كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي أَنَّهُ قَالَ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ أَبُو الْقَاسِمِ الصيمري والشيخ أبو محمد الجويني والبغوى والشاشئ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَصَحَّحَ الاستاذ أبو إسحاق الا سفراينى وَالرُّويَانِيُّ طَهَارَتَهُ قَالَ الرُّويَانِيُّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَسَّمُوا الْفِرَى الْمَغْنُومَةَ مِنْ الْفُرْسِ وَهِيَ ذَبَائِحُ مَجُوسٍ وَمِمَّا يَدُلُّ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَامِرِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن جلوود السِّبَاعِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وعن المقدام بن معد يكرب أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أُنْشِدُك بِاَللَّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا: قَالَ نَعَمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ قَالُوا نَعَمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَنَحْوُهَا احْتَجَّ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لِأَنَّ النَّهْيَ مُتَنَاوِلٌ لِمَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَائِدًا إلَى نَفْسِ الْجِلْدِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ بِالدِّبَاغِ بِالدَّلَائِلِ السَّابِقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ إلَى الشَّعْرِ: وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الرُّويَانِيُّ مِنْ الْفِرَى الْمَغْنُومَةِ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهَا فِيمَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ النَّجِسِ فِيهِ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا
- (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّ الشَّعْرَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ قَالَ الْقَاضِي حسين والجرجاني وغيرهما يعفا عَنْ الْقَلِيلِ الَّذِي يَبْقَى عَلَى الْجِلْدِ وَيُحْكَمُ بطهارته تبعا
(فرع) مما ينبغي أن يتفطن له وتدعوا الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهِ جُلُودُ الثَّعَالِبِ وَنَحْوِهَا إذَا مَاتَتْ أَوْ أُفْسِدَتْ ذَكَاتُهَا بِإِدْخَالِ السِّكِّينِ فِي آذَانِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَجِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهَذِهِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِعَدَمِ طَهَارَةِ الشَّعْرِ بِالدِّبَاغِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَمَّا الْقُنْدُسُ فَبَحَثْنَا عَنْهُ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مَأْكُولٌ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجْتَنَبَ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ فِي تَحْرِيمِ مَا أَشْكَلَ مِنْ الْحَيَوَانِ فَلَمْ يُدْرَ أَنَّهُ مَأْكُولٌ أَمْ لَا وَسَنَذْكُرُ فِي فَرْعٍ قَرِيبٍ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي نَحْوَ هَذَا فِي الشَّعْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَوْ بَاعَ جِلْدَ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ قَبْلَ إمَاطَةِ الشَّعْرِ عَنْهُ وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْجِلْدَ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَأَنَّ الشَّعْرَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ إحْدَاهَا أَنْ يَقُولَ بِعْتُك الْجِلْدَ دُونَ الشَّعْرِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ: الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك الْجِلْدَ مَعَ شَعْرِهِ فَبَيْعُ الشَّعْرِ بَاطِلٌ وَفِي الْجِلْدِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ: الثَّالِثَةُ أَنْ يَبِيعَهُ مُطْلَقًا فَهَلْ هُوَ كَالْحَالَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ الْأُولَى: فِيهِ وَجْهَانِ (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْجِيزَيَّ وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْمُهَذَّبِ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَهُ ذِكْرٌ فِي غَيْرِ الْمُهَذَّبِ فِي مَسْأَلَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ فَإِنَّهُ نَقَلَهَا عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي الرَّوْضَةِ وَفِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَأَمَّا الرَّبِيعُ الْمُتَكَرِّرُ فِي الْمُهَذَّبِ وَكُتُبِ الْأَصْحَابِ فَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ وَهُوَ رَاوِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ وَقَدْ أَوْضَحْت حَالَ الرَّبِيعَيْنِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَهَذَا الْجِيزِيُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبِالزَّايِ مَنْسُوبٌ إلَيَّ جِيزَةِ مِصْرَ وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصْرِيُّ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِمَا وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَكَانَ عُمْدَةً عند المحدثين والله أعلم قال المصنف رحمه الله
- (وان جز الشعر من الحيوان نظرت فان كان من حيوان يؤكل لم ينجس لان الجز في الشعر كالذبح في الحيوان ولو ذبح الحيوان لم ينجس فكذلك إذا جز شعره وان كان من حيوان لا يؤكل فحكمه حكم الحيوان ولو ذبح الحيوان كان ميتة فكذلك إذا جز شعره وجب أن يكون ميتة) (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا إذَا جُزَّ شَعْرٌ أَوْ صُوفٌ أَوْ وَبَرٌ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَكَانَ الْقِيَاسُ نَجَاسَتَهُ كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي الْحَيَاةِ وَلَكِنْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى طَهَارَتِهَا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي مَلَابِسِ الْخَلْقِ وَمَفَارِشِهِمْ وَلَيْسَ فِي شُعُورِ الْمُذَكَّيَاتِ كِفَايَةٌ لِذَلِكَ: قَالُوا وَنَظِيرُهُ اللَّبَنُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فِي الْبَاطِنِ كالدم ولله أَعْلَمُ: الثَّانِيَةُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجُزَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ وَثَنِيٌّ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ: الثَّالِثَةُ إذَا انْفَصَلَ شَعْرٌ أَوْ صُوفٌ أَوْ وَبَرٌ أَوْ رِيشٌ عَنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ فِي حَيَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَتْفٍ فَفِيهِ أَوْجُهٌ: الصَّحِيحُ مِنْهَا وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ طَاهِرٌ: وَالثَّانِي أَنَّهُ نَجِسٌ سواء انفصل بنفسه أو نتف حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَطْهُرُ إلَّا الْمَجْزُوزُ لأن ما أبين من حي فهو ميت: وَالثَّالِثُ إنْ سَقَطَ بِنَفْسِهِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ نُتِفَ فَنَجِسَ لِأَنَّهُ عُدِلَ بِهِ عَنْ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْحَيَوَانِ فَهُوَ كَخَنْقِهِ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالْمُخْتَارُ مَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَزِّ وَهُوَ شَبِيهٌ بِمَنْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ كَالٍّ فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِنْ جُزَّ الشَّعْرُ لَمْ يَنْجُسْ لِأَنَّ الْجَزَّ كَالذَّبْحِ فَرُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ السَّاقِطَ بِنَفْسِهِ نَجِسٌ وَهَذَا الْوَهْمُ خَطَأٌ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِالْجَزِّ التَّمْثِيلُ لِمَا انْفَصَلَ فِي الْحَيَاةِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ قُطِعَ جَنَاحُ طَائِرٍ مَأْكُولٍ فِي حَيَاتِهِ فَمَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ نَجِسٌ تَبَعًا لَمَيْتَتِهِ: الرَّابِعَةُ إذَا جُزَّ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ أَوْ سَقَطَ بِنَفْسِهِ أَوْ نُتِفَ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ لَهُ حُكْمَ شَعْرِ الْمَيْتَةِ لِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فيه
الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَالْمَذْهَبُ نَجَاسَتُهُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَطَهَارَتُهُ مِنْ الْآدَمِيِّ: (فَرْعٌ مُهِمٌّ) قَدْ اُشْتُهِرَ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ وَكُتُبِهِمْ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٍ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّةٌ وَدَلِيلُهَا حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ وَيَقْطَعُونَ أَلَيَاتِ الْغَنَمِ فَقَالَ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ
- (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الشَّعْرَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَرَأَى شَعْرًا لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ فَهُوَ طَاهِرٌ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ مَأْكُولٍ فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى طَهَارَتِهِ وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْحَابِ فِي أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ وَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا التَّفْصِيلِ صَاحِبُ الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ احْتِمَالًا لِنَفْسِهِ فِي نَجَاسَةِ الْمَأْكُولِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أُخِذَ فِي حَيَاتِهِ أَمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ خَطَأٌ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا طَهَارَتَهُ 1 وَلَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلٌ وَلَا ظَاهِرٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيمَا إذَا شَكَّ فوجهان فالمختار منهما لطهارة لا ننا تيقنا طاهرته في الحياة ولم يعاضها أَصْلٌ وَلَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى كَوْنِ الظَّاهِرِ نَجَاسَتُهُ وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِهِ شَعْرَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ فِي غَايَةِ النُّدُورِ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمُسْتَظْهِرِيِّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْوَجْهَيْنِ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْحَاوِي هَذَا لَيْسَ بشئ بَلْ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا فمردود بما ذكرناه من القل والدليل والله أعلم: قال المصنف رحمه الله (وَأَمَّا الْعَظْمُ وَالسِّنُّ وَالْقَرْنُ وَالظِّلْفُ وَالظُّفُرُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ كَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ لِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ وَمِنْهُمْ من قال ينجس قولا واحدا) (الشَّرْحُ) هَذَانِ الطَّرِيقَانِ مَشْهُورَانِ: الْمَذْهَبُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْقَطْعُ بِالنَّجَاسَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّعْرِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّ السِّنَّ تَضْرَسُ وَالْعَظْمَ يُحِسُّ قَالَ أَصْحَابُنَا حُكْمُ الظُّفُرِ حُكْمُ الْعَظْمِ وَالظِّلْفِ وَالْقَرْنِ هَذَا فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ: وَأَمَّا أَجْزَاءُ الْآدَمِيِّ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي مَسْأَلَةِ الشَّعْرِ وَأَمَّا خُفُّ الْبَعِيرِ الْمَيِّتِ فَنَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ (فرع) العاج المتخذ من عظم الفيل
نَجِسٌ عِنْدَنَا كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِظَامِ لَا يجوز استعماله في شئ رَطْبٍ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ نَجَّسَهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ لِمُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِهِ وَلَوْ اتَّخَذَ مُشْطًا مِنْ عَظْمِ الْفِيلِ فَاسْتَعْمَلَهُ فِي رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ رُطُوبَةً مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ تَنَجَّسَ شَعْرُهُ وَإِلَّا فَلَا: وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ 1 هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِلْأَصْحَابِ وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ هَكَذَا فِي اسْتِعْمَالِ مَا يُصْنَعُ بِبَعْضِ بِلَادِ حواران من أحشاء الغنم عَلَى هَيْئَةِ الْأَقْدَاحِ وَالْقِصَاعِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَطْبٍ وَيَجُوزُ فِي يَابِسٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَلَوْ جُعِلَ الدُّهْنُ فِي عَظْمِ الْفِيلِ لِلِاسْتِصْبَاحِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي غَيْرِ الْبَدَنِ فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِ الِاسْتِصْبَاحِ بِزَيْتٍ نَجِسٍ لِأَنَّهُ ينجس بوضعه في العظم هدا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا فِي عَظْمِ الْفِيلِ: وَإِنَّمَا أَفْرَدْته عَنْ الْعِظَامِ كَمَا أَفْرَدَهُ الشَّافِعِيُّ: ثُمَّ الْأَصْحَابُ قَالُوا وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ النَّاسِ لَهُ وَلِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ بطهارته بناء عل أَصْلِهِ فِي كُلِّ الْعِظَامِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ إنْ ذُكِّيَ فَطَاهِرٌ وَإِلَّا فَنَجِسٌ بِنَاءً على رواية له ان الفيل مأكول: وقال إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إنَّهُ نَجِسٌ لَكِنْ يَطْهُرُ بِخَرْطِهِ وَقَدْ قَدَّمْنَا دَلِيلَ نَجَاسَةِ جَمِيعِ الْعِظَامِ وَهَذَا مِنْهَا وَمَذْهَبُ النَّخَعِيِّ ضَعِيفٌ بَيِّنُ الضَّعْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ سُئِلَ فَقِيهُ الْعَرَبِ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْإِنَاءِ الْمُعَوَّجِ فَقَالَ إنْ أَصَابَ الْمَاءُ تَعْوِيجَهُ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَيَجُوزُ والاناء المعوج هو المضبب بقطعة من من عظم الفيل وهذا صحيح والصورة فيماء دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَفَقِيهُ الْعَرَبِ لَيْسَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا الْعُلَمَاءُ يَذْكُرُونَ مَسَائِلَ فِيهَا أَلْغَازٌ وَمُلَحٌ يَنْسِبُونَهَا إلَى فُتْيَا فَقِيهِ الْعَرَبِ وَصَنَّفَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ كِتَابًا سَمَّاهُ فُتْيَا فَقِيهِ الْعَرَبِ ذَكَرَ فِيهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَشَدُّ ألغازا منها (فرع) يجوز إيقَادُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ غَيْرَ الْآدَمِيِّ تَحْتَ الْقُدُورِ وَفِي التَّنَانِيرِ وَغَيْرِهَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ قال المصنف رحمه الله (وأما اللبن في ضرع الشاة الميتة فهو نجس لانه ملاق للنجاسة فهو كاللبن في اناء نجس وأما البيض في جوف الدجاجة الميتة فان لم يتصلب قشره فهو كاللبن وان تصلب قشره لم ينجس كما لو
وقعت بيضة في شئ نجس) * (الشَّرْحُ) أَمَّا مَسْأَلَةُ اللَّبَنِ فَهُوَ نَجِسٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ هَذَا حُكْمُ لَبَنِ الشَّاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ: فَأَمَّا إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَفِي ثَدْيِهَا لَبَنٌ فَإِنْ قُلْنَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ فَاللَّبَنُ نَجِسٌ كَمَا فِي الشَّاةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّ الْآدَمِيَّ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ فَهَذَا اللَّبَنُ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ وَقَدْ ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي آخِرِ بَابِ بَيْعِ الْغَرَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الْبَيْضَةُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ إنْ تَصَلَّبَتْ فَطَاهِرَةٌ وَإِلَّا فَنَجِسَةٌ: وَالثَّانِي طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا: وَالثَّالِثُ نَجِسَةٌ مُطْلَقًا: وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَهَذَا نَقْلٌ غَرِيبٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ قال صاحب الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَلَوْ وُضِعَتْ هَذِهِ الْبَيْضَةُ تَحْتَ طَائِرٍ فَصَارَتْ فَرْخًا كَانَ الْفَرْخُ طَاهِرًا عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْبَيْضَةِ نَجِسٌ وَأَمَّا الْبَيْضَةُ الْخَارِجَةُ فِي حَيَاةِ الدَّجَاجَةِ فَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي الْوَلَدِ الْخَارِجِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: وَأَمَّا إذَا انْفَصَلَ الْوَلَدُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهَا فَعَيْنُهُ طَاهِرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَيَجِبُ غُسْلُ ظَاهِرِهِ بِلَا خِلَافٍ 1 وَاذَا اسْتَحَالَتْ الْبَيْضَةُ الْمُنْفَصِلَةُ دَمًا فَهَلْ هِيَ نَجِسَةٌ أَمْ طَاهِرَةٌ وَجْهَانِ: وَلَوْ اخْتَلَطَتْ صُفْرَتُهَا بِبَيَاضِهَا فَهِيَ طَاهِرَةٌ بِلَا خِلَافٍ: وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَبْسُوطَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالدَّجَاجَةُ وَالدَّجَاجُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّبَنَ فِي ضَرْعِ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ هذا مذهبنا وهو قول مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ طَاهِرٌ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ يُلَاقِي نَجَاسَةً بَاطِنِيَّةً فَكَانَ طَاهِرًا كَاللَّبَنِ مِنْ شَاةٍ حَيَّةٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ قَالُوا وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَنِيَّ طَاهِرٌ عِنْدَكُمْ وَيَخْرُجُ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مُلَاقٍ لِنَجَاسَةٍ فَهُوَ كَلَبَنٍ فِي إنَاءٍ نَجِسٍ: وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّبَنَ يُلَاقِي الْفَرْثَ وَالدَّمَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْمُلَاقَاةَ لِأَنَّ الْفَرْثَ فِي الْكِرْشِ وَالدَّمَ فِي الْعُرُوقِ وَاللَّبَنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ رَقِيقٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ نَجَاسَةُ الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بل لها حكم إذا
انْفَصَلَ مَا لَاصَقَهَا وَلِهَذَا لَوْ ابْتَلَعَ جَوْزَةً وَتَقَايَأَهَا صَارَتْ نَجِسَةَ الظَّاهِرِ وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ مَخْرَجَهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ فَالْفَرْقُ أَنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ وَتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِخِلَافِ اللَّبَنِ فِي الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْبَيْضِ فِي دَجَاجَةٍ مَيِّتَةٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا وَحُكِيَ تَنْجِيسُهَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَطَهَارَتُهَا عن أبي حنيفة والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (إذ ذبح حيوان يؤكل لم ينجس بالذبح شئ مِنْ أَجْزَائِهِ وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ وَعَظْمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ لِأَنَّهُ جُزْءٌ طَاهِرٌ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ مَأْكُولٍ فَجَازَ الِانْتِفَاعُ به بعد الذكاة كاللحم
- (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ احْتِرَازٌ مِنْ أَجْزَاءِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِمُجَرَّدِ الذكاة * قال المصنف رحمه الله
- (وَإِنْ ذُبِحَ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ نَجِسَ بِذَبْحِهِ كَمَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ ذَبْحٌ لَا يُبِيحُ أَكْلَ اللَّحْمِ فَنَجِسَ بِهِ كَمَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كذبح المجوسى)
- (الشَّرْحُ) مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِذَبْحِ مَا لا يؤكل شعره ولا جلده ولا شئ مِنْ أَجْزَائِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي طَهَارَةِ لَحْمِهِ وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ مَالِكٍ طَهَارَةَ الْجِلْدِ بِالذَّكَاةِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَا عَلَى نَجَاسَتِهِمَا وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ فَشُبِّهَ الدِّبَاغُ بِالذَّكَاةِ وَالدِّبَاغُ يُطَهِّرُهُ فَكَذَا الذَّكَاةُ وَلِأَنَّهُ جِلْدٌ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَطَهُرَ بِالذَّكَاةِ كَالْمَأْكُولِ وَلِأَنَّ مَا طَهَّرَ جِلْدَ الْمَأْكُولِ طَهَّرَ غَيْرَهُ كَالدِّبَاغِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَشْيَاءَ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِيهِ كِفَايَةٌ فَإِنْ قَالُوا هَذَا مُنْتَقَضٌ بِذَبْحِ الشاة المسمومة فانه لا يبح أَكْلَهَا وَيُفِيدُ طَهَارَتَهَا: فَالْجَوَابُ أَنَّ أَكْلَهَا كَانَ مُبَاحًا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَارِضٍ وَهُوَ السُّمُّ حَتَّى لَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِ السُّمِّ بِطَرِيقٍ أُبِيحَ الْأَكْلُ: وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ
الْأَصْلِيَّ بِالذَّبْحِ أَكْلُ اللَّحْمِ فَإِذَا لَمْ يُبِحْهُ هَذَا الذَّبْحُ فَلَأَنْ لَا يُبِيحَ طَهَارَةَ الْجِلْدِ أولا: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ فَمِنْ أَوْجُهٍ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ أَحَدُهَا أَنَّهُ عَامُّ فِي الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ فَنَخُصُّهُ بِالْمَأْكُولِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا: وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ: الثَّالِثُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الْأَدِيمَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى جِلْدِ الْغَنَمِ خَاصَّةً وَذَلِكَ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخْتَلِفِ فِيهِ وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الدِّبَاغِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الدِّبَاغَ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الذَّكَاةُ: فَإِنَّهَا تَمْنَعُ عِنْدَهُمْ حُصُولَ نَجَاسَةٍ: وَالثَّانِي أَنَّ الدِّبَاغَ إحَالَةٌ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلٌ بَلْ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَدْبَغَةِ انْدَبَغَ بِخِلَافِ الذَّكَاةِ فَإِنَّهَا مُبِيحَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا فِعْلُ فَاعِلٍ بِصِفَةٍ فِي حَيَوَانٍ بِصِفَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ لِأَخْذِ جِلْدِهِ وَلَا لِيَصْطَادَ عَلَى لَحْمِهِ النُّسُورَ وَالْعِقْبَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْحِمَارُ الزَّمِنُ وَالْبَغْلُ الْمُكَسَّرُ وَغَيْرُهُمَا وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ذَكَرَهَا فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ بَيْعِ الْكِلَابِ قُبَيْلَ كِتَابِ السَّلَمِ قَالَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِجِلْدِهِ وَحَكَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا عَنْهُ جَوَازُهُ وَالثَّانِيَةُ تَحْرِيمُهُ وَهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِهِ عِنْدَهُ (فَرْعٌ) اتَّخَذَ حَوْضًا مِنْ جِلْدٍ نَجِسٍ وَوَضَعَ فِيهِ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْمَاءِ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ وَالْإِنَاءُ نَجِسٌ: وَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِ كَلَامٌ سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ: وَإِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ فَنَجِسٌ وَنَظِيرُهُ لَوْ وَلَغَ كَلْبٌ فِي إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ مَاءٌ طَاهِرٌ فِي إنَاءٍ نَجِسٍ وَإِلَّا فَهُمَا نَجِسَانِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبَ فِي تَعْلِيقِهِ وَلَا نَظِيرَ لِهَاتَيْنِ المسألتين والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ويكره استعمال أواني الذهب والفضه لما روى حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فانها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة وهل يكره كراهة تنزيه أو تحريم: قولان قال في القديم كراهة تنزيه لانه انما نهى عنه للسرف والخيلاء والتشبه بالاعاجم وهذا لا يوجب التحريم وقال في الجديد يكره كراهة تحريم وهو الصحيح لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنية الفضة انما يجرجر في جوفه نار جهنم فتواعد عليه بالنار فدل على أنه محرم وان توضأ منه صح الوضوء لان المنع لا يختص بالطهارة فأشبه الصلاة في الدار المغصوبة وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وليس في ذلك معصية وانما المعصية في استعمال الظرف دون ما فيه فان أكل أو شرب منه لم يكن المأكول والمشروب حراما لان المنع لاجل الظرف دون ما فيه: وأما اتخاذها ففيه وجهان أحدهما يجوز لان الشرع ورد بتحريم الاستعمال دون الاتخاذ والثاني لا: وهو الاصح لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَا يَجُوزُ اتخاذه كالطنبور والبربط وأما أواني البلور والفيروزج وما أشبههما من الاجناس المثمنة ففيه قولان روى حرملة أنه لا يجوز لانه أعظم في السرف من الذهب والفضة فهو بالتحريم أولى وروى المزني أنه يجوز وهو الاصح لان السرف فيه غير ظاهر لانه لا يعرفه الا الخواص من الناس)
- (الشَّرْحُ) قَدْ جَمَعَ هَذَا الْفَصْلُ جُمَلًا مِنْ الْحَدِيثِ فِي اللُّغَةِ وَالْأَحْكَامِ وَيَحْصُلُ بَيَانُهَا بِمَسَائِلَ احداها حديث حذيفة في الصحيفين لَكِنَّ لَفْظَهُ فِيهِمَا لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إلَخْ فَذَكَرَ فِيهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَوَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ الْفِضَّةُ فَقَطْ: وَفِي بَعْضِهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَأَمَّا الصِّحَافُ فَجَمْعُ صَحْفَةٍ كَقَصْعَةٍ وَقِصَاعٍ وَالصَّحْفَةُ دُونَ الْقَصْعَةِ قَالَ الْكِسَائِيُّ الْقَصْعَةُ مَا تَسَعُ مَا يُشْبِعُ عَشْرَةً وَالصَّحْفَةُ مَا يُشْبِعُ خَمْسَةً: وَأَمَّا رَاوِيهِ فَهُوَ أبو عبد الله حذيفة ابن الْيَمَانِ وَالْيَمَانُ لَقَبٌ وَاسْمُهُ حُسَيْلٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ لَامٌ وَيُقَالُ حِسْلٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ السِّينِ وَالْيَمَانُ صَحَابِيٌّ شَهِدَ هُوَ وَابْنُهُ حُذَيْفَةُ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمئِذٍ الْيَمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَأً وَكَانَ حُذَيْفَةُ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَالْخِصِّيصِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ ستة وَثَلَاثِينَ بَعْدَ وَفَاةِ عُثْمَانَ بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلَفْظُهُ فِيهِمَا الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مَنْ شَرِبَ فِي إنَاءٍ مِنْ ذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ
فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَرْجِرُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ وَنَارًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ النَّارَ فَاعِلَةٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي اختارها الزَّجَّاجُ وَالْخَطَّابِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ غَيْرَهُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي عَوَانَةَ وَفِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَشْرَبُ فِي الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارًا كَذَا هُوَ فِي الْأُصُولِ نَارًا بِالْأَلِفِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ جَهَنَّمَ: وَأَمَّا مَعْنَاهُ فَعَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ الْفَاعِلُ هُوَ الشَّارِبُ مُضْمَرٌ فِي يُجَرْجِرُ أَيْ يُلْقِيهَا فِي بَطْنِهِ بِجَرْعٍ مُتَتَابِعٍ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي حَلْقِهِ وَعَلَى رِوَايَةِ الرَّفْعِ تَكُونُ النَّارُ فَاعِلَةً: مَعْنَاهُ أَنَّ النَّارَ تُصَوِّتُ فِي جَوْفِهِ وَسُمِّيَ الْمَشْرُوبُ نَارًا لِأَنَّهُ يؤول إلَيْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بطونهم نارا وَأَمَّا جَهَنَّمُ عَافَانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ بَلَاءٍ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ قَالَ يُونُسُ وَأَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ هِيَ عَجَمِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ وَالْعُجْمَةِ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ عَرَبِيَّةٌ لَا تَنْصَرِفُ لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّعْرِيفِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا يُقَالُ بِئْرٌ جِهْنَامٌ إذَا كَانَتْ عَمِيقَةَ الْقَعْرِ وَقَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجُهُومَةِ وَهِيَ الْغِلَظُ سُمِّيَتْ بِهِ لِغِلَظِ أَمْرِهَا فِي الْعَذَابِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي لُغَاتِ الْفَصْلِ سَبَقَ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِيثَيْنِ: وَأَمَّا السَّرَفُ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ مُجَاوَزَةُ القدر المحدود لمثله: وأما الخيلاء فبضم الحاء وَالْمَدِّ مِنْ الِاخْتِيَالِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ الِاخْتِيَالُ مَأْخُوذٌ من التخيل وهو التشبه بالشئ فَالْمُخْتَالُ يَتَخَيَّلُ فِي صُورَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ تَكَبُّرًا
- وَقَوْلُهُ وَالتَّشَبُّهُ بِالْأَعَاجِمِ يَعْنِي بِهِمْ الْفُرْسَ مِنْ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ هَذَا غَالِبًا فِي الْأَكَاسِرَةِ: وَأَمَّا الطُّنْبُورُ فَبِضَمِّ الطَّاءِ وَالْبَاءِ والبربط بفتح البائين الْمُوَحَّدَتَيْنِ وَهُوَ الْعُودُ وَالْأَوْتَارُ وَهُوَ فَارِسِيٌّ وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ صَدْرُ الْبَطِّ وَعُنُقُهُ لِأَنَّ صُورَتَهُ تُشْبِهُ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ مَوْهُوبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ الْجَوَالِيقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُعَرَّبِ هُوَ مُعَرَّبٌ وَتَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ قَدِيمًا وَهُوَ مِنْ مَلَاهِي الْعَجَمِ قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ وَالطُّنْبُورُ مُعَرَّبٌ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي لَفْظِ الْعَرَبِ قَالَ وَالطِّنْبَارُ لُغَةٌ فِيهِ وَأَمَّا الْفَيْرُوزَجُ فَبِفَتْحِ الْفَاء وَضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَالْبِلَّوْرُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُقَال بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ هَذَا الثَّانِي أَبُو الْقَاسِمِ الْحَرِيرِيُّ وَهَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ أَيْضًا عَجَمِيَّتَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي أَحْكَامِ الْفَصْلِ فَاسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ حِرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ
وَحَكَى الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّهُ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يَحْرُمُ: وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ هَذَا الْقَوْلَ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمَشْرُوبَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ حَرَامًا وَذَكَر صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّ سِيَاقَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ عَيْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي اُتُّخِذَ مِنْهُ الْإِنَاءُ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَلِهَذَا لَمْ يُحَرَّمْ الْحُلِيُّ عَلَى الْمَرْأَةِ وَمَنْ أَثْبَتَ الْقَدِيمَ فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِضَعْفِهِ فِي النَّقْلِ وَالدَّلِيلِ: وَيَكْفِي فِي ضَعْفِهِ مُنَابَذَتُهُ لِلْأَحَادِيثِ الصحيحة كحديث ام سلمة وأشباهه وَقَوْلُهُمْ فِي تَعْلِيلِهِ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ وَكَمْ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى تَحْرِيمِ الْخُيَلَاءِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لِلْقَدِيمِ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا أَوْجَبَ تَحْرِيمَ الْحَرِيرِ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَدِيمَ لَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَنَذْكُرُهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْجَدِيدِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يَحْرُمُ الشُّرْبُ دُونَ الْأَكْلِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا سَبَقَ وَهَذَانِ نَصَّانِ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَإِجْمَاعٌ مِنْ قَبْلِ دَاوُد حُجَّةٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا
أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد وَإِلَّا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَلِأَنَّهُ إذَا حَرَّمَ الشُّرْبَ فَالْأَكْلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَطْوَلُ مُدَّةً وَأَبْلُغُ فِي السَّرَفِ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْلَ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدهَا أَنَّهُ مَذْكُورٌ في رواية مسلم كما سبق: والثاني أَنَّ الْأَكْلَ مَذْكُورٌ فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ وَلَيْسَ في هذا الحديث معارضة له: الثالث أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشُّرْبِ تَنْبِيهٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ 1 في كل شئ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (لا تأكلوا الربا) وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الِاسْتِيلَاءِ فِي مَعْنَى الْأَكْلِ
بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَسْتَوِي فِي تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَشُمُولِ الْمَعْنَى الَّذِي حُرِّمَ بِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي التَّحَلِّي لِمَا يُقْصَدُ فِيهِنَّ مِنْ غَرَضِ الزِّينَةِ لِلْأَزْوَاجِ وَالتَّجَمُّلِ لَهُمْ.
الْخَامِسَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا يَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالْبَوْلِ فِي الْإِنَاءِ وَالْأَكْلِ بِمِلْعَقَةِ الْفِضَّةِ وَالتَّجَمُّرِ بِمِجْمَرَةٍ فِضَّةٍ إذَا اُحْتُوِيَ عَلَيْهَا قَالُوا وَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهَا وَجَاءَتْهُ الرَّائِحَةُ مِنْ بَعِيدٍ (2) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ مُتَطَيِّبٌ بِهَا وَتَحْرُمُ الْمُكْحُلَةُ: وَظَرْفُ الْغَالِيَةِ وَإِنْ صَغُرَ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَرَدُّدًا فِي جَوَازِ ذلك إذا كان من فضة
قَالَ الْإِمَامُ وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهِ وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ خِلَافًا فِي اسْتِعْمَالِ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ كَالْمُكْحُلَةِ وَلَمْ يخصه بالفضة وكلامه محمول على ما ذكره شَيْخُهُ وَهُوَ التَّخْصِيصُ بِالْفِضَّةِ: وَيَحْرُمُ تَزْيِينُ الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ بِأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ: وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ شَيْخَهُ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ قَالَ الْإِمَامُ وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّحْرِيمِ لِلسَّرَفِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ مَاءِ الْوَرْدِ مِنْ قَارُورَةِ الْفِضَّةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْحِيلَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْهَا أَنْ يَصُبَّهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ يَصُبَّهُ مِنْ الْيَسَرَيْ فِي الْيُمْنَى وَيَسْتَعْمِلَهُ فَلَا يَحْرُمُ: وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءِ فِضَّةٍ فَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ صَبَّهُ مِنْهَا عَلَى مَحَلِّ الطَّهَارَة جَازَ قَالَ وَكَذَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي يَدِهِ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْهَا جَازَ فَلَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي يُرِيدُ غَسْلَهُ فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ 1 وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي نَحْوَ هَذَا فَقَالَ مَنْ أَرَادَ التَّوَقِّيَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي الْأَكْلِ مِنْ إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلْيُخْرِجْ الطَّعَامَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ ثُمَّ يَأْكُلْ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَلَا يَعْصِي قَالَ وَفَعَلَ مِثْلَ هَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِثْلَهُ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ وَدَلِيلُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا تَرْكٌ لِلْمَعْصِيَةِ فَلَا يَكُونُ حَرَامًا كَمَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ بِنِيَّةِ التَّوْبَةِ وَيَكُونُ فِي خُرُوجِهِ مُطِيعًا لَا عَاصِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- السَّادِسَةُ لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْ إنَاءِ الذَّهَبِ صَحَّ وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ هَكَذَا عَادَةُ أصحابننا يَقِيسُونَ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ قَبْلَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِثْلُ هَذَا لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ بِمَاءٍ أَوْ تراب مَغْصُوبٍ أَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبٍ أَوْ أَقَامَ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِسَوْطٍ مَغْصُوبٍ صَحَّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالذَّبْحُ وَالْحَدُّ وَيَأْثَمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَفِيهِ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ حَتَّى يَجْرِيَ الْمَاءُ عَلَى الْعُضْوِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي امساسه والبلل وستأتي المسأله مبسوطة
فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ دَاوُد 1 لَا يَصِحُّ: السَّابِعَةُ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْ إنَاءِ الْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ عَصَى بِالْفِعْلِ وَلَا يَكُونُ الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ حَرَامًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: الثَّامِنَةُ هَلْ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْإِنَاءِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَادِّخَارُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَالْأَكْثَرُونَ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كتابيه المجموع والتجريد والبند نيجي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ قَوْلَيْنِ (2) وَذَكَرَ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْبَحْرِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي حِكَايَتِهِ فَبَعْضُهُمْ حَكَاهُ قَوْلَيْنِ وَبَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ وَاتَّفَقُوا
عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ تَحْرِيمُ الِاتِّخَاذِ وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ كَالطُّنْبُورِ وَلِأَنَّ اتِّخَاذَهُ يُؤَدِّي إلَى استعماله فحرم كامساك الخمر قالوا ولان الْمَنْعَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الِاتِّخَاذِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ الْآخَرِ إنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ الِاتِّخَاذِ فَيُقَالُ عَقَلْنَا الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ وَهِيَ السَّرَفُ وَالْخُيَلَاءُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الِاتِّخَاذِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ صَنَعَ الْإِنَاءَ صَانِعٌ أَوْ كَسَرَهُ كَاسِرٌ فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ وَجَبَ لِلصَّانِعِ الْأُجْرَةُ وَعْلِي الْكَاسِرِ الْأَرْشُ وَإِلَّا فَلَا.
التَّاسِعَةُ هَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْأَوَانِي مِنْ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كالياقوت والفيروزج والعقيق والزمرذ وهو بالذال الْمُعْجَمَةِ: وَفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَالزَّبَرْجَدِ وَهُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَلُّورِ وَأَشْبَاهِهَا فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ الْجَوَازُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ لَا يَحْرُمُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَلَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ هَذِهِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ إنْ قُلْنَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فَالِاتِّخَاذُ أَوْلَى: وَإِلَّا فَكَاِتِّخَاذِ إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِي جَمِيعِ الاحكام قال أصحابنا وما كانت نفاسته
بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ 1 لَا لِجَوْهَرِهِ كَالزُّجَاجِ الْمَخْرُوطِ وَغَيْرِهِ لَا يَحْرُمُ بِلَا خِلَافٍ هَكَذَا صَرَّحُوا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَأَشَارَ صاحب البيان الي وجه في تَحْرِيمِهِ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ وَالدَّلِيلُ الْجَزْمُ بِإِبَاحَتِهِ: وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَ لِخَاتَمِهِ فَصًّا مِنْ جَوْهَرَةٍ مُثَمَّنَةٍ فَهُوَ مُبَاحٌ بِلَا خِلَافٍ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَذَا لَا يُكْرَهُ لبس الكتان النفيس والصوف ونحوه قال صاحب الْحَاوِي وَالْبَحْرِ الْإِنَاءُ الْمُتَّخَذُ مِنْ طِيبٍ رَفِيعٍ كَالْكَافُورِ الْمُرْتَفِعِ وَالْمَصَاعِدِ وَالْمَعْجُونِ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ يَخْرُجُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُصُولِ السَّرَفِ وَالثَّانِي لَا لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ لَهُ قَالَا وَأَمَّا غَيْرُ الْمُرْتَفِعِ كَالصَّنْدَلِ وَالْمِسْكِ فَاسْتِعْمَالُهُ جَائِزٌ قَطْعًا (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبِلَّوْرَ كَالْيَاقُوتِ وَأَنَّ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ عَلَقَ فِي ذِهْنِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبْتَدَئِينَ وَشِبْهِهِمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ خَالَفَ الْأَصْحَابَ فِي هَذَا وَأَنَّهُمْ قَطَعُوا بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ إنَاءِ الْبِلَّوْرِ لِأَنَّهُ كَالزُّجَاجِ وَهَذَا الَّذِي عَلَقَ بِأَذْهَانِهِمْ وَهْمٌ فَاسِدٌ بَلْ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبِلَّوْرِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شَيْخُ الْأَصْحَابِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ التَّحْرِيرِ وَالْبُلْغَةِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَإِنَّمَا خَالَفَهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَطَعَ بِجَوَازِهِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَلْحَقَ شَيْخِي الْبِلَّوْرَ بِالزُّجَاجِ وَأَلْحَقَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْعِرَاقِيُّونَ بِالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَحَصَلَ أَنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ عَلَى طَرْدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبِلَّوْرِ وَلَمْ يخالف فيه الاصاحب الْحَاوِي وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) إذَا بَاعَ إنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَيْنٌ يَصِحُّ (2) بَيْعُهَا هَكَذَا أَطْلَقَ الْقَاضِي هُنَا وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَامِعِهِ هُنَا اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَى الِاتِّخَاذِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ حَرَّمْنَاهُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا إذَا بَاعَ جَارِيَةً مُغَنِّيَةً تُسَاوِي أَلْفًا بِلَا غِنَاءٍ وَأَلْفَيْنِ بِسَبَبِ الغناء
وَذَكَرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي فُرُوعٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ: قَالَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ إنْ بَاعَهَا بِأَلْفٍ صَحَّ وَإِنْ بَاعَهَا بِأَلْفَيْنِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَحْمُودِيُّ لِئَلَّا يَصِيرَ الْغِنَاءُ مُقَابَلًا بِمَالٍ: وَالثَّانِي إنْ قَصَدَ الْمُشْتَرِي بالمغالاة في ثمنها غنائها لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ صَحَّ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ: وَالثَّالِثُ يَصِحُّ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِالْمَقْصُودِ وَالْأَغْرَاضِ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَوْدَنِيُّ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ السَّدِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) إذَا خَلَّلَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَسْنَانَهُ أَوْ شَعْرَهُ بِخِلَالِ فِضَّةٍ أَوْ اكْتَحَلَا بِمِيلِ فِضَّةٍ فَهُوَ حَرَامٌ كما سبق في المكحلة * قال المصنف رحمه الله
- (واما المضبب بالذهب فانه يحرم قليله وكثيره لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لاناثها فان اضطر إليه جاز لما روى ان عرفجة بن أسعد أصيب انفه يوم الكلاب فاتخذ انفا من ورق فانتن عليه فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يتخذ انفا من ذهب) (الشَّرْحُ) أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ حِلٌّ لِإِنَاثِهَا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِمَا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَرْفَجَةَ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ أَيْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ رُوِيَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ في حديث حسن وقد تقدم وقد ذِكْرُنَا التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَبَعْدَهَا وَرَاوِي حَدِيثِ عَرْفَجَةَ هَذَا هُوَ عَرْفَجَةُ رضى الله عنه وأما قوله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ أَيْ
حَرَامٌ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي التَّحَلِّي وَنَحْوِهِ وَالْحِلُّ بِكَسْرِ الحاء هو الحلال ويوم الْكُلَابِ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَهُوَ يَوْمٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ وَالْكُلَابُ اسْمٌ لِمَاءٍ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ كَانَتْ عِنْدَهُ الْوَقْعَةُ فَسُمِّيَ ذَلِكَ اليوم يوم الكلاب وقيل كان عِنْدَهُ وَقْعَتَانِ مَشْهُورَتَانِ يُقَالُ فِيهِمَا الْكُلَابُ الْأَوَّلُ وَالْكُلَابُ الثَّانِي وَقَوْلُهُ مِنْ وَرِقٍ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ الْفِضَّةُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ ثُمَّ الْخَطَّابِيُّ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ كُلُّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ وَرِقٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ اتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ وَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ مَا يُوصَلُ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ وَكَذَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ عَلَى فَعِلَ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ مَكْسُورَ الثَّانِي جَازَ إسْكَانُ ثَانِيه مَعَ فَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ فَيَصِيرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أوجه كورق وورق وكتف وكتف وكتف وورك وَوَرْكٍ وَوِرْكٍ وَأَشْبَاهِهِ فَإِنْ كَانَ الْحَرْفُ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ حَرْفَ حَلْقٍ جَازَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالرَّابِعُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ كفخذ وفخذ وفخذ وحروف الحلق العين والغين والخاء وَالْخَاءُ وَالْهَاءُ وَالْهَمْزَةُ وَهَذَا إنَّمَا أَذْكُرُهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ فَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِهِ إنْسَانٌ عَلَى بَعْضِ الْأَوْجُهِ الْجَائِزَةِ فَيُغَلِّطُهُ فِيهِ مِنْ لَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: وأما عرفجة الرواى فَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَسْعَدُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالْعَيْنِ وَهُوَ عَرْفَجَةُ بْنُ أَسْعَدَ بْنِ كَرِبَ بْنُ صَفْوَانَ التَّمِيمِيُّ الْعُطَارِدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أما احكام الْمَسْأَلَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُضَبَّبَ هُوَ مَا أَصَابَهُ شَقٌّ وَنَحْوُهُ فَيُوضَعُ عَلَيْهِ صَفِيحَةٌ تَضُمُّهُ وَتَحْفَظُهُ وَتَوَسَّعَ الْفُقَهَاءُ فِي إطْلَاقِ الضَّبَّةِ عَلَى مَا كَانَ لِلزِّينَةِ بِلَا شَقٍّ وَنَحْوِهِ ثُمَّ الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ فِيهِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهِ سواء
كثرت الضبطة أَوْ قَلَّتْ لِحَاجَةٍ أَوْ لِزِينَةٍ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالشَّيْخُ نصر في كتابه الكافي والعبد رى فِي الْكِفَايَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَقَالَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ إنَّهُ كَالْمُضَبَّبِ بِالْفِضَّةِ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَيَا فِي الْإِنَاءِ فَكَذَا فِي الضَّبَّةِ وَالْمُخْتَارُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ لِلْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الذَّهَبِ مُطْلَقًا وَأَمَّا ضَبَّةُ الْفِضَّةِ فَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِحَدِيثِ قَبِيعَةِ السَّيْفِ وَضَبَّةِ الْقَدَحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ بَابَ الْفِضَّةِ أَوْسَعُ فَإِنَّهُ يُبَاحُ مِنْهُ الْخَاتَمُ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ اُضْطُرَّ إلَى الذَّهَبِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قال أصحابنا قيباح لَهُ الْأَنْفُ وَالسِّنُّ مِنْ الذَّهَبِ وَمِنْ الْفِضَّةِ وَكَذَا شَدُّ السِّنِّ الْعَلِيلَةِ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ جَائِزٌ وَيُبَاحُ أَيْضًا الْأُنْمُلَةُ مِنْهُمَا وَفِي جَوَازِ الْأُصْبُعِ وَالْيَدِ مِنْهُمَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَالْأُنْمُلَةِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَشْهُرُهُمَا لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ لِأَنَّ الْأُصْبُعَ وَالْيَدَ مِنْهُمَا لَا تَعْمَلُ عَمَلَ الْأَصْلِيَّةِ بِخِلَافِ الْأُنْمُلَةِ وَاَللَّهُ أعلم
*
قال المصنف رحمه الله
- (وَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِالْفِضَّةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ لَمْ يَكْرَهْ لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّفَةِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ وَإِنْ كَانَ لِلزِّينَةِ كُرِهَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَلَا يَحْرُمُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ كَانَ نَعْلُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ وَقَبِيعَةُ سَيْفِهِ فِضَّةً وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ حِلَقُ الْفِضَّةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِلْحَاجَةِ كُرِهَ لِكَثْرَتِهِ وَلَمْ يَحْرُمْ لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لِلزِّينَةِ حَرُمَ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ضَبَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا نَهَتْ أَنْ تُضَبَّبَ الْأَقْدَاحُ بِالْفِضَّةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ فِي مَوْضِعِ الشُّرْبِ لِأَنَّهُ يَقَعُ الِاسْتِعْمَالُ بِهِ وَلَا يَحْرُمُ فِيمَا سِوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِعْمَالُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
- (الشَّرْحُ) قَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْقِطْعَةُ جُمَلًا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاللُّغَاتِ وَالْأَحْكَامِ يَحْصُلُ بَيَانُهَا
بِمَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا حَدِيثُ الْقَدَحِ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ إلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشفة وهو تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فاتخذ مكان الشعب بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَالْمُرَادُ بِالشَّعْبِ الشَّقُّ وَالصَّدْعُ: وَقَوْلُهُ انْكَسَرَ معناه انشق كما جاء في زواية انْصَدَعَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ شَدَّ الشَّقَّ بِخَيْطِ فِضَّةٍ فَصَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ سِلْسِلَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَوْلُهُ فَاتَّخَذَ يُوهِمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُتَّخِذُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ أَنَسٌ هُوَ الْمُتَّخِذُ فَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَنَسٌ فَجَعَلْت مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ عاصم الاحوال قَالَ رَأَيْت قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ مَعَ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي جَامِعِ السُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَحَسَنٌ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْهُ كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فِضَّةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ: وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ كَاتِبُ الْوَاقِدِيِّ فِي الطَّبَقَاتِ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ فِي الْمُهَذَّبِ كُلَّهُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ فَجَمِيعُ الْحَدِيثِ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ: وَالْقَبِيعَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى رَأْسٍ قَائِمِ السَّيْفِ وَطَرَفِ مِقْبَضِهِ وَالْحَلَقُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَاللَّامُ فِيهِمَا مَفْتُوحَةٌ جَمْعُ حَلْقَةٍ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فَتْحَهَا أَيْضًا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ وَالْمَشْهُورُ اسكانها وفعل السَّيْفِ مَا يَكُونُ فِي أَسْفَلِ غِمْدِهِ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ فِضَّةٍ وَنَحْوِهِمَا: وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابن عمر رضي الله عنها فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَكِنَّ لَفْظَهُ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُ فِي قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ وَلَا ضَبَّةُ فِضَّةٍ: وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَحَسَنٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا أَنَسٌ فَهُوَ أَبُو حَمْزَةَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنُ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ بِالنُّونِ وَالْجِيم الْمَدَنِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ وَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ
وَثَلَاثِ سِنِينَ وَكَانَ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ أَوْلَادًا لِدُعَاءِ رسول الله صلى الله عليه لَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ وَالْبَرَكَةِ وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ رِوَايَةً: وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ الْخَطَّابِ بْنُ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ أَسْلَمَ مَعَ أَبِيهِ بِمَكَّةَ قَدِيمًا شَهِدَ الْخَنْدَقَ وَهُوَ ابن خمس عشر سَنَةً وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وقيل أربع ومناقب بن عُمَرَ وَأَنَسٍ مَشْهُورَةٌ ذَكَرْت جُمَلًا مِنْهَا فِي تهذيب الاسماء وبالله التوفيق: المسألة الثَّانِيَةُ فِي الْأَحْكَامِ قَالَ الشَّافِعِيُّ 1 رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَأَكْرَهُ الْمُضَبَّبَ بِالْفِضَّةِ لِئَلَّا يَكُونَ شَارِبًا عَلَى فِضَّةٍ وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَكَى الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةً بِدَلَائِلِهَا أَحَدُهَا إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ كَانَ للزينة كره وان كان كثيرا للزينة حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِلْحَاجَةِ كُرِهَ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي إنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَوْضِعِ فَمِ الشَّارِبِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا: وَالثَّالِثُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ بِحَالٍ: وَالرَّابِعُ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابن عمرو عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ (2) وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ مِنْهُمْ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الدَّارَكِيِّ وَمُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ قَالَ وَحَمَلُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي هُوَ قَوْلُ أَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَائِلُ لَا يَحْرُمُ بِحَالٍ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَلِيلَ لِلزِّينَةِ يُكْرَهُ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَحْرُمُ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ (فَرْعٌ) فِي بَيَانِ الْحَاجَةِ وَالْقِلَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إنْ كَانَ قَلِيلًا لِلْحَاجَةِ أَمَّا الْحَاجَةُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ الْمُرَادُ بِهَا غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بِالتَّضْبِيبِ سِوَى الزِّينَةِ كَإِصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعَ الْكَسْرِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَسْتَمْسِكُ بِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَجْزُ عَنْ التَّضْبِيبِ بِنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَغَيْرِهِمَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ (3) وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَيْنِ لِنَفْسِهِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي (4) مَعْنَاهَا أَنْ يعدم ما يصبب بِهِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: وَأَمَّا ضَبْطُ الْقَلِيلِ والكثير ففيه ثلاثة أوجه احدها وهو
الْمَشْهُورُ 1 فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ أَنَّ الْكَثِيرَ هو الذى يستوعب جزء مِنْ أَجْزَاءِ الْإِنَاءِ بِكَمَالِهِ كَأَعْلَاهُ أَوْ أَسْفَلِهِ أَوْ شَفَتِهِ أَوْ عُرْوَتِهِ أَوْ شَبَهِ ذَلِكَ وَالْقَلِيلُ مَا دُونَهُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ صَاحِبُ إمَامِ الحرمين في كتابه زاويا المسائل بانه إذا استوعبت الفطة جُزْءًا كَامِلًا خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْإِنَاءِ وَخَرَجَ الْإِنَاءُ عَنْ أَنْ يَكُونَ إنَاءَ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ مَثَلًا بَلْ يُقَالُ إنَاءٌ مُرَكَّبُ مِنْ نُحَاسٍ وَفِضَّةٍ لِكَوْنِ جُزْءٍ مِنْ أجزائه المقصودة بكماله فضة بخلاف ماذا لم يستوعب جزئا بِكَمَالِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَغْمُورًا تَابِعًا وَلَا يُعَدُّ الاناء بسببه مركبا من فضة نحاس وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ حَسَنٌ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إلَى الْعُرْفِ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَى اخْتِيَارِهِ وَاسْتِحْسَانِهِ وَدَلِيلُهُ أَنَّ مَا أُطْلِقَ وَلَمْ يَحُدَّ رَجَعَ فِي ضَبْطِهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَالْحِرْزِ في السرقة واحياء الموات نظائرها: وَالثَّالِثُ وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَلْمَعُ لِلنَّاظِرِ عَلَى بُعْدٍ وَالْقَلِيلَ مَا لَا يَلْمَعُ وَمُرَادُهُمْ مَا لَا يَخْرُجُ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَالْعَادَةِ فِي رِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَضَعَّفَهُ ثُمَّ اخْتَارَ هَذَا الثَّالِثَ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ فِيهِ ضَعْفٌ وَالْمُخْتَارُ الرُّجُوعُ إلَى الْعُرْفِ وَالْوَجْهُ الْمَشْهُورُ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ أَيْضًا وَمَتَى شَكَكْنَا فِي الْكَثْرَةِ فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) إذَا ضَبَّبَ الْإِنَاءَ تَضْبِيبًا جَائِزًا فَلَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْآنِيَةِ الَّتِي لَا فِضَّةَ فِيهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ (فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْأَوَانِي) أَحَدُهَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ شَرِبَ بِكَفَّيْهِ وَفِي أُصْبُعِهِ خَاتِمُ فِضَّةٍ لَمْ يُكْرَهْ وَكَذَا لَوْ صَبَّ الدَّرَاهِمَ فِي إنَاءٍ وَشَرِبَ منه أو كان في فمه دنانير أو دراهم فَشَرِبَ لَمْ يُكْرَهْ وَلَوْ أَثْبَتَ الدَّرَاهِمَ فِي الْإِنَاءِ بِمَسَامِيرَ لِلزِّينَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ هُوَ كَالضَّبَّةِ لِلزِّينَةِ وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِجَوَازِهِ: الثَّانِي لَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَطَلَاهُ بِنُحَاسٍ دَاخِلَهُ وَخَارِجَهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالتَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ والعدة والبيان وغيرها أصحهما لا يحرم 2 قالواو هما مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ حَرَامُ لَعَيْنِهِمَا أم للخيلاء ان قلنا لعينهما حرم
وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ غَشَّى ظَاهِرَهُ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ وَإِنْ غَشَّى ظَاهِرَهُ وَدَاخِلَهُ فَاَلَّذِي أَرَاهُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ لِأَنَّهُ إنَاءُ نُحَاسٍ أُدْرِجَ فِيهِ ذَهَبٌ مُسْتَتِرٌ وَبِهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَالَ لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَوْ اتَّخَذَ إنَاءً مِنْ نُحَاسٍ وَمَوَّهَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ إنْ كان يتجمع منه شئ بِالنَّارِ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَالْأَصَحُّ لَا يَحْرُمُ قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ وَأَطْلَقَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُسْتَهْلَكِ وما يتجمع منه شئ وَالصَّوَابُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى الْمُسْتَهْلَكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَابِعُوهُ وَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ إذَا غُشِّيَ جَمِيعُهُ بِالْفِضَّةِ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمْ: الثَّالِثُ لَوْ كَانَ لَهُ قَدَحٌ عَلَيْهِ سِلْسِلَةُ فِضَّةٍ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ بِجَوَازِهِ وَزَادَ المتولي والبغوى فقالا لو اتخذ لا نائه حَلْقَةً أَوْ سِلْسِلَةَ فِضَّةٍ أَوْ رَأْسًا جَازَ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْإِنَاءِ لَا يَسْتَعْمِلُهُ 1 هَذَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَالتَّضْبِيبِ ويجئ فِيهِ التَّفْصِيلُ وَالْخِلَافُ: الرَّابِعُ إذَا قُلْنَا بِطَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ إنَّ الْمُضَبَّبَ بِذَهَبٍ كَالْمُضَبَّبِ بِفِضَّةٍ فَهَلْ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي التَّفْصِيلِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَمْ يَتَعَرَّضْ الا كثرون لِذَلِكَ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسَوَّى لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ فِي قَلِيلِ الذَّهَب كَالْخُيَلَاءِ فِي كَثِيرِ الْفِضَّةِ وَأَقْرَبُ ضَابِطٍ له ان تُعْتَبَرُ قِيمَةُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ إذَا قُوِّمَتْ بِفِضَّةٍ قال الرافعى وقياس الباب ان لافرق وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مأخذ المسألة
أَنَّ بَعْضَ الْإِنَاءِ كَالْإِنَاءِ أَمْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- الْخَامِسُ لَوْ اُضْطُرَّ إلَى اسْتِعْمَالِ إنَاءٍ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً جَازَ استعماله حال الضرورة صرح بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَاتٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُضَبَّبِ بِالْفِضَّةِ قَدْ ذَكَرْنَا تَفْصِيلَ مَذْهَبِنَا فِيهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ جُمْهُور الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ عَلَى كَرَاهَةِ الضَّبَّةِ وَالْحَلْقَةِ مِنْ الْفِضَّةِ قَالَ وجوزهما أبو حنيفة وأصحابه وأحمد واسحق إذَا لَمْ يَكُنْ فَمُهُ عَلَى الْفِضَّةِ فِي الشُّرْبِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَحْمَدَ كراهة المضبب * قال المصنف رحمه الله
- (ويكره استعمال أواني المشركين وثيابهم لما روى أبو ثعلبة الخشنى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله إنا بأرض اهل الكتاب ونأكل في آنيتهم فقال لا تأكلوا في آنيتهم الا ان لم تجدوا عنها بدا فاغسلوها بالماء ثم كلوا فيها ولانهم لا يجتنبون النجاسة فكره لذلك فان توضأ من أوانيهم نظرت فان كانوا ممن لا يتدينون باستعمال النجاسة صح الوضوء لان النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِنْ مزادة مشركة وتوضأ عمر رضى الله عنه من جرة نصراني ولان الاصل في أوانيهم الطهارة وان كانوا ممن يتدينون باستعمال النجاسة ففيه وجهان أحدهما انه يصح الوضوء لان الاصل في أوانيهم الطهارة والثاني لا يصح لانهم يتدينون باستعمال النجاسة كما يتدين المسلمون بالماء الطاهر فالظاهر من أوانيهم وتيابهم النجاسة) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ فِيهِمَا قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بأرض قوم أهل الكتاب أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَقَالَ إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وكلوا
فِيهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارَيَّ فَلَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا بُدًّا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا وَفِي رِوَايَةِ أبي دواد إنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا وَإِنْ لَمْ تجدوا غيرها فارحضورها بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ لَا تَأْكُلْ خِطَابًا لِلْوَاحِدِ وَلَهُ وَجْهٌ وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ لَا تأكلوا قال أهل اللغة يقال لابد مِنْ كَذَا أَيْ لَا فِرَاقَ مِنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ عَنْهُ أَيْ هُوَ لَازِمٌ وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الرَّاوِي وَهُوَ الْخُشَنِيُّ بِخَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ شِينٍ مَفْتُوحَةٍ مُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ نُونٍ مَنْسُوبُ إلَى خُشَيْنٍ بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ وَاسْمُهُ جُرْهُمٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْهَاءِ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَآخَرُونَ وَقِيلَ جُرْثُومٌ 1 بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَاسْم أَبِيهِ نَاشِمٌ بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَكَانَ أَبُو ثَعْلَبَةَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْت الشَّجَرَةِ ثُمَّ نَزَلَ الشَّامَ وَتُوُفِّيَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ وَقِيلَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ فَهُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عمران ابن حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فعطشوا فأرسل من يطلب الماء فجاؤا بِامْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ عَلَى بَعِيرٍ بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي الْمَزَادَتَيْنِ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا وَلَمْ يَدَعُوا إنَاءً وَلَا سِقَاءً إلَّا ماؤه وَأَعْطَى رَجُلًا أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ إنَاءً مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَقَالَ أَفْرِغْهُ عَلَيْك ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ الْمَزَادَتَيْنِ وَكَأَنَّهُمَا أَشَدُّ امْتِلَاءً مِمَّا كَانَتَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ وَقَوْمُهَا هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا وَفِيهِ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وليس
فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ منه صريحا لكن الظاهر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَاءَ كَانَ كَثِيرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوَضَّأَ فَقَدْ أَعْطَى الْجُنُبَ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ طَهَارَةُ إنَاءِ الْمُشْرِكِ وَالْمَزَادَةُ هي التى تسميها الناس الرواية وانما الراوية في الاصل البعير الذى يسقي عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرِّ نَصْرَانِيٍّ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ تَعْلِيقًا فَقَالَ وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ لَكِنْ وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ نَصْرَانِيٌّ بِالتَّذْكِيرِ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ رَوَاهُ خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ سفيان ابن عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِكَ قَالَ وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادِهِ نَصْرَانِيَّةٌ بِالتَّأْنِيثِ وقوله مِنْ جَرٍّ كَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ جَرٌّ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ جَرَّةُ 1 نَصْرَانِيَّةٍ بِالْهَاءِ فِي آخِرِهِمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ وَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي مَعْنَى الَّذِي فِي الْمُهَذَّبِ فَالْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ جَمْعُ جَرَّةٍ وَهِيَ الْإِنَاءُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْخَزَفِ وَقَوْلُنَا جَمْعُ جَرَّةٍ هُوَ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَمَّا أَهْلُ التَّصْرِيفِ وَالنَّحْوِ فَيَقُولُونَ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَلَا يُسَمُّونَهُ جَمْعًا وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ حِلْيَةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْجَرَّ هُنَا سَلَاخَةُ عُرْقُوبِ الْبَعِيرِ يُجْعَلُ وِعَاءً لِلْمَاءِ وَذَكَرَ هُوَ فِي الْمُجْمَلِ نَحْوَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْكُفَّارِ وَثِيَابِهِمْ سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ وَالْمُتَدَيِّنُ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرُهُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِنَّا لِسَرَاوِيلَاتِهِمْ وَمَا يَلِي أَسَافِلَهُمْ أَشَدُّ كَرَاهَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَوَانِيهِمْ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الْمَاءِ أَخَفُّ كَرَاهَةً فاتيقن طَهَارَةَ أَوَانِيهِمْ أَوْ ثِيَابِهِمْ قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَا كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ فِي اسْتِعْمَالِهَا كَثِيَابِ الْمُسْلِمِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْبُلْغَةِ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ولا نعلم فيه خلافا ومراد المصنف لقوله يكره استعمالها إذا لم يتيقن طهارتها
وَتَعْلِيلُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ فَحَدِيثُ أَبِي ثعلبة يقتضى كراهة استعمالها وَجَدَ عَنْهَا بُدًّا وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ الْأَكْلِ فِي أَوَانِيهِمْ الَّتِي كَانُوا يَطْبُخُونَ فِيهَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْأَكْلِ لِلِاسْتِقْذَارِ كَمَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ فِي الْمِحْجَمَةِ الْمَغْسُولَةِ وَإِذَا تَطَهَّرَ مِنْ إنَاءِ كَافِرٍ وَلَمْ يَعْلَمْ طَهَارَتَهُ وَلَا نَجَاسَتَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ أَنَّهُ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَحَرْمَلَةَ وَالْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ مُخَرَّجٌ مِنْ 1 الْقَوْلَيْنِ فِي الصَّلَاة فِي الْمَقْبَرَةِ الْمَنْبُوشَةِ (2) كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هو مخرج من مسألة بول الظبية وَهَذَا أَجْوَدُ 2 قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَدَيِّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ دِينًا وَفَضِيلَةً وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَجُوسِ يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ أَبْوَالِ الْبَقَرِ واخثائها قُرْبَةً وَطَاعَةً قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَمِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ الْبَرَاهِمَةُ وَأَمَّا الَّذِينَ لَا يَتَدَيَّنُونَ فَكَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ ظَهَرَ مِنْ الرَّجُلِ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَاتِ وَعَدَمُ تَصَوُّنِهِ مِنْهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا فَفِي نَجَاسَةِ ثِيَابِهِ وَأَوَانِيهِ الْخِلَافُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ أَوَانِي الْكُفَّارِ وَثِيَابِهِمْ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ السَّلَفِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ نَجَاسَةَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّمَا المشركون نجس) وَلِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْسِلُوهَا وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ طَعَامَهُمْ يَطْبُخُونَهُ فِي قُدُورِهِمْ وَيُبَاشِرُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ وَبِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَفِعْلِ عُمَرَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَبِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَبِأَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْذَنُ لِلْكُفَّارِ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانُوا أَنْجَاسًا لَمْ يَأْذَنْ
- وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ الْآيَةِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا مَعْنَاهَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَجَسٌ أَدْيَانُهُمْ وَاعْتِقَادُهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَبْدَانَهُمْ وَأَوَانِيَهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم أدخلهم المسجد واستعمل
آنِيَتَهُمْ وَأَكَلَ طَعَامَهُمْ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ بِأَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ الْآنِيَةِ الَّتِي يَطْبُخُونَ فِيهَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بِلَا شَكٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يكره اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ يَعْنِي بِالْمُشْرِكِينَ الْكُفَّارَ سَوَاءٌ أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ وَاسْمُ الْمُشْرِكِينَ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء) وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتِعْمَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مَشْهُورَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى (وقالت اليهود عزير بن الله وقالت النصارى المسيح بن الله) وَقَالَ فِي آخِرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ (سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركون) والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ويستحب تغطية الاناء وايكاء السقاء)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صحيحهما مِنْ رِوَايَةِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرُوِيَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُ رِوَايَةِ جَابِرٍ غَطُّوا الاناء وأوكوا السِّقَاءَ وَفِي رِوَايَةٍ خَمِّرْ إنَاءَك وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا وَتَعْرُضُ بِضَمِّ الرَّاءِ رُوِيَ بِكَسْرِهَا وَالضَّمُّ أَصَحُّ وَأَشْهُرُ وَمَعْنَاهُ تَضَعُ عَلَيْهِ عُودًا أَوْ نَحْوَهُ عَرْضًا: وَقَوْلُهُ تَغْطِيَةُ الْوَضُوءِ هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْمَاءُ الذي يتوضأ به وقوله وايكاء السقاء الْإِيكَاءُ وَالسِّقَاءُ مَمْدُودَانِ وَالْإِيكَاءُ هُوَ شَدُّ رَأْسِ السِّقَاءِ وَهُوَ قِرْبَةُ اللَّبَنِ أَوْ الْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ وَهُوَ مَمْدُودٌ أَيْضًا وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ اسْتِحْبَابُ تَغْطِيَةِ الْإِنَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ فِيهِ إنَاءُ الْمَاءِ وَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِمَا وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَفَائِدَتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحِلُّ سِقَاءً وَلَا يَكْشِفُ إنَاءً الثَّانِي جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ قال الليث
ابن سَعْدٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ فِي مُسْلِمٍ فَالْأَعَاجِمُ يَتَّقُونَ ذلك في كانون الاول: الوباء بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ لُغَتَانِ وَإِذَا قُصِرَ هُمِزَ وَكَانُونُ عَجَمِيٌّ لَا يَنْصَرِفُ: الثَّالِثُ صِيَانَتُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَشِبْهِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه رَاوِي الْحَدِيثِ هُوَ أَوَّلُ مَنْ كُنِّيَ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ قِيلَ كَانَ لَهُ هِرَّةٌ يَلْعَبُ بِهَا فِي صِغَرِهِ فَكُنِّيَ بِهَا وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِينَ قَوْلًا أَشْهُرُهَا وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَهُوَ سَابِقُ الْمُحَدِّثِينَ وَأَوَّلُ حُفَّاظِهِ الْمُتَصَدِّينَ لَحِفْظِهِ تَصَدَّى لَحِفْظِ حَدِيثِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَرَعَ فِيهِ وَفَاقَ سَائِرَ الصَّحَابَةِ رضى الله عنهم فيه روى لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة آلاف حديث وثلثمائة وَأَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يُقَارِبُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوَى عَنْ أبي هريرة نحو ثمانمائة رجل أو اكثر مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُمْ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَشْهَرَ أَهْلِ الصُّفَّةِ فِي زَمَنِ صُحْبَتِهِ وَكَانَ عَرِيفَ أَهْلِ الصُّفَّةِ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً رَضِيَ الله عنه وقد بسطت حاله فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (فَرْعٌ) مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا سَبَقَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ وَأَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الْبَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يفتح بابا مغلقا وأوكؤ اقربكم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فحمة العشاء وفي الصحيحين عن ابن عمرو أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ فَهَذِهِ سُنَنٌ يَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَجُنْحُ اللَّيْلِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا ظَلَامُهُ وَالْفَوَاشِي بِالْفَاءِ جَمْعُ فَاشِيَةٍ وَهِيَ كُلُّ مَا يَنْتَشِرُ مِنْ الْمَالِ كَالْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا وَفَحْمَةُ العشاء ظلمتها وقد أو ضحت شَرْحَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَمَعَانِيَهَا فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَر اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا
عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى قال الشيطان أدركتم المبيت وإذا لم يذكر الله تعالي عند طعامه قال أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ دُخُولِهِ بَيْتَهُ وَبَيْتَ غَيْرِهِ وَالسَّلَامُ إذَا دَخَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ وَيَدْعُو عِنْدَ خُرُوجِهِ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَالَ يَعْنِي إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ يُقَالُ لَهُ كُفِيت ووقيت وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ من هذا أو ضحتها فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَفِيهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ تتعلق بهذا الفصل والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
* بَابُ (السِّوَاكِ)
(السِّوَاكُ سُنَّةٌ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه قَالَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَيُسْتَحَبُّ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا عِنْدَ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ لما روت عائشة رضى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ وَالثَّانِي عِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ لِمَا رَوَى الْعَبَّاسُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اسْتَاكُوا لَا تَدْخُلُوا عَلَيَّ قُلْحًا وَالثَّالِثُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّوْمِ وَقَدْ يَكُون بِالْأَزْمِ وَهُوَ تَرْكُ الاكل وقد يكون بأكل شئ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَمُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ وَإِنَّمَا اسْتَاكَ لِأَنَّ النَّائِمَ يَنْطَبِقُ فَمُهُ وَيَتَغَيَّرُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَمُ فَوَجَبَ أَنْ يستحب له السواك) * (الشَّرْحُ) فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ جُمَلٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَالْأَحْكَامِ يَحْصُلُ بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَسَائِلَ إحْدَاهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ السِّوَاكُ مطهرة للفم ومرضاة لِلرَّبِّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ خُزَيْمَةَ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَعْلِيقًا فَقَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَهَذَا التَّعْلِيقُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ بِصِيغَةِ جَزْمٍ وَقَدْ ذَكَرْت فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ إذَا كَانَتْ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَالْمَطْهَرَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ السِّكِّيتِ وَآخَرُونَ وَهِيَ كُلُّ إنَاءٍ يُتَطَهَّرُ بِهِ شَبَّهَ السِّوَاكَ بِهَا لِأَنَّهُ يُنَظِّفُ الْفَمَ وَالطَّهَارَةُ النَّظَافَةُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الرَّبُّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ رَبٍّ فَإِنَّهُ يُضَافُ إلَى الْمَخْلُوقِ فَيُقَالُ رَبُّ الْمَالِ وَرَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الْمَاشِيَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه ولم فِي الْحَدِيثِ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ دَعْهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ إضَافَةَ رَبٍّ إلَى الْحَيَوَانِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُ كُلَّ هَذَا بِدَلَائِلِهِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ: وَمِمَّا جَاءَ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ مُطْلَقًا حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرْت عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ بِغَيْرِ سِوَاكٍ فَضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَضَعَّفَهَا كُلَّهَا وَكَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ وَسَبَبُ ضَعْفِهِ أَنَّ مَدَارَهُ عَلَى مُحَمَّدِ ابن إِسْحَاقَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَلَمْ يُذْكَرْ سَمَاعُهُ وَالْمُدَلِّسُ إذَا لَمْ يُذْكَرْ سَمَاعُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ لِأَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ لَيْسَ كذلك فان محمد ابن إِسْحَاقَ لَمْ يَرْوِ لَهُ مُسْلِمٌ شَيْئًا مُحْتَجًّا بِهِ وَإِنَّمَا رَوَى لَهُ مُتَابَعَةً وَقَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي الْمُتَابَعَاتِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِلتَّقْوِيَةِ لَا لِلِاحْتِجَاجِ وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُمْ عَلَى الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ وَذَلك مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ وَالْبَيْهَقِيُّ أَتْقَنُ فِي هَذَا الْفَنِّ مِنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَيُغْنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال لولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ فَزَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَرْوِهِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْعَبَّاسِ فَهُوَ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْعَبَّاسِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْنَادُهُمَا لَيْسَ بقوي قال
الْبَيْهَقِيُّ هُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ وَيُغْنِي عَنْهُ فِي الدَّلَالَةِ حَدِيثُ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَقِيلَ إنَّ ذِكْرَ عَائِشَةَ وَهْمٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَعَدُّوهُ مِنْ غَلَطِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي لُغَاتِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ السِّوَاكُ بِكَسْرِ السِّينِ وَيُطْلَقُ السِّوَاكُ عَلَى الْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِيَاكُ وَعْلِي الْآلَةِ الَّتِي يَسْتَاكُ بِهَا وَيُقَالُ فِي الْآلَةِ أَيْضًا مِسْوَاكٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ يُقَالُ سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ سَوْكًا فَإِنْ قُلْت اسْتَاكَ لَمْ تَذْكُرْ الْفَمَ وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْعَرَبِ قَالَ وَغَلِطَ اللَّيْثُ بْنُ الْمُظَفَّرِ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ مُؤَنَّثٌ وَذَكَر صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ يُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ لُغَتَانِ قَالُوا وَجَمْعُهُ سُوكٌ بِضَمِّ السِّينِ وَالْوَاوِ كَكِتَابٍ وكتب ويخفف باسكان الواو قال صَاحِبُ الْمُحْكَمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْنِي الدِّينَوَرِيَّ
الْإِمَامَ فِي اللُّغَةِ رُبَّمَا هُمِزَ فَقِيلَ سُؤَاكٌ قال والسواك مشتق من ساك الشئ إذَا دَلَكَهُ وَأَشَارَ غَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّسَاوُكِ يَعْنِي التَّمَايُلَ يُقَالُ جَاءَتْ الْإِبِلُ تَتَسَاوَكُ أَيْ تَتَمَايَلُ فِي مِشْيَتِهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ سَاكَ إذَا دَلَكَ هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِيهِ وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ استعمال عود أو نحوه في الاسنان لا ذهاب التَّغَيُّرِ وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَقَوْلُهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ سَبَقَ شَرْحُهُمَا وَمِيمُ الْفَمِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي لُغَيَّةٍ يَجُوزُ تَشْدِيدُهَا وَقَدْ بَسُطَتْ ذَلِكَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَوْلُهُ يُسْتَحَبُّ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ كَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ صَحِيحٌ وَفِي الْحَالِ لُغَتَانِ التذكير والتأنيث فيقال ثلاثة أحوال ثلاث أَحْوَالٍ وَحَالٌ حَسَنٌ وَحَالَةٌ حَسَنَةٌ وَقَوْلُهُ صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ مَعْنَاهُ ثَوَابُهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ سَبْعِينَ وَقَوْلُهُ لَا تَدْخُلُوا عَلَيَّ قُلْحًا بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ اللام وبالحاء الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ أَقْلَحَ وَهُوَ الَّذِي عَلَى أَسْنَانِهِ قَلَحٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَهُوَ صُفْرَةٌ وَوَسَخٌ يركبان الاسنان قال صحاب الْمُحْكَمِ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا الْقُلَاحُ بِضَمِّ الْقَافِ وتخفيف واللام وَيُقَالُ قَلِحَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَأَقْلَحَ
- وَقَوْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ بِالْأَزْمِ وَهُوَ تَرْكُ الْأَكْلِ الْأَزْمُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ وَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَتَأَوَّلَهُ أَصْحَابُنَا تأويلين أحدهما الجوع الثاني السُّكُوتُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ تَرْكُ الْأَكْلِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وقوله يشوص
فَاهُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالشَّوْصُ ذلك الْأَسْنَانِ عَرْضًا بِالسِّوَاكِ كَذَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ الْغَسْلُ وَقِيلَ التَّنْقِيَةُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
- الْعَبَّاسُ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو الْفَضْلِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتمام نسبه فِي نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثنين وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ سَمْعًا: الْمَسْأَلَة الرَّابِعَةُ: فِي الْأَحْكَامِ فَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد أَنَّهُ أَوْجَبَهُ وَحَكَى صَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّ دَاوُد أَوْجَبَهُ وَلَمْ يُبْطِلْ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ قَالَ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ هُوَ وَاجِبٌ فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا النقل عن اسحاق غير معوف وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ والعبد رى غَلِطَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي حِكَايَتِهِ وُجُوبَهُ عَنْ دَاوُد بَلْ مَذْهَبُ دَاوُد أَنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا نَصُّوا أَنَّهُ سُنَّةٌ وَأَنْكَرُوا وُجُوبَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَامِدٍ: وَاحْتَجَّ لِدَاوُدَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ بحديث أبي هريرة الذى ذكرناه لولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِأَحَادِيثَ أُخَرَ وَأَقْيِسَةٍ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ
إذا لم نتيقن خلافا والاحاديث الوادة بِالْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاعْلَمْ أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابه فِي أَحْوَالٍ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُوهِمُ اخْتِصَاصَ الِاسْتِحْبَابِ بِالْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ لِغَيْرِ الصَّائِمِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَأَمَّا الْأَحْوَالُ الَّتِي يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِيهَا فَخَمْسَةٌ أَحَدُهَا عِنْدَ الْقِيَامِ 1 إلَى الصَّلَاةِ سَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَسَوَاءٌ صَلَّى بِطَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ صرح به الشيخ أبو حامد المتولي وَغَيْرُهُمَا الثَّانِي عِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ الْعَبَّاسِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ الثَّالِثُ عِنْدَ الْوُضُوءِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالشَّامِلِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَلَا يُخَالِفُ هذا اختلاف
الْأَصْحَابِ فِي أَنَّ السِّوَاكَ هَلْ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَمْ لَا: فَإِنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَمْ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً عِنْدَ الْوُضُوءِ لَا مِنْهُ: وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي التَّسْمِيَةِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كونهما مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ: وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لولا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ مَعَ الْوُضُوءِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ خزيمة والحاكم في صحيحهما وَصَحَّحَاهُ وَأَسَانِيدُهُ جَيِّدَةٌ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ جَزْمٍ وَفِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ فِي الصَّحِيحِ ذَكَرْته فِي جَامِعِ السُّنَّةِ تَرَكْته هُنَا لِطُولِهِ: الرَّابِعُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وغيرهم: الخامس عِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ وَتَغَيُّرُهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّوْمِ وَقَدْ يَكُونُ بِأَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَقَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَبِطُولِ السُّكُوتِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَيَكُونُ أَيْضًا بِكَثْرَةِ الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- هَذِهِ الْأَحْوَالُ الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً ذَاتَ تَسْلِيمَاتٍ كَالتَّرَاوِيحِ وَالضُّحَى وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ 1 سُنَّةَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَالتَّهَجُّدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَاكَ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ (فَرْعٌ) قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُحِبُّ السِّوَاكَ لِلصَّلَوَاتِ عِنْدَ كُلِّ حَالٍ تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْفَمُ كَذَا وَقَعَ فِي الْمُخْتَصَرِ عِنْدَ بِغَيْرِ وَاوٍ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَخَلَّ الْمُزَنِيّ بِالْوَاوِ وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا قَالُوهُ فَقَدْ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ بِالْوَاوِ وَاتَّفَقَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَمُ (فَرْعٌ) فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ هَذَا كَلَامُهُ وَفِي إسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَأَبُو الشَّمَالِ وَالْحَجَّاجُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: وَأَبُو الشَّمَالِ مَجْهُولٌ فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَصَارَ حَسَنًا وَقَوْلُهُ الْحَيَاءُ هُوَ بِالْيَاءِ لَا بِالنُّونِ وَإِنَّمَا ضَبَطْته لِأَنِّي رَأَيْت مَنْ صَحَّفَهُ فِي عَصْرِنَا وَقَدْ سَبَقَ بِتَصْحِيفِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو موسى الاصبهاني
هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ الِاسْتِغْنَاءِ فِي اسْتِعْمَالِ الْحِنَّاءِ وَأَوْضَحَهُ وَقَالَ هُوَ مُخْتَلَفٌ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَجَدُّ مَلِيحٍ كُلُّهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ وَاتَّفَقُوا عَلَى لَفْظِ الْحَيَاءِ قَالَ وَكَذَا أَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْحُفَّاظِ وَالْأَئِمَّةِ قَالَ وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ وَمُرَادِي بِذِكْرِ هَذَا الْفَرْعِ بَيَانُ أَنَّ السِّوَاكَ كَانَ فِي الشَّرَائِعِ السابقة والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يُكْرَهُ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَالسِّوَاكُ يَقْطَعُ ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يُكْرَهَ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مَشْهُودُ لَهُ بِالطَّيِّبِ فَكُرِهَ ازالته كدم الشهداء) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَهُوَ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُ الْخَاءِ يُقَالُ خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَاللَّامِ يَخْلُفُ بِضَمِّ اللَّامِ وَأَخْلَفَ يُخْلِفُ إذَا تَغَيَّرَ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يُكْرَهُ السِّوَاكُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِأَحَدٍ إلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَفِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ
أَصْحَابُنَا وَحَكَى أَبُو عِيسَى 1 فِي جَامِعِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ وَهَذَا النَّقْلُ غَرِيبٌ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ: وَالْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ وَسَوَاءٌ فِيهِ صَوْمُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَتَبْقَيْ الْكَرَاهَةُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ حَتَّى يُفْطِرَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ بَعْدَ الزَّوَالِ يَظْهَرُ كَوْنُ الخلوف من خلو المعدة بسبب الصوم لامن الطَّعَامِ الشَّاغِلِ لِلْمَعِدَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ مَشْهُودُ لَهُ بِالطَّيِّبِ فَكُرِهَ إزَالَتُهُ كَدَمِ الشُّهَدَاءِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ على ابن أَبِي عَلِيٍّ الْقَلَعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالطِّيبِ احْتِرَازٌ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ عَلَى أحد الوجهين ومن أثر التيمم وَشَعْرِ الْمُحْرِمِ وَقَالَ غَيْرُهُ احْتِرَازٌ مِمَّا يُصِيبُ ثَوْبَ الْعَالِمِ مِنْ الْحِبْرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَثَرَ عِبَادَةٍ لَكِنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْفَضْلِ لَا بِالطِّيبِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ مَشْهُودٌ لَهُ بِالطِّيبِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَفْجُرُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدم والريح ريح المسك وأما
الشُّهَدَاءُ فَجَمْعُ شَهِيدٍ وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شهدا لَهُ بِالْجَنَّةِ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ الشَّهِيدُ الْحَيُّ فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَقِيلَ لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ وقيل لانه ممن بشهد يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْأُمَمِ: حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَقِيلَ لِأَنَّهُ شُهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَخَاتِمَةِ الْخَيْرِ بِظَاهِرِ حَالِهِ وَقِيلَ لِأَنَّ لَهُ شَاهِدًا بِقَتْلِهِ وَهُوَ دَمُهُ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ دَمًا وَقِيلَ لِأَنَّ رُوحَهُ تَشْهَدُ دَارَ السَّلَامِ وَرُوحَ غَيْرِهِ لَا تَشْهَدُهَا إلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (فَرْعٌ) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَكَانَ وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي أَنَّ هَذَا الطِّيبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمْ في الآخرة خاصة: فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ القيامة وقال أبو عمر وهو عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا مَا جَاءَ فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ لِأَبِي حاتم ابن حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْبُسْتِيِّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُحَدِّثِينَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بَابٌ فِي كَوْنِ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَابٌ فِي كَوْنِهِ فِي الدُّنْيَا وَرَوَى فِي هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ الثَّابِتِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّه مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَرَوَى الْإِمَامُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ واما الثانية
فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ فِي وَقْتِ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ شَرْقًا وَغَرْبًا مَعْنَى مَا ذَكَرْته فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ: وَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْقُدُورِيُّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ في كتابه في فِي الْخِلَافِ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَمِثْلُهُ قَالَ الْبَوْنِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ المالكية وكذا قال الامام أبوعهمان الصَّابُونِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الصَّفَّارِ الشَّافِعِيُّونَ فِي أَمَالِيهِمْ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْته وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا بِتَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغربية وَمَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّضَا وَالْقَبُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ فِي الْمِيزَانِ عَلَى المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهَا وَاجْتِلَابِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ كَمَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ العبادات فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لِذَلِكَ كَمَا خُصَّ فِي قَوْله تَعَالَى إِنَّ ربهم بهم يومئذ لخبير وَأُطْلِقَ فِي بَاقِي