كتاب الظهار
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وان دفع إلى ثلاثين مسكينا ستين مدا إلى كل واحد مدين لم يجزه الا ثلاثون لانه لم يطعم ستين مسكينا، وعليه أن يطعم ثلاثين مسكينا ثلاثين مدا أخرى لكل واحد مد، وهل له أن يرجع على كل واحد من الثلاثين بما زاد على المد؟ ينظر فيه فإن بين أن ذلك عن كفارة واحدة كان له أن يرجع به، لان ما زاد على المدعى الكفارة لا يجزئ دفعه إلى واحد، وان أطلق لم يرجع لان الظاهر أن ذلك تطوع وقد لزم بالقبض.
وان وجب عليه كفارتان من جنس أو جنسين، فدفع إلى كل مسكين مدين أجزأه لانه لم يدفع إليه عن كل كفارة أكثر من مد، ويجوز الدفع إلى الكبار من المساكين والى الصغار منهم لقوله تعالى " فإطعام ستين مسكينا " ولم يفرق ولكن يدفع مال الصغير إلى وليه، فإن دفع إلى الصغير لم يجزه لانه ليس من أهل القبض، ولهذا لو كان له عليه دين فأقبضه اياه لم يبرأ بذلك (فرع)
والدفع المبرئ له هو أن يدفع إلى كل مسكين مدا يقول خذه أو كله أو ألحقه لك وان قدم ستين مدا إلى ستين مسكينا وقال خذوا أو كلوا أو أبحته لكم لم يجزه ذلك، لان عليه أن يوصل إلى كل واحد منهم مدا، وهذا لم يفعل ذلك.
وان قال ملكتكم هذا بينكم بالسوية أو قبضتكم اياه فقبضوه فَفِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يجزيه لان عليهم مشقة في القسمة فلم يجزه، كما لو دفع إليهم الطعام في سنابله.
وقال أبو إسحاق يجزيه.
وهو الاصح.
لانه قد ملكهم اياه، ولا يلحقهم في قسمته كبير مشقة، ويمكن كل واحد منهم بيع نصيبه مشاعا، فإن جمع ستين
مسكينا وغداهم وعشاهم لم يجزه لاختلاف كل منهم عن الآخر في القدر الذى تناوله من الطعام وتعاطاه.
وقال أبو حنيفة يجزيه.
دليلنا أن الواجب عليه دفع الحب وهذا لم يدفع الحب، ولانه لا يتحقق أن كل واحد منهم أكل قدر حقه وهو يشك في اسقاط الفرض عن ذمته والاصل بقاؤه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز أن يدفع إلى مكاتب لانها تجب لاهل الحاجة والمكاتب
مستغن بكسبه إن كان له كسب، أو بأن يفسخ الكتابة ويرجع إلى مولاه إن لم يكن له كسب، ولا يجوز أن يدفع إلى كافر لانها كفارة فلا يجوز صرفها إلى كافر كالعتق، ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من زوجة أو والد أو ولد، لانه مستغن بالنفقة، فإن دفع بعض ما عليه من الطعام ثم قدر على الصيام لم يلزمه الانتقال إلى الصوم، كما لا يلزمه الانتقال إلى العتق إذا وجد الرقبة في أثناء الصوم والافضل أن ينتقل إليه لانه أصل
(فصل)
ولا يجوز أن يكفر عن الظهار قبل أن يظاهر، لانه حق يتعلق بسببين فلا يجوز تقديمه عليهم كالزكاة قبل أن يملك النصاب، ويجوز أن يكفر بالمال بعد الظهار وقبل العود لانه حق مال يتعلق بسببين، فإذا وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر كالزكاة قبل الحول، وكفارة اليمين قبل الحنث
(فصل)
ولا يجوز شئ من الكفارات إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " ولانه حتى يجب على سبيل الطهرة فافتقر إلى النية كالزكاة، ولا يلزمه في النية تعيين سبب الكفارة، كما لا يلزمه في الزكاة تعيين المال الذى يزكيه.
فإن كفر بالصوم لزمه أن ينوى كل ليلة أنه صائم غدا عن الكفارة.
وهل يلزمه نية التتابع؟ فيه ثلاث أوجه
(أحدها) يلزمه أن ينوى كل ليلة، لان التتابع واجب فلزمه نيته كالصوم.
(والثانى) يلزمه أن ينوى ذلك في أوله لانه يتميز بذلك عن غيره (والثالث) وهو الصحيح أنه لا تلزمه نية التتابع، لان العبادة هي الصوم، والتتابع شرط في العبادة فلم تجب نيته في أداء العبادة، كالطهارة وستر العورة لا يلزمه نيتهما في الصلاة.
(فصل)
وان كان المظاهر كافرا كفر بالعتق أو الطعام لانه يصح منه العتق والاطعام في غير الكفارة فصح منه في الكفارة، ولا يكفر بالصوم لانه لا يصح منه الصوم في غير الكفارة فلا يصح منه في الكفارة، فإن كان المظاهر عبدا فقد ذكرناه في باب المأذون فأغنى عن الاعادة، وبالله التوفيق (الشرح) حديث انما الاعمال بالنيات قال فيه الحافظ بن حجر حديث عزيز وقال فيه الشافعي انه نصف الدين.
قلت: ولهذا زعم بعض المشتغلين بالفتيا
والدعوة والارشاد من الازهريين انه متواتر وصححنا لهم هذا الفهم بما كتبناه في مجلة الازهر في حينه.
لان الحديث آحادى من طرفه الاول، إذ لم يروه من الصحابة الا عمر، ومع أن عمر خطب به على المنبر فإنه لم يروه عنه سوى علقمة ابن وقاص الليثى، ولم يروه عن علقمة سوى محمد بن ابراهيم التيمى، ولم يروه عن التيمى سوى يحيى بن سعيد الانصاري.
وفى هذا الاسناد نكتة قلما تتوفر لغيره من الاحاديث، وهى أن كلا من علقمة الليثى والتيمي والانصاري تابعيون متعاصرون أقران، ولم يشترك اثنان منهما في سماع الحديث من الثالث أو من عمر أما الاحكام فإنه لا يجوز دفع الكفارة إلى عبد ولا كافر ولا إلى من يلزمه نفقته لما ذكره النووي في كتاب الزكاة، ولا يجوز دفعها إلى مكاتب.
وان جاز دفع الزكاة إليه، لان القصد بالكفارة المواساة المحضة، والمكاتب مستغن عن
ذلك، لانه ان كان له كسب فنفقته في كسبه.
وان لم يكن له كسب فيمكنه أن يعجز نفسه وتكون نفقته على السيد (فرع)
وان أطعم بعض المساكين ثم قدر على الصيام لم يلزمه الصيام كما قلنا فيمن قدر على العتق بعد الشروع في الصيام.
وان وطئها في خلال الاطعام أثم بذلك ولا يلزمه الاستئناف وقال مالك يلزمه.
دليلنا أن الوطئ لا يبطل ما فعله من الاطعام فلم يلزمه الاستئناف كما لو وطئ غيرها (فرع)
ولا يجزيه الاطعام إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى " متفق عليه.
وهل يجب أن تكون النية مقارنة للدفع؟ أم يجوز تقديمها على الدفع؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في الزكاة وأما التتابع فقد مضى كلامنا في نيته في هذا الباب قبل هذه الفصول بقليل (فوائد) لو أن المظاهر أدى الكفارة بإطعام المساكين فأحضرهم وأطعم كل واحد مدا لم يجزئه ذلك الا أن يملكه اياه.
هذا هو مذهبنا به قال أحمد في احدى روايتيه.
والاخرى أنه يجزئه إذا أطعمهم القدر الواجب لهم.
وهو قول النخعي وأبى حنيفة.
وأطعم أنس في فدية الصيام.
قال أحمد أطعم شيئا كثيرا وصنع الجفان.
وذكر حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس.
وذلك لقول
الله تعالى " فإطعام ستين مسكينا " وهذا قد أطعمهم فينبغي أن يجزئة، ولانه أطعم المساكين فأجزأه كما لو ملكهم ولنا أن المنقول عن الصحابة إعطاؤهم، ولانه مال وجب للفقراء شرعا فوجب تمليكهم إياه كالزكاة قلنا: إنه لا يجب التتابع في الاطعام وبه قال أحمد، فلو أطعم واحد اليوم
والثانى بعد يومين والثالث بعد كذا حتى يستكمل الستين صح.
وذلك لان الله تعالى لم يشترط التتابع فيه كما قاله في الصوم.
ولو وطئ في أثناء الاطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وقال مالك: يستأنف لانه وطئ في أثناء كفارة الظهار فوجب الاستئناف كالصيام.
دليلنا انه وطئ في أثناء ما لا يشترط التتابع فيه فلم يوجب الاستئناف كوطئ غير المظاهر منها أو كالوطئ في كفارة اليمين، وبهذا فارق الظهار إذا أعطى مسكينا مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأه وهو إحدى الروايتين عن أحمد والاخرى لا يجزئه، وهو قول أبى حنيفة لانه استوفى قوت يوم من كفارة فلم يجزئه الدفع إليه ثانيا في يومه كما لو دفعهما إليه من كفارة واحدة والقيمة في الكفارة لا تجزئ عندنا ولا عند أحمد ونظرا لان الشارع الحكيم شرع الدين للسواد من الناس وأكثر الناس أهل قرى وبادية وأقلهم يسكنون المدائن لذلك كان الحب هو المشروع، ويجوز إخراج الدقيق على قول صحيح والاصح الحب، وإذا كان أهل المدائن أنفع لهم أن يعطوا الدقيق كان الدقيق أولى لانه بالنسبة لهم هو حال الكمال وتيسير المنفعة.
أما أهل القرى فحال الكمال وتيسير المنفعة لهم هو الحب فلا يعطوا الدقيق.
والله أعلم
قال المصنف رحمه الله تعالى: