كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(والسنة ان يرمل في الثلاثة الاولى ويمشي في الاربعة لما روى ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا طاف بالبيت الطواف الاول خب ثلاثا ومشي اربعا) فان كان راكبا حرك دابته في موضع الرمل وإن كان محمولا رمل به الحامل
- ويستحب أن يقول في رمله اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مشكورا ويدعو بما أحب من أمر الدين والدنيا قال في الام ويستحب ان يقرأ القرآن لانه موضع ذكر والقرآن من أعظم الذكر
- فان ترك الرمل في الثلاث لم يقض في الاربعة لانه هيئة في محل فلا يقضي في غيره كالجهر بالقراءة في الاوليين ولان السنة في الاربع المشي فإذا قضي الرمل في الاربعة أخل بالسنة في جميع الطواف
- وإذا اضطبع ورمل في طواف القدوم نظرت فان سعي بعده لم يعد الرمل والاضطباع في طواف الزيارة لِحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا طاف الطواف الاول خب ثلاثا ومشي اربعا) فدل على انه لم يعد في غيره وان لم يسع بعده وأخر السعي إلى ما بعد طواف الزيارة اضطبع ورمل في طواف الزيارة لانه يحتاج إلى الاضطباع للسعي فكره أن يفعل ذلك في السعي ولا يفعله في الطواف وان طاف للقدوم وسعي بعده ونسي الرمل والاضطباع في الطواف فهل يقضيه في طواف الزيارة فيه وجهان (أحدهما) انه يقضي لانه ان لم يقض فاتته سنة الرمل والاضطباع ومن اصحابنا من قال لا يقضي وهو المذهب لانه لو جاز أن يقضي الرمل لقضاه في الاشواط الاربعة
- فان ترك الرمل والاضطباع والاستلام والتقبيل والدعاء في الطواف جاز ولا يلزمه شئ لان الرمل والاضطباع هيئة فلم يتعلق بتركها جبران كالجهر والاسرار في القراءة والتورك والافتراش في التشهد والاستلام والتقبيل والدعاء كمال فلا يتعلق به جبران كالتسبيح في الركوع والسجود
- ولا ترمل المراة ولا تضطبع لان في الرمل تبين أعظاؤها وفي الاضطباع ينكشف ما هو عورة منها)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ هُنَا وَمَعْنَى خَبَّ رَمَلَ وَالرَّمَلُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ - وَهُوَ سُرْعَةِ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الخطا وَهُوَ الْخَبَبُ يُقَالُ رَمَلَ يَرْمُلُ - بِضَمِّ الْمِيمِ - رَمَلًا وَرَمَلَانًا (قَوْلُهُ) حَجًّا مَبْرُورًا هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إثْمٌ وَقِيلَ هُوَ الْمَقْبُولُ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ أَوَّلَ كِتَابِ الْحَجِّ (وَالْقَوْلُ) الْأَوَّلُ قَوْلُ شِمْرٍ وَآخَرِينَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ (وَالْقَوْلُ) الثَّانِي قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْبِرِّ وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ وَمِنْهُ بَرَرْتُ فُلَانًا أَيْ وَصَلْتُهُ وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ بِرٌّ وَيُقَالُ بَرَّ اللَّهُ
حَجَّهُ وَأَبَرَّهُ (قَوْلُهُ) وَذَنْبًا مَغْفُورًا قَالَ الْعُلَمَاءُ تَقْدِيرُهُ اجْعَلْ ذَنْبِي ذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مَعْنَاهُ اجْعَلْهُ عَمَلًا مُتَقَبَّلًا يُذْكَرُ لِصَاحِبِهِ ثَوَابُهُ فَهَذَا مَعْنَى الْمَشْكُورِ عِنْدَ الْأَزْهَرِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْ عَمَلًا يُشْكَرُ صَاحِبُهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَمَسَاعِي الرَّجُلِ أَعْمَالُهُ وَاحِدَتُهَا مَسْعَاةٌ (قَوْلُهُ) والقرآن من اعظم الذكر هكذا هُوَ فِي النُّسَخِ وَالْأَجْوَدُ حَذْفُ مِنْ فَيُقَالُ أَعْظَمُ الذِّكْرِ (قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ احْتِرَازٌ مِمَّنْ تَرَكَ رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاتِهِ (قَوْلُهُ) الْأَشْوَاطُ الْأَرْبَعَةُ خِلَافُ طَرِيقَةِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ كَرِهُوا تَسْمِيَتَهُ أَشْوَاطًا كَمَا سَأُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الرَّمَلِ فِي الطَّوْفَاتِ الثَّلَاثِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ مَعَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحِ مِثْلِهِ قَالُوا وَالرَّمَلُ هُوَ إسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى قَالُوا وَلَا يَثِبُ وَلَا يَعْدُو عَدْوًا قَالُوا وَالرَّمَلُ هُوَ الْخَبَبُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (خَبَّ ثَلَاثًا) قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَلَّطَ الْأَئِمَّةُ مَنْ قَالَ دُونَ الْخَبَبِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الرَّمَلُ فَوْقَ سَجِيَّةِ الْمَشْيِ وَدُونَ الْعَدْوِ قَالَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي الصَّيْدَلَانِيُّ هُوَ سُرْعَةٌ فِي الْمَشْيِ دُونَ الْخَبَبِ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا عِنْدِي زَلَلٌ فَإِنَّ الرَّمَلَ فِي فِعْلِ النَّاسِ كَافَّةً كَأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الْخَبَبِ يُشِيرُ إلَى قَفَزَانٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسَنُّ الرَّمَلُ فِي الطوفات الثلاث الاول وَيُسَنُّ الْمَشْيُ عَلَى الْهِينَةِ فِي الْآخِرَةِ فَلَوْ فَاتَهُ فِي الثَّلَاثِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ قُطِعَتْ مُسَبَّحَتُهُ الْيُمْنَى لَا يُشِيرُ فِي التَّشَهُّدِ بِالْيُسْرَى وَسَبَقَ إيضَاحُهُ مَعَ نَظَائِرِهِ
- وَهَلْ يَسْتَوْعِبُ الْبَيْتَ بِالرَّمَلِ فِيهِ طَرِيقَانِ (الصَّحِيحُ) الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يَسْتَوْعِبُهُ فَيَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَلَا يَقِفُ إلَّا فِي حَالِ الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ وَالسُّجُودِ عَلَى الْحَجَرِ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ وَذَكَرَهُمَا الْغَزَالِيُّ وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) لَا يَرْمُلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ بَلْ يَمْشِي
- وَجَاءَ الْأَمْرَانِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَثَبَتَ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ غَدًا قَوْمٌ قَدْ وَهِنَتْهُمْ الْحُمَّى فَلَقُوا مِنْهَا شِدَّةً فَجَلَسُوا مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ وَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنْ كَذَا) وَكَذَا
- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ الثَّلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُبْطِلُونَهُ وَقَدْ جَاءَتْ لَهُ نَظَائِرُ فِي الصَّحِيحِ فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ فِي اسْتِيعَابِ الرَّمَلِ بِالْبَيْتِ وَعَدَمِ اسْتِيعَابِهِ فَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ في عمرة القضاء سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وَكَانَ أَهْلُهَا مُشْرِكِينَ حِينَئِذٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ فَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا فَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي بَيَانِ الطَّوَافِ الَّذِي يُشْرَعُ بِهِ الرَّمَلُ وَقَدْ اضْطَرَبَتْ طُرُقُ الْأَصْحَابِ فِيهِ وَلَخَصَّهَا الرَّافِعِيُّ مُتْقَنَةً فَقَالَ لَا خِلَافَ أَنَّ الرَّمَلَ لَا يُسَنُّ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَلْ إنَّمَا يُسَنُّ فِي طَوَافٍ وَاحِدٍ وَفِي ذَلِكَ الطَّوَافِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يُسَنُّ فِي طَوَافٍ يَسْتَعْقِبُ السَّعْيَ (وَالثَّانِي) يُسَنُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ مُطْلَقًا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا رَمَلَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ
- وَيَرْمُلُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِوُقُوعِ طَوَافِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقُدُومِ مَعَ اسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ وَيَرْمُلُ أَيْضًا الْحَاجُّ الْأُفُقِيُّ إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ (أَمَّا) مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَأَرَادَ طَوَافَ الْوُقُوفِ فَهَلْ يَرْمُلُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَا يَسْعَى عَقِبَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ (الْأَوَّلُ) الْأَصَحُّ لَا يَرْمُلُ (وَالثَّانِي) يرمل
وَعَلَى الْأَوَّلِ إنَّمَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِاسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ فَأَمَّا إنْ كَانَ يَسْعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَيَرْمُلُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِذَا رَمَلَ فِيهِ وَسَعَى بَعْدَهُ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِلَا خِلَافٍ إنْ لَمْ يُرِدْ السَّعْيَ بَعْدَهُ وَإِنْ أَرَادَ إعَادَةَ السَّعْيِ بَعْدَهُ لَمْ يَرْمُلْ بَعْدَهُ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْبَغَوِيّ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ لَا يَرْمُلُ (وَالثَّانِي) يَرْمُلُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ
- وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ وَنَوَى أَنْ لَا يَسْعَى بَعْدَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ وَسَعَى وَلَمْ يَكُنْ رَمَلَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ فَهَلْ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِيهِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ
- وَلَوْ طَافَ لِلْقُدُومِ فَرَمَلَ فِيهِ وَلَمْ يَسْعَ قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِبَقَاءِ السَّعْيِ قَالَ الرَّافِعِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فَرَّعُوهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي يَعْتَبِرُ اسْتِعْقَابَ السَّعْيِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَعْتَبِرُ اسْتِعْقَابَ السَّعْيِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَرْمُلَ فِي الْإِفَاضَةِ (وَأَمَّا) الْمَكِّيُّ الْمُنْشِئُ حَجَّةً مِنْ مَكَّةَ فَهَلْ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فَإِنْ قُلْنَا) بِالْقَوْلِ الثَّانِي لَمْ يَرْمُلْ إذْ لَا قُدُومَ فِي حَقِّهِ (وَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَوَّلِ رَمَلَ لِاسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (وَأَمَّا) الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ طَوَافَيْ الْقُدُومِ وَالْإِفَاضَةِ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الطَّائِفُ حَاجًّا أو معتمرا متبرع بِطَوَافٍ آخَرَ أَوْ غَيْرَ مُحْرِمٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بطواف قدوم ولا يستعقب سَعْيًا وَإِنَّمَا يَرْمُلُ فِي قُدُومٍ أَوْ مَا يَسْتَعْقِبُ سَعْيًا كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَالِاضْطِبَاعُ مُلَازِمٌ لِلرَّمَلِ فَحَيْثُ اسْتَحْبَبْنَا الرَّمَلَ بِلَا خِلَافٍ فَكَذَا الِاضْطِبَاعُ وَحَيْثُ لَمْ نَسْتَحِبَّهُ بِلَا خِلَافٍ فَكَذَا الِاضْطِبَاعُ وَحَيْثُ جَرَى خِلَافٌ جَرَى فِي الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ جَمِيعًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَصْلِ الِاضْطِبَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ الْبَيْتِ مُسْتَحَبٌّ لِلطَّائِفِ وَأَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزَّحْمَةِ فَإِنْ رَجَا فُرْجَةً وَلَا يَتَأَذَّى أَحَدٌ بِوُقُوفِهِ وَلَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ وَقَفَ لِيَرْمُلَ وَإِلَّا فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ أَوْلَى فَلَوْ كَانَ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ نِسَاءٌ وَلَمْ يَأْمَنْ مُلَامَسَتَهُنَّ لَوْ تَبَاعَدَ فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى مِنْ الْبُعْدِ مَعَ الرَّمَلِ حَذَرًا مِنْ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ
- وَكَذَا لَوْ كَانَ بِالْقُرْبِ أَيْضًا نِسَاءٌ وَتَعَذَّرَ الرَّمَلُ فِي جَمِيعِ الْمَطَافِ لِخَوْفِ الْمُلَامَسَةِ فَتَرْكُ الرَّمَلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَفْضَلُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَتَى تَعَذَّرَ الرَّمَلُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَحَرَّكَ فِي مَشْيِهِ وَيَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ الرَّمَلُ لَرَمَلَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُوَ كَمَا قُلْنَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لاشعر عَلَى رَأْسِهِ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ
(فَرْعٌ) لَوْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا فَهَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَرِّكَ الدَّابَّةَ لِيُسْرِعَ كَإِسْرَاعِ الرَّامِلِ وَيُسْرِعَ بِهِ الْحَامِلُ أَمْ لَا فِيهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ فِيهِمَا قَوْلَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُمَا وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْجَدِيدُ يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ كَحَرَكَةِ الرَّاكِبِ وَالْمَحْمُولِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ لَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّ الرَّمَلَ مُسْتَحَبٌّ لِلطَّائِفِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودٌ هُنَا وَلِأَنَّ الدَّابَّةَ وَالْحَامِلَ قَدْ يُؤْذِيَانِ الطَّائِفَيْنِ بِالْحَرَكَةِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الْجَامِعِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ إنْ طَافَ رَاكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ حُمِلَ فَقَوْلَانِ (الْجَدِيدُ) يَرْمُلُ بِهِ الْحَامِلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَالْقَدِيمُ) لَا يَرْمُلُ (وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ) إنْ كَانَ الْمَحْمُولُ صَبِيًّا رَمَلَ حَامِلُهُ قَطْعًا وَإِلَّا فَالْقَوْلَانِ (وَالطَّرِيقُ الرَّابِعُ) يَرْمُلُ بِهِ الْحَامِلُ وَيُحَرِّكُ الدَّابَّةَ قَوْلًا وَاحِدًا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ فِي رَمَلِهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا والآخرة وآكده (اللهم اجلعه حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا) نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهَا ويستحب أن يدعوا أَيْضًا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي يَمْشِيهَا وَأَفْضَلُ دُعَائِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقنا عذاب النار نص عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَعَجَبٌ كَيْفَ أَهْمَلَهُ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ غَيْرِ الْمَأْثُورِ فِي الطَّوَافِ قَالَ (وَأَمَّا) الْمَأْثُورُ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي وَجْهٍ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُ (وَأَمَّا) فِي غَيْرِ الطَّوَافِ فَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ إلَّا الذِّكْرَ الْمَأْثُورَ فِي مَوَاضِعِهِ وَأَوْقَاتِهِ فَإِنَّ فِعْلَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ وَلِهَذَا أُمِرَ بِالذِّكْرِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَنُهِيَ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ الذِّكْرِ
- وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِتَفْضِيلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْأَحَادِيثُ في ترجيح
الْقِرَاءَةِ عَلَى الذِّكْرِ كَثِيرَةٌ (فَإِنْ قِيلَ) فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إنَّ أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ قَالَ مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لعباده سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا أَحَبُّ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَأَفْضَلُهُ لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْمُتَوَلِّي تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْرَاعِ فِي الرَّمَلِ بَلْ يَرْمُلُ عَلَى الْعَادَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ السَّابِقِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) (فَرْعٌ) لَوْ تَرَكَ الِاضْطِبَاعَ وَالرَّمَلَ وَالِاسْتِلَامَ وَالتَّقْبِيلَ وَالدُّعَاءَ فِي الطَّوَافِ فَطَوَافُهُ صَحِيحٌ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ
- قَالَ الشافعي والاصحاب وهو مسئ يعتون إسَاءَةً لَا إثْمَ فِيهَا وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- (فَرْعٌ) اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْمُلُ وَلَا تَضْطَبِعُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- قَالَ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَوْ رَكِبَتْ دَابَّةً أَوْ حُمِلَتْ فِي الطَّوَافِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَضْطَبِعْ وَلَا يَرْمُلُ حَامِلُهَا
- قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ سَوَاءٌ فِي هَذَا الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ وَالصَّحِيحَةُ وَالْمَرِيضَةُ
- قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالْخُنْثَى فِي هَذَا كَالْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَيَاهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ (لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ سَعْيٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بين الصفا والمروة) * قال المصنف رحمه الله
- (ويجوز الكلام في الطواف لقوله صلى الله عليه وسلم (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام) والافضل أن لا يتكلم لما روى أبو هريرة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (من طاف بالبيت سبعا لم يتكلم فيه إلا بسبحان اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بالله كتب الله له عشر حسنات ومحا عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ) سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلِ أَحْكَامِ الطَّوَافِ وَذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لَا مَرْفُوعٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَغَرِيبٌ لَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (أَقِلُّوا الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ إنَّمَا أَنْتُمْ فِي صَلَاةٍ) وَبِإِسْنَادِهِمَا الصَّحِيحِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ (طُفْتُ خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَمَا سَمِعْتُ وَاحِدًا مِنْهُمَا مُتَكَلِّمًا) حَتَّى فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ) (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ الْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ وَلَا يُكْرَهُ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامًا فِي خَيْرٍ كَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ تَعْلِيمِ جَاهِلٍ أَوْ جَوَابِ فَتْوَى وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إلَى إنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بخيط اوشئ غير ذلك فقطه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ قُدْ بِيَدِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَهَذَا الْقَطْعُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ إزَالَةَ هَذَا الْمُنْكَرِ إلَّا بِقَطْعِهِ أَوْ أَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَتَصَرَّفَ فِيهِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي طَوَافِهِ خَاشِعًا مُتَخَشِّعًا حَاضِرَ الْقَلْبِ مُلَازِمَ الْأَدَبِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وفي هئيته وَحَرَكَتِهِ وَنَظَرِهِ فَإِنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَيَتَأَدَّبُ بِآدَابِهَا وَيَسْتَشْعِرُ بِقَلْبِهِ عَظَمَةَ مَنْ يَطُوفُ بِبَيْتِهِ
- وَيُكْرَهُ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِي الطَّوَافِ وَكَرَاهَةُ الشُّرْبِ أَخَفُّ وَلَا يَبْطُلُ الطَّوَافُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بِهِمَا جَمِيعًا
- قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ بِشُرْبِ الْمَاءِ فِي الطَّوَافِ وَلَا أَكْرَهُهُ بِمَعْنَى الْمَأْثَمِ لَكِنِّي أُحِبُّ تَرْكَهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ أَحْسَنُ فِي الْأَدَبِ
- وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأَنَّ الشُّرْبَ أَخَفُّ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَرِبَ وَهُوَ يَطُوفُ قَالَ وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ وَهُوَ يَطُوفُ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَعَلَّهُ أَرَادَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ مَاءً فِي الطَّوَافِ) وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) يُكْرَهُ لِلطَّائِفِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فِيهِ كَمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ يَتَثَاءَبَ فَإِنَّ السُّنَّةَ وَضْعُ اليد على الفم عند الشارب لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- (فَرْعٌ) يُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ أَصَابِعَهُ أَوْ يُفَرْقِعَ بِهَا كَمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يطوف
وَهُوَ يُدَافِعُ الْبَوْلَ أَوْ الْغَائِطَ أَوْ الرِّيحَ أَوْ وَهُوَ شَدِيدُ التَّوَقَانِ إلَى الْأَكْلِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ كَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ
- (فَرْعٌ) يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُونَ نَظَرَهُ عن من لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ أَمْرَدَ حَسَنِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ وَالْحَسَنِ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا لِحَاجَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَسَنُوَضِّحُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الشَّرِيفِ وَيَصُونُ نَظَرَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ احْتِقَارِ مَنْ يَرَاهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَمَنْ فِي بَدَنِهِ نَقْصٌ وَكَمَنْ جَهِلَ شَيْئًا مِنْ الْمَنَاسِكِ أَوْ غَلِطَ فِيهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَ الصَّوَابَ بِرِفْقٍ
- وَقَدْ جَاءَتْ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ فِي تَعْجِيلِ عُقُوبَةِ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ فِي الطَّوَافِ كَمَنْ نَظَرَ امْرَأَةً وَنَحْوَهَا
- وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا فِي تَارِيخِ مَكَّةَ وَهَذَا الْأَمْرُ مِمَّا يَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ لانه في أشرف الارض والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وان أقيمت الصلاة وهو في الطواف أَوْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا قطع الطواف فإذا فرغ بني لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (كَانَ يطوف بالبيت فلما أفيت الصلاة صلى مع الامام ثم بنى على طوافه) وان أحدث وهو في الطواف توضأ وبنى لانه لا يجوز افراد بعضه عن بعض فإذا بطل ما صادفه الحدث منه لم يبطل الباقي فجاز له البناء عليه)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَنْبَغِي لِلطَّائِفِ أَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ فَلَا يُفَرِّقَ بَيْنَ الطَّوْفَاتِ السَّبْعِ وَفِي هذه الموالات قَوْلَانِ (الصَّحِيحُ) الْجَدِيدُ أَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَوْ فَرَّقَ تَفْرِيقًا كَثِيرًا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يَبْطُلُ طَوَافُهُ بَلْ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ وَإِنْ طال الزمان ببنهما وَبِهَذَا قَطَعَ كَثِيرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَيَبْطُلُ الطَّوَافُ بِالتَّفْرِيقِ الْكَثِيرِ بِلَا عُذْرٍ فَعَلَى هَذَا إنْ فَرَّقَ يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ فَرَّقَ كَثِيرًا لِعُذْرٍ فَفِيهِ طَرِيقَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْوُضُوءِ (وَالْمَذْهَبُ) جَوَازُ التَّفْرِيقِ مُطْلَقًا
- قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّفْرِيقُ الْكَثِيرُ هُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ تَرْكُهُ الطَّوَافَ
- وَلَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ إنْ كَانَ طَوَافَ نَفْلٍ اُسْتُحِبَّ قَطْعُهُ لِيُصَلِّيَهَا ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ طَوَافًا مَفْرُوضًا كُرِهَ قَطْعُهُ لَهَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ أَوْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ قَطَعَهُ فَإِذَا فَرَغَ بَنَى إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ وكذا إن طال على الْمَذْهَبُ وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ
- قَالَ الْبَغَوِيّ
وَآخَرُونَ إذَا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا كُرِهَ قَطْعُهُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلِسُنَّةِ الضُّحَى وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ لِأَنَّ الطَّوَافَ فَرْضُ عَيْنٍ وَلَا يُقْطَعُ لِنَفْلٍ وَلَا لِفَرْضِ كِفَايَةٍ قَالُوا وَكَذَا حُكْمُ السَّعْيِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ الْأُمِّ فَقَالَ قَالَ فِي الْأُمِّ إنْ كَانَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَحْبَبْتُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ ثُمَّ يَعُودَ إلَى طَوَافِهِ وَيَبْنِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّةِ الضُّحَى أَوْ حضرت جنازة فلا أحب ترك الطواف لشئ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَقْطَعَ فَرْضًا لِنَفْلٍ أَوْ فرض كفاية والله أعلم
- (أما) إذَا أَحْدَثَ فِي طَوَافِهِ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْجَدِيدُ لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْ طَوَافِهِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَيْهِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ يبطل فيجب الاستثناف (والطريق الثاني) وبه قطع الشيخ أبي حَامِدٍ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ مِنْ العراقيين ان قرب الفصل بنى قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ طَالَ فَقَوْلَانِ (الْأَصَحُّ) الْجَدِيدُ يَبْنِي (وَالْقَدِيمُ) يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ
- وَاحْتَجَّ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْبِنَاءِ عَلَى قُرْبٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْقُعُودَ الْيَسِيرَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لَا يَضُرُّ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ عَمْدًا مُقَصِّرٌ وَمَعَ مُنَافَاةِ الْحَدَثِ فُحْشُهُ
- هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَدَثِ عَمْدًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَحُكْمُ الْحَدَثِ سَهْوًا كَالْعَمْدِ (وَأَمَّا) سَبْقُ الْحَدَثِ فَإِنْ قُلْنَا يَبْنِي الْعَامِدُ فَهَذَا أَوْلَى وَإِلَّا فَقَوْلَانِ كَسَبْقِ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ (أَحَدُهُمَا) يَبْنِي (وَالثَّانِي) يَسْتَأْنِفُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا إنْ قُلْنَا سَبْقُ الْحَدَثِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَالطَّوَافُ أَوْلَى أَنْ لَا يُبْطِلَ وَإِنْ قُلْنَا يُبْطِلُهَا فَهُوَ كَالْحَدَثِ فِي الطَّوَافِ عَمْدًا
- وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَحْوَ هَذَا فَقَالَ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الطَّوَافِ قَالَ الْأَصْحَابُ ان
قُلْنَا سَبْقُ الْحَدَثِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَالطَّوَافُ أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا يُبْطِلُهَا فَفِي إبْطَالِهِ الطَّوَافَ قَوْلَانِ قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي حُكْمِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الطَّوَافِ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِالْكَلَامِ عَمْدًا وَكَثْرَةِ الْأَفْعَالِ
- وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ يَبْنِي عَلَى طَوَافِهِ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ إنْ أَحْدَثَ الطَّائِفُ فَتَوَضَّأَ وَعَادَ قَرِيبًا بَنَى نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْقَيْصَرِيُّ فِيهِ قَوْلَانِ كَالصَّلَاةِ قَالَ فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّبْقِ كَالصَّلَاةِ قَالَ (وَمِنْهُمْ) مَنْ قَالَ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ
- فَهَذِهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ وَمُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ الْبِنَاءِ مُطْلَقًا فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَقُرْبِ الزَّمَانِ وَطُولِهِ
- قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَحَيْثُ لَا نُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ فنستحبه والله أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) حَيْثُ قَطَعَ الطَّوَافَ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقُلْنَا يَبْنِي عَلَى الْمَاضِي فَظَاهِرُ عِبَارَةِ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَبْنِي مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ وَصَلَ إلَيْهِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي إنْ كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ الطَّوَافِ عِنْدَ إكْمَالِ طَوْفَةٍ بِوُصُولِهِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عاد فابتدأ الطوافة الَّتِي تَلِيهَا مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ فِي أَثْنَاءِ طَوْفَةٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَسْتَأْنِفُ هَذِهِ الطَّوْفَةَ مِنْ أَوَّلِهَا لِأَنَّ لِكُلِّ طَوْفَةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا (وَأَصَحُّهُمَا) يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا وَيَبْتَدِئُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ وَصَلَهُ
- وَحَكَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَ الْبِنَاءَ كَمَا صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أولا والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وإذا فرغ من الطواف صلى ركعتي الطواف وهل يجب ذلك فيه قولان (أحدهما) أنها واجبة لقوله عز وجل (واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) والامر يقتضي الوجوب (والثاني) لا يجب لانها صلاة زائدة على الصلوات الخمس فلم تجب بالشرع على الاعيان كسائر النوافل
- والمستحب أن يصليهما عند المقام لما روى جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين) فان صلاهما في مكان آخر جَازَ لِمَا رُوِيَ (أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طاف بعد الصبح ولم ير أن الشمس قد طلعت فركب فلما أتى ذا طوى أناخ راحلته وصلى ركعتين) وكان ابن عمر رضي الله عنهما يطوف بالبيت ويصلي ركعتين في البيت
- والمستحب أن يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ قُلْ يَا أيها الكافرون وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لِمَا رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَرَأَ في ركعتي الطواف قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون)
- ثم يعود إلي الركن فيستلمه ويخرج من باب الصفا لما روى جابر بن عبد الله (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ سبعا وصلى ركعتين ثم رجع إلى الحجر فاستلمه ثم خرج من باب الصفا)
(الشَّرْحُ) أَحَادِيثُ جَابِرٍ الثَّلَاثَةُ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ وَهِيَ كُلُّهَا بَعْضٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ (دَخَلْنَا عَلَى جَابِرٍ فَقَالَ جَابِرٌ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَرَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ ابراهيم مصلى) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إلَّا عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الركعتين قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (فَلَمَّا طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ إلَى الْمَقَامِ وقال (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ (ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ طَافَ بِالْبَيْتِ فَرَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثَلَاثًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَرَأَ فِيهِمَا قُلْ يَا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا وَجَدْتُهُ وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَلَاتُهُ بِذِي طُوًى فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِلَفْظِهِ الَّذِي فِي الْمُهَذَّبِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَعْلِيقًا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَارِجَ الْحَرَمِ فَقَالَ فَصَلَّى عُمَرُ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ
- وَاسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لَهَا حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ (إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بعيرك والناس يصلون ففعلت ذلك فلم تصلي حَتَّى خَرَجَتْ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِوَجْهَيْنِ فَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا عَلَى الْخَبَرِ وَعَلَى الْأَمْرِ (فَإِنْ قِيلَ) كَيْفَ يَصِحُّ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَعَ أَنَّ الَّذِي فِيهَا إنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةَ الطَّوَافِ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ غَيْرَ صَلَاةِ الطَّوَافِ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْمَقَامِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَتْ هِيَ (فَإِنْ قِيلَ) فَأَنْتُمْ لَا تَشْتَرِطُونَ وُقُوعَهَا خَلْفَ الْمَقَامِ بَلْ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ (قُلْنَا) مَعْنَى الْآيَةِ الْأَمْرُ بِصَلَاةٍ هُنَاكَ وَقَامَتْ الدَّلَائِلُ السَّابِقَةُ عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ فعلها في غير المقام والله أعلم (قوله) فَلَمْ تَجِبْ بِالشَّرْعِ احْتِرَازٌ مِنْ النَّذْرِ (وَقَوْلُهُ) عَلَى الْأَعْيَانِ احْتِرَازٌ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا فرض كفاية وينكر على المصنف قوله قال روي عن
عُمَرَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْثَالِ هَذَا مَرَّاتٍ وَفِي فِعْلِ عُمَرَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَرَى كَرَاهَةَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِهَا وَسَأُعِيدُ بَعْضَهَا هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسَائِلِ مذاهب العلماء (قوله) ثُمَّ يَعُودُ إلَى الرُّكْنِ فَيَسْتَلِمُهُ الْمُرَادُ بِهِ الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ طَافَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَهَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَمْ سُنَّتَانِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَحَدُهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ سُنَّةٌ (وَالثَّانِي) وَاجِبَتَانِ ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَيْنَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِمَا مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ كَوْنُهُمَا سُنَّةً
- وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَامِعِهِ نَصَّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ
- وَشَذَّ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَخَرَّجَهُمَا أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) وَاجِبَتَانِ (وَالثَّانِي) سُنَّتَانِ وَكَذَا حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ
- هَذَا إذَا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا فَإِنْ كَانَ نَفْلًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَغَيْرِهِ فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْهُمْ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ (وَالثَّانِي) أَنَّ فِيهِمَا الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا كَانَ الطَّوَافُ نَفْلًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَعْدَهُ الرَّكْعَتَانِ قَالَ وَنَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ أَنَّهُ أَوْجَبَهُمَا قَالَ وَهَذَا بَعِيدٌ رَدَّهُ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ قَالَ الْإِمَامُ ثُمَّ مَا أَرَاهُ يَصِيرُ إلَى إيجَابِهِمَا عَلَى التَّحْقِيقِ وَلَكِنَّهُ رَآهُمَا جُزْءًا مِنْ الطَّوَافِ وأنه لا تعبد بِهِ دُونَهُمَا قَالَ وَقَدْ قَالَ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِهِ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي النَّفْلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَرْضِ كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ الْإِمَامُ وَقَدْ يَتَحَقَّقُ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافٌ فِي أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ مَعْدُودَتَانِ مِنْ الطَّوَافِ أَمْ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِصَالِ عَنْهُ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ
- وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ ابن الحداد يجوز أن يكون الشئ غَيْرَ وَاجِبٍ وَيَقْتَضِي وَاجِبًا كَالنِّكَاحِ غَيْرَ وَاجِبٍ وَيَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ
(فَرْعٌ) قَالَ الرَّافِعِيُّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُمَا فليستا بشرط في صحته ولاركنا مِنْهُ بَلْ يَصِحُّ الطَّوَافُ بِدُونِهِمَا قَالَ وَفِي تَعْلِيلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطُهُمَا هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُمَا شَرْطٌ فِيهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِهِمَا يَجْرِيَانِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّوَافُ سُنَّةً أَمْ وَاجِبًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الطَّوَافُ حَتَّى يأتي بالركعتين هذا كلامه وهو غَلَطٌ مِنْهُ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِشَرْطٍ وَلَا ركن لِلطَّوَافِ بَلْ يَصِحُّ بِدُونِهِمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ التَّنْبِيهُ لَهُ أَنَّا وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ وَحَكَمْنَا بِأَنَّهُمَا مَعْدُودَتَانِ مِنْ الطَّوَافِ فَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ إلَى تَنْزِيلِهِمَا مَنْزِلَةَ شَوْطٍ مِنْ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ هَذَا يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِكَوْنِهِمَا رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الطَّوَافِ الواقع ركنا ولم يصر إلَى هَذَا أَحَدٌ قَالَ وَبِهَذَا يَبْعُدُ عَدُّهُمَا مِنْ الطَّوَافِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قُلْنَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ واجبتان لم تسقط بفعل فريضة ولا غيرهما كَمَا لَا تَسْقُطُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِفِعْلِ الْعَصْرِ
- وَإِذَا قُلْنَا هُمَا سُنَّةٌ فَصَلَّى فَرِيضَةً بَعْدَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاهِيرُ الاصحاب منهم الصيدلاني والقاضي حسين والبغوي وصاحب الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ قَالَ وَالْأَصْحَابُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ لِأَنَّ الطَّوَافَ يَقْتَضِي صَلَاةً مَخْصُوصَةً بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ حَقَّ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَجْلِسَ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَهُوَ شَاذٌّ وَالْمَذْهَبُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ
- وَنَقَلَهُ الْأَصْحَابُ وَعَجَبٌ دَعْوَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا ادَّعَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا صَلَاةُ الطَّوَافِ سُنَّةٌ جَازَ فِعْلُهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ وَإِنْ قُلْنَا وَاجِبَةٌ فَهَلْ يَجُوزُ فِعْلُهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَجُوزُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ الطَّوَافُ رَاكِبًا وَمَحْمُولًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ وَالصَّلَاةُ تَابِعَةٌ لِلطَّوَافِ
(فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون وَفِي الثَّانِيَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَيَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ لَيْلًا وَيُسِرُّ نَهَارًا كَصَلَاةِ الْكُسُوفَ وَغَيْرِهَا
- (فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَإِلَّا فَفِي الْمَسْجِدِ وَإِلَّا فَفِي الْحَرَمِ فَإِنْ صَلَّاهُمَا خَارِجَ الْحَرَمِ فِي وَطَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ صَحَّتْ وَأَجْزَأَتْهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا أَضَفْتُهُ إلَيْهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُصَلِّهِمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ فَإِنْ قُلْنَا هُمَا وَاجِبَتَانِ صَلَّاهُمَا وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ فَهَلْ يُصَلِّيهِمَا فِيهِ الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ إذَا فَاتَتْ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ وَغَلَطٌ بَلْ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ يُصَلِّيهِمَا حَيْثُ كَانَ وَمَتَى كَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُ هَذِهِ الصَّلَاةِ فِي وَطَنِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَرْضِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا تَفُوتُ هَذِهِ الصَّلَاةُ مَا دَامَ حَيًّا
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُجْبَرُ تَأْخِيرُهَا بِدَمٍ
- وَكَذَا لَوْ مَاتَ لَا يُجْبَرُ تَرْكُهَا بِدَمٍ هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ تَصْرِيحًا وَإِشَارَةً
- وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهِمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ صَلَّاهُمَا وَأَرَاقَ دَمًا قَالَ وَإِرَاقَةُ الدَّمِ مُسْتَحَبَّةٌ لاواجبة قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّ اسْتِحْبَابَ الاراقة على قولنا نجب الصَّلَاةُ لَا عَلَى قَوْلِنَا سُنَّةٌ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الْأَصَحُّ أَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ هَذَا كَلَامُهُ
- وَقَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ تَرَكَ هَذِهِ الصَّلَاةَ حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُرِيقَ دَمًا قَالَ وَهَذَا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ قَالَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِلتَّأْخِيرِ
- وَقَالَ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا لَمْ يُصَلِّهِمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ صَلَّاهُمَا وَأَرَاقَ دَمًا قَالَا قَالَ أَصْحَابُنَا الدَّمُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَوْ فُعِلَتْ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى الْوَطَنِ وَتَخَلُّلِ مُدَّةٍ وَقَعَتْ الْمَوْقِعَ وَلَا تَنْتَهِي إلَى الْقَضَاءِ وَالْفَوَاتِ قَالَ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ الْأَئِمَّةُ لِجُبْرَانِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِمَا وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُمَا لَا تَفُوتَانِ وَالْجُبْرَانُ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الْفَوَاتِ فَإِنْ قُدِّرَ فَوَاتُهُمَا بِالْمَوْتِ لَمْ يَمْتَنِعْ وُجُوبُ جَبْرِهِمَا بِالدَّمِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَجْبُورَاتِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) إذَا لَمْ يُصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ وَقُلْنَا هُمَا وَاجِبَتَانِ فَهَلْ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ فِعْلِهِمَا فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَحْصُلُ وَيَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمَا لانهما كالجزء من
الطواف ولو بقي شئ مِنْ الطَّوَافِ لَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الِاسْتِذْكَارِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَا تَعَلُّقَ لِلصَّلَاةِ بِالتَّحَلُّلِ بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَقَطَعَ بِهِ سَائِرُ الْأَصْحَابِ وَالْأَوَّلُ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَإِنَّمَا أَذْكُرُهُ لِأُبَيِّنَ بُطْلَانَهُ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى صِحَّةِ السَّعْيِ قَبْلَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَوَافَقَ عَلَيْهِ الدَّارِمِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ
- (فَرْعٌ) إذَا أَرَادَ أَنْ يَطُوفَ فِي الْحَالِ طَوَافَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ كُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ طَافَ طَوَافَيْنِ أَكْثَرَ بِلَا صَلَاةٍ ثُمَّ صَلَّى لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ جَازَ لَكِنْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الصَّيْمَرِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ وَرَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ والمسود بْنِ مَخْرَمَةَ
- قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ لَوْ طَافَ أَسَابِيعَ مُتَّصِلَةً ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ جَازَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا قُلْنَا هُمَا سُنَّةٌ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الَّذِي قَالَهُ مُتَعَيَّنٌ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا هُمَا وَاجِبَتَانِ لم يتداخلا ولابد مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِكُلِّ طَوَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا تَمْتَازُ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَنْ غَيْرِهَا من الصلوات بشئ وَهِيَ أَنَّهَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فَإِنَّ الْأَجِيرَ فِي الْحَجِّ يُصَلِّيهَا وَتَقَعُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَأَشْهَرِهِمَا (وَالثَّانِي) أَنَّهَا تَقَعُ عَنْ الْأَجِيرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ
- قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَلَاةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ غَيْرُ هَذِهِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ
- وَيَلْتَحِقُ بِالْأَجِيرِ وَلِيُّ الصَّبِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْفَرْعِ الْمُتَّصِلِ بِهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مُحْرِمًا فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا طَافَ بِنَفْسِهِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ طَافَ بِهِ وَلِيُّهُ وَصَلَّى الْوَلِيُّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَسَبَقَ إيضَاحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي مَسَائِلِ حَجِّ الصَّبِيِّ وَهَلْ تَقَعُ صَلَاةُ الْوَلِيِّ هَذِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عن الصبي فيه
وجهان حكاهما صاحب البين وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) عَنْ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنِّيَابَةِ فِي الصَّلَاةِ (وَأَصَحُّهُمَا) عَنْ الصَّبِيِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ تَبَعًا لِلطَّوَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
(فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عَقِبَ صَلَاتِهِ هَذِهِ خلف المقام بما أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ هذا بلدك وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَبَيْتُكَ الْحَرَامُ وَأَنَا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ أَتَيْتُكَ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ وَخَطَايَا جَمَّةٍ وَأَعْمَالٍ سَيِّئَةٍ وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ النَّارِ فَاغْفِرْ لِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ اللَّهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ عِبَادَكَ إلَى بَيْتِكِ الحرام وقد جئت طالبا رحتمك مُبْتَغِيًا مَرْضَاتَكَ وَأَنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَاغْفِرْ لي وارحمني انك على كل شئ قَدِيرٌ
-
(فَرْعٌ) وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْيِ وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ وَاضِحَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ فَصْلِ السَّعْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
(فَرْعٌ) فِي
مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالطَّوَافِ
(إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ مَتَى كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَنَوَى غَيْرَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ تَطَوُّعًا أو وداعا أو قدوما وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُمَا فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْفَرْضُ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ فَطَافَ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ إنْ كَانَ زَمَانُ النَّذْرِ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَطُوفَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ معين أو معين وَطَافَ فِي غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلنَّذْرِ فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَطُوفَ عَنْ غَيْرِهِ وَالنَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَجُوزُ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَفِي الْإِمْلَاءِ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ لَوْ طَافَ الْمُحْرِمُ وَهُوَ لَابِسٌ الْمَخِيطَ وَنَحْوَهُ صَحَّ طَوَافُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ تَحْرِيمَ اللُّبْسِ لَا يَخْتَصُّ بِالطَّوَافِ فَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ
- قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هُوَ كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ يَأْثَمُ وَتَصِحُّ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ يُكْرَهُ أَنْ يُسَمَّى الطَّوَافُ شَوْطًا وَكَرِهَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا
- قَالَ الشَّافِعِيُّ كَرِهَ مُجَاهِدٌ أَنْ يُقَالَ شَوْطٌ أَوْ دَوْرٌ وَلَكِنْ يَقُولُ طَوَافٌ وَطَوَافَانِ قَالَ
الشَّافِعِيُّ وَأَكْرَهُ مَا كَرِهَ مُجَاهِدٌ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى سماه طوافا فقال تعالى (وليطفوا بالبيت العتيق) وقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي عَنْهُمَا قَالَ (أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) وَهَذَا الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ
- ثُمَّ إنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِنَهْيِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَسْمِيَتِهِ شَوْطًا نَهْيٌ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يكره والله علم (الرَّابِعَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ فَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي الطَّوَافُ أَفْضَلُ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ (أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ) أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ
- وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ الصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسَةُ) قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذِكْرِ اللَّهِ) هَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ صَحِيحٌ إلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ فَضَعَّفَهُ أَكْثَرُهُمْ ضَعْفًا يَسِيرًا وَلَمْ يُضَعِّفْ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ فَهُوَ حَسَنٌ عنده كما سبق
- وروى الترمذي في هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَلَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى
بحديث اتصف بذلك والله أَعْلَمُ (السَّادِسَةُ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من طَافَ بِالْبَيْتِ خَمْسِينَ مَرَّةً خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كيوم ولدته امه) راه التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هُوَ غَرِيبٌ (قَالَ) وَسَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ إنَّمَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ
- (فَرْعٌ) فِي
مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالطَّوَافِ
- قَالَ الْعَبْدَرِيُّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا جَائِزٌ (وَأَمَّا) صَلَاةُ الطَّوَافِ فَمَذْهَبُنَا جَوَازُهَا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ والحسين بني عَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ محمد وعروة ومجاهد وأحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ
- وَكَرِهَهُمَا مَالِكٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ فَنَظَرَ الشمس فلم يراها طَلَعَتْ فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى فَصَلَّى)
- (فَرْعٌ)
أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا مَعَ ذَلِكَ تَقْبِيلُهُ وَالسُّجُودُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَقْبِيلِهِ قَبَّلَ الْيَدَ بَعْدَهُ وَمِمَّنْ قَالَ بِتَقْبِيلِ الْيَدِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وأيوب السختياني والثوري وأحمد واسحق حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمَالِكٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلُوهُ وَتَبِعَهُمْ جُمْلَةُ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَرَوَيْنَاهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَأَمَّا) السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ قَالَ وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ بدعة
- واعترف
الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ بِشُذُوذِ مَالِكٍ عَنْ الْجُمْهُورِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يستحب تقبيل اليد إلا مالك فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَا لَا يُقَبِّلُهَا قَالَ وَقَالَ جَمِيعُهُمْ يَسْجُدُ عَلَيْهِ إلا مالك وَحْدَهُ فَقَالَ بِدْعَةٌ
- (فَرْعٌ) أَمَّا الرُّكْنُ الْيَمَانِي فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ بَلْ يُقَبِّلُ الْيَدَ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْتَلِمُهُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَسْتَلِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُ الْيَدَ بَعْدَهُ بَلْ يَضَعُهَا عَلَى فِيهِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُقَبِّلُ يَدَهُ بَعْدَهُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقَبِّلُهُ
- (فَرْعٌ) أَمَّا الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ وَهُمَا اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ فَلَا يُقَبَّلَانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ
- قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ إجْمَاعُ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ وَالْفُقَهَاءِ قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَانْقَرَضَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُسْتَلَمَانِ وَمِمَّنْ كان يقول باستلامهما الحسن والحسين ابنا عَلِيٍّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وانس ابن مَالِكٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ
- وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) الِاضْطِبَاعُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُنَا
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُد فِيهِ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّ الرَّمَلَ فِي الطَّوْفَاتِ الثلاث يُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْمَطَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَيْهِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ والنخعي ومالك والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحق وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ
- وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا يَرْمُلُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ وَسَبَقَ دَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ
(فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّ الرَّمَلَ مُسْتَحَبٌّ فِي الطَّوْفَاتِ الثَّلَاثِ الْأُولَى مِنْ السَّبْعِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَرْمُلُ فِي السَّبْعِ كُلِّهَا
- وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَرْمُلُ فِي شئ مِنْ الطَّوَافِ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ (إنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ
- دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَثَبَتَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الرَّمَلُ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وفي صحيح البخاري عن عمربن الخطاب رضي الله عنه قال (مالنا والرمل إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكم ثم قال شئ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ
(فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَوْ ترك الرمل فاته الفضيلة ولا شئ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وإسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ
- وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْمَاجِشُونُ الْمَالِكِيُّ عَلَيْهِ دَمٌ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ عَلَيْهِ دَمٌ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ أَوْ الِاضْطِبَاعَ أَوْ الِاسْتِلَامَ لَزِمَهُ دَمٌ لِحَدِيثِ (مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دم)
- (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المرأة لا ترمل ولا تسعى بل تمشي
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
- قَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وابو حنيفة وابو ثَوْرٍ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ
- وَكَرِهَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ فِي الطَّوَافِ
- وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الطَّوَافَ مَاشِيًا أَفْضَلُ فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا بِلَا عُذْرٍ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَذَكَرْنَا الْمَذَاهِبَ فِيهِ فِيمَا سَبَقَ
(فَرْعٌ) التَّرْتِيبُ عِنْدَنَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَيَطُوفَ عَلَى يَمِينِهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَإِنْ عَكَسَهُ لَمْ يَصِحَّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعِيدُهُ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ وَلَمْ يُعِدْهُ لَزِمَهُ دَمٌ وَأَجْزَأَهُ طَوَافُهُ
- دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ
- (فَرْعٌ) لَوْ طَافَ فِي الْحِجْرِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ (مِنْهُمْ) عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ وَإِنْ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ بِلَا إعَادَةٍ أَرَاقَ دَمًا وَأَجْزَأَهُ طَوَافُهُ
- (فَرْعٌ) إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَقَطَعَهُ لِيُصَلِّيَهَا فَصَلَّاهَا جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (مِنْهُمْ) ابْنُ عُمَرَ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ واحمد واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ يَسْتَأْنِفُ
- (فَرْعٌ) إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ إتْمَامَ الطَّوَافِ أَوْلَى وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَخْرُجُ لَهَا وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا يَخْرُجُ فَإِنْ خَرَجَ اسْتَأْنَفَ
- (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُطَافُ بِالصَّبِيِّ وَيُجْزِئُهُ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُطَافُ بِالْمَرِيضِ وَيُجْزِئُهُ إلَّا عَطَاءً فَعَنْهُ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) يَسْتَأْجِرُ مَنْ يَطُوفُ عَنْهُ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الشُّرْبَ فِي الطَّوَافِ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَإِنْ خَالَفَ وَشَرِبَ لَمْ يَبْطُلْ طَوَافُهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَخَّصَ فِيهِ طَاوُسٌ وعطاء واحمد واسحق وَبِهِ أَقُولُ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مَنَعَهُ
- (فَرْعٌ) لَوْ طَافَتْ الْمَرْأَةُ مُنْتَقِبَةً وَهِيَ غَيْرُ مُحْرِمَةٍ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا كَرَاهَتُهُ كَمَا يُكْرَهُ صَلَاتُهَا مُنْتَقِبَةً
- وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَطُوفُ مُنْتَقِبَةً وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ واحمد واسحق وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَرِهَهُ طَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ
(فَرْعٌ) لَوْ حَمَلَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ وَنَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الطَّوَافَ بِنَفْسِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ عِنْدَنَا (احصها) يَقَعُ الطَّوَافُ لِلْحَامِلِ (وَالثَّانِي) لِلْمَحْمُولِ (وَالثَّالِثُ) لَهُمَا وَمِمَّنْ قَالَ لَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ لِلْحَامِلِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ رِوَايَةٌ للحامل ورواية لهما
- (فرع) لو بقي شئ مِنْ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ وَلَوْ طَوْفَةً أَوْ بَعْضَهَا لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُتِمَّهُ وَلَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يأتي به هذا مذهبنا وبه قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَسَبَقَ خِلَافُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ فِيهِ
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَكْفِي لِلْقَارِنِ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَنْ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (مِنْهُمْ) ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَمَالِكٌ وَالْمَاجِشُونُ وَأَحْمَدُ واسحق وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد
- وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَجَابِرُ بن زيد وعبد الرحمن ابن الْأَسْوَدِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
- وَأَقْرَبُ مَا اُحْتُجَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كان معه هدي فيهل بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَتْ فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حلوا ثم طافوا أطوافا أخر بعد ما رَجَعُوا مِنْ مِنًى بِحَجِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَارِنًا
- وَعَنْ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (قَالَ رسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَالْمَوْقُوفُ أَصَحُّ
- هَذَا
كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَرْفُوعًا (وَأَمَّا) الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ كَمَا سَبَقَ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الْمُنْذِرِ
-
قَالَ الشَّافِعِيُّ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ بِرِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ قَالَ (لَقِيتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ هُوَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَقُلْت هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ كَمَا فَعَلْتَ قَالَ ذَلِكَ لَوْ كُنْتَ بَدَأْتَ بِالْعُمْرَةِ قُلْتُ كَيْفَ أَفْعَلُ لَوْ أَرَدْتُ ذلك قال تهل بهما جيمعا ثُمَّ تَطُوفُ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَتَسْعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَبُو نَصْرٍ هَذَا مَجْهُولٌ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا قَالَ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي الْخِلَافِيَّاتِ قَالَ ومداره على الحارث عُمَارَةَ وَحَفْصِ بْنِ أَبِي دَاوُد وَعِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ فَرْضٍ فَنَوَى بِطَوَافِهِ غَيْرَهُ انْصَرَفَ إلَى الْفَرْضِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
-
هَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَقَعُ عَنْ فَرْضِهِ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ وَقِيَاسُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَعَلَى الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ
-
(فَرْعٌ) رَكْعَتَا الطَّوَافِ سُنَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبَتَانِ
-
(فَرْعٌ)
-
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَصِحَّانِ حَيْثُ صَلَّاهُمَا إلَّا مَالِكًا فَإِنَّهُ كَرِهَ فِعْلَهُمَا فِي الْحِجْرِ وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْحِجْرِ كَغَيْرِهِ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا صَلَّاهُمَا فِي الْحِجْرِ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهِمَا حَتَّى رَجَعَ إلَى بِلَادِهِ أَرَاقَ دَمًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا حُجَّةَ لِمَالِكٍ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي الْحِجْرِ صَحِيحَةً فَلَا إعَادَةَ سَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ إعَادَتُهَا وَإِنْ رَجَعَ إلَى 1 فَأَمَّا وجوب الدم فلا أعلمه يجب في شئ مِنْ أَبْوَابِ الصَّلَاةِ
-
هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ و* نقل أَصْحَابُنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ الْمَقَامِ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا حَيْثُ شاء من الحرم
(فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ سُنَّةٌ وَفِي قَوْلٍ وَاجِبَةٌ فَإِنْ صَلَّى فَرِيضَةً عَقِبَ الطَّوَافِ أَجْزَأَتْهُ عَنْ صَلَاةِ الطَّوَافِ إنْ قُلْنَا هِيَ سُنَّةٌ وَإِلَّا فَلَا وَمِمَّنْ قَالَ يُجْزِئُهُ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الاسود وإسحق قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَلَا أَظُنُّهُ يَثْبُتُ عَنْهُ وَقَالَ أَحْمَدُ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يُجْزِئُهُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَلِيَّ يُصَلِّي صَلَاةَ الطَّوَافِ عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ لَا يُصَلِّي عَنْهُ
- (فَرْعٌ) فيمن طاف أطوفة ولم يصلي لَهَا ثُمَّ صَلَّى لِكُلِّ طَوَافٍ رَكْعَتَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ كُلِّ طَوَافٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْمِسْوَرِ وَعَائِشَةَ وَطَاوُسٍ وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحق وَأَبِي يُوسُفَ قَالَ وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَوَافَقَهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ
- دَلِيلُنَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِنَهْيِ الشَّارِعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا نَهْيٌ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الدَّلِيلِ (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعٍ جَمِيعًا ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى خَلْفَهُ سِتَّ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَنَا) فَهَذَا الْحَدِيثُ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ
- وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُهُ فَهُوَ ضعيف ايضا والله اعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ثم يسعي وهو ركن من أركان الحج لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عليكم) فلا يصح السعي إلا بعد طواف فان سعى ثم طاف لم يعتد بالسعي لما روى ابن عمر قال (لما قدم رسول الله صلى عليه وسلم طاف بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ طاف بين الصفا والمروة سبعا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أسوة حسنة) فنحن نصنع ما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والسعي أن يمر سبع مرات بين الصفا والمروة لِمَا رَوَى جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (نبدأ بالذي بدأ الله به وبدأ بالصفا حتى فرغ من آخر سعيه على المروة) فان مر من الصفا إلى المروة حسب ذلك مرة وإذا رجع من المروة إلى الصفا حسب ذلك مرة أخرى وقال أبو بكر الصيرفي لا يحسب رجوعه
من المروة إلى الصفا مرة وهذا خطأ لانه استوفى ما بينهما بالسعي فحسب مرة كما لو بدأ من الصفا وجاء إلى المروة
- فأن بدأ بالمروة وسعى إلى الصفا لم يجزه لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ابدأوا بما بدأ الله به) ويرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبله ويقول اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شئ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعَدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إله إلا الله مخصلين له الدين ولو كره الكافرون لما روى جابر قال (خرج رسول الله إلى الصفا فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى إذا رأى البيت توجه إليه وكبر ثُمَّ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي ويميت وهو على كل شئ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دعا ثم قال مثل هذا ثلاثا ثم نزل) ثم يدعوا لنفسه بما احب من امر الدين والدنيا لما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يدعو بعد التهليل والتكبير لنفسه فإذا فرغ من الدعاء نزل من الصفا ويمشي حتي يكون بينه وبين الميل الاخضر المعلق بفناء المسجد نحو من ستة اذرع فيسعي سعيا شديدا حتى يحاذي الميلين الاخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس ثم يمشي حتى يصعد المروة لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعي حتي يخرج منه إذا صعد مشى حتى يأتي المروة والمستحب ان يقول بين الصفا والمروة رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك انت الاعز الاكرم لما روت صفية بنت شيبة عن امرأة من بني نوفل إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذلك
- فان ترك السعي ومشى في الجميع جاز لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه كان يمشي بين الصفا والمروة وقال ان امشي فقد رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشى وأنا شيخ كبير
- وان سعي راكبا جاز لما روى جابر قَالَ (طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طواف حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس ويسألوه) والمستحب إذا صعد المروة أن يفعل مثل ما فعل على الصفا لِمَا رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا) قال في الام فان سعي بين الصفا والمروة ولم يرق عليهما اجزأه وقال أبو حفص بن الوكيل لا يجزئه حتى يرقى عليهما ليتيقن انه
استوفى السعي بينهما وهذا لا يصح لان المستحق هو السعي بينهما وقد فعل ذلك وان كانت امراة ذات جمال فالمتسحب ان تطوف وتسعي ليلا فان فعلت ذلك نهارا مشت في موضع السعي
- وان اقيمت الصلاة أو عرض عارض قطع السعي فإذا فرغ بنى لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يطوف بين الصفا والمروة فأعجله البول فتنحى ودعا بماء فتوضأ ثم قام فأتم على ما مضى)
- (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ) فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَبِيبَةَ بِنْتِ تَجْرَاةَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ - وَحَبِيبَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ - هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُقَالُ حَبِيبَةُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - وَحَدِيثُهَا هَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِيهِ اضْطِرَابٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إلَى قَوْلِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ الطويل (واما) حديث (ابدؤا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ لَكِنَّ لَفْظَهُ (أَبْدَأُ) عَلَى الْخَبَرِ والذي في نسخ المهذب (ابدؤا) بِوَاوِ الْجَمْعِ عَلَى الْأَمْرِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ فابدؤا بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ الثَّانِي فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ لَكِنَّ فِي لَفْظِهِ مُخَالَفَةً وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَ (فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ وَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وهو على كل شئ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَتَيْنِ لِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادَيْنِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي ويميت وهو على كل شئ قَدِيرٌ) زَادَ يُحْيِي وَيُمِيتُ كَمَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ (وَأَمَّا) دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ لِنَفْسِهِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْمَشْيِ وَالسَّعْيِ
فصحيح رواه بِمَعْنَاهُ وَهَذَا لَفْظُهُ قَالَ (ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى إذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى إذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ (ثُمَّ نَزَلَ حَتَّى إذَا تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَصَعِدَ عَلَيْهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ) (وَأَمَّا) حَدِيثُ (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِمَا (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِلَفْظِهِ هَذَا الْمَذْكُورِ فِي الْمُهَذَّبِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ جَمِيعَ طُرُقِهِ تَدُورُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ بِضَمِّ الْجِيمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ عَطَاءً اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَتَرَكُوا الاحتجاج بروايات من سمع آخِرًا وَالرَّاوِي عَنْهُ فِي التِّرْمِذِيِّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ آخِرًا وَلَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ وَسُفْيَانُ مِمَّنْ سُمِعَ منه قديما وكثير ابن جُمْهَانَ مَسْتُورٌ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ أَيْضًا حَسَنٌ عِنْدَهُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ) فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا) فرواه مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَأَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَيْ الطَّوَائِفَ الَّتِي تَحَزَّبَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَصَرُوا الْمَدِينَةَ (وَقَوْلُهُ) وَحْدَهُ مَعْنَاهُ هَزَمَهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ مِنْكُمْ بَلْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا (قَوْلُهُ) فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ هُوَ - بِكَسْرِ الْقَافِ يُقَالُ رَقِيَ يَرْقَى كَعَلِمَ يَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أَوْ تَرْقَى فِي السماء) وقوله الميل الاخضر هو العمود (وقوله) مُعَلَّقٌ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ - بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ - وَالْمُرَادُ رُكْنُ الْمَسْجِدِ وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ الْمُعَلَّقُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ وَمَعْنَاهُ الْمَبْنِيُّ فِيهِ وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ (قَوْلُهُ) وَحِذَاءَ دَارِ الْعَبَّاسِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي]
التَّنْبِيهِ وَكَذَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهُوَ غَلَطٌ فِي اللَّفْظِ وَصَوَابُهُ حَذْفُ لَفْظَةِ حِذَاءَ بَلْ يُقَالُ الْمُعَلَّقَيْنِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَدَارِ الْعَبَّاسِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالدَّارِمِيُّ والماوردي والقاضي حسين أبو عَلِيٍّ وَالْمَسْعُودِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ بِحَذْفِ لَفْظَةِ حِذَاءَ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِ حَائِطِ دَارِ الْعَبَّاسِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَجِدَارُ دَارِ الْعَبَّاسِ بِجِيمٍ وَبِرَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ وَهَذَا حَسَنٌ والمراد بالجدال الحائط والعباس صاحب هذا الدَّارِ وَهُوَ أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُ (وَأَمَّا) صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ فَصَحَابِيَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ تَابِعِيَّةٌ وَسَبَقَ ذِكْرُهَا في آخر باب محظورات الاحرام (وأما) الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَجَرِ الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا إلَى الْمَسْعَى ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَيَّنَّاهُ فِي آخِرِ فَصْلِ الطَّوَافِ
- وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمُ وَيَدْعُوَ فِيهِ وَيَدْخُلَ الْحِجْرَ وَيَدْعُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ إذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ قَبْلَ ركعتيه ثم يصليهما
- وقال ابن جريج الطَّبَرِيُّ يَطُوفُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْهِ ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا وَكُلُّ هَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْأَحَادِيثَ - الصَّحِيحَةَ بَلْ الصَّوَابُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ثُمَّ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ عَقِبَ صَلَاةِ الطواف بشئ إلَّا اسْتِلَامَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثُمَّ الْخُرُوجَ إلَى الصفا والله أَعْلَمُ
- ثُمَّ إذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلسَّعْيِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا فَيَأْتِيَ سَفْحَ جَبَلِ الصَّفَا فَيَرْقَى عَلَيْهِ قَدْرَ قَامَةٍ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ وَهُوَ يَتَرَاءَى لَهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ بَابِ الصَّفَا لَا مِنْ فَوْقِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْمَرْوَةِ فَإِذَا صَعِدَهُ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ وَهَلَّلَ وَكَبَّرَ فَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بيده الخير وهو على كل شئ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ أَنْجَزَ وَعَدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ
الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
- ثُمَّ يَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ (اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي إلَى الْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ لِمَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ هَذَا عَلَى الصَّفَا وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى الصَّفَا (اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا بدينك وطواعتيك وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ وَجَنِّبْنَا حُدُودَكَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا نُحِبُّكَ ونحب ملائكتك وأنبيائك وَرُسُلَكَ وَنُحِبُّ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ حَبِّبْنَا إلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ وَإِلَى أَنْبِيَائِكَ وَرُسُلِكَ وَإِلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى وَاغْفِرْ لَنَا فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى وَاجْعَلْنَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ) وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الصَّفَا (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُلَبِّي عَلَى الصَّفَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُلَبِّي إنْ كَانَ حَاجًّا وَهُوَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ يُعِيدُ هَذَا الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَيُعِيدُ الذِّكْرَ ثَالِثًا وَهَلْ يُعِيدُ الدُّعَاءَ ثَالِثًا فِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا) لَا يُعِيدُهُ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ (وَأَصَحُّهُمَا) يُعِيدُهُ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَآخَرُونَ وَهَذَا هُوَ الصواب لحديث جابر الذي ذكرناه قَرِيبًا عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الدُّعَاءِ ثَلَاثًا
- فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ نَزَلَ مِنْ الصَّفَا مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَرْوَةِ فَيَمْشِي عَلَى سَجِيَّةِ مَشْيِهِ الْمُعْتَادِ حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيلِ الْأَخْضَرِ الْمُعَلَّقِ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ قَدْرُ سِتِّ أَذْرُعٍ ثُمَّ يَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا حَتَّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ مُتَّصِلٌ بِدَارِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ يَتْرُكُ شِدَّةَ السَّعْيِ وَيَمْشِي عَلَى عَادَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ فَيَصْعَدَ عَلَيْهَا حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الْبَيْتُ إنْ ظَهَرَ فَيَأْتِيَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الَّذِي قَالَهُ عَلَى الصَّفَا فَهَذِهِ مَرَّةٌ مِنْ سَعْيِهِ ثُمَّ يَعُودُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ فَإِذَا وَصَلَ إلَى الصَّفَا صَعِدَهُ وَفَعَلَ مِنْ الذِّكْرِ والدعاء ما فعله أولا وهذه مَرَّةٌ ثَانِيَةٌ مِنْ سَعْيِهِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ أَوَّلًا ثُمَّ يَعُودُ إلَى الصَّفَا وَهَكَذَا حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ
- وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي مَشْيِهِ وَسَعْيِهِ وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِيهِ فَهَذِهِ صِفَةُ السَّعْيِ
- (فَرْعٌ) فِي بيانه وَاجِبَاتِ السَّعْيِ وَشُرُوطِهِ وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ (أَمَّا) الْوَاجِبَاتُ فَأَرْبَعَةٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَقْطَعَ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَوْ بَقِيَ مِنْهَا بَعْضُ خُطْوَةٍ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاكِبًا اُشْتُرِطَ أَنْ يُسَيِّرَ دَابَّتَهُ حَتَّى تَضَعَ حَافِرَهَا عَلَى الْجَبَلِ أَوْ إلَيْهِ حَتَّى لَا يَبْقَى من المسافة شئ وَيَجِبُ عَلَى الْمَاشِي أَنْ يُلْصِقَ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ رِجْلَهُ بِالْجَبَلِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُلْصِقَ الْعَقِبَ بِأَصْلِ مَا يذهب منه ويلصق رؤوس أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِمَا يَذْهَبُ إلَيْهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَصْعَدْ عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ فَإِنْ صَعِدَ فَهُوَ الْأَكْمَلُ وَقَدْ زَادَ خَيْرًا وَهَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ وَهَكَذَا عَمِلَتْ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَلَيْسَ هَذَا الصُّعُودُ شَرْطًا وَاجِبًا بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ وَلَكِنَّ بَعْضَ الدَّرَجِ مُسْتَحْدَثٌ فَلْيَحْذَرْ مِنْ أَنْ يُخَلِّفَهَا وَرَاءَهُ فَلَا يَصِحَّ سَعْيُهُ حِينَئِذٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْعَدَ فِي الدَّرَجِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ
- هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ الصُّعُودُ
عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرًا يَسِيرًا وَلَا يَصِحُّ سَعْيُهُ إلَّا بِذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ قَطْعَ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ كَمَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ لِيَسْتَيْقِنَ إكْمَالَ الْوَجْهِ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصُّعُودُ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَعَى رَاكِبًا) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَصْعَدُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَمَّا اسْتِيقَانُ قَطْعِ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ فَيَحْصُلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إلْصَاقِ الْعَقِبِ وَالْأَصَابِعِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْوَكِيلِ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ صُعُودُ الصفا والمروة بشئ قَلِيلٍ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ الْجُمْهُورُ وَنَقَلَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ صُعُودُهُمَا قَدْرَ قَامَةِ رَجُلٍ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ الْأَوَّلُ (وَالْوَاجِبُ الثَّانِي) التَّرْتِيبُ وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ الصَّفَا فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يُحْسَبْ مُرُورُهُ مِنْهَا إلَى الصَّفَا فَإِذَا عَادَ مِنْ الصَّفَا كَانَ هَذَا أَوَّلَ سَعْيِهِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الْمَرْوَةِ وَفِي الثَّالِثَةِ مِنْ الصَّفَا وَالرَّابِعَةِ مِنْ الْمَرْوَةِ وَالْخَامِسَةِ مِنْ الصَّفَا وَالسَّادِسَةِ مِنْ الْمَرْوَةِ وَالسَّابِعَةِ مِنْ الصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ فَلَوْ أَنَّهُ لَمَّا أراد االعود مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَدَلَ عَنْ مَوْضِعِ السَّعْيِ وَجَعَلَ طَرِيقَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَابْتَدَأَ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الصَّفَا أَيْضًا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الْمَرَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْجُمْهُورُ
- وَحَكَى الرويانى وغيره وجها شاذا أنها تحسب الصواب الْأَوَّلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَعَى هَكَذَا وَقَالَ لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ نَكَسَ السَّعْيَ فَبَدَأَ أَوَّلًا بِالْمَرْوَةِ وَخَتَمَ السَّابِعَةَ بِالصَّفَا لَمْ تَجْزِهِ الْمَرَّةُ الْأُولَى الَّتِي بَدَأَهَا مِنْ الْمَرْوَةِ وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ الَّتِي بَدَأَهَا مِنْ الصَّفَا أُولَى وَيُحْسَبُ مَا بَعْدَهَا فَيَحْصُلُ لَهُ سِتُّ مَرَّاتٍ وَيَبْقَى عَلَيْهِ سَابِعَةٌ فيبدأها مِنْ الصَّفَا فَإِذَا وَصَلَ الْمَرْوَةَ تَمَّ سَعْيُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ نَسِيَ بَعْضَ السَّبْعِ فَإِنْ نَسِيَ السَّابِعَةَ أَتَى بِهَا يَبْدَؤُهَا مِنْ الصَّفَا وَلَوْ نَسِيَ السَّادِسَةَ وَسَعَى السَّابِعَةَ حُسِبَتْ لَهُ الْخَمْسُ الْأُوَلُ وَلَا تُحْسَبُ السَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فَلَا تَصِحُّ السَّابِعَةُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالسَّادِسَةِ فَيَلْزَمُهُ سَادِسَةٌ يَبْدَؤُهَا مِنْ الْمَرْوَةِ ثُمَّ سَابِعَةٌ يَبْدَؤُهَا مِنْ الصَّفَا فَيَتِمُّ سَعْيُهُ بِوُصُولِهِ الْمَرْوَةَ وَقَالَ لَوْ نَسِيَ الْخَامِسَ لَمْ يَعْتَدَّ بِالسَّادِسِ وَجَعَلَ السَّابِعَ خَامِسًا ثُمَّ أَتَى بِالسَّادِسِ ثُمَّ السَّابِعِ قَالَ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْمَسْعَى لَمْ يَسْتَوْفِهِ فِي سَعْيِهِ فَلَوْ تَرَكَ ذِرَاعًا مِنْ الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يتركه من آخر السابقة فيعود ويأتي
بِالذِّرَاعِ وَيُجْزِئَهُ فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِهِ كَانَ عَلَى إحْرَامِهِ 1 (الثَّانِي) أَنْ يَتْرُكَهُ مِنْ أَوَّلِ السَّابِعَةِ فَيَلْزَمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالسَّابِعَةِ بِكَمَالِهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا كَمَنْ تَرَكَ الْآيَةَ الْأُولَى مِنْ الْفَاتِحَةِ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْفَاتِحَةِ بِكَمَالِهَا (الثَّالِثُ) أَنْ يَتْرُكَهُ مِنْ وَسَطِ السَّابِعَةِ فَيَحْسُبَ مَا مَضَى مِنْهَا وَيَلْزَمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَهُ وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخِرِ السَّابِعَةِ
- وَلَوْ تَرَكَ ذِرَاعًا مِنْ السَّادِسَةِ لَمْ تُحْسَبْ السَّابِعَةُ لِأَنَّهَا لَا تُحْسَبُ حَتَّى تَصِحَّ السَّادِسَةُ (وَأَمَّا) السَّادِسَةُ فَحُكْمُهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي السابعة إذا ترك منها ذراعا ويجئ فِيهَا الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْوَاجِبُ الثَّالِثُ) إكْمَالُ سَبْعِ مَرَّاتٍ يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنْ الصَّفَّا إلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةً وَالرُّجُوعُ مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَّا مَرَّةً ثَانِيَةً وَالْعَوْدَ إلَى الْمَرْوَةِ ثَالِثَةً وَالْعَوْدَ إلَى الصَّفَا رَابِعَةً وَإِلَى الْمَرْوَةِ خَامِسَةً وإلى الصفا سادسة ومنه إلي الصفا سَابِعَةً فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَجَمَاهِيرُ العلماء وعليه عمر النَّاسِ وَبِهِ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
- وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْسُبُ الذَّهَابَ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَالْعَوْدَ مِنْهَا إلَى الصَّفَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَتَكُونُ الْمَرَّةُ مِنْ الصَّفَا إلَى الصَّفَا كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَكُونُ الْمَرَّةُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَكَمَا أَنَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ يُحْسَبُ الذَّهَابُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ وَالرُّجُوعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَقَالَ بِهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ
- دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَعَى سَبْعًا بَدَأَ بِالصَّفَا وَفَرَغَ عَلَى الْمَرْوَةِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَحْصُلُ فِيهِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ كُلِّهَا إلَّا بِالْمُرُورِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَأَمَّا هُنَا فَيَحْصُلُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ كُلِّهَا بِالْمُرُورِ إلَى الْمَرْوَةِ وَإِذَا رَجَعَ إلَى الصَّفَا حَصَلَ قَطْعُهَا مَرَّةً أُخْرَى فَحَسَبَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ
- وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي حِكَايَةِ قَوْلِ الصَّيْرَفِيِّ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ يَحْسُبُ الذَّهَابَ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَالْعَوْدَ إلَى الصَّفَا كِلَاهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُحْسَبُ أَحَدُهُمَا مَرَّةً وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ قَالَ إذَا وَصَلَ الْمَرْوَةَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حَصَلَ لَهُ مَرَّةٌ مِنْ السَّبْعِ قال وعوده إلى الصفا ليس بشئ فَلَا يُحْسَبُ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَوَصُّلٌ إلَى
السَّعْيِ قَالَ حَتَّى لَوْ عَادَ مَارًّا فِي الْمَسْجِدِ لَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ جَازَ وَحُسِبَ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْجُمْهُورِ وَالرِّوَايَتَانِ عَنْهُ بَاطِلَتَانِ وَالصَّوَابُ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الذَّهَابَ مرة والعود أخرى والله أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ سَعَى أَوْ طَافَ وَشَكَّ فِي الْعَدَدِ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ فَلَوْ اعْتَقَدَ إتْمَامَ سَعْيِهِ فَأَخْبَرَهُ عَدْلٌ أو عدلان ببقاء شئ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْوَاجِبُ الرَّابِعُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ سَوَاءٌ كَانَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ هُوَ الْوَاقِعُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَنَاسِكِ.
فَإِذَا بَقِيَ السَّعْيُ لَمْ يَكُنْ الْمَفْعُولُ طَوَافَ الْوَدَاعِ - وَاسْتَدَلَّ الْمَاوَرْدِيُّ لِاشْتِرَاطِ كَوْنِ السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عيله وَسَلَّمَ (سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَأْخُذُوا عَنِّي مناسككم) وباجماع الْمُسْلِمِينَ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ وَشَذَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْأَسَالِيبِ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا لَوْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ اعْتَدَّ بِالسَّعْيِ وَهَذَا النَّقْلُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ مَرْدُودٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَبِالْإِجْمَاعِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنْ نَقْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ يَجُوزُ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ لِخُرُوجِهِ إلَى مِنًى أَنْ يُقَدِّمَ السَّعْيَ بَعْدَ هَذَا الطَّوَافِ قَالَ وَبِمَذْهَبِنَا هَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وقال مالك وأحمد وإسحق لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَادِمِ
- دَلِيلُنَا أَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ خَارِجِ مَكَّةَ جَازَ لِلْمُحْرِمِ مِنْهَا
- هَذَا نَقْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ
مَا يُوَافِقُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الاضافة كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ سَعَى ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّوَافِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ الطَّوَافِ إنْ قُلْنَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَإِلَّا فَيَسْتَأْنِفُ فَإِذَا أَتَى بِبَقِيَّتِهِ أَوْ اسْتَأْنَفَهُ أَعَادَ السَّعْيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) الْمُوَالَاةُ بَيْنَ مَرَاتِبِ السَّعْيِ سُنَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَوْ تَخَلَّلَ فَصْلٌ يَسِيرٌ أَوْ طَوِيلٌ بَيْنَهُنَّ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَ شَهْرًا أَوْ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ
- وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ فَرَّقَ يَسِيرًا جَازَ وَإِنْ فَرَّقَ كَثِيرًا فَإِنْ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ الْكَثِيرَ بَيْنَ مَرَّاتِ الطَّوَافِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَهَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَفِي السَّعْيِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجُوزُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ يَجُوزُ لِأَنَّ السَّعْيَ أَخَفُّ مِنْ الطَّوَافِ وَلِهَذَا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ هَذَا نَقْلُ الْمَاوَرْدِيُّ
- وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ إنْ فَرَّقَ يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ وَجَازَ الْبِنَاءُ وَكَذَا إنْ فَرَّقَ كَثِيرًا لِعُذْرٍ كَالْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ فَرَّقَ كَثِيرًا بِلَا عُذْرٍ فَقَوْلَانِ قَالَ فِي الْأُمِّ يَبْنِي وَفِي الْقَدِيمِ يَسْتَأْنِفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (وَأَمَّا) الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَسُنَّةٌ فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا جَازَ وَصَحَّ سَعْيُهُ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ فَإِنْ تَخَلَّلَ الْوُقُوفُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْعَى بَعْدَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَلْ يَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِالِاتِّفَاقِ صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْوَسِيطِ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْخُهُ التَّرَدُّدَ بَلْ حَكَى قَوْلَ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَسَكَتَ
عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ دَخَلَ وَقْتَ الطواف المفروض فلم يجزأن يَسْعَى سَعْيًا تَابِعًا لِطَوَافِ نَفْلٍ مَعَ إمْكَانِ طَوَافِ فَرْضٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمُوَالَاةِ بين الطواف والسعي سنة وانه لو تخل زَمَانٌ طَوِيلٌ كَسَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ جَازَ أَنْ يَسْعَى وَيَصِحُّ سَعْيُهُ وَيَكُونُ مَضْمُومًا إلَى السَّعْيِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي طَرِيقَتَيْ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَكُلُّهُمْ يُمَثِّلُونَ بِمَا لَوْ أَخَّرَهُ سَنَتَيْنِ جَازَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَفَّالُ وَالْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ
- وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَلْ تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ لَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ يَوْمًا وَشَهْرًا وَأَكْثَرَ لِأَنَّهُمَا رُكْنَانِ فَلَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا كَالْوُقُوفِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ (وَالثَّانِي) تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ فَرَّقَ كَثِيرًا لَمْ يَصِحَّ السَّعْيُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ لِأَنَّ السَّعْيَ لَمَّا افْتَقَرَ إلَى تَقَدُّمِ الطَّوَافِ لِيَمْتَازَ عَمَّا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرَ إلَى الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِيَقَعَ الْمَيْزُ بِهِ ولا يحصل الميز إذا أَخَّرَهُ هَذَا نَقْلُ الْمَاوَرْدِيُّ
- وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّهُمَا رُكْنَانِ فِي عِبَادَةٍ وَأَمْكَنَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا فَصَارَ كَالْيَدِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ قِيَاسًا عَلَى تَأْخِيرِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ عَنْ الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ سِنِينَ كَثِيرَةً وَلَا آخِرَ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي سُنَنِ السَّعْيِ وَهِيَ جَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي كَيْفِيَّةِ السَّعْيِ سِوَى الْوَاجِبَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ (إحْدَاهَا) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ الطَّوَافِ وَأَنْ يُوَالِيَهُ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ الطَّوَافِ أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَرَّاتِهِ جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ سَبَقَ الْآنَ (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ سَاتِرًا عَوْرَتَهُ فَلَوْ سَعَى مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ جَازَ وَصَحَّ سَعْيُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَقَدْ حَاضَتْ (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ (الثَّالِثَةُ) الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَحَرَّى زمان الحلوة لسعيه
وَطَوَافِهِ وَإِذَا كَثُرَتْ الزَّحْمَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَفَّظَ من أيدى الناس وترك هيئة من هيآت السَّعْيِ أَهْوَنُ مِنْ إيذَاءِ مُسْلِمٍ وَمِنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلْأَذَى وَإِذَا عَجَزَ عَنْ السَّعْيِ فِي مَوْضِعِهِ لِلزَّحْمَةِ تَشَبَّهَ فِي حَرَكَتِهِ بِالسَّاعِي كَمَا قُلْنَا فِي الرَّمَلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْعَى فِي اللَّيْلِ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ وَأَسْلَمُ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْفِتْنَةِ فَإِنْ طَافَتْ نَهَارًا جَازَ وَتَسْدُلُ عَلَى وَجْهِهَا مَا يَسْتُرُهُ مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّتِهِ الْبَشَرَةَ (الرَّابِعَةُ) الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَرْكَبَ فِي سَعْيِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ فِي الطَّوَافِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بالتواضع لكنه سبق هناك خلاف في تسمية ان الطواف راكبا مكروه وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّعْيَ رَاكِبًا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ لِأَنَّ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ هُنَاكَ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا خَوْفُ تَنَجُّسِ الْمَسْجِدِ بِالدَّابَّةِ وصيانته امتهانه بها هذا الْمَعْنَى مُنْتَصَفٌ فِي السَّعْيِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْحَاوِي الرُّكُوبُ فِي السَّعْيِ أَخَفُّ مِنْ الرُّكُوبِ فِي الطَّوَافِ
- وَلَوْ سَعَى بِهِ غَيْرُهُ مَحْمُولًا جَازَ لَكِنَّ الْأَوْلَى سَعْيُهُ بِنَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ لَهُ عُذْرٌ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ (الْخَامِسَةُ) أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ إلَى السَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا (السَّادِسَةُ) أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَعَلَى الْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (السَّابِعَةُ) الذِّكْرُ وَالدُّعَاءُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي مُرُورِهِ بَيْنَهُمَا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَأَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَسَبَقَ بَيَانُ أَدِلَّةِ كُلِّ هَذَا (الثَّامِنَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهُ فِي مَوْضِعِ السَّعْيِ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ سَعْيًا شَدِيدًا فَوْقَ الرَّمَلِ
- وَالسَّعْيُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ السَّبْعِ بِخِلَافِ الرَّمَلِ فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالثَّلَاثِ الْأُوَلِ كَمَا أَنَّ السَّعْيَ الشَّدِيدَ فِي مَوْضِعِهِ سُنَّةٌ فَكَذَلِكَ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ فِي بَاقِي الْمَسَافَةِ سُنَّةٌ
- وَلَوْ سَعَى فِي جَمِيعِ الْمَسَافَةِ أَوْ مَشَى فِيهَا صَحَّ وَفَاتَهُ الْفَضِيلَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) أَمَّا الْمَرْأَةُ ففيها وجهان (الصحيح) المشهور به قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا لَا تَسْعَى فِي مَوْضِعِ السَّعْيِ بَلْ تَمْشِي جَمِيعَ الْمَسَافَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فِي الْخَلْوَةِ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَأَمْرُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى السَّتْرِ وَلِهَذَا لَا تَرْمُلُ في الطواف (والثانى) انها لا سَعَتْ فِي اللَّيْلِ حَالَ خُلُوِّ الْمَسْعَى اُسْتُحِبَّ لَهَا السَّعْيُ فِي مَوْضِعِ السَّعْيِ كَالرَّجُلِ وَاَللَّهُ أعلم
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ رَأَيْتُ النَّاسَ إذَا فَرَغُوا مِنْ السَّعْيِ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ وَذَلِكَ حَسَنٌ وَزِيَادَةُ طَاعَةٍ ولكن لم يثبت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
- هَذَا كَلَامُ أَبِي مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ابتداء شعار وقد قال الشافعي رحمهم اللَّهُ لَيْسَ فِي السَّعْيِ صَلَاةٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *] [ (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لَا يَجُوزُ السَّعْيُ فِي غير موضع السعي فلو مر رواء مَوْضِعِ السَّعْيِ فِي زُقَاقِ الْعَطَّارِينَ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ لِأَنَّ السَّعْيَ مُخْتَصٌّ بِمَكَانٍ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ كَالطَّوَافِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ مَوْضِعُ السَّعْيِ بَطْنُ الْوَادِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ فَإِنْ الْتَوَى شَيْئًا يَسِيرًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ عَدَلَ حَتَّى يُفَارِقَ الْوَادِيَ الْمُؤَدِّيَ إلَى زُقَاقِ الْعَطَّارِينَ لَمْ يَجْزِ وَكَذَا قَالَ الدَّارِمِيُّ إنْ الْتَوَى فِي السَّعْيِ يَسِيرًا جَازَ وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوْ زُقَاقَ الْعَطَّارِينَ فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الدَّارِمِيُّ يُكْرَهُ أَنْ يَقِفَ فِي سَعْيِهِ لِحَدِيثٍ (1) وَنَحْوِهِ فَإِنْ فَعَلَهُ أَجْزَأَهُ
- (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ فِي فَصْلِ الطَّوَافِ أَنَّهُ يُسَنُّ الِاضْطِبَاعُ فِي جَمِيعِ الْمَسْعَى وَذَكَرْنَا وَجْهًا شَاذًّا عَنْ حِكَايَةِ الدَّارِمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ إنَّمَا يَضْطَبِعُ فِي مَوْضِعِ السَّعْيِ الشَّدِيدِ دُونَ مَوْضِعِ الْمَشْيِ وَهَذَا غَلَطٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) السَّعْيُ ركن من أركان الحج لايتم الْحَجُّ إلَّا بِهِ وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا يَفُوتُ مَا دَامَ صَاحِبُهُ حَيًّا فَلَوْ بَقِيَ مِنْهُ مَرَّةٌ مِنْ السَّعْيِ أَوْ خُطْوَةٌ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ سِنِينَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَنَا إلَّا مَا شَذَّ بِهِ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ تَرَكَ السَّعْيَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَزِمَهُ فِي كُلِّ شَوْطٍ إطْعَامُ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَفِيهَا الدَّمُ قَالَ وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ قَوْلًا آخَرَ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ وَغَلَطٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا أَتَى بِالسَّعْيِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَعَ رُكْنًا وَلَا يُعَادُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَإِنْ أَعَادَهُ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى
- وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَوَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ
وَغَيْرُهُمَا يُكْرَهُ إعَادَتُهُ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافَهُ الْأَوَّلَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ يَعْنِي بِالطَّوَافِ السَّعْيَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَلا جُنَاحَ عليه أن يطوف بهما)
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَوْ سَعَى راكبا جاز ولايقال مكروه لكنه خلاف الاولى ولادم عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَعَطَاءٌ ومجاهد
- قال ابن المنذر وكره الركوب عاشة وعروة وأحمد واسحق وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا يُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَرْكَبُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ وَلَا دَمَ وَإِنْ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ بِلَا إعَادَةٍ لزمه دم
- دلينا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ السَّابِقِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَعَى رَاكِبًا)
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ السَّعْيِ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا يَتِمُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِهِ وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُ خُطْوَةٌ لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ إحْرَامِهِ وَبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَمَالِكٌ واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ بَلْ يَنُوبُ عَنْهُ
- وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ لَيْسَ هُوَ بِرُكْنٍ وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ وَالْأَصَحُّ عَنْهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ وَقَالَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٌ وَابْنُ سِيرِينَ هُوَ تطوع ليس بركن ولا واجب ولادم فِي تَرْكِهِ
- وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ مِنْ السَّعْيِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَإِنْ تَرَكَ دُونَهَا لَزِمَهُ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ وَلَيْسَ هُوَ بركن وهو مذهب أبو حَنِيفَةَ
- وَعَنْ عَطَاءٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ لَا شئ فِي تَرْكِهِ وَرِوَايَةٌ فِيهِ الدَّمُ
- قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ الذى قدمناه انها سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ) فَهُوَ رُكْنٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ قَالَ وَحَدِيثُهَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ
- وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عليه أن يطوف بهما) وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَرَفْعُ الْجُنَاحِ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا وَاجِبٌ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُنَّ سَمِعْنَ من
رسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فِي الْمَسْعَى وَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْآيَةِ مَا أَجَابَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا سَأَلَهَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ هَذَا فَقَالَتْ (إنَّمَا نَزَلَتْ الْآيَةُ هَكَذَا لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيْ يَخَافُونَ الْحَرَجَ فِيهِ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- (فَرْعٌ) لَوْ سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ
- وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ انه يصح وحكاه أَصْحَابُنَا عَنْ عَطَاءٍ وَدَاوُد
- دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وقال صلي الله عليه وسلم لتأخذوا مَنَاسِكَكُمْ) (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ شَرِيكٍ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (خَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا فَكَانَ النَّاسُ يأنونه فَمِنْ قَائِلٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ لَا حَرَجَ إلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ ظَالِمٌ فذلك الذى هلك وخرج) فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كُلُّ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ إلَّا أُسَامَةَ بْنَ شَرِيكٍ الصَّحَابِيَّ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ أَيْ سَعَيْتُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ طوف الْإِفَاضَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي السَّعْيِ شَرْطٌ فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا فَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ
- قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِالْمَرْوَةِ
- وَعَنْ عَطَاءٍ رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) كَمَذْهَبِنَا (وَالثَّانِيَةُ) يَجْزِي الْجَاهِلَ
- دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صلي الله عليه وسلم (ابدؤا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) لَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ قَطَعَهُ وَصَلَّاهَا ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُهُ سَالِمٌ وَعَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ
- قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَقْطَعُهُ لِلصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهَا
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الجمهور أن السي يَصِحُّ مِنْ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ أَعَادَ السَّعْيَ وإن كان بعده فلا شئ عَلَيْهِ
- دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَدْ حَاضَتْ (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بالبيت) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
- (ويخطب الامام اليوم السابع من ذى الحجة بعد الظهر بمكة ويأمر الناس بالغدو من الغد إلى منى وهى احدى الخطب الاربع المسنونة في الحج والدليل عليه ما روى ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم) ويخرج إلي مني في اليوم الثامن ويصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت بها إلى أن يصلى الصبح لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صَلَّى يوم التروية بمني الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة) فإذا طلعت الشمس صار الي الموقف لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (ثم مكث قليلا حتي طلعت الشمس ثم ركب فأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها) فإذا زالت الشمس خطب الامام وهي الخطبة الثانية من الخطب الاربع فيخطب خطبة خفيفة ويجلس ثم يقوم إلى الثانية ويبتدئ المؤذن بالاذان حتى يكون فراغ الامام مع فراغ المؤذن لما روي أن سالم بن عبد الله قال للحجاج (إن كنت تريد أن تصيب السنة فَأَقْصِرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما صدق) ثم يصلي الظهر والعصر اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
- (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ فِي الْخُطْبَةِ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ وَهَذَا لفظه
- عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الظُّهْرُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْفَجْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى) وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ قَالَ (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى وَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ وَرَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِمِنًى) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ وَقَوْلُهُ ثُمَّ مكث قليلا فرواه مسلم كما ذكرناه الْآنَ عَنْهُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ سَالِمٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِهِ هُنَا (وَأَمَّا) حَدِيثُ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جابر في