المجموع شرح المهذبصفحات 202-241
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 202-241
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(فالجواب) من أوجه (أحدها) أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَيَّنَ الجواز بقوله صلى االه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) (الثَّانِي) أَنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَكَرَّرُ فِعْلُهُ فَفَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ يَسِيرَةً عَلَى أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَيُدَاوِمُ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَدَاوَمَ عَلَى الثَّلَاثِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ (الثَّالِثُ) أَنَّ بَيَانَ الْجَوَازِ إنَّمَا يَكُونُ فِي شئ اُشْتُهِرَ أَكْمَلُ أَحْوَالِهِ بِحَيْثُ يُخَافُ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هُنَا

  • وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ دَلِيلٍ صَرِيحٍ صَحِيحٍ فِي مُقَابِلَتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَإِنَّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ إسْنَادَهُ ليس بقوى فيجاب عنه باربعة أَجْوِبَةٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ إسْنَادَهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ (الثَّانِي) أَنَّ فِيهِ بَيَانَ فَضِيلَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ فَوْقِ الْمِيقَاتِ فِيهِ فَضِيلَةٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا الْجَوَابُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْمَسْجِدِ الاقصي (فالجواب) ان فيه فائدة وهى تبين قَدْرَ الْفَضِيلَةِ فِيهِ (الْجَوَابُ الثَّالِثُ) أَنَّ هَذَا مُعَارِضٌ لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَكَرِّرِ فِي حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ فَكَانَ فِعْلُهُ الْمُتَكَرِّرُ أَفْضَلَ (الرابع) أن هذه الفضيلة جائت فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لِأَنَّ لَهُ مَزَايَا عَدِيدَةً مَعْرُوفَةً وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَبِهِ قَالَ عطاء والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحق وَرُوِيَ عَنْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ وَرَجَّحَ آخَرُونَ دُوَيْرَةَ أَهْلِهِ وهو الْمَشْهُورَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وعبد الرحمن وأبى إسحق يَعْنِي السَّبِيعِيِّ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إِيلِيَّا وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ

(فَرْعٌ) إنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مِيقَاتِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ حَيْثُ جَازَ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ أَنَّ مِيقَاتَ الْمَكَانِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ بِخِلَافِ مِيقَاتِ الزَّمَانِ وَاَللَّهُ اعلم * قال المصنف رحمه الله

  • (ومن كان داره دون الميقات فيمقاته موضعه ومن جاوز الميقات قاصدا إلى موضع قبل مكة ثم أراد النسك أحرم من موضعه كما إذا دخل مكة لحاجة ثم اراد الاحرام كان ميقاته من مكة)
  • (الشَّرْحُ) مَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فيمقاته مَوْضِعُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا كَانَ فِي قَرْيَةٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَبْعَدِ مِنْهَا إلَى مَكَّةَ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَدْنَى إلَى مَكَّةَ جَازَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَوَاقِيتِ الخمسة فان خرج من قرية وَفَارَقَ الْعُمْرَانَ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ ثُمَّ أَحْرَمَ كَانَ آثِمًا وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِلْإِسَاءَةِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا سَقَطَ الدَّمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ خِيَامٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِ أَطْرَافِ الْخِيَامِ إلَى مَكَّةَ وَيَجُوزُ مِنْ الطَّرَفِ الْأَدْنَى إلَى مَكَّةَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَارِقَهَا إلَى جِهَةِ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ
  • وَإِنْ كَانَ فِي وَادٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقْطَعَ طَرَفَيْهِ مُحْرِمًا فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ إلَى مَكَّةَ جَازَ فَإِنْ كَانَ فِي بَرِّيَّةٍ سَاكِنًا مُنْفَرِدًا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَا يُفَارِقُهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ كُلَّهُ أصحابنا في الطريقين قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ كَانَ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَتَرَكَهُ وَقَصَدَ الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ جَازَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ كَالْمَكِّيِّ إذَا لَمْ يُحْرِمْ مِنْ مَكَّةَ بَلْ خَرَجَ إلَى مِيقَاتٍ فَأَحْرَمَ مِنْهُ جَازَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا مَرَّ الْآفَاقِيُّ بِالْمِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا نَحْوَ الْحَرَمِ ثُمَّ عَنَّ لَهُ قَصْدُ النُّسُكِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ حَيْثُ عَنَّ له هذا القصد وان كان قاصد الْحَرَمَ لِحَاجَةٍ فَعَنَّ لَهُ النُّسُكُ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ (فَإِنْ قُلْنَا) مَنْ أَرَادَ الْحَرَمَ لِحَاجَةٍ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فَهَذَا يَأْثَمُ بِمُجَاوَزَتِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَهُوَ كَمَنْ قَصَدَ النُّسُكَ وَجَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ
  • وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَصَحِّ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فَهُوَ كَمَنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ دُخُولَ الْحَرَمِ
  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا ان من مسكنه بين مكة والميقات فيمقاته موضعه وبه قال طاووس وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْجُمْهُورُ
  • وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُحْرِمُ

مِنْ مَكَّةَ

  • وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ (أَمَّا) إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثور وابن المنذر
  • وقال احمد واسحق يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى الْمِيقَاتِ
  • (فَرْعٌ) حَكَى الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْفُرْعِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ بِلَادٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بَيْنَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَتَكُونُ دُونَ مِيقَاتِ الْمَدَنِيِّ وَابْنُ عُمَرَ مَدَنِيٌّ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا تَأْوِيلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْفُرْعِ لِحَاجَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ مَكَّةَ ثُمَّ أَرَادَ النُّسُكَ فَإِنَّ مِيقَاتَهُ مَكَانُهُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَرَجَعَ قَاصِدًا إلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا بَلَغَ الْفُرْعَ بَدَا لَهُ أَنْ يرجع إلى مكة فميقاته مكانه * قال المصنف رحمه الله
  • (ومن كان من اهل مكة واراد الحج فميقاته من مكة وان اراد العمرة فميقاته من ادني الحل والافضل ان يحرم مِنْ الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم اعتمر منها فان اخطأها فَمِنْ التَّنْعِيمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم اعمر عائشة من التنعيم)

(الشَّرْحُ) أَمَّا إحْرَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَصَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَيْضًا من رواية محرش الْكَعْبِيِّ الْخُزَاعِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مُحَرِّشٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَبَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ هَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي ضَبْطِهِ وَلَا يَذْكُرُ ابْنُ مَاكُولَا وَجَمَاعَةٌ الا هذا (والثانى) محرش بكسر الميم اسكان الْمُهْمَلَةِ (وَالثَّالِثُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِمَّنْ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فِيهِ أَبُو عُمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَمَّا الْجِعْرَانَةُ فَبِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَكَذَا الْحُدَيْبِيَةُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا وَبِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ هما

بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ وَالصَّحِيحُ تَخْفِيفُهُمَا وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ وَالتَّنْعِيمُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَهُوَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَقِيلَ أَرْبَعَةٌ قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ عَنْ يَمِينِهِ جَبَلًا يُقَالُ لَهُ نَعِيمٌ وَعَنْ شِمَالِهِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ نَاعِمٌ وَالْوَادِي نُعْمَانُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) مِيقَاتُ الْمَكِّيِّ بِالْحَجِّ نَفْسُ مَكَّةَ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ مَكَّةُ وَسَائِرُ الْحَرَمِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَاضِحَةً بِفُرُوعِهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَكِّيِّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَوْطِنَهَا أَوْ عَابِرَ سبيل (المسألة الثانية) إذا كان بمكة مسستوطنا أو عبار سبيل وأراد العمرة فيمقاته أَدْنَى الْحِلِّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ أَصْحَابُنَا يَكْفِيهِ الْحُصُولُ فِي الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيْ الْجِهَاتِ كَانَ جِهَاتُ الْحِلِّ هَذَا هُوَ الْمِيقَاتُ الْوَاجِبُ (وَأَمَّا) المصتحب فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ أُحِبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ مِنْهَا فَإِنْ أَخْطَأَهُ مِنْهَا فَمِنْ التَّنْعِيمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنْهَا وَهِيَ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى الْبَيْتِ فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذَلِكَ فَمِنْ الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهَا مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَبَعْدَهَا فِي الْفَضِيلَةِ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهَذَا فِي كُلِّ الطُّرُقِ وَلَا خِلَافَ في شئ منه الا ان الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ قَالَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الِاعْتِمَارَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّنْعِيمِ فَقَدَّمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَلَى التَّنْعِيمِ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ التَّنْعِيمِ فَغَلَطٌ وَمُنْكَرٌ لَا يُعَدُّ من المذهب الا أن يتأول على إذَا أَرَادَ أَفْضَلَ أَدْنَى الْحِلِّ التَّنْعِيمَ فَإِنَّهُ قَالَ أَوَّلًا خَرَجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ التَّنْعِيمِ فَالِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ أَحْسَنُ مِنْ تَخْطِئَتِهِ وَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ خَفِيَّةً أَوْ غَرِيبَةً لِيُعْذَرَ فِي الْغَلَطِ فِيهَا وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ لِلْإِحْرَامِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ التَّنْعِيمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهَا وَأَرَادَ الْمَدْخَلَ لِعُمْرَتِهِ مِنْهَا وَهَذَا صَحِيحٌ معروف في الصحيحين وغيرهما وكذلك استدل محققوا الْأَصْحَابِ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال هُوَ الصَّوَابُ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ وَقَوْلُ غَيْرِهِ إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَمَّ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَغَلَطٌ صَرِيحٌ بَلْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *

(فَإِنْ قِيلَ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْجِعْرَانَةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّنْعِيمِ فَكَيْفَ أَعْمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَعْمَرَهَا مِنْهُ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ وَقَدْ كَانَ خُرُوجُهَا إلَى التَّنْعِيمِ عِنْدَ رَحِيلِ الْحَاجِّ وَانْصِرَافِهِمْ وَوَاعَدَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَوْضِعٍ فِي الطَّرِيقِ هَكَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا بَيَانُ الْجَوَازِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُحْرِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَلَا يُقَدِّمُ الْإِحْرَامَ قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ فَيُحْرِمُ قَبْلَ الْيَوْمِ السَّادِسِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُمْكِنَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ السَّابِقِ فِي أَحْكَامِ التَّمَتُّعِ فِي فَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَذَكَرْنَا فِيهِ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ وَدَلِيلَ الْمَسْأَلَةِ * قال المصنف رحمه الله
  • (ومن بلغ الميقات مريدا للنسك لم يجز أن يجاوزه حتى يحرم لما ذكرناه من حديث ابن عباس رضى الله عنهما فان جاوزه وأحرم دونه نظرت فان كان له عذر بأن يخشي ان يفوته الحج أو الطريق مخوف لم يعد وعليه دم وان لم يخش شيئا لزمه ان يعود لانه نسك واجب مقدور عليه فلزمه الاتيان به فانه لم يرجع لزمه الدم وان رجع نظرت فان كان قبل ان يتلبس بنسك سقط عنه الدم لانه قطع المسافة بالاحرام وزاد عليه فلم يلزمه دم وان عاد بعد ما وقف أو بعد ما طاف لم يسقط عنه الدم لانه عاد بعد فوات الوقت فلم يسقط عنه الدم كما لو دفع من الموقف قبل الغروب ثم عاد في غير وقته)
  • (الشَّرْحُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا انْتَهَى الْآفَاقِيُّ إلَى الْمِيقَاتِ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ الْقِرَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مُجَاوَزَتُهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ بالاجماع فان جاوزه فهو مسئ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا كَالشَّامِيِّ يَمُرُّ بِمِيقَاتِ الْمَدِينَةِ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَتَى جَاوَزَ مَوْضِعًا يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَالْإِحْرَامُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ كَخَوْفِ الطَّرِيقِ أَوْ انْقِطَاعٍ عَنْ رُفْقَتِهِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ مَرَضٍ شَاقٍّ أو أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَمَضَى وَعَلَيْهِ دَمٌ إذَا لَمْ يَعُدْ فَقَدْ أَثِمَ بِالْمُجَاوَزَةِ وَلَا يَأْثَمُ يترك الرُّجُوعِ فَإِنْ عَادَ فَلَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) يَعُودُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ

بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ لَا دَمَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ دَخَلَ مَكَّةَ أَمْ لَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ إنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ الْمِيقَاتِ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ وَجَبَ وَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَوْدِ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَسْقُطُ وَهَذَا التَّفْصِيلُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ مجاوزة الميقات ثم يعود إلى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) فِي سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ

  • قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هُمَا قَوْلَانِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَقُولُ وَجْهَانِ
  • قَالَ وَالصَّحِيحُ قَوْلَانِ وَسَوَاءٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ رَجَعَ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ لَكِنَّهُمْ شَرَطُوا رُجُوعَهُ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُفَصَّلُ فَإِنْ عَادَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ وَإِنْ عَادَ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ سَوَاءٌ كَانَ النُّسُكُ ركنا كالوقوف والسعى أو سنة كطواف الوقوف وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلتَّلَبُّسِ بِالسُّنَّةِ فَيَسْقُطُ بِالْعَوْدِ بَعْدُ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ كَمَا لَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ مِمَّا دُونَ الْمِيقَاتِ وَعَادَ إلَيْهِ بَعْدَ طَوَافِهَا فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِالْعَوْدِ بِلَا خِلَافٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَيُخَالِفُ الْمُعْتَمِرَ فَإِنَّهُ عَادَ بَعْدَ فِعْلِهِ معظم أفعال النسك والحاج لم يأت بشئ مِنْ أَعْمَالِ النُّسُكِ الْوَاجِبَةِ فَسَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ
  • وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِزَوَالِ الْإِسَاءَةِ بِالْعَوْدِ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهَلْ يَكُونُ مُسِيئًا بِالْمُجَاوَزَةِ إذَا عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ حَيْثُ سَقَطَ الدَّمُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي الْفُرُوعِ
  • الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسِيئًا لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ مُحْرِمًا (وَالثَّانِي) يَصِيرُ مُسِيئًا لِأَنَّ الْإِسَاءَةَ حَصَلَتْ بِنَفْسِ الْمُجَاوَزَةِ فَلَا يَسْقُطُ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الدَّمِ فِي كُلِّ هَذَا بَيْنَ الْمُجَاوِزِ لِلْمِيقَاتِ عَامِدًا عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا لَكِنْ يَفْتَرِقُونَ فِي فِي الْإِثْمِ فَلَا إثْمَ عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا وَيُخَالِفُ مَا لَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا لَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ عِنْدَنَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ كَالْأَكْلِ وَالصَّوْمِ وَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ (وَأَمَّا) الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَمَأْمُورٌ بِهِ وَالْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يُجْعَلُ عُذْرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (وَأَمَّا) إذَا مَرَّ بِالْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ثُمَّ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ أَدْخَلَ النُّسُكَ الْآخَرَ عَلَيْهِ بِأَنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ أَوْ عَكْسُهُ وَجَوَّزْنَاهُ فَفِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ

(أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَأَحْرَمَ بَعْدَهُ (وَالثَّانِي) لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُحْرِمًا فَصَارَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْمِيقَاتِ إحْرَامًا مُبْهَمًا فَلَمَّا جَاوَزَ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ فَأَحْرَمَ دُونَهُ اتم فَإِنْ عَادَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ سَوَاءٌ عَادَ مُلَبِّيًا أَمْ غَيْرَ مُلَبٍّ
  • هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ
  • وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَزُفَرُ وَأَحْمَدُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِالْعَوْدِ
  • وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ عَادَ مُلَبِّيًا سَقَطَ الدَّمُ وَإِلَّا فَلَا
  • وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْمُجَاوِزِ مُطْلَقًا قَالَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ
  • وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقْضِي حَجَّتَهُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ سمعت الشريفي الْعُثْمَانِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَقُولُ إذَا جَاوَزَ الْمَدَنِيُّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلنُّسُكِ فَبَلَغَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مِيقَاتِ بَلَدٍ آخَرَ كَذَاتِ عِرْقٍ أَوْ يَلَمْلَمَ وَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُجَاوَزَةِ ذِي الْحُلَيْفَةِ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِإِرَادَتِهِ النُّسُكَ لَمَّا بَلَغَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَصَارَ كَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَقُلْنَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهَا لَا دَمَ عَلَيْهِ هَذَا نَقْلُ صاحب البيان وهو محتمل وفيه نظر * قال المصنف رحمه الله
  • (وان نذر الاحرام من موضع فوق الميقات لزمه الاحرام منه فان جاوزه وأحرم دونه كان كمن جاوز الميقات واحرم دونه في وجوب العود والدم لانه وجب الاحرام منه كما وجب من الميقات فكان حكمه حكم الميقات وان مر كافر بالميقات مريدا للحج فاسلم دونه واحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه الدم وقال المزني لا يلزمه لانه مر بالميقات وليس هو من أهل النسك فاشبه إذا مر به غير مريد للنسك ثم أسلم دونه واحرم وهذا لا يصح لانه ترك الاحرام من الميقات وهو مريد للنسك فلزمه الدم كالمسلم وان مر بالميقات صبي وهو محرم أو عبد وهو محرم فبلغ الصبى أو عتق العبد ففيه قولان (أحدهما) أنه يجب عليه دم لانه ترك الاحرام بحجة الاسلام من الميقات (والثانى) لا يلزمه لانه جاوز الميقات وهو محرم فلم يلزمه دم كالحر البالغ)

(الشَّرْحُ) (أَمَّا) مَسْأَلَةُ النَّذْرِ فَهِيَ كَمَا قَالَهَا الْمُصَنِّفُ (وَأَمَّا) مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ وَمَسْأَلَةُ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ فَقَدْ سَبَقَتَا وَاضِحَتَيْنِ بِفُرُوعِهِمَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الحج عند احرام الصبي وبالله التوفيق *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَخَرَجَ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَأَحْرَمَ فَإِنْ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى وَقَفَ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِّيِّ إذَا أَحْرَمَ مِنْ دون الميقات وإن خرج من مكة لى خارج البلد وأحرم في موضع من احرم فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِأَنَّ مَكَّةَ وَالْحَرَمَ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمِيقَاتَ هُوَ الْبَلَدُ وَقَدْ تَرَكَهُ فَلَزِمَهُ الدَّمُ وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَأَحْرَمَ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ نَظَرْتَ فَإِنْ خَرَجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لَمْ يَلْزَمْهُ دم لانه دخل الحرم فَأَشْبَهَ إذَا أَحْرَمَ أَوَّلًا مِنْ الْحِلِّ وَإِنْ طَافَ وَسَعَى وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ فَفِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُعْتَدُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ عَنْ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْحَرَمَ بِإِحْرَامٍ فَلَمْ يُعْتَدَّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ كَغَيْرِ الْمَكِّيِّ إذَا جَاوَزَ مِيقَاتَ بَلَدِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَحْرَمَ ودخل مكة وطاف وسعى)
  • (الشَّرْحُ) أَمَّا إحْرَامُ الْمَكِّيِّ بِالْحَجِّ فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى وَأَمَّا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مِيقَاتَهُ الْوَاجِبَ فِيهَا أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةٍ وَالْمُسْتَحَبُّ إحْرَامُهُ مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَإِنْ فَاتَهُ فَالتَّنْعِيمُ ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ فَإِنْ خَالَفَ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ لَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ بَلْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَتَصِحُّ عُمْرَتُهُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْأُمِّ وَذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) يُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ الْوَاجِبِ (وَالثَّانِي) لَا يُجْزِئُهُ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَجْمَعَ فِي عُمْرَتِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَمَا يَجْمَعُ الْحَاجُّ فِي حَجِّهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ وُقُوفُهُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَهُمَا فِي الْحَرَمِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ الحلق لا شئ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الوطئ وَاقِعًا قَبْلَ التَّحَلُّلِ لَكِنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُتَحَلِّلٌ فَيَكُونُ كَجِمَاعِ النَّاسِي وَفِي كَوْنِهِ مُفْسِدًا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُفْسِدًا لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَيَعُودَ فَيَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ

وَكَفَّارَةُ الْجِمَاعِ وَدَمُ الْحَلْقِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ (وَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَصَحِّ إنَّ جِمَاعَ النَّاسِي لَا يَفْسُدُ فَعُمْرَتُهُ عَلَى حَالِهَا فَلَزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَيَرْجِعَ فَيَطُوفَ وَيَحْلِقَ وَقَدْ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ الْجِمَاعِ وَأَمَّا دَمُ الْحَلْقِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ فِي حَلْقِ النَّاسِي (أَصَحُّهُمَا) يَجِبُ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ فَيَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ فَيُعْتَدَّ بِذَلِكَ وَتَتِمَّ عُمْرَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَفِي سُقُوطِ دَمِ الْإِسَاءَةِ عَنْهُ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ سُقُوطُهُ (وَالثَّانِي) عَلَى طَرِيقَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) الْقَطْعُ بِسُقُوطِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ في من جاوز الميقات غير محرم (فإذا قلنا) بالمذهب فَالْوَاجِبُ خُرُوجُهُ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ الْأَعْمَالِ إمَّا فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ وَإِمَّا بَعْدَهُ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا يَسْقُطُ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْخُرُوجُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ فِي بَلَدِهِ أَنْ يَخْرُجَ مُتَوَجِّهًا فِي طَرِيقِ حَجِّهِ عَقِبَ إحْرَامِهِ وَلَا يُقِيمَ بَعْدَ إحْرَامِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَكَذَا لَوْ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ صَحِيحٌ فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يَخْرُجَ عَقِبَ إحْرَامِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إحْرَامُ الْمَكِّيِّ عِنْدَ إرَادَتِهِ التَّوَجُّهَ إلَى مِنًى وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُ هَذَا وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
  • بَابُ الْإِحْرَامِ وَمَا يَحْرُمُ فِيهِ (إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ لاحرامه) وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ اغْتَسَلَتْ لِلْإِحْرَامِ لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ (أَنَّ أسماء بنت عميس ولدت محمد ابن أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْدَاءِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوهَا فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتُهِلَّ) وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ يُرَادُ بِهِ النُّسُكَ فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَائِضُ وَالطَّاهِرُ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ تَيَمَّمَ لِأَنَّهُ غُسْلٌ مَشْرُوعٌ فَانْتُقِلَ فِيهِ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ فِي الْأُمِّ وَيُغْتَسَلُ لِسَبْعَةِ مَوَاطِنَ لِلْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ تَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ فَاسْتُحِبَّ لَهَا الِاغْتِسَالُ وَلَا يُغْتَسَلُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ وَقْتَهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى آخِرِ النَّهَارِ فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَأَضَافَ إلَيْهَا فِي الْقَدِيمِ الْغُسْلَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ لَهُمَا وَلَمْ يستحبه في الجديد لان وَقْتَهُمَا مُتَّسَعٌ فَلَا يَتَّفِقُ اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِيهِمَا)
  • (الشَّرْحُ) حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ الْقَاسِمِ فِي قِصَّةِ أَسْمَاءَ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) حَدِيثُ الْقَاسِمِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ هَكَذَا مُرْسَلًا كَمَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْمَاءَ وَلَدَتْ فَذَكَرَهُ بِكَمَالِهِ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي إرْسَالَ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْقَاسِمَ تَابِعِيٌّ وهو القاسم ابن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ وَلَدَتْ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِهِ هَكَذَا مُتَّصِلًا بِذِكْرِ عَائِشَةَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي روايته الاخرى وغيرهم فالحديث متصل صصحيح وَكَفَى بِهِ صِحَّةً رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَهُ فِي صَحِيحِهِ وَوَصْلُهُ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رواية عبيد الله بن عمر العميري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَنَاهِيكَ بِهَذَا صِحَّةً وَثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَسْمَاءُ هَذِهِ هِيَ امْرَأَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَبُوهَا عُمَيْسٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كتاب الطهارة والبيداء بفتح الباء وبالمد والمراد به هنا مكن بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَقَدْ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَذَكَرَهُ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مُرُوهَا) أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ لِتُهِلَّ يَجُوزُ فِي لَامِ لِتُهِلَّ الْكَسْرُ وَالْإِسْكَانُ وَالْفَتْحُ وَهُوَ غَرِيبٌ وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ (مُرْهَا) وَفِي بَعْضِهَا (مُرُوهَا) بِزِيَادَةِ وَاوٍ وَذَكَرَ الْإِمَامُ مَحْمُودُ بْنُ خيلياشي بْنِ عبد الله الخيلياشى انه رآه هكذا بخط المصنف

(وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَابُ الْإِحْرَامِ وَمَا يَحْرُمُ فِيهِ فَكَذَا قَالَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ مِنْ يَحْرُمُ وَلَيْسَ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ لِأَنَّهُ صَدَّرَ الْبَابَ بمقدمات الاحرام من الاغتسال والتنظف وَالتَّطَيُّبِ وَالصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِحْرَامَ نَفْسَهُ وَهُوَ النِّيَّةُ فَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي تَرْجَمَةِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ مَا يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَلَوْ كَانَ بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى إرَادَةِ مَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ لَكَانَتْ التَّرْجَمَةُ قَاصِرَةً لِأَنَّهُ يَكُونُ مُدْخِلًا فِي الْبَابِ مَا لَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ وَهُوَ مُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ وَهِيَ مُعْظَمُ الباب فتعين ما قلناه والحمد الله وَهُوَ أَعْلَمُ

  • (وَقَوْلُهُ) لِأَنَّهُ غُسْلٌ يُرَادُ لِلنُّسُكِ احْتِرَازٌ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالْجُمُعَةِ وَأَرَادَ بِالنُّسُكِ مَا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ (وَقَوْلُهُ) غُسْلٌ مَشْرُوعٌ ذَكَرَ الْقَلَعِيُّ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ الْغُسْلِ لِلدُّخُولِ عَلَى السُّلْطَانِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِمَا وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ تَقْرِيبَ الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ دُونَ الِاحْتِرَازِ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَجِبُ هَذَا الْغُسْلُ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ مُتَأَكَّدَةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِغَيْرِ غُسْلٍ جَائِزٌ قَالَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْإِحْرَامِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا نَسِيَ الْغُسْلَ يَغْتَسِلُ إذَا ذَكَرَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ أَنَّهُ غُسْلٌ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ أَسْتَحِبُّ الغسل عند الاحرام للرجل والصبي والمرأة الحائض والنفساء وكل من اراد الاحرام قال اكره تَرْكَ الْغُسْلِ لَهُ وَمَا تَرَكْتُ الْغُسْلَ لِلْإِحْرَامِ ولقد كنت أغتسل له مريضا له فِي السَّفَرِ وَأَنِّي أَخَافُ ضَرَرَ الْمَاءِ وَمَا صَحِبْتُ أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ رَأَيْتُهُ تَرَكَهُ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ عَدَا بِهِ أَنْ رَآهُ اخْتِيَارًا قَالَ وَإِذَا أَتَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ الْمِيقَاتَ وَعَلَيْهِمَا مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ طُهْرُهُمَا وَأَدْرَكَهُمَا الْحَجُّ بِلَا عِلَّةٍ أَحْبَبْتُ اسْتِئْخَارَهُمَا لِيَطْهُرَا فَيُحْرِمَا طَاهِرَتَيْنِ وَإِنْ أَهَلَّتَا غَيْرَ طَاهِرَتَيْنِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا وَلَا فِدْيَةَ قَالَ وَكُلُّ مَا عَمِلَتْهُ الْحَائِضُ عَمِلَهُ الرَّجُلُ الْجُنُبُ وَالْمُحْدِثُ وَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ لَا يَعْمَلَهُ كُلَّهُ إلَّا طَاهِرًا قَالَ وَكُلُّ عَمَلِ الْحَجِّ تَعْمَلُهُ الْحَائِضُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ مِنْ الرِّجَالِ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَرَكْعَتَيْهِ هَذَا آخِرُ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ بِحُرُوفِهِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَلَى جَمِيعِ هَذَا إلَّا قَوْلًا شَاذًّا ضَعِيفًا حَكَاهُ

الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يُسَنُّ لَهُمَا الْغُسْلُ (وَالصَّوَابُ) اسْتِحْبَابُهُ لَهُمَا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَغْتَسِلَانِ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْإِحْرَامِ كَمَا يَنْوِي غَيْرُهُمَا وَلِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي نِيَّتِهِمَا احْتِمَالٌ (الثَّانِيَةُ) إذَا عَجَزَ الْمُحْرِمُ عَنْ الْغُسْلِ تَيَمَّمَ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ يَتَيَمَّمُ الْعَاجِزُ

  • قَالَ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ احْتِمَالًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يتيمم قال وذاك الاحتمال جَارٍ هُنَا وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ أَحْسَنُ وَأَعَمُّ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي قَوْلِهِمْ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ لِأَنَّ الْعَجْزَ يَعُمُّ عَدَمَ الْمَاءِ وَالْخَوْفِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ واحد (وأما) إذا وجد من الماء مالا يكفه لِلْغُسْلِ فَقَدْ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُقْنِعِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ إنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ مَعَ التَّيَمُّمِ فَحَسَنٌ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يقتصر علي الوضوء فليس بمعقول وَلَا يُوَافَقُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ وَلَا يَقُومُ الْوُضُوءُ مَقَامَ الْغُسْلِ وَلَا يَرِدُ هَذَا عَلَى الْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَنَامَ أَوْ يُجَامِعَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ الْجُنُبَ الَّذِي فِيهِ الْكَلَامُ وَاجِدٌ لِمَا يَكْفِيهِ لِغُسْلِهِ وَلَا يُفِيدُهُ التَّيَمُّمُ شَيْئًا وَلَا يَصِحُّ لِلْقُدْرَةِ على الماء ويفيده الوضوء رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ أَعْضَائِهِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ وَفِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ هُوَ عَادِمٌ لِمَا يَكْفِيهِ لِغُسْلِهِ فنظيره من الجنب أن يكون عاد ما لِمَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ مَعَ الوضوء أو يتيم مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ يَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ لِسَبْعَةِ مَوَاطِنَ لِلْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَلِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا الِاغْتِسَالُ وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْأُمِّ كَذَا هُوَ فِي الْأُمِّ وَكَذَا نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْأُمِّ وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ نُصُوصِهِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا وَلَيْسَ هَذَا التَّعْلِيلُ فِي الْأُمِّ أَعْنِي قَوْلَهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ بَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ فِي ذَلِكَ بِآثَارٍ ذَكَرَهَا قَالَ فِي الْأُمِّ عَقِبَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ وَأَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْبَدَنِ بِالْعَرَقِ وَغَيْرِهِ تَنْظِيفًا لِلْبَدَنِ قَالَ فَلِذَلِكَ أُحِبُّهُ لِلْحَائِضِ قَالَ وَلَيْسَ وَاحِدٌ من هذا واجبا والله أعلم
  • (وقوله) وللوقوف بِمُزْدَلِفَةَ يَعْنِي الْوُقُوفَ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ قزح وذلك الوقف يَكُونُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَكَذَا قَالَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ

فِي هَذَا الْغُسْلِ إنَّهُ لِلْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأُمِّ وَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ صَرِيحًا وَخَالَفَهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُقْنِعِ وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي فَقَالُوا الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْغُسْلَ لِلْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَلْ جَعَلُوا الْغُسْلَ السَّابِعَ هُوَ الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِهَا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمَبِيتَ بِهَا لَيْسَ فِيهِ اجْتِمَاعٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى غُسْلٍ بِخِلَافِ الوقوف فالصواب أن الغسل السابع للوقوف بِالْمُزْدَلِفَةِ وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْمَبِيتِ بِهَا وَقَوْلُهُمْ لِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ يَعْنُونَ الْجَمَرَاتِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَغْتَسِلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ غُسْلًا وَاحِدًا لِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ وَلَا يَغْتَسِلُ لِكُلِّ جَمْرَةٍ فِي انْفِرَادِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْحَجِّ سَبْعَةٌ فَقَطْ هُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ وَأَضَافَ إلَيْهَا فِي الْقَدِيمِ اسْتِحْبَابَهُ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ هَكَذَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ عَنْ الْقَدِيمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ أَضَافَ إلَى هَذَيْنِ الْغُسْلَيْنِ وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَدِيمِ غُسْلًا ثَالِثًا وَهُوَ الْغُسْلُ لِلْحَلْقِ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُهُ وَطُرُقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وقد ذكر المصنف دليله والله أعلم *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (ثم يتجرد عن المخيط في ازار ورداء أبيضين ونعلين لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ليحرم أحدكم في ازار ورداء ونعلين) والمستحب أن يكون ذلك بياضا لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قَالَ الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فيها موتاكم) والمستحب أن يتطيب في بدنه لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قبل أن يطوف بالبيت) ولا يطيب ثوبه لانه ربما نزعه للغسل فيطرحه على بدنه فتجب به الفدية والمستحب أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بذى الحليفة ركعتين ثم أحرم) وفى الافضل قولان (قال) في القديم الافضل أن يحرم عقب الركعتين لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل في دبر الصلاة) (وقال) في الام الافضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته ان كان راكبا وإذا ابتدأ السيران كان راجلا لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا رُحْتُمْ إلَى منى

متوجهين فأهلوا بالحج) ولانه إذا لبى مع السير وافق قوله فعله وإذا لبي في مصلاه لم يوافق قوله فعله فكان ما قلناه أولى)

  • (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ (لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من المدينة بعد ما تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ولم ينه عن شئ مِنْ الْأُزُرِ وَالْأَرْدِيَةِ يُلْبَسُ إلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تردع علي الجلد حتى أصبح بذى الحيلفة رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ) ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (وَقَوْلُهُ) تَرْدَعُ الْجِلْدَ أَيْ تُلَطِّخُهُ إذَا لُبِسَتْ وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقٍ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ثُمَّ دَالٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ عَيْنٌ مُهْمَلَتَيْنِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الرَّدْعُ بِالْعَيْنِ المهملة أثر من الطيب كالزعفران والرذع بالمعجمة الطين وقال أبو بكر ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (وَلِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) قَالَ وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ والشافعي وأحمد واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ يَقُولُونَ يَلْبَسُ الَّذِي يُرِيدُ الْإِحْرَامَ إزَارًا وَرِدَاءً هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَيْرَةَ وَغَيْرِهِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في من لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ (فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) وَثَبَتَ فِيهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (من لم يجد الازار فليلبس السروال وَمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ) وَمِثْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خِيَارِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْجَنَائِزِ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ وَبَيَانُهُ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَهُوَ حَدِيثٌ مُسْتَفِيضٌ مَشْهُورٌ جِدًّا وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ قَالَتْ (كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) وَفِي بعض

الرِّوَايَاتِ مَفَارِقِ (وَفِي بَعْضِهَا) (وَبِيصِ الْمِسْكِ) وَالْمَفَارِقُ جَمْعُ مَفْرِقٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ هُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ حَيْثُ يَنْفَرِقُ الشَّعْرُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَالْوَبِيصُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْبَرِيقُ وَاللَّمَعَانُ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا رَوَيَا صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم ركعتين بذى الحيلفة فَحَدِيثُ جَابِرٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمُ الْفَوَائِدِ فِيهِ مَنَاسِكُ وَمُعْظَمُهَا ذُكِرَ فِيهِ كُلُّ مَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ إلَى فَرَاغِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِطُولِهِ وَلَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ كِفَايَةٌ عَنْهُ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَرْكَبُ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قائمة أحرم ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ ضَعِيفُ الاسناد لان في اسناده حصيف الجررى قَالَ وَهُوَ غَيْرُ قَوِيٍّ وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَأَمَّا) قَوْلُ البيهقى ان حصيف غَيْرُ قَوِيٍّ فَقَدْ خَالَفَهُ فِيهِ كَثِيرُونَ مِنْ الْحُفَّاظِ وَالْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْبَيَانِ فَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَوَثَّقَهُ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِيهِ هُوَ صَالِحٌ وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ إنَّهُ حَسَنٌ لَعَلَّهُ اُعْتُضِدَ عِنْدَهُ فَصَارَ بِصِفَةِ الْحَسَنِ الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ أن النى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا رُحْتُمْ إلَى مِنًى مُتَوَجِّهِينَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ البخاري عن جابر (أَنَّ إهْلَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ذى الحليفة حين استوت به رَاحِلَتُهُ) وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ مِنْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ) الْغَرْزُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا زَايٌ رِكَابٌ وَكَانَ كُورَ الْبَعِيرِ إذَا كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ فَهُوَ رِكَابٌ وَقِيلَ يُسَمَّى غَرْزًا مِنْ أَيْ شئ كَانَ

  • وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً) وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَمَّا أَصْبَحَ وَاسْتَوَتْ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ) وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ بِتَرَجُّحِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • وَمَنْ قَالَ بِتَرَجُّحِ الْإِحْرَامِ عَقِبَ الصَّلَاةِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ لَهُ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ باسناده عن محمد بن اسحق عن حصيف عن سعد بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ (قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ عَجِبْتُ لِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَوْجَبَ فَقَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسَ بِذَلِكَ إنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ حَجَّةً وَاحِدَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا فَلَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أَوْجَبَهُ فِي مَجْلِسِهِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَحَفِظَتْهُ عَنْهُ ثُمَّ رَكِبَ فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَأْتُونَ أَرْسَالًا فَسَمِعُوهُ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ يُهِلُّ فَقَالُوا إنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ ثُمَّ مَضَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا عَلَا عَلَى شَرَفِ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ أَقْوَامٌ فَقَالُوا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ علا على شَرَفَ الْبَيْدَاءِ وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ وَأَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ وَأَهَلَّ حين علا شرف البيداء) قال البيهقي حصيف غَيْرُ قَوِيٍّ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) السُّنَّةُ أَنْ يُحْرِمَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ كَمَا سَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَفِي أَيْ شئ أحرم جاز إلا الخف ونحوه والمحيط كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ أَبْيَضَيْنِ لما ذكره الصمف قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وصاحب البيان وآخرون من الطريقتين الثواب الجديد في هذا أفظل مِنْ الْمَغْسُولِ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدِيدٌ فَمَغْسُولٌ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ جَدِيدَيْنِ وَنَظِيفَيْنِ فَقَدْ يُوهِمُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ وَلَكِنْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ جَدِيدَيْنِ وَإِلَّا نَظِيفَيْنِ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ لَهُ الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي

آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَهُنَاكَ يَنْبَسِطُ الْكَلَامُ فِيهِ بِأَدِلَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ سَوَاءٌ الطِّيبُ الَّذِي يَبْقَى لَهُ جِرْمٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَاَلَّذِي لَا يَبْقَى وَسَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ في جميع الطرق

  • وحكى الرافعي وجها أو التَّطَيُّبَ مُبَاحٌ لَا مُسْتَحَبٌّ
  • وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ التَّطَيُّبُ بِحَالٍ
  • وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وجها أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ التَّطَيُّبُ بِمَا يَبْقَى عَيْنُهُ
  • وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا فِي تَحْرِيمِ مَا يَبْقَى عَيْنُهُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلَيْسَ بشئ وَالصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ مُطْلَقًا
  • قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ قَالَ وَبِهِ قَطَعَ عَامَّةُ الْأَصْحَابُ
  • وَسَنَبْسُطُ أَدِلَّتَهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِهِ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ والعجوز وقالوا والفرق بينه وبين الجمعة فانه يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ الْخُرُوجُ إلَيْهَا مُتَطَيِّبَاتٍ لِأَنَّ مَكَانَ الْجُمُعَةِ يَضِيقُ وَكَذَلِكَ وَقْتُهَا فَلَا يُمْكِنُهَا اجْتِنَابُ الرِّجَالِ بِخِلَافِ النُّسُكِ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا تَطَيَّبَ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا تطيبت ثم لزمتها عدة يَلْزَمُهَا إزَالَةُ الطِّيبِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ آدَمِيٌّ فَالْمُضَايَقَةُ فِيهِ أَكْثَرُ
  • وَلَوْ أَخَذَ طِيبًا مِنْ مَوْضِعِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَرَدَّهُ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ
  • وَلَوْ انْتَقَلَ الطِّيبُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى موضع بالعرق فوجهان (أصحهما) لا شئ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مُبَاحٍ (وَالثَّانِي) عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إنْ تَرَكَهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحِلِّ الْإِذْنِ لانه حصل بغير اختياره فَصَارَ كَالنَّاسِي وَلِأَنَّ حُصُولَهُ هُنَاكَ تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ فَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ عَنْ الْأَصْحَابِ
  • وَلَوْ مَسَّهُ بِيَدِهِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَيَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لِلطِّيبِ ابْتِدَاءً (الثَّالِثَةُ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لا يستحب تطيب ثَوْبِ الْمُحْرِمِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَفِي جَوَازِ تطيبه طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْعِرَاقِيُّونَ جَوَازُهُ فَإِذَا طَيَّبَهُ وَلَبِسَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ وَاسْتَدَامَ لُبْسَهُ جَازَ وَلَا فِدْيَةَ فَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا بَعْدَ إحْرَامِهِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) طَرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) الْجَوَازُ كَمَا سَبَقَ قِيَاسًا عَلَى الْبَدَنِ (وَالثَّانِي) التَّحْرِيمُ لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الثَّوْبِ وَلَا يُسْتَهْلَكُ وَيَلْبَسُهُ أَيْضًا بَعْدَ نَزْعِهِ فَيَكُونُ مُسْتَأْنِفًا لِلطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ (وَالثَّالِثُ) يَجُوزُ بِمَا لَا يَبْقَى لَهُ جِرْمٌ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ قَالُوا فَإِنْ قُلْنَا يَجُوزُ فَنَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ الْوُجُوبُ كَمَا لَوْ أَخَذَ الطِّيبَ مِنْ بَدَنِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ (وَالثَّانِي)

لَا فِدْيَةَ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الثَّوْبِ النَّزْعُ وَاللُّبْسُ فَصَارَ مَعْفُوًّا عَنْهُ

  • وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي طِيبِ الثِّيَابِ قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) يُسْتَحَبُّ كَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الْبَدَنِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ غَرِيبٌ جِدًّا هَذَا كُلُّهُ فِي تَطَيُّبِ ثِيَابِ الْإِحْرَامِ (أَمَّا) إذَا طَيَّبَ الْبَدَنَ فَتَعَطَّرَ ثَوْبُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ أُحِبُّ للمرأة أن تخضب لِلْإِحْرَامِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخِضَابِ لَهَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا لِأَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (فَأَمَّا) إذَا كَانَتْ تُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ اُسْتُحِبَّ لَهَا الْخِضَابُ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَجَمَالٌ وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ إلَى الزِّينَةِ وَالتَّجَمُّلِ لِزَوْجِهَا كُلَّ وَقْتٍ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَاتِ زَوْجٍ وَلَمْ تُرِدْ الْإِحْرَامَ كُرِهَ لَهَا الْخِضَابُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ يُخَافُ بِهِ الْفِتْنَةُ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا بِهَا وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَسَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِ الْخِضَابِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ الْعَجُوزُ وَالشَّابَّةُ كَمَا سَبَقَ فِي التَّطَيُّبِ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَحَيْثُ اخْتَضَبَتْ تَخْضِبُ يَدَيْهَا إلَى الْكُوعَيْنِ وَلَا تَزِيدُ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهَا
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَتَخْضِبُ الْكَفَّيْنِ تَعْمِيمًا ولا تطوف الْأَصَابِعَ وَلَا تَنْقُشُ وَلَا تُسَوِّدُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ
  • وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ مَنْهِيٌّ عَنْ الْخِضَابِ قَالُوا وَكَذَلِكَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَنْ تَمْسَحَ وجهها أيضا بشئ مِنْ الْحِنَّاءِ قَالَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَفِي خضاب كفها أن يستر لَوْنُ الْبَشَرَةِ لِأَنَّهَا تُؤْمَرُ بِكَشْفِ الْوَجْهِ وَقَدْ يَنْكَشِفُ الْكَفَّانِ أَيْضًا
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ الْحِنَّاءَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ فَاسْتُحِبَّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَالطِّيبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعى عمرتك وانقضى رَأْسَكَ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ) وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَتْ عَلَى وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فَلَا يَنْهَانَا) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ الْخِضَابُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ لِلْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ أَشْعَثُ أَغْبَرُ
  • قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا اخْتَضَبَتْ فِي الْإِحْرَامِ فَلَا فِدْيَةَ لِأَنَّ الْحِنَّاءَ لَيْسَ بِطِيبٍ عِنْدَنَا فَإِنْ اخْتَضَبَتْ

وَلَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا الْخِرَقَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ رَأَيْتُ أَنْ تَفْتَدِيَ وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ لَا يَبِينُ لِي أَنَّ عَلَيْهَا الْفِدْيَةَ

  • قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْأَصْحَابُ هَذَا الاختلاف من قول الشافعي مع تحريمه القفاز مِنْ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُخْتَلِفٌ فِي سَبَبِ تَحْرِيمِ الْقُفَّازَيْنِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ الْفِدْيَةَ فِي الْخِرْقَةِ الْمَلْفُوفَةِ يَدُلُّ علي أن تحريم القفازين إنما كان لان إحْرَامِ الْمَرْأَةِ يَتَعَلَّقُ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنَّمَا جَوَّزَ لَهَا سَتْرَ كَفَّيْهَا بِكُمَّيْهَا لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْ ذَلِكَ
  • وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّيْنِ لَيْسَا عَوْرَةً فَوَجَبَ كَشْفُهُمَا مِنْهَا كَالْوَجْهِ قَالُوا وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ فِيهِ الْفِدْيَةَ فِي الْخِرَقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَ الْقُفَّازَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَانِ عَلَى قَدْرِ الْكَفَّيْنِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الْخُفَّانِ
  • وَدَلِيلُ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ إحْرَامُهَا بِعُضْوٍ تَعَلَّقَ تحريم المحيط بِغَيْرِهِ كَالرَّجُلِ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا سَائِرُ بَدَنِهَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ هَذَا نَقْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ وَالْأَكْثَرِينَ وَلَمْ يَحْكِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ نَصَّهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَإِنَّمَا حَكَى نَصَّهُ فِي الْأُمِّ قَالَ إنْ لَمْ يَشُدَّ الْخِرْقَةَ فَلَا فِدْيَةَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ كَالْقُفَّازَيْنِ وَقَطَعَ آخَرُونَ بِأَنَّ لَفَّ الْخِرَقِ عَلَى يَدَيْهَا مَعَ الْحِنَّاءِ أَوْ دُونَهُ لَا فِدْيَةَ فِيهِ
  • وَالْحَاصِلُ ثَلَاثُ طُرُقٍ (الْمَذْهَبُ) أَنَّ لَفَّ الْخِرَقِ مَعَ الْحِنَّاءِ وَغَيْرِهِ عَلَى يَدَيْ الْمَرْأَةِ لَا فِدْيَةَ فِيهِ (وَالثَّانِي) فِي وُجُوبِهَا قَوْلَانِ (وَالثَّالِثُ) إنْ لَمْ تَشُدَّهَا لَا فِدْيَةَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي فَصْلِ تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِلْإِحْرَامِ مَعَ مَا سَبَقَ بِحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وقلم الاظفار وغسل الرأس بدر أَوْ خِطْمِيٍّ وَنَحْوِهِمَا وَعَجَبٌ كَوْنُ الْمُصَنِّفِ أَهْمَلَ هذا في المذهب مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَمَعَ أَنَّهُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَبِّدَ رَأْسَهُ بِصَمْغٍ أَوْ خِطْمِيٍّ أَوْ عَسَلٍ وَنَحْوِهَا وَالتَّلْبِيدُ أَنْ يَجْعَلَ فِي رَأْسِهِ شَيْئًا مِنْ صَمْغٍ وَنَحْوِهِ لِيَتَلَبَّدَ شَعْرُهُ فَلَا يَتَوَلَّدُ فِيهِ الْقَمْلُ وَلَا يَتَشَعَّثُ فِي مُدَّةِ الْإِحْرَامِ
  • وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي ذَلِكَ (مِنْهَا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهَلِّلُ مُلَبِّدًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ مَيِّتًا (اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ملبدا)

رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَكَذَا (مُلَبَّدًا) فَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرَوَاهُ هَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ هَكَذَا مِنْ طُرُقٍ وَرَوَيْنَاهُ مِنْ أَكْثَرِ الطُّرُقِ (مُلَبِّيًا) وَلَا مُخَالِفَةَ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٍ وَعَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَتْ فَقُلْتُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحِلَّ فَقَالَ إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (الْخَامِسَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ لَوْ كَانَ فِي وَقْتِ فَرِيضَةٍ فَصَلَّاهَا كَفَى عَنْ ركعتي الاحرام كتحية المسجد وتندرج فِي الْفَرِيضَةِ وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَنْدَرِجَ كَسُنَّةِ الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ كَانَ فِي الْمِيقَاتِ مسجدا استحب أن يصليها فِيهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون) وَفِي الثَّانِيَةِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (فَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا فَالْأَوْلَى انْتِظَارُ زَوَالِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ يُصَلِّيهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِظَارُ فَوَجْهَانِ (الْمَشْهُورُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَلَا يَكُونُ الْإِحْرَامُ سَبَبًا لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ وَقَدْ لَا يَقَعُ فَكُرِهَتْ الصَّلَاةُ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِسْقَاءِ (وَالثَّانِي) لَا يُكْرَهُ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَقَطَعَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ لِأَنَّ سَبَبَهَا إرَادَةُ الْإِحْرَامِ وَقَدْ وُجِدَتْ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ السَّاعَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الْإِحْرَامِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّادِسَةُ) هَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ عَقِبَ صَلَاةِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ جَالِسٌ أَمْ إذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ مُتَوَجِّهَةً إلَى مَقْصِدِهِ حِينَ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ فِيهِ قَوْلَانِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (الْقَدِيمُ) عَقِبَ الصَّلَاةِ (وَالْأَصَحُّ) نَصُّهُ فِي الْأُمِّ أَنَّ الْأَفْضَلَ حِينَ تَنْبَعِثُ بِهِ دَابَّتُهُ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ إنْ كَانَ رَاكِبًا أَوْ حِينَ يَتَوَجَّهُ إلَى الطَّرِيقِ إنْ كَانَ مَاشِيًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ الْمُصَرِّحِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الطِّيبِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ

وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةُ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَأَبُو حنيفة والثوري وأبو يوسف وأحمد واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَغَيْرُهُمْ

  • وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُكْرَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر الحلوق فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْلَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُتَطَيِّبِ بَعْدَ إحْرَامِهِ يُمْنَعُ مِنْهُ
  • وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثَيْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا السَّابِقَيْنِ وَهُمَا صَحِيحَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كما سبق ولان الطيب معنى يراد لِلِاسْتِدَامَةِ فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِحْرَامُ مِنْ اسْتِدَامَتِهِ كَالنِّكَاحِ (والجواب) عن حديث يعلى مأوجه (أحدها) أن هذا الحلوق كَانَ فِي الْجُبَّةِ لَا فِي الْبَدَنِ وَالرَّجُلُ مَنْهِيٌّ عَنْ التَّزَعْفُرِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَسْتَوِي فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُزَعْفَرِ الرَّجُلُ الْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ (الْجَوَابُ الثَّانِي) أَنَّ خَبَرَهُمْ مُتَقَدِّمٌ وَخَبَرُنَا مُتَأَخِّرٌ فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ خَبَرَهُمْ بِالْجِعْرَانَةِ كَانَ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَخَبَرُنَا كَانَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِلَا شَكٍّ وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ كَانَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يحج بعد الهجرة غيرها بالاجماع (فَإِنْ قِيلَ) فَلَعَلَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا (أُطَيِّبُهُ لِإِحْرَامِهِ) أَيْ إحْرَامِهِ لِلْعُمْرَةِ (قُلْنَا) هَذَا غَلَطٌ وَغَبَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ وَجَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهَا قَالَتْ (كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) وَلَا خِلَافَ أَنَّ الطِّيبَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَمِرِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَبَعْدَهُ حَتَّى تَفْرُغَ عُمْرَتُهُ وَإِنَّمَا يُبَاحُ الطِّيبُ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ فِي الْحَجِّ فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ (الْجَوَابُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الطِّيبَ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَأَمَرَ بِإِزَالَتِهِ وَفِي هَذَا الْجَوَابِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُتَطَيِّبِ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَيَبْطُلُ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَيَبْطُلُ عَلَيْهِمْ بِالنِّكَاحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي عِيَاضًا وَغَيْرَهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ الطِّيبِ تَأَوَّلُوا حَدِيثَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّهُ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ

الطِّيبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ قَالُوا وَيَزِيدُ هَذَا قَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ إحْرَامِهِ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا) هَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا تَطَيَّبَ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ ثُمَّ زَالَ بِالْغُسْلِ بَعْدَهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَهَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْأُخْرَى وَلَا يَبْقَى مَعَ ذلك طيب ويكون قولها) ثم أصبح ينضخ طِيبًا) كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْ أصبح ينضخ طِيبًا قَبْلَ غُسْلِهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ كَانَ ذَرِيرَةً وَهِيَ مِمَّا يُذْهِبُهُ الْغُسْلُ قَالُوا وَقَوْلُهَا (كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) الْمُرَادُ أثره لاجرمه هَذَا اعْتِرَاضُهُمْ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهَا (طَيَّبْتُهُ لِإِحْرَامِهِ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّطَيُّبَ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلنِّسَاءِ وَيَعْضِدُهُ قَوْلُهَا) كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ) وتأويلهم المذكر غَيْرُ مَقْبُولٍ لِمُخَالِفَتِهِ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ لِلْإِحْرَامِ
  • قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إحْرَامُهُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ وَانْبِعَاثِ الرَّاحِلَةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
  • وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيثُ الدالة للمذهبين واضحة والله أعلم
  • قال المصنف رحمه الله
  • (وينوى الاحرام ولا يصح الاحرام إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّوْمِ والصلاة ويلبي لنقل الخلف عن السلف فان اقتصر على النية ولم يلب أجزأه وقال أبو عبد الله الزبيري لا ينعقد إلا بالنية والتلبية كما لا تنعقد الصلاة الا بالنية والتكبير والمذهب الاول لانها عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم)
  • (الشَّرْحُ) حَدِيثُ (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم من رواية عمر ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي أَوَّلِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ (وَقَوْلُهُ) عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْأَذَانِ وَالْعِدَّةِ وَنَحْوِهِمَا وَالسَّلَفُ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَالْخَلَفُ مَنْ بَعْدَهُمْ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ سَبَقَ بَيَانُ حَالِهِ فِي بَابِ الْحَيْضِ (وَقَوْلُهُ) لَا يَجِبُ النُّطْقُ فِي آخِرِهَا احْتِرَازٌ

مِنْ الصَّلَاةِ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يَنْبَغِي لمريد الاحرام أن ينويه بقلبه ويتلفظ بِذَلِكَ بِلِسَانِهِ وَيُلَبِّي فَيَقُولُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ نَوَيْتُ الْحَجَّ وَأَحْرَمْت بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ إلَى آخِرِ التَّلْبِيَةِ فَهَذَا أَكْمَلُ مَا يَنْبَغِي لَهُ فَالْإِحْرَامُ هُوَ النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ وَهِيَ قَصْدُ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ كِلَيْهِمَا هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْأَصْحَابُ (وَأَمَّا) اللَّفْظُ بِذَلِكَ فَمُسْتَحَبٌّ لِتَوْكِيدِ مَا فِي الْقَلْبِ كَمَا سَبَقَ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْوُضُوءِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّفْظِ دُونَ الْقَلْبِ لَمْ يَصِحَّ إحْرَامُهُ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ دُونَ لَفْظِ اللِّسَانِ صَحَّ إحْرَامُهُ كَمَا سَبَقَ هُنَاكَ (أَمَّا) إذَا لَبَّى وَلَمْ يَنْوِ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا لَبَّى بِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَإِنْ لم يرد حجا ولا عمرة فليس بشئ وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ وَتَأَوَّلُوا رِوَايَةَ الرَّبِيعِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا ثُمَّ تَلَفَّظَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَنْوِهِ فَيُجْعَلُ لَفْظُهُ تَعْيِينًا لِلْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ (وَالثَّانِي) يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ مَا سَمَّى لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالتَّسْمِيَةِ قَالُوا وَعَلَى هَذَا لَوْ أَطْلَقَ التَّلْبِيَةَ انْعَقَدَ الْإِحْرَامُ مُطْلَقًا يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ غَلَطٌ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا قَالَ فَإِنْ تَكَلَّفَ لَهُ مُتَكَلِّفٌ وَقَالَ مِنْ ضَرُورَةِ تَجْرِيدِ الْقَصْدِ إلَى التَّلْبِيَةِ مَعَ انْتِفَاءِ سائر المقاصد سوى الاحرام ان يجزى فِي الضَّمِيرِ قَصْدُ الْإِحْرَامِ (قُلْنَا) هَذَا لَيْسَ بشئ لِأَنَّهُ إذَا فَرَضَ هَذَا فَهُوَ إحْرَامٌ بِنِيَّةٍ وَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ بِالنِّيَّةِ (قُلْتُ) وَالتَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّا سَنَذْكُرُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْإِحْرَامَ الْمُطْلَقَ لَا يَصِحُّ صَرْفُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ (وَاعْلَمْ) أَنَّ نَصَّهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ مُحْتَاجٌ إلَى قَيْدٍ آخَرَ وَمَعْنَاهُ لَمْ يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا أَصْلَ الْإِحْرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • هَذَا كُلُّهُ إذَا لَبَّى وَلَمْ يَنْوِ فَلَوْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ أَوْ أَقْوَالٍ (الصَّحِيحُ) الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ (وَالثَّانِي) لَا يَنْعَقِدُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزبير وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيٍّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَوْلًا قَدِيمًا (وَالثَّالِثُ) حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِالتَّلْبِيَةِ

أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ وَتَقْلِيدِهِ وَالتَّوَجُّهِ مَعَهُ (وَالرَّابِعُ) حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّلْبِيَةَ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلِانْعِقَادِ فَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ وَأَثِمَ وَلَزِمَهُ دَمٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الِاعْتِبَارُ بِالنِّيَّةِ فَلَوْ لَبَّى بِحَجٍّ وَنَوَى عُمْرَةً فَهُوَ مُعْتَمِرٌ وَإِنْ لَبَّى بِعُمْرَةٍ وَنَوَى حَجًّا فَهُوَ حَاجٌّ وَإِنْ لَبَّى بِأَحَدِهِمَا وَنَوَى الْقِرَانَ فَقَارِنٌ وَلَوْ لَبَّى بِهِمَا وَنَوَى أَحَدَهُمَا انْعَقَدَ مَا نَوَى فَقَطْ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا مَعَ نَظَائِرِهِ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ

  • (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ دُونَ التَّلْبِيَةِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالتَّلْبِيَةِ بِلَا نِيَّةٍ
  • وَقَالَ دَاوُد وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ التَّلْبِيَةِ قَالَ دَاوُد وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا
  • وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ إلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَعَ سَوْقِ الْهَدْيِ
  • وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّى وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)
  • وَاحْتَجَّ دَاوُد لِوُجُوبِ رَفْعِ الصَّوْتِ بالتلبية بحديث جلاد بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوْ قَالَ بِالتَّلْبِيَةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَلَفْظُ النَّسَائِيُّ (جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَك أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ) وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَحَمَلُوا أَحَادِيثَ التَّلْبِيَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
  • (وله أن يعين ما يحرم به من الحج أو العمرة لان النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج فان أهل بنسك ونوي غيره انعقد ما نواه لان النية بالقلب وله أن يحرم إحراما مبهما لما روى أبو موسى الاشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ كيف أهللت قال قلت لبيك باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت) وفى الافضل قولان (قال) في الام التعيين أفضل لانه إذا عين عرف ما دخل فيه (والثاني) أن الابهام أفضل لانه احوط فانه ربما عرض مرض أو إحصار فيصرفه إلى ما هو اسهل عليه
  • وإن عين انعقد ما عينه والافضل ان لا يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص لما روى نافع قال (سئل ابن عمر أيسمي احدنا حجا أو عمرة فقال اتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم) ومن اصحابنا من قال الافضل أن ينطق به لما روي أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول (لبيك بحجة وعمرة) ولانه إذا نطق به كان ابعد من السهو فان ابهم الاحرام جاز ان يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عمرة لانه يصلح لهما فصرفه الي ما شاء منهما)
  • (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَنَسٍ وَحَدِيثُ إحْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجٍّ فَصَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا (وَقَدْ) يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ احْتِجَاجُهُ بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى لِجَوَازِ إطْلَاقِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إطْلَاقٌ وَإِبْهَامٌ وَإِنَّمَا فِيهِ تَعْلِيقُ إحْرَامِهِ بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذِهِ (وَيُجَابُ) عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الدَّلَالَةُ لِأَنَّهُ إذَا دَلَّ بِجَوَازِ التَّعْلِيقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ وَمُخَالِفَةِ الْقَوَاعِدِ فَالْإِطْلَاقُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  • (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) لِلْإِحْرَامِ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَنْعَقِدَ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ كِلَيْهِمَا فَيَنْعَقِدَ مَا يَنْوِي لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) فلوا احرم بححتين أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْأُخْرَى وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَذَكَرْنَا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ (الثَّانِي) أَنْ يَنْعَقِدَ مُطْلَقًا وَيُسَمَّى الْمُطْلَقُ مُبْهَمًا كَمَا نَوَى ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ وَيَكُونُ الصَّرْفُ بِالنِّيَّةِ لَا بِاللَّفْظِ وَلَا يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ قَبْلَ النِّيَّةِ فَلَوْ طَافَ أَوْ سَعَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ قبل النية وان أحرم قبل الشهر فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْعُمْرَةِ جَازَ وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ بَعْدَ دُخُولِ الْأَشْهُرِ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) لَا يَجُوزُ بَلْ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً (وَالثَّانِي) يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ إحْرَامُهُ قَدْ وَقَعَ مُطْلَقًا

(أَمَّا) إذَا صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ قَبْلَ الْأَشْهُرِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْأَشْهُرِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) هَلْ الْأَفْضَلُ إطْلَاقُ الْإِحْرَامِ أَوْ تَعْيِينُهُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) نَصُّهُ فِي الْأُمِّ أَنَّ التَّعْيِينَ أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ الْإِطْلَاقَ أَفْضَلُ

  • فَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ فِي تَلْبِيَتِهِ بِمَا عَيَّنَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِحَجٍّ أَوْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) لَا يُسْتَحَبُّ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى النِّيَّةِ وَالتَّلْبِيَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ هَكَذَا أَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ هَذَا الْخِلَافُ فيما سوى التلبية الاولى فأما الْأُولَى الَّتِي عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ فِيهَا مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَجْهًا وَاحِدًا قَالَ وَلَا يَجْهَرُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ بَلْ يُسْمِعُهَا نَفْسَهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَجْهَرُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا نَوَى بِقَلْبِهِ حَجًّا وَلَبَّى بِعُمْرَةٍ أَوْ عَكْسُهُ انْعَقَدَ مَا فِي قَلْبِهِ دُونَ لِسَانِهِ وَقَدْ سَبَقَتْ المسألة قريبا بفروعها واضحة * قال المصنف رحمه الله
  • (فان قال اهلالا كاهلال فلان انعقد إحرامه بما عقد به فلان إحرامه فان مات الرجل الذى علق اهلاله باهلاله أو جن ولم يعلم ما أهل به يلزمه أن يقرن ليسقط ما لزمه بيقين فان بان أن فلانا لم يحرم انعقد إحراما مطلقا فيصرفه إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لانه عقد الاحرام وإنما علق عين النسك على إحرام فلان فإذا سقط إحرام فلان بقى إحرامه مطلقا فيصرفه إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ)
  • (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَحْرَمَ عَمْرٌو بِمَا أَحْرَمَ بِهِ زَيْدٌ جَازَ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ السَّابِقِ ثُمَّ لِزَيْدٍ أَحْوَالٌ أَرْبَعَةٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا وَيُمْكِنَ مَعْرِفَةُ مَا أَحْرَمَ بِهِ فَيَنْعَقِدَ لِعَمْرٍو مِثْلُ إحْرَامِهِ إنْ كَانَ حَجًّا فَحَجٌّ وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً فَعُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ قِرَانًا فَقِرَانٌ وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ بِنِيَّةِ التَّمَتُّعِ كَانَ عَمْرٌو مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّمَتُّعُ وَإِنْ كَانَ إحْرَامُ زَيْدٍ مُطْلَقًا انْعَقَدَ إحْرَامُ عَمْرٍو مُطْلَقًا وَيَتَخَيَّرُ كَمَا يَتَخَيَّرُ زَيْدٌ وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّرْفُ إلَى مَا يَصْرِفُ إلَيْهِ زَيْدٌ
  • هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ

وبه قطع الجمهور وحكي (1) والرافعي وَجْهًا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الصَّرْفِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ (1) قَالَ الْبَغَوِيّ إلَّا إذَا أَرَادَ إحْرَامًا كَإِحْرَامِ زَيْدٍ بَعْدَ تَعْيِينِهِ فَيَلْزَمُهُ (أَمَّا) إذَا كَانَ إحْرَامُ زَيْدٍ فَاسِدًا فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُ عَمْرٍو لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَاغٍ (وَأَصَحُّهُمَا) انْعِقَادُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ نَذَرَ صَلَاةً فَاسِدَةً هَلْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ بِصَلَاةٍ صَحِيحَةٍ أَمْ لَا يَنْعَقِدُ وَالصَّحِيحُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ (أَمَّا) إذَا كَانَ زَيْدٌ أَحْرَمَ مُطْلَقًا ثُمَّ عَيَّنَهُ قَبْلَ إحْرَامِ عَمْرٍو فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَنْعَقِدُ إحْرَامُ عَمْرٍو مُطْلَقًا (وَالثَّانِي) مُعَيَّنًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَفَّالِ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ زَيْدٌ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ عَمْرٌو مُعْتَمِرًا وَعَلَى الثَّانِي قَارِنًا (وَالْوَجْهَانِ) فِيمَا إذَا لَمْ يَخْطُرُ التَّشْبِيهُ بِإِحْرَامِ زَيْدٍ فِي الْحَالِ وَلَا في أوله فان خطر التشبيه باحرام زَيْدٍ فِي الْحَالِ فَالِاعْتِبَارُ بِمَا خَطَرَ بِلَا خِلَافٍ

  • وَلَوْ أَخْبَرَهُ زَيْدٌ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ خِلَافُهُ فَهَلْ يَعْمَلُ بِخَبَرِهِ أَمْ بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ (أَقْيَسُهُمَا) بِخَبَرِهِ
  • وَلَوْ قَالَ لَهُ أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ فَعَمِلَ بِقَوْلِهِ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَقَدْ بَانَ أَنَّ إحْرَامَ عَمْرٍو كَانَ مُنْعَقِدًا بِحَجٍّ فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ تَحَلَّلَ وَأَرَاقَ دَمًا وَهَلْ الدَّمُ فِي مَالِهِ أَمْ فِي مَالِ زَيْدٍ فِيهِ وَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) فِي مَالِهِ
  • مِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ الدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ (وَالْحَالُ الثَّانِي) أَنْ لَا يَكُونَ زَيْدٌ مُحْرِمًا أَصْلًا فَيُنْظَرُ إنْ كَانَ عَمْرٌو جَاهِلًا بِهِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ جَزَمَ بِالْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ عَمْرٌو عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ بِأَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ فَطَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَالْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ انْعِقَادُ إحْرَامِ عَمْرٍو مُطْلَقًا (وَالثَّانِي) عَلَى وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَفَّالِ وَحَكَاهُ آخَرُونَ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْتُ فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا (وَالصَّوَابُ) الْأَوَّلُ
  • وَيُخَالِفُ قَوْلَهُ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ لِأَصْلِ الْإِحْرَامِ فَلِهَذَا يَقُولُ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَهَذَا الْمُعَلَّقُ وَإِلَّا فَلَا (وَأَمَّا) هَهُنَا فَأَصْلُ الْإِحْرَامِ مَجْزُومٌ بِهِ
  • قَالَ الرَّافِعِيُّ

وَاحْتَجُّوا لِلْمَذْهَبِ بِصُورَتَيْنِ نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْأُمِّ (إحْدَاهُمَا) لَوْ اسْتَأْجَرَهُ رَجُلَانِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا فَأَحْرَمَ عَنْهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَانْعَقَدَ عَنْ الْأَجِيرِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُتَعَذَّرٌ فَلَغَتْ الْإِضَافَةُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ أَمْ على الْعَيْنِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ إحْدَى إجَارَتَيْ الْعَيْنِ فَاسِدَةً إلَّا أَنَّ الْإِحْرَامَ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الْإِجَارَةِ (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) لَوْ استأجر رجل لِيَحُجَّ عَنْهُ فَأَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لَغَتْ الْإِضَافَتَانِ وَبَقِيَ الْإِحْرَامُ لِلْأَجِيرِ فَلَمَّا لَغَتْ الْإِضَافَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَبَقِيَ أَصْلُ الْإِحْرَامِ جَازَ أَنْ يَلْغُوَهَا التَّشْبِيهُ وَيَبْقَى أَصْلُ الْإِحْرَامِ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ زَيْدٌ مُحْرِمًا وَتَتَعَذَّرُ مُرَاجَعَتُهُ لِجُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْبَةٍ وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُقَدِّمَةٌ وَهِيَ إنْ أَحْرَمَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ثُمَّ نَسِيَهُ (قَالَ) فِي الْقَدِيمِ أُحِبُّ أَنْ يَقْرِنَ وَإِنْ تَحَرَّى رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ (وَقَالَ) فِي الْجَدِيدِ هُوَ قَارِنٌ وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) القطع بجوز التَّحَرِّي وَتَأْوِيلُ الْجَدِيدِ عَلَى مَا إذَا شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَمْ قَرَنَ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى (قَوْلَيْنِ) الْقَدِيمُ جَوَازُ التَّحَرِّي وَيَعْمَلُ بِظَنِّهِ وَالْجَدِيدُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَصِيرَ نَفْسُهُ قَارِنًا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

  • فَإِذَا تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إحْرَامِ زَيْدٍ فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) يَكُونُ عَمْرٌو كَمَنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ وَفِيهِ الطَّرِيقَانِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ لَا يَتَحَرَّى بِحَالٍ بَلْ يَلْزَمُهُ الْقِرَانُ وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَلَيْسَ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّكَّ فِي مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ وَقَعَ عَنْ فِعْلِهِ فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّحَرِّي بِخِلَافِ إحْرَامِ زَيْدٍ
  • (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِزَيْدٍ هُوَ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ عَمْرٌو فِي الْحَالِ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ أَمَّا إذَا عَلَّقَ إحْرَامَهُ فَقَالَ إذَا أَحْرَمَ زَيْدٌ فَأَنَا مُحْرِمٌ فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ كَمَا لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنَا مُحْرِمٌ هَكَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالدَّارِمِيُّ وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ الْمُعَلَّقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ وَجْهَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالدَّارِمِيُّ (أَصَحُّهُمَا) لا ينعقد

قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ تَجْوِيزُ هَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ إلَّا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمُسْتَقْبَلٍ وَذَاكَ تَعْلِيقٌ بِحَاضِرٍ وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ مِنْ العقود يقبلهما جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ أَحْرَمْتُ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ بِنُسُكٍ مُتَّفِقٍ كَانَ كَأَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِعُمْرَةٍ وَالْآخِرُ بِحَجٍّ كَانَ هَذَا الْمُعَلِّقُ قَارِنًا وَكَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَارِنًا قَالَ فَلَوْ قَالَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ الْكَافِرِ وَكَانَ الْكَافِرُ قَدْ أَتَى بِصُورَةِ إحْرَامٍ فَهَلْ يَنْعَقِدُ لَهُ مَا أَحْرَمَ بِهِ الْكَافِرُ أَمْ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا فِيهِ وَجْهَانِ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ انْعِقَادُهُ مُطْلَقًا
  • قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ قَالَ أَحْرَمْتُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ انْعَقَدَ مُطْلَقًا كَالطَّلَاقِ
  • وَلَوْ قَالَ أَحْرَمْتُ بِنِصْفِ نُسُكٍ انْعَقَدَ بِنُسُكٍ كَالطَّلَاقِ وَفِيمَا نَقَلَهُ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ وَالنِّيَّةُ الْجَارِيَةُ الْكَامِلَةُ شَرْطٌ فِيهَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ وَيَقْبَلُ الْإِخْطَارَ وَيَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

(فَرْعٌ) إذَا أَحْرَمَ عَمْرٌو كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَأُحْصِرَ زَيْدٌ وَتَحَلَّلَ لَمْ يَجُزْ لِعَمْرٍو أَنْ يَتَحَلَّلَ بمجرد ذلك (فَرْعٌ) إذَا أَحْرَمَ عَمْرٌو كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَأُحْصِرَ زَيْدٌ وَتَحَلَّلَ لَمْ يَجُزْ لِعَمْرٍو أَنْ يَتَحَلَّلَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ إنْ وُجِدَ عَمْرٌو فِي إحْصَارٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلُ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ ارْتَكَبَ زَيْدٌ مَحْظُورًا فِي احرامه فلا شئ عَلَى عَمْرٍو بِذَلِكَ

  • (فَرْعٌ) إذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَقَالَ فِي نِيَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ هَذَا نَقْلُ الدَّارِمِيِّ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ فِيمَنْ نَوَى الصَّوْمَ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا فَقَالَ لَوْ قَالَ أَنَا مُحْرِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ قَالَ فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ لَوْ قَالَ

لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِيهِ فَقَالَ الْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُؤَثِّرُ فِي النُّطْقِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي النِّيَّاتِ وَالْعِتْقُ يَنْعَقِدُ بِالنُّطْقِ وَلِذَلِكَ أَثَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ وَالْإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ خَلِيَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَوَى الطَّلَاقَ أَثَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ فَقَالَ الْفَرْقُ أَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ النِّيَّةِ فِي الطَّلَاقِ كَالصَّرِيحِ فَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ والله أعلم *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (وان أحرم بحجتين أو عمرتين لم ينعقد الاحرام بهما لانه لا يمكن المضي فيهما وتنعقد احداهما لانه يمكنه المضى في احداهما قال في الام ولو استأجره رجلان ليحج عنهما فأحرم عنهما انعقد احرامه عن نفسه لانه لا يمكن الجمع بينهما ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا وبقى احرام مطلق فانعقد له ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الاحرام عن نفسه لانه تعارض التعيينان فسقطا وبقى احرام مطلق فانعقد له)
  • (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسَائِلُ صَحِيحَةٌ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ كَمَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَسْأَلَةِ الْإِحْرَامِ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي مَسْأَلَةِ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ وَذَكَرْنَا بَعْدَهَا تَعْلِيلَ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فيهما (وَأَمَّا) مَسْأَلَتَا الْأَجِيرِ فَسَبَقَتَا قَرِيبًا فِي الْحَالِ الثَّانِي مِنْ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ الَّتِي فِي تَعْلِيقِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ زَيْدٍ وَسَبَقَتَا أَيْضًا فِي فَصْلِ الاستئجار للحج والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
  • (وان أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك ففيه قولان (قال) في الام يلزمه أن يقرن لانه شك لحقه بعد الدخول في العبادة فيبنى فيه على اليقين كما لو شك في عدد ركعات الصلاة (وقال)

في القديم يتحرى لانه يمكن أن يدرك بالتحري فيتحرى فيه كالقبلة (فإذا قلنا) يقرن لزمه أن ينوى القران فإذا قرن أجزأه ذلك عن الحج وهل يجزئه عن العمرة (ان قلنا) يجوز ادخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضا (وان قلنا) لا يجوز ففيه وجهان (أحدهما) لا يجزئه لانه يجوز ان يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح وإذا شك لم يسقط الفرض (والثاني) انه يجزئه لان العمرة انما لا يجوز ادخالها على الحج من غير حاجة وههنا به حاجة إلى ادخال العمرة على الحج والمذهب الاول (فان قلنا) انه يجزئه عن العمرة لزمه الدم لانه قارن (وان قلنا) لا يجزئه عن العمرة فهل يلزمه دم فيه وجهان (أحدهما) لا دم عليه وهو المذهب لانا لم نحكم له بالقران فلا يلزمه دم (والثاني) يلزمه دم لجواز ان يكون قارنا فوجب عليه الدم احتياطا وان نسى بعد الوقوف وقبل طواف القدوم فان نوى القران وعاد قبل طواف القدوم أجزأه الحج لانه ان كان حاجا أو قارنا فقد انعقد احرامه بالحج وان كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة فصح حجه ولا يجزئه عن العمرة لان ادخال العمرة على الحج لا يصح في أحد القولين ويصح في الآخر ما لم يقف بعرفة فإذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزئه وان نسى بعد طواف القدوم وقبل الوقوف (فان قلنا) ان ادخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة لانه يحتمل انه كان معتمرا فلا يصح ادخال الحج على العمرة بعد الطواف فلم يسقط فرض الحج مع الشك ولا تصح العمرة لانه يحتمل أن لا يكون أحرم بها أو أحرم بها بعد الحج فلا يصح وان قلنا انه يجوز ادخال العمرة على الحج لم يصح له

الحج لجواز أن يكون أحرم بالعمرة وطاف لها فلا يجوز أن يدخل الحج عليها وتصح له العمرة لانه أدخلها على الحج قبل الوقوف فان أراد أن يجزئه الحج طاف وسعى لعمرته ويحلق ثم يحرم بالحج ويجزئه لانه ان كان معتمرا فقد حل من العمرة وأحرم بالحج وان كان حاجا أو قارنا فلا يضره تجديد الاحرام بالحج ويجب عليه دم واحد لانه ان كان معتمرا فقد حلق في وقته وصار متمتعا فعليه دم التمتع دون دم الحلق وان كان حاجا فقد حلق في غير وقته فعليه دم الحلق دون دم التمتع وان كان قارنا فعليه دم الحلق ودم القران فلا يجب عليه دمان بالشك ومن أصحابنا من قال يجب عليه دمان احتياطا وليس بشئ)

  • (الشَّرْحُ) إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ ثُمَّ نَسِيَهُ وَشَكَّ هَلْ هُوَ حَجٌّ أَمْ عُمْرَةٌ أَمْ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ أُحِبُّ أَنْ يَقْرِنَ وَإِنْ تَحَرَّى رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ وَقَالَ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ هُوَ قَارِنٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ (أَحَدُهُمَا) الْقَطْعُ بِجَوَازِ التحرى وتأويل الجديد علي إذا ما شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَمْ قَرَنَ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي اقتصر عليه المصنف والجمهور الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) قَوْلُهُ الْقَدِيمُ يَجُوزُ التَّحَرِّي وَيَعْمَلُ بِظَنِّهِ (وَأَصَحُّهُمَا) وَهُوَ نَصُّهُ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي بَلْ يَقْرِنُ وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ قَالَ المحاملي وهو نَصُّهُ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ وَالْإِمْلَاءِ وَالْمُخْتَصَرِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ تَحَرَّى فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا بِأَمَارَةِ عَمَلٍ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي ظَنَّهُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً قَالُوا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بَلْ يَعْمَلُ عَلَى مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَعَلَى هَذَا الْقَدِيمِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَحَرَّى بَلْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ

إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ ثُمَّ نَسِيَهُ فَأُحِبُّ أَنْ يقرن القران عَلَى مَا فَعَلَهُ قَالَ فَإِنْ تَحَرَّى رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا نَصُّهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ عَنْ الْقَدِيمِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَإِذَا قلنا بالقديم فتحرى فادى اجتهاده الي شئ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ النُّسُكُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ وَحَكَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ النُّسُكُ بَلْ فَائِدَةُ التَّحَرِّي التَّخَلُّصُ مِنْ الْإِحْرَامِ وَهَذَا إسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا أَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْجَدِيدِ فَلِلشَّكِّ حالان

(أحدهما) أن يعرض قبل عمل شئ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَارِنٌ قَالَ الْأَصْحَابُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْوِي الْقِرَانَ وَيَصِيرُ نَفْسُهُ قَارِنًا وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجَمَاهِيرُ وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا بِلَا نِيَّةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ فَقَالَ إذَا لَبَّى بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ نَسِيَهُ فَهُوَ قَارِنٌ وَكَذَا لَفْظُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ يَصِيرُ قَارِنًا وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ نَفْسُهُ قَارِنًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ وَكَذَا يُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ إذَا نَوَى الْقِرَانَ وَأَتَى بِالْأَعْمَالِ تَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْ الْحَجِّ بِيَقِينٍ وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الْعُمْرَةِ بَعْدَهُ سَوَاءٌ قُلْنَا يَصِحُّ إدْخَالُهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَعْمَالِهَا جَائِزٌ فَثَبَتَ لَهُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ (وَأَمَّا) الْعُمْرَةُ فَإِنْ جَوَّزْنَا إدْخَالَهَا عَلَى الْحَجِّ أَجْزَأَتْهُ أَيْضًا عَنْ عمرة الاسلام والا فوجهان (اصحهما) يجزئه والثانى لا تجزئه قال أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا

وزيف الاصحاب قول ابي اسحق الْمَرْوَزِيِّ هَذَا وَبَالَغُوا فِي إبْطَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ (فَإِنْ قُلْنَا) يُجْزِئُهُ الْعَمَلُ لزمه دم القران فان لم يجزئه لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ (وَإِنْ قُلْنَا) لَا يُجْزِئُهُ الدَّمُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (الصَّحِيحُ) لَا يَلْزَمُهُ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ وَوَجْهُهُ مَعَ شِدَّةِ ضَعْفِهِ أَنَّ نِيَّةَ الْقِرَانِ وُجِدَتْ وَهِيَ مُوجِبَةٌ لِلدَّمِ إلَّا أَنَّا لَمْ نَعْتَدَّ بِالْعُمْرَةِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الدَّمِ وُجُوبُهُ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال أَحْسَنُ مِنْ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ قَوْلَ الْأَصْحَابِ يَجْعَلُ نَفْسَهُ قَارِنًا وَقَوْلَ الْمُصَنِّفِ يَلْزَمُهُ أَنْ ينوى القران ليس المراد بجميعه تختم وجوب الاقران فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ نِيَّةُ الْحَجِّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْقِرَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ بَلْ ذَكَرَهُ لِيَسْتَفِيدَ بِهِ الشَّاكُّ التَّحَلُّلَ مَعَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ النُّسُكَيْنِ قَالَ فَلَوْ اقْتَصَرَ بَعْدَ النِّسْيَانِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَأَتَى بِأَفْعَالِهِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ قَطْعًا وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الْحَجِّ وَلَا تَبْرَأُ مِنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ ابْتِدَاءً بِالْحَجِّ وَكَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي لَوْ لَمْ يَنْوِ الْقِرَانَ وَلَكِنْ قَالَ صَرَفْتُ إحْرَامِي إلَى الْحَجِّ حُسِبَ لَهُ الْحَجُّ لانه ان كان محرما بالحج فقد جدد إحْرَامًا بِهِ فَلَا يَضُرُّهُ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ قَالَ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُرِيقَ دَمًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ إحْرَامَهُ كَانَ بِعُمْرَةٍ فَيَكُونُ قَارِنًا قَالَ وَلَوْ قَالَ صَرَفْتُ إحْرَامِي إلَى عُمْرَةٍ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهَا وَإِذَا أَتَى بِأَعْمَالِهَا لَا تُحْسَبُ لَهُ الْعُمْرَةُ وَلَا يَتَحَلَّلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ قِرَانٍ أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الاحرام بالعمرة وأتى بأعمال القران فيحصل لله التَّحَلُّلُ بِلَا شَكٍّ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الْعُمْرَةِ إنْ قُلْنَا بِجَوَازِ إدْخَالِهَا عَلَى الْحَجِّ وَإِلَّا فَلَا تَبْرَأُ مِنْهَا وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْحَجِّ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • وَلَوْ لَمْ يُجَدِّدْ إحْرَامًا بَعْدَ النِّسْيَانِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى عَمَلِ الْحَجِّ حُصِلَ التَّحَلُّلُ وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الْحَجِّ وَلَا مِنْ الْعُمْرَةِ لِشَكِّهِ فِيمَا أَتَى بِهِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى عَمَلِ عُمْرَةٍ لَمْ يَحْصُلْ التَّحَلُّلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يُتِمَّ أَعْمَالَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَعْرِضَ الشك بعد فعل شئ مِنْ أَعْمَالِ النُّسُكِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ (الضَّرْبُ الاول) ان يعرض بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف فيجزئه الحج انه إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِهِ فَذَاكَ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَقَدْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا تُجْزِئُهُ الْعُمْرَةُ إذَا

قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُهَا عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَأَمَّا إنْ قُلْنَا بِجَوَازِ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَيَحْصُلُ لَهُ الْعُمْرَةُ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ لِأَنَّ تَقْسِيمَهُ يَقْتَضِيهِ وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ فِيمَا سَبَقَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فإذا قلنا بجوزاه وَحَصَلَتْ الْعُمْرَةُ وَجَبَ دَمُ الْقِرَانِ وَإِلَّا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي الْكِتَابِ وَقَدْ شَرَحْنَاهُمَا قَرِيبًا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ (أَصَحُّهُمَا) لَا دَمَ (وَالثَّانِي) يَجِبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ وَقْتُ الْوُقُوفِ بَاقِيًا عِنْدَ مَصِيرِهِ قَارِنًا ثُمَّ وَقَفَ مَرَّةً ثَانِيَةً وَإِلَّا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَلَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الْوُقُوفُ عَنْ الْحَجِّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَتْهُ مِنْ تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ وَقْتُ الْوُقُوفِ بَاقِيًا لَا بُدَّ مِنْهُ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابَيْهِ الْبَيَانِ وَمُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ إطْلَاقُهُمْ الْمَسْأَلَةَ مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَكَأَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذِكْرِهِ بِوُضُوحِهِ وَمَعْرِفَتِهِ مِنْ سِيَاقِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الضَّرْبُ الثَّانِي) أَنْ يَعْرِضَ الشَّكُّ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ فَإِذَا نَوَى الْقِرَانَ وَأَتَى بِأَعْمَالِ الْقَارِنِ لَمْ يُجْزِئْهُ الْحَجُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ فَيَمْتَنِعُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا بَعْدَ الطَّوَافِ (وَأَمَّا) الْعُمْرَةُ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ إدْخَالِهَا عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ الطَّوَافِ أَجْزَأَتْهُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَدَّادِ حِيلَةً لِتَحْصِيلِ الْحَجِّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَالَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتَمِّمَ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ثُمَّ يَسْعَى ثُمَّ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ثُمَّ يُحْرِمَ بالحج ويأتي بأفعاله فإذا هَذَا صَحَّ حَجُّهُ وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ لَمْ يَضُرَّهُ الْإِحْرَامُ بِهِ ثَانِيًا وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَقَدْ تَحَلَّلَ مِنْهَا وَأَحْرَمَ بَعْدَهَا بِالْحَجِّ وَصَارَ مُتَمَتِّعًا فَأَجْزَأَهُ الْحَجُّ وَلَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ وَلَمْ يُدْخِلْ الْعُمْرَةَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَنْوِ

الْقِرَانَ هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ فَالْحُكْمُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ قَالُوا وَكَذَا إنْ كَانَ فَقِيهًا وَفَعَلَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ بِاجْتِهَادِهِ فَالْحُكْمُ مَا سَبَقَ وَأَمَّا إذَا اسْتَفْتَانَا فَهَلْ نُفْتِيهِ بِذَلِكَ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (قَالَ) الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ لَا نُفْتِيهِ بِجَوَازِ الْحَلْقِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ أَوْ قَارِنٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ قَبْلَ وَقْتِهِ هَذَا كَلَامُ أَبِي زَيْدٍ وَبِهِ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَالْقَفَّالُ وَالْمَرْوَزِيُّ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا قَالُوا وَهَذَا كَمَا لَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةُ إنْسَانٍ جَوْهَرَةً لِغَيْرِهِ لَا يُفْتَى صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِذَبْحِهَا وَأَخْذِ الْجَوْهَرَةِ وَلَكِنْ لَوْ ذَبَحَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا التَّفَاوُتُ بَيْنَ قِيمَتِهَا مَذْبُوحَةً وَحَيَّةً قَالُوا وَكَذَا لَوْ تَقَابَلَتْ دَابَّتَانِ لِشَخْصَيْنِ عَلَى شَاهِقٍ وتعذر مرورهما لا يفني أَحَدُهُمَا بِإِهْلَاكِ دَابَّةِ الْآخَرِ لَكِنْ لَوْ فَعَلَ خلص دَابَّتَهُ لَزِمَهُ قِيمَةُ دَابَّةِ صَاحِبِهِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) نفتيه بها قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ وَيَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ لِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ فِي الْحَالِ الَّذِي يَكُونُ حَرَامًا مُحَقِّقًا لِلْحَاجَةِ فَاسْتَبَاحَهُ هُنَا وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ أو لا فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ أَيْضًا لِيَحْسِبَ لَهُ فِعْلَهُ وإلا فتلغوا وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْوَجْهِ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ وَرَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (واعلم) أن المصنف الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَذَكَرَ إعَادَةَ الطَّوَافِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ الْأَصْحَابُ وَخِلَافُ الدَّلِيلِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الطَّوَافَ بل قالوا يسعى ويحلق فقط فهذا هُوَ الصَّوَابُ وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ أَوَّلًا وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابَيْهِ الْبَيَانِ وَمُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الطَّوَافُ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ قَدْ طَافَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ أَفْتَيْنَاهُ بِمَا قَالَهُ ابن الحداد وموافقوه أم لم نُفْتِهِ بِهِ فَفَعَلَهُ لَزِمَهُ دَمٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ فَقَدْ حَلَقَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَإِنْ كَانَ بِعُمْرَةٍ فَقَدْ تَمَتَّعَ فَيُرِيقُ دَمًا عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَلَا يُعَيِّنُ الْجِهَةَ كَمَا يُكَفِّرُ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَا يَجِدُ دَمًا وَلَا طَعَامًا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَصَوْمِ المتمتع فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دَمَ التَّمَتُّعِ فَذَاكَ وَإِنْ كان دم الحق أَجْزَأَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَيَقَعُ الْبَاقِي تَطَوُّعًا وَلَا يُعَيِّنُ الْجِهَةَ فِي صَوْمِ

الثَّلَاثَةِ وَيَجُوزُ تَعْيِينُ التَّمَتُّعِ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى صَوْمِ ثَلَاثَةٍ هَلْ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا تَبْرَأُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَبْرَأَ وَعَبَّرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَنْ هَذَيْنِ بِوَجْهَيْنِ وَيُجْزِئُهُ الصَّوْمُ مَعَ وُجُودِ الْإِطْعَامِ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلطَّعَامِ فِي التَّمَتُّعِ وَفِدْيَةُ الْحَلْقِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَلَوْ أَطْعَمَ هَلْ تبرأ ذمته فيه كلاما الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَالْإِمَامِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا اسْتَجْمَعَ الرَّجُلُ شُرُوطَ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ فَإِنْ لم يستجمعهما كَالْمَكِّيِّ لَمْ يَجِبْ الدَّمُ لِأَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ مَقْصُودٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ دَمِ الْحَلْقِ وَإِذَا جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ أَوَّلًا بِالْقِرَانِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ مَعَ الدَّمِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ (الصَّحِيحُ) لَا يَلْزَمُهُ (الضَّرْبُ الثَّالِثُ) أَنْ يَعْرِضَ الشَّكُّ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ فَإِنْ أَتَى بِبَقِيَّةِ أَعْمَالِ الْحَجِّ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ (أَمَّا) الْحَجُّ فَلِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَلَا يَنْفَعُهُ الْوُقُوفُ (وَأَمَّا) الْعُمْرَةُ فَلِجَوَازِ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ وَلَمْ يَصِحَّ دُخُولُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ نَوَى الْقِرَانَ وَأَتَى بِأَعْمَالِ الْقَارِنِ فَإِجْزَاءُ الْعُمْرَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ إدْخَالُهَا عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُ الْمَذْكُورِ فِي الضَّرْبِ السَّابِقِ أَنَّهُ لَوْ أَتَمَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَأَتَى بِأَعْمَالِهِ مَعَ الْوُقُوفِ أَجْزَأَهُ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ أَتَمَّ أَعْمَالَ الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَتَى بِأَعْمَالِهَا أَجْزَأَتْهُ الْعُمْرَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) لَوْ تَمَتَّعَ بالعمرة إلى الحج فطوف لِلْحَجِّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ ذَلِكَ وَلَا سَعْيُهُ بَعْدَهُ وَبَانَ أَنَّ حَلْقَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَيَصِيرُ بِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مُدْخِلًا لِلْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ فَيَصِيرُ قَارِنًا وَيُجْزِئُهُ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ فِي الْحَجِّ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ دَمَانِ دَمٌ لِلْقِرَانِ وَدَمٌ لِلْحَلْقِ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي طَوَافِ الْحَجِّ تَوَضَّأَ وَأَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمُ التَّمَتُّعِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ وَلَوْ شَكَّ فِي أَيْ الطَّوَافَيْنِ كَانَ حَدَثُهُ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَإِذَا أَعَادَهُمَا صَحَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ قَارِنٌ أَوْ مُتَمَتِّعٌ وَيَنْوِي بِإِرَاقَتِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يُعَيِّنُ الْجِهَةَ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الدَّمَ فَصَامَ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُرِيقَ دَمًا آخَرَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَالِقٌ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَوْ لَمْ يَحْلِقْ فِي الْعُمْرَةِ وَقُلْنَا الْحَلْقُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ تَبَيُّنِ الْحَدَثِ فِي طواف الْعُمْرَةِ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَكِنْ جَامَعَ بَعْدَ

الْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُفَرَّعُ عَلَى أَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) جِمَاعُ النَّاسِي هَلْ يُفْسِدُ النُّسُكَ وَيُوجِبُ الْفِدْيَةَ كَالْعَمْدِ فِيهِ قَوْلَانِ (الْأَصْلُ الثَّانِي) إذَا أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ بِجِمَاعٍ ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا هَلْ يُدْخِلُ وَيَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي فَصْلِ الْقِرَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ فَعَلَى هَذَا هَلْ يَكُونُ الْحَجُّ صَحِيحًا مُجْزِئًا فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) نَعَمْ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا وَعَلَى هَذَا هل يَنْعَقِدُ صَحِيحًا أَمْ يَفْسُدُ أَمْ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَنْعَقِدُ فَاسِدًا إذْ لَوْ انْعَقَدَ صَحِيحًا لَمْ يَفْسُدْ إذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ انْعِقَادِهِ مُفْسِدٌ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقِرَانِ مَبْسُوطَةً (فَإِنْ قُلْنَا) يَنْعَقِدُ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا ثُمَّ يَفْسُدُ مَضَى فِي النُّسُكَيْنِ وَقَضَاهُمَا (وَإِنْ قُلْنَا) يَنْعَقِدُ صَحِيحًا مُجْزِئًا وَلَا يَفْسُدُ قَضَى الْعُمْرَةَ دُونَ الْحَجِّ وَعَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ يَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ وَلَا يَجِبُ لِلْإِفْسَادِ إلَّا بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وحكي إمام الحرمين وجهين آخرين إذا حكما بِانْعِقَادِ حَجِّهِ فَاسِدًا (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أُخْرَى لِفَسَادِ الْحَجِّ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ الْبَدَنَةُ لِلْعُمْرَةِ وَشَاةٌ لِلْحَجِّ كَمَا لَوْ جَامَعَ ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيًا

  • إذَا عَرَفْتَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فَإِنْ قَالَ كَانَ الْحَدَثُ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَاسِدَانِ والجماع واقع قبل التحلل لكن لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ فَهَلْ يَكُونُ كَالنَّاسِي فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) نَعَمْ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ (وَالثَّانِي) لَا فَإِنَّهُ لَمْ تَفْسُدْ الْعُمْرَةُ وَبِهِ صَارَ قَارِنًا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْقِرَانِ وَدَمٌ لِلْحَلْقِ قَبْلَ وَقْتِهِ إنْ كَانَ حَلَقَ كَمَا سَبَقَ وَإِنْ أَفْسَدْنَا الْعُمْرَةَ فَعَلَيْهِ لِلْإِفْسَادِ بَدَنَةٌ وَلِلْحَلْقِ شَاةٌ وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَدْ أَدْخَلَهُ عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ فَإِنْ لَمْ نُدْخِلْهُ فَهُوَ فِي عُمْرَتِهِ كَمَا كَانَ فَيَتَحَلَّلُ مِنْهَا وَيَقْضِيهَا وَإِنْ أَدْخَلْنَاهُ وَقُلْنَا بِفَسَادِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْإِفْسَادِ وَدَمٌ لِلْحَلْقِ قَبْلَ وَقْتِهِ وَدَمٌ لِلْقِرَانِ وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِمَا ثُمَّ يَقْضِيهِمَا وَإِنْ قَالَ كَانَ الْحَدَثُ فِي طَوَافِ الْحَجِّ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَقَدْ صَحَّ نُسُكَاهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمُ التَّمَتُّعِ فَإِنْ قَالَ لا أدرى في الطَّوَافَيْنِ كَانَ أَخَذَ فِي كُلِّ حُكْمٍ بِالْيَقِينِ وَلَا يَتَحَلَّلُ مَا لَمْ يُعِدْ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدَثَهُ كَانَ

فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إنْ كَانَا وَاجِبَيْنِ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُحْدِثًا فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَتَأْثِيرُ الْجِمَاعِ فِي إفْسَادِ النُّسُكَيْنِ وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِالشَّكِّ وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أن لافساد وَعَلَيْهِ دَمٌ إمَّا لِلتَّمَتُّعِ إنْ كَانَ الْحَدَثُ فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَإِمَّا لِلْحَلْقِ إنْ كَانَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَدَنَةُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ الْعُمْرَةَ لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ ذَبْحُ بذنة وَشَاةٍ إذَا جَوَّزْنَا إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَارَ قَارِنًا بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله

  • (ويستحب أن يكثر من التلبية ويلبى عند اجتماع الرفاق وفى كل صعود وهبوط وفى ادبار الصلوات وإقبال الليل والنهار لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يلبى إذا رأى ركبا أو صعد أكمه أو هبط واديا وفى ادبار المكتوبة وآخر الليل) ولان في هذه المواضع ترتفع الاصوات ويكثر الضجيج وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أفضل الحج العج والثج) ويستحب في مسجد مكة ومنى وعرفات وفيما عداها من المساجد قولان (قال) في القديم لا يلبي (وقال) في الجديد يلبي لانه مسجد بني للصلاة فاستحب فيه التلبية كالمساجد الثلاثة وفى حال الطواف قولان (قال) في القديم يلبى ويخفض صوته (وقال) في الجديد لا يلبى لان للطواف ذكرا يختص به فكان الاشتغال به أولي ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (جاءني جبريل عليه

السلام فقال يَا مُحَمَّدُ مُرْ أَصْحَابَك أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بالتلبية فانها من شعائر الحاج) وان كانت امرأة لم ترفع الصوت بالتلبية لانه يخاف عليها الافتتان والتلبية أو يقول لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شريك لك لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شريك لك) قال الشافعي رحمه الله فان زاد على هذا فلا بأس لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يزيد فيها (لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغبة اليك والعمل) وإذا رأي شيئا يعجبه قال لبيك ان العيش عيش الآخرة لما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أعجبه ما هم فيه فقال (لبيك إن العيش عيش الآخرة) والمستحب إذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لانه موضع شرع فيه ذكر الله سبحانه وتعالى فشرع فيه ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كالاذان ثم يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار لما روى خزيمة بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا فَرَغَ مِنْ تلبيته في حج أو عمرة سأل الله تعالي رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار ثم يدعو بما أحب)) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي زَادَهَا ابْنُ عُمَرَ من كلامه وهذ لَفْظُ الْجَمِيعِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمران تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم) لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ) قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا (لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ والرغباء إلَيْكَ وَالْعَمَلُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ فَرَوَاهُ ابن ماجه وأبو حاتم البسني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فَقَالَ روى بعضهم هذا الحديث عن جلاد بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

  • قَالَ التِّرْمِذِيُّ ولا يصح هذا قال والصحيح عن جلاد بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي
فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل