المجموع شرح المهذبصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الضمان

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فلما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم الرسولين وفيهما ابن النواحة.
وبعد حروب الردة ذهب عبد الله بن مسعود يستطرق لفرسه ذكرا من بنى حنيفة.
وقد انفق مع صاحب الفرس الذكر أن يأتيه بغلس فانتهى إلى مسجد القوم وكان الذى بناه عبد الله بن النواحة، فسمع المؤذن يشهد لمسيلمة بالرسالة، حتى إذا استيقن عبد الله من هذه المفاجأة المذهلة واستوضحه فاعترف، وكان رأى الصاحبة الذين استشارهم أن ثؤلول كفر - والثؤلول بضم الثاء وإسكان الهمزة والثآليل أورام خبيثة تظهر كالدرن في الجسم - قد أطلع رأسه ويجب أن يحسم قوله: عدى بن حاتم الطائى: وكان ممن ثبت على الاسلام في الردة وحضر فتوح العراق، وحارب مع على ومات سنة ثمان وستين، وكان أبوه مضرب المثل في الكرم.
قوله: جرير بن عبد الله هو ابن جابر البجلى صاحبي مشهور ويكنى أبا عمرو، ويقال له: الشليل بن مالك من ولد انمار بن نزار، ولم يختلف النسابون أن بجيلة أمهم نسبوا إليها، وهى بجيلة بنت صعب، وكان جرير سيد قبيلته، وكان إسلامه في العام الذى توفى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قال هو عن نفسه انه أسلم قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يوما.
وفيه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وفى جرير قال الشاعر: لولا جرير هلكت بجيله

  • نعم الفتى وبئست القبيلة فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما مدح من هجى قومه.
    وكان عمر يقول: جرير بن الله يوسف هذه الامة، يعنى في حسنه، وكان جرير رسول على بن أبى طالب إلى معاوية فحبسه مدة طويلة، روى عنه أنس بن مالك وقيس ابن أبى حازم وهمام بن الحارث والشعبى، وروى عنه بنوه عبيد الله والمنذر وابراهيم.
    وأما الاشعث بن قيس فقد ساق نسبه ابن منده وأبو نعيم هكذا: الاشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية بن ثعلبة بن عدى بن ربيعة الكندى وكنيته أبو محمد.
    وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر من الهجرة في وفد كنده وكانوا

ستين راكبا فأسلموا.
وقال الاشعث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت منا فقال " نحن بنو النضر بن كنانة لانقفو أمنا ولا تنتفى من أبينا " فكان الاشعث يقول: لا أوتى بأحد ينفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته ولما أسلم خطب أم فروة أخت أبى بكر الصديق رضى الله عنه ثم عاد إلى اليمن شهد اليرموك وفقئت عينه، ثم سار إلى العراق فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، وسكن الكوفة وشهد صفين مع على، وكان ممن ألزم عليا بالتحكيم، وشهد الحكمين بدومة الجندل، وكان عثمان قد استعمله على أذربيجان وكان الحسن بن على تزوج ابنته.
فقيل هي التى دست السم له فمات منه.
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحاديث وروى عنه قيس بن أبى حازم وأبو وائل.
وقد نزل في الاشعث بن قيس قوله تعالى " ان الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " الآية، لانه خاصم رجلا في بئر، توفى سنة ثنتين وأربعين وصلى عليه الحسن بن على.
وقال ابن منده: هذا وهم، لان الحسن لم يكن بالكوفة، وإنما كان قد سلم الامر إلى معاوية ثم رجع إلى المدينة.
ولكن أبا نعيم يؤكد أنه توفى بعد على بأربعين ليلة وصلى عليه الحسن.
أما أحكام الفصل: فان المنصوص للشافعي رضى الله عنه في أكثر كتبه أن الكفالة بالبدن تصح.
وقال في الدعوى والبينات: كفالة الوجه عندي ضعيف.
واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال تصح الكفالة بالبدن قولا واحدا، وقوله في الدعوى والبينات ضعيف، يريد في القياس، وهو قوى في الاثر، وذهب المزني وأبو إسحاق إلى أن المسألة على قولين (أحدهما) لا يصح لان الكفالة بعين فلم تصح كالكفالة بالزوجة وبدن الشاهد، ولانه ضمان عين في الذمة بعقد فلم يصح، كما لو أسلم في ثمرة نخلة بعينها.
فقوله " في الذمة " احتراز من البائع فانه يضمن العين المبيعة في يده لا في ذمته فلو تلفت قبل القبض لم يضمنها في ذمته وقوله " بعقد " احتراز من الغاصب، فإنه يضمن العين المغصوبة في يده وفى ذمته

والقول الثاني: أن الكفالة بالبدن صحيحة، وهو قول شريح والشعبى ومالك وأبى حنيفة والليث بن سعد وعبد الله بن الحسن وأحمد رضى الله عنهم.
وهو الصحيح لقوله تعالى " فخد أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين " ولحديث عبد الله ابن مسعود الذى استشار في الذين كانوا يضجون في مسجدهم بمسيلمة استشار أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأشار عليه جرير بن عبد الله والاشعث ابن قيس أن يستتابوا ويتكفل بهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا وكفلهم عشائرهم فدل على أن الكفالة بالبدن كانت سائغة عند الصحابة رضوان الله عليهم: إذ لم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك: وان كان هذا الموضع لم يتوجه عليهم فيه حق فلم يكن موضعا تصح فيه الكفالة بالبدن، إلا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه وأصحابه الذين معه أرادوا بهذا الاستظهار على هؤلاء المارقين فإذا قلنا لا تصح الكفالة بالبدن فلا تفريع عليه، وإذا قلنا تصح، فإنما تصح ببدن كل من يلزمه الحضور إلى مجلس الحكم بدين، لانه لازم فصحت الكفالة ببدن من عليه كالدين.
(فرع) وأما الكفالة ببدن من عليه جلد، فان كان لله تعالى كحد الزنا وحد شرب الخمر وما أشبههما لم يصح لمعنيين (أحدهما) أنه لما لم تصح الكفالة بما عليه من الحق لم تصح الكفالة ببدن من عليه (والثانى) لا، لان الكفالة وثيقة وحدود الله لا يستوثق بها لانها تسقط بالشبهات.
وإن كان الحد للآدمي كحد القذف والقصاص، فهل تصح الكفالة ببدن من عليه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تصح، لانها لا تصح الكفالة بما عليه من الحق، فلم تصح الكفالة ببدنه.
كمن عليه حد الزنا (والثانى) تصح الكفالة ببدنه لان عليه حقا لآدمي فصحت الكفالة ببدنه، كما لو كان له عليه دين (فرع) وان تكفل ببدن مكاتب السيدة لاجل مال الكتابة لم يصح، لان الحق الذى عليه غير لازم له فلم تصح الكفالة، قال ابن الصباغ: وان تكفل ببدن صبى أو مجنون صحت الكفالة لان الحق يجب عليهما، وقد يحتاج إلى

إحضارهما للشهادة عليهما للاتلاف.
وان رهن رجل شيئا ولم يسلمه فتكفل رجل عليه بتسلميه لم يصح، لان تسليمه غير لازم له فلم تصح الكفالة به.
وان ادعى على رجل حقا فأنكره جازت الكفالة ببدنه: لان عليه حق الحضور، والكفالة واقعة على إحضاره.
(فرع) إذا قال رجل لرجل: تكفل بفلان لفلان ففعل كان الكفالة لازمة على الذى باشر الكفالة دون الآمر، لان المتكفل فعل ذلك باختياره، والامر بذلك حث على المعروف.
وهكذا في الضمان مثله.
والله تعالى الموفق للصواب قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن كان عليه دين مجهول ففيه وجهان، قال أبو العباس: لا تصح الكفالة ببدنه لانه قد يموت المكفول به فيلزمه الدين، فإذا كان مجهولا لم تمكن المطالبة (والثانى) أنه تصح، وهو المذهب، لان الكفالة بالبدن لا تعلق لها بالدين.

(فصل) وتصح الكفالة ببدن الكفيل كما يصح ضمان الدين عن الضمين (الشرح) الاحكام: إذا تكفل ببدن رجل لرجل له عليه دين فمات المكفول به بطلت الكفالة ولم يلزم الكفيل ما كان على المكفول به من الدين.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقال مالك رضى الله عنه وأبو العباس بن سريج: يلزم الكفيل ما كان على المكفول به من الدين المكفول له، لان الكفالة وثيقة بالحق ; فإذا تعذر الحق من جهة من عليه الدين استوفى من الوثيقة كالرهن دليلنا أنه تكفل ببدنه لا بدينه فلم يلزمه ما عليه من الدين، كما لو غاب، ويفارق الرهن لانه علق به الدين فاستوفى منه وها هنا لم يتكفل إلا بإحضاره.
وقد تعذر إحضاره بموته، فإذا قلنا بالمذهب صحت الكفالة ببدن من عليه دين مجهول عند الكفيل، وإن قلنا بقول أبى العباس لم تصح الكفالة ببدن من عليه دين مجهول عند الكفيل (فرع) وان تكفل ببدن رجل وشرط أنه متى لم يحضر فعليه الحق الذى عليه

أو قال على كذا وكذا لم تصح الكفالة ولم يجب عليه المال المضمون به، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَبُو حنيفة وأبو يوسف: ان لم يحضره عليه المال دليلنا أن هذا حظر فلم يجز تعليق الضمان عليه، كما لو قال: إن جاء المطر فأنا ضامن ببدنه، وإن قال تكفلت لك ببدن زيد على إن جئت به، وإلا فأنا كفيل لك ببدن عمرو لم يصح، لانه لم يلتزم بإحضار أحدهما فصار كما لو تكفل بأحدهما لا بعينه، وإن تكفل ببدن رجل بشرط الخيار لم تصح الكفالة.
وقال أبو حنيفة يفسد الشرط وتصح الكفالة دليلنا أنه عقد لا يجوز فيه شرط الخيار، فإذا شرط فيه الخيار أفسده كالصرف، ولو أقر رجل فقال إنما تكفل لك ببدن فلان على أن لى الخيار.
ففيه قولان.

(أحدهما) يقبل إقراره في الجميع فيحكم ببطلان الكفالة، كما لو قال له على ألف درهم إلا خمسمائة (والثانى) يقبل إقراره في الكفالة ولا يقبل في أنه كان بشرط الخيار.
لانه وصل إقراره بما يسقط فلم يصح، كما لو قال له على ألف درهم إلا ألف درهم.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وتجوز الكفالة حالا ومؤجلا، كما يجوز ضمان الدين حالا ومؤجلا وهل يجوز إلى أجل مجهول.
فيه وجهان

(أحدهما) يجوز، لانه تبرع من غير عوض، فجاز في المجهول كاباحة الطعام (والثانى) لا يجوز لانه إثبات حق في الذمة لآدمي فلا يجوز إلى أجل مجهول كالبيع، ويخالف الاباحة فانه لو أباحه أحد الطعامين جاز، ولو تكفل ببدن أحد الرجلين لم يجز.
(الشرح) الاحكام.
إذا تكفل ببدن رجل نظرت، فان شرط احضاره حالا لزمه إحضاره في الحال، كما لو تكفل ببدنه وأطلق اقتضى ذلك إحضاره في الحال كما قلنا فيمن باع بثمن وأطلق فان ذلك يقتضى الحلول، وان تكفل ببدنه إلى أجل معلوم صحت الكفالة، ولا يلزمه إحضاره قبل ذلك، كما إذا ضمن الدين إلى أجل معلوم.

وإن تكفل ببدنه إلى أجل مجهول فهل يصح، فيه وجهان.

(أحدهما) يصح، كما تصح العارية إلى أجل مجهول.

(والثانى) لا يصح وهو الصحيح، لانه إثبات حق في الذمة لآدمي فلم يصح إلى أجل مجهول، كضمان المال.
ويخالف العارية فإنها لا تلزم، ولهذا لو أعاره إلى مدة كان له الرجوع فيها قبل انقضائها، ولو تكفل له ببدنه إلى أجل معلوم لم تكن له المطالبة به قبل حلول الاجل، ولان العارية تجوز من غير تعيين، ولهذا لو قال: أعرتك أحد هذين الكتابين جاز، ولو قال تكفلت لك ببدن أحد هذين الرجلين لم يجز وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وتجوز الكفالة به ليسلم في مكان معين، وتجوز مطلقا، فإن أطلق وجب التسليم في موضع العقد، كما تجوز حالا ومؤجلا، وإذا أطلق وجب التسليم في حال العقد.
(الشرح) الاحكام: وتجوز الكفالة ببدن رجل ليسلمه في مكان معين ; كما يصح السلم بشرط أن يسلم المسلم فيه في موضع معين، وتجوز الكفالة ببدن رجل وإن لم يذكر موضع التسليم، فعلى هذا في موضع العقد، كما تصح الكفالة بالبدن حالا ومؤجلا، وإذا أطلق اقتضى الحلول، فإذا تكفل له ببدن رجل ليسلمه إليه في موضع معين، فسلمه إليه في غير ذلك البلد لم يلزم المكفول له قبوله لان عليه مشقة في تسلمه في غير ذلك البلد، وقد يكون له غرض بتسلميه في ذلك البلد، وإن تكفل له ببدنه ليسلمه في موضع معين من البلد، بأن يقول في مجلس القاضى أو في مسجده سلمه إليه في ذلك البلد في غير ذلك الموضع المعين فهل يلزمه قبوله؟ فيه وجهان لابي العباس بن سريج.

(أحدهما) لا يلزمه قبوله، كما لو سلمه في غير ذلك البلد.

(والثانى) يلزمه قبوله، لان العادة أنه لا مؤنة عليه في نقله من موضع في البلد إلى موضع فيه والله الموفق والمعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا تصح الكفالة بالبدن من غير إذن المكفول به، لانه إذا تكفل به من غير اذنه لم يقدر على تسلميه، ومن أصحابنا من قال.
تصح كما تصح الكفالة بالدين من غير اذن من عليه الدين.
(الشرح) الاحكام: إذا تكفل ببدن رجل بإذن المكفول به صحت الكفالة فإذا سأل المكفول له الكفيل احضار المكفول به وجب على الكفيل أن يحضره ووجب على المكفول أن يحضر لانه يكفل به بإذنه، وان لم يطالبه المكفول له، فقال الكفيل للمكفول به احضر معى لاردك إلى المكفول له لتبرئ ذمتي من الكفالة، كان عليه أن يحضر معه، لانه قد تعلق عليه احضاره بأمره، فلزمه تخليصه منه.
وان تكفل رجل لرجل ببدن رجل بغير اذن المكفول به، فهل يصح، فيه وجهان.
قال عامة أصحابنا: لا يصح، لان المقصود بالكفالة بالبدن احضار المكفول به عند المطالبة.
فإذا كان ذلك بغير اذنه لم يلزمه الحضور معه فلا تفيد الكفالة شيئا.
فعلى هذا إذا تكفل ببدن صبى أو مجنون لم يصح ذلك الا باذن وليه.
لان الصبى والمجنون لا اذن لهما.
وقال أبو العباس بن سريج: تصح الكفالة بالبدن من غير اذن المكفول به كما يصح الضمان عليه بالدين من غير اذنه.
قال أبو العباس: فعلى هذا إذا قال المكفول له للكفيل: أحضر المكفول به، وجب على الكفيل أن يطالب المكفول به بالحضور، فإذا طالبه وجب على المكفول به الحضور من غير جهة الكفالة، ولكن لان صاحب الحق قد وكل الكفيل باحضاره.
وان قال المكفول له للكفيل: أخرج إلى من كفالتك.
أو رد على كفالتئ فهل يلزم المكفول به الحضور؟ فيه وجهان (أحدهما) يلزمه.
لان ذلك يتضمن الاذن في احضاره.
فهو كما وكله باحضاره (والثانى) لا يلزمه الحضور.
لانه انما طالبه بما عليه من الاحضار.
قال أبو العباس: فعلى هذا المكفول له حبس

الكفيل، قال ابن الصباغ: وهذا يدل عندي على فساد ما قاله، لانه يحبس على مالا يقدر عليه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وإن تكفل بعضو منه، ففيه ثلاثة أوجه: (أحدها) أنه يصح لان في تسليمه تسليم جميعه.

(والثانى) لا تجوز، لان إفراد العضو بالعقد لا يصح، وتسريته إلى الباقي لا تمكن ; لانه لا سراية له فبطلت.
(والثالث) إن كان العضو لا يبقى البدن دونه كالرأس والقلب جاز، لانه لا يمكن تسليمه إلا بتسليم البدن، وإن كان عضوا يبقى البدن دونه كاليد والرجل لم يصح، لانه قد يقطع فيبرأ مع بقائه.
(الشرح) الاحكام: إذا تكفل بعضو رجل كيده أو رجله أو رأسه أو بجزء مشاع منه كنصفه، أو ثلثه، أو ربعه، فيه ثلاثه أوجه: (أحدها) يصح لانه لا يمكن تسليم نصفه أو ثلثه الا بتلسيم جميع البدن، ولا يسلم اليد والرجل الا على هيئتها عند الكفالة، وذلك لا يمكن الا بتسليم جميعه (والثانى) وهو قول القاضى أبى الطيب، وحكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبى حامد: أنه لا يصح لان مالا يسرى إذا خص به عضو أو جزء مشاع لم يصح كالبيع منه، والاجارة والوصية، وفيه احتراز من العتق والطلاق.
(والثالث) ان تكفل بمالا يبقى البدن الا به كالرأس والقلب والكبد، والنصف والثلث، لانه لا يمكن تسليم ذلك الا بتسليم جميع البدن، وان تكفل بما يبقى البدن دونه كاليد والرجل لم يصح، لانه قد يقطع منه ويبقى البدن، ولا فائدة في تسليمه وحده، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وان أحضر المكفول به قبل المحل أو في غير الموضع الذى شرط فيه التسليم، فان كان عليه في قبوله ضرر.
أو له في رده غرض.
لم يلزم قبوله،

وان لم يكن عليه ضرر ولا له في رده غرض وجب قبوله، فإن لم يتسلمه أحضره عند الحاكم ليتسلم عنه ويبرأ كما قلنا في دين السلم وان أحضره وهناك يد حائلة لم يبرأ، لان التسليم المستحق هو التسليم من غير حائل، ولهذا لو سلم المبيع مع الحائل لم يصح تسلميه: وان سلمه وهو في حبس الحاكم صح التسليم لان حبس الحاكم ليس بحائل، ويمكن احضاره ومطالبته بما عليه من الحق.
وان حضر المكفول به بنفسه، وسلم نفسه برئ الكفيل كما يبرأ الضامن إذا أدى المضمون عنه الدين، وان غاب المكفول به إلى موضع لا يعرف خبره، لم يطالب به، وان غاب إلى موضع يعلم خبره لم يطالب به حتى يمضى زمان يمكن فيه الذهاب والمجئ، لان ما لزم تسليمه لم يلزم الا بامكان التسليم، فان مضى زمان الامكان ولم يفعل حبس الكفيل إلى أن يحضره، فان أبرأه المكفول له من الكفالة برئ كما يبرأ الضامن إذا أبرأه المضمون له، فان جاء رجل وقال أبرئ الكفيل وأنا كفيل بمن تكفل به، ففيه وجهان، قال أبو العباس: يصح، لانه نقل الضمان إلى نفسه فصار كما لو ضمن رجل مالا فأحال الضامن المضمون له على آخر.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطبري رحمهما الله لا يصح لانه تكفل بشرط أن يبرأ الكفيل.
وذلك شرط فاسد فمنع صحة العقد.
وان تكفل ببدن رجل لنفسين، فسلمه إلى أحدهما لم يبرأ من حق الآخر.
لانه ضمن تسليمين فلم يبرأ بأحدهما، كما لو ضمن لهما دينين فأدى دين أحدهما وان تكفل اثنان لرجل ببدن رجل فأحضره أحدهما، فقد قال شيخنا القاضى أبو الطيب رحمه الله: انه لا يبرأ الاخر، لانه لو أبرئ أحدهما لم يبرأ الاخر فإذا سلمه أحدهما لم يبرأ الاخر، وعندي أنه يبرأ، لان المستحق احضاره وقد حصل فبرئا، كما لو ضمن رجلان دينا فأداه أحدهما.
ويخالف الابراء فان الابراء مخالف للاداء ; والدليل عليه أن في ضمان المال لو أبرئ أحد الضامنين لم يبرأ الآخر، ولو أدى أحد الضامنين برئ.

(الشرح) الاحكام: إذا تكفل ببدن ليحضره إلى أجل، فأحضره الكفيل قبل الاجل - فإن قبل المكفول له - برئ الكفيل، وإن امتنع المكفول له من القبول نظرت، فإن كان عليه في قبوله ضرر، بأن كان حقه مؤجلا، أو كان حقه حالا إلا أن له بينة غائبة فإنه لا يلزمه قبوله لان عليه ضررا في قبوله فإن امتنع من تسلمه.
قال الشيخ أبو حامد رفعه الكفيل إلى الحاكم وسلمه إليه ليبرأ وإن لم يجد حاكما أحضر شاهدين يشهدان بتسليمه أو امتناع المكفول له وذكر القاضى أبو الطيب أنه يشهد على امتناعه رجلين.
قال ابن الصباغ وهذا أقيس لانه مع وجود صاحب الحق لا يلزمه دفعه إلى من ينوب عنه من حاكم أو غيره، وإن أحضره الكفيل وهناك يد سلطان لا يقدر عليه يمنع منه لم يبرأ الكفيل بذلك، لان المستحق تسليمه من غير حائل، وإن سلمه وهو في حبس الحاكم لزمه تسليمه، لان حبس الحاكم لا يمنعه من استيفاء حقه، فإن كان حقه قد ثبت عليه بالبينة وطلب إحضاره، فإن الحاكم يحضره ليحكم بينهما، فان ثبت عليه حق وطلب حبسه فان الحاكم يحبسه به وبالحق الاول فإذا سقط حق أحدهما لم يجز تخليته الا بعد سقوط حق الآخر، وإن جاء المكفول به إلى المكفول له وسلم نفسه إليه برئ الكفيل كما يبرأ الضامن إذا دفع المضمون عنه مال الضمانة.
(فرع) إذا تكفل ببدن رجل ثم ارتد المكفول به ولحق بدار الحرب: أو حبس بحق لزم الكفيل احضاره فيخرج إلى دار الحرب لاحضاره ; والمحبوس يمكنه أن يقضى عنه الحق ويطلق من الحبس (فرع) إذا غاب المكفول به نظرت، فان كانت غبته إلى موضع معلوم فعلى الكفيل أن يحضره، فإذا مضت مدة يمكنه فيها الذهاب إليه والمجئ به، ولم يأت به حبسه الحاكم، هذا قولنا وقال ابن شبرمة: يحبس في الحال، لان حقه قد توجه عليه، وهذا ليس بصحيح، لان الحق وان كان قد حل ; فانه يعتبر فيه امكان التسليم، وانما يجب عليه احضار الغائب عند امكان ذلك، وان كان غائبا غيبة منقطعة، لا يعلم مكانه

لم يطالب الكفيل باحضاره، وان أبرأ المكفول له المكفول به من الحق برئ المكفول به كما قلنا في المضمون له إذا أبرأ الضامن (فرع) إذا تكفل ببدن رجل ثم جاء رجل إلى المكفول له وقال تكفلت لك ببدن فلان المكفول به على أن تبرئ فلانا الكفيل ففيه وجهان.
قال أبو العباس تصح كفالة الثاني ويبرأ الاول، لان الثاني قد حول الكفالة إلى نفسه فبرئ الاول كما لو كان له حق فاحتال به على آخر قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لا تصح الكفالة الثانية، ولا يبرأ الاول لان الكفالة والضمان لا يحول الحق، فكفالة الثاني لا تبرئ الاول من كفالته ; وإذا لم يبرأ الاول فلم يتكفل به الثاني الا بهذا الشرط، وإذا لم يصح الشرط لم تصح الكفالة (فرع) وان تكفل ببدن رجل لرجلين بعقد فرد على أحدهما برئ من حقه ولم يبرأ من حق الآخر حتى يرد عليه، لان العقد مع اثنين بمنزلة العقدين فهو كما لو تكفل لكل واحد منهما بعقد منفرد، وان تكفل رجلان لرجل ببدن رجل فأحضره أحدهما إلى المكفول له برئ الذى أحضره، وهل يبرأ الكفيل الآخر فيه وجهان.

(أحدهما) وهو قول المزني والشيخ أبى اسحاق أنه يبرأ كما لو ضمن رجلان لرجل دينا على رجل فأداه أحدهما.
فان الآخر يبرأ (والثانى) وهو قول أبى العباس والشيخ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ أنه لا يبرأ الآخر، لان الحق باق لم يسقط، والكفيلان وثيقتان فلا تنفك احدى الوثيقتين بانفكاك الاخرى، كما لو كان الحق مرهونا فانفك أحدها مع بقاء الحق فانه لا ينفك الباقي منها، ويفارق إذا قضى أحد الضامنين المال المضمون به.
فان الحق هناك قد سقط.
فانفكت الوثيقة.
وههنا الحق لم يسقط.
(فرع) إذا تكفل رجل لرجل بدن رجل فقال المكفول له مالى قبل المكفول به حق.
قال أبو العباس.
ففيه وجهان

(أحدهما) يبرأ المكفول به مما عليه.
وتبطل الكفالة لان قوله لا حق لى قبله نفى في سياق نكرة فاقتضى العموم (والثانى) يرجع إليه.
فإن قال: أردت به لا شئ لى عليه بطلت الكفالة، وبرئ المكفول.
وان قال: أردت به لا حق لى عليه من عارية أو وديعة، وصدقه الكفيل والمكفول به قبل قوله، وان كذباه أو أحدهما فالقول قوله مع يمينه لانه أعلم بنيته، وان قال لا حق لى في ذمته ولا في يده برئا جميعا، قيل للشيخ أبى حامد: فإذا كان لرجل على رجل دين، فقال: لا حق لى قبله.
فقال: هو على هذين الوجهين.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان تكفل ببدن رجل فمات المكفول به برئ الكفيل.
وقال أبو العباس يلزمه ما على المفكول به من الدين لانه وثيقة، فإذا مات من عليه الدين وجب أن يستوفى الدين منها كالرهن، والمذهب الاول، لانه لم يضمن الدين فلا يلزمه.

(فصل) وان تكفل بعين نظرت، فان كان أمانة كالوديعة لم يصح، لانه إذا لم يجب ضمانها على من هي عنده، فلان لا يجب على من يضمن عنه أولى، وان كان عينا مضمونة كالمغصوب والعارية والمبيع قبل القبض ففيه وجهان، بناء على القولين في كفالة البدن.
فان قلنا انها تصح فهلكت العين فقد قال أبو العباس فيه وجهان (أحدهما) يجب عليه ضمانها (والثانى) لا يجب، وقال الشيخ أبو حامد لا يجوز بناء ذلك على كفالة البدن، فان البدن لو تلف لم يضمن بدله، ولو هلكت العين ضمنها.

(الشرح) الاحكام.
إذا تكفل رجل ببدن رجل لرجل فأبرأ المكفول له الكفيل ثم رآه ملازما له فقال له خل عنه وأنا على ما كنت عليه من الكفالة، أو على مثل ما كنت عليه، قال أبو العباس بن سريج: صحت كفالته لانه إما أن يكون هذا إخبارا عن كفالته، أو إقرارا به، أو ابتداء كفالة في الحال، وأنها كانت فوجب أن يصح، وإن تكفل رجل ببدن رجل، ورابع بالثالث ; فيصح الجميع، فان أحضر المكفول به الاول نفسه أو أحضره الكفيل برئ جميع الكفلاء.
وإن مات المكفول به الذى عليه الدين برئ الكفلاء على المذهب، فان مات الكفيل الاول برئ جميع الكفلاء.
وان مات الكفيل الثاني برئ الثالث والرابع.
وان مات الثالث برئ الرابع ولم يبرأ الاولون.
وإن مات الرابع بطلت كفالته وحده وحكم البراءة حكم الموت، وان المكفول به سقطت الكفالة ولم يلزم الكفيل شئ وبهذا قال شريح والشعبى وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وقال الحكم ومالك والليث: يجب على الكفيل غرم ما عليه وحكى ذلك عن ابن شريح، لان الكفيل وثيقة بحق، فإذا تعذرت من جهة من عليه الدين استوفى من الوثيقة كالرهن، ولانه تعذر إحضاره فلزم كفيله ما عليه كما لو غاب.
ولنا أن الحضور سقط عن المكفول به فبرئ الكفيل، كما لو برئ من الدين ولان ما التزمه من أجله سقط عن الاصل فبرئ الفرع، كالضامن إذا قضى المضمون عنه الدين أو أبرئ منه، وفارق ما إذا غاب، فان الحضور لم يسقط عنه، ويفارق الرهن فانه علق به المال فاستوفى منه (فرع) إذا ضمن الرجل في مرض موته عن غيره دينا، فإن ذلك معتبر من ثلث ماله لانه تبرع، فهو كما لو ذهب لغيره مآلا

إذا ثبت هذا: فإذا ضمن رجل في مرض موته عن غيره تسعين درهما بإذنه ومات الضامن، وخلف تسعين درهما لا غير ومات المضمون عنه، ولا يملك غير خمسة وأربعين درهما، فان طالب المضمون له بحقه من تركة الضامن وقع في هذه المسألة دور، والعمل فيه أن يقول: يذهب بالضمان من التسعين شئ، ولكنه يرجع إليهم نصف شئ، لان ما خلفه المضمون عنه مثل نصف تركة الضامن فيعلم أنه ما ذهب عنهم بالضمان إلا نصف شئ، ويجب أن تكون هذه التسعون إلا نصف شئ الباقية معهم تعدل شيئا كاملا مثلى ما ذهب عنهم بالضمان فأجبر التسعين بنصف الشئ الناقص عنها، ثم رده على الشئ الكامل، فيكون تسعون تعدل شيئا ونصف شئ الشئ، ثلثاها وهو ستون، فيأخذ المضمون ستين من تركة الضامن، ويستحق ورثة الضامن الرجوع في تركة المضمون عنه بها، لان الضمان باذنه ويبقى للمضمون له من دينه ثلاثون، فيرجع بها في تركة المضمون عنه وتركته أقل من ذلك فيقاسم المضمون له ورثة الضامن الخمسة والاربعين على قدر حقهم، فيكون لورثة الضامن ثلثاها، وهو ثلاثون، وللمضمون له ثلثها، وهو خمسة عشر، فيجتمع لورثة الضامن ستون، وخرج منهم بالضمان ثلاثون، فقد بقى معهم مثلا ما خرج عنهم.
فإذا تقرر هذا: وعرف ما يستحقه المضمون له من تركة الضامن بالعمل فهو بالخيار، إن شاء فعل ما ذكرناه، وإن شاء أخذ من ورثة الضامن خمسة وسبعين ورجع ورثة الضامن بجميع تركة المضمون عنه، فان كانت بحالها إلا أن المضمون عنه خلف ثلاثين درهما لا غير، فالعمل فيه يخرج من التسعين شئ بالضمان، ويرجع إليهم ثلث شئ، لان تركة المضمون له ثلث تركة الضامن، فيبقى مع ورثة الضامن تسعون إلا ثلثى شئ يعدل شيئا وثلث شئ.
فإذا أجبرت التسعون عدلت شيئين الشئ نصفها وهو خمسة وأربعون، فيأخذها من تركة الضامن ويرجع المضمون له وورثة الضامن في تركة المضمون عنه بنصفين لاستواء حقهما فيرجع إلى ورثة الضامن خمسة عشر فيجتمع لهم ستون، وخرج منهم ثلاثون، ويجتمع للمضمون له ستون ; ويسقط من دينه

ثلاثون ; فإن شاء فعل ما ذكرناه، وإن شاء أخذ الستين كلها من تركة الضامن ورجع ورثة الضامن بجميع تركة المضمون عنه، وإن شاء المضمون له أخذ جميع تركة المضمون عنه وهو ثلاثون، وأخذ من تركة الضامن ثلثها، وهو ثلاثون، يبقى لهم ستون مثلا ما خرج منهم، فإن خلف المضمون عنه ستين فإن المضمون له لا ينقص شئ من دينه ههنا، والعمل فيه على قياس ما مضى والله تبارك وتعالى المستعان.
(مسألة) إذا ادعى رجل على رجل حاضر أنه ابتاع منه هو ورجل غائب سيارة بألف دينار على كل واحد منهما خمسمائة، وقبضاه وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فان أقر الحاضر بذلك لزمه أن يدفع إلى المدعى ألفا، فإذا قدم الغائب فإن صدق الحاضر رجع عليه الحاضر بما قضى عنه، وهو خمسمائة، وإن كذبه فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف سقط حق الحاضر، وإن أنكر الحاضر المدعى فانه لم يكن للمدعى بينة، فالقول قول الحاضر مع يمينه.
فإذا حلف سقطت عنه المطالبة.
فإذا قدم الغائب فادعى عليه البائع - فان أنكره - حلف له أيضا ولا كلام وإن أقر بما ادعاه عليهما لزم القادم الخمسمائة التى أقر أنه اشترى هو بها.
وهل يلزمه الخمسمائة التى أقر أن شريكه أنه اشترى بها وضمن هو عليه؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يلزمه لانا قد حكمنا بسقوطها عن الحاضر بيمينه.
وقال ابن الصباغ: يلزم القادم لان اليمين لم تبرئه من الثمن، وإنما سقطت عنه المطالبة في الظاهر، فإذا أقر أنه الضامن لزمه، ولهذا لو أقام بينة عليه بعد يمينه لزمه الثمن، ولزم الضامن فثبت أن الحق لم يسقط عن الحاضر وعن الغائب.
فإذا أقام المدعى بينة على الحاضر بأنهما اشتريا منه السيارة بألف وقبضاها وضمن كل واحد منهما عن صاحبه الخمسمائة فللمدعى أن يطالب الحاضر بجميع الالف، لان البينة قد شهدت عليه بذلك، وهل للحاضر أن يرجع بنصفها على الغائب إذا قدم؟ نقل المزني أنه يرجع بالنصف على الغائب.
واختلف أصحابنا

في ذلك، فمنهم من قال: لا يرجع عليه بشئ ; ولم يذكر ابن الصباغ غيره.
لانه منكر لما شهدت له البينة، مقر أن المدعى ظالم له فلا يرجع على عين من ظلمه، ومن قال بهذا تأول ما نقله المزني أربع تأويلات.
(أحدها) يحتمل أن يكون الحاضر صدق المدعى فيما ادعى غير أن المدعى قال: وأنا أقيم البينه أيضا فأقامها، فيرجع ههنا، لانه ليس فيه تكذيب البينة.
(الثاني) أن يكون الحاضر لم يقر ولم ينكر، بل سكت، فأقام المدعى البينة فليس فيه تكذيب.
(الثالث) أن يكون الحاضر أنكر شراء نفسه، ولم يعرض لشراء شريكه.
فقامت عليه البينة.
(الرابع) أن يكون الحاضر أنكر شراءه وشراء شريكه وضمانهما إلا أن الحاضر لما قامت البينة وأخذ من المدعى الالف ظلما ثبت على الغائب خمسمائة بالبينة، وقد أخذ المدعى من الحاضر خمسمائة ظلما فيكون للحاضر أن يأخذ ما ثبت للمدعى على الغائب.
ومن أصحابنا من وافق المزني وقال: يرجع الحاضر على الغائب بخمسمائة وإن أنكر الشراء والضمان لانه يقول: كان عندي إشكال في ذلك، وقد كشفت هذه البينة هذا الاشكال وأزالته، فهو كمن اشترى شيئا وادعاه عليه آخر بأنه له وأنكر المشترى ذلك، وأقام المدعى بينه وانتزع منه.
فان له أن يرجع على البائع بالثمن، ولا يقال: ان باقراره أن المدعى ظالم يسقط حقه من الرجوع.
وقال الشيخ أبو حامد في التعليق ينظر في الحاضر فان تقدم منه تكذيب البينه مثل أن قال من يبيع منك شيئا ولا يستحق علينا شيئا.
ثم قامت البينه بذلك فانه لا يرجع على صاحبه بشئ لانه قد كذب البينة بما شهدت وأن هذا المدعى ظالم قيل له.
فان قدم الغائب واعترف بصدق المدعى وقال: لا يرجع عليه بشئ لانه يقر له بما لا يدعيه.
وان لم يتقدم منه تكذيب البينة مثل أن قال.
مالك عندي شئ.
فانه يرجع على صاحبه بخمسمائه لانه ضمن عنه باذنه ودفع عنه (قلت) ولعل صاحب الوجه الاول لا يخالف تفصيل الشيخ أبى حامد في جواب الحاضر وأن الحكم يختلف باختلاف جوابه كما ذكر والله الموفق والمعين.

قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وإن ضمن عنه دينا ثم اختلفا فقال الضامن: ضمنت وأنا صبى، وقال المضمون له.
ضمنت وأنت بالغ، فالقول قول الضامن، لان الاصل عدم البلوغ، وإن قال.
ضمنت وأنا مجنون، وقال.
بل ضمنت وأنت عاقل، فان لم يعرف له حالة جنون فالقول قول المضمون له، لان الاصل العقل وصحة الضمان، وان عرف له حالة جنون فالقول قول الضامن، لانه يحتمل أن يكون الضمان في حاله الافاقة.
ويحتمل أن يكون في حالة الجنون، والاصل عدم الضمان وبراءة الذمة.
وان ضمن عن رجل شيئا وأدى المال ثم ادعى أنه ضمن باذنه وأدى باذنه ليرجع، وأنكر المضمون عنه الاذن لم يرجع عليه، لان الاصل عدم الاذن، وان تكفل ببدن رجل ثم ادعى أنه تكفل به ولا حق عليه فالقول قول المكفول له لان الكفيل قد أقر بالكفالة، والكفالة لا تكون الا بمن عليه حق فكان القول قول المكفول له، فان طلب الكفيل يمين المكفول له على ذلك ففيه وجهان.

(أحدهما) يحلف، لان ما يدعيه الكفيل ممكن، فحلف عليه الخصم.

(والثانى) لا يحلف، لان اقراره بالكفالة يقتضى وجوب الحق وما يدعيه يكذب اقراره، فلم يحلف الخصم.
وان ادعى الضامن أنه قضى الحق عن المضمون عنه.
وأقر المضمون له.
وأنكر المضمون عنه.
ففيه وجهان.

(أحدهما) أن القول قول المضمون عنه.
لان الضامن يدعى القضاء ليرجع فلم يقبل قوله.
والمضمون له يشهد على فعل نفسه أنه قبض فلم تقبل شهادته.
فسقط قولهما وحلف المضمون عنه (والثانى) أن القول قول الضامن لان قبض المضمون له يثبت بالاقرار مرة.
وبالبينة أخرى.
ولو ثبت قبضه بالبينة رجع الضامن.
فكذلك إذا ثبت بالاقرار.
(الشرح) الاحكام.
إذا ضمن عن رجل دينا ثم اختلفا.
فقال الضامن.
ضمنت وأنا صبى.
وقال المضمون له.
بل ضمن وأنت بالغ فان أقام المضمون له

بينة أنه ضمن وهو بالغ حكم بصحة الضمان، وان لم تكن بينة فالقول قول الضامن لان الاصل عدم البلوغ وان قال الضامن ضمنت وأنا مجنون، وقال المضمون له بل ضمنت وأنت عاقل، فان أقام المضمون له بينة أنه ضمن له وهو عاقل حكم له بصحة الضمان.
وان لم تكن له بينة: فان لم يعرف للضامن حال جنون فالقول قول المضمون له مع يمينه، لان الاصل صحة الضامن وان عرف له حال جنون فالقول قول الضامن مع يمينه، لانه يحتمل أنه ضمنه في حال الجنون، ويحتمل أنه ضمن في حال الافاقة، والاصل براءة ذمته (فرع) وإن ادعى الضامن أن المضمون له أبرأه عن الضمان وأنكر المضمون له البراءة، فأحضر الضامن شاهدين أحدهما المضمون عنه.
قال الصيمري، فان لم يأمره بالضمان عنه قبلت شهادته، وان أمره بالضمان عنه لم تقبل شهادته (فرع) وان ادعى على رجل أنه ضمن له دينا على رجل غائب معين وأنكر الضامن واحضر المضمون له بينة تشهد بالضمان، فان بين قدر المال المضمون له وشهدت معه البينة بذلك حكم بها، وان ادعى الضمان بمال معلوم والمضمون مجهول وشهدت له بينة بذلك فهل تسمع بينتة؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تسمع هذه البينة ولا يحكم له على الضامن بشئ لان الذى عليه الحق إذا كان مجهولا لم يثبت حقه، وإذا لم يثبت على الاصل لم يثبت على الضامن.

(والثانى) يحكم له على الضامن لان البينة قد قامت عليه بذلك، ألا ترى أنها لو شهدت بأن عليه ألفا من جهة الضامن سمعت ; فكذلك هذا مثله (فرع) إذا ضمن الرجل لغيره دينا وقضاه، وادعى الضامن على المضمون منه أنه ضمن باذنه وقضى باذنه فليرجع عليه، وأنكر المضمون عنه الاذن، فان أقام الضامن بينة حكم له بالرجوع على المضمون عنه، وان لم يقم بينة فالقول قول المضمون عنه مع يمينه لان الاصل عدم الاذن (فرع) فان قال تكفلت لك ببدن فلان مؤجلا، وقال المكفول له تكفلت به معجلا.
وأقام كل واحد منهما شاهدا واحدا بما قال.
ففيه قولان حكاهما

الصيدلانى (أحدهما) لا يلزمه إلا مؤجلا لانه لم يقر بغيره (والثانى) يحلف كل واحد منهما مع شاهده ويتعارضان ويسقطان ويبقى الضمان معجلا (فرع) إذا ادعى الكفيل أن المكفول به برئ من الحق، وأن الكفالة قد سقطت، وأنكر ذلك المكفول له ولم تكن بينة، فالقول قول المكفول له مع يمينه لان الاصل بقاء الحق، لانه لا يبرأ بيمين غيره.
وإن قال الكفيل تكفلت به ولا حق لك عليه فالقول قول المكفول له لان الظاهر صحة الكفالة.
وهل يحلف؟ قال أبو العباس فيه وجهان (أحدهما) لا يحلف، لان دعوى الكفيل تخالف ظاهر قوله.

(والثانى) يحلف لان ما يدعيه الكفيل ممكن، فإن حلف فلا كلام، وان نكل رد اليمين على الكفيل لانه لا يجوز أن يعلم أنه لا حق للمكفول له بإقرار، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كتاب الشركة يصح عقد الشركة على التجارة، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تعالى " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانا خرجت من بينهما " ولا تصح الشركة إلا من جائز التصرف في المال، لانه عقد على التصرف في المال فلم تصح إلا من جائز التصرف في المال.

(فصل) ويكره أن يشارك المسلم الكافر، لما روى أبو جمرة عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا، قلت: لم؟ قال لانهم يربون، والربا لا يحل (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رفعه.
رواه أبو داود والحاكم وصححه، وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان.
وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وأعله أيضا ابن القطان بالارسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة وقال:

إنه الصواب، ولم يسنده غير أبى همام محمد بن الزبرقان، وسكت أبو داود والمنذري عن هذا الحديث.
وأخرج نحوه أبو القاسم الاصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام أما لغات الفصل وغريب الحديث، فالشركة بكسر الشين وسكون الراء، وحكى ابن باطيش فتح الشين وكسر الراء.
وذكر صاحب الفتح فيها أربع لغات فتح الشين وكسر الراء، وكسر الشين وسكون الراء، وقد تحذف الهاء مع كسر أوله، وقد تحذف مع فتح أوله.
قوله " أنا ثالث الشريكين " المراد أن الله جل جلاله يضع البركة للشريكين في مالهما مع عدم الخيانة ويمدهما بالرعاية والمعونة ويتولى الحفظ لما لهما.
قوله " خرجت من بينهما " أي نزعت البركة من المال، زاد رزين " وجاء الشيطان " ورواية الدارقطني " فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما " يعنى البركة والشركة ثبوت الحق لاثنين فأكثر على جهة الشيوع.
وعن السائب بن أبى السائب المخزومى أنه قال للنبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: كنت شريكي ونعم الشريك، كنت لا تداريني ولا تماريني " رواه أبو داود وابن ماجه بلفظ " كنت شريكي ونعم الشريك، لا تدارى ولا تمارى " وفى لفظ أن السائب المخزومى كان شريك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخى وشريكي، لا تدارى ولا تمارى.
وفى لفظ أن السائب قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجعلوا يثنون علي ويذكرونني، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا أعلمكم به، فقلت: صدقت بأبى أنت وأمى، كنت شريكي فنعم الشريك لا تدارى ولا تمارى " وقوله " لا تدارى " أي لا تخالف ولا تنازع من قوله تعالى " فادارأتم فيها " يعنى اختلفتم وتنازعتم أما الاحكام فان الاصل في جواز الشركة الكتاب والسنة والاجماع، أما الكتاب فقوله تعالى " واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول " الآية فجعل الخمس مشتركا بين الغانمين وقوله تعالى " يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين "

فجعل الميراث مشتركا بين الاولاد.
وقوله تعالى " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية.
فجعل الصدقة مشتركة بين أهل الاصناف.
وقوله تعالى " وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " والخلطاء هم الشركاء وأما السنة فقد مضى بعضها، ونضيف إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " من كان له شريك في ربع أو حائط فلا يبعه حتى يؤذن شريكه " وقد سبق تخريحه وطرقه عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وأما أثر أبى جمرة عن ابن عباس " لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا، قلت لم؟ قال لانهم يربون.
وأبو جمرة هو نصر بن عمران الضبعى صاحب ابن عباس، والاثر رواه الاثرم.
وقد روى الخلال بإسناده عن عطاء قَالَ " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن مشاركة اليهودي والنصراني، إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم " وأما الاجماع فإن أحدا من العلماء لم يخالف في جوازها.
إذا ثبت هذا فإن الشركة تنقسم على ستة أقسام: شركه في الاعيان والمنافع، وشركه في الاعيان دون المنافع، وشركه في المنافع دون الاعيان، وشركه في المنافع المباحة، وشركه في حق الابدان، وشركه في حقوق الاموال.
فأما شركة المنافع والاعيان فهو أن يكون بين الرجلين أو بين الجماعة أرض أو بهائم ملكوها بالارث أو بالبيع أو الهبة مشاعا وأما شركة الاعيان دون المنافع فمثل أن يوصى رجل لرجل بمنفعة أرضه أو داره فيموت ويخلف جماعة ورثة، فإن رقبة الارض والدار تكون موروثة للورثة دون المنفعة.
وأما الشركة في المنافع دون الاعيان فمثل أن يوصى بمنفعة عربته لجماعه أو يستأجر جماعة عربة وأما الوقف على جماعة - فان قلنا ان ملك الرقبه إلى الله كانت الشركة بينهم في المنافع دون الاعيان، وإن قلنا ينقل الملك إليهم كانت الشركة بينهم في المنافع والاعيان، وأما الشركة في المنافع المباحة فمثل أن يموت رجل وله ورثة جماعة ويخلف كلب صيد أو كلب ماشيه أو زرع، فإن المنفعة مشتركة بينهم

وأما الشركة في حقوق الابدان فهو أن يرث جماعه قصاصا أو حد قذف، وأما الشركة في حقوق الاموال فهو أن يرث جماعه الشفعة أو الرد بالعيب وخيار الشرط وحقوق الرهن ومرافق الطرق (مسألة) وتجوز الشركة في التجارة لما روى أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه، ويكره للمسلم أن يشارك الكافر سواء كان المسلم هو المتصرف أو الكافر أو هما، وقال الحسن رضى الله عنه " ان كان المسلم هو المتصرف لم يكره، وان كان الكافر هو المتصرف أو هما كره دليلنا ما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال " أكره أن يشارك المسلم اليهودي والنصراني، ولا مخالف له، ولانهم لا يمتنعون من الربا ومن بيع الخمر، ولا يؤمن أن يكون ماله الذى عقد عليه الشركة من ذلك فكره، فإن عقد الشركة معه صح، لان الظاهر مما في أيديهم أنه ملكهم، وقد اقترض النبي صلى الله عليه وسلم من يهودى شعيرا ورهنه درعه، وقال أحمد يشارك اليهودي والنصراني ولكن لا يخلوان به، ويخلو به المسلم، وحديث الاثرم فيه إرسال، وخبر ابن عباس موقوف عليه قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) وتصح الشركة على الدراهم والدنانير، لانهما أصل لكل ما يباع ويبتاع، وبهما تعرف قيمة الاموال وما يزيد فيها من الارباح، فأما ما سواهما من العروض فضربان، ضرب لا مثل له، وضرب له مثل، فأما مالا مثل له كالحيوان والثياب فلا يجوز عقد الشركة عليها لانه قد تزيد قيمة أحدهما دون الآخر، فإن جعلنا ربح ما زاد قيمته لمالكه أفردنا أحدهما بالربح والشركة معقودة على الاشتراك في الربح، وان جعلنا الربح بينهما أعطينا من لم تزد قيمة ماله ربح مال الآخر، وهذا لا يجوز وأما ماله مثل كالحبوب والادهان ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز عقد

الشركة عليه، وعليه نص في البويطى لانه من غير الاثمان فلم يجز عقد الشركة عليه كالثياب والحيوان (والثانى) يجوز، وهو قول أبى إسحاق لانه من ذوات الامثال فأشبه الاثمان، وإن لم يكن لهما غير العروض وأرادا الشركة باع كل واحد منهما بعض عرضه ببعض عرض الاخر، فيصير الجميع مشتركا بينهما، ويشتركان في ربحه.
(الشرح) الاحكام.
قال المزني: والذى يشبه قول الشافعي رحمه الله أنه لا تجوز الشركة في العروض ولا فيما يرجع في حال المفاضلة إلى القيم ولغير الاثمان.
وجملة ذلك أن عقد الشركة يصح على الدراهم والدنانير لانها قيم المتلفات ومعايير الاثمان، وبها تعرف قيم الاموال وما يزيد فيها من الارباح، وممن منع الشركة بالعروض أصحاب أحمد كما نص عليه هو في رواية أبى طالب وحرب، وحكاه عنه ابن المنذر.
وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن أبى كثير والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأى، لان الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها.
فأما أعيانها فإنه لا يجوز أن تقع عليها لان الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله، وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الاخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال، وقد تنقص قيمته فيؤدى إلى أن يشاركه الاخر في ثمن ملكه الذى ليس بربح وأما قيمتها فإنها غير متحققة القدر فيفضى إلى التنازع، وقد يقوم الشوء بأكثر من قيمته، ولان القيمه قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الاخر في العين المملوكة له.
وأما الاثمان فإنها معدومه حال العقد ولا يملكانها، ولانه إن أراد ثمنها الذى اشتراها به فقد خرج عن مكانه وصار للبائع.
وان أراد ثمنها الذى يبيعها به فإنها تصير شركه معلقه على شرط وهو بيع الاعيان، ولا يجوز ذلك وقد فرق أصحابنا بين ماله مثل وبين مالا مثل له.
فأما مالا مثل له كالنبات والحيوان وما أشبههما فلا يصح عقد الشركة عليها، وبه قال من مضى ذكرهم، وقال مالك يصح عقد الشركة عليها ويكون رأس المال قيمتها

دليلنا: أن موضع الشركة على أن لا ينفرد أحد الشريكين بربح مال أحدهما وهذه الشركة تفضى إلى ذلك، لانه قد يزيد قيمة عرض أحدهما، ولا يزيد قيمة عرض الآخر، فيشاركه من لم يزد قيمة عرضه عند المفاصلة، وهذا لا سبيل إليه فان كان لكل واحد منهما عربة تساوى مائة وأراد الشركة، باع أحدهما نصف عربته بنصف عربة صاحبه ثم يتقابضان ويأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف وان كانت قيمة احداهما مائتين وقيمة الاخرى مائة باع من قيمة عربته مائتان ثلث عربته بثلثي عربة الآخر، وان شاءا باع كل واحد منهما من صاحبه بعض عرضه بثمن في ذمته ثم تقاصا، وان شاءا اشتريا عرضا من رجلين بثمن في ذمتهما ثم دفعا عرضهما عما في ذمتهما.
وأما ما له مثل كالحبوب والادهان، فهل يصح عقد الشركة فيها؟ فيه وجهان (أحدهما) يجوز، وهو ظاهر ما نقله المزني، لانه قال: ولا فيما يرجع حال المفاصلة إلى القيم، وما له مثل لا يرجع إلى قيمته ولانهما مالان إذا خلطا لم يتميز أحدهما عن الآخر، فصح عقد الشركة عليهما كالدراهم والدنانير.

(والثانى) لا يجوز، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي البويطى ولا تجوز الشركة في العروض، وما له مثل من العروض، ولانها شركة على عروض فلم يصح كالنبات والحيوان.
قال أبو إسحاق المروزى في الشرح: فإذا قلنا: تصح الشركة فيها - فان كانت قيمتهما سواء - أخذ كل واحد منهما مثل سلعته يوم المفاصلة واقتسما ما بقى من الربح، وان كانت قيمتهما مختلفه مثل أن كانت حنطة أحدهما جيده وحنطة الآخر مسوسة كان لكل واحد منهما قيمة حنطته يوم الشركة واقتسما ما بقى من الربج قال المصنف رحمه الله تعالى (فصل) ولا يصح من الشرك الا شركة العنان، ولا يصح ذلك الا أن يكون مال أحدهما من جنس مال الآخر وعلى صفته، فان كان مال أحدهما دنانير والآخر دراهم، أو مال أحدهما صحاحا والآخر قراضه أو مال أحدهما من سكة ومال الآخر من سكة أخرى لم تصح الشركة، لانهما مالان لا يختلطان فلم تصح

الشركة عليهما كالعروض، فان كان مال أحدهما عشرة دنانير ومال الآخر مائة درهم، وابتاعا بها شيئا وربحا قسم الربح بينهما على قدر المالين، فان كان نقد البلد أحدهما قوم به الاخر، فان استوت قيمتاهما استويا في الربح، وان اختلفت قيمتاهما تفاضلا في الربح على قدر مالهما.

(فصل) ولا تصح حتى يختلط المالان، لانه قبل الاختلاط لا شركة بينهما في مال، ولانا لو صححنا الشركة قبل الاختلاط وقلنا: ان من ربح شيئا من ماله انفرد بالربح أفردنا أحدهما بالربح، وذلك لا يجوز، وان قلنا: يشاركه الاخر أخذ أحدهما ربح مال الاخر، وهذا لا يجوز، وهل تصح الشركة مع تفاضل المالين في القدر؟ فيه وجهان.

(أحدهما) لا تصح، وهو قول أبى القاسم الانماطى لان الشركة تشتمل على مال وعمل ثم لا يجوز أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح، فكذلك لا يجوز أن يتساويا في العمل ويتفاضلا في الربح وإذا اختلف مالهما في القدر فقد تساويا في العمل وتفاضلا في الربح، فوجب أن لا يجوز.

(والثانى) تصح، وهو قول عامة أصحابنا وهو الصحيح، لان المقصود بالشركة أن يشتركا في ربح مالهما، وذلك يحصل مع تفاضل المالين كما يحصل مع تساويهما، وما قاله الانماطى من قياس العمل على المال لا يصح، لان الاعتبار في الربح بالمال لا بالعمل، والدليل عليه أنه لا يجوز أن ينفرد أحدهما بالمال ويشتركا في الربح، فلم يجز أن يستويا في المال ويختلفا في الربح، وليس كذلك العمل، فانه يجوز أن ينفرد أحدهما بالعمل ويشتركا في الربح، فجاز أن يستويا في العمل ويختلفا في الربح.
(الشرح) قوله: شركة العنان وهو أن يشتركا في شئ خاص دون سائر أموالهما، كأنه عن لهما شئ فاشترياه مشتركين فيه، وقيل: مأخوذة من عناني فرسى الرهان، لان الفارسين إذا تسابقا تساوى عنانا فرسيهما، وكذلك الشركة يتساوى فيها الشريكان.

والشركة أربع: شركة العنان، وشركة الابدان، وشركة المفاوضة وشركة الوجوه، ولا يصح من هذه الشركة عندنا إلا شركة العنان.
قال في البيان واختلف الناس لم سميت شركه العنان فقيل سميت شركة العنان لظهورها وهو أنهما ظاهرا باخراج المالين، ويقال عن الشئ إذا ظهر ومنه قول إمرئ القيس فعن لنا سرب كأن نعاجه

  • عذارى دوار في ملاء مذيل (وقيل) سميت عنانا من المعاننة وهى المعارضة، وكل واحد من الشريكين عارض شريكه بمثل ماله، إلى أن قال.
    وقال أبو بكر الرازي سميت بذلك مأخوذا من العنان، لان الانسان يأخذ عنان الدابة بإحدى يديه، ويحبسه عليها، ويده الاخرى مرسلة يتصرف بها كيف شاء، كذلك هذه الشركة كل واحد من الشريكين بعض ماله مقصور عن التصرف فيه من جهة الشركة، وبعض ماله يتصرف فيه كيف شاء.
    اه وقد اعتبر أصحاب أحمد الشركة خمسا حيث زادوا شركة المضاربة، وقد أجازوا بعض ما هو ممنوع عندنا على تفصيل سيأتي ان شاء الله تعالى.
    وجماع القول في شركة العنان هو أن يخرج كل واحد منهما مالا من جنس مال الآخر وعلى صفته ويخلطا المالين، ولا خلاف في صحة هذه الشركة لسلامتها من سائر أنواع الغرر، ويشترط فيها لفظ صريح من كل للآخر يدل على الاذن للمتصرف من كل منهما أو من أحدهما، أو كنايه تشعر بذلك وكاللفظ الكتابة وإشارة الاخرس المفهمه فلو أذن أحدهما فقط تصرف المأذون في الكل والآذن في نصيبه خاصة، فإن شرط عدم تصرفه في نصيبه لم تصح.
    (فرع) الشركة الصحيحه أن يخرج كل واحد من الشريكين دنانير مثل دنانير صاحبه ويخلطاها فيكونا شريكين، وجملة ذلك أن من شرط صحة شركه العنان أن يكون مالهما المشترك بينهما من جنس واحد وسكة واحدة، فإن كان مال أحدهما عملة محلية والاخر عملة أجنبيه واختلفا قيمة لم تصح الشركة لاختلاف جهة الاصدار وعدم اتحاد القيمة واحتمال دخول عنصر الغرر أو الربا في الاستبدال والصرف فلم تصح كما لو كانت نقود أحدهما مكسرة والاخر صحيحه، أو كانت

لاحدهما دنانير والآخر دراهم، أو كانت لاحدهما طبرية والاخر عبدية، وقال أبو حنيفة " يصح " دليلنا أنه مالان مختلفان، فوجب أن لا ينعقد عليهما عقد الشركة، كما لو كان مال أحدهما حنطة ومال الاخر شعيرا، فإن خالفا وأخرج أحدهما عشرة دنانير والاخر عشرة دراهم وخلطا ذلك وابتاعا فإن ذلك يكون ملكا لهما على قدر مالهما فان كان نقد البلد دنانير قومت الدراهم، فان كانت قيمتها خمسة دنانير كان لصاحب الدنانير ثلثا المتاع ولصاحب الدراهم ثلثه، وكذلك بقسم الربح والخسران بينهما، وإن كان نقد البلد من غير جنس ما أخرجاه قوم ما أخرج كل واحد منهما بنقد البلد، فان تساويا كان ذلك بينهما نصفين، وإن تفاضلا كان الحكم في ملك المتاع لهما كذلك.
ولا تصح الشركة حتى يختلط المالان ثم يقولا: تشاركنا أو اشتركنا، فان عقدا الشركة قبل خلط المالين لم يصح وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى تصح الشركة وان لم يخلطا المالين، بل مال كل واحد منهما بيده يتصرف فيه كيف شاء ويشتركان في الربح وقال مالك رحمه الله تعالى: من شرط عقد الشركة أن تكون أيديهما على المالين، أو يد وكيلهما.
وان لم يكونا مخلوطين دليلنا أنهما مالان يتميز أحدهما عن الاخر فلم تصح الشركة عليهما كما لو كانا حنطة وشعيرا، أو كما لو لم تكن يدهما على المالين، ولانا لو صححنا عقد الشركة قبل الخلط لادى إلى أن يأخذ أحدهما ربح مال الاخر، لانه قد ربح بمال أحدهما دون الاخر وهل من شرط صحة هذه الشركة أن يتساويا في قدر ماليهما؟ فان كان مال أحدهما عشرة دنانير ومال الاخر خمسة لم تصح، لان الشافعي شرط أن يخرج أحدهما مثل ما يخرج الاخر، ولانهما إذا نفاضلا في المال فلابد أن يتفاضلا في الربح.
لان الربح على قدر المالين، فلم يجز أن يتفاضلا في الربح مع تساويهما في العمل، كما لا يجوز أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح قال أبو القاسم الانماطى: لا تصح الشركة.
وقال عامة أصحابنا تصح الشركة

وإن كانا متفاضلين في المالين، لان المقصود في الشركة أن يشتركا في ربح ماليهما وذلك يمكن مع تفاضل المالين، كما يمكن مع تساويهما.
وما قال الشافعي فأراد به المثل من جهة الجنس والسكة، لا من جهة المقدار، وأما اعتبار الربح بالعمل فغير صحيح، لان عمل الشريكين في مال الشركة لا تأثير له، لانه تابع، وقد يعمل أحدهما في مال الشركة أكثر من عمل الاخر مع استوائهما في المال.
وقد يعمل أحدهما في مال الشركة وحده من غير شرط في العقد، ويصح ذلك كله ولا يؤثر في الربح.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) ولا يجوز لاحد الشريكين أن يتصرف في نصيب شريكه إلا بإذنه فان أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف تصرفا، وإن أذن أحدهما ولم يأذن الاخر تصرف المأذون في الجميع، ولا يتصرف الاخر الا في نصيبه، ولا يجوز لاحدهما أن يتجر في نصيب شريكه إلا في الصنف الذى يأذن فيه الشريك، ولا أن يبيع بدون ثمن المثل، ولا بثمن مؤجل، ولا بغير نقد البلد إلا أن يأذن له شريكه، لان كل واحد منهما وكيل للآخر في نصفه، فلا يملك الا ما يملك كالوكيل.
(الشرح) الاحكام: إذا عقدا الشركة على مال لهما نصفين، فان كل واحد منهما يملك التصرف في نصف المال مشاعا من غير إذن شريكه لانه ملكه، وهل له أن يتصرف في النصف الاخر من غير اذن شريكه؟ فيه وجهان حكاهما المسعودي أحدهما يملك ذلك، وبه قال أبو حنيفة لان هذا مقتضى عقد الشركة، فلم يحتج إلى إذن الاخر، كما لو عقد القراض على مال له والثانى: وهو طريقة البغداديين من أصحابنا أنه لا يملك ذلك من غير إذن شريكه، لان المقصود بالشركه هو أن يشتركا في ربح ماليهما.
وذلك لا يقتضى التوكيل من كل واحد منهما لصاحبه.
إذا ثبت هذا فان أذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف بنصيبه تصرف

كل واحد منهما بجميع مال الشركة، وان أذن أحدهما لصاحبه دون الآخر صح تصرف المأذون له في جميع المال، ولا يتصرف من لم يؤذن له الا في نصفه مشاعا ولا يتجر المأذون له في نصيب شريكه إلا في النوع المأذون له فيه من الامتعة، سواء كان يعم وجوده أو لا يعم وجوده، ولان ذلك توكيل، وللانسان أن يوكل غيره يشترى له نوعا من الامتعة، وإن لم يكن عام الوجود بخلاف القراض فإن المقصود منه الربح، وذلك لا يحصل إلا في الاذن بالتجارة فيما يعم وجوده.
قال ابن الصباغ: وإن أذن له أن يتجر في جميع التجارات جاز ذلك أيضا.
ولا يبيع المأذون له نصيب شريكه إلا بنقد البلد حالا بثمن المثل كما نقول في الوكيل قال المصنف رحمه الله تعالى .

(فصل) ويقسم الربح والخسران على قدر المالين، لان الربح نماء مالهما والخسران نقصان مالهما، فكانا على قدر المالين، فإن شرطا التفاضل في الربح والخسران مع تساوى المالين، أو التساوى في الربح أو الخسران مع تفاضل المالين لم يصح العقد، لانه شرط ينافى مقتضى الشركة فلم يصح، كما لو شرط أن يكون الربح لاحدهما، فإن تصرفا مع هذا الشرط صح التصرف، لان الشرط لا يسقط الاذن فنفذ التصرف، فان ربحا أو خسرا جعل بينهما على قدر المالين، ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه، لانه إنما عمل ليسلم له ما شرط، وإذا لم يسلم رجع بأجرة عمله.
(الشرح) الاحكام: إذا اشترك رجلان وتصرفا - فان ربحا - قسم الربح بينهما والخسران على قدر المالين.
سواء شرطا ذلك في العقد أو أطلقا، لان هذا مقتضى الشركة، وان شرطا التفاضل في الربح أو الخسران مع تساوى المالين أو شرطا التساوى في الربح أو الخسران مع تفاضل المالين لم يصح هذا الشرط.
وقال أبو حنيفة " يصح " دليلنا أنه شرط ينافى مقتضى الشركة فلم يصح، كما لو شرطا الربح لاحدهما فان تصرفا مع هذا الشرط صح تصرفهما، لان الشرط يسقط الاذن، فان ربحا

أو خسرا قسم الربح والخسران على قدر مالهما، لانه مستفاد بمالهما، ولانه ثمرة المال فكان على قدرهما، كما لو كان بينهما نخيل فأثمرت، ويرجع كل واحد منهما على صاحبه بأجرة عمله في ماله.
لانه إنما عمل بشرط ولم يسلم له الشرط.

قال المصنف رحمه الله تعالى .

(فصل) وأما شركة الابدان، وهى الشركة على ما يكتسبان بأبدانهما فهى باطلة، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل " وهذا الشرط ليس في كتاب الله تعالى.
فوجب أن يكون باطلا، ولان عمل كل واحد منهما ملك له يختص به فلم يحز أن يشاركه الآخر في بدله، فإن عملا وكسبا أخذ كل واحد منهما أجرة عمله.
لانها بدل عمله فاختص بها.
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَوَاهُ الشيخان: قال النووي: صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد.
أما الاحكام: فإذا كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم لاحدهما ألف وللآخر ألفان، وعقدا الشركة على أن يكون الربح بينهما نصفين، فان شرط صاحب الالفين على نفسه شيئا من العمل كانت الشركة فاسدة، فإذا عملا قسم الربح والخسران بينهما على قدر مالهما، ويرجع كل منهما على صاحبه بأجرة عمله في ماله.
وقال ابو حنيفة رحمه الله: الشركة فاسدة ولا يرجع أحدهما على الاخر بأجرة عمله في ماله.
دليلنا أنه عقد قصدا به الربح في كل حال، فإذا كان فاسدا استحق أجرة عمله فيه كالقراض، فإن عمل صاحب الالف على مال الشركة عملا أجرته ثلاثمائة.
وعمل صاحب الالفين على مال الشركة عملا أجرته مائة وخمسون، فإن صاحب الالف يستحق على صاحب الالفين مائتين ويستحق عليه صاحب الالفين خمسين فيقاصه بها، وتبقى لصاحب الالف على صاحب الالفين مائة وخمسون.
وان عمل كل واحد منهما على مال الشركة عملا أجرته مائة وخمسون فان صاحب

الالف يستحق على صاحب الالفين مائة، ويستحق صاحب الالفين عليه خمسين فيقاصه بها، ويبقى لصاحب الالف على صاحب الالفين خمسون وإن شرط صاحب الالفين جميع العمل على صاحب الالف وشرط نصف الربح، فان هذه الشركة صحيحة وقراض صحيح، لان صاحب الالف يستحق ثلث الربح بالشركة، لان له ثلث المال ولصاحب الالفين ثلثا الربح، فلما شرط جميع العمل على صاحب الالف وشرط له نصف الربح فقد شرط لعمله سدس الربح فجاز، كما لو قارضه على سدس الربح فان قيل كيف صح عقد القراض على مال مشاع؟ قلنا إنما صح لان الاشاعة مع العامل فلا يتعذر تصرفه، وإنما لا تصح إذا كانت الاشاعة في رأس المال مع غيره، لانه لا يتمكن من التصرف (فرع) قال صاحب البيان: وإن كان بين رجلين ألفا درهم لكل واحد منهما ألف فأذن أحدهما لصاحبه أن يعمل في ذلك ويكون الربح بينهما نصفين.
فان هذا ليس بشركة ولا قراض، لان مقتضى الشركة أن يشتركا في العمل والربح.
ومقتضى القراض أن للعامل نصيبا من الربح.
ولم يشترط له ههنا شيئا.
انتهى.
إذا ثبت هذا فعمل وربح كان الربح بينهما نصفين لانه نماء مالهما قال ابن الصباغ: ولا يستحق العامل لعمله في مال شريكه أجرة لانه لم يشترط لنفسه عوضا.
فكان عمله تبرعا قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وأما شركة المفاوضة وهو أن يعقدا الشركة على أن يشتركا فيما يكتسبان بالمال والبدن، وأن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الاخر بغصب أو بيع أو ضمان فهى شركة باطلة، لحديث عائشة رضى الله عنها.
ولانها شركة معقودة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يختص بسببه فلم تصح، كما لو عقدا الشركة على ما يملكان بالارث والهبة.
ولانها شركة معقودة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الاخر بعدوانه فلم تصح.
كما لو عقدا الشركة

على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الاخر بالجناية، فان عقدا الشركة على ذلك واكتسبا وضمنا أخذ كل واحد منهما ربح ماله وأجرة عمله، وضمن كل واحد منهما ما لزمه بغصبه وبيعه وضمانه، لان الشرط قد سقط، وبقى الربح والضمان على ما كانا قبل الشرط، ويرجع كل واحد منهما بأجرة عمله في نصيب شريكه، لانه عمل في ماله ليسلم له ما شرط له، ولم يسلم فوجب أجرة عمله.
(الشرح) الاحكام: إن شركة المفاوضة باطلة عندنا، وهى أن يشترطا أن يكون ما يملكان من المال بينهما، وأن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الاخر بغصب أو بيع أو ضمان.
قال الشافعي رضى الله عنه في اختلاف العراقيين: لا أعلم في الدنيا شيئا باطلا إن لم تكن شركة المفاوضه باطلة، ولا أعلم القمار إلا هذا وأقل منه.
وقال أبو حنيفة والثوري والاوزاعي رضى الله عنهم: شركة المفاوضة صحيحة إلا أن أبا حنيفة يقول: من شرط صحتها أن يخرج كل واحد منهما جميع ما يملكه من الذهب والفضة، حتى لو أن أحدهما استثنى مما يملكه درهما لم تصح الشركة، ويكون مال أحدهما مثل مال صاحبه، ويكونان حرين بالغين مسلمين.
ولا تصح بين مسلم وذمى، ولا بين ذميين، ولا بين حر وعبد، فإذا وجدت هذه الشركة تضمنت الوكالة والكفالة.
فأما الوكالة فهو أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في الكسب وفيما يوهب له، وفى الكنز الذى يجده وفى جميع ما يكسبه إلا الاصطياد والاحتشاش فانهما ينفردان.
وأما الميراث فإنهما لا يشتركان فيه، فإذا ورث أحدهما نظر فيه، فإن كان عرضا لم يضمن الشركة، وان كان ذهبا أو فضه فما لم يقبضه فالشركة بحالها وان قبضه بطلت الشركة، لانه قد صار ماله أكثر من مال الاخر.
وأما الكفالة فإن كل ما يلزم أحدهما باقرار أو غصب أو ضمان أو عهدة فان صاحبه يشاركه فيه إلا أرش الجناية.
دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن الغرر وهذا غرر، والنهى يقتضى فساد المنهى عنه، ولانها شركة تصح مع المفاضلة فلم تصح مع المساواة كالشركة

في العروض وعكسه شركة العنان، ولانهما عقدا الشركة على ما يملكان بالارث أو بقول شركة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على الاخر بعدوانه فلم يصح كما لو عقدا الشركة على أن يضمن كل واحد منهما ما يجب على كل واحد منهما كالجناية.
إذا ثبت هذا فان كسبا اختص كل واحد منهما بملك ما كسبه ووجب عليه ضمان ما أتلفه وغصبه، لان وجود هذا العقد بمنزلة عدمه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وأما شركة الوجوه، وهو أن يعقدا الشركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ما يشتريه بوجهه، فهى شركة باطلة، لان ما يشتريه كل واحد منهما ملك له ينفرد به، فلا يجوز أن يشاركه غيره في ربحه، وإن وكل كل واحد منهما صاحبه في شراء شئ بينهما، واشترى كل واحد منهما ما أذن فيه شريكه.
ونوى أن يشتريه بينه وبين شريكه دخل في ملكهما وصارا شريكين فيه فإذا بيع قسم الثمن بينهما لانه بدل مالهما (الشرح) هذه أيضا إحدى الصور من الشركات التى لا تصح عندنا وتسمى شركة الوجوه.
وهو أن يتفقا على أن يشترى كل واحد منهما بوجهه، ويكون ذلك شركه بينهما وإن لم يذكر شريكه وقال أبو حنيفة " تصح " دليلنا أن ما يشتريه كل واحد منهما ملك له، فلا يشارك غيره فيه، فان أذن أحدهما لصاحبه أن يشترى له عينا معينه أو موصوفه ويبين له الثمن فاشترى له ونواه عند الشراء كان ذلك للآخر.
(فرع) حكى الصيمري أن الشافعي رحمه الله قال: شركة الازواد في السفر سنة، فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رضى الله عنهم، وليس من باب الربا سبيل، فيخلط هذا طعامه بطعام غيره جنسا وجنسين وأقل وأكثر، ويأكلان ولا ربا في ذلك، ونحو هذا إشراك الجنس في الطعام بدار الحرب.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قال المصنف رحمه الله: (فصل) وإن أخذ رجل من رجل جملا، ومن آخر راوية، على أن يستقى الماء ويكون الكسب بينهم، فقد قال في موضع: يجوز.
وقال في موضع لا يجوز، فمن أصحابنا من قال: إن كان الماء مملوكا للسقاء فالكسب له، ويرجع عليه صاحب الجمل والراوية بأجرة المثل للجمل والراوية، لانه استوفى منفعتهما بإجارة فاسدة فوجب عليه أجرة المثل وإن كان الماء مباحا فالكسب بينهم أثلاثا لانه استقى الماء على أن يكون الكسب بينهم فكان الكسب بينهم كما لو وكلاه في شراء ثوب بينهم فاشتراه، على أن يكون بينهم، وحمل القولين على هذين الحالين، ومنهم من قال: إن كان الماء مملوكا للسقاء كان الكسب له، ويرجعان عليه بالاجرة لما ذكرناه، وإن كان الماء مباحا ففيه قولان.

(أحدهما) أنه بينهم أثلاثا لانه أخذه على أن يكون بينهم فدخل في ملكهم كما لو اشترى شيئا بينهم بإذنهم.

(والثانى) أن الكسب للسقاء، لانه مباح اختص بحيازته فاختص بملكه كالغنيمة، ويرجعان عليه بأجرة المثل لانهما بذلا منفعة الجمل والراوية، ليسلم لهما الكسب ولم يسلم، فثبت لهما أجرة المثل.
(الشرح) الاحكام: قال الشافعي رحمه الله تعالى في البويطى: إذا اشترك أربعة أنفس في الزراعة فأخرج أحدهما البذر ومن الثاني الارض ومن الثالث الفدان يعنى البقر التى يعمل عليها، والرابع يعمل على أن يكون الزرع بينهم فإن هذا عقد فاسد، لانه ليس شركة ولا قراضا ولا إجارة لان الشركة لا تصح حتى يخلط الشركاء أموالهم، وها هنا أموالهم متميزة، وفى القراض يرجع رب المال إلى رأس ماله عند المفاصلة، وههنا لا يمكن، والاجارة تفتقر إلى أجرة معلومة وعمل معلوم، فإذا ثبت هذا كانت الغلة كلها لمالك البذر لانها عين ماله زادت، وعليه لصاحب الارض ولصاحب الفدان أجرة مثل مالهم، وللعامل أجرة مثل عمله عليه، لان كل واحد منهم دخل في العقد ليكون له شئ من الغلة، ولم يسلم لهم ذلك، وقد تلفت منافعهم فكان لهم بدلها.

(فرع) قال في البويطى: فان اشترك أربعة فأخرج أحدهم بغلا والآخر حجر الرحى، ومن الآخر البيت، ومن الرابع العمل على أن يكون ما حصل من الاجرة بينهم على ما شرطوه، فان هذه معاملة فاسدة، لانها ليست شركة ولا قراضا ولا إجارة لما بيناه في الفصل قبله.
قال الشافعي رضى الله تعالى عنه: فإذا أصابوا شيئا جعل لكل واحد منهم أجرة مثله، وجعل كرأس ماله، وقسم ما حصل بينهم على قدره.
قال أبو العباس ابن سريج: في هذا مسألتان.
(إحداهما) إذا جاء رجل فاستأجر من كل واحد ماله ليطحنوا له طعاما معلوما بأجرة معلومة بينهم، بأن يقول لصاحب البيت: استأجرت منك هذا البيت ومن هذا الحجر، ومن هذا البغل، ومن هذا نفسه ليطحنوا لى كذا وكذا من الحنطة بكذا وكذا درهم، فقالوا: قبلنا الاجارة، فهل يصح هذا العقد؟ فيه قولان كالقولين في أربعة أنفس لهم أربع دواب باعوها بثمن واحد، وكالقولين فيمن تزوج أربع نسوة بمهر واحد، أو خالعنه بعوض واحد، فإذا قلنا لا يصح استحق كل واحد منهم أجرة مثل ماله على صاحب الطعام.
وإن قلنا يصح نظر، كم أجرة مثل كل واحد منهم.
وقسم المسمى بينهم على قدر أجور مثلهم، ولو استأجر من كل واحد ملكه بأجرة معلومة على عمل معلوم أو مدة معلومة بعقد مفرد صح ذلك قولا واحدا واستحق كل واحد منهما ما يسمى له.
(المسألة الثانية) إذا استأجرهم في الذمة مثل أن يقول: استأجرتكم لتحصلوا لى طحن هذا الطعام بمائة صحت الاجارة قولا واحدا.
ووجب على كل واحد منهم ربع العمل واستحق ربع المسمى من غير تقسيط فإذا طحنوا استحقوا المسمى ارباعا، وكان لكل واحد منهم أن يرجع على شركائه بثلاثة أرباع عمله.
فيرجع صاحب البغل على شركائه بثلاثة أرباع أجرة بغله.
وكذلك صاحب البيت والرحى والعامل، لان كل واحد منهم يستحق عليه ربع العمل.
وقد عمل الجميع فسقط الربع لاجل ما استحق عليه، ورجع على شركائه بما لم يستحق عليه.
فان قال: استأجرتكم لتطحنوا لى هذا الطعام بمائة فقالوا قبلنا.
فذكر الشيخ

أبو حامد الاسفرايينى في التعليق أنها على قولين كالمسالة الاولى.
وذكر المحاملى في البحر وابن الصباغ: أنها لا تصح قولا واحدا كالمسألة الثانية.
فإن قال لرجل منهم: استأجرتك لتحصل لى طحن هذا الطعام بمائة فقال: قبلت الاجارة لى ولاصحابي، أو نوى ذلك وكانوا قد أذنوا له في ذلك فالاجارة صحيحة، والمسمى بينهم أرباعا، فإذا طحنوا رجع كل واحد منهم بثلاثة أرباع أجرة ماله على شركائه، وان لم ينو أن يقبل له ولاصحابه لزمه العمل بنفسه، فإذا طحن الطعام بالآلة التى بينه وبين شركائه استحق المسمى وكان عليه أجرة مثل آلاتهم (فرع) قال في البويطى: فإن اشترك ثلاثة من أحدهم البغل، ومن الاخر الراوية، ومن الاخر العمل على أن يستقى الماء ويكون ما رزق الله بينهم، فإن هذه معاملة فاسدة، لانها ليست بشركة ولا قراض ولا إجارة لما بيناه، فإذا استقى الماء وباعه، وحصل منه ثمن فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي موضع: يكون ثمن الماء كله للعامل، وعليه أجرة مثل البغل والراوية.
وقال في موضع: يكون ثمن الماء كله للسقاء، وعليه أجرة البغل والراوية إذا كان الماء ملكا له مثل أن يأخذ الماء من بركة له أو مما ينبع في ملكه لان الماء ملكه، وكان ثمنه ملكا له، وعليه أجرة البغل والراوية لانه استوفى منفعتهما على عوض، ولم يسلم لهما الغرض.
والموضع الذى قال: يكون ثمن الماء بينهم، إذا كان الماء مباحا، لان الثمن حصل بالعمل والبغل والراوية، ومنهم من قال: إن كان الماء ملكا للسقاء فالثمن كله له.
وعليه أجرة البغل والراوية لما ذكرناه، وإن كان الماء مباحا ففيه قولان (أحدهما) أن الثمن كله للسقا لان الماء يملك بالحيازة ولم توجد الحيازة إلا منه، وعليه أجرة مثل البغل والراويه، لانهم دخلوا على أن يكون لهم قسط من ثمن الماء، فإذا لم يحصل ذلك لهم استحقوا أجرة المثل.
(والقول الثاني) أن ثمن الماء بينهم لانه لم يتناول الماء لنفسه، وإنما تناوله ليكون بينهم فكان بينهم، فصار كالوكيل لهم.
قال ابن الصباغ وهكذا لو اصطاد له ولغيره فهل لغيره منه شئ؟ فيه وجهان:

أحدهما وهو قول الشيخ أبى حامد في التعليق أنه يقسم بينهم بالتقسيط على قدر أجور أمثالهم.
وحكى أن الشافعي رحمه الله نص على ذلك.
والثانى: حكاه ابن الصباغ عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه يكون بينهم أثلاثا ويرجع صاحب البغل بثلثي أجرته على صاحبه ويرجع صاحب الراوية بثلثي أجرته على صاحبيه، ويرجع السقا على صاحبيه بثلثي أجرته.
وأما صاحبنا المصنف فذكر أنه يكون بينهم أثلاثا وأطلق، فان أستأجرهم غيرهم ليستقوا له ماء.
قال أبو العباس: ففيه مسألتان كما ذكر في الطحن إن استأجرهم إجارة معينة بأجرة واحدة ففيه قولان، وإن استأجرهم في ذممهم صح قولا واحدا والله تعالى أعلم.
ويستخلص مما مضى أنه يجوز عندنا على أحد الوجهين اشتراك مالين وبدن صاحب أحدهما على سبيل الشركة والمضاربة معا بصورة يمتنع فيها الغرر مثل أن يشترك رجلان بينهما ثلاثة آلاف درهم لاحدهم ألف وللآخر ألفان فأذن صاحب الالفين على أن يتصرف صاحب الالف على أن يكون الربح بينهما نصفين ويكون لصاحب الالف ثلث الربح بحق ماله والباقى وهو ثلثا الربح بينهما لصاحب الالفين ثلاثة أرباعه وللعامل ربعه، وذلك لانه جعل له نصف الربح، فجعلناه ستة أسهم منها ثلاثة للعامل، حصة ماله سهمان وسهم يستحقه بعمله في مال شريكه، وحصة مال شريكه أربعة أسهم سهم للعامل وهو الربع.
وقال مالك: لا يجوز أن يضم إلى القراض شركة، كما لا يجوز أن يضم إليه عقد إجارة.
دليلنا: أنهما لم يجعلا أحد العقدين شرطا للآخر، فلم نمنع من جمعهما كما لو كان المال متميزا.
(مسألة) إذا اشترى الشريكان عينا فوجدا به عيبا، فإن اتفقا على رده وإمساكه فلا كلام، وان أراد أحدهم الرد والآخر الامساك، فإن كانا قد عقدا جميعا عقد البيع فلاحدهما أن يرد نصيبه دون نصيب شريكه، وقد مضى ذكرهما في البيوع، وإن تولى أحدهما عقد البيع له ولشريكه فإن كان لم يذكر أنه يشترى له ولشريكه ثم قال بعد ذلك: كنت اشتريت لى ولشريكي لم يقبل قوله على البائع

لان الظاهر أنه اشترى لنفسه، وإن كان قد ذكر في الشراء أنه لنفسه ولشريكه فهل له أن يرد حصته دون شريكه؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد.
أحدهما له ذلك، لان البائع قد علم أن الصفقة لنفسين فصار كما لو اشتريا بأنفسهما.
والثانى: ليس له الرد، وإن ذكر أنه يشترى له ولشريكه، فحكم العقد له، ألا ترى أنه لو اشترى سيارة فقال: اشتريتها لخالد فقال خالد: ما أذنت له.
كان الشراء لازما للمشترى.
فأما إذا باع لرجل سيارة ثم قال: كانت بينى وبين فلان، فان باعها مطلقا ثم قال بعد ذلك: إنها بينه وبين غيره لم يبقل قوله على المشترى، لان الظاهر أنه باع ملكه.
قال الشيخ أبو حامد فيحلف المشترى أنه لا يعلم ذلك، فان أقام الشريك بينة أنها بينه وبينه حكم له بذلك، فان كان قد أذن له بالبيع صح، وان لم يأذن له كان القول قوله أنه ما أذن له، لان الاصل عدم الاذن، فان ذكر البائع حين البيع أنها بينه وبين شريكه قبل قوله، لانه مقر على نفسه في ملكه.
وان أقر الشريك أنه أذن له في البيع نفذ البيع، وان لم يقر بالاذن ولا بينة عليه حلف أنه ما أذن له وبطل البيع، لان الاصل عدم الاذن.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) والشريك أمين فيما في يده من مال شريكه فان هلك المال في يده من غير تفريط لم يضمن، لانه نائب عنه في الحفظ والتصرف، فكان للهالك في يده كالهالك في يده، فان ادعى الهلاك - فان كان بسبب ظاهر - لم يقبل حتى يقيم البينة عليه، فإذا أقام البينة على السبب فالقول قوله في الهلاك مع يمينه، وان كان بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه من غير بينة، لانه يتعذر اقامة البينة على الهلاك، فكان القول قوله مع يمينه.
وان ادعى عليه الشريك خيانة وأنكر فالقول قوله لان الاصل عدم الخيانة.
وان كان في يده عين وادعى شريكه أن ذلك من مال الشركة، وادعى هو أنه له فالقول قوله مع يمينه، لان الظاهر مما في يده أنه ملكه فان اشترى شيئا فيه ربح فادعى الشريك أنه اشتراه للشركة، وادعى هو أنه اشتراه لنفسه أو اشترى شيئا فيه خسارة، وادعى

الشريك أنه اشتراه لنفسه، وادعى هو أنه اشتراه للشركة.
فالقول قوله، لانه أعرف بعقده ونيته (الشرح) الاحكام: الشريك أمين فيما في يده من مال الشركة، فإن تلف في يده شئ منه من غير تفريط لم يجب عليه ضمانه، لانه نائب عن شريكه في الحفظ فكان الهالك في يده كالهالك في يد المالك، وللامانة أن تحفظ بدعامتين من الصدق والثقة، فان ادعى الهلاك بسبب ظاهر لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على السبب الظاهر، لانه يمكنه إقامة البينة عليه، فإن شهدت البينة بصدق قوله وترتب الهلاك على السبب الظاهر فلا كلام.
وإن شهدت البينة بالسبب ولم تذكر هلاك المال فالقول قول الشريك مع يمينه أنه هلك بذلك.
وإن ادعى الهلاك بسبب غير ظاهر فالقول قوله مع يمينه لانه يتعذر عليه إقامة البينة مع الهلاك.
وإن ادعى الشريك على شريكه جناية لم تسمع دعواه حتى يبين قدر الجناية فإذا بينها فأنكرها الآخر، ولا بينة على المنكر فالقول قوله مع يمينه، لان الاصل عدم الجناية.
وإن اشترى أحد الشريكين شيئا فيه ربح، فقال شريكه اشتريته شركة بيننا وقال المشترى: بل اشتريته لنفسي فالقول قول المشترى مع يمينه وإن اشترى شيئا فيه خسارة، فقال المشترى: اشتريته شركة بيننا.
وقال الآخر: بل اشتريته لنفسك فالقول قول المشترى مع يمينه، لانه أعرف بعقده ولان الاصل عدم الخيانة.
(فرع) إذا أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه بالتصرف، فاشترى أحدهما شيئا للشركة بأكثر من ثمن المثل بما لا يتغابن الناس بمثله، فان اشترى ذلك بثمن في ذمته لزم المشترى جميع ما اشتراه، ولا يلزم شريكه ذلك، لان الاذن يقتضى الشراء بثمن المثل، فان دفع الثمن من مال الشركة ضمن نصيب شريكه بذلك لانه تعدى بذلك.
وإن اشتراه بعين مال الشركة لم يصح الشراء في نصيب الشريك، لان العقد متعلق بعين المال.
وهل يبطل في نصيب المشترى؟ فيه قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

فإذا قلنا يبطل فهما على شركتهما كما كانت وإن قلنا يصح الشراء في نصيبه انفسخت الشركة بينهما في قدر الثمن، لان حقه من الثمن قد صار للبائع، فيكون البائع شريك شريكه بقدر الثمن، ويكون هو شريك البائع في السلعة، فان باع أحد الشريكين شيئا من مال الشركة بأقل من ثمن المثل بمالا يتغابن الناس بمثله بطل البيع في نصيب شريكه لان مطلق الاذن يقتضى البيع بثمن المثل وهل يبطل البيع في نصيب البائع؟ فيه قولان بناء على القولين، إن قلنا يبطل فهما على الشركة كما كانا، وإن قلنا لا يبطل بطلت الشركة بينهما في المبيع، لان حصته منها صارت للمشترى للابتياع، فيكون المشترى شريك شريكه.
قال أبو إسحاق: ولا يضمن البائع نصيب شريكه ما لم يسلمه، لان ذلك موضع اجتهاد لوجود الاختلاف فيه، ولو أودع عند رجل عينا فباعها المودع فانه يضمن ذلك بفسخ البيع إن لم يسلم، لان المودع لا يجوز له البيع بالاجماع، واستضعف الشيخ أبو حامد هذا وقال: هو متعد بالبيع، فلا فرق بين أن يكون مختلفا فيه أو مجمعا عليه.
ألا ترى أنه إذا ضمن وان كان مختلفا فيه.
(فرع) إذا كانت بهيمة بين اثنين فجاء رجل أجنبي وأزال يد أحد الشريكين من البهيمة صار غاصبا لحصته منها، وإن كانت مشاعا لان الغصب أزال اليد، وذلك يوجد في المشاع كما يوجد في المقسوم.
ألا ترى أن رجلين لو كان بينهما دار فجاء رجل وأخرج أحدهما من الدار وقعد فيه مكانه كان غاصبا لحصته من الدار.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد فإذا باع الغاصب والشريك الذى لم يغصب منه البهيمة صفقة واحدة من رجل، فان الشافعي رضى الله عنه قال: يصح البيع في نصيب المالك، ويبطل فيما باعه الغاصب.
قال العمرانى: واختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال هي على قولين بناء على القولين في تفريق الصفقة.
ومنهم من قال: يصح البيع في نصيب المالك قولا واحدا، لان عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين، فلا يفسد أحدهما بفساد الآخر.
وإن وكل الشريك الذى لم يغصب منه الغاصب في بيع نصيبه فباع جميع

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل