المجموع شرح المهذبصفحات 265-304
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأطعمة

صفحات 265-304
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

السابق بالرهن والتسليم رجع إلى الراهن.
فإن قال لا أعلم السابق منكما بذلك فان صدقاه أنه لا يعلم ولا بينة لهما ففيه وجهان (أحدهما) وهو المنصوص أن الرهن ينفسخ لانهما قد استويا في ذلك، والبيان من جهته قد تعذر، فحكم بانفساخ العقدين كما تقول في المرأة إذا زوجها وليان لها من رجلين، وتعذر معرفة السابق منهما، والثانى يقسم بينهما لانه يمكن قسمته بينهما، ويمكن أن يكون رهن عند كل واحد منهما نصفه.
وإن كذباه وقال بل نعلم السابق من العقدين والتسليم فيه فالقول قول الراهن مع يمينه لان الاصل عدم العلم، قال الشيخ أبو حامد: فيحلف لكل منهما يمينا أنه لا يعلم أنه السابق، فإذا أحلف لهما كانت على وجهين سبق ذكرهما، حيث قلنا: المنصوص أنه ينفسخ العقدان.
والوجه الثاني يقسم بينهما وإن نكل عن اليمين - أي خاف منها وامتنع من أدائها - عرضنا اليمين عليهما فان حلف كل واحد منهما أن الراهن يعلم أنه السابق.
قال ابن الصباغ: كانت على الوجهين الاولين.
المنصوص أن الرهنين ينفسخان.
والثانى يقسم بينهما.
وان حلف أحدهما ونكل الآخر حكم بالرهن للحالف دون الآخر وإن اعترف الراهن أنه يعلم السابق منهما، وقال هذا هو السابق - لم يخل اما أن يكون الرهن في يد الراهن أو في يد أجنبي، أو في يد المقر له بالسبق حكم بالرهن للمقر له لانه اجتمع له اليد والاقرار، وهل يحلف الراهن للآخر.
فيه قولان.
وحكاهما الشيخ ابو حامد وجهين، المنصوص أنه لا يحلف له لانه ربما خاف من اليمين وأقر للثاني لم ينزع الرهن، فنؤخذ منه القيمة فيكون رهنا مكانه.
فإذا قلنا لا يمين عليه فلا كلام، وان قلنا عليه اليمين نظرت، فان حلف للثاني انصرف، وان أقر للثاني أنه رهنه أولا وأقبضه وخاف من اليمين رفضنا هذا الاقرار في حق المقر له أولا بانتزاع الرهن منه، ولكن يؤخذ من المقر قيمة الرهن وتجعل رهنا عند المقر له الثاني، لانه حال بينه وبينه باقراره المتقدم قال في البيان: وان نكل عن اليمين ردت على الثاني، وان لم يحلف قلنا له اذهب فلا حق لك، وان حلف، فان قلنا ان يمين المدعى مع نكول المدعى عليه كالبينة انتزع الرهن من الاول وسلم إلى الثاني

قال الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: إلا أن أصحابنا لم يفرعوا على هذا القول وهذا يدل على ضعفه قال العمرانى: وإن قلنا إن يمين المدعى مع نكول المدعى على كالاقرار، فذهب أبو إسحاق في المهذب في هذا ثلاثة أوجه (أحدها) ولم يذكر في التعليق والشامل غيره، أن الرهن لا ينزع من يد الاول، ويلزم المقر أن يدفع قيمته إلى المقر له الثاني ليكون رهنا عنده لانه حال بينه وبينه باقراره الاول.

(والثانى) يجعل بينهما لانهما استويا في الاقرار، ويجوز أن يكون مرهونا عنده منها (والثالث) ينفسخ الرهنان لانه أقر لهما، وجهل السابق منهما، وان كان الرهن في يد الذى لم يقر له، فقد حصل لاحدهما الاقرار وللآخر اليد، وفيه قولان (أحدهما) أن صاحب اليد أولى، فيكون القول قوله مع يمينه أنه السابق كما لو قال " بعت هذا العبد من أحدهما " وكان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه (والثانى) أن القول قول الراهن أن الآخر هو السابق، لانه إذا اعترف أن السابق هو الآخر فهو يقر أنه لم يرهن من بيده شيئا، ومن بيده يدعى ذلك، كما لو ادعى عليه أنه رهنه فإذا قلنا بهذا فهل يحلف الراهن لمن بيده؟ على القولين فيمن أقر لزيد بدار ثم أقر بها لعمرو على ما سبق، وان كان الرهن في يد المرتهنين فقد اجتمع لاحدهما اليد والاقرار في النصف، فيكون أحق به، وهل يحلف للآخر عليه، على القولين وأما النصف الذى في يد الآخر فهل اليد أقوى أم الاقرار، على القولين الاولين، فان قلنا ان اليد أقوى حلف من هو بيده عليه وكان رهنا بينهما، وهل يحلف لمن يقر له على النصف الذى بيد المقر له، على القولين فان قلنا الاقرار أولى انتزع الرهن فجعل رهنا للمقر له.
وهل يحلف للآخر على جميعه، على القولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، والمنصوص أنه لا يحلف.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أعتق الراهن العبد المرهون ثم اختلفا فقال الراهن أعتقته باذنك، وأنكر المرتهن الاذن فالقول قوله لان الاصل عدم الاذن، فإن نكل عن اليمين حلف الراهن وان نكل الراهن فهل ترد على العبد؟ فيه طريقان.
(احدهما) أنه على قولين بناء على رد اليمين على غرماء الميت.
قال في الجديد لا ترد، لانه غير المتراهنين فلا ترد عليه اليمين، وقال في القديم: ترد لانه يثبت لنفسه حقا باليمين، ومن أصحابنا من قال: ترد اليمين على العبد قولا واحدا لان العبد يثبت باليمين حقا لنفسه وهو العتق خلاف غرماء الميت.

(فصل) وإن كان المرهون جارية فادعى الراهن أنه وطئها بإذن المرتهن، فأتت بولد لمدة الحمل وصدقه المرتهن، ثبت نسب الولد وصارت الجارية أم ولد وان اختلفا في الاذن أو في الولد أو في مدة الحمل فأنكر المرتهن شيئا من ذلك فالقول قوله، لان الاصل في هذه الاشياء العدم.

(فصل) فان كان عليه ألف برهن وألف بغير رهن فدفع إليه ألفا ثم اختلفا نظرت، فان اختلفا في اللفظ فادعى المرتهن أنه قال هي عن الالف التى لا رهن بها.
وقال الراهن بل قلت هي عن الالف التى بها الرهن، فالقول قول الراهن لانه منه ينتقل إلى المرتهن.
فكان القول قوله في صفة النقل.
وان اختلفا في النية فقال الراهن نويت أنها عن الالف التى بها الرهن.
وقال المرتهن بل نويت أنها عن الالف التى لا رهن بها فالقول قول الراهن لما ذكرناه في اللفظ، ولانه أعرف بنيته، وإن دفع إليه الالف من غير لفظ ولا نية ففيه وجهان.
قال أبو إسحاق يصرفه إلى ما شاء منهما، كما لو طلق إحدى المرأتين.
وقال أبو على بن أبى هريرة يجعل بينهما نصفين لانهما استويا في الوجوب فصرف القضاء اليهما.

(فصل) وإن أبرأ المرتهن الراهن عن الالف ثم اختلفا نظرت.
فان اختلفا في اللفظ فادعى الراهن أنه قال أبرأتك عن الالف التى بها الرهن.
وقال المرتهن بل قلت أبرأتك من الالف التى لا رهن بها فالقول قول المرتهن، لانه هو الذى يبرئ، فكان القول في صفة الابراء قوله، فان اختلفا في النية فقال الراهن:

نويت الابراء عن الالف التى بها الرهن، وقال المرتهن نويت الابراء عن الالف التى لا رهن بها، فالقول قول المرتهن، لما ذكرناه في اللفظ، ولانه أعرف بنيته فإن أطلق صرفه إلى ما شاء منهما في قول أبى إسحاق، وجعل بينهما في قول أبى على بن أبى هريرة.

(فصل) وان ادعى المرتهن هلاك الرهن فالقول قوله مع يمينه، لانه أمين، فكان القول قوله في الهلاك كالمودع، وإن ادعى الرد لم يقبل قوله، لانه قبض العين لمنفعة نفسه فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر.

(فصل) وان كان الرهن على يد عدل قد وكل في بيعه فاختلفا في النقد الذى يبيع به باعه بِنَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ متساويان باع بما هو أنفع للراهن لانه ينفع الراهن ولا يضر المرتهن، فوجب به البيع، فإن كانا في النفع واحدا فان كان أحدهما من جنس الدين باع به، لانه أقرب إلى المقصود، وهو قضاء الدين، فان لم يكن واحد منهما من جنس الدين باع بأيهما شاء، لانه لا مزية لاحدهما على الآخر ثم يصرف الثمن في جنس الدين.
(الشرح) الاحكام: أظهر ما يدخل في هذا الفصل أنه إذا كاتب عبدا ثم أقر أنه كان جنى قبل ذلك لم يقبل إقراره بذلك لان المكاتب بمنزلة من زال ملكه عنه لان أرش الجناية لا يرجع عليه، وان كاتبه ثم أقر أنه أعتقه أو باعه قبل ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: عتق في الحال وسقط المال عنه لان اقراره بذلك ابراء منه له من مال الكتابة وكلام المصنف في سائر الفصل ظاهر.
والفصول الاخرى بعضها ظاهر المعنى، والآخر مر في الباب أحكامه وتفصيله فلا حاجة بنا للاطالة في اعادته وبالله التوفيق.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب التفليس

إذا كان على رجل دين، فان كان مؤجلا لم يجز مطالبته، لانا لو جوزنا مطالبته سقطت فائدة التأجيل، فان أراد سفرا قبل محل الدين، لم يكن للغريم منعه، ومن أصحابنا من قال ان كان السفر مخوفا كان له منعه، لانه لا يأمن أن يموت فيضيع دينه، والصحيح هو الاول، لانه لا حق له عليه قبل محل الدين، وجواز أن يموت لا يمنع من التصرف في نفسه قبل المحل، كما يجوز في الحضر أن يهرب ثم لا يملك حبسه لجواز الهرب، وان قال أقم لى كفيلا بالمال، لم يلزمه، لانه لم يحل عليه الدين فلم يملك المطالبة بالكفيل، كما لو لم يرد السفر، وان كان الدين حالا نظرت، فان كان معسرا لم يجز مطالبته لقوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " ولا يملك ملازمته لان كل دين لا يملك المطالبة به لم يملك الملازمة عليه كالدين المؤجل، فان كان يحسن صنعة فطلب الغريم أن يؤجر نفسه ليكسب ما يعطيه لم يجبر على ذلك لانه اجبار على التكسب فلم يجز كالاجبار على التجارة، وان كان موسرا جازت مطالبته.
لقوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". فدل على أنه إذا لم يكن ذا عسرة لم يجب انظاره، فان لم يقضه ألزمه الحاكم، فان امتنع، فان كان له مال ظاهر باعه عليه لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " ألا ان الاسيفع أسيفع جهينه رضى من دينه أن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح وقد رين به، فمن له دين فليحضر، فانا بايعو ماله وقاسموه بين غرمائه " وان كان له مال كتمه حبسه وعزره حتى يظهره، فان ادعى الاعسار نظرت، فان لم يعرف له قبل ذلك مال فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم المال، فان عرف له المال لم يقبل قوله، لانه معسر الا ببينة، لان الاصل بقاء المال، فان قال غريمي يعلم أنى معسر، أو أن مالى هلك فحلفوه حلف، لان ما يدعيه محتمل، فان أراد أن يقيم البينة على هلاك المال قبل فيه شهادة عدلين.

فان أراد أن يقيم البينة على الاعسار لم يقبل الا بشهاة عدلين من أهل الخبرة والمعرفة بحاله، لان الهلاك يدركه كل أحد والاعسار لا يعلمه الا من يخبر باطنه، فان أقام البينة على الاعسار وادعى الغريم أن له مالا باطنا فطلب اليمين عليه، ففيه قولان (أحدهما) لا يحلف، لانه أقام البينة على ما ادعاه فلا يحلف، كما لو ادعى ملكا وأقام عليه البينة.

(والثانى) يحلف لان المال الباطن يجوز خفاؤه على الشاهدين، فجاز عرض اليمين فيه عند الطلب، كما لو اقام عليه البينة بالدين وادعى أنه أبرأه منه، وان وجد في يده مال فادعى أنه لغيره نظرت، فان كذبه المقر له بيع في الدين لان الظاهر أنه له، وان صدقه سلم إليه.
فان قال الغريم أحلفوه لى أنه صادق في اقراره ففيه وجهان (أحدهما) يحلف لانه يحتمل أن يكون كاذبا في اقراره (والثانى) لا يحلف وهو الصحيح، لان اليمين تعرض ليخاف فيرجع عن الاقرار، ولو رجع عن الاقرار لم يقبل رجوعه فلا معنى لعرض اليمين.
(الشرح) خبر عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الموطأ والدارقطني وابن أبى شيبة والبيهقي وعبد الرزاق بألفاظ سنوردها أما لغات الفصل فان الفلس مأخوذ من الفلوس وهو أخس مال الرجل، لان أقل صنوف النقود هو الفلس وهو عند اخواننا أهل العراق والشام يساوى مليما عند أهل مصر والسودان والهللة عند اخواننا أهل الحجاز ونجد، والبقشة عند اخواننا أهل اليمن، وقد دخل لفظ الفلس في لغات أهل أوربا بلهجتهم، فقالوا البنس والبيزا.
قال في المصباح: وبعضهم يقول أفلس الرجل أي صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم فهو مفلس، والجمع مفاليس، وحقيقته الانتقال من حالة اليسر إلى حالة العسر، وفلسه القاضى تفليسا نادى عليه وشهره بين الناس بأنه صار مفلسا والفلس الذى يتعامل به جمعه في القلة أفلس وفى الكثرة فلوس.
ومن هنا كان المفلس هو الذى يملك مالا تافها، وقد ورد في الحديث هو

الذى لا مال له، فقد أخرج مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال " أتدرون من المفلس.
قالوا يا رسول المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال ليس ذلك المفلس.
ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال.
ويأتى وقد ظلم هذا ولطم هذا وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فان بقى عليه شئ أخذ من سيئاتهم فرد عليه ثم صك له صك إلى النار " فقولهم ذلك اخبار عن حقيقة المفلس والرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد نفى الحقيقة.
بل أراد أن فلس الآخرة أشد وأعظم بحيث يصير مفلس الدنيا بالنسبة إليه كالغنى وذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم " ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يغلب نفسه عند الغضب " وقوله صلى الله عليه وسلم " ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس " وقوله " ليس السابق من سبق بعيره.
وانما السابق من غفر له " وقول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت

  • انما الميت ميت الاحياء وسموه مفلسا لان ماله مستحق.
    وفى اصطلاح الفقهاء: من ديته أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله الصرف في جهة دينه فكأنه معدوم.
    وقوله الاسيفع تصغير أسفع والانثى سفعاء.
    والسفعة سواد مشرب بحمرة الاحكام: إذا كان على الرجل دين فلا يخلو اما أن يكون حالا أو مؤجلا.
    فان كان حالا فان كان معسرا لم تجز مطالبته لقوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة " ولا يجوز لغريمه ملازمته وبه قال مالك.
    وقال أبو حنيفة ليس للغريم مطالبته ولكن له ملازمته فيسير معه حيث سار ويجلس معه حيث جلس الا أنه لا يمنعه من الاكتساب.
    وإذا رجع إلى داره فان أذن لغريمه بالدخول معه دخل معه وان لم يأذن له بالدخول كان للغريم منعه من الدخول دليلنا قوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " فأمر بانظار المعسر فمن قال انه يلازمه خالف ظاهر الآية.
    وروى أن رجلا ابتاع ثمرة فأصب بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يف بما عليه.
    ثم قال تصدقوا عليه فتصدقوا عليه فلم يف بما عليه.
    فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه " خذوا ما وجدتم

ما لكم غيره " وهذا نص، ولان كل من لا مطالبة له لم يجز ملازمته، كما لو كان الدين مؤجلا، فإن كان الذى عليه الدين يحسن صنعة لم يجبر على الاكتساب بها ليحصل ما يقضى به دينه.
وهذا من أعظم مقاصد الشريعة الغراء في أن الحرية الشخصية أثمن من كل شئ فلا يعدلها مال ولا دين، ولا يقيدها غريم ولا سلطان، بل ان اكتسب وحصل معه مال يفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته قضى به الدين.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وعامة أهل العلم ما دام معسرا وقال أحمد وإسحاق بن راهويه يجبر على الاكتساب لقضاء الدين، وبه قال عمر بن العزيز وعبيد الله بن الحسن العنبري وسوار القاضى دليلنا حديث الرجل الذى ابتاع الثمرة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم غرماءه أن يأخذوا ما معه وقال " خذوا ما وجدتم ما لكم غيره " ولم يأمره بالاكتساب لهم، ولان هذا إجبار على الاكتساب فلم يجب ذلك، كما لا يجبر على قبول الوصية، وكذلك لو تزوج امرأة بمهر كبير لم يجبر على طلاقهما قبل الدخول ليرجع إليه نصفه، فإن كان موسرا جازت مطالبته لقوله تعالى " وان كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " فأوجب إنظار المعسر، فدل على أن الموسر لا يجب إنظاره، فان لم يقضه أمره الحاكم بالقضاء، فان لم يفعل - فان كان له مال ظاهر - باع الحاكم عليه ماله وقضى الغريم، وان قضى الحاكم الغريم شيئا من مال من عليه الدين جاز، وبه قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حنيفة لا يجوز أن يبع ماله عليه ولكن يحبسه حتى يقضى الدين بنفسه وان كان الدين مؤجلا لم يجز مطالبته به قبل حلول الاجل، لان ذلك يسقط فائدة التأجيل، فإذا أراد أن يسافر قبل حلول الدين سفرا يزيد على الاجل نظرت فان كان لغير الجهاد لم يكن للغريم منعه ولا مطالبته بأن يقيم له كفيلا يدينه ولا أن يعطيه رهنا.
قال الشافعي رضى الله عنه: ويقال له حقك حيث وضعته، يعنى أنك رضيت حال العقد أن يكون مالك عليه بلا رهن ولا ضمين، وحكى أصحابنا عن مالك رحمه الله أنه قال: له مطالبته بالكفيل أو الرهن

دليلنا أنه ليس له مطالبته بالحق فلم يكن له مطالبته بالكفيل والرهن، كما لو لم يرد السفر.
وإن كان السفر للجهاد ففيه وجهان، من أصحابنا من قال له منعه إلى أن يقيم له كفيلا أو يعطيه رهنا بدينه، لان الشافعي رحمه الله قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين، ولم يفرق بين الحال والمؤجل، ولان المجاهد يعرض نفسه للقتل طلبا للشهادة، فلم يكن بد من إقامة الكفيل أو الرهن، ليستوفى صاحب الدين دينه منه.
فإذا حل الدين وكان له مال ظاهر باع الحاكم عليه ماله وقضى الدين.
دليلنا ما روى أن عمر رضى الله عنه صعد المنبر وقال: ألا إن الاسيفع أسيفع جهينة رضى من دينه، فادان معرضا فأصبح وقد رين به، فمن كان له دين فليحضر فانا بايعوا ماله.
وروى: رضى من دينه وأمانته أن يقال سابق الحاج، وروى سبق الحاج فادان معرضا فأصبح قد رين به، فمن كان له عليه دين فليحضر غدا فانا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه.
وروى: فمن كان له دين فليعد بالغداة فلنقسم ماله بينهم بالحصص.
وان هذا بمجمع من الصحابة رضى الله عنهم ولم ينكر عليه أحد، فدل على أنه إجماع قوله " فادان معرضا " أي أنه يتعرض الناس فيستدين ممن أمكنه ويشترى به الابل الجياد، ويروح في الحاج فيسبق الحاج.
وقوله " فأصبح قد رين به " يقال رين بالرجل إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به، ويقال إنما عليك وعلاك قد ران بك وران عليك.
قال الله تعالى " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب.
وإن امتنع من عليه الدين من القضاء وكتم ماله عزره الحاكم وحبسه إلى أن يظهر ماله، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لئ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته " رواه الشيخان وأبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وابن حبان وصححه عن عمرو بن الشريد عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ وكيع: عرضه شكايته، وعقوبته حبسه.
(قلت) لم يرد أن يقذفه أو يطعن في نسبه، إنما يوصف بالظلم والعدوان.
وقوله " لى الواجد " اللى المطل.
يقال لويته ألويه ليا

وأما إذا لم يكن له مال وقال: أنا معسر وكذبه الغريم نظرت، فإن حصل بمعاوضة كالديون التجارية وهى تختلف في عصرنا هذا عن الديون المدنية، وهى في عرف الفقهاء أعنى ديون المعاوضة مثل البيع والسلم والقرض فتشمل الديون المدنية والتجارية، أما غير المعاوضة فهى الديون الجنائية ومهر الزوجة، أقول إذا كان الدين من الصنف الاول، وأنه قد صرف له قبل ذلك لم تقبل دعواه أنه معسر، لانه قد ثبت ملكه للمال، والاصل بقاؤه، فلا نقبل قوله في الاقرار، بل يحبسه الحاكم - وهو ما يعمل به في المحاكم والوضعية من الحكم بالسجن على المتفالس، الذى يأخذ أموال الناس وبضائعهم ويدعى الافلاس فيسقط اعتباره ويسجن إلى خمس سنين - فان قال: غريمي يعلم أنى معسر أو أن مالى هلك.
فان صدقه الغريم على ذلك خلى من الحبس.
وإن كذبه حلف الغريم أنه ما يعلم أنه معسر أو ما يعلم أن ماله هلك وحبس من عليه الدين، فان أراد أن يقيم البينة على الاعسار لم تقبل إلا من شهادة شاهدين من أهل الخبرة والتحقيق واستقصاء أوجه الدخل والخرج كمحاسبين أمينين وهذا هو نصهم " من أهل الخبرة الباطنة " فان كانت البينة من أهل الخبرة الباطنة سمعت.
وقال مالك رضى الله عنه: لا تسمع لانها شهادة على النفى فلم تقبل.
دليلنا حديث قبيصة بن المخارق الهلالي عند مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يا قبيصة بن مخارق لا تحل المسألة إلا لثلاثة، رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه أن به حاجة، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما " وما ذكر من أنها شهادة نفى غير صحيح، لانها وان كانت تتضمن النفى فهى تثبت حالا تظهر ويقف عليها الشاهد كما لو شهد أن لا وارث له غير هذا.
وان أراد أن يقيم البينة على تلف ماله، قبلت شهادة عدلين سواء كانا من أهل الخبرة أم لا، لان التلف أمر يدركه كل واحد من خلطائه أو المباشرين له أو من كانوا من المال عن كثب، كأن كانوا عمالا عنده أو عند جيرانه أو مالك

العين التى يشغلها في عمله أو متجره، أو كان من عملائه والمترددين عليه أو نحوهم ممن تربطهم بالاطلاع على التلف أسباب.
فإن طلب الغريم يمينه مع ذلك لم يحلف لان في ذلك تكذيبا للشهود، وقدحا في البينة.
إذا ثبت هذا: فإن البينة في كلتا الحالتين تسمع في الحال ويخلى سبيله من الحبس.
وقال أبو حنيفة تسمع في الحال ويحبس من عليه الدين شهرين، وروى ثلاثة أشهر، وروى أربعة أشهر.
وقال الطحاوي " يحبس شهرين " والمقصود من حبسه أن يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لاظهره، وهذا ليس بصحيح لان كل بينة جاز سماعها بعد مدة جاز سماعها حالا كسائر البينات.
وكم عدد البينة التى تقبل في الاعسار؟ قال أصحابنا البغداديون: تقبل فيه شهادة ذكرين عدلين كشهادة التلف مع زيادة الخبرة بباطن حال المفلس، وهو قول أصحاب أحمد.
وقال المسعودي لا تقبل أقل من ثلاثة رجال ويحلف معهم ولعله يحتج بخبر قبيصة بن المخارق الهلالي في عددهم.
فإن أقام البينة على الاعسار فقال الغريم: له مال باطن لا تعلم به البينة، وطلب يمينه على ذلك، ففيه قولان (أحدهما) لا يجب عليه أن يحلف وهو قول أبى حنيفة، لان فيه تكذيبا للشهود (والثانى) يجب عليه أن يحلف فإن لم يحلف حبس.
وقال الخرقى من أصحاب أحمد: ومن وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته.
وقال ابن المنذر: اكثر من نحفظ عنه من علماء الامصار وقضاتهم يرون الحبس في الدين، منهم مالك والشافعي وأبو عبيد والنعمان وسوار وعبيد الله بن الحسن، ولم يذكر الشيخ أبو حامد من أصحابنا في التعليق غير أنه يجب عليه أن يحلف، فان لم يحلف حبس، لانه يجوز أن يكون له مال باطن خفى على البينة، وقد يكون لرجل مال لا يعلم به أقرب الناس إليه، وقد يكون لاحد الزوجين مال ولا يعلم به الآخر.
وإن ثبت عليه الدين في غير معاوضة مثل جنايته على غيره أو إتلافه عليه ماله

ولم يعلم له قبل ذلك مال.
وادعى أنه معسر.
فالقول قوله مع يمينه أنه معسر، لان الاصل الفقر حتى يعلم اليسار.
وفى الحديث الشريف " إن ابن آدم خلق ليس عليه شئ الا قشرتاه، ثم يرزقه الله ". فإذا حلف ثم ظهر له غريم آخر.
قال الصيمري: لم يحلف له ألبتة لانه قد ثبت اعساره باليمين الاولى، وان كان في يده مال فقال هو لزيد وديعة أو مضاربة فان كان المقر له غالبا حلف من عليه الدين وسقطت عنه المطالبة، لان الاصل عدم العسر، وما ذكره الصيمري ممكن جدا.
وان كان المقر له حاضرا رجع إليه، فان كذبه قسم المال بين الغرماء، وان صدقه حكم للمقر له، فان طلب يمين المقر أنه صادق في اقراره فهل يجب احلافه فيه وجهان.
أحدهما: لا يجب احلافه لانه لو رجع عن اقراره لم يقبل فلا معنى لا حلافه والثانى: أنه يجب احلافه، فان لم يحلف حبس لجواز أن يكون واطأ المقر له على ذلك، فان طلب الغريم يمين المقر له أن المال له.
قال ابن الصباغ: فعندي أنه يحلف لانه لو أكذب المقر ثبت المال للغرماء، فإذا صدقه حلف.
إذا ثبت هذا، فكل من حكمنا باعساره بالبينة، فانه لا يحبس، وكل من لم يحكم باعساره يحبس ولا غاية للحبس عندنا، بل يحبس حتى ينكشف ثلاثة أيام أو اربعة أيام فإذا ثبت اعساره خلى، ولا تمنع المسألة عنه.
وقال أبو حنيفة في الاصول: يحبس أربعة أشهر.
وقال في موضع ثلاثة أشهر وقال في موضع ثلاثين يوما.
وقال أصحابه: ليس هذا على سبيل التحديد، وانما هو على قدر حال المفلس، فان كان ممن لا يعلم بحاله الا بحبس أربعة أشهر حبس قدر ذلك، وكذلك إذا كان لا يعلم بحاله الا بحبس ثلاثة أشهر حبس قدر ذلك دليلنا: أنه لا سبيل إلى العلم بحاله من طريق القطع، وانما يعلم بحاله من طريق الظاهر، وذلك يعلم بحبس ثلاثة أيام أو أربعة، وما أشبه ذلك، وإذا حبسه الغريم فليس له حبسه عن النوم والاكل.
وفى نفقته بالحبس وجهان، حكاهما الصيمري في الايضاح المذهب انها في مال

نفسه، والثانى: أنها على الغريم، فان كان المحبوس ذا صنعة - قال الصيمري: قد قيل: يمكن منها لانه يقضى بما يحصل منها دينه.
وقيل: يمنع منها إذا علم أن ذلك يراخى أمره ولا معصية عليه بترك الجمعة والجماعة، ان كان معسرا.
وقيل يلزمه استئذان الغريم عند ذلك حتى يمنعه، فيسقط عنه الحضور.
(فرع) إذا مرض في الحبس ولم يجد من يخدمه فيه أخرج، وان وجد من يخدمه ويقوم على تمريضه وعلاجه في الحبس، فهل يجب اخراجه؟ فيه وجهان حكاهما الصيدلانى، وان جن في الحبس أخرج، وإذا حبس بطلب جماعة من الغرماء لم يكن لواحد منهم أن يخرجه حتى يجتمعوا على اخراجه وان حبس بطلب غريم، ثم حضر غريم آخر فطلب أن يخرجه ليدعى عليه أحضر، فإذا ثبت له عليه حق وطلب أن يحبس له حبس، ولا يجوز اخراجه الا باجتماعهما، وان ثبت اعساره أخرجه الحاكم من غير اذن الغريم.
قال الصيدلانى: وإذا لم يكن للمعسر مال فهل له أن يحلف أنه لا حق عليه؟ فيه وجهان (أحدهما) له أن يحلف وينوى أن ليس عليه اليوم حق يلزمه الخروج إليه منه (والثانى) ليس له أن يحلف، لان الحاكم إذا كان عادلا لا يحبسه الا بعد الكشف عن حاله اه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وان ركبته الديون ورفعه الغرماء إلى الحاكم، وسألوه أن يحجر عليه نظر الحاكم في ماله، فان كان له مال يفى بالديون لم يحجر عليه لانه لا حاجة به إلى الحجر، بل يأمره بقضاء الدين على ما بيناه، فان كان ماله لا يفى بالديون حجر عليه وباع ماله عليه لما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال " كان معاذ ابن جبل من أفضل شباب قومه.
ولم يكن يمسك شيئا فلم يزل يدان حتى أغرق ماله في الدين.
فكلم النبي صلى الله عليه وسلم غرماءه.
فلو ترك أحد من أجل أحد لتركوا معاذا من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماله حتى قام معاذ بغير شئ " وروى كعب بن مالك " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجر على معاذ وباع عليه ماله " وان كان ماله يفى

بالديون إلا أنه ظهرت عليه أمارة التفليس بأن زاد خرجه على دخله ففيه وجهان (أحدهما) لا يحجر عليه لانه ملئ بالدين فلا يحجر عليه، كما لو لم يظهر فيه أمارة الفلس (والثانى) يحجر عليه لانه إذا لم يحجر عليه أتى الخرج على ماله فذهب ودخل الضرر على الغرماء.
(الشرح) حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك روى متصلا، أخرجه الدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه من طريق كعب بن مالك أبى عبد الرحمن.
أما مرسل عبد الرحمن الوارد في الفصل فقد أخرجه أبو داود وعبد الرزاق قال عبد الحق المرسل أصح.
وقال ابن الطلاع في الاحكام هو حديث ثابت، وقد أخرج الحديث الطبراني ويشهد له ما عند مسلم وغيره من حديث أبى سعيد الخدرى قال " أصيب رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " أما قوله " ملئ " أي غنى كثير المال، ولكنه كثير المال الذى لغيره فهو ملئ بالدين الاحكام: إذا ثبتت الديون على رجل إما بالبينة أو باعترافه أو بأيمان المدعى عند نكوله، وسأل الغرماء الحاكم أن يحجر عليه، نظر الحاكم في ماله، فإن كان يفى بما عليه من الدين لم يحجر عليه، بل يأمره بقضاء الدين.
فان امتنع باع عليه الحاكم ماله.
وقضى أصحاب الديون خلافا لابي حنيفة، وقد سبقت هذه المسألة في الفصل الذى مضى.
وهل تقوم الاعيان التى هي عليه بأثمانها؟ وجهان حكاهما ابن الصباغ.

(أحدهما) لا يقومها لان لاربابها الرجوع فيها فلا يحتسب أثمانها عليه فلا يقومها مع باقى ماله (والثانى) يقومها لان أصحابها بالخيار أن يرجعوا فيها، أو لا يرجعوا فيها.
والوجه الاول يتيح للغريم أن يأخذ عين ماله، وهو مذهب أحمد رضى الله عنه مستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم " من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به " رواه الشيخان عن أبى هريرة قال الامام أحمد رضى الله عنه: لو أن حاكما حكم أنه أسوة الغرماء - أي

سوى بين الغرماء في عين المال أو في ثمنه بعد بيعه - ثم رفع إلى رجل يرى العمل بالحديث، جاز له نقض حكمه.
(قلت) جملة القول في هذا أن المفلس متى حجر عليه فوجد بعض غرمائه سلعته التى باعه إياها بعينها بالشروط التى يذكرها ملك فسخ البيع وأخذ سلعه.
وروى ذلك عن عثمان وعلى وأبى هريرة.
وبه قال عروة ومالك والاوزاعي والشافعي والعنبري وإسحاق وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وابن شبرمة وأبو حنيفة: هو أسوة الغرماء وإن قوم ماله فوجدوه لا يفى بديونه لم يحجر الحاكم عليه قبل سؤال الغرماء ذلك لانه لا ولاية له عليه في ذلك، وإن سأل الغرماء أو بعضهم الحجر عليه بعد ذلك حجر عليه، وباع عليه ماله، وبه قال مالك ومحمد وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة لا يحجر عليه ولا يبيع عليه ماله، بل يحبسه حتى يقضى ما عليه.
قال العمرانى في البيان: دليلنا ما روى أن معاذ بن جبل رضى الله عنه ركبه دين على عهد رسول الله فكلم غرماؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحجر عليه وباع عليه ماله حتى قام معاذ بغير شئ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَعَ ماله لهم - يعنى لغرمائه - وهذا يحتمل تأويلين (أحدهما) أن ماله لم يف بالدين فحجر عليه، فيكون معنى قوله " خلع " أي حجر عليه (والثانى) أن معنى قوله خلع ماله لهم، أي باع ماله لهم وروى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رجلا أصيب في ثمار ابتاعها، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تصدقوا عليه " فلم يف بما عليه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خذوا ماله ليس لكم إلا ذلك " رواه الجماعة إلا البخاري.
ولم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: خذوا ماله، انهبوا ماله، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم خذوه بالحصص، وأبو حنيفة يقول: ليس لهم أن يأخذوه إلا أن يعطيهم إياه، وهذا يخالف الخبر الصحيح وإن كان ماله يفى بدينه إلا أن أمارات الافلاس بادية، فإن كان ماله بإزاء دينه ولا وجه لنفقته إلا مما بيده.
أو كان له وجه كسب إلا أنه قدر نفقته أكثر

مما يجعل له بالكسب، فهل للحاكم أن يحجر عليه إذا سأله الغرماء ذلك؟ حكى المصنف في ذلك قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ وجهين (أحدهما) لا يجوز الحجر عليه بل يأمره الحاكم بقضاء الدين على ما بيناه، لان الحجر انما يكون على المفلس وهذا ليس بمفلس، لانه ملئ بالدين.

(والثانى) يحجر عليه، لان الظاهر من حاله أن ماله يعجز عن الوفاء بديونه والحجر يجوز بالظاهر، ألا ترى أن السفيه يجوز الحجر عليه، لان الظاهر من حاله التبذير والاسراف، وإن كان يجوز أن لا يبذر قال المصنف رحمه الله: (فصل) والمستحب أن يشهد على الحجر ليعلم الناس حاله فلا يعاملوه إلا على بصيرة، فإذا حجر عليه تعلقت ديون الغرماء بماله ومنع من التصرف فيه، فان افترض أو اشترى في ذمته شيئا صح لانه لا ضرر على الغرماء فيما يثبت في ذمته ومن باعه أو أقرضه بعد الحجر لم يشارك الغرماء في ماله، لانه ان علم بالحجر فقد دخل على بصيرة، وان ديون الغرماء متعلقة بماله، وان لم يعلم فقد فرط حين دخل في معاملته على غير بصيرة فلزمه الصبر إلى أن يفك عنه الحجر، فان تصرف في المال بالبيع والهبة والعتق ففيه قولان (أحدهما) أنه صحيح موقوف لانه حجر ثبت لحق الغرماء فلم يمنع صحة التصرف في المال، كالحجر على المريض (والثانى) لا يصح وهو الصحيح لانه حجر ثبت بالحاكم فمنع من التصرف في المال كالحجر على السفيه، ويخالف حجر المريض لان الورثة لا تتعلق حقوقهم بماله الا بعد الموت، وهنها حقوق الغرماء تعلقت بماله في الحال فلم يصح تصرفه فيه كالمرهون، فان قلنا يصح تصرفه وقف، فان وفى ماله بالدين نفذ تصرفه، وإن لم يف فسخ، لانا جوزنا تصرفه رجاء أن تزيد قيمة المال أو يفتح عليه بما يقضى به الدين، فإذا عجز فسخ كما تقول في هبة المريض قال أصحابنا: وعلى هذا ينقض من تصرفه الاضعف فالاضعف فأضعفها الهبة

لانه لا عوض فيه ثم البيع لانه يلحقه الفسخ ثم العتق، لانه أقوى التصرفات ويحتمل عندي أنه يفسخ الآخر فالآخر، كما قلنا في تبرعات المريض إذا عجز عنها الثلث.
(الشرح) وإذا حجر الحاكم فيستحب أن يشهد على الحجر، ويعمل على نشر نبأ الحجر بوسائل الاعلام المناسبة كالنشر في الصحف اليومية، أو الاعلان بنشرة في ديوان الشرطة، أو على حائط المكان الذى يقيم فيه المحجور عليه.
وهى الوسائل المستحدثة للاعلام في عصرنا هذا حيث كان يقوم في الماضي مناد من قبل الحاكم ينادى في الاسواق " ألا ان الحاكم قد حجر على فلان ابن فلان لانه إذا لم يعلم الناس اغتروا به فعاملوه فيؤدى ذلك إلى الاضرار به وبهم، فإذا عاملوه بعد اعلامهم بحاله كانوا قد عاملوه - وهم على بينة من أمره وعلى بصيرة من أمر أنفسهم - ولان هذا الاعلام تسجيل واشهار لحكم صدر من الحاكم يأخذ صورة النفاذ، فإذا تقلد أمر القضاء حاكم آخر كان حكم سلفه معروفا له، توفرت له أسباب العلنية التى تحول بينه وبين الغموض في أمر المحجور عليه، فيباشر تنفيذ الحكم الذى صدر من سلفه ولا يحتاج إلى ابتداء الحجر من جديد.
فإذا صدر حكم القاضى بالحجر على المفلس تعلقت ديون الغرماء بماله ومنع من التصرف في هذا المال.
وقال أبو حنيفة: لا تتعلق الديون بماله، ولا يمنع من التصرف، بل يحبسه الحاكم حتى يوفى ما عليه من الدين دليلنا أن معاذ بن جبل ركبته الديون عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يزل يدان حتى غرق ماله كله في الدين، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه ليكلم غرماؤه، فباع لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماله حتى قام معاذ بغير شئ " رواه سعيد في سننه عن عبد الرحمن بن كعب.
إذا عرف هذا فإن المفلس إذا تصرف في ماله بعد الحجر عليه نظرت، فإن تصرف في ذمته، فان اقترض أو اشترى شيئا بثمن في ذمته، أو أسلم إليه في شئ صح ذلك، لان الحجر عليه في أعيان ماله، وهذا يعدل الحجز القضائى أو الاداري في عصرنا هذا على موجودات المدين وممتلكاته، ولا يؤثر ذلك في صحة

معاملاته وعقوده وقروضه وبيعه وسلمه، لانه لم يحجر عليه في ذمته، لانه لا ضرر على الغرماء فيما ثبت عليه بذمته.
ومن عامله بعد ذلك فباعه أو أقرضه لم يشارك الغرماء في ماله، لانه إن علم بالحجر فقد دخل على بصيرة، وإن لم يعلم به فقد فرط في ترك التحرى.
وهل تقسم الاعيان التى اشتراها بعد الحجر عليه بثمن في ذمته بين الغرماء الاولين أو يكون بائعوها أحق بها؟ فيه وجهان سنذكرهما إن شاء الله وإن تصرف المفلس في أعيان ماله بأن باع أو وهب أو أقرض أو أعتق فهل يصح تصرفه بها؟ فيه قولان (أحدهما) أن تصرفه موقوف، فان كان فيما بقى من ماله وفاء بدينه نفذ تصرفه، وإن لم يف بدينه لم ينفذ تصرفه، وهو أضعف القولين على المذهب، لان من صح ابتياعه في ذمته صح بيعه لاعيان ماله كغير المفلس، ولانه حجر عليه لحق الغير فكان تصرفه موقوفا كالحجر على المريض، وفيه احتراز من تصرف المحجور عليه للسفه والقول الثاني: أن تصرفه باطل، وهو قول ابن أبى ليلى والثوري ومالك رضى الله عنهم، وهو اختيار المزني وهو الصحيح، لانه حجر ثبت بالحاكم فلم يصح تصرفه كالسفيه، ولان كل من تعلق بماله حق الغير وجب أن يكون ممنوعا من التصرف فيه كالرهن لا يصح تصرف الراهن به وإذا قلنا إن تصرفه باطل في أعيان ماله، رد جميع ما باع ووهب وأعتق، وقسم ماله بين الغرماء، فان وفى ماله بدينه بأن زادت قيمته أو أبرئ من بعض دينه، وفصل ما كان تصرف فيه عن الدين لم نحكم بصحة تصرفه الاول، لانه وقع باطلا.
فعل هذا إن باع عينا من أعيان ماله من غريمه بدينه الذى له عليه فهل يصح فيه وجهان حكاهما في العدة.
(الاول) قال صاحب التلخيص " يصح " لان الحجر عليه للدين، فبيعه بذلك الدين يوجب سقوطه

(والثانى) لا يصح.
وهو قول الشيخ أبى زيد، لان الحجر على المفلس ليس بمقصور على هذا الغريم، لانه ربما ظهر له غريم آخر وان قلنا ان تصرفه صحيح موقوف قسم ماله، فان وفى ماله بدينه غير الذى تصرف فيه نفذ تصرفه، وان لم يف ماله إلا أن ينقض جميع ما تصرف فيه نقض جميعه، وان لم يف بدينه الا بعض الاعيان التى تصرف فيها نقض منها شئ بعد شئ، وما الذى ينقض أولا؟ فيه وجهان قال أبو حامد وعامة أصحابنا: ينقض فالاضعف، وان كان متقدما في التصرف.
فعلى هذا ينقض الهبة أولا، لانها أضعف، لانه لا عوض فيها، ثم البيع بعدها لانه يلحقه الفسخ قال ابن الصباغ: ثم العتق ثم الوقف، قال العمرانى في البيان: والذى يقتضى القياس عندي على هذا ان الوقف ينقض أولا قبل العتق، لان العتق أقوى من الوقف، بدليل أنه يسرى إلى ملك الغير والوقف لا يسرى إلى ملك الغير.
الوجه الثاني.
وهو قول المصنف أنه ينقض الآخر فالآخر من تصرفه، عتقا كان أو هبة أو غيرهما، كما قلنا في تبرعات المريض المنجزة إذا عجز عنها الثلث فانه ينقض الآخر فالآخر.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) قال الشافعي رحمه الله: ولو باع بشرط الخيار ثم أفلس فله اجازة البيع ورده، فمن أصحابنا من حمل هذا على ظاهره.
وقال: له أن يفعل ما يشاء، لان الحجر انما يؤثر في عقد مستأنف، وهذا عقد سبق الحجر فلم يؤثر الحجر فيه وقال أبو إسحاق: ان كان الحظ في الرد لم يجز، وان كان في الاجازة لم يرد، لان الحجر يقتضى طلب الحظ، فإذا طرأ في بيع الخيار أوجب طلب الحظ، كما لو باع بشرط الخيار ثم جن، فإن الولى لا يفعل الا ما فيه الحظ من الرد والاجازة.
ومن أصحابنا من قال " ان قلنا ان المبيع انتقل بنفس العقد لم يجب الرد، وان كان الحظ في الرد لان الملك قد انتقل فلا يكلف رده، وحمل قول الشافعي رحمه الله

على هذا القول.
وان قلنا ان المبيع لم ينتقل أو موقوف لزمه الرد ان كان الحظ في الرد، لان المبيع على ملكه فلا يفعل إلا ما فيه الحظ (الشرح) قال الشافعي رحمه الله: ولو تبايعا بالخيار ثلاثا، ففلسا أو أحدهما فلكل واحد منهما إجازة البيع ورده دون الغرماء، لانه ليس بمستحدث: قلت وهذا كما قال: إذا تبايع رجلان وبينهما خيار الثلاث أو خيار المجلس، ثم حجر عليهما أو على أحدهما وحكم عليهما بالافلاس.
وقد اختلف اصحابنا في هذه المسألة على طرق، فمنهم من حملها على ظاهرها وقال لكل واحد منهما أن يفسخ البيع وله أن يجيزه سواء كان الحظ فيما فعله من ذلك أو في غيره، لان الحجر إنما يمنع تصرفه في المستقبل لا فيما مضى، ولان المفلس لا يجبر على الاكتساب، فلو قلنا: يلزمه أن يفعل ما فيه الحظ لالزمناه الاكتساب.
وقال أبو إسحاق إن كان الحظ في الفسخ لزمه أنه يفسخ، وان أجازه لم تصح إجازته، وإن كان الحظ (أو الفائدة) في الاجازة لزمه أن يجيز، وان لم يصح الفسخ، لان الحجر يقتضى طلب الحظ، فلم يفعل الا ما فيه الحظ، كما لو باع بشرط الخيار ثم جن، فإن الولى لا يفعل الا ما فيه الحظ.
وتأول كلام الشافعي على هذا الذى بينا.
ومنهم من قال.
يبنى ذلك على وقت انتقال الملك إلى المشترى، وصورتها إذا باع بشرط الخيار وأفلس البائع، فإن قلنا ان الملك انتقل إلى المشترى بنفس العقد، فللبائع أن يجيز البيع، وان كان الحظ في الفسخ فله أن يفسخ.
وان كان الحظ في الاجازة وان قلنا ان البيع لا ينتقل الا بشرطين أو قلنا أنه موقوف فليس له ان يفعل الا ما فيه الحظ على القولين.
قال ابن الصباغ.
والطريقة الاولى أشد عند أصحابنا، لان التصرف من المحجور عليه لا ينفذ، سواء كان الحظ فيه أو لم يكن، وذكر الشيخ أبو حامد في التعليق طريقة رابعة، وقال الصحيح عندي أنه لا يملك فسخ العقد ولا اجازته بعد الحجر عليه بكل حال، لانه عندنا ينقطع تصرفه بالحجر عليه بدلالة أنه إذا

باع شيئا ثم حجر عليه قبل قبض الثمن لم يكن له قبض، اللهم الا أن يكون الامام امر من يقوم بأمره وينظر في مصالحه فرأى الحظ له في الفسخ فانه يفعل اه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى .

(فصل) وإن وهب هبة تقتضي الثواب وقلنا: إن الثواب مقدر بما يرضى به الواهب، ثم أفلس، فله أن يرضى بما شاء، لانا لو ألزمناه أن يطلب الفضل لالزمناه أن يكتسب، والمفلس لا يكلف الاكتساب.
(الشرح) الاحكام.
إذا وهب لغيره قبل الحجر هبة تقتضي الثواب، ثم حجر على الواهب.
وقلنا ان الثواب مقدر بما يرضى به الواهب فله أن يرضى بالقليل والكثير، لانا لو ألزمناه طلب الفضل لالزمناه الاكتساب وذلك لا يلزمه.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وان أقر بدين لزمه قبل الحجر لزم الاقرار في حقه، وهل يلزم في حق الغرماء؟ فيه قولان.
(احدهما) لا يلزم، لانه متهم، لانه ربما واطأ المقر له لياخذ ما أقر به ويرد عليه (والثانى) أنه يلزمه وهو الصحيح، لانه حق يستند ثبوته إلى ما قبل الحجر فلزم في حق الغرماء كما لو ثبت بالبينة، وان ادعى عليه رجل مالا وأنكر، ولم يحلف، وحلف المدعى.
فان قلنا ان يمين المدعى مع نكول المدعى عليه كالبينة شارك الغرماء في المال، وان قلنا: كالاقرار فعلى القولين في الاقرار، وان أقر لرجل بعين لزمه الاقرار في حقه، وهل يلزم في حق الغرماء؟ فيه قولان، (أحدهما) لا يلزم (والثانى) يلزم، وتسلم العين إلى المقر له، ووجه القولين ما ذكرناه في الاقرار بالدين.
(الشرح) الاحكام: إذا أقر المحجور عليه بدين لزمه قبل الحجر، وصادقه المقر له، وكذبه الغرماء، تعلق الدين بذمته قولا واحدا، وهل يقبل إقراره في حق الغرماء؟ ليشاركهم المقر له؟ فيه قولان.

أحدهما: أنه لا يقبل في حقهم ولا يشاركهم، لانه مال تعلق به حق الغير فلم يقبل إقرار من عليه الحق في ذلك المال كالراهن إذا أقر بدين لم يبطل به حق المرتهن، ولانه لا يؤمن أن يواطئ المفلس من يقر له بالدين ليشاركه الغرماء، ثم يسلمه إلى المفلس.
الثاني: ان اقراره مقبول في حق الغرماء، فشاركهم المقر له، وهو الصحيح لانه حق ثبت لسبب منسوب إلى ما قبل الحجر فوجب أن يشارك صاحب الحق بحقه الغرماء، كما لو ثبت حقه بالبينة، ولان المريض لو أقر لرجل بدين لزمه في حال الصحة لشارك من أقر له في حال المرض، كذلك هذا المفلس لو أقر بدين قبل الحجر لشارك الغرماء.
وكذلك إذا أقر بدين بعد الحجر وأضافه إلى ما قبل الحجر يكون كما لو أقر به قبل الحجر، وكذلك إذا أقر بدين بعد الحجر.
وان كان في يد المفلس عين وقال: هذه العين عارية عندي لفلان، أو غصبتها منه أو أودعنيها، فهل يقبل اقراره في حق الغرماء على القولين (أحدهما) لا يقبل فإن لم يف مال المفلس بدينه الا ببيع تلك العين بيعت، ووزع ثمنها على الغرماء وكان هذا الثمن دينا على المفلس في ذمته.
(والقول الثاني) وهو الصحيح: أنه يقبل اقراره فيها على الغرماء، وتسلم العين إلى المقر له، قال الشيخ أبو حامد: وقد شنع الشافعي رحمه الله على القول الاول وقال: من قال بهذا أدى إلى ان القصار (أي الحائك أو الخياط) إذا أفلس وعنده ثياب لقوم فأقر أن هذا الثوب لفلان، وهذا لفلان فلا يقبل منه، وكذلك الصباغ والصائغ إذا أقر بمتاع لاقوام بأعيانهم أن لا تقبل، وهذا لا سبيل إليه، وكذلك لو قال عندي عبد آبق ولم يقبل قوله، فبيع العبد رجع بعهدته على المفلس فيكون قد رجع عليه بعهده عند اقراره أنه أبق وباعه بهذا الشرط وهذا لا سبيل إليه لانه ابطال لاصول الشرع، فلذلك قلنا نقبل اقراره اه.
(فرع) وإن ادعى رجل على المفلس بدين في ذمته أو عين في يده فجحده، فان أقام المدعى بينه شارك الغرماء بالدين وأخذ العين، وإن لم يقم بينة فالقول قول المفلس مع يمينه، فان حلف له انصرف المدعى وإن نكل المفلس عن اليمين

فحلف المدعى، فهل يشارك الغرماء في الدين، ويأخذ العين؟ فيه طريقان، قال الشيخان أبو حامد والمصنف رحمهما الله تعالى: إن قلنا إن يمين المدعى مع نكول المدعى عليه كالبينة شارك الغرماء بالدين وأخذ العين، وإن قلنا إنه كالاقرار كان على القولين الاولين في إقرار المفلس وقال ابن الصباغ: يشارك الغرماء قولا واحدا، كما لو ثبت ذلك بالبينة.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فصل) وان جنى على رجل جناية توجب المال وجب قضاء الارش من المال، لانه حق لزمه بغير رضى من له الحق فوجب قضاؤه من المال، وان جنى عليه جناية توجب المال تعلق حق الغرماء بالارش كما يتعلق بسائر أمواله.

(فصل) وان ادعى على رجل مالا وله شاهد فان حلف استحق وتعلق به حق الغرماء وإن لم يحلف فهل تحلف الغرماء أم لا؟ قال في التفليس لا يحلفون وقال في غرماء الميت: إذا لم يحلف الوارث مع الشاهد ففيه قولان.
أحدهما يحلفون.
والثانى لا يحلفون.
فمن أصحابنا من نقل أحد القولين من غرماء الميت إلى غرماء المفلس، فجعل فيهما قولين.
أحدهما يحلفون لان المال إذا ثبت استحقوه.
والثانى لا يحلفون لانهم يحلفون لاثبات المال لغيرهم وذلك لا يجوز ومن أصحابنا من قال لا تحلف غرماء المفلس.
وفى غرماء الميت قولان: لان الميت لم يمتنع من اليمين فحلف غرماؤه، والمفلس امتنع من اليمين فلم تحلف غرماؤه، ولان غرماء الميت أيسوا من يمين الميت فحلفوا، وغرماء المفلس لم ييأسوا من يمين المفلس فلم يحلفوا، وان حجر عليه وعليه دين مؤجل فهل يحل فيه قولان، أحدهما يحل لان الدين تعلق بالمال فحل الدين المؤجل كما لو مات.
والثانى لا يحل وهو الصحيح لانه يملك التصرف في الذمة فلم يحل عليه الدين.
كما لو لم يحجر عليه (الشرح) الاحكام: إذا جنى المحجور عليه على غيره أو أتلف عليه مالا شارك المجني عليه والمتلف عليه الغرماء لان ذلك ثبت بغير رضا من له الحق.

وان جنى أحد على الفلس جناية خطأ تعلق حق الغرماء بالارش، لان الارش مال له، فيتعلق به حق الغرماء كسائر أمواله.
وإن جنى عليه أحد جناية عمد توجب القصاص فالمفلس بالخيار بين أن يقتص وبين أن يعفو وليس للغرماء أن يطالبوه بالعفو على مال، لان ذلك اكتساب للمال، وقد سبق أن قلنا إنه لا يلزمه ذلك، ولانا لو ألزمناه ذلك لصار ذلك ذريعة للجناية عليه مرة بعد أخرى، فلم يلزمه.
فان عفا في مقابل مال تعلق به حق الغرماء، وان عفا مطلقا - فان قلنا إن موجب العمد القود لا غير لم يجب المال، وان قلنا ان موجبه أحد الامرين ثبت المال وتعلق به حق الغرماء، وان عفا على غير مال - فان قلنا ان موجب العمد القود لا غير صح عفوه ولم يجب المال، وان قلنا ان موجبه أحد الامرين فقد ذكر في التعليق والشامل أن المال ثبت: ويتعلق به حق الغرماء، ولا يصح عفوه وإذا ادعى المفلس على غيره بدين وأنكره المدعى عليه، فأقام المفلس شاهدا فان حلف معه استحق ما ادعاه قسم على الغرماء لانه ملك له، وان لم يحلف فهل يحلف الغرماء.
قال الشافعي في المختصر: لا يحلف الغرماء.
وقال صاحب الشامل إذا مات وخاف ورثة وعليه دين وله دين على آخر له به شاهد ولم يحلف الورثة، فهل يحلف الغرماء؟ على قولين، فمن أصحابنا من قال المسألتان على قولين.
ومنهم من قال لا يحلف غرماء المفلس قولا واحدا، وفى غرماء الميت قولان، والفرق بينهما أن المفلس يرجى أن يخاف فلم يحلف غرماؤه، والميت لا يرجى أن يحلف فحلف غرماؤه، والصحيح أنهما على قولين (أحدهما) يحلفون لان حقوقهم تتعلق بما ثبت للمفلس فكان لهم أن يحلفوا كالورثة، ولان الانسان قد يحلف ليثبت ما لا لغيره، كما نقول في الوكيل إذا أحلفه العاقد له فان الوكيل يحلف وثبت المال للموكل، كذلك هذا مثله.
(الثاني) لا يحلفون، وهو الصحيح، لانهم يثبتون بأيمانهم ملكا لغيرهم، تتعلق به حقوقهم بعد ثبوته، وهذا لا يجوز.
كما لا تحلف الزوجة لاثبات مال زوجها، وان كان إذا ثبت تعلقت به نفقتها فأشبهت الورثة لانهم يثبتون ملكا

لانفسهم بأيمانهم.
وأما الوكيل فإنما حلف لان اليمين متعلقة بالعقد، فلما كان هو العاقد توجهت اليمين عليه.
وإن ادعى المفلس على غيره بد؟ ن أو عين ولا بينة له، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف فلا كلام، وان نكل المدعى عليه عن اليمين ردت على المفلس، فان حلف ثبت المال، وقسم على الغرماء، وان لم يحلف المفلس، فهل يحلف الغرماء؟ قال ابن الصباغ: هما على قولين كاليمين مع الشاهد، وإن حلفوا فان المال الذى ثبت بأيمانهم يقسم بينهم على قدر ديونهم (فرع) إذا كان على رجل دين مؤجل فليس لغرمائه أن يسألوا الحاكم أن يحجر عليه لهذه الديون، وإن كان ماله أولا من ديونهم، لانه لا حق لهم قبل حلول الاجل.
وإن كان عليه دين حال ودين مؤجل، فرفع أصحاب الديون الحالة أمره إلى الحاكم، فنظر إلى ما عليه من الديون، والى ما معه من المال، فوجد ماله لا في بالديون الحالة، فحجر عليه بناء على مسألتهم، فهل تحل عليه الديون المؤجلة؟ فيه قولان (أحدهما) تحل، وبه قال مالك، لان ما يتعلق بالمال بالحجر، أسقط الحجر الآجل كالموت، يحل الدين الآجل (الثاني) لا يحل، وهو اختيار المزني، وهو الاصح، لانه دين مؤجل على حى، فلم يحل قبل حلول أجله، كما لو لم يحجر عليه، ويفارق الميت، لان ذمته انعدمت بموته، وهذا له ذمة صحيحة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان لم يكن له كسب ترك له ما يحتاج إليه للنفقة إلى أن يفك الحجر عنه، ويرجع إلى الكسب لقوله صلى الله عليه وسلم: ابدا بنفسك ثم بمن تعول فقدم حق نفسه على حق العيال، وهو دين، فدل على أنه يقدم على كل دين، ويكون الطعام على ما جرت به عادته، وبترك له ما يحتاج إليه من الكسوة من غير إسراف ولا إجحاف، لان الحاجة إلى الكسوة كالحاجة إلى القوت، فان كان له من تلزمه نفقته من زوجة أو قريب ترك لهم ما يحتاجون إليه من النفقة والكسوة بالمعروف، لانهم يجرون مجراه في النفقة والكسوة، ولا تترك له دار ولا خادم، لانه يمكنه أن يكترى دارا يسكنها وخادما يخدمه، وان كان له كسب جعلت نفقته في كسبه لانه لا فائدة في إخراج ماله في نفقته، وهو يكتسب ما ينفق (الشرح) حديث " ابدا بنفسك ثم بمن تعول " رواه الطبراني عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
أما الاحكام: فإذا حجر الحاكم على المفلس ومنعه من التصرف في ماله فمن أين تكون نفقته إلى أن يبيع ماله ويقسمه على الغرماء، ينظر فيه، فان كان له كسب كانت نفقته من كسبه، وان لم يكن له كسب، فإن على الحاكم أن يدفع إليه نفقته من ماله لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ للرجل الذى جاءه بالدينار " ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " فأمره أن يبدأ بنفقته على من يعول، ومعلوم أن فيمن يعول من تجب نفقته، وتكون دينا عليه، وهى الزوجة.
فعلم أن نفقته مقدمة على الدين، ويكون طعامه على ما جرت به عادته ويدفع إليه نفقته كل يوم، وآخرها اليوم الذى يقسم فيه الحاكم ماله، فيدفع إليه نفقته ذلك اليوم، لان النفقة تجب في أوله، ويترك له ما يحتاج إليه من الكسوة لانه لا بد له أن ينصرف، فلو قلنا: انه لا يكتسى لامتنع الناس من معاملته، هكذا قال صاحب البيان عن نصه في الام ويترك له من الكسوة ما يكفيه على ما جرت به عادته، أو ما تدعو إليه ضرورة الزمن أن كان صيفا أو شتاء.

قال الشافعي رضى الله عنه: يكفيه قميص وسراويل ورداءان، ان كان ممن يرتدى وحذاءين لرجله هذا إذا كان صيفا، وان كان في الشتاء زيد على القميص جبة محشوة، وخف بدل النعل، وان كان من عادته أن يتطيلس دفع إليه الطيلسان، وأما جنس ثيابه فمعتبر بحاله، وان كان من عادته لبس الشرب والديبقى ترك له ذلك، وان كانت عادته أن يلبس غليظ الثياب ترك له ذلك.
وقال الشافعي رضى الله عنه: ان كان له ثياب غوال بيعت.
قال أصحابنا: وأراد إذا كان من عوام الناس وله ثياب غالية جرت العادة أن يلبسها ذوو الاقدار بيعت، ويشترى له ثياب جرت العادة أن يلبسها مثله، ويصرف الباقي من ثمنها إلى الغرماء.
(فرع) وان كان المفلس من تلزمه نفقته كالزوجة والوالدين والمولودين ترك لهم ما يحتاجون إليه نفقة وكسوة كما قلنا عن المفلس، لانهم يجرون مجرى نفسه، لان الاقارب يعتقون عليه إذا ملكهم كما يعتق نفسه إذا ملكها، ونفقة الزوجة آكدا من نفقة الاقارب لانها تجب بحكم المعارضة.
(فرع) فإن مات المفلس كانت مؤنه تجهيزه وكفنه من ماله، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدمت عليه جنازة ليصلى عليها فقال: هل على صاحبكم دين، فقالوا: نعم، فقال صلوا على صاحبكم.
ولا محالة أنه كان قد كفن، فعلم أن الذى كفن به مقدم على حقوق الغرماء، لانه لم يتعرض له، وان مات من تلزمه - فان كانت زوجة - فهل يجب كفنها ومؤنة تجهيزها عليه، أو في مالها، فيه وجهان سبق ذكرهما في الجنائز للامام النووي رضوان الله عليه ونفعنا بعلمه آمين.
وان كان من الوالدين أو المولودين وجب مؤنة تجهيزه وكفنه على المفلس، ويقدم ذلك على الغرماء كما قلنا في نفس المفلس وكم القدر الذى يجب في الكفن من ثوب أو ثوبين أو ثلاثة.

قال المصنف رحمه الله تعالى

ما يستر العورة لا غير (فرع) إذا كان للمفلس دار يسكنها أو سيارة يركبها بيعتا عليه، وصرف ثمنها للغرماء، لانه يمكنه أن يستأجر دارا يسكنها، ويركب المرافق العامة من

وسائل المواصلات التى ننبث في كل فج، وتصل إلى حيث يشاء راكبها، وقد جرت عادة الناس بذلك، وذلك بخلاف الثياب، فان العادة لم تجر باكترائها، ولذا لا تباع الا في صورة خاصة مضى بيانها وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى (فصل) وإذا أراد الحاكم بيع ماله فالمستحب أن يحضره لانه أعرف بثمن ماله، فإن لم يكن من يتطوع بالنداء استؤجر من ينادى عليه من سهم المصالح، لان ذلك من المصالح فهو كأجرة الكيال والوزان في الاسواق، فان لم يكن سهم المصالح اكترى من مال المفلس، لانه يحتاج إليه لايفاء ما عليه، فكان عليه، ويقدم على سائر الديون، لان في ذلك مصلحة له، ويباع كل شئ في سوقه، لان أهل السوق أعرف بقيمة المناع، ومن يطلب السلعة في السوق أكثر، ويبدأ بما يسرع إليه الفساد، لانه إذا أخر ذلك هلك، وفى ذلك اضرار، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا ضَرَرَ وَلَا ضرار، ثم بالحيوان لانه يحتاج إلى علف ويخاف عليه التلف ويتأنى بالعقار لانه إذا تانى به كثر من يطلبه، ولا يتأنى به أكثر من ثلاثة ايام، لان فيما زاد اضرارا بالغرماء في تأخير حقهم.
فإن كان في المال رهن أو عبد تعلق الارش برقبته بيع في حق المرتهن والمجني عليه، لان حقهما يختص بالعين فقدم، وان بيع له متاع وقبض ثمنه فهلك الثمن واستحق المبيع، رجع المشترى بالعهدة في مال المفلس، وهل يقدم على سائر الغرماء؟ روى المزني أنه يقدم، وروى الربيع أنه أسوة الغرماء، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ.

(أَحَدُهُمَا) يقدم، لان في تقديمه مصلحة فانه متى لم يقدم تجنب الناس شراء ماله خوفا من الاستحقاق فإذا قدم رغبوا في شراء ماله.

(والثانى) أنه أسوة الغرماء لان هذا دين تعلق بذمته بغير رضى من له الحق فضرب به مع الغرماء كأرش الجناية ومنهم من قال ان لم يفك الحجر عنه قدم لان فيه مصلحة له، وان فك الحجر عنه كان كسائر الغرماء، وحمل رواية الربيع على هذا.

(الشرح) حديث " لا ضرر ولا ضرار " مضى تخريجه.
أما الاحكام: فإنه يستحب أن يشهد المفلس مجلس بيع المال أو الرهن لاجل أولا: لانه يعرف قيمة أمواله وأثمانها عليه التى اشتراها بها.
ثانيا: ليحصى ثمنه ويضبطه.
ثالثا: لانه إذا حضر احتاط اكثر من غيره لحرصه على أن تباع بأكبر قيمة ممكنه.
رابعا.
لان ذلك أطيب لنفسه كذلك يستحب أن يحضر الغرماء لاجل: (اولا) لانه ربما كان منهم من يشترى شيئا من مال المفلس.
(ثانيا) كثرة المبتاعين، فيكون ذلك أوفر للثمن.
(ثالثا) معرفة كل منهم لعين ماله، فربما باع الحاكم سهوا عين ماله فيستدركه (رابعا) لانه أطيب لنفوسهم، فإن باع الحاكم ماله بغير حضور المفلس أو الغرماء صح البيع، لان المفلس لا تصرف له، والغرماء لا ملك لهم.
(فرع) إذا اراد الحاكم بيع مال المفلس فلا بد من دلال وهو من ينادى على المتاع فيمن يريد، ويستحب أن يقول الحاكم للمفلس والغرماء: ارتضوا برجل ينادى على بيع المتاع، لانهم اعرف بمن يصلح لذلك الامر، ولان في ذلك تطييبا لانفسهم، فان لم يستأذنهم الحاكم في ذلك، ونصب مناديا من قبله جاز لان المفلس قد انقطع تصرفه، والغرماء لا ملك لهم.
قال الشافعي رضى الله عنه.
ولا يقبل الا ثقة - وفى بعض نسخ المزني - ولا يقبل الا من ثقة، فمن قبل - ولا نقبل إلا ثقة - معناه إذا نصب المفلس والغرماء من ينادى على ثمن المتاع لم يقبله الحاكم الا أن يكون ثقة.
والفرق بين هذا وبين الرهن إذا اتفق المتراهنان على وضع الرهن على يد من ليس بثقة، لم يعترض الحاكم عليهما، لان الحق في الرهن للمتراهنين لا يتعداهما: وههنا النظر للحاكم لانه ربما ظهر غريم آخر، وأما من قبل ولا يقبل الا من ثقة فمعناه إذا نودى على مال المفلس فزاد في ثمنه انسان فانه لا يقبل الزيادة الا من ثقة مخافة أن يزيد فيترك فتفسد.

فإن تطوع الدلال بالنداء من غير أجرة لم يستأجر الحاكم من ينادى لانه لا حاجة إلى ذلك، وإن لم يوجد من يتطوع بذلك استؤجر بأقل ما يوجد، فإن كان في بيت المال فضل أعطى الاجير أجره منه، لان في ذلك مصلحة، فهو كأجرة الكيال والوزان في الاسواق وإن لم يكن في بيت المال فضل استوفى من مال المفلس كذلك، لان العمل له قال أبو على الكيال في الافصاح: فأما أجرة النفاذ فعلى الغريم لا على المفلس فإن اختار المفلس رجلا ينادى على المناع واختار الغرماء غيره، قدم الحاكم الثقة منهما، فان تساويا في التوثيق قدم المتطوع منهما لانه أوفر مؤنة، فان كانا متطوعين ضم أحدهما إلى الآخر، وإن كانا يجعل قدم أعرفهما وأوثقهما، ويرى أصحاب أحمد أن نفقة النفاذ على الملفس، وفى قول آخر عندهم تدفع من بيت المال، وعندنا على القولين في أن يعطى من الغرماء أو من بيت المال، كما سبق بيانه.
(فرع) ويباع كل شئ من الامتعة في سوقه، فتباع الكتب في سوق الوراقين والبز في سوق البزازين، والطعام في سوق الطعام، وهذا إذا كان في البلد أسواق متخصصة بتوفر أربابها على نوع معين من السلع كسوق العطارين وسوق العقادين وغيرها من الاسواق النوعية، وذلك لتفادي ألا يتناول شراءها من لا يعرف قيمتها فيبخسها، كل ذلك إذا أمن عند نقلها عدم التلف أو ضياع شئ منها، فإذا كان مكانها صالحا لبيعها بيعت حيث هي.
أما العقار وغيره من الاعيان الثابتة فانه يمكن أن يكتفى بالنشر في صحيفة يومية، ولا ينادى الدلال في جلسة البيع كالامتعة، وإنما يومئ إيماء بالثمن الذى يعرض من المبتاعين، وذلك أعز للعقار وأدعى إلى حفظ حق المفلس.
ويباع ما هو معرض للتلف أولا، كالرطب والهريس ونحوهما، ثم الحيوان لانه معرض للتلف إذا لم يجد من يقوم على مئونة حفظه وغذائه، ثم الثياب والاقمشة.
وهكذا بالترتيب قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنْ كَانَ بقرب ذلك البلد قوم يشترون العقار في ملك المفلس أنفذ إليهم وأعلمهم بذلك ليحضروا فيشتروا فيتوفر الثمن على المفلس

(فرع) ويباع مال المفلس بنقد البلد، وان كان من غير جنس حق الغرماء بأن كانت الديون عليه بالدينار العراقى أو الجنيه الاسترليني أو الليرة السورية وكان المفلس في العراق بيع عليه بالدينار، ولو كان الدين بالليرة أو بالجنية، لان ذلك أيسر وأوفر، فان كان حق الغرماء من نقد البلد دفعه إليهم، وإن كان من غير نقد البلد، فان كان حقهم ثبت من غير جهة السلم دفع إليهم عوضه إن رضوا بذلك، وان لم يرضوا اشترى لهم من جنس حقوقهم، فان كان حقهم ثبت من جهة السلم لم يجز أخذ العوض عن ذلك، وإنما يشترى لهم حقهم (فرع) إذا كان في مال المفلس رهن بدأ ببيعه لان حق المرتهن يختص بالعين وحقوق الغرماء لا تختص بالعين، ولانه ربما زاد ثمن الرهن على حق المرتهن، فتفرق الزيادة على الغرماء، وربما نقص ثمنه عن حق المرتهن فاختلط مع الغرماء بما بقى له، فاحتيج إلى بيعه لذلك (فرع) فان باع شيئا من مال المفلس، فان كان دينه لواحد فانه يدفع كلما باع شيئا وقبضه إلى الغريم لانه لا حاجة به إلى التأخير.
وان كان الدين لجماعة نظرت فان بيع جميع ماله دفعة واحدة قبض ثمنه ووزعه على الغرماء بالحصص على قدر ديونهم.
وان لم يمكن بيع ماله إلا بشئ بعد شئ نظرت فيما يباع به أولا فان كان ثمنه كثيرا يمكن قسمته على الغرماء قسم بينهم لانه لا حاجة به إلى التأخير.
وان كان قليلا يتعذر قسمته.
أو يكون القسم منه يراد.
أخرت قسمته على الغرماء.
فان وجد الحاكم ثقة مليئا - أي غنيا ... فقد قال الشافعي رضى الله عنه: أقرضه إياه حالا.
فإذا تكامل بيع المال أخذه من الذى أقرضه إياه وقسمه بين الغرماء، ويكون ذلك أولى من إبداعه.
لان القرض مضمون على المقبوض.
والوديعة أمانة يخاف تلفها.
فان لم يجد ثقة مليئا يقرضه اياه أودعه عند ثقة.
فان قيل: فلم قال الشافعي رضى الله عنه: يقرضه حالا.
والقرض عنده لا يكون إلا حالا؟ فقال أكثر أصحابنا: وصف القرض بذلك لانه شرط.
وقصد بذلك الرد على مالك رضى الله عنه حيث قال: يصح القرض مؤجل،

وقال العمرانى.
وقال بعض أصحابنا: أراد حالا بغير تشديد يعنى يقرضه في الحال، وهذا ليس بشئ فإن قبل فقد قال الشافعي رضى الله عنه لا يجوز إقراض مال اليتيم إلا في حال الضرورة وهو أن يكون في بحر ومعه مال اليتيم ويخاف عليه الغرق أو يخاف عليه النهب أو الحريق، ولا يقرضه في غير ذلك وإنما يودعه.
فما الفرق بينه وبين المفلس؟ قلنا الفرق بينهما أن مال الصبى معد لمصلحة يظهر من شراء عقار أو تجارة، وقرضه يتعذر معه المبادرة إلى ذلك.
ومال المفلس معد للغرماء خاصة فافترقا.
(فرع) وإذا باع الحاكم مال المفلس وانصرم البيع بالتفرق وانقضاء الخيار ثم جاء إلى الحاكم وراد في الثمن.
قال العمرانى: استحب للحاكم أن يسأل المشترى الاقالة ليطلب الفضل، فان أقاله المشترى باع الحاكم من الطالب بالزيادة وإن لم يفعل لم يجبر على ذلك، لان البيع قد لزم (فرع) وان نصب الحاكم أمينا لبيع مال المفلس وقبض ثمنه فباع شيئا من مال المفلس وقبض ثمنه ثم تلف في يده من غير تفريط، تلف من ضمان المفلس لان العدل أمين له.
ورواية عمرو بن خلدة عن أبى هريرة في المفلس أتوه به التى سبق لنا الاستدلال بها أخرجها الشافعي وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه وفى اسناده أبو المعتمر.
قال الطحاوي مجهول وان باع العدل شيئا من مال المفلس وقبض ثمنه ثم اتى رجل ادعى على المشترى أن العين التى اشتراها ملكه وأقام بينة على ذلك، اخذها من يد المشترى فإن كان الثمن باقيا في يد العدل، رجع به إلى المشترى، وان كان المال قد تلف في يد العدل من غير تفريط رجع المشترى بالعهدة في مال المفلس، ووافقنا أبو حنيفة في هذا، وخالفنا في العدل إذا تلف الرهن في يده.
وفى الوكيل والوصى إذا تلف المال في أيديهم بغير تفريط أن الضمان يجب عليهم، فنقيس تلك المسائل على هذه ونقول: لانه باع مال الغير فإذا تلف في يده من غير تفريط لم يضمن قياسا على أمين الحاكم في مال المفلس.
وهل يقدم المشترى على سائر الغرماء أو يكون أسوتهم؟

نقل المزني أنه يقدم عليهم، ونقل الربيع أنه يكون أسوة لهم، واختلف أصحابنا فيه على طريقين.
فمنهم من قال في المسألة قولان (أحدهما) أنه يقدم عليهم لان في ذلك مصلحة لمال المفالس، لان المشترين إذا علموا أنهم يقدمون بالثمن إذا استحق ما اشتروه رغبوا في الشراء فيكثر المشترون وتزيد الاثمان، وإذا علموا أنهم لا يقدمون تجنبوا الشراء خوفا من الاستحقاق.
فتقل الاثمان (الثاني) لا يقدم، بل يكون أسوة الغرماء، لانه تعلق بذمة المفلس بغير اختيار من له الحق، فكان أسوة الغرماء، كما لو جنى على رجل ومنهم من قال هي على حالين، فالموضوع الذى قال يكون أسوتهم أراد به إذا كان بعد القسمة في حجر ثان مثل أن يقسم المال بين الغرماء، ثم استحق شئ من أعيان ماله.
ثم حجر عليه ثانيا، فإن المشترى يكون أسوة الغرماء، لان حقه ثبت في ذمته قبل الحجر كسائر الغرماء.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد هذا التفصيل على هذا الطريق.
قال العمرانى.
وأما صاحب المهذب فقال ان لم ينفك عنه الحجر قدم، لان فيه مصلحة له، وان فك عنه الحجر كان كسائر الغرماء، ولم يذكر الحجر الثاني اه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى .

(فصل) وان كان في الغرماء من باع منه شيئا قبل الافلاس ولم يأخذ من ثمنه شيئا، ووجد عين ماله على صفته، ولم يتعلق به حق غيره فهو بالخيار بين أن يترك وضرب مع الغرماء بالثمن، وبين أن يفسخ البيع ويرجع في عين ماله، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " من باع سلعة ثم أفلس صاحبها فوجدها بعينها فهو أحق بها من الغرماء " وهل يفتقر الفسخ إلى اذن الحاكم، فيه وجهان.
قال أبو إسحاق: لا يفسخ الا باذن الحاكم، لانه مختلف فيه فلم يصح بغير الحاكم كفسخ النكاح بالاعسار بالنفقة.
وقال أبو القاسم الداركى: لا يفتقر إلى الحاكم، لانه فسخ ثبت بنص السنة فلم يفتقر إلى الحاكم كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد فان حكم حاكم بالمنع من الفسخ فقد قال أبو سعيد

الاصطخرى: ينقض حكمه، لانه حكم مخالف لنص السنة، ويحتمل ألا ينقض لانه مختلف فيه فلم ينقض وهل يكون الفسخ على الفور أو على التراخي فيه وجهان (أحدهما) أنه على التراخي لانه خيار لا يسقط إلى بدل، فكان على التراخي كخيار الرجوع في الهبة.

(والثانى) أنه على الفور لانه خيار ثبت لنقص في العوض فكان على الفور كخيار الرد بالعيب، وهل يصح الفسخ بالوطئ في الجارية؟ فيه وجهان.
أحدهما: يصح كما يصح الفسخ بالوطئ في خيار الشرط.
والثانى: انه لا يصح لانه ملك مستقر فلا يجوز رفعه بالوطئ، وان قال الغرماء نحن نعطيك الثمن ولا نفسخ لم يسقط حقه من الفسخ، لانه ثبت له حق الفسخ فلم يسقط ببدل العوض كالمشترى إذا وجد بالسلعة عيبا وبذل له البائع الارش.
(الشرح) الحديث رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم " من أدرك متاعه بعينه عند انسان قد أفلس فهو أحق به " أما الاحكام، إذا كان في الغرماء من باع من المفلس قبل الافلاس ولم يقبض الثمن ووجد عين ماله على صفته خاليا من حق غيره، فالبائع بالخيار بين أن يضرب عن الغرماء في الثمن، وبين أن يرجع في غير ماله، وبه قال عثمان وعلى وأبو هريرة رضى الله عنهم، ومن التابعين عروة بن الزبير ثم مالك والاوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسين العنبري واسحاق وأبو ثور وابن المنذر وأحمد، وخالفنا الحسن والنخعي وابن شبرمة وأبو حنيفة فقالوا " هو اسوة الغرماء " دليلنا ما روى عمرو بن خلدة الزرقى قاضى المدينة قال: أتينا أبا هريرة رضى الله عنه في صاحب لنا أفلس فقال: هذا الذى قضى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيُّمَا رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه ". وفى رواية أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضى الله عنهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم قال " أيما رجل باع متاعا على رجل فأفلس المبتاع ثم وجد البائع متاعه بعينه، فصاحب المتاع أحق به من دون الغرماء " وقد أخرجه أحمد عن الحسن بن سمرة بلفظ " من وجد متاعه عند

مفلس بعينه فهو أحق به " ورواه الستة عن أبى هريرة بلفظ " من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره " وعند مسلم والنسائي عن أبى هريرة بلفظ " إذا وجد عنده المتاع، ولم يفرقه أنه لصاحبه الذى باعه " وحديث أبى هريرة عند أحمد بلفظ " أيما رجل أفلس فوجد رجل عنده ماله، ولم يكن اقتضى من ماله شيئا فهو له " وروى مالك في الموطأ وأبو داود، الاول بطريق الارسال والثانى بطريق الاسناد والمرسل اصح عن أبى بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام بلفظ " أيما رجل باع متاعا فأفلس الذى ابتاعه ولم يقبض الذى باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحق به، وإن مات المشترى فصاحب المتاع أسوة الغرماء ". قلت: ولان عقد البيع يلحقه الفسخ بالاقالة فجاز فيه الفسخ لتعذر العوض أو القيمة أو الثمن، كالمسلم فيه إذا تعذر، ولانه إذا شرط في البيع رهنا، فعجز عن تسليمه استحق الفسخ، وهو وثيقة بالثمن، فالعجز عن تسليم الثمن بنفسه أولى.
ويفارق المبيع الرهن، فإن امساك الرهن إمساك مجرد على سبيل الوثيقة وليس ببدل، والثمن ههنا بدل عن العين، فان تعذر استيفاؤه رجع إلى المبدل.
فان قيل: إنهم تساووا - أعنى الغرماء جميعا من وجد عين ماله ومن لم يجد - في سبب الاستحقاق، قلنا: لكن اختلفوا في الشرط، فان بقاء العين شرط لملك الفسخ، وهو موجود في حق من وجد متاعه دون من لم يجده.
إذا ثبت هذا: فان البائع بالخيار، إن شاء رجع في السلعة، وإن شاء لم يرجع وكان أسوة الغرماء، وسواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أقل أو أكثر، لان الاعسار سبب جواز الفسخ، فلا يوجبه كالعيب والخيار ولا يفتقر الفسخ إلى حكم حاكم، لانه فسخ ثبت بالنص فلم يفتقر إلى حكم حاكم، كفسخ النكاح لعتق الامة، وهل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي؟ على وجهين بناء على خيار الرد بالعيب، وفى ذلك روايتان: (إحداهما) هو على التراخي، لانه حق رجوع يسقط إلى عوض، فكان على التراخي كالرجوع في الهبة.

(والثانى) هو على الفور، لانه خيار يثبت في البيع لنقص في العوض، فكان على الفور كالرد بالعيب، ولان جواز تأخيرة يفضى إلى الضرر بالغرماء، لافضائه إلى تأخير حقوقهم، فأشبه خيار الاخذ بالشفعة، وأخد القاضى من الحنابلة بهذا الوجه.
وحكى ابن قدامة الوجهين كهما عندنا.
(فرع) وان اشترى رجل سلعة بثمن في ذمته وكانت قيمة السلعة مثل الثمن أو أكثر، ولا يملك المشترى غير هذه السلعة ولا دين عليه غير هذا الثمن، فهل يجعل هذا المشترى مفلسا، فيكون للبائع الرجوع إلى عين ماله، فيه وجهان حكاهما في الافصاح أبو على الكيال.
أحدهما: يكون مفلسا، فيكون البائع بالخيار بين الرجوع في عين ماله.
والثانى: لا يكون مفلسا، ولكن تباع السلعة ويعطى منها حقه والباقى للمشترى (فرع) وان كان ماله يفى بدينه ولكن ظهرت فيه أمارة الفلس - وقلنا: يجوز الحجر عليه، فحجر عليه - فهل يجوز لمن باع منه شيئا ولم يقبض ثمنه، ووجد عين ماله أن يرجع إلى عين ماله، فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد.

(أحدهما) له أن يرجع إلى عين ماله لقوله صلى الله عليه وسلم " أيما رجل باع متاعا على رجل ثم أفلس المبتاع الحديث " وهذا قد أفلس، لانه محجور عليه بحق الغرماء فجاز لمن وجد عين ماله الرجوع إليه، كما لو كان ماله أقل من دينه.

(والثانى) ليس له الرجوع إلى عين ماله، لانا إنما نجعل للبائع الرجوع إلى عين المال في المواطن التى لا يتمكنون فيها من الوصول إلى كمال حقوقهم، وهذا يتمكن من أخذ جميع حقه فلم يمكن له الرجوع إلى عين ماله.
(فرع) وهل يصح فسخ البائع من غير إذن الحاكم، فيه وجهان.
الاول قاله المصنف: لا يصح إلا بإذن الحاكم، لانه فسخ مختلف فيه فلم يصح إلا بالحاكم كفسخ النكاح بالاعسار بالنفقة.
والثانى: قاله صاحب البيان: يصح بغير اذن الحاكم، لانه فسخ ثبت بنص السنة فهو كفسخ نكاح المعتقة تحت عبد.
فان حكم حاكم بالمنع ففيه وجهان.
أحدهما: يصح حكمه.
لانه مختلف فيه والثانى: لا يصح لانه حكم مخالف لنص السنة.

وهل يشترط أن يكون الفسخ على الفور، أو يجوز على التراخي فيه وجهان (أحدهما) يجوز على التراخي، لانه خيار لا يسقط إلى بدل فجاز على التراخي، كرجوع الاب فيما وهب لابنه، وفيه احتراز من الرد بالعيب، لانه قد يسقط إلى بدل وهو الارش (والثانى) يشترط أن يكون على الفور، لانه خيار لنقص في العوض، فكان على الفور كالرد بالعيب، وفيه احتراز من رجوع الاب في هبته لابنه.
(فرع) إذا رهن البائع المبيع في يد المفلس عند ثبوت الرجوع له فهل يجعل رهنه فسخا للبيع.
فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ في الرهن وحكاية وطئ البائع الجارية المبيعة جعلوا في فسخ البيع وجهين (أحدهما) يكون فسخا كوطئ البائع مبيعته في مدة الخيار (والثانى) لا يكون فسخا.
لان ملك المشترى مستقر فلا يرفع الا بالقول.
(فرع) إذا بذل الغرماء للبائع جميع ماله على أن لا يرجع بالعين المبيعة لم يجبر على ذلك.
وجاز له الرجوع إلى عين ماله.
وقال مالك رضى الله عنه لا يجوز له الرجوع إلى عين ماله.
وقال أحمد وأصحابه كقولنا.
دليلنا: الحديث، ولم يفرق بين ما إذا عرض الثمن أو لم يعرض ولانه تبرع بالحق غير من عليه الحق فلم يلزم من ثبت له الفسخ اسقاط حقه من الفسخ.
كالزوج إذا عسر بالنفقة فجاء أجنبي فبذل لها النفقة ليترك الفسخ، فانه لا يلزمها ذلك وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (فصل) وإن كان قد باعه بعد الافلاس، ففيه وجهان.
أحدهما: أن له أن يفسخ، لانه باعه قبل وقت الفسخ، فلم يسقط حقه من الفسخ كما لو تزوجت إمرأة بفقير ثم أعسر بالنفقة.
والثانى: أنه ليس له أن يفسخ لانه باعه مع العلم بخراب ذمته، فسقط خياره، كما لو اشترى سلعة مع العلم بعيبها.
(الشرح) الاحكام: إذا اشترى عينا بعد أن حجر عليه بثمن في ذمته فقد

ذكرنا أن شراءه صحيح، وهل ثبت للبائع الرجوع إلى عين ماله؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يثبت له الرجوع إلى عين ماله، لانه باعه مع العلم بخراب ذمته، فلم يثبت له الفسخ، كما لو اشترى سلعة معيبة مع العلم بعيبها.
والثانى: يثبت له الفسخ كما لو تزوجت امرأة بفقير مع العلم بحاله، فان لها أن تفسخ النكاح إذا عسر بالنفقة.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وان وجد المبيع وقد قبض من الثمن بعضه، رجع بحصة ما بقى من الثمن لانه إذا رجع بالجميع إذا لم يقبض جميع الثمن رجع في بعضه إذا لم يقبض بعض الثمن، وان كان المبيع عبدين متساويى القيمة وباعهما بمائة، وقبض من الثمن خمسين، ثم مات أحد العبدين، وأفلس المشترى، فالمنصوص في التفليس أنه يأخذ الباقي بما بقى من الثمن، ونص في الصداق: إذا أصدقها عبدين فتلف أحدهما ثم طلقها قبل الدخول، على قولين.
أحدهما: أنه بأخذ الموجود بنصف الصداق مثل قوله في التفليس.
والثانى أنه يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف، فمن أصحابنا من نقل هذا القول إلى البيع، وقال: فيه قولان (أحدهما) أنه يأخذ نصف الموجود ويضرب مع الغرماء بنصف ثمن التالف، وهو اختيار المزني رحمه الله، لان البائع قبض الخمسين من ثمنهما، وما قبض من ثمنه لا يرجع به (والثانى) أنه يأخذ الموجود بما بقى، لان ما أخذ جميعه لدفع الضرر إذا كان باقيا أخد الباقي إذا هلك بعضه كالشقص في الشفعة ومن أصحابنا من قال يأخذ البائع الموجود بما بقى من الثمن قولا واحدا، وفى الصداق قولان، والفرق بينهما أن البائع إذا رجع بنصف الموجود ونصف بدل التالف لم يصل إلى كمال حقه لان غريمه مفلس، والزوج إذا رجع بنصف الموجود ونصف قيمة التالف وصل إلى جميع حقه، لان الزوجة موسرة فلم يجز له الرجوع بجميع الموجود بنصف المهر

(الشرح) الاحكام: إذا باع من رجل عينا بمائة أو عينين بمائة، فقبض البائع من الثمن خمسين والعين المبيعة باقية أو العينان باقيتان، سواء كانت قيمتهما مختلفة أو متساوية، فهل للبائع أن يرجع من المبيع بقدر ما بقى من الثمن؟ حكى ابن الصباغ فيه قولين.
قال في القديم سقط حق البائع من الرجوع إلى الغير ويضرب مع الغرماء بالثمن.
وحكى الشيخ أبو حامد أن هذا هو مذهب مالك ولم يحكه عن القديم.
وقال ابن الصباغ: مذهب مالك إذا قبض شيئا من الثمن والعين باقية كان بالخيار بين أن يرد ما قبض من الثمن ويرجع في العين المبيعة، وبين أن لا يرجع في العين ويضارب مع الغرماء فيما بقى.
ووجه القول القديم حديث أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام الذى أنينا على مختلف طرقه وألفاظه فيما سبق من فصول هذا الباب ولان في رجوعه في بعض العين تبعيضا للصفقة على المشترى وإضطرارا به، فلم يكن ذلك للبائع.
وقال في الجديد: يثبت له الرجوع بخصم ما بقى من الثمن - وهو الصحيح - لانه سبب يرجع به العاقد إلى جميع العين فجاز ان يرجع به إلى بعضها كالفرقة قبل الدخول، وذلك أن الزوج يرجع تارة بجميع الصداق، وهو ما إذا ارتدت أو وجد أحدهما بالآخر عيبا، وتارة بالنصف، وهو ما إذا طلقها قال في البيان: والخبر عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مرسل، لان أبا بكر ليس بصحابى، وان صح فمعنى قوله " فهو أسوة الغرماء " إذا رضى بذلك.
وإن باعه عينين متساويى القيمة بمائة، فقبض البائع من الثمن خمسين وتلف أحد العينين وأفلس المشترى، فإن اختار البائع أن يضرب مع الغرماء بالثمن الذى بقى له فلا كلام، وان اختار الرجوع إلى عين ماله على الجديد فبكم يرجع؟ قال الشافعي يرجع هنا في العين الباقية بما بقى من الثمن.
وقال في الصداق " إذا أصدقها عبدين فتلف أحدهما وطلقها قبل الدخول أنها على قولين (أحدهما) تأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف (والثانى) أنه بالخيار بين أن يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف.

وبين أن يترك الموجود ويأخذ نصف قيمتها، وقال في الزكاة: إذا أصدقها خمسا من الابل فحال عليها الحول فباعت منها بقدر شاة وأخرجتها ثم طلقها قبل الدخول كان له أن يأخذ بعيرين ونصفا، فحصل في الصداق ثلاثة أقوال (أحدها) يأخذ نصف الصداق من الباقي.
وهذا موافق لما قاله في المفلس.

(والثانى) يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف (والثالث) أنه بالخيار بين أن يأخذ الموجود بنصف الصداق وبين أن يترك الموجود ويأخذ نصف قيمتها.
واختلف أصحابنا في مسألة المفلس، فمنهم من قال في المفلس أيضا قولان: (أحدهما) يأخذ الباقي من العينين بما بقى له من الثمن، ويكون النصف الذى أخذ حصة التالف، لانه إنما جاز للبائع أخذ جميع المبيع، إذا وجده كله جاز له أخذ بعضه إذا تعذر جميعه، كما قلنا في الشفيع (والثانى) يأخذ نصف الموجود بنصف ما بقى له، ويضرب مع الغرماء بنصفه، لانه إذا باع شيئين متساويى القيمة بمائة فقد باع كل واحد منهما بخمسين فإذا قبض خمسين من مائة فقد قبض من ثمنهما مجتمعين، بدليل أنهما لو كانا قائمين لرجع في نصفهما، فإذا تلف أحدهما رجع في نصف الباقي بنصف ما بقى.
وضرب مع الغرماء بحصة ما تلف من الذى لم يقبضه، قال هذا القائل: ولا يجئ ها هنا القول الثالث في الصداق، وهو أن يترك الموجود ويأخذ نصف قيمتها.
لان ذمة الزوجة عليه وذمة المفلس خربة، فلا يمكن ترك الشئ كله والرجوع إلى القيمة، لانه لا يصل إليها.
ومن أصحابنا مَنْ حَمَلَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا فَقَالَ فِي الصداق ثلاثة أقوال، وفى المفلس يأخذ البائع العين الباقية بما بقى له من الثمن قولا واحدا، والفرق بينهما أنا إذا قلنا في الصداق: يأخذ الزوج نصف الموجود ونصف قيمة التالف فلا ضرر عليه لانه يصل إلى حقه لان ذمة الزوجة مليئة، وفى المفلس لو قلنا: يأخذ البائع نصف الباقي بنصف ما بقى له، ويضرب مع الغرماء بنصف ما بقى له لم يأمن ألا يصل إلى الكمال من حقه، لان ذمة المفلس خربة

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل