كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولهذا لو انفرد بإذهاب الضوء لم يجب فيه القصاص وقال الشيخ أبو حامد: يلطمه كما لطمه، وهو المنصوص في الام، فإن ذهب ضوء عينه فقد استوفى حقه وان لم يذهب الضوء عولج بما يذهب الضوء لقوله تعالى " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " قال الشافعي فإن لطمه الجاني فأذهب ضوء عينه وابيضت عينه وشخصت، يعنى ارتفعت، فإنه يلطمه مثله.
فإن أذهب ضوء عينه فأبيضت وشخصت فقد أستوفى حقه، وان لم تبيض ولم يشخص - فإن أمكن معالجة العين حتى يبيض
ويشخص - فعل، وان لم يمكن فلا شئ عليه، لان الجناية انما هي ذهاب العين.
فأما البياض والشخوص فإنما هو شين، والشين لا يوجب شيئا، كما لو شجه موضحة فاقتص منه مثلها ثم برئ - أي المجني عليه - وبقى عليه شين وبرئ رأس الشاج ولا شين عليه، فإنه لا يجب له شئ فكذلك هذا مثله.
وان قلع عينه بأصبعه - فإن قلع المجني عليه عينه بحديدة جاز - لانه أوحى وأن أراد أن يقلع عينه بأصبعه ففيه وجهان
(أحدهما)
له ذلك لقوله تعالى " فمن أعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم "
(والثانى)
ليس له ذلك لانه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أوضح رأسه بالسيف اقتص منه بحديدة ماضية كالموسى ونحوه، ولا يقتص منه بالسيف لانه لا يؤمن أن يهشم العظم.
(فصل)
وان جنى عليه جناية ذهب منها ضوء عينيه نظرت - فإن كانت جناية لا يجب فيها القصاص كالهاشمة - عولج بما يزيل ضوء العين من كافور يطرح في العين أو حديدة حامية تقرب منها، لانه تعذر استيفاء القصاص فيه بالهاشمة ولا يقلع الحدقة لانه قصاص في غير محله الجناية فعدل إلى أسهل ما يمكن كما قلنا في القتل باللواط.
وان كانت جناية يمكن فيها القصاص كالموضحة اقتص منه
فإن ذهب الضوء فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب عولج بما يزيل الضوء على ما ذكرناه في الهاشمة، وإن لطمه فذهب الضوء فقد قال بعض أصحابنا انه يلطم كما لطم فإن ذهب الضوء فقد استوفى حقه، وإن لم يذهب عولج على ما ذكرناه.
وقال الشيخ الامام: ويحتمل عندي إنه لايقتص منه باللطمة بل يعالج بما يذهب
الضوء على ما ذكرناه في الهاشمة.
والدليل عليه ماروى يحيى بن جعدة أن أعرابيا قدم بحلوبة له إلى المدينة فساومه فيها مولى لعثمان بن عفان رضى الله عنه، فنازعه فلطمه ففقأ عينه، فقال له عثمان هل لك أن أضعف لك الدية وتعفو عنه؟ فأبى فرفعهما إلى على، فدعا علي رضى الله عنه بمرآة فأحماها ثم وضع القطن على عينه الاخرى، ثم أخذ المرآة بكلبتين فأدناها من عينه حتى سال إنسان عينه " ولان اللطم لا يمكن اعتبار المماثلة فيه، ولهذا لو أنفرد من إذهاب الضوء لم يجب فيه القصاص، فلا يستوفى به القصاص في الضوء كالهاشمة.
وإن قلع عين رجل بالاصبع فأراد المجني عليه أن يقتص بالاصبع ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يجوز لانه يأتي على ما تأتى عليه الحديدة مع المماثلة
(والثانى)
لا يجوز لان الحديد أرجى فلا يجوز بغيره (الشرح) إذا وجب له القصاص بالسيف فإن الحاكم يمكن الولى من ضرب عنق الجاني، فإن ضرب عنقه بالسيف فأبانه فقد استوفى حقه، وإن ضربه في غير العتق، فإن مات فقد استوفى حقه، وإن لم يمت سئل عن ذلك، فإن قال تعمد ضرب ذلك الموضع عزره الحاكم لقوله تعالى " فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " معناه لا يمثل به في القتل، وقيل معناه لا يقتل غير قاتله ويؤمر أن يوكل من يقتص له ولا يلزمه ضمان، لان له إتلاف جملته.
" إن قال أخطأت - فإن ضرب موضعا يجوز أن يخطئ في مثله، مثل أن يصاب الكتف وما يلي الرأس من العتق فالقول قوله مع يمينه، لان ما يدعيه ممكن ولا تعزير عليه، وإن أصاب موضعا لا يجوز أن يخطئ في مثله، مثل أن ضرب وسط رأسه وظهره أو رجله لم يقبل قوله، لانه خلاف الظاهر ويعزر
ولا يضمن أيضا.
فان قال لا أحسن الاقتصاص أمرنا بالتوكيل.
وان قال أنا
أحسن وطلب أن يقتص بنفسه فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي موضع ليس له ذلك ويؤمر بالتوكيل.
وقال في موضع يمكن نائبا من الاقتصاص، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال فيه قولان: أحدهما لا يمكن لانه لا يؤمن مثل ذلك منه، والثانى يمكن لان الظاهر أنه لا يعود إلى مثله، ومنهم من قال ليست على قولين، وانما هي على اختلاف حالين، فحيث قال يؤمر بالتوكيل أراد إذا كان لا يحسن ولا يوجد منه قبل ذلك، وحيث قال يمكن أراد به إذا علم منه أنه يحسن الاستيفاء.
(فرع)
وان وجب له القصاص في أنملة فاقتص في أنملتين - فان كان عامدا - وجب عليه القصاص، وان كان مخطئا وجب عليه الارش دون القود وان استوفى أكثر من حقه باضطراب الجاني لم يلزم المقص شئ، لانه حصل بفعل الجاني فهدر.
قال المصنف رحمه الله تعالى
(فصل)
وان وجب له القصاص بالسيف فضربه فأصاب غير الموضع وادعى أنه أخطأ - فان كان يجوز في مثله الخطأ - فالقول قوله مع يمينه، لان ما يدعيه محتمل.
وان كان لا يجوز في مثله الخطأ لم يقبل قوله ولا يسمع فيه يمينه، لانه لا يحتمل ما يدعيه، وان أراد أن يعود ويقتص فقد قال في موضع لا يمكن، وقال في موضع يمكن.
ومن أصحابنا من قال هما قولان
(أحدهما)
لا يمكن لانه لا يؤمن مثله في الثاني
(والثانى)
أنه يمكن لان الحق له، والظاهر أنه لا يعود إلى مثله.
ومن أصحابنا من قال ان كان يحسن مكن لان الظاهر أنه لا يعود إلى مثله، وان لم يحسن لم يمكن لانه لا يؤمن أن يعود الى مثله، وحمل القولين على هذين الحالين وان وجب له القصاص في موضحة فاستوفى أكثر من حقه أو وجب له القصاص
في أنملة فقطع أنملتين - فان كان عامدا - وجب عليه القود في الزيادة، وان كان خطأ وجب عليه الارش، كما لو فعل ذلك في غير القصاص، وان استوفى
أكثر من حقه باضطراب الجاني لم يلزمه شئ، لانه حصل بفعله فهدر.
(فصل)
وإن اقتص من الطرف بحديدة مسمومة فمات لم يجب عليه القصاص لانه تلف من جائز وغير جائز، ويجب نصف الدية لانه هلك من مضمون وغير مضمون، فسقط النصف ووجب النصف (الشرح) إذا وجب له القصاص في اليمين فقال المقتص للجاني أخرج يمينك لاقطعها، فأخرج الجاني يساره فقطعها المقتص، نظرت في الجاني - فإن قال تعمدت إخراج اليسار وعلمت أن قطعها لا يجزئ عن اليمين فلا قود على المقتص ولادية، سواء علم المقتص أنها اليسار أو لم يعلم، لانه قطعها ببذل صاحبها فهو كما لو قال اقطع يدى فقطها، غير أن المقتص إن كان عالما بأنها اليسار عزر لانه فعل فعل محرما، وإن لم يعلم لم يعزر، وسواء أذن الجاني في قطعها بالقول أو قال له المقتص اخرج يمينك لاقطعها فأخرج يساره وهو ساكت ومدها فقطعها المقتص لانه بذلها له بإخراجها إليه لا على سبيل العوض، والفعل في ذلك يقوم مقام النطق، كما لو دفع إلى رجل صرة وقال ارمها في البحر فأخذها ورماها فلا ضمان عليه: وكذلك لو قال: ادفع إلى صرتك لارميها في البحر فدفعها إليه وهو ساكت فرماها فلا ضمان عليه، وكما لو قدم إليه طعاما وقال كله، هو كما لو استدعى منه الطعام فقدمه إليه فأكله، فإن مات المقطوع يساره من قطعها، فلا قود على المقتص وقال ابن الصباغ: ولا يجب عليه دية النفس، وهل تجب الكفارة على المقطوعة يساره؟ قال المسعودي فيه وجهان بناء على الوجهين فيمن قتل نفسه
وطريقة أصحابنا البغداديين أن من قتل تجب عليه الكفارة وجها واحدا فعلى هذا يجب عليه الكفارة ها هنا وإن قال المقتص منه وقع في سمعي أنه قال اخرج يسارك فأخرجتها، أو سمعت أنه قال اخرج يمينك، ولكن دهشت فأخرجت اليسار وظننتها اليمين، وأخرجت اليسار عامدا لكن ظننت أن قطعها يجزئ عن اليمين نظرت في المقتص فإن لم يعلم أنها اليسار فلا قود عليه للشبهة.
وهل تجب عليه الدية؟
فيه وجهان
(أحدهما)
لا تجب عليه الدية لانه قطعها ببذل صاحبها، فهو كما لو قال اقطع يدى فقطعها
(والثانى)
تجب عليه الدية، وهو الاصح لان الجاني بذل لتكون يساره عوضا عن اليمين، فإذا لم يقع عنها وجب له قيمتها، كما لو باع سلعة بيعا فاسدا وسلمها إلى المشترى وتلفت وإن كان المقتص عالما بأنها اليسار فهل يجب عليه القود في يساره؟ فيه وجهان قال أبو حفص بن الوكيل يجب عليه القصاص لانه قطع يدا غير مستحقة له مع العلم بتحريهما.
وقال أكثر أصحابنا لا يجب عليه القصاص - وهو الاصح - لانه قطعها ببذل صاحبها، ويجب عليه ديته، لان صاحبها بذلها لتكون عوضا عن اليمين فإذا لم يقع وجب له قيمتها، كما لو باع سلعة فاسدة وقبضها المشترى وتلفت منه.
إذا ثبت هذا فإن باق للمقتص في يمين الجاني لانه لم يسقط حقه عنها.
قال الشافعي رحمه الله: لايقتص منه في اليمين حتى يندمل يساره: وقال فيمن قطع يدى رجل أو رجليه دفعة واحدة أنه تقطع يده به أو رجليه في وقت واحد، فمن أصحابنا الخراسانيين من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من حملهما على ظاهرهما، ولم يذكر أصحابنا البغداديون غيره، وفرق بينهما بأنه إذا قطع
يد رجل أو رجليه فقد جمع عليه بين ألمين فجاز له أن يجمع عليه بينهما.
وها هنا الجاني لم يجمع عليه بين ألمين فلا يجوز له أن يجمع عليه بينهما فإن قيل: أليس لو قطع يمين ويسار آخر يؤخذ القصاص عليه في إحداهما إلى اندمال الاخرى قلنا الفرق بينهما أن القطعين مستحقان قصاصا فلهذا جمعنا بينهما، وهاهنا أحدهما غير مستحق عليه فلم يجمع بينهما، وإن سرى قطع اليسار إلى نفس الجاني في الموضع الذي قال ظننتها اليمين وظننت أن قطعها يجزى عن اليمين.
قال ابن الصباغ فانه يجب على المقتص دية كاملة، وقد تعذر عليه القصاص في اليمين فجيب دية يده فيقاص بها مما عليه قال: وحكى عن الشيخ أبى حامد أنه قال: عندي أنه استوفى حقه من اليمين بتلفه، كما لو كان قصاص في اليد فقطعها ثم قتله
ووجه الاول أن حقه في قطع اليد ولم يحصل، وإنما قتله فقد ضمنها مع النفس بالدية.
قال ابن الصباغ ويلزمه أن يقول فيه: إذا بذلها مع العلم بها وسرت أيضا، أن يكون مستوفيا لليمين، لان البدل فيما استحق إتلافه لايمنع استيفاء الحق، وإنما تكون سرايتها هدرا فيما لا يستحقه (مسألة) إذا اختلفا فقال المقتص: بذلت اليسار وأنت عالم بأنها اليسار وأنه لا يجزئ قطعها عن اليمين، وقال الجاني بذلتها ولم أعلم أنها اليسار أو لم أعلم أن قطعها لا يجزئ عن اليمين فالقول قول الجاني مع يمينه لانه أعلم بنفسه، وإن حلف كان الحكم فيه حكم ما لو صادقه المقتص على أنه بذلها ولم يعلم أنه اليمين: وإن نكل الجاني حلف المقتص وكان الحكم فيه حكم ما لو أقر الجاني انه بذلها مع
علمه أنها اليسار وأنه لا يجزى قطعها عن اليمين، فإذا وجب له القصاص في اليمين فانفقا على أن يقتص منه باليسار بدلا عنها لم يقع عن اليمين، لان مالايجوز قطعه بالشرع لا يجوز بالتراضى، كما لو قتل غير القاتل برضاه ولا قصاص على المقتص لانه قطعها ببذل صاحبها ويجب عليه دية اليسار فإن كان عالمين بأن ذلك لا يجوز أثما، وإن كانا جاهلين لم يأثما، وان كان أحدهما عالما والاخر جاهلا أثم العالم منهما.
وهل يسقط حق المقتص من القصاص في اليمين؟ فيه وجهان:
(أحدهما)
يسقط لانه لما رضى يأخذ اليسار عن اليمين صار ذلك عفوا منه عن اليمين.
فعلى هذا يجب دية يد وله دية يد فيتقاصان إن استويا، وان تفاضلا بأن كان أحدهما رجلا والاخر امرأة، أو كان المقتص مسلما والجانى كافرا رجع من له الفضل بماله من الفضل
(والثانى)
لا يسقط حقه من القصاص في اليمين، لانه إنما رضى باسقاط حقه من القصاص بأن يكون اليسار بدل اليمين، فإذا لم يصح أن يكون بدلا عنها كان حقه باقيا في المبدل كما لو صالح على الانكار: فعلى هذا ليس له أن يقتص في اليمين إلا بعد اندمال اليسار، قال ابن الصباغ: والاول أصح لان غرضه قد حصل له وهو القطع.
(فرع)
إذا كان المقتص منه مجنونا والمقتص عاقلا فقال له: أخرج يمينك فأخرجها المجنون فقطعها فقد استوفى حقه، لان المقتص من أهل الاستيفاء، وان كان المقتص منه ليس من أهل البذل والاعتبار بالمقتص، فان قال المقتص أخرج يمينك فأخرج المجنون يساره فقطعها المقتص - فان كان المقتص عالما أنها اليسار - وجب عليه القصاص في اليمين، وإن كان المتقص غير عالم بأنها اليسار
لم يجب عليه القصاص في اليسار للشبهة ولكن عليه دية اليسار، لان بذل المجنون لا يصح، وله القصاص في اليمين فلا يقطعها حتى تندمل يساره، وان كان المقتص منه عاقلا والمقتص مجنونا، فقال له المجنون أخرج يمينك لاقطعها فأخرجها العاقل باختياره فقطعها المجنون لم يصر مستوفيا، لانه ليس من أهل الاستيفاء ولاضمان عليه لانه قطعها ببذل صاحبها ووجب للمجنون على العاقل دية يمينه لان يمينه قد زالت.
وإن أخرج إليه العاقل يساره فقطعها المجنون هدرت اليسار وكان حق المجنون باقيا في القصاص في اليمين.
وأما إذا أكرهه المجنون فقطع يمينه فهل يصير مستوفيا لحقه؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في الصبي الصحيح، لانه لا يصير مستوفيا، فان قلنا انه يصير مستوفيا فلا كلام.
وان قلنا لا يصير مستوفيا كان للمجنون دية يده على الجاني ووجب للجاني دية يده فان قلنا ان عمد المجنون عمد وجبت الدية في ماله، وان قلنا أن عمده خطأ وجبت على عاقلته، وان كان المتقص والمقتص منه مجنونين وكان القصاص في اليمين فقطع المقتص يمين المقتص منه فهل يصير مستوفيا لحقه؟ على الوجهين، سواء قطعها ببذل المقتص منه أو أكرهه، لان بذله لا يصح، فان قلنا يصير مستوفيا فلا كلام.
وإن قلنا لا يصير مستوفيا وجب للمقتص دية يده في ماله الجاني، ويجب للجاني دية يده فان قلنا ان عمد المجنون عمد وجبت في ماله، وان قلنا ان عمده خطأ وجبت على عاقلته.
وان قطع المقتص يسار الجاني وجب ضمانها بالدية، سواء قطعها
ببذل صاحبها أو بغير بذله لانه لا يصح بذلك: وفي محل وجوبها القولان في
جنايته هل هي عمد أو خطأ؟ ويبقى للمقتص القصاص في اليمين ولا يقتص من الجاني حتى تندمل يساره
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإذا وجب القصاص في يمينه فقال، أخرج يمينك فأخرج اليسار من كم اليمين فقطعها، فإن قال تعمدت إخراج اليسار وعلمت أنه لا يجوز قطعها عن اليمين لم يجب على القاطع ضمان، لانه قطعها ببذله ورضاه.
وإن قال ظننتها اليمين أو ظننت أنه يجوز قطعها عن اليمين نظرت في المستوفى، فإن جهل أنها اليسار لم يجب عليه القصاص لانه موضع شبهة، وهل يجب عليه الدية؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا تجب عليه لانه قطعها ببذل صاحبها.
(والثانى) يجب وهو المذهب، لانه بذل على أن يكون عوضا عن اليمين، فإذا لم يصح العوض وتلف المعوض وجب له بدله، كما لو اشترى سعلة بعوض فاسد وتلفت عنده، فإن علم أنه اليسار وجب عليه ضمانه، وفيما يضمن وجهان (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ أنه يضمن بالقود لانه تعمد قطع يد محرمة.
(والثانى) وهو المذهب أنه لا يجب القود، لانه قطعها ببذل الجاني ورضاه وتلزمه الدية لانه قطع يدا لا يستحقها مع العلم به، فإن وجب له القود في اليمين فصالحه على اليسار لم يصح الصلح، لان الدماء لا تستباح بالعوض، وهل يسقط القصاص في اليمين؟ فيه وجهان (أحدهما) يسقط لان عدو له إلى اليسار رضا بترك القصاص في اليمين.
(والثانى)
أنه لا يسقط لانه أخذ اليسار على أن يكون بدلا عن اليمين ولم يسلم البدل فبقى حقه في المبدل.
فإذا قلنا لا يسقط القصاص فله على المقتص دية اليسار، وللمقتص عليه القصاص في اليمين.
وان قلنا انه يسقط القصاص فله
دية اليمين وعليه دية اليسار وان كان القصاص على مجنون فقال له المجني عليه أخرج يمينك فأخرج يساره
فقطعها وجب عليه القصاص ان كان عالما أو الدية إن كان جاهلا، لان بذل المجنون لا يصح فصار كما لو بدأ بقطعه (الشرح) إذا قطع رجل يد رجل فاقتص المجني عليه من الجاني فاندملت يد المجني عليه ومات الجاني هدر دمه.
وبه قال الحسن وابن سيرين ومالك وأحمد وإسحاق وابن المنذر وأبو يوسف ومحمد.
وقال عطاء وطاوس والزهرى وأبو حنيفة يكون على المجني عليه دية كاملة دليلنا ماروى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قالا: من مات من حد أو قصاص فلا دية له 1 ولا مخالف لهما في الصحابة رضى الله عنهم.
ويثبت أنه إجماع، ولانه جرح مباح غير مجتهد فيه فلم تكن سرايته مضمونة كالقطع في السرقة، فقول المباح احتراز من القطع بغير حق وقولنا " غير مجتهد فيه " احتراز من المولى عليه إذا كانت به أكلة أو سعلة فاجتهد الامام في قطعها فقطهعا فمات منه وان قلنا يد رجل فقطع المجني عليه يد الجاني ثم سرى القطع إلى نفس المجني عليه كانت السرايه إلى نفس الجاني قصاصا، لان السراية في النفس لما كانت كالجناية في إيجاب القصاص كانت الجناية في استيفاء القصاص، فإن كانت بحالها إلا أن الجاني مات من القطع أولا ثم مات المجني عليه بعده من القطع ففيه وجهان
(أحدهما)
أن السراية إلى نفس الجاني تكون قصاصا لان نفسه خرجت مخرج القصاص فكانت قصاصا، كما لو مات المجني عليه ثم مات الجاني
(والثانى)
أن السراية إلى نفس الجاني لا تكون قصاصا، وهو الاصح لان السراية سبقت وجوب
القصاص فلم يقع قصاصا، وإنما تكون السراية هدرا، فعلى هذا يجب للمجني عليه في مال الجاني نصف الدية، لانه قد أخذ يدا بنصف الدية.
وان كانت الدية موضحة أخذ منه تسعة أعشار الدية ونصف عشرها لانه أخذ منه ما يساوى نصف عشر الدية.
(مسألة) قوله من وجب عليه قتل بكفر أو ردة الخ، فجملة ذلك أنه إذا وجب عليه قتل بقصاص أو كفر أو زنا أو التجأ إلى الحرم قتل ولم يمنع الحرم منه.
وقال أبو حنيفة.
لا يستوفى منه القصاص ولا الرجم في الحرم، ولكن لا يباع ولا يشترى ولا يكلم حتى يخرج من الحرم ويستوفى منه القصاص والحد دليلنا قوله تعالى " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " ولم يفرق، وقوله تعالى " فاقتلوهم حيث ثقفتموهم " وهذا عام لانه قتل لا يوجب الحرم ضمانه فلم يمنع منه كقتل الحية والعقرب فيه احتراز من قتل الصيد (فرع)
إذا قتل رجل رجلا عمدا فمات القاتل قبل أن يقتص منه ولى المقتول أو قتله رجل غير ولى المقتول وجبت دية المقتول في مال القاتل، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة يسقط حقه، دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم " فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية " وقوله " بين خيرتين " أي شيئين إذا تعذر أحدهما تعين له الآخر، كما قلنا في كفارة اليمين.
وان وجب له القصاص في طرف فزال الطرف قبل استيفاء القصاص كان له أرش الطرف في مال الجاني لما ذكرناه في النفس وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿باب العفو عن القصاص﴾
ومن وجب عليه القصاص وهو جائز التصرف فله أن يقتص وله أن يعفو على المال، لما روى أبو شريح الكعبي " إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين، ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية " فإن عفا مطلقا بنينا على ما يجب بقتل العمد.
وفيه قولان
(أحدهما)
أن موجب قتل العمد القصاص وحده، لا تجب الدية الا بالاخپتيار.
والدليل عليه قوله عز وجل " كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد " ولان ما ضمن بالبدل في حق الآدمى ضمن ببدل معين كالمال
والقول الثاني أن موجبه أحد الامرين من القصاص أو الدية.
والدليل عليه أن له أن يختار ما شاء منهما، فكان الواجب أحدهما كالهدى والطعام في جزاء الصيد، فإذا قلنا إن الواجب هو القصاص وحده فعفا عن القصاص مطلقا سقط القصاص ولم تجب الدية، لانه لا يجب له غير القصاص وقد أسقطه بالعفو، وإن قلنا إنه يجب أحد الامرين فعفا عن القصاص وجبت الدية، لان الواجب أحدهما، فإذا ترك أحدهما وجب الآخر، وإن أختار الدية سقط القصاص وثبت المال ولم يكن له أن يرجع إلى القصاص وإن قال اخترت القصاص فهل له أن يرجع إلى الدية؟ فيه وجهان
(أحدهما)
له يرجع لان القصاص أعلى، فجاز أن ينتقل عنه إلى الادنى
(والثانى)
ليس له أن يرجع إلى الدية لانه تركها فلم يرجع إليها كالقصاص، فإن جنى عبد على رجل جناية توجب القصاص فاشتراه بأرش الجناية سقط القصاص لان عدوله إلى الشراء اختيار للمال.
وهل يصح الشراء؟ ينظر فيه، فإن كانا لا يعرفان عدد الابل وأسنانها لم يصح الشراء لانه بيع مجهول، فإن كانا يعرفان
العدد والاسنان ففيه قولان
(أحدهما)
لا يصح الشراء، لان الجهل بالصفة كالجهل بالعدد والسن، كما قلنا في السلم.
(والثانى)
أنه يصح لانه مال مستقر في الذمة تصح المطالبة به، فجاز البيع به كالعوض في القرض
(فصل)
فإن كان القصاص لصغير لم يجز للولى أن يعفو عنه على غير مال.
لانه تصرف لاحظ للصغير فيه، فلا يملكه الولى كهبة ماله، وان أراد أن يعفو على مال - فإن كان له مال أو له من ينفق عليه - لم يجز العفو لانه يفوت عليه القصاص من غير حاجة، وإن لم يكن له مال ولا يمن ينفق عليه ففيه وجهان.
(أحدهما) يجوز العفو على مال لحاجته إلى المال ليحفظ به حياته (والثانى) لا يجوز وهو المنصوص لانه يستحق النفقة في بيت المال، ولا حاجة به إلى العفو عن القصاص، وان كان المقتول لا وارث له غير المسلمين كان الامر إلى السلطان،
فإن رأى القصاص اقتص، وان رأى العفو على مال عفا، لان الحق للمسلمين فوجب على الامام أن يفعل ما يراه من المصلحة، فإن أراد أن يعفو على غير مال لم يجز لانه تصرف لاحظ فيه للمسلمين فلم يملكه (الشرح) حديث أبى شريح الكعبي مضى تخريجه مع ترجمة راويه آنفا.
أما الاحكام فإنه إذا قتل غيره عمدا وهما متكافئان فما الذي يجب على القاتل؟ فيه قولان
(أحدهما)
أن الواجب عليه هو القود وحده، وانما الدية تجب بالعفو بدلا عنه، وهو قول أبى حنيفة، وهو اختيار القاضى أبى الطيب لقوله تعالى " كتب عليكم القصاص في القتلى " إلى قوله " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " فموضع الدليل أنه قال " كتب عليكم القصاص "
ولم يذكر الدية فعلم أنها لم تجب بالقتل، وأيضا فإنه قال " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف " فأمره باتباع الدية إذا عفا عن القود فعلم أن الدية تجب بالعفو لا بالقتل، ولان ما ضمن بالبدل في حق الآدمى ضمن ببدل معين كالمال وقولنا ضمن ببدل احتراز من العين المغصوبة إذا كانت باقية، وقولنا في حق الآدمى احتراز من جزاء الصيد والقول الثاني: أن الواجب عليه أحد شيئين: القود أو الديه، فإن استفاد الولى علمنا أن الواجب كان هو القود، وان عفا عن القود على الدية علمنا أن الواجب كان هو الدية، وهو اختيار الشيخ أبى حامد لقوله صلى الله عليه وسلم " فمن قتل بعده قيلا فأهله بين خيرتين، ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية فخيرهم بين القود والدية، فعلم أنهما سواء في الوجوب.
إذا تقرر هذه فقال الولى عفوت عن القود على الدية سقط القود ووجبت الدية على القولين وان قال عفوت عن القود والدية سقطا جميعا على القولين، وان قال عفوت عن القود وأطلق، فإن قلنا ان الواجب بقتل العمد أحد شيئين وجبت الدية لانها واجبة لم يعف عنها.
وان قلنا الواجب القود وحده، ففيه طَرِيقَانِ، مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ.
فمنهم من يحكيهما وجهين
(أحدهما)
لا تجب الدية
لانها لا تجب على هذا إلا باختياره لها ولم يخترها فلم تجب
(والثانى)
تجب الدية لئلا تهدر الدماء، والاول أصح، ومنهم من قال لا تجب الدية قولا واحد، وهو قول أبى إسحاق المروزى والمصنف لما ذكرناه للاول، فإن قال عفوت عن القود إلى الدية، أو قال عفوت عن القود ولم يقل إلى الدية.
وقلنا تجب الدية ثم أراد أن يطالبه بالقود لم يكن له، لانه قد سقط، وإن قال عفوت عن الدية.
فإن قلنا إن الواجب هو القصاص وحده لم يصح عفوه، وكان له أن يقتص، فإن عفى عن القود بعد ذلك أو على الدية أو عفا مطقا وقلنا تجب الدية بالاطلاق استحق الدية، لان عفوه الاول عنها كان قبل وجوبها.
فإن قلنا إن الواجب أحد الشيئين - سقطت الدية وتعين حقه في القصاص - فإن اقتص منه فلا كلام، وإن مات القاتل قبل أن يقتص منه، قال الشافعي رضى الله عنه له أن يأخذ الدية لانه لما سقط القود بغير اختياره كان له الرجوع إلى بدله، وإن كان القاتل حيا وأراد الولى أن يعفو عن القود إلى الدية.
قال الشافعي: ليس له ذلك، لانه كان له أن يختار الدية فلما لم يخترها وتركها لم يكن له العود إليها.
وقال أبو إسحاق: له أن يعفو عن القود ويختار الدية لانه انتفال من البدل الاغلظ إلى الاخف.
وإن اخترت القصاص فهل له أن يرجع ويعفو عنه إلى الدية؟ فيه وجهان
(أحدهما)
له أن يرجع إلى الدية لانه تركها فلم يرجع إليها كالقصاص.
إذا ثبت هذا فللولي أن يعفو عن القود إلى الدية، سواء رضى القاتل به أو لم يرض، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وأحمد واسحاق.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحق الولى الدية الا برضا القاتل.
دليلنا قوله تعالى " كتب عليكم القصاص في القتلى " إلى قوله " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " قيل في التفسير: معناه فمن عفى له، يريد به القاتل من أخيه المقتول شئ أي على شئ فاتباع بالمعروف، يريد به على مال فاتباع، لانه كان في شريعة موسى الذي يجب بالقتل هو القصاص فقط، وفي شريعة عيسى الدية فقط، فجعل الله
تعالى لهذه الامة القود في القتل، وجعل لهم العفو عنه على مال تخفيفا منه ورحمة ومن الدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم (فمن قتل بعد قتيلا فأهله بين خيرتين ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية) ولم يعتبر رضى القاتل.
وروى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قال (اولى مخير في ذلك بين القتل والدية) ولا مخالف له في الصحابة فدل على أنه اجماع
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان كان القصاص لجماعة فعفا بعضهم سقط حق الباقين من القصاص لما روى زيد بن وهب أن عمر رضى الله عنه أتى برجل قتل رجلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت أخت المقتول وهى امرأة القاتل قد عفوت عن حقى، فقال عمر رضى الله عنه عتق من القتل) وروى قتادة رضى الله عنه (أن عمر رضى الله عنه رفع إليه رجل قتل رجلا فجاء أولاد المقتول وقد عفا أحدهم، فقال عمر لابن مسعود رضى الله عنهما وهو إلى جنبه ما تقول؟ فقال انه قد أحرز من القتل، فضرب على كتفه وقال كنيف ملئ علما) ولان القصاص مشترك بينهم وهو مما لا يتبعض، ومبناه على الاسقاط فإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق في نصيب أحد الشريكين وينتقل حق الباقين إلى الدية لما روى زيد بن وهب قال دخل رجل على امرأته فوجد عندها رجلا فقتلها، فاستعدى اخوتها عمر، فقال بعض اخوتها قد صدقت بحقى فقضى لسائرهم بالدية، ولانه سقط حق من لم يعف عن القصاص بغير رضاه فثبت له البدل مع وجود المال كما يسقط حق من لم يعتق من الشريكين إلى القيمة
(فصل)
وان وكل من له القصاص من يستوفى له ثم عفا وقتل الوكيل ولم يعلم بالعفو، ففيه قولان
(أحدهما)
لا يصح العفو، لانه عفا في حال لا يقدر الوكيل على تلاقى
ما وكل فيه، فلم يصح العفو، كما لو عفا بعد ما رمى الحربة إلى الجاني
(والثانى)
يصح لانه حق له فلا يفتقر عفوه عنه إلى علم غيره كالابراء من الدين، ولا يجب القصاص على الوكيل، لانه قتله وهو جاهل بتحريم القتل.
وأما الدية فعلى القولين، إن قلنا إن العفو لا يصح لم تجب الدية، كما لا تجب إذا عفا عنه بعد القتل، وإن قلنا يصح العفو وجبت الدية على الوكيل، لانه قتل محقون الدم ولا يرجع بما غرمه من الدية على الموكل.
وخرج أبو العباس قولا آخر أنه يرجع عليه لانه غره حين لم يعلمه بالعفو، كما قلنا فيمن وطئ أمة غر بحريتها في النكاح، وقلنا إن النكاح باطل انه يلزمه المهر ثم يرجع به على من غره في أحد القولين وهذا خطأ لان الذي غره في النكاح مسئ مفرط فرجع عليه والموكل ههنا محسن في العفو غير مفرط
(فصل)
فإن جنى على رجل جناية فعفا المجني عليه من القصاص فيها ثم سرت الجناية إلى النفس، فإن كانت الجناية مما يجب فيها القصاص كقطع الكف والقدم لم يجب القصاص في النفس، لان القصاص لا يتبعض، فإذا سقط في البعض سقط في الجميع، وإن كانت الجناية مما لاقصاص فيها كالجائفة ونحوها وجب القصاص في النفس لانه عفا عن القصاص فيما لاقصاص فيه فلم يعمل فيه العفو (الشرح) خبر زيد بن وهب أخرجه أبو داود في سنته، وخبر عبد الله بن مسعود وقول عمر له " كنيف ملئ علما.
ساقه الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الاعمش عن زيد بن وهب وساق له شاهدا آخر عن معن بن عيسى، حدثنا معاوية ابن صالح عن أسد بن وداعة أن عمر ذكر ابن مسعود فقال: كيف ملئ علما آثرت به أهل القادسية.
وقوله " كنيف " تصغير كنف والكنف وعاء من أدم يكون فيه أداة الراعى
وتصغيره للتنظيم كما قالوا دويهية، والاحسن في هذا أنه يعنى الصغر والحقارة لان ابن مسعود رضى الله عنه كان دميم الخلقة قصيرا.
قبل يكاد الجلوس يوارونه من قصره.
هكذا أفاده ابن بطال أما الاحكام فإذا كان القصاص لجماعة فعفا بعضهم عن القود سقط القود عن القاتل لقوله صلى الله عليه وسلم " فأهله بين خيرتين " ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية " وهؤلاء لم يحبوا لان فيهم من لم يحب.
وروى أن رجلا قتل رجلا وأراد ورثة المقتول أن يقتصوا فقالت زوجة القاتل وكانت أخت المقتول
قد عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر رضى الله عنه: نجا من القتل، وكذلك ورى عن أبن مسعود ولا مخالف لهما في الصحابة فدل على أنه اجماع، ولان القصاص يقع مشتركا لا يتبعض، فإذا سقط بعضه سقط الجميع، وينتقل حق الباقين إلى الدية، لما أن رجلا دخل على امرأته فوجد معها رجلا فقتلها، فقال بعض اخوتها قد تصدقت، فقضى عمر لسائرهم بالدية، ولان حقهم سقط من القصاص بغير اختيارهم فانتقل حقهم إلى البدل مع وجوده كما ينتقل حق الشريك في العبد إذا أعتقه شريكه إلى القيمة.
(فرع)
إذا وجب له القصاص على رجل فرمى إليه بسهم أو بحرية ثم عفا عنه بعد الرمى وقبل الاصابة لم يصح العفو لانه لا معنى لهذا العفو كما لو جرحه ثم عفا عنه، وان وجب له القصاص فقد ذكرنا أنه يجوز له أن يوكل من يستوفى له القصاص بحضرة الموكل.
وهل يصح أن يوكل من يتسوفى له القصاص، فيه ثلاث طرق سبق لنا بيانها في الوكالة، وقلنا الصحيح أنه يصح قال ابن الصباغ: الا أنا إذا قلنا لا تصح الوكالة فاستوفى الوكيل القصاص فقد حصل به الاستيفاء، لانه استوفاه بإذنه كما نقول فيه إذا باع الوكيل في
الوكالة الفاسدة، وانما يقيد فسادها هاهنا أن الحاكم لا يمكن اوكيل من الاستيفاء فلو وكل في الاستيفاء ثم عفا الموكل عن القصاص، فإن عفا بعد أن قتله الوكيل لم يصح عفوه، فإن عفا قبل أن يقتله الوكيل ثم قتله بعد علمه بالعفو فعلى الوكيل القود، وان لم يعلم هل كان العفو قبل القتل أو بعده؟ فلا شئ على الوكيل، لان الاصل أن لا عفو، وان عفا الموكل عن القصاص ثم قتله الوكيل ولم يعلم بالعفو فهل يصح العفو؟ فيه قولان
(أحدهما)
لا يصح العفو لانه عفا في وقت لا يمكن تلافيه فلم يصح، كما لو عفا بعد رمى الحرية إلى الجاني
(والثانى)
يصح لانه عفا عن قود غير متحتم قبل أن يشرع فيه الوكيل.
فصح كما لو علم الوكيل بالعفو قبل القتل واختلف أصحابنا في مأخذ القولين، فمنهم من قال أصلهما القولان في الوكيل هل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل، ولم يذكر ابن الصباغ غيره، ومن أصحابنا
الخراسانين من قال أصلهما إذا رأى رجلا في دار الحرب فظنه حربيا فرماه بسهم ثم بان أنه كان مسلما ومات هل تجب الدية؟ فيه قولان وقال الشيخ أبو حامد: القولان ها هنا أصل بأنفسهما ومنها أخذ الوجهان في الوكيل، هل ينعزل قبل أن يعلم بالعزل، فإذا قلنا إن عفوه لا يصح فلا شئ على الموكل والوكيل، فإذا قلنا إن عفوه يصح فلا شئ على الموكل وأما الوكيل فلا قصاص عليه لان له شبهة في قتله ويجب عليه الدية.
وإن قلنا لا تجب عليه الدية فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه وجهان حكاهما الطبري في العدة - إن قلنا إن مأخوذ القولين في الدية من الرمي إلى من ظنه حربيا - فتجب الكفارة، لان الدية ها هنا لم تجب
فإن قلنا مأخذهما من عزل اوكيل فلا تجب عليه الكفارة وتكون الدية مغلظة لانها إما دية عمد محض أو دية عمد خطأ، وهل تجب في مال أو كيل أو على عاقتله؟ فِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ المروزى واختيار الشيخ أبى حامد أنها تجب في ماله لانه قصد قتله، وإنما سقط القصاص لمعنى آخر، وقال أبو علي بن أبى هريرة هو دية عمد خطأ فتجب دية مؤجلة على العاقلة، لانه قتله وهو معذور، فإن قلنا إنها على العاقلة لم يرجع بها الوكيل على الموكل لذلك.
وقال أبو العباس بن سريج: فيه قول آخر: انه يرجع عليه كما قلناه فيمن قدم طعاما مغصوبا إلى رجل فأكله ولم يعلم أنه مغصوب فإنه يرجع على المقدم إليه في أحد القولين، وكما قلنا فيمن غير بحرية امرأة، والمذهب الاول، لان العفو مندوب إليه والغرور محرم.
إذا تقرر هذا فإن كان الموكل قد عفا عن القود والدية أو عفا مطلقا وقلنا لا تجب له الدية فلا كلام، وإن عفا عن القود إلى الدية أوعفا مطلقا - وقلنا يجب له الدية وجبت له الدية في مال الجاني، وتكون لورثة الجاني مطالبة الوكيل بدية الجاني، وليس كالاخوين إذا قتل أحدهما قاتل أبيه بغير إذن أخيه حيث قلنا في محل نصيب الاخ الذي لم يقتل من الدية قولان
(أحدهما)
في تركة قاتل أبيه
(والثانى)
في ذمة أخيه، والفرق بينهما أن الاخ أتلف حق أخيه فوجبت عليه
بدله.
وهاهنا أتلفه الوكيل بعد سقوط حق الموكل عليه بالعفو، هذا ترتيب البغداديين.
وقال الخراسانيون.
إن قلنا لادية على الوكيل فلا دية للموكل على الجاني، وكان الوكيل استوفى القصاص، فإن قلنا عليه الدية فله الدية في مال المجني عليه.
(مسألة) إذا جنا عليه جناية يجب فيها القصاص بأن قلع عينه أو قطع يده أو رجله فعفا المجني عليه عن القصاص ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه لم يجب القصاص.
وحكى عن مالك أنه قال: يجب القصاص، لان الجناية صارت نفسا، ولنا أنه يتعذر استيفاء القصاص في النفس دون ما عفى عنه فسقط القصاص في النفس كما لو عفا بعض الاولياء، ولان الجناية إذا لم يجب فيها القصاص لم يجب في سرايتها كما لو قطع يد مرتد ثم مات إذا ثبت هذا فإن كان المجني عليه قد عفا على مال وجبت فيه دية كاملة، فإن كان قد أخذ دية العضو المقلوع استوفى اولى باقي دية النفس.
وإن لم يأخذ شيئا من الدية أخذ الولى بجميع الدية، وان كان المجني عفا عن العين واليد والرجل على غير مال وجب لوليه نصف الدية.
وقال أبو حنيفة تجب الدية كاملة.
وقال أبو يوسف ومحمد لا شئ على الجاني.
دليلنا أنه بالجناية وجب عليه نصف الدية فإذا عفا عن الدية سقط ما يجب، فإذا صارت نفسا وجب بالسراية نصف الدية فلم يسقط أرشها بسرايتها، وانما دخل في أرش النفس، وان كان قد جنا عليه جناية لاقصاص فيها كالجائفة وكسر الظهر فعفا المجني عليه عن القصاص فيها ثم سرت الجناية إلى نفس المجني عليه فمات كان لوليه أن يقتص في النفس لانه عفا عن القصاص فيما لاقصاص فيه، فلم يؤثر العفو فيه.
(فرع)
وان قلع يد رجل فعفا المجني عليه عن القصاص على مال أو على غير مال ثم عاد الجاني فقتله قبل الاندمال ففيه ثلاثة أوجه، أحدها وهو قول أبى سعيد الاصطخرى ان للولى القصاص في النفس، لان الجناية الثانية متفردة عن الاولة فلم يدخل حكمها في حكمها، كما لو قتله آخر، فان عفا عنه على مال كان له كمال الدية، لان الجناية على الطرف إذا وردت عليها الجناية على النفس صارت
في حكم المندملة فلم يدخل أرش أحدهما في أرش الاخر والوجه الثاني أنه لا يجب القصاص لان الجناية والقتل كالجناية الواحدة، فإذا سقط القصاص في بعضها سقط في جميعها، كما لوسرى قطع اليد إلى النفس، فإن عفا عنه على مال كان له نصف الدية، لانه قد وجب له جميع الدية وقد أخذ نصفها أو سقط حقه عنه فبقى حقه في نصف الدية.
والثالث وهو المنصوص أن للولى أن يقتص في النفس لانهما جنايتان عفا عن إحداهما ولم يعف عن الاخرى فصار كما لو قتله آخر.
وإن عفا عنه الولى كان له نصف الدية، لان أرش الطرف يدخل في أرش النفس فإذا أخذه أو سقط حقه عنه بالعفو بقى الباقي له من الدية
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن قطع أصبع رجل عمدا فعفا المجني عليه عن القصاص والدية ثم اندملت سقط القصاص والدية وقال المزني رحمه الله: يسقط القصاص ولا تسقط الدية، لانه عفا عن القصاص بعد وجوبه فسقط، وعفا عن الدية قبل وجويها، لان الدية لا تجب إلا بالاندمال والعفو وجد قبله فلم تسقط، وهذا خطأ لان الدية تجب بالجناية والدليل عليه أنه لو جنى على طرف عبده ثم باعه ثم اندمل كان أرش الطرف له دون المشترى، فدل على أنه وجب بالجناية، وإنما تأخرت المطالبة إلى ما بعد الاندمال فصار كما لو عفا عن دين مؤجل فإن سرت الجناية إلى الكف واندملت سقط القصاص في الاصبع بالعفو، ولم يجب في الكف، لانه تلف بالسراية، والقصاص فيما دون النفس لا يجب بالسراية وسقطت دية لاصبع لانه عفا عنها بعد الوجوب، ولا يسقط أرش ما تسرى إليه لانه عفا عنه قبل الوجوب وإن سرت الجناية إلى النفس نظرت فإن قال عفوت عن هذه الجناية قودها
وديتها وما يحدث منها سقط القود في الاصبع والنفس لانه سقط في الاصبع بالعفو بعد الوجوب، وسقط في النفس لانها لاتتبعض.
وأما الدية فإنه إن كان العفو بلفظ الوصية فهو وصية للقاتل، وفيها قولان
فإن قلنا لا تصح وجبت دية النفس، وان قلنا تصح وخرجت من الثلث سقطت وإن خرج بعضها سقط ما خرج منها من الثلث ووجب الباقي وان كان بغير لفظ الوصية فهل هو وصية في الحكم أم لا؟ فيه قولان (أحدهما) أنه وصية لانه يعتبر من الثلث (والثانى) أنه ليس بوصية لان الوصية ما تكون بعد الموت، وهذا إسقاط في حال الحياة، فإذا قلنا انه وصية فعلى ما ذكرناه من القولين في الوصية للقاتل وان قلنا انه ليس بوصية صح العفو عن دية الاصبع لانه عفا عنها بعد الوجوب ولا يصح عما زاد لانه عفا قبل الوجوب فيجب عليه دية النفس الا أرش أصبع وأما إذا قال عفوت عن هذه الجناية قودها وعقلها ولم يقل وما يحدث منها، سقط القود في الجميع لما ذكرناه ولاسقط دية النفس لانه أبرأ منها قبل الوجوب وأما دية الاصبع فإنه إن كان عفا عنها بلفظ الوصية أو بلفظ العفو وقلنا انه وصية فهو وصية للقاتل - وفيها قولان - وان كان بلفظ العفو وقلنا انه ليس بوصية فان خرج من الثلث سقط، وان خرج بعضه سقط منه ما خرج ووجب الباقي لانه ابراء عما وجب (فصل) فإن جنى جناية يجب فيه القصاص كقطع اليد فعفا عن القصاص وأخذ نصف الدية ثم عاد فقتله، فقد اختلف أصحابنا فيه، فذهب أبو سعيد الاصطخرى رحمة الله عليه إلى أنه يلزمه القصاص في النفس أو الدية الكاملة ان عفى عن القصاص، لان القتل منفرد عن الجناية، فلم يدخل حكمه في حكمها فوجب لاجله القصاص أو الدية ومن أصحابنا من قال لا يجب القصاص ويجب نصف الدية لان الجناية والقتل كالجناية الواحدة، فإذا سقط القصاص في بعضها سقط في جميعها ويجب نصف الدية لانه وجب كمال الدية وقد أخذ نصفها وبقى له النصف ومنهم من قال يجب له القصاص في النفس وهو الصحيح، لان القتل انفرد عن الجناية، فعفوه عن الجناية لا يوجب سقوط ما لزمه بالقتل ويجب له نصف الدية لان القتل إذا تعقب الجناية قبل الاندمال صار بمنزلة ما لو سرت إلى النفس ولو سرت وجب فيها الدية، وقد أخذ النصف وبقي للنصف
(الشرح) إذا قطع رجل أصبع رجل، فقال المجني عليه عفوت عن هذه الجناية قودها وديتها نظرت - فإن اندمل الجرح ولم يسر إلى عضو ولانفس - سقط القود والدية، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال أبو يوسف ومحمد: إن العفو عن الجناية عفو عما يحدث منها وممن قال بصحة عفو المجروح عن دمه مالك وطاوس والحسن وقتادة والاوزاعي.
وقال المزني لا يصح العفو عن الارش لانه أسقطه قبل وجوبه، بدليل أنه لا يملك المطالبة به قبل الاندمال.
وهذا خطأ لانه وجب بالجراحة فصح إسقاطه وأما المطالبة به فإنه يملك المطالبة به في أحد القولين، ولا يملكه في الاخر فيكون كالدين المؤجل يصح إسقاطه قبل محل دفعه.
وإن سرت الجناية إلى كفه واندمل سقط القود والدية في الاصبع لما ذكرناه وأما الكف فلاقود فيه، لان القود في العضو لا يجب بالسراية، ولا تصح البراءة من دية ما زاد على الاصبع.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال يصح لانه سراية جرح غير مضمون، والاول أصح لانه إبراء عما لم يجب.
وإن سرت الجناية إلى النفس نظرت - فان قال عفوت عن هذه الجناية قودها وديتها ولم يقل وما يحدث منها - فإن القصاص لا يجب في الاصبع لانه عفا عنه بعد الوجوب، ولا يجب القصاص في النفس لان القصاص إذا سقط في الاصبع سقط في النفس لانه يتبعض.
وحكى الخراسانيون عن ابن سريج قولا آخر مخرجا أنه يجب لانه عفا عن القود في الطرف لا في النفس.
وهذا ليس بمشهور.
وأما الارش فقد عفا عن أرش الاصبع بعد وجوبه، فينظر فيه - فإن كان ذلك بلفظ الوصية بأن قال عفوت عن الجاني عن قود هذه الجناية وأوصيت له بأرشها فقد وجد منه ذلك في مرض موته.
فان قلنا لا تصح الوصية للقاتل لم تصح هذه الوصية، وإن قلنا تصح الوصية للقاتل اعتبر أرش الاصبع من ثلث تركته.
فان خرج من الثلث صحت الوصية فيه للقاتل، وإن لم يخرج من الثلث لم تصح، وإن كان بلفظ العفو والابراء بأن قال عفوت عن قود هذه الجناية وديتها، أو قال أبرأته من أرشها، ففيه قولان
(أحدهما)
حكمه حكم الوصية لانه يعتبر من الثلث، فعلى هذا يكون على قولين كالوصية للقاتل بلفظ الوصية
(والثانى)
ليس بوصية، لان الوصية ما تكون بعد الموت، وهذا إسقاط في حال الحياة، فعلى هذا يصح الابراء عن أرش الاصبع، ويجب عليه تسعة أعشار دية النفس لانه لم يبرأ منها.
وأما إذا عفوت عن هذه الجناية قودها وديتها وما يحدث منها، فان القود سقط في الاصبع والنفس، لان العفو يصح عن القصاص الذي لم يجب بدليل أنه لو قال لرجل اقتلني ولا شئ عليك فقتله لم يجب عليه القصاص لما تقدم ذكره.
وأما الارش - فان كان ذلك بلفظ الوصية بأن قال أوصيت له بأرش
الجناية وأرش ما يحدث منها - فإن قلنا تصح الوصية للقاتل وخرج جميع الدية من الثلث - صحت الوصية، وان خرج بعضها من الثلث صح ما خرج من الثلث ووجب الباقي.
وان قلنا لا تصح الوصية للقاتل وجبت جميع الدية.
وان قال أبرأته عن أرش هذه الجناية وأرش ما يحدث منها - فإن قلنا ان حكم الابراء حكم الوصية - كان على قولين كما لو كان بلفظ الوصية وان قلنا ان حكم الابراء ليس كالوصية صحت البراءة في دية الاصبع لانها ابراء عنها بعد الوجوب، ولم تصح البراءة فيما زاد على دية الاصبع، لانه ابراء عنها قبل الوجوب.
هكذا ذكر الشيخان أبو حامد وأبو إسحاق وقال ابن الصباغ: في صحة براءته من أرش ما زاد على دية الاصبع قولان من غير بناء على حكم الوصية
(أحدهما)
لا تصح البراءة لانه ابراء عما لم يجب، فأشبه إذا عفا عما يتولد من الجناية فسرت إلى الكف
(والثانى)
تصح لان الجناية على الطرف جناية على النفس لان النفس لا تباشر بالجناية، وانما يجى على أطرافها، فإذا عفى بعد الجناية عليها صح ويفارق الكف لان الجناية على الاصبع ليس بجناية على النفس، لانه يباشر بالجناية، فإذا قلنا يصح بنى على القولين في الوصية للقاتل على ما مضى (فرع)
لو قطع يدى رجل عمدا فبرئت اليدان فقطع المجني عليه احدى يدى الجاني وعفا عن الاخرى على الدية وقبضها ثم انتقضت يد المجني عليه ومات
لم يكن لورثته القصاص، لانه مات من جراحتين إحداهما لا قصاص فيها وهي المعفو عنها، ولا يستحق شيئا من الدية، لانه قد استوفى نصف الدية وما قيمته نصف الدية، فإن لم يمت المجني عليه ولكن الجاني انتقضت عليه يده ومات لم
يرجع ورثته على المجني عليه بشئ، لان القصاص لا تضمن سرايته، وإن قطع إحدى يدى الجاني فمات من قطعها، ولم يأخذ بدل اليد الاخرى كان له أن يأخذه لانه وجب له القصاص في اليدين، وقد فاته القصاص في أحدهما بما لا ضمان عليه فيه، فهو كما لو سقطت بأكلة ومات حتف أنفه وإن مات المجني عليه من قطع اليدين ولم تبرأ فقطع الوارث إحدى يدى الجاني فمات من قطع يده قبل أن تقطع الاخرى لم يرجع بدية اليد الاخرى، لان الجناية إذا صارت نفسا سقط حكم الاطراف، وقد سرى قطع يد الجاني إلى النفس فاستوفى النفس بالنفس، وليس كذلك إذا برئ اليدان ولم يمت، فإن الاعتبار بالطرفين ولا يسقط بدل احداهما باستيفاء بدل الاخرى، وهكذا حكم كل طرفين متميزين مثل الرجلين والعينين
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا قطع يد رجل فسرى القطع إلى النفس فاقتص في اليد ثم عفى عن النفس على غير مال لم يضمن اليد لانه قلعها في حال لا يضمنها، فأشبه إذا قطع يد مرتد فأسلم، ولان العفو يرجع إلى ما بقى دون ما استوفى، كما لو قبض من دينه بعضه ثم أبرأه، وان عفى على مال وجب له نصف الدية لانه بالعفو صار حقه في الدية، وقد أخذ ما يساوى نصف الدية فوجب له النصف، فإن قطع يدى رجل فسرى إلى نفسه فقطع الولى يدى الجاني ثم عفا عن النفس لم يجب له مال لانه لم يجب له أكثر من دية، وقد أخذ ما يساوى دية فلم يجب له شئ.
وإن قطع نصراني يد مسلم فاقتص منه في الطرف ثم سرى القطع إلى نفس المسلم فللولي أن يقتله، لانه صارت الجناية نفسا وان اختار أن يعفو على الدية ففيه وجهان:
(أحدهما)
أنه يجب عشرة آلاف درهم، لان دية المسلم اثنا عشر ألفا
وقد أخذ ما يساوى ألفى درهم فوجب الباقي
(والثانى)
أنه يجب له نصف ديته وهو ستة آلاف درهم، لانه رضى أن يأخذ يدا ناقصة بيد كاملة ديتها ستة آلاف درهم فوجب الباقي، وان قطع يديه فاقتص منه ثم سرى القطع إلى نفس المسلم فللولي أن يقتله لانه صارت الجناية نفسا، فإن عفى على الدية أخذ على الوجه الاول ثمانية آلاف درهم لانه أخذ ما يساى أربعة آلاف درهم وبقى له ثمانية آلاف درهم، وعلى الوجه الثاني لا شئ له لانه رضى أن يأخذ نفسه بنفسه، فيصير كما لو استوفى ديته.
وان قلعت امرأة يد رجل فاقتص منها، ثم سرى القطع إلى نفس الرجل، فلوليه أن يقتلها لما ذكرناه، فان عفا على مال وجب على الوجه الاول تسعة آلاف درهم، لان الذي أخذ يساوى ثلاثة آلاف درهم وبقى تسعة آلاف درهم وعلى الوجه الثاني يجب ستة آلاف لانه رضى أن يأخذ يدها بيده، وذلك بقدر نصف ديته وبقى النصف (الشرح) إذا قطع يد رجل فسر القطع إلى نفسه فقطع الولى يده ثم عفا عنه فلا ضمان عليه في اليد، وكذلك لو قتل رجل رجلا فبادر الولى فقطع يد الجاني ثم عفا عنه فلا ضمان عليه في اليد وكذلك لو قتل رجل رجلا فبادر الولى فقطع يد الجاني ثم عفا عنه فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دية اليد.
ولنا أنه قطع يده في حال أبيح له قطعها فلم يلزمه ضمانه كما لو قطع يد مرتد فأسلم.
وأما العفو فإنما ينصرف إلى ما بقى دون ما استوفى، وإن قطع يهودى يد مسلم فاقتص المسلم من اليهودي ثم مات المسلم فلوليه أن يقتل اليهودي، فان عفا عنه على مال ففيه وجهان
(أحدهما)
يجب له نصف الدية، لان المجني عليه قد أخذ اليهودي بيده
واليد تقوم بنصف الدية فكأنه رضى أن يأخذ يدا ناقصة بيد كاملة
(والثانى)
يستحق خمسة أسداس دية المسلم، لان دية اليهودي سدس يد المسلم.
وان قطع اليهودي يدى المسلم وقطع اليهودي ثم مات المسلم واختار وليه العفو على مال لم يستحق شيئا على الوجه الاول ويستحق
على الثاني ثلثى دية المسلم.
وإن قطعت امرأة يد رجل فاقتص منها ثم مات المجني عليه فلوليه أن يقتلها، فإن عفى عنها على مال استحق على الوجه الاول نصف الدية وعلى الثاني ثلاثة أرباع الدية، فإن قطعت يديه فاقتص منها ثم مات من الجناية ولم يقتلها وليه لكن عفا عنها على مال لم يستحق شيئا على الوجه الاول، وعلى الثاني يستحق نصف الدية.
وان قطع رجل يد رجل وهما متساويان في الدية منه في اليدين ثم مات المجني عليه ولم يخبر وليه قتله، لكن عفا عنه على مال لم يستحق شيئا وجها واحدا لانه يستحق الدية وقد أخذ ما يساوى الدية.
(فرع)
إذا جرح رجل رجلا مرتدا جراحة، فأسلم المرتد ثم جاء الجارح ومعه ثلاثة رجال وجرحه كل واحد منهم جراحة يموت من مثلها ومات من الجراحات الخمس القصاص في النفس لانه مات من جراحة مضمونة وغير مضمونة فيجب فيها سبعة أثمان الدية وعلى الذي جرحه في الردة ثمن الدية وعلى كل واحد من الثلاثة ربع الدية، لانه مات من خمس جراحات إلا أن الذي جرحه في حال الردة يسقط عنه ما خص الجراحة في حال الردة، لان الدية تقسم على عدد الجارحين لا على عدد الجراحات، فكان الذي يخص الجاني الاول ربع الدية فسقط عنه الثمن، وإن جنى عليه ثلاثة رجال في ردته فأسلم ثم جنى عليه أحد من غيرهم ومات من الجراحات وجب على الذي جرحه بعد أن أسلم ربع
الثاني يستحق نصف الدية.
وان قطع رجل يد رجل وهما متساويان في الدية منه في اليدين ثم مات المجني عليه ولم يخبر وليه قتله، لكن عفا عنه على مال لم يستحق شيئا وجها واحدا لانه يستحق الدية وقد أخذ ما يساوى الدية.
(فرع)
إذا جرح رجل رجلا مرتدا جراحة، فأسلم المرتد ثم جاء الجارح ومعه ثلاثة رجال وجرحه كل واحد منهم جراحة يموت من مثلها ومات من الجراحات الخمس القصاص في النفس لانه مات من جراحة مضمونة وغير مضمونة فيجب فيها سبعة أثمان الدية وعلى الذي جرحه في الردة ثمن الدية وعلى كل واحد من الثلاثة ربع الدية، لانه مات من خمس جراحات إلا أن الذي جرحه في حال الردة يسقط عنه ما خص الجراحة في حال الردة، لان الدية تقسم على عدد الجارحين لا على عدد الجراحات، فكان الذي يخص الجاني الاول ربع الدية فسقط عنه الثمن، وإن جنى عليه ثلاثة رجال في ردته فأسلم ثم جنى عليه أحد من غيرهم ومات من الجراحات وجب على الذي جرحه بعد أن أسلم ربع ديته ويسقط عنه ثلاثة أرباع ديته.
وان كان الذي جنى عليه بعد الاسلام أحد الثلاثة وجب عليه سدس الدية، ولم يجب على الباقين شئ.
وإن جرحه ثلاثة في حال ردته ثم عاد إلى الاسلام وجاء أحد الثلاثة مع أربعة غير الثلاثة وجرحوه ومات من الجراحات، فقد مات من جراحة سبعة فيسقط سبعا الدية، وهما ما يخص الرجلين الجارحين في الردة ويجب على الاربعة الذين انفردوا بالجراحة في الاسلام أربعة أسباع الدية ويجب على الذي جرحه في الردة والاسلام نصف سبع الدية، وإن جرحه أربعة في ردته ثم عاد أحدهم وجرحه بعد اسلامه ومات عن الجراحات وجب على الذي جرحه بعد اسلامه ثمن الدية ويسقط باقي ديته، والله تعالى أعلم
التكملة الثانية
المجموع شرح المهذب
للامام ابي زكريا محيى الدين بن شرف النووي المتوفى سنة 676 هـ
الجزء التاسع عشر
دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
قال المصنف رحمه الله تعالى: