كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فإن لم يكن الصبغ قد أحدث زيادة تفوت باستخراج الصبغ منه ففيه وجهان حكاهما ابن أبى هريرة
(أحدهما)
وهو اختيار أبى حامد أنه لا يجبر على استخراجه إذا امتنع لما فيه من استهلاك ماله مع قدرة رب الثوب على الوصول إلى استيفاء حقه بالبيع.
قال وهو كلام الشافعي حيث قال: إن قيل للغاصب إن شئت فاستخرج الصبغ على أنك ضامن لما نقص، وإن شئت فأنت شريك بما زاد الصبغ فحصل الخيار إليه.
والوجه الثاني وهو الاصح: أنه يجبر على أخذه لانه عرق ظالم لا حرمة له في الاستبقاء فصار كالغرس والبناء: ويكون تخيير الشافعي له في الترك والاستخراج عند رضا رب الثوب بالترك، فعلى هذا إذا استخرجه ضمن نقص الثوب قبل الصبغ.
وأما القسم الثالث وهو أن يكون الصبغ مما يمكن استخراج بعضه، ولا يمكن استخراج بعضه فالقول فيما لا يمكن استخراجه كالقول في القسم الاول، والقول في تمكين استخراجه كالقول في القسم الثاني، فيجتمع في هذا القسم حكم
القسمين الماضيين على ما بيناه تقسيما وشرحا، فهذا حكم الصبغ إذا كان للغاصب
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
فان غصب ساجا فأدخله في البناء أو خيطا فخاط به شيئا نظرت فإن عفن الساج وبلى الخيط لم يؤخذ برده لانه صار مستهلكا فسقط رده ووجبت قيمته، وإن كان باقيا على جهته نظرت فان كان الساج في البناء والخيط في الثوب وجب نزعه ورده، لانه مغصوب يمكن رده فوجب رده، كما لو لم يبن عليه ولم يخط به، وإن غصب خيطا فخاط به جرح حيوان، فان كان مباح الدم كالمرتد والخنزير والكلب العقور وجب نزعه ورده، لانه لا حرمة له فكان كالثوب وان كان محرم الدم، فإن كان مما لا يؤكل كالآدمي والبغل والحمار وخيف من نزعه الهلاك لم ينزع، لان حرمة الحيوان آكد من حرمة المال، ولهذا يجوز أخذ مال الغير بغير إذنه لحفظ الحيوان ولا يجوز أخذه لحفظ المال، فلا يجوز هتك حرمة الحيوان لحفظ المال.
وإن كان مما يؤكل ففيه قولان
(أحدهما)
يجب رده، لانه يمكن نزعه بسبب مباح فوجب رده كالساج
(والثانى)
لا يجب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذبح الحيوان لغير مأكلة
(فصل)
وان غصب لوحا وأدخله في سفينة وخاف من نزعه الغرق، فإن كان فيها حيوان - لم ينزع لما ذكرناه في الخيط، وإن كان فيها مال غير ماله، - فإن كان لغير الغاصب - لم ينزع، لانه إتلاف مال من له حرمة بجناية غيره فلم يجز.
وان كان المال للغاصب ففيه وجهان
(أحدهما)
ينزع كما تنقض الدار لرد الساج
(والثانى)
لا ينزع لانه يمكن رده من غير إتلاف المال، بأن تجر إلى
الشط بخلاف الساج في البناء.
وعلى هذا إذا أراد المالك أن يطالب بالقيمة كان له ذلك، لانه حيل بينه وبين ماله فجاز له المطالبة بالبدل، كما لو غصب منه عبدا فأبق، وإن اختلطت السفينة التى فيها اللوح بسفن للغاصب ففيه وجهان
(أحدهما)
ينقض الجميع كما ينقض جميع السفينة
(والثانى)
لا ينقض ما لم تتعين، لانه إتلاف مال لم يتعين فيه التعدي
(فصل)
وإن غصب جوهرة فبلعتها بهيمة له، فان كانت البهيمة مما لا تؤكل ضمن قيمة الجوهرة، لانه تعذر ردها فضمن البدل، وإن كانت مما تؤكل ففيه وجهان بناء على القولين في الخيط الذى خيط به جرح ما يؤكل
(فصل)
وإن غصب فصيلا فأدخله إلى داره فكبر ولم يخرج من الباب نقض الباب لرد الفصيل كما ينقض البناء لرد الساج، وإن دخل الفصيل إلى داره من غير تفريط منه نقض الباب وعلى صاحب الفصيل ضمان ما يصلح به الباب، لانه نقض لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب الباب
(فصل)
وان غصب دينارا وطرحه في محبرة كسرت المحبرة ورد الدينار، كما ينقض البناء لرد الساج، وإن وقع في المحبرة من غير تفريط من صاحبها
كسرت وعلى صاحب الدينار قيمة المحبرة، لانها كسرت لتخليص ماله من غير تفريط من صاحب المحبرة.
(فصل)
وان غصب عينا وباعها وقبضها المشترى وتصرف فيها وتلفت عنده، فللمالك أن يضمن الغاصب، لانه غصبها.
وله أن يضمن المشترى لانه قبض ما لم يكن له قبضه فصار كالغاصب
فإن ضمن الغاصب العين ضمنه قيمته أكثر ما كانت قيمته من حين الغصب إلى أن تلف في يد المشترى، لانه من حين الغصب إلى حين التلف في ضمانه.
وإن ضمن المشترى ضمنه أكثر ما كانت قيمته من حين قبض إلى أن تلف لانه لم يدخل في ضمانه قبل القبض، فلا يضمن ما قبله.
فإن بدأ فضمن المشترى نظرت، فان كان عالما بالغصب لم يرجع بما ضمنه على الغاصب، لانه غاصب تلف المغصوب عنده فاستقر الضمان عليه كالغاصب من المالك إذا تلف عنده فان لم يعلم نظرت فيما ضمن، فان التزم ضمانه بالعقد كبدل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب، لان الغاصب لم يغره، بل دخل معه على أن يضمنه، وان لم يلتزم ضمانه بالعقد نظرت، فان لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع على الغاصب، لانه غره ودخل معه على أن لا يضمنه.
وان حصلت له في مقابلته منفعة - كالاجرة والمهر وأرش البكارة - ففيه قولان:
(أحدهما)
يرجع به لانه غره ولم يدخل معه على أن يضمنه
(والثانى)
لا يرجع، لانه حصل له في مقابلته منفعة وان بدأ فضمن الغاصب فما لا يرجع به المشترى على الغاصب إذا غرم رجع به الغاصب على المشترى، وما يرجع به المشترى على الغاصب لا يرجع به، لانه لا فائدة في أن يرجع عليه ثم يرجع المشترى به عليه
(فصل) وإن غصب من رجل طعاما فأطعمه رجلا فللمالك أن يضمن الغاصب لانه غصبه، وله أن يضمن الآكل لانه أكل ما لم يكن له أكله فإن ضمن الآكل نظرت فان علم أنه مغصوب فأكله لم يرجع على الغاصب بما ضمن لانه غاصب استهلك المغصوب فلم يرجع بما ضمنه فان أكل ولم يعلم أنه مغصوب ففيه قولان.
(أحدهما) يرجع لانه غره وأطعمه على أن لا يضمنه.
(والثانى)
لا يرجع لانه حصل له منفعة، فان أطعمه المالك فان علم أنه له برئ الغاصب من الضمان، لانه استهلك ماله برضاه مع العلم به، وإن لم يعلم ففيه قولان
(أحدهما)
يبرأ الغاصب لانه عاد إلى يده فبرئ الغاصب من الضمان، كما لو رده عليه
(والثانى)
لا يبرأ لانه إنما ضمن، لانه أزال يده وسلطانه عن المال وبالقديم إليه ليأكله لم تعد يده وسلطانه، لانه لو أراد أن يأخذه لم يمكنه فلم يزل الضمان.
(الشرح) قال الشافعي: ولو كان لوحا فأدخله في سفينة أو بنى عليه جدارا أخذ بقلعه، وهذا كما قال: إذا غصب لوحا فأدخله في سفينة أو بنى عليه سفينة أو دارا أخذ بهدم بنائه اللوح بعينه إلى صاحبه، وبه قال مالك وأهل الحرمين، وقال أبو حنيفة وأهل العراق يدفع القيمة ولا يجبر على هدم البناء لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار، فمن ضار أضر الله به، ومن شاق شق الله عليه وفى أخذه بهدم بنائه أعظم إضرار به.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا إنى بعثت بالحنيفية السمحة.
وفى أخذ القيمة منه تيسير، وفى هدم بنائه تعسير منهى عنه، ولانه مغصوب يستضر برده فلم يجبر عليه كالخيط إذا خاط به جرح حيوان، ولانه مغصوب لا يملك رده إلا باستهلاك مال فلم يجب رده كما لو كان في السفينة مال لغير الغاصب ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " فلزمه رد اللوح، وروى عبد الله بن مسعود مرفوعا: لا يحل لمسلم أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم، وهذا خبر
ظاهره كالنص، ولقوله صلى الله عليه وسلم: إن لصاحب الحق يدا ومقالا،
ولان كل مغصوب كان له رده وجب عليه رده كالذى لم يبن عليه طردا، والخيط في جرح الحيوان عكسا، ولانه شغل المغصوب بما لا خير فيه له فوجب أن يلزمه رده، كما لو كانت أرضا فزرعها أو غرسها، ولانه كل ما لو احتاج ابتداء إليه لم يجبر مالك عليه، ووجب إذا غصب أن يجبر على رده إليه كالارض طردا والخيط للجرح عكسا ولان دخول الضرر على الغاصب لا يمنع من رد المغصوب كما لو حلف بعتق عبده ألا يرد ما غصبه فإن عليه رد الغصب وعتق العبد.
والجواب عن حديث: لا ضرر ولا ضرار فهو أنه مشترك الدليل، لان في منع المالك منه إضرارا به فكان دخول الضرر على الغاصب ورفعه عن المغصوب أولى من دخوله على المغصوب منه في تيسير أمر الغاصب ورفعه عنه والاستهانة بحق المغصوب وحماية متعلقات الغاصب.
والجواب عن حديث: يسروا ولا تعسروا، فمن وجهين.
(أحدهما) استعماله في المغصوب منه وتيسير أمره برد ماله أولى من استعماله في الغاصب في تمليكه غير ماله.
(والثانى)
أن التيسير معصية، والغاصب عاص لا يجوز التيسير عليه لما فيه من الذريعة إلى استدامة المعصية.
والجواب عن قياسهم على الخيط في جرح الحيوان فمن وجهين.
أحدهما: أنه معارضة الاصل لان المعنى في الخيط أنه ليس له رده، فلم يجب عليه رده، وفى اللوح له رده.
والثانى: أنه إذا احتاج ابتداء إليه أجبر المالك عليه لحرمة الحيوان وتقديمها على حرمة الملك.
فإذا تقرر أن نقض البناء لرد المغصوب واجب فسواء كان البناء قليلا أو كثيرا أو سواء كانت قيمة اللوح قليلة أو كثيرة حتى لو كانت قيمة اللوح درهما
وقيمة البناء ألف درهم أخذ بقلعه حتى يخلص اللوح لربه، إلا أن يراضيه على أخذ ثمنه، ثم إذا استرجع اللوح لزمه أجرة مثله ان كانت له أجرة وأرش نقصه ان حدث به نقص فإن كان المغصوب حجرا فبنى عليه منارة مسجد أخذ بنقض المنارة لرد الحجر عليه ثم غرم نقض المنارة للمسجد، وان كان هو المتطوع ببنائها لخروج ذلك عن ملكه، وان كانت السفينة سائرة في البحر، فان كان اللوح
على سطحها أو على مكان مرتفع منها وأمكن أخذه أخذ منها، وإن كان في أسفلها بحيث لو أخذ منها هلكت وما فيها نظر، فإن كان فيها حيوان لم يجز أن يقلع صيانة للنفوس سواء كانت آدمية أو عجماء، وسواء كانت العجماوات للغاصب أو لغيره، لان للحيوان حرمتين، حرمة نفسه وحرمة صاحبه، وإن لم يكن فيها حيوان وكان فيها مال نظر، فإن كان لغير الغاصب لم يجز أخذ اللوح منها لما في أخذه من إتلاف مال له حرمة في الحفظ والحراسة وان كان للغاصب ففيه وجهان
(أحدهما)
يؤخذ اللوح منها، وإن تلف مال الغاصب فيها لذهاب حرمته بتعديه كما يذهب ماله في هدم بنائه.
(والوجه الثاني) أنه لا يجوز أن يؤخذ منها لانه قد يمكن أخذه بعد الدخول إلى الشط من غير استهلاك ما فيها من مال، وليس كالبناء الذى لا يقدر على اللوح إلا بعد استهلاكه، فعلى هذا يقال لرب اللوح: أنت بالخيار بين أن تصبر باللوح حتى تصل السفينة إلى الشط فتأخذ لوحك وبين أن تأخذ في الموضع قيمة لوحك، فلو اختلطت السفينة التى فيها اللوح بعشر سفن للغاصب ولم يوصل إليه إلا بهدم جميعها ففيه وجهان.
أحدهما: تهدم جميعها حتى يوصل إليه.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز هدم شئ منها إلا أن يتعين اللوح المغصوب فيه
لانه لا يجوز أن يستهلك عليه مال إلا بتعيين المتعدى فيه.
فإذا عمل اللوح المغصوب بابا، أو حديدا فعمله درعا لم يملكه في هذه الاحوال وجعله أبو حنيفة مالكا لذلك بعمله وذلك من أقوى الذرائع والمغريات للاقدام على المغصوب، وإذا لم يملك الارض المغصوبة ببنائه وبغرسه فيها والارض عندهم غير مغصوبة فلان لا يملك غيرها من المغصوب عندنا وعندهم أولى، وإذا كان كذلك فللمغصوب منه استرجاعه منه معمولا، ولا شئ للغاصب إلا أن يكون قطع ركبها أو مسامير أو آلات بأعيانها ركبها فيها، فيسترجعها ويضمن نقص المغصوب.
(فرع)
قال الشافعي: ولو كان خيطا فخاط به ثوبا، وكذلك فان خاط به
جرح إنسان أو حيوان ضمن الخيط ولم ينزعه، قال الماوردى: وصورتها فيمن غصب خيطا فخاط به شيئا فهذا على ضربين.
(أحدهما)
أن يكون قد خاط به غير حيوان كالثياب فيؤخذ الغاصب بنزعه ورده على مالكه وأرش نقصه إن نقص.
(والضرب الثاني) أن يكون قد خاط به حيوانا فعلى ضربين.
أحدهما: أن يكون الحيوان ميتا عند المطالبة بالخيط فينظر، فان كان الحيوان مما له حرمة كالآدمي نظر، فان لم يفحش حاله بعد نزع الخيط منه نزع، وإن فحش لم ينزع لقوله صلى الله عليه وسلم حرمة ابن آدم حيا كحرمته ميتا.
والضرب الثاني: أن يكون حيا فعلى ضربين.
(أحدهما)
أن يكون مباح النفس من آدمى أو بهيمة كالمرتد والخنزير والكلب العقور فيؤخذ بنزعه لانه مما لا حرمة لحفاظ نفسه ثم يغرم بعد نزعه أرش نقصه (والضرب الثاني) أن يكون محظور النفس فعلى ضربين.
أحدهما: أن يكون
آدميا فعلى ضربين.
أحدهما: أن يخاف من نزعه التلف فيقر الخيط ولا ينزع سواء كان الغاصب أو غيره لما يلزم من حراسة نفسه بعد غصبه، فأولى أن يجبر على تركه فعلى هذا يغرم قيمته.
والضرب الثاني: أن يأمن التلف، فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يأمن الضرر وشدة الالم فهذا ينزع منه ويرد على مالكه مع أرش نقصه.
(والضرب الثاني) أن يخاف ضررا أو شدة ألم وتطاول مرض إلخ اه.
قلت: ومثل الخيط شاش الجبائر والجص وجميع ما يستعمل في الجراح والكسور والرضوض لدى الاطباء والصيدلانية، وكذلك جسور الاسنان والاضراس الصناعيه وأسلاكها وأقماعها وبدائلها فانها جميعا عليها ما مضى من حكم الخيط نزعا وضررا وحرمه للمستفيد منها وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (فصل) وإن غصب من رجل شيئا ثم رهنه عنده أو أودعه أو آجره منه وتلف عنده فان علم أنه له برئ الغاصب من ضمانه لانه أعاده إلى يده وسلطانه،
وان لم يعلم ففيه وجهان (أحدهما) أنه يبرأ الغاصب من الضمان لانه عاد إلى يده (والثانى) لا يبرأ لانه لم يعد إلى سلطانه، وانما عاد إليه على أنه أمانة عنده، وان باعه منه برئ من الضمان علم أو لم يعلم، لان قبضه بابتياع يوجب الضمان فبرئ به الغاصب من الضمان.
(فصل) وان غصب شيئا فرهنه المالك عند الغاصب لم يبرأ الغاصب، وقال المزني: يبرأ لانه أذن له في امساكه فبرئ من الضمان كما لو أودعه، والمذهب الاول، لان الرهن يجتمع مع الضمان وهو إذا رهنه شيئا فتعدى فيه فلا ينافى الضمان.
(فصل) وان غصب حرا وحبسه ومات عنده لم يضمنه لانه ليس بمال فلم يضمنه باليد وان حبسه مدة لمثلها أجرة فان استوفى فيها منفعته لزمته الاجرة لانه أتلف عليه ما يتقوم فلزمه الضمان كما لو أتلف عليه ماله أو قطع أطرافه، وان لم يستوف منفعته ففيه وجهان.
(أحدهما) تلزمه الاجرة لان منفعته تضمن بالاجارة فضمنت بالغصب كمنفعة المال (والثانى) لا تلزمه لانها تلفت تحت يده فلا يضمنه الغاصب بالغصب كأطرافه وثياب بدنه.
(فصل) وان غصب كلبا فيه منفعة لزمه رده على صاحبه لانه يجوز اقتناؤه للانتفاع به فلزمه رده فان حبسه مدة لمثلها أجرة، فهل تلزمه الاجرة فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ اجارته.
(فصل)
وان غصب خمرا نظرت، فان غصبها من ذمى لزمه ردها عليه لانه يقر على شربها فلزمه ردها عليه وان غصبها من مسلم ففيه وجهان.
أحدهما: يلزمه ردها عليه لانه يجوز أن يطفئ بها نارا أو يبل بها طينا فوجب ردها عليه.
والثانى: لا يلزمه وهو الصحيح، لما روى أن أبا طلحه رضى الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أيتام ورثوا خمرا فأمره صلى الله عليه وسلم أن يهرقها فان أتلفها أو تلفت عنده لم يلزمه ضمانها، لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه،
ولان ما حرم الانتفاع به لم يضمن ببدل كالميتة والدم فإن صار خلا لزمه رده على صاحبه لانه صار خلا على حكم ملكه فلزمه رده إليه فإن تلف ضمنه لانه مال للمغصوب منه تلف في يد الغاصب فضمنه.
(فصل)
وان غصب جلد ميتة لزمه رده لان له أن يتوصل إلى تطهيره بالدباغ فوجب رده عليه فإن دبغه الغاصب ففيه وجهان أحدهما يلزمه رده كالخمر إذا صار خلا والثانى لا يلزمه لانه بفعله صار مالا فلم يلزمه رده
(فصل)
وان فصل صليبا أو مزمارا لم يلزمه شئ لان ما أزاله لا قيمة له والدليل عليه ما روى جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة أن الله تعالى حرم بيع الخمر وبيع الخنازير وبيع الاصنام وبيع الميتة فدل على أنه لا قيمة له وما لا قيمة له لا يضمن فان كسره نظرت فاكان إذا فصله يصلح لمنفعه مباحة وإذا كسره لم يصلح لزمه ما بين قيمته مفصلا ومكسورا لانه أتلف بالكسر ماله قيمة فلزمه ضمانه فان كان لا يصلح لمنفعة مباحة لم يلزمه شئ لانه لم يتلف ماله قيمة.
(الشرح) الاحكام: إذا غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة فقال أصحابنا حكمها حكم الخيط الذى خاط به جرحها، ويحتمل أن الجوهرة متى كانت أكثر من قيمة الحيوان ذبح الحيوان وردت إلى مالكها، وضمان الحيوان على الغاصب وفارق الخيط لانه أقل قيمة من الحيوان والجوهرة أكثر قيمة ففى ذبح الحيوان رعاية حق المالك برد عين ماله ورعاية حق الغاصب بتقليل الضمان عليه.
وإن ابتلعت شاة رجل جوهرة آخر غير مغصوبة ولم يمكن إخراجها إلا ذبحها ذبحت إذا كان ضرر ذبحها أقل، وكان ضمان نقصها على صاحب الجوهرة لانه لتخليص ماله، إلا أن يكون التفريط من صاحب الشاة يكون يده عليها فلا شئ على صاحب الجوهرة لان التفريط من صاحب الشاة.
فإذا مرت بهيمة رجل في سوق فأتلفت جوهرة رجل قال الماوردى في الحاوى والعمراني في البيان والرويانى في البحر ما حاصله: لم يخل حال البهيمة من أن يكون معها مالكها أو لا، فإن لم يكن معها فلا ضمان عليه في الجوهرة،
لانه غير ضامن لما جنته، فلو سأله صاحب الجوهرة بيع البهيمة ليتوصل منها إلى جوهرته، أو صيرورتهما معا في ملكه لم يجبر المالك على البيع.
وقال أبو حنيفة: إن كانت قيمة الجوهرة أكثر من قيمة البهيمة أجبر صاحبها على أخذ قيمتها وإن كانت قيمة الجوهرة أقل لم يجبر.
وهذا فاسد، استدلالا بقياسين أحدهما: أن ما لا يستحق تملكه باستهلاك الاقل لم يستحق تملكه باستهلاك الاكثر قياسا على كسرها إناء أو أكلها طعاما - والثانى - أنه لا يستحق تملكه مع تلف شئ لم يستحق تملكه مع بقائه، قياسا على ما قيمته أقل.
وان كان صاحبها معها كان ضامنا لها عندنا سواء كانت البهيمة شاة أو بعيرا وقال أبو على بن أبى هريرة: ان كانت البهيمة بعيرا ضمن، وإن كان شاة لم يضمن، وفرق بينهما بأن المألوف في البعير النفور فلزم منعه ومراعاته، والمألوف في الشاة السكون فلم يلزم منعها ومراعاتها.
وهذا خطأ عند الاصحاب لان سقوط مراعاة الشاة إنما كان لان المعهود منها السلامة، فإذا أفضت إلى غير السلامة لزم الضمان كما أبيح للرجل ضرب زوجته وللمعلم ضرب الصبى لان عاقبته السلامة، فإذا أفضى إلى التلف ضمنا، فإذا ثبت أن ذلك مضمون عليه نظر في البهيمة فان كانت غير مأكولة اللحم غرم القيمه لتحريم ذبحها وتعذر الوصول إليها، وان كانت مأكولة اللحم فعلى قولين.
أحدهما: تذبح عليه وتؤخذ الجوهرة من جوفها، والثانى: لا يجوز ذبحها وتؤخذ منه قيمة الجوهرة.
فعلى هذا لو ماتت البهيمة أو ذبحها لمأكله فوصل إلى الجوهرة رجع بها المالك ورد ما أخذه من القيمة: ولنا بناء على ما تقدم، وعلى ما وصل إليه الطب من عمل البنج للحيوان
واجراء جراحة بيطرية لاستخراج الجوهرة أنه يجوز ذلك ويبذل صاحب الجوهرة مؤونة الجراحة والنقاهة حتى تبرأ، فإذا كان صاحبها مفرطا كان عليه ذلك.
فإذا كان صاحب البهيمة مغتصبا للجوهرة على ما بنى المصنف فصله فالضمان عليه.
(فرع)
إذا تبايعا بهيمة وابتلعت ثمنها فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يكون ذلك بعد قبض الثمن فالبيع صحيح، سواء كان الثمن معينا أو في الذمة أجراه المشترى منه بالدفع، ثم ينظر في البهيمة فإن كانت في يد البائع فالثمن غير مضمون لان ما جنته في يده مضمون عليه والثمن ملك له.
وعليه تسليم البهيمة، فان قدر على الثمن بموت أو ذبح اختاره المشترى لمأكلة رد على البائع وإن كانت البهيمة في يد المشترى فالثمن مضمون عليه للبائع، فان كانت غير مأكولة غرم مثله، وإن كانت مأكولة اللحم فهل تذبح لاخذ الثمن منها أم لا؟ على ما مضى من القولين.
والضرب الثاني: أن تبتلع الثمن قبل قبضه فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يكون في الذمة لم يتعين بالعقد فالبيع لا يبطل، وهو باق في ذمة المشترى.
ثم ينظر، فان كانت البهيمة عند ذلك في يد المشترى فما ابتلعته غير مضمون على واحد منهما.
أما البائع فلزوال يده بالتسليم.
وأما المشترى فلانه ماله، وجناية البهيمة من ضمانه، وإن كانت في يد البائع فهو مضمون عليه، فان كانت البهيمة مما لا تؤكل لزمه غرم مثله.
فعلى هذا يكون له الثمن وعليه مثله.
وإن كانت البهيمة مأكولة فهل تذبح أم لا.
على القولين، فان قيل لا تذبح لزمه غرم مثل الثمن وتقاضاه، ولا خيار للمشترى في فسخ البيع لان ذبح البهيمة قد استحق في يد البائع، وذلك عيب حادث وهو مضمون عليه فلاجله ما استحق
المشترى خيارا به.
وإن كان هو المستحق لما أوجب العيب والضرب الثاني: أن يكون الثمن معيبا فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن تكون البهيمة غير مأكولة فالبيع باطل، لان تلف الثمن المعين قبل قبضه فبطل البيع وهو متعذر القدرة عليه كالتالف.
ثم ينظر فان كانت البهيمة في يد المشترى فهو تالف من ماله والبائع غير ضامن له وعلى المشترى رد البهيمة على البائع، فان قدر على الثمن بموتها رد على المشترى، وان كانت في يد البائع فالثمن مضمون عليه ويغرم مثله (فرع)
إن غصب فصيلا - وهو ولد الناقة سمى بذلك لفصله عن أمه - فأدخله
حظيرته فكبر حتى استحال خروجه من باب الحظيرة، أجبر على نقض الباب أو البناء لرد الفصيل على ما مضى من نقض السفينة لرد اللوح ونقض المنارة لرد الحجر.
أما إذا دخل الفصيل إلى داره من غير تفريط منه بأن دخل الحظيرة فاختلط بفصلانها وكبر وتعذر إخراجه من الحظيرة، نقض الباب أو البناء وعلى صاحب الفصيل إعادة الباب أو الحائط كما كان فإذا مرت بهيمة بقدر فول فأدخلت رأسها فيه فلم يخرج الا بكسر القدر أو ذبح البهيمة فلا يخلو حالهما من أربعة أقسام (أحدها) أن يكون صاحب القدر متعديا في وضعها في غير حق - بأن أشغل بها الطريق وعرضها لطريق المارة مكشوفة بغير غطاء ولا حراسة - وكان صاحب البهيمه غير متعد فالواجب كسر القدر لتخليص البهيمه.
والقسم الثاني: أن يكون صاحب البهيمة متعديا لادخالها في غير حق وصاحب القدر غير متعد فيكون تخليص البهيمه مضمونا على صاحبها لتعديه بها، فإن كانت مما لا يؤكل كسرت القدر لان لنفس البهيمه حرمة في حراستها، ثم كسر
القدر مضمونا على صاحبها، وإن كانت مما تؤكل فعلى قولين بناء على جواز ذبحها في تخليص ما جنته.
(أحدهما)
تذبح ويخرج رأسها من القدر ولا يجوز كسرها.
والقول الثاني: لا يجوز ذبحها وتكسر القدر لتخليص رأسها ثم يضمن أرش كسرها.
والقسم الثالث: أن يكون كل واحد منهما غير متعد فالتخليص مضمون على صاحب البهيمه لا بالتعدي ولكن لاستصلاح ملكه وعليه ضمان مؤونة ذلك فان لم تكن البهيمه مأكولة كسرت القدر وضمن كسرها، فان كانت مأكولة فعلى قولين، في ذبحها أو كسر القدر وضمانه على صاحبها والقسم الرابع: أن يكون كل واحد منهما متعديا فالتخليص مضمون عليهما لاشتراكهما في التعدي كالمتصادمين، فان كانت البهيمة غير مأكولة كسرت القدر وضمن صاحب البهيمه نصف الكسر وأهدر النصف الباقي، وان كانت مأكولة فان قيل لا يجوز ذبحها كسرت القدر وضمن صاحب البهيمه أرش القدر كله لا نصفه.
فان قال صاحب القدر: بل تذبح البهيمه لاضمن نصف النقص
في ذبحها نظر البادئ منهما بطلب التخليص، فجعل ذلك في جنبته.
(فرع)
وإن غصب دينارا أو جوهرة فوقع أو ألقاها في محبرته أو أخذ دينارا لغيره فسها فوقع في محبرة كسرت ورد الدينار أو الجوهرة كما ينقض البناء أو تهدم السفينة لرد اللوح على ما مضى.
وكذلك إن كان درهما أو أقل منه.
وإن وقع من غير فعله كسرت لرد الدينار إن أحب صاحبه والضمان عليه لانه لتخليص ماله.
وإن غصب دينارا فوقع في محبرة آخر بفعل الغاصب أو غير فعله كسرت لرده وعلى الغاصب ضمان المحبرة لانه السبب في كسرها، وإن كان كسرها أكثر
ضررا من تبقية الواقع فيها ضمنه الغاصب ولم تكسر.
وإن رمى إنسان ديناره في محبرة غيره عدوانا فأبى صاحب المحبرة كسرها لم يجبر عليه لان صاحبه تعدى برميه فيها فلم يجبر صاحبها على إتلاف ماله لازالة ضرر عدوانه عن نفسه وعلى الغاصب نقص المحبرة بوقوع الدينار فيها وما ترتب على قذف الدينار من رشاش الحبر على الاوراق أو الكتب أو الثياب فعليه ضمان قيمته تالفا أو أرشه معيبا، وأجاز أصحاب أحمد إجبار مالك المحبرة على كسرها لرد دينار الغاصب وتضمين الغاصب قيمة المحبرة.
(فرع)
قال الشافعي ولو باعه عبدا وقبض المشترى ثم أقر البائع أنه غصبه من رجل، فإن أقر المشترى نقضنا البيع ورددناه إلى ربه، وقال في موضع آخر وإن باعه وقبضه المشترى ثم أعتقه فقامت بينة بغصبه وكان المغصوب أو ورثته قياما رد العتق لان البيع كان فاسدا ويرد إلى المغصوب.
وإن لم تكن بينة وصدق الغاصب والمشترى المدعى أنه غصبه لم يقبل قول واحد منهما في العتق ومضى العتق ورددنا المغصوب على الغاصب بقيمة العبد في أكثر ما كان قيمة.
وقال: ولو كان المشترى أعتقه ثم أقر هو والبائع أنه للمغصوب منه لم يقبل قول واحد منهما في رد العتق وللمغصوب القيمة إن شاء أخذناها له من المشترى المعتق، ويرجع المشترى المعتق على الغاصب بما أخذ منه لانه أقر أنه باعه مالا يملك، وهذا كما قال: إذا كان مشترى العبد قد أعتقه ثم أحضر من ادعاه ملكا وأن البائع أخذه غصبا كلف البينة قيل سؤالهما.
اه
والعبد المغصوب بعد عتقه من مبتاعه له حق الله تعالى في الحرية، فلا يعاد إلى مالكه وانما تعاد قيمته كأى شئ اغتصبه ثم باعه وتلف في يد المشترى، فان المالك يرجع على الغاصب أو المشترى.
وللمشترى أن يرجع على البائع لانه غره
فان كان عالما بالغصب لم يرجع على الغاصب.
(فرع)
ينبنى على ما تقدم أنه إذا غصب طعاما فأطعمه غيره فللمالك تضمين أيهما شاء، لان الغاصب حال بينه وبين ماله، والآكل أتلف مال غيره بغير اذنه وقبضه عن يد ضامنة بغير اذن مالكه، فان كان الآكل عالما بالغصب استقر الضمان عليه لكونه أتلف مال غيره بغير اذن عالما من غير تغرير، فإذا ضمن الغاصب رجع عليه.
قال الشافعي: ولو غصب طعاما فأطعمه من أكله ثم استحق كان المستحق أخذ الغاصب به، فان غرمه فلا شئ للواهب على الموهوب له، وان شاء أخذ الموهوب له، فان غرمه فقد قيل يرجع على الواهب وقيل لا يرجع به.
قال المزني أشبه بقوله: ان هبة الغاصب لا معنى لها وقد أتلف الموهوب له ما ليس له ولا للواهب فعليه غرمه ولا يرجع به، فان غرمه الغاصب رجع به عليه.
وهذا عندي أشبه بأصله.
وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين يتضمن كل قسم منها ثلاثة أنواع: فأما القسم الاول فأول أنواعه أن يهبه فيأكله الموهوب له، فرب الطعام بالخيار بالرجوع على أيهما شاء (ثانيها) وهو أن يأذن له في أكله من غير هبة ولا اقباض، فان علم الآكل أنه مغصوب كان مضمونا عليه وربه أيضا بالخيار لتغريم أيهما شاء، فان أغرم الآكل فقد اختلف أصحابنا، فذهب البغداديون إلى أن في رجوعه على الغاصب قولين.
وذهب البصريون إلى الرجوع به قولا واحدا.
والفرق بين الآكل والموهوب له أن استهلاك الاكل بإذن الغاصب فرجع عليه، وأن استهلاك الموهوب له بغير اذنه فلم يرجع عليه، فان رجع المالك على الغاصب يكون رجوعه فعلى مذهب البغداديين يكون رجوعه بالغرم على الآكل على قولين وعلى مذهب
البصريين لا يرجع به قولا واحدا
وثالثها: أن يطعمه بهيمة رجل فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يكون ذلك بغير أمر مالك البهيمة فهو مضمون على الغاصب وحده، ويرجع به المالك على الغاصب ولا يرجع على مالك البهيمة، فإن أعسر به الغاصب فلا شئ له في رقبة البهيمة أو مالكها لان المتلف هو الغاصب، وإن كان إطعامها بأمر مالكها نظر، فإن علم بأنه مغصوب عند أمره ضمن ومالك الطعام بالخيار أن يرجع على أيهما شاء وليس للغاصب إذا غرم أن يرجع على الآمر إذا لم يعلم ويرجع إذا علم ويجرى عليه حكم الآكل والموهوب له من الاذن وعدمه.
وأما القسم الثاني فمصور في الانواع الثلاثة الآتية: إذا وهب الغاصب الطعام لمالكه فأكله فإن علم حين الاكل أنه طعامه لم يرجع بغرمه على الغاصب وان لم يعلم فعلى قولين.
والنوع الثاني: أن يأذن الغاصب لرب الطعام في أكله فإن علم حين الاكل أنه طعامه لم يرجع بغرمه، وان لم يعلم فعلى قول البغداديين يكون رجوعه على قولين وعلى قول البصريين يرجع به قوله واحدا.
والنوع الثالث: أن يطعمه بهيمة رب الطعام فان كان بغير أمره رجع عليه بغرمه، وإن كان بأمره فان علم لم يرجع، وان لم يعلم فان دفعه إليه كان رجوعه على قولين، كما لو وهبه له، وإن لم يدفعه إليه كان على اختلاف المذهبين كما لو أطعمه إياه، فلو باع الغاصب الطعام على مالكه وهو يعلم أو لا يعلم فتلف في يده بعد قبضه أو لم بتلف كان المالك بريئا من الثمن والغاصب بريئا من الضمان، وذهب المصنف إلى أنه إذا علم فيه قولان على ما أوضح والله أعلم.
(فرع)
إذا أودع العبد عند مالكه أو رهنه إياه أو كان مما يستأجر فأجره وقبضه منه بالوديعة أو بالرهن أو بالاجرة ثم تلف عنده نظر، فان علم بعد قبضه أنه ماله برئ العبد من ضمانه، وان لم يعلم نظر، فان كان تلفه على وجه يوجب الضمان على المودع والمرتهن المستأجر برئ الغاصب من ضمانه لكونه مضمونا
عليه، وان كان تلفه على وجه لا يوجب الضمان في هذه الاحوال، ففى براءة الغاصب منه وجهان.
أحدهما: يبرأ منه لعودته إلى يد مالكه.
والوجه الثاني: لا يبرأ منه لان خروجه من يده اما نيابة عنه أو أمانة منه، فلم تزل يده فكان على ضمانه.
فلو أن الغاصب خلطه بمال المالك فتلف والمالك لا يعلم به، فان لم يكن المال في يد المالك فالضمان باق على الغاصب، وان كان في يده فان تلف باستهلاك المالك برئ منه الغاصب، وان تلف بعد استهلاكه كان في براءته منه وجهان.
وأما حبس الحر سواء عاش أو مات فسوف يأتي حكمه ان شاء الله تعالى في الجنايات والحدود.
وأما كلب المنفعة ككلب الصيد أو الحراسة، فانه يجرى فيه ما يجرى في البهائم المستأجرة لظهرها أو لعملها في الحقول والفارق أنها غير مأكولة كبعض الدواب التى لا تؤكل.
(فرع)
قال الشافعي: فان أراق له - أي للذمي - خمرا أو قتل له خنزيرا فلا شئ عليه ولا قيمة لمحرم لانه لا يجرى على ملك.
أما التملك بالخمر والخنزير فمعصية، والقول فيها كالقول في الصليب ولا شئ على متلفها مسلما كان أو ذميا على مسلم أتلفه أو على ذمى، ويعذران باتلافه على منازلهم أو بيعهم.
وقال أبو حنيفة: ان أتلفها على مسلم لم يضمن المتلف مسلما كان أو ذميا،
وان أتلفها على ذمى ضمنها المتلف مسلما كان أو ذميا، فان كان مسلما ضمن قيمة الخمر والخنزير، وان كان ذميا ضمن مثل الخمر وقيمة الخنزير استدلالا من وجوب ضمانها للذمي بما روى أن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الاشعري والى سمرة بن جندب في خمور أهل الذمة أن لهم بيعها، وخذ العشر من أثمانها.
فكان الدليل من وجهين.
أحدهما: أن جعل لها أثمانا والعقد عليها صحيحا، والثانى: أخذ العشر منها، ولو حرمت أثمانها لحرم عشرها، قال: ولانه معمول في عرفهم فوجب أن يكون مضمونا باتلافه عليهم قياسا على غيره من أموالهم،
قالوا: ولانه من أشربتهم المباحة فوجب أن يكون مضمونا بإتلافه عليهم كسائر الاشربه، قالوا: ولان ما كان متمولا عند مالكه ضمن بالاتلاف وإن لم يتمول عند متلفه قياسا على المصحف إذا أتلفه ذمى على مسلم.
ودليلنا ما رواه ابن أبى حبيب عن عطاء عن جابر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم فتح مكة: ان الله حرم عليكم ورسوله بيع الخمر وبيع الخنزير وبيع الاصنام وبيع الميتة، فقال رجل يا رسول الله ما ترى في شحومها فإنها يدهن بها السفن ويستصبح بها فقال: قاتل الله اليهود حرم عليهم شحومها فجملوها فباعوها فدل تحريمه لبيعه على تحريم ثمنه وقيمته، ولان المرجوع في كون الشئ مالا إلى صفته لا إلى صفة مالكه، لان صفات الشئ قد تختلف فيختلف حكمه في كونه مالا ويختلف مالكوه.
فلا يختلف حكمه في كونه مالا كالحيوان هو مال لمسلم وكافر ثم لو مات خرج من أن يكون مالا لمسلم أو كافر ثم لو دبغ جلده صار مالا لمسلم وكافر، فلما لم يكن الخمر والخنزير مالا لمسلم أو كافر ثم لو دبغ جلد الميتة صار مالا لمسلم وكافر.
ويتحرر من هذا قياسان: أحدهما.
أن كل ما ليس مالا مضمونا في حق المسلم لم يكن مالا مضمونا في
حق الكافر كالميته والدم، وإن شئت قلت.
كل عين لم يصح أن تشتغل ذمة المسلم بثمنها لم يصح أن تشتغل ذمة المسلم بقيمتها أصله ما ذكرنا.
والثانى.
أن ما لم يستحقه المسلم من عوض الحكم لم يستحقه الكافر كالثمن، ولانه شراب مسكر فوجب أن لا يستحق على متلفه قيمته، ولان ما استبيح الانتفاع به من الاعيان النجسة إذا لم يملك الاعتياض عليه كالميته: فما حرم الانتفاع به من الخمر والخنزير أولى أن لا يملك الاعتياض عليه، وتحريره قياسا أن ما حرم نفعا فأحرى أن يحرم عوضا من كافر على مسلم.
وأما الجواب عن حديث عمر وقوله.
ولهم بيعها وخذ العشر من أثمانها فمن وجهين.
أحدهما.
أن معناه أن ولهم ما تولوه من بيعها، ولا يعترض عليهم فيما
استباحوه منها، وخذ العشر من أثمانها أي من أموالهم وان خالطت أثمانها بدليل ما أجمعنا عليه من بطلان ثمنها.
والثانى.
أنه محمول على العصير الذى يصير خمرا من باب اطلاق اسم ما سيؤول إليه عليه قال تعالى.
" وقال انى أرى في المنام أنى أرانى أعصر خمرا " وتحريم بيعها خمرا متفق عليه بيننا وبينهم كاتفاقنا على اباحته عصيرا.
وأما كونه م؟ ؟ ولا في عرفهم فمنتقض بموقوذة المجوس والعبد المرتد.
ولنا أدلة من السنة تفحم كل ذى مراء فحديث أنس عن أبى طلحة الذى ساقه المصنف هنا ورجال اسناده وأصله في صحيح مسلم ورواه الترمذي والدارقطني بلفظ.
يارسول الله انى اشتريت خمرا لايتام في حجري فقال: أهرق الخمر واكسر الدنان.
وأخرجه أحمد وأبو داود وحديث ابن عمر.
أمرنى النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمديه وهى الشفرة فأتيته بها
فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال أغد على بها ففعلت فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جليت من الشام، فأخذ المدية منى فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ثم أعطانيها، وأمر الذين كانوا معه أن يمضوا معى ويعاونونى وأمرني أن آتى الاسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر الا شققته ففعلت فلم أترك في أسواقها زقا الا شققته " رواه أحمد وأشار إليه الترمذي وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح معزوا إلى أحمد وقال الهيثمى في مجمع الزوائد.
انه رواه باسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبى مريم وقد اختلط وفى الاخر أبو طعمة وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وبقية رجاله ثقات.
وقد ترجم له البخاري في صحيحه فقال: باب هل تكسر الدنان التى فيها خمر وتخرق الزقاق.
ويعلق ابن حجر على هذا فينفي أن المراد بهذا اتلاف الاواني وانما المقصود اراقة الخمر واهدار جرمها، واتلاف الآنية جاء تبعا لذلك عقوبة لاصحابها.
(فرع)
قال الشافعي: ولو كسر لنصراني صليبا، فإن كان لشئ من المنافع مفصلا فعليه ما بين قيمته مفصلا أو مكسورا وإلا فلا شئ عليه.
أما الصليب فموضوع على معصية لزعمهم أن عيسى صلى الله عليه وسلم قتل وصلب على مثله فاعتقدوا إعظامه طاعة والتمسك به قربة، وقد أخبر الله تعالى بتكذيبهم فيه ومعصيتهم به، ولا يجوز أن يقتحم أحد بيعهم وكنائسهم ولا أن يعطل لهم طقوسهم ما داموا لا يظهرون بها تحديا ولا يجاهرون بها إغاظة ولا يعد هذا إقرارا منا على ما يعتقدونه فان جاهرونا بصليبهم نظر، فان كان الامام قد شرط عليهم في عقد جزيتهم ترك المجاهرة به جاز في الانكار عليهم تفصيل الصليب وكسره رفعا لما أظهروه من مخالفة عقد الذمة، وإن لم يشترط ذلك عليهم وجب
الاقتصار على الانكار في حال المجاهرة ولا يتجاوز الانكار إلى كسره، وقد حمى الاسلام الحنيف أهل الذمة وعاشت في ظله ديانات اليهود والنصارى بعد أن كان يضطهد بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا فأقر بينهم السكينة والوئام والسلام وترك لهم حرية الاعتقاد عملا بقوله تعالى " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ".
وباغ من تسامح المسلمين وحسن معاملتهم أن الكنائس التى فر أهلها إلى الصحارى القصية وشعف الجبال ومغاراتها أخذوا يبنونها في المدن والقرى، بل إن المجاهدين من السلف كانوا يتخيرون أحيانا المواقع التى بها كنيسة مثلا فيتخذون من جوارها مدينة يتخذونها حاضرة أو عاصمة لحكمهم كمدينة تونس بكسر النون قولا واحدا سميت كذلك لان عقبة بن نافع الفهرى فاتح المغرب كان يسمع قرب معسكر أنعام القسس وهم يترنمون في الليل بترانيمهم فقال هذه البقعة تونس بحذف الهمزة فسميت بذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى .
(فصل) وان فتح قفصا عن طائر نظرت، فان نفره حتى طار ضمنه لان تنفير الطائر بسبب ملجئ إلى ذهابه فصار كما لو باشر اتلافه وان لم ينفره نظرت فان وقف ثم طار لم يضمنه لانه وجد منه سبب غير ملجئ ووجد من الطائر
مباشرة والسبب إذا لم يكن ملجئا واجتمع مع المباشرة سقط حكمه، كما لو حفر بئرا فوقع فيها إنسان باختياره، فإن طار عقيب الفتح ففيه قولان (أحدهما) لا يضمن لانه طار باختياره فأشبه إذا وقف بعد الفتح ثم طار.
(والثانى) يضمن لان من طبع الطائر النفور ممن قرب منه، فإذا طار عقيب الفتح كان طيرانه بنفوره منه فصار كما لو نفره
(فصل)
وإن وقع طائر لغيره على جدار فرماه بحجر فطار لم يضمنه، لان رميه لم يكن سببا لفواته، لانه قد كان ممتنعا وفائتا من قبل أن يرميه، فإن طار في هواء داره فرماه فأتلفه ضمنه، لانه لا يملك منع الطائر من هواء داره فصار كما لو رماه في غير داره
(فصل)
وإن فتح زقا فيه مائع فخرج ما فيه نظرت، فإن خرج في الحال ضمنه، لانه كان محفوظا بالوكاء فتلف بحله فضمنه.
وإن خرج منه شئ فابتل أسفله أو ثقل به أحد جانبيه فسقط وذهب ما فيه ضمنه، لانه ذهب بعضه بفعله وبعضه بسبب فعله فضمنه، كما لو قطع يد رجل فمات منه، وإن فتحه ولم يخرج منه شئ ثم هبت ريح فسقط وذهب ما فيه لم يضمن، لان ذهابه لم يكن بفعله فلم يضمنه، كما لو فتح قفصا عن طائر فوقف ثم طار، أو نقب حرزا فسرق منه غيره، وان قتح زقا فيه جامد فذاب وخرج ففيه وجهان:
(أحدهما)
لا يضمنه، لانه لم يخرج عقيب الحل، فصار كما لو كان مائعا فهبت عليه الريح فسقط.
(والثانى) أنه يضمن وهو الصحيح، لان الشمس لا توجب الخروج، وانما تذيبه والخروج بسبب فعله فضمنه كالمائع إذا خرج عقيب الفتح وإن حل زقا فيه جامد وقرب إليه آخر نارا فذاب وخرج، فقد قال بعض أصحابنا: لا ضمان على واحد منهما، لان الذى حل الوكاء لم توجد منه عند فعله جناية يضمن بها وصاحب النار لم يباشر ما يضمن فصارا كسارقين نقب أحدهما الحرز وأخرج الآخر المال، فإنه لا قطع على واحد منهما، وعندي أنه يجب الضمان على صاحب النار، لانه باشر الاتلاف بإدناء النار فصار كما لو حفر رجل بئرا
ودفع فيها آخر إنسانا، وأما السارق فهو حجة عليه، لانا أوجبنا الضمان على من
أخرج المال فيجب أن يجب الضمان ههنا على صاحب النار.
وأما القطع فلا يجب عليهما، لانه لا يجب القطع إلا بهتك الحرز، والذى أخذ المال لم يهتك الحرز والضمان يجب بمجرد الاتلاف وصاحب النار قد أتلف فلزمه الضمان
(فصل)
وإذن فتح زقا مستعلى الرأس فاندفع ما فيه فخرج فجاء آخر فنكسه حتى تعجل خروج ما فيه، ففيه وجهان.
(أحدهما)
يشتركان في ضمان ما خرج بعد التنكيس كالجارحين
(والثانى)
أن ما خرج بعد التنكيس يجب على الثاني كالجارح والذابح
(فصل)
وإن حل رباط سفينة فغرقت نظرت، فإن غرقت في الحال ضمن لانها تلفت بفعله، وإن وقفت ثم غرقت، فإن كان بسبب حادث كريح هبت لم يضمن، لانها غرقت بغير فعله.
وان غرقت من غير سبب حادث ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يضمن، كالزق إذا ثبت بعد فتحه ثم سقط
(والثانى)
أنه يضمن، لان الماء أحد المتلفات.
(فصل)
إذا أجج على سطحه نارا فطارت شرارة إلى دار الجار فأحرقتها، أو سقى أرضه فنزل الماء إلى أرض جاره فغرقها، فإن كان الذى فعله ما جرت به العادة لم يضمن لانه غير متعد، وان فعل ما لم تجر به العادة بأن أجج من النار ما لا يقف على حد داره أو سقى أرضه من الماء ما لا تحتمله ضمن لانه متعد
(فصل)
إذا ألقت الريح ثوبا لانسان في داره لزمه حفظه.
لانه أمانة حصلت تحت يده، فلزمه حفظها كاللقطة، فان عرف صاحبه لزمه إعلامه، فان لم يفعل ضمنه، لانه أمسك مال غيره بغير رضاه من غير تعريف فصار كالغاصب.
وان وقع في داره طائر لم يلزمه حفظه ولا إعلام صاحبه، لانه محفوظ بنفسه، فان دخل إلى برج في داره طائر فأغلق عليه الباب نظرت، فان نوى إمساكه على نفسه
ضمنه لانه أمسك مال غيره فضمنه كالغاصب، وان لم ينو إمساكه على نفسه لم يضمنه لانه يملك التصرف في برجه فلا يضمن ما فيه.
(الشرح) الاحكام: قال الشافعي: ولو حل دابة أو فتح قفصا عن طائر فوقف ثم ذهب لم يضمن لانهما أحدثا الذهاب وصورة ذلك أن رجلا حل دابة مربوطة أو فتح قفصا عن طائر محبوس فشردت الدابة وطار الطائر، فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يكون شرود الدابة وطيران الطائر بتهييجه وتنفيره، فعليه الضمان إجماعا، وإنما لزمه الضمان وإن كان الحل سببا والطيران مباشرة لانه قد ألجأه بالتنفير والتهييج إلى الطيران، وإذا انضم إلى السبب إلجاء تعلق الحكم بالمسبب الملجئ سقط حكم الفاعل كالشاهدين على رجل بالقتل إذا اقتص منه الحاكم بشهادتهما ثم رجعا تعلق الضمان عليهما دون الحاكم، لانهما الجاه بالشهادة فسقط حكم المباشرة
(والثانى)
أن لا يكون منه تهييج ولا تنفير فللدابة والطائر حالتان: (إحداهما) إن مكثا بعد حل الرباط وفتح القفص زمانا فلا ضمان عليه لانفصال السبب عن المباشرة.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: عليه الضمان.
وكذلك قال أحمد.
والحال الثانية: أن تشرد الدابة ويطير الطائر في الحال من غير لبث، ففى الضمان لاصحابنا وَجْهَانِ:
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: عليه الضمان لاتصاله بالسبب.
وهو قول أبى حنيفة
(والثانى)
وهو ظاهر نص الشافعي في كتاب اللقطة: لا ضمان عليه لعدم الالجاء.
واستدل مالك ومن تابعه على وجوب الضمان بالسبب متصلا ومنفصلا بأن أسباب التلف المضمونة كحفر البئر وفتح القفص سبب للتلف فوجب أن يتعلق به الضمان، ولان كل ما تعلق به الضمان مع اتصاله بسببه جاز أن يتعلق به الضمان مع انفصاله عن سببه كالجارح يضمن إن تعجل التلف أو تأجل ودليلنا هو أن للحيوان اختيارا يتصرف به لما شاهد عيانا من قصده لمنافعه واجتنابه لمضاره، ثم لما قد استقر حكما من تحريم ما قد صاده باسترساله وتحليل ما صاده باسترسال مرسله، فإذا اجتمع السبب والاختيار تعلق الحكم على
الاختيار دون السبب كملقى نفسه مختارا من شاهق يسقط الضمان عن بانى الشاهق أو في بئر يسقط عن حافرها.
وطيران الطائر باختياره لانه غير ملجأ، وقد كان يجوز بعد فتح القفص أن لا يطير، فوجب إذا طار بعد الفتح أن لا يتعلق بالفتح ضمان، ولان طيران الطائر بفتح القفص كهرب العبد المحبوس إذا فتح حبسه فكما أن فاتح الحبس لا يضمنه إن هرب كذلك فاتح القفص لا يضمن الطائر إذا طار، ولان مثابته من فتح القفص عن طائر حتى طار بمثابة من هتك حرمة مال حتى سرق، ثم كان كما لو فتح باب دار فيها مال فسرق لم يضمنه.
وكذلك القفص إذا فتح بابه حتى طار طائر لم يضمن، ولان فتح القفص يكون تعديا على القفص دون الطائر، بدليل أنه لو مات الطائر في القفص بعد فتحه لم يضمنه، وما انتفى عنه التعدي لم يضمن به.*
*
- فأما الجواب عن استدلالهم بأن أسباب التلف مضمونة لحافر البئر يضمن ما سقط فيها، فهو أنهما سواء، وذاك أن من طبع الحيوان توقى المتالف.
فإذا سقط في البئر دل على أن سقوطه بغير اختياره فضمن الحافر، ولو علمنا أنه سقط باختياره بإلقاء نفسه عمدا سقط الضمان عن الحافر، والطير مطبوع على الطيران عند القدرة: إلا في أوقات الاستراحة، فإذا طار دل على أن طيرانه باختياره فسقط الضمان عن فاتح القفص ولو علمنا أنه طار بغير اختياره بالالجاء والتنفير وجب الضمان على فاتح القفص فكانا سواء.
فأما استدلالهم باستواء الاسباب فيما تعجل بها التلف أو تأجل فلاصحابنا في ضمانه إذا طار عقيب الفتح وجهان (أحدهما) لا يضمنه، فعلى هذا سقط السؤال فيه (الثاني) يضمنه.
فعلى هذا يكون الفرق بين أن يطير في الحال فيضمن، وبين أن يطير بعد زمان فلا يضمن هو أن الطير مطبوع على النفور من الانسان
قال الماوردى: فإذا طار في الحال علم أنه طار لنفوره منه فصار كتنفيره إياه وإذا لبث زمانا لم يوجد منه النفور فصار طائرا باختياره، فأما إذا أمر طفلا أو مجنونا بإرسال طائر في يده فأرسله فطار فهو كفتحه القفص في أنه إذا نفره أو أمر الطفل بتنفيره ضمن وان لم ينفره ولبث زمانا لم يضمنه، وان طار في الحال فعلى وجهين، ولو كان ساقطا على برج أو جدار فرماه بحجر فنفره فطار من تنفيره لم يضمنه لانه قبل التنفير لم يكن مقدورا عليه.
(فرع)
إذا رمى رجل حجرا في هواء داره فأصاب طائرا فقتله ضمنه سواء تعمد قتله أو لم يتعمده، لانه وان لم يتعد بالرمي في هواء داره فليس له منع الطائر من الطيران في هوائه، فصار كما لو رماه من غير هوائه وخالف دخول البهيمة إذا منعها بضرب لا تخرج الا به أنه لا يضمنها.
(فرع)
إذا فتح رجل مراح غنم فرعت زرعا فان كان الفاتح مالكها ضمن
الزرع، وان كان غيره لم يضمن، لانه لا يلزمه حفظها، وكذلك لو حل دابة مربوطة فأكلت شعيرا أو فولا لم يضمن لان الدابة هي المتلفة دونه وكذا لو كسرت اناء لم يضمنه لما عللناه.
(فرع)
قال الشافعي: ولو حل زقا 1 أو راوية فاندفقا ضمن الا أن يكون الزق يثبت مستندا وكان الحل لا يدفع ما فيه ثم سقط بتحريك أو غيره فلا يضمن لان الحل كان ولا جناية فيه.
وصورتها في زق أوكى على ما فيه فحل الوكاء حتى ذهب ما في الزق، فلا يخلو حال ما فيه من ثلاثة أقسام (أحدها) أن يكون من أرق المائعات قواما وأسرعها ذهابا كالخل والزيت واللبن فهذا على ضربين.
أحدهما: أن يكون فم الزق منكسا فعليه ضمان ما فيه، لان الذائب مع التنكيس لا يبقى، فكان هو المتلف له.
والضرب الثاني: أن يكون فم الزق مستعليا فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يميل في الحال فيذهب ما فيه فعليه ضمانه لانه متماسك بوكائه، فإذا حله كان بالحل تالفا، وليس كالدابة إذا حلها لان للدابة اختيارا
(والثانى)
أن يلبث بعد الحل متماسكا زمانا ثم يميل فيسقط فلا ضمان عليه وسواء كان الزق مستندا أو غير مستند لانه قد كان باقيا بعد الحل فعلم أن تلفه بغير الحل من هبوب ريح أو تحريك انسان.
والقسم الثاني: أن يكون ما في الزق ثخين القوام بطئ الذهاب كالدبس
(العجوة بالعسل أو مريب التمر) والعسل القوى فإذا حل وكاؤه فاندفع يسيرا بعد يسير حتى ذهب ما فيه، فان كان مستعلى الرأس فلبث زمانا لا يتدفق شئ منه ثم اندفع فلا ضمان، وان اندفع في الحال أو كان منكسا نظر، فان لم يقدر مالكه على استدراك سده حتى ذهب ما فيه فعليه الضمان وان قدر على الاستدراك لسده ففى الضمان وجهان.
(أحدهما)
عليه الضمان كما لو خرق ثوبه وهو قادر على منعه، لزمه الضمان ولا يكون قدرته على الدفع اختيارا وابراء، كذلك ها هنا.
والوجه الثاني: لا ضمان عليه، والفرق بينهما أنه في القتل والتحريق، وفى حل الوكاء غيره متسبب والسبب يسقط حكمه مع القدرة على الامتناع منه كمن حفر بئرا فمر بها انسان وهو يراها ويقدر على اجتنابها فلم يفعل حتى سقط فيها لم يضمنه الحافر.
ولو كان الزق مستعلى الرأس وهو يندفع بعد الحل يسيرا يسيرا فجاء آخر فنكسه حتى تعجل خروج ما فيه فذهب فعلى الاول ضمان ما خرج قبل التنكيس وفيما خرج بعده وجهان
(أحدهما)
أن ضمانه عليهما لاشتراكهما في سبب ضمانه كالجارحين (والوجه الثاني) أن ضمانه على الثاني وحده لسقوط السبب مع المباشرة فصار كالذابح بعد الجارح يسقط ببراءة الجارح ويتوجه للذابح.
والقسم الثالث: أن يكون ما في الزق جامدا كالسمن والدبس إذا جمدا ومريب الجزر والفواكه إذا جف ماؤهما وتبخر فيكشف بحل الوكاء أو بكشف الغطاء عن الاناء حتى تسطع عليه الشمس فيذوب ويذهب فان كان الزق أو الاناء
على حال لو كان ما فيها عند الحل أو الكشف ذائبا يعبأ في زقه وإنائه فلا ضمان عليه، وإن كان لا يعبأ لو كان ذائبا ففى ضمانه وجهان.
أحدهما: لا ضمان عليه
لان ذوبانه من تأثير الشمس لا من تأثير حله (والوجه الثاني) عليه الضمان لان بحله إياه وكشفه أثرت فيه الشمس فكان الحل أقوى سببا فتعلق به الضمان.
(فرع)
إذا أدنى من الجامد نارا بعد كشف إنائه وحل وكائه فحمى فذاب وذهب فلا ضمان على واحد منهما.
أما صاحب النار فلم يباشر بها ما يضمن به، وأما كاشف الاناء وحال الوكاء فلم يكن فعله جناية يضمن بها.
وصارا كسارقين ثقب أحدهما الحرز وأخرج الآخر المال لم يقطع واحد منهما، لان الاول هتك الحرز وبهتك الحرز لا يجب القطع.
والثانى: أخذ مالا غير محرز وأخذ المال من غير حرز لا يوجب القطع، فإن قيل: لم يضمن إذا ذاب بالشمس في أحد الوجهين ولم يضمن بالنار، قيل: لان طلوع الشمس معلوم، فصار كالقاصد له ودنو النار غير معلوم، فلم يصر قاصدا له ولكن لو كان كاشف الاناء وحال الوكاء هو الذى أدنى النار منه فذاب ضمن وجها واحدا بخلاف الشمس في أحد الوجهين، ولان إدناء النار من فعله وليس طلوع الشمس من فعله، وخالف حدوث ذلك من شخصين وصار كتفرده بهتك الحرز وأخذ ما فيه في وجوب القطع عليه ولا يجب الضمان لو كان من شخصين، بيد أن المصنف يقضى بأن عنده وجوب الضمان على صاحب النار قياسا على من حفر بئرأ وجاء آخر فدفع إليها آخر ضمن صاحب البئر، وفيما ذهب إليه المصنف نظر عندي والله أعلم بالصواب.* (فرع)
- وينبنى على ما تقدم أنه إذا حل رباط سفينة وترنحت في أحضان الموج فغرقت فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يكون غرقها في الحال من غير لبث فعليه الضمان لحدوث التلف بفعله (والضرب الثاني) أن يتطاول بها اللبث بعد الحل ثم تغرق بعد فهو على ضربين، أحدهما: أن يظهر سبب غرقها بحادث من ريح - أو موج
فلا ضمان عليه لتلفها بما هو غير منسوب إليه.
والضرب الثاني: أن لا يظهر
حدوث سبب لتلفها ففى ضمانها وجهان (احدهما) أنه لا يضمنها كما لا يضمن الزق إذا لبث بعد حله تم مال (والوجه الثاني) عليه الضمان بخلاف الزق لان الماء أحد المتلفات.
(فرع)
إذا نصب رصيصا من اللبن لحرقه (قمينة) حتى يجعر آجرا في غير المكان المخصص والوقت المناسب اللذين جرت عادة الناس بنصب الرصائص أو القمائن فيها كأن جاء في أوقات امتلاء الاجران بحصاد الحقول فأوقد في تنور اللبن بين الاجران أو وقت تعبئة القطن في الاكياس فطارت شرارة من النور إلى الاجران أو الاقطان فأحرقتها ضمن ما أتلف، أما إذا أعد الرصيص في أوانه ولم يكن وقت حصاد ولا جنى قطن، وكان لآخر صومعة فيها تبن أو طعام فطارت شرارة أصابت ما فيها فاحترق فلا ضمان عليه لانه غير متعد، وكذلك لو أروى أرضه في دوره فتسربت المياه إلى حقل جاره لم يضمن لانه غير متعد، فإذا أرواها في غير دوره - وهو الوقت المخصص له بترتيب أصحاب الحق في المياه - ثم تسربت إلى حقل جاره فأتلفته كان عليه ضمان المتلف، أما الثوب الذى حمله الريح من منشر الجار فألقاه في بيته فقد أسلفنا القول في الوديعة أنه وديعة يجب المبادرة إلى اعلام صاحبه به فإذا أخفاه أو تباطأ في اعلام صاحبه أو تلكأ كان عليه ضمانه وارتفعت يده من الامان إلى الضمان وإذا طار فلم يعلم به صاحب الدار حتى احترق بنار في داره أو بهيمة أكلته لم يضمنه، ولو علم به فإن لم يقدر على منعها لم يضمن، وان قدر على منعها فعليه الضمان، ولكن لو زاره عند حصول الثوب في داره فتركه، فإن كان مالكه غير عالم به فعليه اعلامه فإن لم يعلمه فهو ضامن، وان كان مالكه عالما به فهو غير ضامن، فإذا هبت ريح فاجتاحته فألقته
بعيدا فإن لم يستطع منعه فلا ضمان، وان قدر على منعه من الريح قتركه ففى ضمانه وجهان.
أحدهما: لا ضمان عليه لانه لم يكن منه ما يضمن به.
والثانى: عليه الضمان كما لو أكلته بهيمة يقدر على منعها، فلو أن الثوب حين أطارته الريح وقع في صبغ لصاحب الدار فانصبغ به فلا ضمان على واحد
منهما لا على صاحب الثوب ولا على صاحب الصبغ لعدم التعدي منهما، وفى حالة إمكان استخراج الصبغ من الثوب فاستخراجه ونقص الصبغ ونقص الثوب إن حدث نقص كل ذلك مهدر لا قيمة له في ذمة واحد منهما وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(فصل)
إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في تلف المغصوب، فقال المغصوب منه هو باق.
وقال الغاصب تلف فالقول قول الغاصب مع يمينه لانه يتعذر إقامة البينة على التلف وهل يلزمه البدل فيه وجهان.
أحدهما: لا يلزمه لان المغصوب منه لا يدعيه.
والثانى: يلزمه لانه بيمينه تعذر الرجوع إلى العين فاستحق البدل كما لو غصب عبدا فأبق.
(فصل)
وإن تلف المغصوب واختلفا في قيمته، فقال الغاصب قيمته عشرة، وقال المغصوب منه قيمته عشرون فالقول قول الغاصب، لان الاصل براءة ذمته فلا يلزمه إلا ما أقر به كما لو ادعى عليه دينا من غير غصب فأقر ببعضه
(فصل)
وإن اختلفا في صفته فقال الغاصب كان سارقا فقيمته مائة.
وقال المغصوب منه لم يكن سارقا فقيمته ألف فالقول قول المغصوب منه لان الاصل عدم السرقة.
ومن أصحابنا من قال: القول قول الغاصب لانه غارم، والاصل براءة ذمته مما زاد على المائة، فإن قال المغصوب منه: كان كاتبا فقيمته ألف،
وقال الغاصب: لم يكن كاتبا فقيمته مائة، فالقول قول الغاصب، لان الاصل عدم الكتابة وبراءة الذمة مما زاد على المائة، فإن قال المغصوب منه غصبتني طعاما حديثا، وقال الغاصب بل غصبتك طعاما عتيقا فالقول قول الغاصب، لان الاصل أنه لا يلزمه الحديث فإذا حلف كان للمغصوب منه أن يأخذ العتيق لانه أنقص من حقه.
(فصل) وان غصبه خمرا وتلف عنده ثم اختلفا فقال المغصوب منه صار خلا ثم تلف فعليك الضمان وقال الغاصب بل تلف وهو خمر فلا ضمان على فالقول قول الغاصب، لان الاصل براءة ذمته، ولان الاصل أنه باق على كونه خمرا.
(فصل)
وإن اختلفا في الثياب التى على العبد المغصوب، فادعى المغصوب منه أنها له، وادعى الغاصب أنها له، فالقول قول الغاصب لان العبد وما عليه في يد الغاصب فكان القول قوله والله أعلم (الشرح) الاحكام.
قال الشافعي: ولو غصبه جارية فهلكت فقال: ثمنها عشرة فالقول قوله مع يمينه.
قلت: قد ذكرنا أن المغصوب مضمون بأكثر قيمته في السوق والبدن ووقت الغصب إلى وقت التلف.
وقال أبو حنيفة: هو مضمون بقيمته وقت الغصب اعتبارا بحال التعدي، وهذا خطأ من وجهين
(أحدهما)
أن استدامة الفعل كابتدائه شرعا.
أما الشرع فقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا " أي استداموا الايمان، وقال تعالى " اهدنا الصراط المستقيم " أي ثبتنا على الهداية إليه، فاستوى حكم الابتداء والاستدامة في الاخبار والطلب وأما اللسان فهو أن مستديم الغصب بيمين في كل حال غاصبا.
ويقال قد غصب، وإن كان قد تقدم من الغصب
(والثانى)
أن الغصب عدوان يوجب الضمان كالجناية، فلما كانت براءة الجراح في الجناية إلى تلف النفس توجب ضمان ما حدث بعد الجرح، وجب أن يكون الحادث بعد الغصب في حكم الموجود في حال الغصب، ثم هو في الغصب أولى منه في الجناية لبقاء يده في الغصب وارتفاعها في الجناية، وفيما ذكرناه من المعاني الماضية في نمو البدن وزيادته دليل كاف فإذا ثبت هذا واختلفا في المغصوب فهو على ثلاثة أضرب: (أحدها) أن يختلفا في قيمته
(والثانى)
أن يختلفا في تلفه (والثالث) أن يختلفا في مثله.
فأما الضرب الاول وهو اختلافهما في قيمته فعلى ضربين:
(أحدهما)
أن يكون اختلافهما في القيمة مع اتفاقهما على الصفة، فيقول المغصوب منه قيمة مالى ألف.
ويقول الغاصب: قيمة مالك مائة فالقول قول الغاصب مع يمينه في قدر قيمته لامرين: أحدهما إنكاره الزيادة، والشرع في الانكار يجعل القول قول المنكر دون المدعى.
والثانى: أنه غارم والقول في الاصول قول الغارم
فإن قيل: فكلا المعنيين يفسد بالشفيع والشفيع منكر وغارم، فالجواب عنه من وجهين.
أحدهما: أن المشترى مالك فلم يكن للشفيع انتزاع ملكه إلا بقوله كما أن الغارم مالك، ولا يغرم إلا بقوله.
والثانى: أن المشترى فاعل الشراء فكان القول فيه قوله لانه من صنعه، وكذلك الغاصب فاعل الغصب وهو من صنعه فكان القول فيه قوله، فحل المشترى بهذين محل الغارم وسلم المعنيان.
فإن كان للمغصوب منه بنية على ما ادعاه من القيمة سمعت وهى شاهدان أو امرأتان وشاهد أو شاهد ويمين، فإن شهدت بينه بأن قيمة المغصوب وقت الغصب أو وقت التلف أو فيما بين الغصب والتلف كذا حكم بها لان الغاصب
ضامن لقيمته في هذه الاحوال كلها، وإن شهدت بينة بأن قيمته كانت ألفا قيل الغصب لم يحكم بها لان ما قبل الغصب غير مضمون على الغاصب لكن كان بعض أصحابنا يقول: إنه يصير لاجل هذه البينة القول قول المغصوب منه مع يمينه، لان الاصل بقاء هذه القيمة ما لم يعلم نقصها وهذا غير صحيح، لان ما قبل الغصب غير معتبر، والبينة فيه غير مسموعة ولو جاز أن يصير القول بها قول المشهود له لجاز الاقتصار عليها من غير يمين، فإن شهدت البينة بصفات المغصوب دون قيمته ليستدل بها على قدر القيمة لم يجز أن يحكم بها لامرين.
أحدهما: أن تقويم ما لا مثل له بالصفة باطل.
والثانى: أن اختلافهما في القيمة دون الصفة فلم تسمع البينة في غير ما تداعياه واختلفا فيه.
والضرب الثاني: أن يكون اختلافهما في الصفه فهو على نوعين أحدهما: أن تكون صفة زائدة.
والثانى: أن تكون صفة نقص.
فأما صفة الزيادة فترد دعوى المغصوب منه وصورتها.
أن يقول المغصوب منه قيمة سيارتي ثلاثة آلاف لانها مرسيدس أو كاديلاك 7 راكب موديل 68 ويقول الغاصب قيمتها ألف لانها مرسيدس أو كاديلاك سعة 5 راكب موديل 69 فالقول قول الغاصب مع يمينه لا يختلف لوجود المعنيين فيه وهما الغرم والانكار.
وأما صفه النقص فهو دعوى الغاصب وصورتها أن يقول الغاصب قيمة السيارة التى غصتها منك
مائة لانها مستهلكه ومحركها ضعيف وفراملها ناعمه وهى ماركة فيات أو فكسهول موديل.
فيقول المغصوب منه قيمتها ألف لانها ليست مستهلكه ومحركها سليم وفراملها قويه ففيه وجهان لاختلاف المعنيين أحدهما أن القول قول الغاصب مع يمينه تعليلا بغرمه والثانى.
القول قول المغصوب منه
مع يمينه تعليلا بانكاره.
وأما الضرب الثاني وهو اختلافهما في تلفه فصورته أن يقول المغصوب منه سيارتي باقيه في يدك ويقول الغاصب، قد تلفت وذهبت أجزاؤها في (وكالة البلح 1) فالقول قول الغاصب مع يمينه ثم فيه وجهان أحدهما، أنه لا شئ عليه للمغصوب منه ما لم يصدقه على تلفها، لانه لا يدعى القيمه وإنما يدعى عينها وقد حلف الغاصب على تلفها، والوجه الثاني، أن عليه القيمه للمغصوب منه لانه وإن كان منكرا للتلف فيمين الغاصب ما تلفت ولا قدرة له عليها فصارت كالتالفه يلزم الغاصب قيمتها مع بقاء عينها إذا كانت باقيه.
وأما الضرب الثالث وهو اختلافهما في مثله فعلى ثلاثة أضرب أحدها.
أن يختلفا في صفات المثل كقول المغصوب منه غصبتني طعاما حديثا فيقول الغاصب بل طعاما عتيقا أو قديما فالقول قول الغاصب مع يمينه تعليلا بالمعنيين من الانكار والغرم، ثم للمغصوب منه أن يتملك ذلك لانه أنقص من حقه الذى يدعيه.
والضرب الثاني.
أن يختلفا في أصل المثل كقول المغصوب منه، لما غصبته مثل، وقول الغاصب، ليس له مثل فلا اعتبار باختلافهما ويرجع فيه إلى اجتهاد الحكام، فان حكموا له بمثل طولب به، وإن حكموا فيه بالقيمة أخذت منه، والضرب الثالث أن يختلفا في وجود المثل كقول المغصوب منه، المثل موجود وقول الغاصب بل المثل معدوم، فيكشف الحاكم عن وجوده، ويقطع تنازعهما
فيه، فإن وجده ألزم الغاصب دفع المثل رخيصا كان أو غالبا، وإن عدمه خير المغصوب منه بين أن يصبر إلى وجود المثل فإن تعجل أخذ القيمه ثم وجد المثل بعد ذلك فلا حق له فيه وقد استقر ملكه على ما أخذ من قيمته بخلاف الرقيق إذا أخذت قيمته ثم وجد، والفرق بينهما أن قيمة الآبق أخذت عند الاياس منه فلزم ردها بعد القدرة عليه، وقيمة المثل أخذ مع العلم بالقدرة عليه من بعد فلم يلزم ردها بعد القدرة عليه، وإن جهد إلى وجود المثل ثم رجع مطالبا بالقسمة قبل الوجود فذلك له لتعجل حقه بخلاف السلم في الشئ إلى مدة تنقطع فيها فرضى المسلم بالصبر إلى وجوده فلا يكون له الرجوع قبله.
والفرق بينهما أن تقدير وجود السلم عيب فإذا رضى به لزمه ذلك بالعقد.
وصبر المغصوب منه إلى وجود المثل إنظار وتأجيل تطوع به فلم يلزم.
(فرع)
ولو غصب رجل عصيرا فصار في يده خلا رجع به المغصوب منه وينقص إن حدث في قيمته، ولو صار العصير خمرا رجع على الغاصب بقيمته عصيرا لان الخمر لا قيمة له، وهل له أخذ الخمر أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ الاسفرايينى - إنه ليس له أخذه لوجوب إراقته وإتلافه.
والوجه الثاني: له أخذه لانه قد شفع بإراقته في بئر أو مسقى حيوان، فلو صار الخمر في يد الغاصب خلا رجع به المغصوب منه، وفى رجوعه عليه بالقيمه وجهان كنقص المرض إذا زال أحدهما: يرجع بالقيمة لوجوبها.
والثانى - لا يرجع عليه لعدم استقرارها.
وإذا غصبه خمرا فصار في يده خلا صار حينئذ مضمونا عليه لكونه خلا ذا قيمه، فلو اختلط بعد تلفه فقال المالك: صار خلا فعليك ضمانه، وقال الغاصب: بل تلف في يدى خمرا على حاله فالقول قول الغاصب مع يمينه اعتبارا ببراءة ذمته، فلو صار الخمر بعد غصبه خلا ثم عاد الخل فصار خمرا ضمنه مع بقاء
عينه لانه بمصيره خمرا قد صار تلفا، فلو عاد ثانية فصار خلا رد على المغصوب منه، وهل يضمن قيمته مع رده على وجهين أحدهما: لا ضمان عليه لعوده إلى ما كان عليه، والوجه الثاني: عليه الضمان لاستقراره عليه فلم يسقط عنه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: