وعبيدة بن الحرث، ولانه إذا لم يبرز إليه أحد ضعفت قلوب المسلمين وقويت قلوب المشركين، فإن بدأ المسلم ودعا إلى المبارزة لم يكره.
وقال أبو على بن أبى هريرة يكره لانه ربما قتل وانكسرت قلوب المسلمين، والصحيح أنه لا يكره لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن المبارزة بين الصفين فقال لا بأس، ويستحب ان لا يبارز إلا قوى في الحرب لانه إذا بارز ضعيف لم يؤمن أن يقتل فيضعف قلوب المسلمين، وإن بارز ضعيف جاز، ومن أصحابنا من قال لا يجوز لان القصد من المبارزة إظهار القوة، وذلك لا يحصل من مبارزة الضعيف، والصحيح هو الاول لان التغرير بالنفس يجزو في الجهاد، ولهذا يجوز للضعيف أن يجاهد كما يجوز للقوى، والمستحب أن لا يبارز الا بإذن الامير ليكون ردءا له إذا احتاج، فإن بارز بغير إذنه جاز، ومن أصحابنا من قال لا يجوز، لانه لا يؤمن أن يتم عليه ما ينكسر به الجيش، والصحيح أنه يجوز، لان التغرير بالنفس في الجهاد جائز.
وإن بارز مشرك مسلما نظرت فإن بارز من غير شرط جاز لكل أحد أن يرميه لانه حربى لاأمان له، وان شرط أن لا يقاتله غير من برز إليه لم يجز رميه وفاء بشرطه، فإن ولى عنه مختارا أو مثخنا، أو ولى عنه المسلم مختارا أو مثخنا جاز لكل أحد رميه لاه شرط الامان في حال القتال وقد انقضى القتال فزال الامان.
وإن استنجد المشرك أصحابه في حال القتال فأنجدوه أو بدأ المشركون بمعاونته فلم يمنعهم جاز لكل أحد رميه لانه نقض الامان، وإن أعانوه فمنعهم فلم يقبلوا منه فهو على أمانه لانه لم ينقض الامان ولا انقضى القتال، وإن لم يشترط ولكن العادة في المبارزة أن لا يقاتله غير من يبرز إليه، فقد قال بعض أصحابنا انه يستحب ان لا يرميه غيره، وعندي أنه لا يجوز لغيره رميه، وهو ظاهر النص لان العادة كالشرط فإن شرط أن لا يقاتله غيره ولا يتعرض له إذا انفضى القتال حتى يرجع إلى

موضعه وفى له بالشرط فإن ولى عنه المسلم فتبعه ليقتله جاز لكل أحد أن يرميه لانه نقض الشرط فسقط أمانة

(فصل) وان غرر بنفسه من له سهم في قتل كافر مقبل على الحرب فقتله استحق سلبه لما روى أبو قتادة قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين فاستدرت له حتى أتيته من وراثه فضربته على حبل عاتقه فأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، فقصصت عليه فقال رجل صدق يا رسول الله وسلب ذلك الرجل عندي فأرضه، فقال ابو بكر رضى الله عنه لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن دين الله فيعطيك سلبه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صدق فأعطه إياه فأعطاني اياه، فبعث الدرع فابتعت به مخرفا في بنى سلمة، وانه لاول مال تأثلته في الاسلام.
فإن كان ممن لا حق له في الغنيمة كالمخذل والكافر إذا حضر من غير اذن لم يستحق لانه لا حق له في السهم الراتب، فلان لا يستحق السلب وهو غير راتب أولى، فإن كان ممن يرضخ له كالصبى والمرأة والكافر إذا حضر بالاذن ففيه وجهان: (أحدهما) انه لا يستحق لما ذكرناه (والثانى) انه يستحق لان له حقا في الغنيمة، فأشبه من له سهم، وان لم يغرر بنفسه في قتله بأن رماه من وراء الصف فقتله لم يستحق سلبه، وان قتله وهو غير مقبل على الحرب كالاسير والمثخن والمنهزم لم يستحق سلبه، وقال ابو ثور (كل مسلم قتل مشركا استحق سلبه) لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ قتل كافرا فله سلبه) ولم يفصل، وهذا لا يصح لان ابن مسعود رضى الله عنه قتل أبا جهل وكان قد اثخنه غلامان من الانصار فلم يدفع النبي صلى الله عليه وسلم سلبه إلى ابن مسعود، وان قتله وهو مول ليكر استحق السلب، لان الحرب كروفر.
وان اشترك اثنان في القتل اشتركا

في السلب لا شتراكهما في القتل، وإن قطع أحدهما يديه أو رجليه وقتله الآخر ففيه قولان: (أحدهما) أن السلب للاول لانه عطله (والثانى) أن السلب للثاني لانه هو الذى كف شره دون الاول، لان بعد قطع اليدين يمكنه أن يعود أو يجلب، وبعد قطع الرجلين يمكنه أن يقاتل إذا ركب، وإن مخرر من له سهم فأسر رجلا مقبلا على الحرب وسلمه إلى الامام حيا ففيه قولان (أحدهما) لا يستحق سلبه لانه لم يكف شره بالقتل (والثانى) أنه يستحق لان تغريره بنفسه في أسره ومنعه من القتال أبلغ من القتل، وإن من عليه الامام أو قتله استحق الذى أسره سلبه، وإن استرقه أو فاداه بمال ففى رقبته وفى المال المفادى به قولان (أحدهما) أنه للذى أسره (والثانى) أنه لا يكون له لانه مال حصل بسبب تغريره فكان فيه قولان كالسلب (فصل) والسلب ما كان يده عليه من جنة الحرب، كالثياب التى يقاتل فيها والسلاح الذى يقاتل به والمركوب الذى يقاتل عليه، فأما ما لابد له عليه كخيمته وما في رجله من السلاح والكراع فلا يستحق سلبه لانه ليس من السلب وأما ما في يده مما لا يقاتل به، كالطوق والمنطقة والسوار والخاتم وما في وسطه من النفقة ففيه قولان: (أحدهما) أنه ليس من السلب لانه ليس من جنة الحرب (والثانى) أنه من السلب لان يده عليه فهو كجنة الحرب، ولا يخمس السلب لما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب.
(الشرح) حديث (عتبة وشيبة ابني الربيع..) أخرجه البخاري مختصرا وأبو داود من حديث على حديث أبى هريرة (أن رسول الله سئل عن المبارزة..) في الصحيحين من حديث عهد الرحمن بن عوف أن عوفا ومعوذا ابني العفراء خرجا يوم بدر إلى البراز فلم ينكر عليهما

حديث أبى قتادة (أن رجلا من المشركين علا..) متفق عليه من حديث طويل.
حديث أنس (من قتل كافرا فله سلبه الخ) متفق عليه والترمذي من حديث أبى قتادة بلفظ (من قتل قتيلا فله سلبه) وأحمد من سمرة بن جندب وأبو داود عن أنس بلفظ (من قتلا رجلا) وسنده لا بأس به، وقال مالك في الموطأ لم يبلغني إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ من قتل قتيلا فله سلبه الا يوم حنين، قال الحافظ في الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل، ثم قال الحافظ (فائدة) وقع في كتب بعض أَصْحَابِنَا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذلك يوم بدر وهو وهم وانما قاله يوم حنين، وهو صريح عند مسلم حديث ابن مسعود (قتل أبا جهل) أبو داود وأحمد انه وجد أبا جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو صريع يذب الناس عنه بسيف له فأخذه عبد الله ابن مسعود فقتله به، فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه، أما الرواية فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أيكما قتله، فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال هل مسحتما سيفيكما؟ قالا لا، فنظر في السيفين فقال كلا كما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء اللغة: قوله (وان دعا مشرك إلى المبارزة) أصل البروز الظهور في البراز وهو المكان الفضاء الواسع، وهو ههنا ظهور المتحاربين بين الصفين لا يستتران بغيرهما من أهل الحرب، قال الله تعالى (وترى الارض بارزة) أي ظاهرة ليس فيها ظل ولا فئ.
قوله (مختارا أو مثخنا) أثخنته الجراحة إذا وهنته بألمها، وأثخنه المرض اشتد عليه، وقال الازهرى أثخنه تركه وقيدا لا حراك به مجروحا، وقوله تعالى (حتى يثخن في الارض) أي يكثر القتل والايقاع بالعدو، وقال الازهرى يثخن يبالغ في قتل أعدائه قوله (استنجد المشرك) أي استعان وأنجدته أعنته والنجدة الشجاعة أيضا يقال رجل نجد ونجد أي شجاع قوله (حبل عاتقه) قال الازهرى حبل العاتق عرق يظهر على عاتق الرجل

يتصل بحبل الوريد في باطن العنق، قال وإنما سمى السلب سلبا لان قاتله يسلبه فهو مسلوب وسليب، كما يقال خبطت الشجر ونفضته، والورق المخبوط خبط ونفض.
قوله (فابتت به مخرفا في بنى سلمة) المخرف بالفتح البستان.
وفى الحديث عائد المريض في مخرف من مخارف الجنة حتى يرجع، يقال خرف التمر واخترفه إذا جناه.
واشتقاقه من الخريف وهو الفصل المعروف من السنة لان إدراكه يكون فيه.
قوله (تأثلته) التأثل اتخاذ أصل المال، ومجد مؤثل أي أصيل، وفى الحديث في وصى اليتيم فليأكل غير متأثل مالا، وأصله من الاثلة التى هي الشجرة، قال امرؤ القيس: ولكنما أسعى لمجد مؤثل

  • وقد يدرك المجد المؤثل أمثالى قوله (يرضخ له) الرضخ أن يعطيه أقل من سهم المقاتل والرضخ العطاء القليل.
    قوله (يعدو أو يجلب) الجلبة رفع الصوت جلب وأجلب إذا صوت قوله (جنة الحرب) هو ما يستره ويمنعه من وصول السلاح، وكلما استقر به فهو جنة قوله (وان دعا مشرك إلى المبارزة الخ) قال الشوكاني بعد أن أورد حديث على الذى بارز فيه هو وسيد الشهداء حمزة وعبيدة عتبة بن ربيعة ومعه ابنه وأخاه، دليل على أنها تجوز المبارزة، والى ذلك ذهب المجهور، والخلاف في ذلك للحسن البصري وشرط الاوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق اذن الامير كما في هذه الرواية فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ للمذكورين، والجميع متفق على باق ما أورده المصنف قوله (وان غرر بنفسه من له سهم) قال الترمذي في الجامع الصحيح بعد أن أورد حديث قتادة: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرهم، وهو قول الاوزاعي والشافعي وأحمد، وقال بعض أهل العلم للامام ان يخرج من السلب الخمس، وقال الثوري النفل أن يقول الامام من أصاب شيئا فهو له، ومن قتل قتيلا فله سلبه فهو جائز وليس فيه الخمس

وقال اسحاق السلب للقاتل إلا أن يكون شيئا كثيرا فرأى الامام أن يخرج منه الخمس كما فعل عمر بن الخطاب وقال المباركفورى في التحفة (ذهب المجهور إلى أن القاتل يستحق السلب، سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أم لا، واستدلوا بحديث أبى قتادة.
وروى عن مالك أنه يخير الامام بين أن يعطى القاتل السلب أو يخمسه، واختاره القاضى اسماعيل، واحتج القائلون بتخميس السلب لعموم قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم..) فإنه لم يستثن شيئا، قلت والآية عامة والاحاديث مخصصة، وبذا يمكن الجمع كما أن حديث عوف بن مالك وخالد لا خمس فيها قال الشوكاني يستحق القاتل جميع السلب وان كان كثيرا، وعلى أن القاتل يستحق السلب في كل حال، حتى قال أبو ثور وابن المنذر يستحقه، ولو كان المقتول منهزما.
وقال أحمد لا يستحقه الا بالمبارزة، وعن الاوزاعي إذا التقى الزحفان فلا سلب، وقد اختلف إذا كان المقتول امرأة هل يستحق سلبها القاتل أم لا؟ فذهب أبو ثور وابن المنذر إلى الاولى، وقال الجمهور شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة، واتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب الا ببينة تشهد له بأنه قتله والحجة في ذلك قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ قَتَلَ قتيلا له عليه بينة فله سلبه) فمفهومه أنه إذا لم يكن له بينة لا تقبل وعن الاوزاعي يقبل قوله بغير بينة، لان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أبا قتادة بغير بينة، وفيه نظر لانه وقع في مغازى الواقدي، وعلى تقدير أنه لا يصح فيحمل عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم انه القاتل بطريق من الطرق، وأبعد من قال من المالكية أن المراد بالبينة هنا الذى أقر له أن السلب عنده فهو شاهد والشاهد الثاني وجود المسلوب فإنه بمنزلة الشاهد على أنه قتله، وقيل انما استحقه أبو قتادة بإقرار الذى هو بيده، وهذا ضعيف لان الاقرار انما يفيد إذا كان المال منسوبا لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره والمال هنا لجميع الجيش، ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا يكفى فيها شاهد واحد وقد اختلف في المرأة والصبى هل يستحقان سلب من قتلاه، وفى ذلك وجهان.

قال الامام بحيى أصحهما يستحقان لعموم من قتل قتيلا، قال في البحر وإنما يستحق السلب حيث قتله والحرب قائمة لا لو قتله نائما أو فارا قبل مبارزته أو مشغولا بأكل، ولا لو رماه بسهم إذ هو في مقابلة المخاطرة بالنفس، ولا مخاطرة هنا، ولا لو قتل أسيرا أو عزيلا من السلاح، ولا لو قتل من لاسطوة له كالمقعد، فإن قطع يديه ورجليه استحق سلبه، إذ قد كفى شره، ولو جرحه رجل ثم قتله آخر فالسلب للآخر، إذ لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود سلب أبى جهل وقد جرحه، بل أعطى قاتليه من الانصار، قال فلو ضرب أحدهما يده والآخر رقبته فالسلب لضارب الرقبة ان لم تكن ضربة الآخر قاتلة والا اشتركا، والمراد بالسلب هو ما أجلب به المقتول من ملبوس ومركب وسلاح لا ماكان باقيا في بيته، قال الامام يحيى ولا المنطقة والخاتم وللسوار والجنيب من الخيل فليس بسلب، قال المهدى بل ذهب ان كل ما ظهر على القتيل أو معه فهو سلب لا يخفى من جواهر أو دراهم أو نحوها اه.
والظاهر من الاحاديث أنه يقال للكل شئ وجد مع المقتول وقت السلب سواء كان مما يظهر أو يخفى.
واختلفوا هل يدخل الامام في العموم إذا قال من قتل قتيلا، فذهب أبو حنيفة والهادوية إلى الاول العموم اللفظ الا لقرينة مخصصة نحو أن يقول من قتل منكم وذهب الشافعي والمؤيد بالله في قول انه لا يدخل قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان حاصر قلعة ونزل أهلها على حكم حاكم جاز لان بنى قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم بقتل رجالهم وسبى نسائهم وذراريهم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة ويجب أن يكون الحاكم حرا مسلما ذكرا بالغا عاقلا عدلا عالما، لانه ولاية حكم فشرط فيها هذه الصفات كولاية القضاء، ويجوز أن يكون أعمى لان الذى يقتضى الحكم هو الذى يشتهر من حالهم وذلك يدرك بالسماع فصح من الاعمى كالشهادة فيما طريقه الاستفاضة، ويكره أن يكون الحاكم حسن الرأى فيهم لميله إليهم، ويجوز حكمه لانه عدل في الدين.

وإن نزلوا على حكم حالكم يختاره الامام جاز، لانه لا يختار الامام إلا من يجوز حكمه، وإن نزلوا على حكم من يختارونه لم يجز إلا أن يشترط أن يكون الحاكم على الصفات التى ذكرناها وإن نزلوا على حكم اثنين جاز لانه تحكيم في مصلحة طريقها الرأى فجاز أن يجعل إلى اثنين كالتحكيم في اختيار الامام، وإن نزلوا على حكم من لا يجوز أن يكون حاكما أو على حكم من يجوز أن يكون حاكما فمات، أو على حكم اثنين فماتا أو مات أحدهما وجب ردهم إلى القلعة لانهم على أمان فلا يجوز أخذهم إلا برضاهم ولا يحكم الحاكم إلا بما فيه مصلحة للمسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء.
وإن حكم بعقد الذمة وأخذ الجزية ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجوز إلا برضاهم لانه عقد معاوضة فلا يجوز من غير رضاهم (والثانى) يجوز لانهم نزلوا على حكمه وإن حكم أن من أسلم منهم استرق ومن أقام على الكفر قتل جاز.
وإن حكم بذلك ثم أراد أن يسترق من حكم بقتله لم يجز لانه لم ينزل على هذا الشرط، وان حكم عليهم بالقتل ثم رأى هو أو الامام أن يمن عليهم جاز لان سعد بن معاذ رضى الله عنه حكم بقتل رجال بنى قريظة، فسأل ثابت الانصاري رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يهب له الزبير بن باطا اليهودي ففعل، فإن حكم باسترقاقهم لم يجز أن يمن عليهم الا برضا الغانمين لانهم صاروا مالا لهم.
(الشرح) (حديث لقد حكمت فيهم..) أخرجه البخاري ومسلم من حديث طويل وأحمد.
حديث (سألت ثابت الانصاري..) أخرجه البيهقى اللغة: قوله (من فوق سبعة أرقعة) الرقيع سماء الدنيا وكذلك سائر السموات وهى طباقها، لان كل سماء رقعة التى تليها، كما يرقع الثوب بالرقعة، وجاء به على التذكير كأنه ذهب به إلى السقف، والزبير بن باطا بفتح الراى وكسر الباء قوله (وان حاصر قلعة..) مذهب الجمهور أن الامر في الاسارى الكفرة من الرجال إلى الامام يفعل ما هو الاحظ للاسلام والمسلمين، وقد سبق شرح ما ورد فيما سبق ولا خلاف فيما أورده المزلف بين الجمهور

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ومن أسلم من الكفار قبل الاسر عصم دمه وماله، لِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، فإن كانت له منفعة بإجارة لم تملك عليه لانها كالمال، وإن كانت له زوجة جاز استرقاقها على المنصوص ومن أصحابنا من قال لا يجوز كما لا يجوز أن يملك ماله ومنفعته، وهذا خطأ لان منفعة البضع ليست بمال ولا تجرى مجرى المال، ولهذا لا يضمن بالغصب بخلاف المال والمنفعة وإن كان له ولد صغير لم يجز استرقاقه، لان النبي صلى الله عليه وسلم حاصر بنى قريظة فأسلم ابنا شعبة فأحرز بإسلامهما أموالهما وأولادهمما، ولانة مسلم فلم يجز استرقاقه كالاب، وإن كان حمل من حربية لم يجز استرقاقه لانه محكوم بإسلامه فلم يسترق كالولد، وهل يجوز استرقاق الحامل؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يجوز لانه إذا لم يتسرق الحمل لم يتسرق الحامل، ألا ترى أنه لما لم يجز بيع الحر لم يجز بيع الحامل به

(والثانى) أنه يجوز لانها حربية لاأمان لها (الشرح) حديث (أمرت أن أقاتل) متفق عليه حديث (حاصر بنى قريظة فأسلم ابنا شعبة) رواه ابن إسحاق في المغازى والبيهقي بلفظ على شيخ من بين قريظة والنضير أنه قال: هل تدرى كيف كان إسلام ثعلبة وأسيد ونفر من هذيل لم يكونوا من بنى قريظة، والنضير كانوا فوق ذلك أنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا فوالله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس خيرا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسنين وكان يقول أنه يتوقع خروج نبى قد أظل زمانه، فلما كانت الليلة التى

افتتح فيها قريظة قال أولئك الفتية الثلاثة يا معشر يهود، والله إنه كان للرجل الذى ذكر لكم ابن الهيبان قالوا ما هو اياه، قال بلى والله انه لهو، قال فنزلوا وأسلموا وكانوا شبابا فخلوا أموالهم وأولادهم وأهليهم في الحصن عند المشركين فلما فتح رد ذلك عليهم.
اللغة: قوله (ومن أسلم من الكفار) ذهب الجمهور إلى أن الحربى إذا أسلم طوعا كانت جميع أمواله في ملكه ولا فرق بين أن يكون إسلامه في دار الاسلام أو دار الكفر على ظاهر الدليل.
وقال بعض الحنيفة: ان الحربى إذا أسلم في دار الحرب وأقام بها حتى غلب المسلمون عليها فهو أحق بجميع ماله إلا أرضه وعقاره فإنها تكون فيئا للمسلمين وقد خالفهم أبو يوسف في ذلك فوافق الجمهور.
وذهبت الهادوية إلى مثل ما ذهب به بعض الحنيفة: إذا كان اسلامه في دار الحرب، قالوا وان كان اسلامه في دار الاسلام كانت أمواله جميعها فيئا من غير فرق بين المنقول وغيره إلا أطفاله فإنه لا يجوز سبيهم.
ويدل على ما ذهب إليه الجمهور أنه صلى الله عليه وسلم أقر عقيلا على تصرفاته فيما كان لاخويه على وجعفر وللنبى صلى الله عليه وسلم من الدور والرباع بالبيع وغيره ولم يغير ذلك ولا انتزعها ممن هي في يده لما ظفر، فكان ذلك دليلا على تقرير من بيده دار أو أرض إذا أسلم وهى في يده بطريق الاولى، وقد بوب البخاري على قصة عقيل فقال: باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهى لهم.
قال لقرطبي: يحتمل أن يكون مراد البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم من على أهل مكة بأموالهم ودورهم قبل أن يسلموا، فتقرير من أسلم يكون بطريق الاولى، ثم قال: إن عبد الحربى إذا أسلم صار حرا بإسلامه، إلا إذا أسلم سيده قبله.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أسلم رجل وله ولد صغير تبعه الولد في الاسلام لقوله عز وجل (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم)

وإن أسلمت امرأة ولها ولد صغير تبعها في الاسلام لانها أحد الابوين فتبعها الولد في الاسلام كالاب، وإن أسلم أحدهما والولد حمل تبعه في الاسلام لانه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع المسلم منهما كالولد، وإن أسلم أحد الابوين دون الآخر تبع الولد المسلم منهما لان الاسلام أعلى فكان إلحاقه بالمسلم منهما أولى وإن لم يسلم واحد منهما فالولد كافر، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فإن بلغ وهو مجنون فأسلم أحد أبويه تبعه في الاسلام لانه لا يصح إسلامه بنفسه فتبع الابوين في الاسلام كالطفل وان بلغ عاقلا ثم جن ثم أسلم أحد أبويه ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه لا يتبعه لانه زال حكم الاتباع ببلوغه عاقلا فلا يعود إليه (والثانى) أنه يتبعه، وهو المذهب، لانه لا يصح اسلامه بنفسه فتبع أبويه في الاسلام كالطفل.

(فصل) وان سبى المسلم صبيا فإن كان معه أحدا أبويه كان كافرا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وان سبى وحده ففيه وجهان (أحدهما) انه باق على حكم كفره ولا يتبع السابى في الاسلام، وهو ظاهر المذهب لان يد السابى يد ملك فلا توجب اسلامه كيد المشترى (والثانى) أنه يتبعه لانه لا يصح اسلامه بنفسه ولا معه من يتبعه في كفره فجعل تابعا للسابى لانه كالاب في حضانته وكفالته فتبعه في الاسلام (الشرح) حديث أبى هريرة (كل مولود يولد على الفطرة) أخرجه البخاري ومسلم (ما من مولود الايولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) أخرجه أحمد اللغة: قوله (جمعاء) بفتح الجيم وسكون الميم بعدها عين مهملة، قال في القاموس والجمعاء الناقة المهزولة ومن البهائم التى لم يذهب من بدنها شئ (جدعاء) والجدع قطع الانف أو الاذن أو اليد أو الشفة كما في القاموس، قال والجدعة محركة ما بقى بعد القطع.
اه

(قلت) المقصود أن البهائم كما أنها تولد سليمة من الجدع كاملة الخلقة وانما يحدث لها نقصان الخلقة بعد الولادة بالجدع ونحوه، كذلك أولاد الكفار يولدون على الدين الحق الدين الكامل، وما يعرض لهم من التلبس فإنما هو حادث بعد الولادة بسبب الابوين أو من يقوم مقامهما، وحديث أبى هريرة فيه دليل على أن أولاد الكفار حكم لهم عند الولادة بالاسلام، وانه إذا وجد الصبى في دار الاسلام دون أبويه كان مسلما لانه إنما صار يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا بسبب أبويه فإذا عدما فهو باق على ما ولد عليه وهو الاسلام، كما سبق الافاضة في شرح هذا فيما سبق قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وصف الاسلام صبى عاقل من أولاد الكفار، لم يصح إسلامه على ظاهر المذهب، لما روى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم) ولانه غير مكاف فلم يصح إسلامه بنفسه كالمجنون، فعلى هذا يحال بينه وبين أهله من الكفار إلى أن يبلغ لانه إذا ترك معهم خدعوه وزهدوه في الاسلام فإن بلغ ووصف الاسلام حكم بإسلامه، وإن وصف الكفر هدد وضرب وطولب بالاسلام، وإن أقام على الكفر رد إلى أهله من الكفار.
ومن أصحابنا من قال يصح اسلامه، لانه يصح صومه وصلاته، فصح اسلامه كالبالغ.

(فصل) وان سبيت امرأة ومعها ولد صغير لم يجز التفريق بينهما، وقد بيناه في البيع، وان سبى رجل ومعه ولد صغير ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجوز التفريق بينهما لانه أحد الابوين فلم يفرق بينه وبين الولد الصغير كالام (والثانى) أنه يجوز أن يفرق بينهما، لان الاب لابد أن يفارقه في الحضانة، لانه لا يتولى حضانته بنفسه وانما يتولاها غيره فلم يحرم التفريق بينهما، بخلاف

الام فإنها لا تفارقه في الحضانة، فإنه إذا فرق بينهما ولهت بمفارقته فحرم التفريق بينهما.

(فصل) وان سبى الزوجان أو أحدهما انفسخ النكاح، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: أصبنا فساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا عليهن فأنزل الله تعالى (والمحصنات من النساء الا ما ملكت أيمانكم فاستحللناهن) قال الشافعي رحمه الله: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوطاس وبنى المصطلق وقسم الفئ وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض، ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها وان كان الزوجان مملوكين فسبيا أو أحدهما فلا نص فيه، والذى يقتضيه قياس المذهب أن لا ينفسخ النكاح لانه لم يحدث بالسبي رق وانما حدث انتقال الملك فلم ينفسخ النكاح، كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع، ومن أصحابنا من قال ينفسخ النكاح لانه حدث سبى يوجب الاسترقاق، وان صادق رقا، كما أن الزنا يوجب الحد وان صادف حدا (الشرح) حديث على أخرجه الحاكم وأبو داود عن على وعمر بلفظ (رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم) وأخرجة الحاكم وأبو داود والنسائي عن عائشة بلفظ (رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبى حتى يكبر) وأخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم عن على بلفظ (رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل) حديث أبى سعيد الخدرى أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في سبايا أو طاس (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) واسناده حسن.
وروى الدارقطني عن ابن عباس فهى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض، ثم نقل عن ابن صاعد أن العابدى تفرد بوصله وأن غيره أرسله، ورواه الطبراني في الصغير من حديث أبى هريرة

بإسناده ضعيف وأبو داود من حديث رويفع بن ثابت (لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها بحيضة) وروى ابن أبى شيبة عن على قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ توطأ الحامل حتى تضع أو الحائل حتى تستبرأ بحيضة) لكن في إسناده ضعف وانقطاع.
وروى مسلم عن أبى سعيد (أصبنا نساء يوم أوطاس فكرهوا أن يقعوا عليهن من أجل أزاواجهن من المشركين فأنزل الله تعالى (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم) فاستحللناهن، وفى آخره فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
اللغة: قوله (وان وصف الاسلام صبى عاقل..) (قلت) إنه لا يصح إسلامه ويحال بينه وبين أهله ولا يرد إليهم، وقد سبق شرحه بإفاضة.
أما القول الثاني بأنه يصح اسلامه لانه يصح صلاته فقد اختلفت فيه الآراء كثيرا، قال الشيخ محمود خطاب في المنهل في حديث (مروا الصبى بالصلاة) الخطاب للاولياء لان الصغير غير مكلف لحديث (رفع القلم..) وأمره صلى الله عليه وسلم للاولياء للوجوب وليس أمرا للصبى، لان الامر بالامر بالشئ ليس أمرا به كما هو رأى الجمهور، خلافا للمالكية حيث قالوا ان الامر بالامر بالشئ أمر بذلك الشئ، فالصبي عندهم مأمور بالصلاة ندبا وتكتب له عليها، سواء أكان الولى أبا أم جدا أم وصيا أم قيما من جهة القاضى لقوله تعالى (وإمر أهلك بالصلاة) قال الشافعي في المختصر: على الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْ يُؤَدِّبُوا أَوْلَادَهُمْ وَيُعَلِّمُوهُمْ الطَّهَارَةَ والصلاة، ويضربوهم على ذلك إذا عقلوا، وقيل ان الامر للولى مندوب لا واجب.
قوله (وان سبيت امرأة معها ولد صغير..) قال الخطابى في المعالم: لم يختلف أهل العلم في أن التفريق بين الولد الصغير وبين والدته غير جائز الا أنهم اختلفوا في الحد بين الصغر الذى لا يجوز معه التفريق وبين الكبر الذى يجوز معه، فقال أصحاب الرأى الحد في ذلك الاحتلام.
وقال الشافعي إذا بلغ سبعا أو ثمانيا.
وقال الاوزاعي إذا استغنى عن أمه فقد خرج من الصغر.
وقال مالك إذا اثغر (أي نبتت اسنانه)

وقال أحمد: لا يفرق بينهما بوجه وإن كبر الولد واحتلم، قلت ويشبه أن يكون المعنى في التفريق عند أحمد قطيعة الرحم، وصلة الرحم واجبة مع الصغر والكبر، ولا يجوز عند أصحاب الرأى التفريق بين الاخوين إذا كان أحدهما صغيرا والآخر كبيرا، فإن كانا صغيرين جاز وأما الشافعي فإنه يرى التفريق بين المحارم في البيع، ويجعل المنع في ذلك مقصورا على الولد، ولا تختلف مذاهب العلماء في كراهة التفريق بين الجارية وولدها الصغير، سواء كانت مسبية من بلاد الكفر أو كان الولد من زنا أو كان زوجها أهلها في الاسلام فجاءت بولد قوله (وإن سبى الزوجان أو أحدهما..) ولا خلاف فيما ذهب إليه المصنف ولذلك قال ابن حزم في مراتب الاجماع (واتفق أن من سبى من نساء أهل الكتاب المتزوجات وقتل زوجها وأسلمت هي أن وطأها حلال لمالكها بعد أن تستبرأ قال المباركفورى في التحفة (ويحرم على الرجل أن يطأ الامة المسبية إذا كانت حاملا حتى تستبرئ بحيضة، وقد ذهب إلى ذلك الشافعية والحنفية والثوري والنخعي ومالك، وظاهر قوله (ولا غير حامل) أنه يجب الاستبراء للكبر، ويؤيده القياس على العدة فإنها تجب مع العلم ببراءة الرحم وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الاستبراء انما يجب في حق من لم تعلم براءة رحمها، وأما من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقها، وقد روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه قال إذا كانت الامة عذراء لم يستبرئها ان شاء، وهو في صحيح البخاري عنه.
وقول الشوكاني ومن القائلين بأن الاستبراء انما هو للعلم ببراءة الرحم فيحث تعلم البراءة لا يجب، وحيث لا يعلم ولا يظن يجب.
أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تيمية وابن القيم، ورجحه جماعة من المتأخرين، منهم الجلال والمقيلى والمغربي والامير وهو الحق، لان العلة معقولة، فإذا لم توجد علامة كالحمل ولا مظنة كالمرأة المزوجة فلا وجه لا يجاب الاستبراء، والقول بأن الاستبراء تعدى وأنه يجب في حق الصغيرة، وكذا في حق البكر والآيسة ليس عليه دليل.
انتهى

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا دخل الجيش دار الحرب فأصابوا ما يؤكل من طعام أو فاكهة أو حلاوة واحتاجوا إليه جاز لهم أكله من غير ضمان، لما روى ابن عمر رضى الله عنه قال كنا نصيب من المغازى العسل والفاكهة فنأكله ولا نرفعه، وسئل ابن أبى أوفى عن طعام خيبر فقال: كان الرجل يأخذ منه قدر حاجته، ولان الحاجة تدعو إلى ما يؤكل ولا يوجد من يتشرى منه مع قيام الحرب فجاز لهم الاكل وهل يجوز لهم الاكل من غير حاجة فيه وجهان.

(أحدهما) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه لا يجوز كما لا يجوز في غير دار الحرب أ: ل مال الغير بغير إذنه من غير حاجة.

(والثانى) أنه يجوز وهو ظاهر المذهب وهو قول أكثر أصحابنا، لما روى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فأتيته فالتزمته ثم قلت: لا أعطى من هذا أحدا اليوم شيئا فالتفت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم إلى، ولو لم يجز أكل ما زاد على الحاجة لنهاه عن منع ما زاد على الحاجة ويخالف طعام الغير بأن ذلك لا يجوز أكله من غير ضرورة وهذا يجوز أكله من غير ضرورة قطعا وطعام الغير يأكله بعوض وهذا يأكله بغير عوض فجاز أن يأكله من غير حاجة، ولا يجوز لاحد منهم أن يبيع شيئا منه لان حاجته إلى الاكل دون البيع، وان باع شيئا منه نظرت، فان باعه من بعض الغانمين وسلمه إليه صار المشترى أحق به، لانه من الغانمين، وقد حصل في يده ما يجوز له أخذه للاكل فكان أحق به، فإن رده إلى البائع صار البائع أحق به لما ذكرناه في المشترى، وان باعه من غير الغانمين وسلمه إليه وجب على المشترى رده إلى الغنيمة، لانه ابتاعه ممن لا يملك بيعه ولى سهو من الغانمين فيمسكه لحقه فوجب رده إلى الغنيمة.

(فصل) ويجوز أن يعلف منه المركوب وما يحمل عليه رجله من البهائم لان حاجته إليه كحاجته ولا يدهن منه شعره ولا شعر البهائم لانه لا حاجة به

إليه ولا يعلف منه ما معه من الجوارح كالصقر والفهد، لانه لا حاجة به إليه، وإن خرج إلى دار الاسلام ومعه بقية من الطعام ففيه قولان.

(أحدهما) أنه لا يلزمه ردها في المغنم، لانه مال اختص به من الغنيمة فلا يجب رده فيها كالسلب.

(والثانى) أنه يجب ردها، لانه انما أجيز أخذه في دار الحرب للحاجة، ولا حاجة إليه في دار الاسلام، ومن قال إن كان كثيرا وجب رده قولا واحدا وان كان قليلا فعلى القولين، والصحيح الاول، ولا يجوز تناول ما يصاب من الادوية من غير حاجة، وان دعت الحاجة إليه جاز تناوله ويجب ضمانه، لانه ليس من الاطعمة التى يحتاج إليها في العادة، ولا يجوز له ليس ما يصلب من الثياب لما روى رويفع بن ثابت الانصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه، ولانه لا يحتاج إليه في العادة، فان لبسه لزمته أجرته لانه كالغاصب.

(فصل) ويجوز ذبح ما يؤكل للاكل، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز والمذهب الاول، لانه مما يؤكل في العادة فهو كسائر الطعام، ولا يجوز أن يعمل من أهبها حذاء ولا سقاء ولا دلاء ولا فراء، فان اتخذ منه شيئا من ذلك وجب رده في المغنم وان زادت بالصنعة قيمته لم يكن له في الزيادة حق وان نقص لزمه أرش منا نقص لانه كالغاصب.

(فصل) وإن أصابوا كتبا فيها كفر لم يجز تركها على حالها لان قراءتها والنظر فيها معصية، وإن أصابوا التوراة والانجيل لم يجز تركها على حالها، لانه لا حرمة لها، لانها مبدلة، فان أمكن الانتفاع بما كتب عليه إذا غسل كالجلود غسل وقيم مع الغنيمة وان لم يمكن الانتفاع به إذا غسل كالورق مزق ولا يحرق لانه إذا حرق لم يكن له قيمة فإذا مرزق كانت له قيمة فلا يجوز إتلافه على الغانمين.

(فصل) وإذا أصابوا خمرا وجب إراقتها كما يجب إذا أصيبت في يد مسلم

فإن أصابوا خنزيرا فقد قال في سير الواقدي يقتل ان كان به عدو، فمن أصحابنا من قال ان كان فيه عدو قتل لما فيه من الضرر، وان لم يكن فيه عدو لم يقتل، لانه لا ضرر فيه.
ومنهم من قال يجب قتله بكل حال، لانه يحرم الانتفاع به فوجب اتلافه فالخمر، وان أصابوا كلبا، فان كان عقورا قتل لما فيه من الضرر، وان كان فيه منفعة دفع إلى من ينتفع به من الغانمين أو من أهل الخمس وان لم يكن فيهم من يحتاج إليه خلى، لان اقتناءه لغير حاجة محرم وقد بيناه في البيوع.

(فصل) وان أصابوا مباحا لم يملكه الكفار كالصيد والحجر والحشيش والشجر فهو لمن أخذه كما لو وجده في دار الاسلام، وان وجد ما يمكن أن يكون للمسلمين ويمكن أن يكون للكفار كالسيف والقوس عرف سنة، فان لم يوجد صاحبه فهو غنيمة.

(فصل) وان فتحت أرض عنوة وأصيب فيها موات، فان لم يمنع الكفار عنها فهو لمن أحياه كموات دار الاسلام، وان منعوا عنها كان للغانمين لانه يثبت لهم بالمنع عنها حق التملك فانتقل ذلك الحق إلى الغانمين كما لو تحجروا مواتا للاحياء ثم صارت الدار للمسلمين، وان فتحت صلحا على أن تكون الارض لهم لم يجز للمسلمين أن يملكوا فيها مواتا بالاحياء، لان الدار لهم فلم يملك المسلم فيها بالاحياء.

(فصل) وما أصاب المسلمون من مال الكفار وخيف أن يرجع إليهم ينظر فيه فإن كان غير الحيوان أتلف حتى لا ينتفعوا به ويتقووا به على المسلمين، وان كان حيوانا لم يجز اتلافه من غير ضرورة، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأله الله تعالى عن قتلها، قيل يا رسول الله وما حقها قال أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمى بها، وان دعت إلى قتله ضرورة بأن كان الكفار لا خيل لهم وما أصابه المسلمون خيل وخيف أن يأخذوه ويقاتلونا عليه جاز قتله، لانه إذا لم يقتل أخذه الكفار وقاتلوا به المسلمين.

(الشرح) حديث ابن عمر أخرجه البخاري وأبو داود وابن حبان (أن جيشا غنموا طعاما وعسلا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فلم يأخذ منهم الخمس، وأخرجه البيهقى ورجح الدارقطني وقفه أثر ابن أبى أوفى أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي حديث عبد الله بن مغفل أخرجه البخاري ومسلم عن عبد اله بن مغفل قال أصبنا جرابا من شحم يوم خيبر فالتزمته وقلت لا أعطى أحدا اليوم من هذا شيئا، فالتفت فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مبتسما) حديث رو يفع الانصاري (من كان يؤمن بالله) أخرجه أحمد وابو داود وابن حبان وزاد: روى ذلك يوم حنين بلفظ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال يوم حنين (لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يبتاع مغنما حتى يقسم ولا يلبس ثوبا من فئ حتى إذا أخلقه رده فيه ولا أن يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أخرجه البيهقى وسكت عنه البركمانى في الجوهر النقى.
اللغة، قوله (إذا دخل الجيش دار الحرب..) قال الشوكاني في النيل يجوز أخذ الطعام، ويقاس عليه العلف للدواب بغير قسمة، ولكنه يقتصر من ذلك على مقدار الكفاية، كما في حديث ابن ابى أوفى، وإلى ذلك ذهب الجمهور، سواء اذن الامام أم لم يأذن، والعلة في ذلك أن الطعام يقل في دار الحرب، وكذلك العلف فأبيح للضرورة، والجمهور أيضا على جواز الاخذ، ولو لم تكن ضرورة.
وقال الزهري لا تأخذ شيئا من الطعام ولاغيره إلا بإذن الامام.
وقال سليمان بن موسى يأخذ إلا ان نهى الامام.
وقال ابن المنذر قد وردت الاحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول، واتفق علماء الامصار على جواز أكل الطعام، وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه، وقال الشافعي ومالك يجوز ذبح الانعام للاكل كما يجوز أخذ الطعام، ولكن قده الشافعي بالضرورة إلى الاكل حيث لا طعام.
اه وحديث أبى رويفع فيه دليل على أنه لا يحل لاحد من المجاهدين أن يبيع

شيئا من الغنيمة قبل قسمتها، لان ذلك من الغلول، وقد وردت الاحاديث الصحيحة بالنهي عنه.
ولا يحل أيضا أن يأخذ ثوبا منها فيلبسه حتى يخلقه ثم يرده، أو يركب دابة منها حتى إذا أعجفها ردها لما في ذلك من الاضرار بسائر الغانمين والاستبداد بما لهم فيه نصيب بغير إذن منهم.
قال في الفتح وقد اتفقوا على جواز ركوب دوابهم يعنى أهل الحرب وليس ثيابهم واستعمال سلاحهم حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب، ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك قال وحجته حديث رويفع ونقل عن أبى يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج يتقى به دابته أو ثوبه بخلاف من ليس له ثوب ولا دابة.
وقال الخطابى، فأما الثياب والادوات فلا يجوز استعمالها إلا أن يقول قائل الثياب انه إذا احتاج إلى شئ منها حاجة ضرورة كان له أن يستعمله، مثل أن يشتد البرد فيستدفئ بثوب.
قوله (ويجوز ذبح ما يؤكمل للاكل..) أقول بوب الجد ابن تيمية في كتابه المنتفى بابا ذكر فيه (باب ان الغنم تقسم بخلاف الطعام والعلف) وأورد فيه حديثين عن رجل من الانصار قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد وأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي على قوسه فأكفا قدورنا بقوسه ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال ان النهبة ليست بأحل من الميتة، وان الميتة ليست بأحل من النهبة.
رواه ابو داود والحديث الثاني عن معاذ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر فأصبنا فيها غنما فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة وجعل بقيتها في المغنم رواه أبو دود وفيه مجهول.
إلا أن الشوكاني تعقبه فقال الحديث الاول ليس فيه دليل على ما ترجم له المصنف من ان الغنم تقسم، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا منع من أكلها لاجل النهى، كما وقع التصريح بذلك لا لاجل كونها غنيمة مشتركة لا يجوز

الانتفاع بها قبل القسمة.
نعم الحديث الثاني فيه دليل على أن الامام يقسم بين المجاهدين من الغنم ونحوها من الانعام ما يحتاجونه حال قيام الحرب ويترك الباقي في جملة المغنم، وهذا مناسب لمذهب الجمهور المتقدم فإنهم يصرحون بأنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به، وكل طعام يعتاد أكله على العموم من غير فرق بين أن يكون حيوانا أو غيره.
وقد استدل على أن المنع من ذبح الحيوانات المغنومة بغير إذن الامام بما في الصحيح من حديث رافع بن خديج في ذبحهم الابل التى أصابوها لاجل الجوع وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور.
قال ابن المهلب انما أكفا القدور ليعلم ان الغنيمة انما يستحقونها بعد القسمة ويمكن أن يحمل ذلك على أنه وقع الذبح في غير للوضع الذى وقع فيه القتال، وقد ثبت في هذا الحديث أن القصة وقعت في دار الاسلام لقوله فيها بذى الحليفة وقال القرطبى المأمور بإكفائه انما هو المرق عقوبة للذين تعجلوا، وأما نفس اللحم فلم يتلف، بل يحمل على انه جمع ورد إلى المغانم لاجل النهى عن إضاعة المال.
قوله (وان أصابوا كتبا..) لم يقل أحد أن النظر في كتب الديانات الاخرى معصية، بل الواجب يحتم علينا أن تعلم ما عندهم حتى تكون على بينة من أمرهم، وهاهم علماء المسلمين وأئمتهم ألفوا كتبا في الرد عليهم كابن حزم وغيره، وان عبد الله بن عمرو وقع له كتاب من كتبهم فكان يقرأه ويروى منه وكتب الفلسفة التى عربت والطب وغيرها من العلوم لم يقل أحد أن النظر فيها معصية.
قوله (وإذا أصابوا خمرا..) وهذا لا خلاف فيه فقد أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإهراقها وهى ملك لايتام مسليمن فكيف إذا كانت ملكا للحربيين وكذا الخنزير أما الكلب فقد بينه المؤلف، كما أشار في البيوع قوله (وما أصاب المسلمون من مال الكفار..) فقد سبق تبيانه في وصية أبى بكر الصديق لجيشه وما قيل في التحريق من آراء.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا سرق بعض الغانمين نصابا من الغنيمة، فإن كان قبل إخراج الخمس لم يقطع لمعنيين (أحدهما) أن له حقا في خمسها (والثانى) أن له حقا في أربعة أخماسها، وإن سرق بعد إخراج الخمس فظرت فإن سرق من الخمس لم يقطع لان له حقا فيه، وإن سرق من أربعة أخماسها نظرت فإن سرق قدر حقه أو دونه لم يقطع لان له في ذلك القدر شبهة، وإن كان أكثر من حقه ففيه وجهان (أحدهما) أنه يقطع لانه لاشبهة له في سرقة النصاب (والثانى) أنه لا يقطع لان حقه شائع في الجميع فلم يقطع فيه، وإن كان السارق من غير الغانمين نظرت فإن كان قبل إخراج الخمس لم يقطع لان له حقا في خمسها، وإن كان بعد إخراج الخمس فإن سرق من الخمس لم يقطع لان فيه حقا، وان سرق ذلك من أربعة أخماسها فإن كان في الغانمين من للسارق شبهة في ماله كالاب والابن لم يقطع لان له شبهة فيما سرق، وإن لم يكن له فيهم من له شبهة في ماله قطع لانه لا شبهة له فيما سرق.
(الشرح) والغال من الغنيمة بوب له أبو داود في سننه فقال باب في الغلول إذا كان يسيرا يتركه الامام ولا يحرق رحله، وروى حديث عبد الله بن عمر كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال يا رسول الله هذا فيما كنا أصبنا من الغنيمة، فقال أسمعت بلالا نادى ثلاثا؟ قال نعم، قال فما منعك أن تجئ به فاعتذر فقال كن أنت تجئ به يوم القيامة فلن أقبله عنك.
وبوب البيهقى في سننه الكبرى ج 9 ص 100 (باب الرجل يسرق من الغنم وقد حضر القتال) وأورد ثلاثة احاديث، الاول عن ابن عباس رضى الله عنه أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه، فقال مال الله سرق بعضه بعضا وهذا إسناد فيه ضعف

ورواه من طريق آخر عن ميمون بن مهران عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا، ورينا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أن رجلا سرق مغفرا من المغنم فلم يقطعه.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وطئ بعض الغانمين جارية من الغنيمة لم يجب عليه الحد وقال أبو ثور يجب، وهذا خطأ لان له فيها شبهة وهو حق التملك ويجب عليه المهر لانه وطئ يسقط فيه الحد على الموطوءة للشبهة فوجب المهر على الواطىء كالوطئ في النكاح الفاسد، وان أحبلها ثبت النسب للولد وينعقد الولد حرا الشبهة وهل تقسم الجارية في الغنيمة أو تقوم على الواطئ؟ فيه طريقان، من أصحابنا من قال ان قلنا انه إذا ملكها صارت أم ولد قومت عليه، وان قلنا انها لا تصير أم ولد له لم تقوم عليه.
وقال أبو إسحاق تقوم على القولين، لانه لا يجوز قسمتها كما لا يجوز بيعها ولا يجوز تأخير القسمة لان فيه اضرارا بالغانمين فوجب أن تقوم، وان وضعت فهل تلزمه قيمة الولد؟ ينظر فيه فإن كان قد قومت عليه لم تلزمه لانها تضع في ملكه، وان لم تكن قومت عليه لزمه قيمة الولد لانها وضعته في غير ملكه (فصل) ومن قتل في دار الحرب قتلا يوجب القصاص أو أتى بمعصية توجب الحد وجب عليه ما يجب في دار الاسلام، لانه لا تختلف الداران في تحريم الفعل فلم تختلفا فيما يجب به من العقوبة.
(الشرح) روى البيهقى في سننه الكبرى ما يخالف ما أورده المصنف إذ قال بَعَثَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خالد بن الوليد في جيش، فبعث خالد ضرار ابن الازور في سرية في خيل فأغاروا على حى من بنى أسد فأصابوا امرأة عروسا جميلة فاعجبت ضرار، فسألها أصحابه فأعطوها إياه فوقع عليها، فلما قفل ندم وسقط به في يده، فلما رفع إلى خالد أخبره بالذى فعل، فقال خالد فإنى قد أجزتها لك وطيبتها لك، قال لا حتى تكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر أن أرضخه بالحجارة، فجاء كتاب عمر رضى الله عنه وقد توفى، فقال ما كان الله ليخزى ضرار بن الازور.

وروى البيهقى أن ابن عمر سئل عن جارية كانت بين رجلين وقع عليها أحدهما قال هو خائن ليس عليه حد تقوم عليه قيمة، وفى رواية أخرى ليس عليه حد يقوم عليه قيمتها ويأخذها، وسكت عنه ابن التركماني قوله (ومن قتل في دار الحرب..) وقد بوب البيهقى في سننه الكبرى باب إقامة الحدود في أرض الحرب، ثم أورد فيه، قال الشافعي رحمه الله قد أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحد بالمدينة والشرك قريب منها وفيها شرك كثير موادعون وضرب الشارب بحنين والشرك قريب منه وروى عن عبد الرحمن ابن أزهر الزهري قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حنين يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد وأتى بسكران فأمر من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه من التراب.
وذكر أن أبا داود روى في مراسيله: قال صلى الله عليه وسلم وأقيموا الحدود في الحضر والسفر على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لاثم، وذكر أثر عمر إلى خالد السابق، ولم يتعقبه ابن التركماني بشئ، ثم بوب بابا آخر فقال: باب من زعم لا تقام الحدود في أرض الحرب حتى يرجع، وروى فيه آثارا منها أن عمر رضى الله عنه كتب إلى عمير بن سعد الانصاري وإلى عماله أن لا يقيموا حدا على أحمد من المسليمن في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة، قال الشافعي: ما روى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مستنكر، وهو يعيب أن يحتج بحديث غير ثابت، ويقول حدثنا شيخ، ومن هذا الشيخ؟ ويقول مكحول عن زيد بن ثابت ومكحول لم ير زيد بن ثابت، قال الشافعي، وقوله يلحق بالمشركين، فإن لحق بهم فهو أشقى له، ومن ترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم التى تتصل ببلاد الحرب، ثم تعقبه ابن البركمانى في الجوهر النقى (قال الشافعي ما روى عن عمر مستنكر) بقوله قلت أخرجه ابن أبى شيبة في المصنف بسنده قال: كتب عمر ابن الخطاب: ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع على الدرب لئلا يحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار، وعن أبى الدرداء: نهى أن يقام على أحد حد في أرض العدو

واحتج أبو يوسف في كتاب الخراج لهذه المسألة فروى بسنده عن علقمة قال: غزونا بأرض الروم ومعنا حذيفة وعلينا رجل من قريش فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة تحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم وذكره ابن أبى شيبة عن الاعمش، وروى عبد الرزاق عن علقمة قال أصاب أمير الجيش وهو الوليد بن عقبة شرابا فسكر، فقال الناس لابن مسعود وحذيفة ابن اليمان أقيما عليه الحد، فقالا لا نفعل، نحن بإزاء العدو ونكره أن يعلموا فيكون جرأة منهم علينا وضعفا بنا، وفى المعالم قال الاوزاعي لا يقطع أمير العسكر حتى يقفل من الدرب فإذا قفل قطع قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان تجسس رجل من المسلمين الكفار لم يقتل، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أنا والزبير والمقداد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فيها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا حتى أتينا الروضة فإذا بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فيه من حاطب بن أبى بلتمة رضى الهل عنه إلى أناس بمكة يخبرهم ببعض أمور رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يا حاطب من هذا؟ قال يا رسول الله لا تعجل على انما كنت امرأ ملصقا فأحببت أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعل ذلك ارتدادا عن دينى ولا أرضى الكفر بعد الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما انه قد صدق، فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال انه قد شهد بدرا، فقال سفيان بن عيينة فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لانتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) وقرأ سفيان إلى قوله (فقد ضل سواء السبيل) (الشرح) حديث على عن عبيد الله بن أبى رافع قال: سمعت عليا رضى الله عنه يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب، فخرجنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بظعينة، فقلنا اخرجي الكتاب؟ فقالت ما معى كتاب، فقلنا لها لتخرجن

الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فيه من حاطب بن أبى بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة يخبر ببعض أمر النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا هَذَا يا حاطب؟ قال لا تعجل على إنى كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم ولم يكن لى بمكة قرابة، فأحببت إذا فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا والله ما فعلنه شكا في دينى ولا رضا بالكفر بعد الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انه قد صدق، فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم انه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ونزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) أخرجه البخاري ومسلم.
اللغة: قوله (فإن فيها ظعينة) الظعينة المرأة في الهودج، وأصل الظعينة هو الهودج ثم سميت المرأة ظعينة لكونها فيه مأخوذ من الظعن وهو الارتحال، قال الله تعالى (يوم ظعنكم ويوم اقامتكم) وقال بعضهم لا يقال للمرأة ظعينة إلا إذا كانت في الهودج.
قوله (فأخرجته من عقاصها) عقص الشعر ليه وضفره على الرأس، ومنه سميت الشاة الملتوية القرن عقصاء، والعقاص جمع عقصة مثل رهمة ورهام قال امرؤ القيس: يضل العقاص في مثنى ومرسل قوله (كنت امرأ ملصقا) الملصق بالقوم والملتصق المنضم إليهم وليس منهم قوله (يدا) أراد صنيعة منهم يمنعون بها قرابتي قال: تكن لك في قومي يد يشكرونها

  • وأيدي الندى في الصالحين قروض قوله (دعني أضرب نق هذا المنافق) قد ذكرنا أن المنافق الذى يظهر الايمان ويستر الكفر، وفى اشتقاقه ثلاثة أوجه (أحدهما) أنه مشتق من النفق وهو ال؟ رب من قوله تعالى (فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الارض) فشبه بالذى يدخل النفق ويستنر به (والثانى) أنه مشتق من نافقاء اليربوع وهو جحره لان له حجرا يسمى النافقاء وآخر يقال له القاصعاء، فإذا طلب من النافقاء قصع
فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل