كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ولا يستدبرها ولا يستطيب بِيَمِينِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا أنا لكم بمنزلة الوالد) فيه تفسير أن ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ أَظْهَرُهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الخطابي غيره أَنَّهُ كَلَامُ بَسْطٍ وَتَأْنِيسٍ لِلْمُخَاطَبِينَ لِئَلَّا يَسْتَحْيُوا عَنْ مَسْأَلَتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دينهم لاسيما مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَوْرَاتِ وَنَحْوِهَا فَقَالَ أَنَا كَالْوَالِدِ فلا تستحيوا منى في شئ من ذلك كما لاتستحيون مِنْ الْوَالِدِ: وَالثَّانِي مَعْنَاهُ يَلْزَمُنِي تَأْدِيبُكُمْ وَتَعْلِيمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ كَمَا يَلْزَمُ الْوَالِدَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَالْوَالِدِ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَفِي ثَالِثٍ أَيْضًا وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى مَصْلَحَتِكُمْ والشفقة عليكم والله أعلم
- أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْأَصْحَابُ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يَحْرُمُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَسَارِهِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِيَمِينِهِ نَهْيَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ قَالَ وَحَرَّمَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَسَارِ أَدَبٌ وَلَيْسَ الْيَمِينُ مَعْصِيَةً وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَسَارِهِ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ يُكْرَهُ بِالْيَمِينِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ النَّهْيُ عَنْ الْيَمِينِ نَهْيُ تَأْدِيبٍ وَعِبَارَاتُ الْجُمْهُورِ مِمَّنْ لَمْ أَذْكُرْهُمْ نَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّهْيُ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ نَهْيُ تَأْدِيبٍ وَتَنْزِيهٍ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
لَا يُجْزِئُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا يَجُوزُ الاستنجاء باليمين فكذا قَالَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمُتَوَلِّي 1 وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي كُتُبِهِ التَّهْذِيبِ وَالِانْتِخَابِ وَالْكَافِي وَكَذَا رَأَيْته فِي مَوْضِعٍ مِنْ تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَحْرِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ النَّهْيُ عَنْ الْيَمِينِ أَدَبٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَمُوَافِقِيهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَجُوزُ مَعْنَاهُ لَيْسَ مُبَاحًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ رَاجِحُ التَّرْكِ وَهَذَا أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ لَا يَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَهِيَ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ: فَإِنْ قِيلَ هَذَا غَيْرُ مُعْتَادٍ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ قُلْنَا هُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَا يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِ وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ضَرَبَ فِي نُسْخَةِ أَصْلِهِ بِالْمُهَذَّبِ عَلَى لَفْظَةِ يَجُوزُ ان وبقى قوله ولا يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قُلْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بيمينه في شئ مِنْ أُمُورِ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا لِعُذْرٍ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ كَانَ الْحَجَرُ صَغِيرًا غَمَزَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَمْسَكَهُ بَيْنَ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا لِئَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ وَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَاحْتَاجَ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالْيَمِينِ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ وَالذَّكَرَ بِيَسَارِهِ وَيُحَرِّكُ الْيَسَارَ دُونَ الْيَمِينِ فَإِنْ حَرَّكَ الْيَمِينَ أَوْ حَرَّكَهُمَا كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِالْيَمِينِ مُرْتَكِبًا لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَأْخُذُ الذَّكَرَ بِيَمِينِهِ وَالْحَجَرَ بِيَسَارِهِ وَيُحَرِّكُ الْيَسَارَ لِئَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِيَمِينِهِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ إلَّا بِالْإِمْسَاكِ بَيْنَ الْعَقِبَيْنِ أَوْ الْإِبْهَامَيْنِ وَكَيْفَ اسْتَعْمَلَ الْيَمِينَ بِإِمْسَاكِ الْحَجَرِ أَوْ غَيْرِهِ فَمَكْرُوهٌ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ أَيْضًا قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مَانِعٌ كَقَطْعٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْيَمِينِ لِلضَّرُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ (إحْدَاهَا) السُّنَّةُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ قَبْلَ الْوُضُوءِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَلِيَأْمَنَ انْتِقَاضَ طُهْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يبدأ في الاستنجاء بالماء بقبله
(الثَّانِيَةُ) إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ الْبَوْلِ مَسَحَ ذَكَرَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ 1 مِنْ الْحَجَرِ طَاهِرَةٍ فَلَوْ مَسَحَهُ ثَلَاثًا عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِئْهُ وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَوْ وَضَعَ رَأْسَ الذَّكَرِ عَلَى جِدَارٍ وَمَسَحَهُ مِنْ أَسْفَلَ إلَى أَعْلَى لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ مَسَحَهُ مِنْ أَعْلَى إلَى أَسْفَلَ أَجْزَأَهُ وَفِي هَذَا التَّفْصِيلِ نَظَرٌ: (الثَّالِثَةُ) إذَا أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ فِي الدُّبُرِ بِالْمَاءِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى لِأَنَّهُ أَمْكَنُ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَسْتَعْمِلُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَظُنُّ زَوَالَ النَّجَاسَةِ بِهِ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ شَمَّ مِنْ يَدِهِ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فَتَجِبُ إزَالَتُهَا بِزِيَادَةِ الْغَسْلِ وَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ شَمُّ الْأُصْبُعِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا مُسْتَبْعَدٌ وَإِنْ كَانَ مَقُولًا: وَالثَّانِي لَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي مَحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى بَقَائِهَا فِي الْأُصْبُعِ فَعَلَى هَذَا لَا يُسْتَحَبُّ شَمُّ الْأُصْبُعِ: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا غُسِلَتْ النَّجَاسَةُ وَبَقِيَتْ رَائِحَتُهَا هَلْ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحِلِّ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَهُنَاكَ نَشْرَحُهُمَا وَنَبْسُطُ الْكَلَامَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ يُدَلِّكُ دُبُرَهُ مَعَ الْمَاءِ حَتَّى لَا يَبْقَى أَثَرٌ تُدْرِكُهُ الْكَفُّ بِالْمَسِّ قَالَ وَلَا يَسْتَقْصِي فِيهِ بِالتَّعَرُّضِ لِلْبَاطِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْبَعُ الْوَسْوَاسِ: قال وليعلم أن كل مالا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهِ فَهُوَ بَاطِنٌ وَلَا يَثْبُتُ لِلْفَضَلَاتِ الْبَاطِنَةِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ حَتَّى تَبْرُزَ وَمَا ظَهَرَ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ: وَحَدُّ ظُهُورِهِ أَنْ يَصِلَهُ الْمَاءُ وَقَوْلُهُ لَا يَثْبُتُ لِلْفَضَلَاتِ الْبَاطِنَةِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهَا نَجَاسَةً مُطْلَقًا وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ سَبَقَ مَبْسُوطًا فِي أَوَّلِ بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: (الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي اسْتِنْجَاءِ الدُّبُرِ سَوَاءٌ وَأَمَّا الْقُبُلُ فَأَمْرُ الرَّجُلِ فِيهِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ سَوَاءٌ فَيَجُوزُ اقْتِصَارُهُمَا عَلَى الْحَجَرِ وَبِهَذَا قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الثَّيِّبَ لَا يُجْزِئُهَا الْحَجَرُ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا وَهُوَ شَاذٌّ: وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْأَصْحَابُ لِأَنَّ مَوْضِعَ الثِّيَابَةِ وَالْبَكَارَةِ فِي أَسْفَلِ الْفَرْجِ وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ مِنْ ثَقْبٍ فِي أَعْلَى الْفَرْجِ فَلَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَاسْتَوَتْ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ إلَّا أَنَّ الثَّيِّبَ إذَا جَلَسَتْ انْفَرَجَ أَسْفَلُ فَرْجِهَا فَرُبَّمَا نَزَلَ الْبَوْلُ إلَى مَوْضِعِ الثِّيَابَةِ وَالْبَكَارَةِ وَهُوَ مَدْخَلُ الذَّكَرِ وَمَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نُزُولُ الْبَوْلِ إلَيْهِ وَجَبَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ اُسْتُحِبَّ غَسْلُهُ وَلَا يَجِبُ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ غَسْلِهِ إذَا تَحَقَّقَتْ نُزُولَهُ قَالَ صَاحِبُ البيان وغيره يستحب للبكر أن تدخل
أُصْبُعَهَا فِي الثَّقْبِ الَّذِي فِي الْفَرْجِ فَتَغْسِلَهُ وَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيَلْزَمُ الثَّيِّبَ أَنْ تُوَصِّلَ الْحَجَرَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا يَظْهَرُ عِنْدَ جُلُوسِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَالِ قِيَامِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وشبههه الشَّافِعِيُّ بِمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهَا بِهَذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا مَا وَرَاءَ هذا فهو في حكم الباطن فلا يكلف إيصَالَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ إلَيْهِ وَيَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى دَاخِلِ فَرْجِ الثَّيِّبِ وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَقَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي قُبُلَيْهِ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ هَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي قُبُلَيْهِ أَمْ يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِيهِ وَجْهَانِ كَمَنْ انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ دُونَ الْمَعِدَةِ مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ وَقُلْنَا يَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْهُ الْأَصَحُّ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَصَحُّ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْأَكْثَرِينَ التَّفْرِيعُ عَلَى الْأَصَحِّ فَإِنْ قُلْنَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ وَجَبَ لِكُلِّ فَرْجٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْخَامِسَةُ) السُّنَّةُ أَنْ يُدَلِّكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ بَعْدَ غَسْلِ الدُّبُرِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءًا لِلْجَنَابَةِ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ (ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ فَدَلَّكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَاسْتَنْجَى ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وغيرهم وهو حديث حسن: وعن جرير عن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (دَخَلَ الْغَيْضَةَ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ اسْتَنْجَى مِنْ إدَاوَةٍ وَمَسَحَ يَدَهُ بِالتُّرَابِ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: (السَّادِسَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَيَنْضَحَ بِهَا فَرْجَهُ وَدَاخِلَ سَرَاوِيلِهِ أَوْ إزَارِهِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ دَفْعًا لِلْوَسْوَاسِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي خِصَالِ الْفِطْرَةِ وهو الانتضاح: والله اعلم * قال المصنف رحمه الله
- [ويجوز الاستنجاء بالحجر وما يقوم مقامه قال أصحابنا ويقوم مقامه كل جامد طاهر مزيل للعين وليس له حرمة ولا هو جزء من حيوان]
[الشَّرْحُ] اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَضَبَطُوهُ بِمَا ضَبَطَهُ بِهِ الْمُصَنِّفُ 1 قَالُوا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَحْجَارُ وَالْأَخْشَابُ وَالْخِرَقُ وَالْخَزَفُ وَالْآجُرُّ الَّذِي لَا سِرْجِين فِيهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ جِنْسِهِ بَلْ يَجُوزُ فِي الْقُبُلِ جِنْسٌ وَفِي الدُّبُرِ جِنْسٌ آخَرُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثَةُ حَجَرًا وَخَشَبَةً وَخِرْقَةً نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا دَاوُد فَلَمْ يُجَوِّزْ غَيْرَ الْحَجَرِ وَكَذَا نَقَلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَنْ دَاوُد: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ دَاوُد بَلْ مَذْهَبُهُ الْجَوَازُ
- وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ فقال (ابغنى أحجارا استفض بِهَا أَوْ نَحْوَهُ وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هريرة الآخر (وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) قَالَ أَصْحَابُنَا فَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الحجر يقوم مقامه وإلا لم يكن لتخصيصهما بِالنَّهْيِ مَعْنًى وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا بِكَوْنِهَا رِكْسًا وَلَمْ يُعَلِّلْ بِكَوْنِهَا غَيْرَ حَجَرٍ
- وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ أَيْضًا بِحَدِيثٍ رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الِاسْتِنْجَاءُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ قِيلَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ ثَلَاثُ حَفَنَاتٍ مِنْ تُرَابٍ) وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ طَاوُسٍ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ يَسَارُ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا بَالَ قَالَ نَاوِلْنِي شَيْئًا أَسْتَنْجِي بِهِ فَأُنَاوِلُهُ الْعُودَ وَالْحَجَرَ أَوْ يأتي حائط يَتَمَسَّحُ بِهِ أَوْ يَمَسُّهُ الْأَرْضَ وَلَمْ يَكُنْ يغسله
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَشِبْهُهُ فَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى الْأَحْجَارِ لِكَوْنِهَا غَالِبَ الْمَوْجُودِ لِلْمُسْتَنْجِي بِالْفَضَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهَا وَلَا كُلْفَةَ فِي تَحْصِيلِهَا وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلا تَقْتُلُوا أولادكم من إملاق) وقَوْله تَعَالَى (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ان خفتم) وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ يُعْمَلُ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَلَى الْغَالِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) وَرَدَ الشَّرْعُ بِاسْتِعْمَالِ الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَرَمْيِ جِمَارِ الْحَجِّ وَبِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَبِاسْتِعْمَالِ التُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ وَغَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَبِاسْتِعْمَالِ الْقَرَظِ فِي الدِّبَاغِ فَأَمَّا الْحَجَرُ فَمُتَعَيَّنٌ فِي الرَّمْيِ دُونَ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ الرَّمْيَ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ الِاسْتِنْجَاءِ وَأَمَّا الْمَاءُ فِي الطَّهَارَةِ وَالتُّرَابُ فِي التَّيَمُّمِ فَمُتَعَيَّنَانِ وَفِي التُّرَابِ فِي الْوُلُوغِ قَوْلَانِ وَفِي الدِّبَاغِ طَرِيقَانِ تَقَدَّمَا الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْقَرَظُ وَالثَّانِي قَوْلَانِ كَالْوُلُوغِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُلُوغَ دَخَلَهُ التَّعَبُّدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّبَاغِ وَالِاسْتِنْجَاءِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيُضْطَرُّ كُلُّ أَحَدٍ إلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَكُلِّ مَكَان وَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ فَلَوْ كُلِّفَ نَوْعًا مُعَيَّنًا شَقَّ وَتَعَذَّرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَوَقَعَ الْحَرَجِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج) وَالدِّبَاغُ بِخِلَافِهِ فِي كُلِّ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
- [فأما غير الماء من المائعات فلا يجوز الاستنجاء به لانه ينجس بملاقاة النجاسة فيزيد في النجاسة وما ليس بطاهر كالروث والحجر النجس لا يجوز الاستنجاء به لانه نجس فلا يجوز الاستنجاء به كالماء النجس فان استنجى بذلك لزمه بعد ذلك أن يستنجى بالماء لان الموضع قد صار نجسا بنجاسة نادرة فوجب غسله بالماء ومن أصحابنا من قال يجزئه الحجر لانها نجاسة على نجاسة فلم تؤثر]
[الشَّرْحُ] إذَا اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ لَمْ يَصِحَّ وَيَتَعَيَّنُ بَعْدَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَلَا يُجْزِئُهُ الاحجار بلا خلاف لما ذكره الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ إذَا اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ فَهَلْ يُجْزِئُهُ بَعْدَهُ الْحَجَرُ فِيهِ وَجْهَانِ فغلط بلا شك وكأنه اشْتَبَهَ عَلَيْهِ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ فَتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ عائدا إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَبِالنَّجَسِ كَالرَّوْثِ وَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَائِعِ فَمُتَّفَقٌ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّ الْمَائِعَ يَنْشُرُ النَّجَاسَةَ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فَيَزِيدُ فِي النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا النَّجَسُ وَهُوَ الرَّوْثُ وَالْحَجَرُ النَّجِسُ وَجِلْدُ الْمَيْتَةِ وَالثَّوْبُ النَّجِسُ وَغَيْرُهَا فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ بَعْدَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَمْ يَجُوزُ بِالْأَحْجَارِ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَخَالَفَهُمْ الْمَحَامِلِيُّ فَقَالَ فِي التَّجْرِيدِ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اسْتَنْجَى بِنَجَسٍ لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ طَاهِرَةٍ قَالَ حَتَّى لَوْ اسْتَنْجَى بِجِلْدِ كَلْبٍ أَجْزَأَهُ الْحَجَرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الطَّارِئَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ النَّجْوِ قَالَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الذى يجئ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْمَاءُ هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ وَرَأَيْتُ أَنَا فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ فَقَطَعَ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِجَامِدٍ نَجِسٍ كَفَاهُ بعد الاحجار قال فلو استنجي بكلب فالذي يجئ علي تعليل الاصحاب أنه يجزئه الحجر ولايحتاج إلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ هَذَا كَلَامُهُ وَلَكِنَّ نُسَخَ التَّعْلِيقِ تَخْتَلِفُ وَقَدْ قَدَّمْتُ نَظَائِرَ هَذَا: وَالصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِجِلْدِ كَلْبٍ أَنَّهُ يَجِبُ سَبْعُ غَسَلَاتٍ إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ: وَالصَّحِيحُ فِي سَائِرِ النَّجَاسَاتِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِنَجَسٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَجَوَّزَهُ
أَبُو حَنِيفَةَ بِالرَّوْثِ
- دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ) وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ (وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إنَّهَا رِكْسٌ) وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا وَعَنْ سَلْمَانَ (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّوْثِ وَالْعِظَامِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أو روث وقال انهما لا يطهران) رواه الدارقطني وَقَالَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِك بَعْدِي فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا منه برئ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَمَا لَا يُزِيلُ الْعَيْنَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ كَالزُّجَاجِ وَالْحُمَمَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحُمَمَةِ) وَلِأَنَّ ذلك لا يزيل النجو]
- [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَلَفْظُهُ (قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ انْهَ أُمَّتَك أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَنَا فِيهَا رِزْقًا فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والدارقطني والبيهقي ولم يضعفه أبو داود وضعفه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ: وَالْحُمَمَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ وَهِيَ الْفَحْمُ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَكَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحُمَمُ الْفَحْمُ وَمَا أُحْرِقَ مِنْ الْخَشَبِ وَالْعِظَامِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ جُعِلَ رِزْقًا لِلْجِنِّ فَلَا يَجُوزُ إفْسَادُهُ عَلَيْهِمْ قَالَ
الْبَغَوِيّ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْحُمَمَةِ الْفَحْمُ الرَّخْوُ الَّذِي يَتَنَاثَرُ إذَا غَمَزَ فَلَا يَقْلَعُ النَّجَاسَةَ وَالزُّجَاجُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بِضَمِّ الزَّاي وَفَتْحِهَا وَكَسَرَهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ ابْنُ السِّكِّيتِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: وَأَمَّا رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ والفاء بن حَبِيبٍ الْهُذَلِيُّ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وِسَادَاتِهِمْ وَكِبَارِ فُقَهَائِهِمْ وَمُلَازِمِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُدَّامِهِ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ سَادِسُ سِتَّةٍ وَأَسْلَمَتْ أُمُّهُ وَسَكَنَ الْكُوفَةَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَدِينَةِ وَتُوُفِّيَ بها سنة اثنين وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَقَدْ ذَكَرْتُ قِطْعَةً مِنْ أَحْوَالِهِ فِي التَّهْذِيبِ رَضِيَ الله عنه: أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُسْتَنْجَى بِهِ كَوْنُهُ قَالِعًا لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الزُّجَاجَ وَالْقَصَبَ الْأَمْلَسَ وَشِبْهِهِمَا لَا يُجْزِئُ: وَأَمَّا الْفَحْمُ فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ اخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِيهِ قَالُوا وَفِيهِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَلَى حَالَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ صُلْبًا لَا يَتَفَتَّتُ أَجْزَأَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ رَخْوًا يَتَفَتَّتُ لَمْ يجزئه وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ مُطْلَقًا حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الطَّرِيقُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ بِالنَّهْيِ فَتَعَيَّنَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الرَّخْوِ وَالصُّلْبِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا اسْتَنْجَى بِزُجَاجٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ ثَانِيًا فَإِنْ كَانَ حِينَ اسْتَنْجَى بِالزُّجَاجِ بَسَطَ النَّجَاسَةَ بِحَيْثُ تَعَدَّتْ مَحِلَّهَا تَعَيَّنَ الْمَاءُ وَإِلَّا فَتَكْفِيهِ الْأَحْجَارُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِأَنَّهُ يَبْسُطُ النَّجَاسَةَ وَمُرَادُهُمْ إذَا بَسَطَ وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْسُطْ النَّجَاسَةَ يَكْفِيهِ الْأَحْجَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله *
[وماله حُرْمَةٌ مِنْ الْمَطْعُومَاتِ كَالْخُبْزِ وَالْعَظْمِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ وَقَالَ (هُوَ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ) فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِغَيْرِ الْمَاءِ رخصة والرخص لا تتعلق بالمعاصي]
- [الشَّرْحُ] أَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْعَظْمِ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ سَلْمَانُ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَرُوَيْفِعٌ وَأَحَادِيثُهُمْ صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ قَرِيبًا فِي الْفَرْعِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَالَ هُوَ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ فِي آخِرِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَسْتَنْجُوا بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرَةِ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إخْوَانِكُمْ) يَعْنِي الْجِنَّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِيهِ: وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ثُمَّ قَالَ قَالَ الشَّعْبِيُّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (لاتستنجوا بِالْعَظْمِ وَالْبَعْرِ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ كَأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَصَحُّ يَعْنِي فَيَكُونُ مُرْسَلًا: (قُلْت) لَا يُوَافَقُ التِّرْمِذِيُّ بَلْ الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُتَّصِلَةٌ
- أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِعَظْمٍ وَلَا خُبْزٍ وَلَا غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَطْعُومِ لِمَا سَبَقَ فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِهِ عَصَى وَلَا يُجْزِئُهُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إنْ كَانَ الْعَظْمُ طاهر لازهومة عَلَيْهِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا تَحْصُلُ
بِحَرَامٍ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَإِذَا لَمْ يُجْزِئْهُ الْمَطْعُومُ كَفَاهُ بَعْدَهُ الْحَجَرُ بِلَا خِلَافٍ إنْ لَمْ يَنْشُرْ النَّجَاسَةَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَظْمِ زُهُومَةٌ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ أُحْرِقَ عَظْمٌ طَاهِرٌ بِالنَّارِ وَخَرَجَ عَنْ حَالِ الْعَظْمِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِأَنَّ النَّارَ أَحَالَتْهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ عَنْ الرِّمَّةِ وَهِيَ الْعَظْمُ الْبَالِي وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِي بِنَارٍ أَوْ مُرُورِ الزَّمَانِ وَهَذَا الثَّانِي أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى تَحْرِيمِ الِاسْتِنْجَاءِ بِجَمِيعِ الْمَطْعُومَاتِ كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَغَيْرِهَا: وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْفَوَاكِهُ فَقَسَّمَهَا الْمَاوَرْدِيُّ تَقْسِيمًا حَسَنًا فَقَالَ مِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا لَا يَابِسًا كَالْيَقْطِينِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ رَطْبًا وَيَجُوزُ يَابِسًا إذَا كَانَ مُزِيلًا وَمِنْهَا مَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَهُوَ أَقْسَامٌ أَحَدُهَا مَأْكُولُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ كَالتِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَغَيْرِهَا فلا يجوز الاستنجاء بشئ مِنْهُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا وَالثَّانِي مَا يُؤْكَلُ ظاهره دون باطنه كالخوخ والمشمس وَكُلِّ ذِي نَوًى فَلَا يَجُوزُ بِظَاهِرِهِ وَيَجُوزُ بنواه المنفصل والثالث ماله قِشْرٌ وَمَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ كَالرُّمَّانِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِلُبِّهِ: وَأَمَّا قِشْرُهُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا لَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا كَالرُّمَّانِ فَيَجُوزُ الاستنجاء بالقشر وكذا اسْتَنْجَى بِرُمَّانَةٍ فِيهَا حَبُّهَا جَازَ إذَا كَانَتْ مُزِيلَةً (وَالثَّانِي) يُؤْكَلُ قِشْرُهُ رَطْبًا وَيَابِسًا كَالْبِطِّيخِ فَلَا يَجُوزُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا (وَالثَّالِثُ) يُؤْكَلُ رَطْبًا لَا يَابِسًا كَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَّاءِ فَيَجُوزُ بِقِشْرِهِ يابسا لارطبا: وَأَمَّا مَا يَأْكُلُهُ الْآدَمِيُّونَ وَالْبَهَائِمُ فَإِنْ كَانَ أَكْلُ الْبَهَائِمِ لَهُ أَكْثَرَ جَازَ وَإِنْ كَانَ أَكْلُ الْآدَمِيِّينَ لَهُ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ: وَإِنْ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي ثُبُوتِ الربي فِيهِ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ نَحْوَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ إنْ اسْتَنْجَى بِمَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ الْيَابِسِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ فَإِنْ انْفَصَلَ الْقِشْرُ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَمِنْ الْأَشْيَاءِ المحترمة الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا الْكُتُبُ الَّتِي فِيهَا شئ من علوم الشرع فان استنجي بشئ منه عَالِمًا أَثِمَ وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ الْوَجْهَانِ: الصَّحِيحُ لَا يُجْزِئُهُ فَعَلَى
هذا تجزئه الاحجار بعده: ولو استنجي بشئ مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ عَالِمًا صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا نَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ اسْتَنْجَى بِقِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ 1 فَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ الصَّحِيحُ سُقُوطُهُ وَلَوْ اسْتَنْجَى بِقِطْعَةِ دِيبَاجٍ سَقَطَ الْفَرْضُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَطَرَدَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ وَطَرَدَهُمَا أَيْضًا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِحِجَارَةِ الْحَرَمِ قَالَ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِكُلِّ ذَلِكَ لِأَنَّ لِمَاءِ زَمْزَمَ حُرْمَةً تَمْنَعُ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ ثُمَّ لَوْ اسْتَنْجَى بِهِ أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ ذَكِيٍّ وَلَا مَيِّتٍ لِلنَّهْيِ عَنْ الْعَظْمِ مُطْلَقًا وَقَالَ فِي الْأُمِّ وَلَا يَسْتَنْجِي بِعَظْمٍ لِلْخَبَرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَجِسٍ فَلَيْسَ هُوَ بِنَظِيفٍ وَإِنَّمَا الطَّهَارَةُ بِنَظِيفٍ طَاهِرٍ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا فِي معنى عظم الاجلد ذكي غير مدبوع فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَظِيفٍ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا وَأَمَّا الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ فَنَظِيفٌ طَاهِرٌ هَذَا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ: وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ فَيُجْزِئَهُ وَبِالْعَظْمِ فَلَا يُجْزِئَ أَنَّ الْيَمِينَ أَدَاةٌ وَالنَّهْيُ عَنْهَا أَدَبٌ وَالِاسْتِطَابَةُ طَهَارَةٌ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ هَذَا نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَاعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْكَلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُزَنِيِّ وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْعَظْمُ لَيْسَ بِنَظِيفٍ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْأُمِّ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ بِنَظِيفٍ أَنَّ عَلَيْهِ سَهُوكَةٌ: قَالَ الماوردى وهذا قول أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ (وَالثَّانِي) أَنَّ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ: وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِطَاهِرٍ أَيْ لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا تَأْوِيلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ ذَكَرَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ فِي الْعَظْمِ النَّجِسِ لِأَنَّ الْعَظْمَ النَّجِسَ يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِعِلَّتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) كَوْنُهُ نَجِسًا وَالْأُخْرَى كَوْنُهُ مَطْعُومًا وَالْعَظْمُ الطَّاهِرُ يَمْتَنِعُ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا فَقَطْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا تأويل أبي حامد الاسفرايني وَاخْتَارَ الْأَزْهَرِيُّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَهُوَ تَغْلِيطُ الْمُزَنِيِّ وبسط
الْكَلَامَ فِيهِ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّظِيفِ وَالطَّاهِرِ قَالَ فَمَا فِيهِ زُهُومَةٌ أَوْ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ فَهُوَ طَاهِرٌ لَيْسَ بِنَظِيفٍ وَذَلِكَ كَالْعَظْمِ وَجِلْدِ الْمُذَكَّى قَبْلَ الدِّبَاغِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْعَظْمِ وَمِمَّنْ قال لا يجوز احمد وداود * قال المصنف رحمه الله
- [وَمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ حَيَوَانٍ كَذَنَبِ حِمَارٍ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَجُوزُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ حَيَوَانٍ فَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِيَدِهِ وَلِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً فَهُوَ كَالطَّعَامِ] [الشَّرْحُ] الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ تَحْرِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ فِي حَالِ اتِّصَالِهِ كَالذَّنَبِ وَالْأُذُنِ وَالْعَقِبِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَغَيْرِهَا وَخَالَفَهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ فَقَالَا الْأَصَحُّ صِحَّةُ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيَوَانِ فِي مَنْعِ إيلَامِهِ لَا مَنْعِ ابْتِذَالِهِ بِخِلَافِ الْمَطْعُومِ وَالصَّوَابُ مَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَعَدَمُ إجْزَائِهِ وَقِيلَ يَحْرُمُ وَيُجْزِئُ: فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ كَفَاهُ الْأَحْجَارُ بَعْدَهُ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِيَدِ آدَمِيٍّ فَفِيهِ كَلَامٌ منتشر حاصله أربعة أوجه الصحيح لا يجزيه لابيده وَلَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ لانه عضو مُحْتَرَمٌ: وَالثَّانِي يُجْزِئُهُ بِيَدِهِ وَيَدِ غَيْرِهِ حَكَاهُ الماوردى عن ابن خيران وليس بشئ: وَالثَّالِثُ يَجُوزُ بِيَدِهِ وَلَا يَجُوزُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: (وَالرَّابِعُ) يُجْزِئُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ دُونَ يَدِهِ كَمَا يَسْجُدُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ دُونَ يَدِهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمَاوَرْدِيُّ وَحَكَاهُ الْفُورَانِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَهُوَ ضعيف أو غلط: والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
[وَإِنْ اسْتَنْجَى بِجِلْدٍ مَدْبُوغٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي حَرْمَلَةَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَالرِّمَّةِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَيِّنًا فهو كالخرق وان كان خشنا فهو كالخرف وَإِنْ اسْتَنْجَى بِجِلْدِ حَيَوَانٍ مَأْكُولِ اللَّحْمِ مُذَكًّى غَيْرِ مَدْبُوغٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْأُمِّ وَحَرْمَلَةَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَقْلَعُ النَّجْوَ للزوجته وقال
في البويطي يجوز والاول هو المشهور]
- [الشَّرْحُ] حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ بِالْمَدْبُوغِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالثَّانِي يَجُوزُ بِهِمَا قَالَهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَالثَّالِثُ لَا يَجُوزُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَهُ فِي حَرْمَلَةَ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقًا آخَرَ وَهُوَ الْقَطْعُ بِنَصِّهِ فِي الْأُمِّ وَتَأْوِيلِ الآخرين ودليل الجميع ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي الْمَدْبُوغِ بَيْنَ الْمُذَكَّى وَالْمَيْتَةِ لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ قَالِعَانِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ وَإِنْ جَازَ بِالْمَدْبُوغِ الْمُذَكَّى تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وليس بشئ: هَذِهِ طَرِيقَةُ الْأَصْحَابِ كُلِّهِمْ إلَّا الْمُتَوَلِّي فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ فَقَالَ إنْ كَانَ جِلْدٌ مُذَكًّى وَاسْتَنْجَى بِالْجَانِبِ الَّذِي يَلِي اللَّحْمَ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِمَطْعُومٍ لِأَنَّهُ مِمَّا يُؤْكَلُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ اسْتَنْجَى بِالْجَانِبِ الَّذِي عَلَيْهِ الشَّعْرُ وَشَعْرُهُ كَثِيرٌ جَازَ: وَإِنْ كَانَ الْجِلْدُ مَدْبُوغًا وَهُوَ جِلْدٌ مُذَكًّى جَازَ وَإِنْ كَانَ جِلْدُ مَيْتَةٍ فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ هَلْ يُطَهِّرُ بَاطِنَ الْجِلْدِ أَمْ لَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- فَإِنْ قِيلَ الْجِلْدُ مَأْكُولٌ فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ: فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ عَادَةً وَلَا مَقْصُودٌ بِالْأَكْلِ وَلِهَذَا جَازَ بَيْعُ جِلْدَيْنِ بِجِلْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَالرِّمَّةِ هِيَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَهُوَ الْعَظْمُ الْبَالِي كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ سُمِّيَتْ الْعِظَامُ رِمَّةً لِأَنَّ الْإِبِلَ تَرُمُّهَا أَيْ تَأْكُلُهَا وَإِنَّمَا قَاسَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّصَّ ثَبَتَ فِيهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ إحْدَاهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَلَا يَسْتَنْجِي بِحَجَرٍ قَدْ اسْتَنْجَى بِهِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ طَهُرَ بِالْمَاءِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ ثُمَّ غُسِلَ وَيَبِسَ جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ ثَانِيَةً فَإِنْ غُسِلَ وَيَبِسَ جَازَ ثَالِثَةً وَهَكَذَا أَبَدًا وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ كما
لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الثَّوْبِ مَرَّاتٍ بِخِلَافِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِحَصَاةٍ قَدْ رَمَى بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ جَاءَ أَنَّ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا رُفِعَ وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ تُرِكَ: وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ تَعَدُّدُ الْمَرْمِيِّ بِهِ وَلَوْ غَسَلَهُ ثُمَّ اسْتَنْجَى بِهِ وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحُّ فَإِنْ انْبَسَطَتْ النَّجَاسَةُ تَعَيَّنَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَانَ شَيْخِي يَقُولُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَلَلَ يَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فَيَصِيرُ فِي حُكْمِ نَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِي فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَاءِ لَا تَنْقَلِبُ نَجَسًا وَإِنَّمَا تُجَاوِرُ النَّجَاسَةَ أَوْ تُخَالِطُهَا هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ.
وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ شَيْخِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ وَإِنْ غَسَلَهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مَاءٌ وَبَقِيَتْ رُطُوبَةٌ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَالدَّارِمِيُّ وَصَاحِبًا الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمْ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَآخَرُونَ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا إنْ كَانَتْ الرُّطُوبَةُ يَسِيرَةً صَحَّ وَإِلَّا فَلَا
- (فَرْعٌ) إذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ فَحَصَلَ بِهِ الْإِنْقَاءُ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ حَجَرًا ثَانِيًا وَثَالِثًا وَلَمْ يَتَلَوَّثَا فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِمَا مَرَّةً أُخْرَى مِنْ غَيْرِ غَسْلِهِمَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ أَصَحُّهُمَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا طَاهِرَانِ صَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ تَبْعُدُ سَلَامَتُهُ مِنْ نجاسة خفية وَقِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ
- (فَرْعٌ) لَوْ رَأَى حَجَرًا شَكَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ أَوْ غَسْلُهُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ وَشَكَّ فِي غَسْلِهِ لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا جَفَّ وَرَقُ الشَّجَرِ ظاهره وباطنه أو ظاهر جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ إنْ كَانَ مُزِيلًا وَإِنْ كَانَ نَدِيَّ الظَّاهِرِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْحَجَرِ النَّدِيِّ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَرَقُ الشَّجَرِ
الَّذِي يُكْتَبُ عَلَيْهِ وَالْحَشِيشُ الْيَابِسَاتُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ خَشِنًا مُزِيلًا جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا (الثَّالِثَةُ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله في البويطى ومختصر الربيع علي جَوَازَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالتُّرَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ إذَا كَانَ مُسْتَحْجَرًا تُمْكِنُ الْإِزَالَةُ بِهِ فَإِنْ كَانَ دقيقا لاتمكن الْإِزَالَةُ بِهِ لَمْ يُجْزِئْ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِالْمَحِلِّ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ بِالتُّرَابِ وَإِنْ كَانَ رَخْوًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَالْحَدِيثُ بَاطِلٌ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَمَرَ بِالْحَجَرِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْحَجَرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلَيْسَ التُّرَابُ الرَّخْوُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الضَّعِيفِ يَجِبُ أَرْبَعُ مَسَحَاتٍ وَيُسْتَحَبُّ خَامِسَةٌ لِلْإِيتَارِ وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بشئ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبَا الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي حَرْمَلَةَ إذَا نتف الصوف من الغتم وَاسْتَنْجَى بِهِ كَرِهْتُهُ وَأَجْزَأَهُ؟ ؟ قَالُوا وَإِنَّمَا كَرِهَهُ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبَ الْحَيَوَانِ: فَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالصُّوفِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ شَاةٍ بَعْدَ ذَكَاتِهَا أَوْ جَزَّهُ فِي حَيَاتِهَا فَلَا كَرَاهَةَ: (الْخَامِسَةُ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْآجُرِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا قَالَهُ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ بِالْحِجَازِ وَمِصْرَ أَنَّهُمْ لَا يَخْلِطُونَ بِتُرَابِهِ السِّرْجِينَ: فَأَمَّا مَا خُلِطَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ وَقِيلَ بَلْ عَلِمَ بِخَلْطِهِ بِالسِّرْجِينِ وَجَوَّزَهُ لِأَنَّ النَّارَ تَحْرِقُ السِّرْجِينَ فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ مَبْسُوطَةً فِي آخِرِ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله
- [وَإِنْ جَاوَزَ الْخَارِجُ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ فَإِنْ كَانَ غائط فَخَرَجَ إلَى ظَاهِرِ الْأَلْيَةِ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ لِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ فَهُوَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَإِنْ خَرَجَ إلَى بَاطِنِ الْأَلْيَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى ظَاهِرِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى ظاهر الْأَلْيَةِ: وَالثَّانِي يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ: لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَأَكَلُوا التمر ولم يكن ذلك مِنْ عَادَتِهِمْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَقَّتْ بِذَلِكَ أَجْوَافُهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَلِأَنَّ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمُعْتَادِ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَجُعِلَ الْبَاطِنُ كُلُّهُ حَدًّا وَوَجَبَ الْمَاءُ فِيمَا زَادَ: وَإِنْ كَانَ بَوْلًا فَفِيهِ طَرِيقَانِ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إذَا جَاوَزَ مَخْرَجَهُ حَتَّى رَجَعَ عَلَى الذَّكَرِ أَعْلَاهُ أَوْ أَسْفَلَهُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَوْلِ لَا يَنْتَشِرُ إلَّا نَادِرًا بِخِلَافِ مَا يَخْرُجُ من الدبر فانه لابد مِنْ أَنْ يَنْتَشِرَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَوَجْهُهُ مَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَالثَّانِي يَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الْحَجَرُ فِي الْغَائِطِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ بَاطِنَ الْأَلْيَةِ لِتَعَذُّرِ الضَّبْطِ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ فِي الْبَوْلِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ لِتَعَذُّرِ الضَّبْطِ]
- [الشَّرْحُ] قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا خَرَجَ الْغَائِطَ فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ لَا يُجَاوِزَ نَفْسَ الْمَخْرَجِ فَيُجْزِئُهُ الْأَحْجَارُ بِلَا خِلَافٍ: الثَّانِي أَنْ يُجَاوِزَهُ وَلَا يُجَاوِزَ الْقَدْرَ الْمُعْتَادَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ فَيُجْزِئُهُ الْحَجَرُ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ تَعَيَّنَّ الْمَاءُ وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ نَحْوَهُ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا آخَرَ وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَيْسَ على ظاهره بل يكفيه الحرج قَوْلًا وَاحِدًا ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَّطَ الْمُزَنِيَّ فِي النَّقْلِ وَهَذَا قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى تَغْلِيطِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ من الكلام شئ وَصَوَابُهُ إذَا جَاوَزَ الْمَخْرَجَ وَمَا حَوْلَهُ 1 وَهَذَا وان سموه تأويلا فهو بمعنى التغليط إنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ قَالُوا الِاعْتِبَارُ بِعَادَةِ غَالِبِ النَّاسِ وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَادَةِ النَّاسِ أَمْ بِعَادَتِهِ الْحَالُ (الثَّالِثُ) أَنْ يَنْتَشِرَ وَيَخْرُجَ عَنْ الْمُعْتَادِ وَلَا يُجَاوِزُ بَاطِنَ الْأَلْيَةِ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَمْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ فيه
قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَحَرْمَلَةَ وَالْإِمْلَاءِ كَذَا قَالَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ: وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْقَدِيمِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَهَذَا الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قِصَّةِ الْمُهَاجِرِينَ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ والاصحاب: (الرابع) أن ينتشر إلى ظاهر الاليين فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي جَمِيعِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِنُدُورِهِ وَتَعَذُّرِ فَصْلِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ الْأَلْيَةِ: وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ وَلَمْ يَتَّصِلْ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ السَّابِقِ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْعَادَةَ أجزأه الْحَجَرُ وَإِنْ جَاوَزَهُ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يُجْزِئُهُ أَيْضًا هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ: وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَفِي الْحَاوِي وَغَيْرِهِ وَجْهٌ مخالف لهذا وليس بشئ وَلَوْ انْتَشَرَ الْخَارِجُ انْتِشَارًا مُعْتَادًا وَتَرَشَّشَ مِنْهُ شئ الي محل منفصل قَرِيبٍ مِنْ الْخَارِجِ بِحَيْثُ يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ لَوْ اتَّصَلَ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِي الْمُتَرَشِّشِ صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا الْبَوْلُ فَإِنْ انْتَشَرَ وَخَرَجَ عَنْ الْحَشَفَةِ مُتَّصِلًا تَعَيَّنَ فِيهِ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا فَطَرِيقَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ اُخْتُلِفَ فِي الرَّاجِحِ مِنْهُمَا فَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِنُدُورِهِ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي انْتِشَارِ الْغَائِطِ إلَى بَاطِنِ الْأَلْيَةِ وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ بِإِجْزَاءِ الْحَجَرِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْحَشَفَةَ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي حَرْمَلَةَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْبَوْلَ يَنْتَشِرُ أَيْضًا فِي الْعَادَةِ وَيَشُقُّ
ضَبْطُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَجُعِلَتْ الْحَشَفَةُ فَاصِلًا فَعَلَى هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَائِطِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ بَاطِنِ الْأَلْيَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ السَّابِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ أبو اسحاق إذا جاوز مخرجه أعلاه حَتَّى رَجَعَ عَلَى الذَّكَرِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَذَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَكَذَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ مَجْرُورَانِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ الذَّكَرِ تَقْدِيرُهُ حَتَّى رَجَعَ عَلَى أَعَلَا الذَّكَرِ وأسفله ويقال الاليان الاليتان بِحَذْفِ التَّاءِ وَإِثْبَاتِهَا وَحَذْفُهَا أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَالْمُرَادُ بِبَاطِنِ الْأَلْيَةِ مَا يَسْتَتِرُ فِي حال القيام وبظاهرها مالا يستتر * قال المصنف رحمه الله
- [وان كان الخارج نادرا كالدم والمذي والودى أو دودا أو حصاة وقلنا يجب الاستنجاء منه فهل يجزئ فيه الحجر فيه قولان أحدهما انه كالبول والغائط وقد بيناهما والثاني لا يجزئ الا الماء لانه نادر فهو كسائر النجاسات]
- [الشَّرْحُ] إذَا كَانَ الْخَارِجُ نَادِرًا كَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْوَدْيِ 1 وَالْمَذْيِ وَشِبْهِهَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ فِيهِ طَرِيقَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ على قولين أصحهما يجزيه الْحَجَرُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَحَرْمَلَةَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَالِاسْتِنْجَاءُ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ تَأْتِي لِمَعْنًى ثُمَّ لَا يَلْزَمُ وُجُودُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا كَالْقَصْرِ وَأَشْبَاهِهِ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ قَالَهُ فِي الْأُمِّ وَيُحْتَجُّ لَهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ) وَسَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ والطريق الثاني ذكره الخراسانيون أنه يجزيه الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ فِي الْأُمِّ على مَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ لَا مِنْ دَاخِلِ الْفَرْجِ بَلْ مِنْ قَرْحٍ أَوْ بَاسُورٍ وَشِبْهِهِ خَارِجَ الدُّبُرِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ خَرَجَ النَّادِرُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمُعْتَادِ وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا خَرَجَ النَّادِرُ مَعَ الْمُعْتَادِ فَإِنْ تَمَحَّضَ النَّادِرُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا وَالصَّحِيحُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وهو مقتضى اطلاق الجمهور قال
الْمَاوَرْدِيُّ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ نَادِرٌ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَدَمُ الْبَاسُورِ الَّذِي فِي دَاخِلِ الدُّبُرِ نَادِرٌ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ مِنْ النَّادِرِ 1 كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ مَا يُوهِمُ خِلَافًا فِي كَوْنِهِ نَادِرًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ فَلْيُحْمَلْ كَلَامُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَدَمُ الْحَيْضِ مُعْتَادٌ فَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَدْ يَسْتَشْكِلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْحَابَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ قَالُوا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا غَسْلُ مَحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ فَيُقَالُ صُورَتُهُ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ وَلَمْ تَجِدْ مَا تَغْتَسِلُ بِهِ أَوْ كَانَ بِهَا مَرَضٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبِيحُ لَهَا التَّيَمُّمَ فَإِنَّهَا تَسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ عَنْ الدَّمِ ثُمَّ تَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ وَتُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ: وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ أَوْ دَمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّادِرِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُنَا لَا يَصِحُّ اسْتِنْجَاؤُهُ وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا يَكْفِي الْحَجَرُ فِي دَمِ الْحَيْضِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَجَدَتْ الْمَاءَ وَاسْتَنْجَتْ بِالْحَجَرِ وَغَسَلَتْ بَاقِي الْبَدَنِ وَلَمْ تَغْسِلْ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُنَا لَا يَصِحُّ (2) اسْتِنْجَاؤُهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ وَلَمْ يُرِيدَا بِقَوْلِهِمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ غَيْرَهُمْ يُخَالِفُهُمْ بَلْ أرادا انهم هم الذين ابتدؤا بِذِكْرِ ذَلِكَ وَشَهَرُوهُ فِي كُتُبِهِمْ فَقَدْ ذَكَرَهُ الخراسانيون أيضا ولكنهم أخذوه من كتب العراقيين وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الدُّودِ والحصى إذَا أَوْجَبْنَا الِاسْتِنْجَاءَ مِنْهُ فَهَلْ يُجْزِئُ الْحَجَرُ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالنَّادِرِ فَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ هُنَا إنَّمَا يَجِبُ لِتِلْكَ الْبَلَّةِ وَهِيَ مُعْتَادَةٌ فَيَكْفِي الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ مِثْلَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَالْمَنِيُّ طَاهِرٌ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ وَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُهُ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لِمَرَضٍ أَوْ فَقْدِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي دَمِ الْحَيْضِ أَمَّا إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَلَا من غسل رأس الذكر والله أعلم
(فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا قَالَ أَصْحَابُنَا شَرْطُ جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ الْغَائِطِ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَتَّى يَسْتَنْجِيَ فَإِنْ قَامَ تَعَيَّنَ الْمَاءُ لِأَنَّ بِالْقِيَامِ تَنْطَبِقُ الْأَلْيَانِ فَتَنْتَقِلُ النَّجَاسَةُ مِنْ مَحِلِّهَا إلَى مَحِلٍّ أَجْنَبِيٍّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحْجَارٌ وَكَانَتْ بِقُرْبِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهَا فَطَرِيقُهُ أَنْ يَزْحَفَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْطَبِقَ أَلْيَاهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْحَجَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ قَامَ متفاجحا بحيث لا تنطبق الاليان أو استيقن ان النجاسة لم تجاوز مَحِلَّهَا أَجْزَأَهُ الْحَجَرُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ وَقَعَ الْخَارِجُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَرَشَّشَ مِنْهُ شئ فَارْتَفَعَ وَعَلِقَ بِالْمَحِلِّ أَوْ تَعَلَّقَتْ بِالْمَحِلِّ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فَإِنْ تَمَيَّزَ الْمُرْتَفِعُ وَأَمْكَنَ غَسْلُهُ وَحْدَهُ غَسَلَهُ وَكَفَاهُ الْأَحْجَارُ فِي نَجَاسَةِ الْمَحِلِّ (الثَّانِيَةُ) لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يُرِيدَ الطَّهَارَةَ أَوْ الصَّلَاةَ (الثَّالِثَةُ) الِاسْتِنْجَاءُ طَهَارَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ الْوُضُوءِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَاسْتَنْبَطَهُ مِنْ الْقَوْلِ الشَّاذِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ (الرَّابِعَةُ) إذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ فَعَرِقَ مَحِلُّهُ وَسَالَ الْعَرَقُ مِنْهُ وَجَاوَزَهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا سَالَ إلَيْهِ 1 وَإِنْ لَمْ يجاوزه فوجهان: أحدهما يجب غسله والصحيح لا يلزمه شئ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ وَلَوْ انْغَمَسَ هَذَا الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَائِعٍ أَوْ فِيمَا دُونَ قُلَّتَيْنِ نَجَّسَهُ بِلَا خِلَافٍ (الْخَامِسَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الام والاصحاب انما يجزى الِاسْتِجْمَارُ الْمُتَوَضِّئَ وَالْمُتَيَمِّمَ أَمَّا الْمُغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ وغيرها فلا يجزئه بل لابد مِنْ تَطْهِيرِ مَحِلِّهِ بِالْمَاءِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ كَمَا قُلْنَا لَا يَكْفِي مَسْحُ الْخُفِّ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلِ بِخِلَافِ الْمُتَوَضِّئِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ وَمَسْحَ الْخُفِّ رُخْصَتَانِ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِمَا لتكرر الوضوء وأما الغسل فنادر فلا تدعوا لحاجة إلَيْهِمَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَابِ: رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غَفَّارٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَةٍ فَحَاضَتْ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ الدَّمَ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ) الحديث قال الخطابي
الْمِلْحُ مَطْعُومٌ فَقِيَاسُهُ جَوَازُ غَسْلِ الثَّوْبِ بِالْعَسَلِ كَثَوْبِ الْإِبْرَيْسَمِ الَّذِي يُفْسِدُهُ الصَّابُونُ وَبِالْخَلِّ إذَا أَصَابَهُ حِبْرٌ وَنَحْوُهُ قَالَ وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا التدلك بالنخالة وغسل الايدى بدقيق الباقلى وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجَلَاءِ قَالَ وحدثونا عن يونس ابن عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ دَخَلْت الْحَمَّامَ بِمِصْرَ فَرَأَيْت الشافعي يتدلك بالنخالة هذا كلام الخطابي *
- ﴿باب ما يوجب الغسل﴾
- يُقَالُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ وَغُسْلُ الْحَيْضِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَغُسْلُ الْمَيِّتِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالضَّمُّ هُوَ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ غَلِطُوا فِي الضَّمِّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ غَلِطَ هُوَ فِي إنْكَارِهِ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَأَشَرْتُ إلَى بَعْضِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ * قال المصنف رحمه الله
- [والذى يوجب الغسل ايلاج الحشفة في الفرج وخروج المني والحيض والنفاس: فأما ايلاج الحشفة فانه يوجب الغسل لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا التقى الختانان وجب الغسل) التقاء الختانين يحصل بتغييب الحشفة في الفرج وذلك ان ختان الرجل هو الجلد الذي يبقي بعد الختان وختان المرأة جلدة كعرف الديك فوق الفرج فيقطع منها في الختان فإذا غابت الحشفة في الفرج حاذى ختانه ختانها وإذا تحاذيا فقد التقيا ولهذا يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا وان لم يتضاما] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ
بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِسْنَادُهُ أَيْضًا صَحِيحٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ يَحْصُلُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَبَيَّنَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَرْجَ الْمَرْأَةِ وَالْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ بَيَانًا شَافِيًا فَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ خِتَانُ الرَّجُلِ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ فِي حَالِ الْخِتَانِ وَهُوَ مَا دُونَ حُزَّةِ الْحَشَفَةِ وَأَمَّا خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ مَدْخَلَ الذَّكَرِ هُوَ مَخْرَجُ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَفَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ ثَقْبٌ مِثْلُ إحْلِيلِ الرَّجُلِ هُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَبَيْنَ هَذَا الثَّقْبِ وَمَدْخَلِ الذَّكَرِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ وَفَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ مِثْلُ وَرَقَةٍ بَيْنَ الشَّفْرَيْنِ وَالشَّفْرَانِ تُحِيطَانِ بِالْجَمِيعِ فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا فِي الْخِتَانِ وَهِيَ خِتَانُ الْمَرْأَةِ فَحَصَلَ أَنَّ خِتَانَ المرأة مستقل وَتَحْتَهُ مَخْرَجُ الْبَوْلِ وَتَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَدْخَلُ الذَّكَرِ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَخْرَجُ الْحَيْضِ الَّذِي هُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ وَمَدْخَلُ الذَّكَرِ هُوَ خَرْقٌ لَطِيفٌ فَإِذَا اُفْتُضَّتْ الْبِكْرُ اتَّسَعَ ذَلِكَ الْخَرْقُ فَصَارَتْ ثَيِّبًا قَالَ أَصْحَابُنَا فَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ فَإِذَا غَابَتْ فَقَدْ حَاذَى خِتَانُهُ خِتَانَهَا وَالْمُحَاذَاةُ هِيَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ الْتِصَاقَهُمَا وَضَمَّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَوْ وَضَعَ مَوْضِعَ خِتَانِهِ عَلَى مَوْضِعِ خِتَانِهَا وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَدْخَلِ الذَّكَرِ لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ هَذَا آخر كلام الشيخ أبي حامد وغيره يزيد بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَشَبَّهَ الْعُلَمَاءُ الْفَرْجَ بِعَقْدِ الْأَصَابِعِ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ فَعَقْدُ الثَّلَاثِينَ هُوَ صُورَةُ الْفَرْجِ وَعَقْدُ الْخَمْسَةِ بَعْدَهَا فِي أَسْفَلِهَا هِيَ مَدْخَلُ الذَّكَرِ وَمَخْرَجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ وَالْوَلَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاَلَّذِي يُوجِبُ اغْتِسَالَ الْحَيِّ أَرْبَعَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ إيلَاجُ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي فَرْجٍ وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَفِي خُرُوجِ الْوَلَدِ وَالْعَلَقَةِ والمضعة خِلَافٌ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَسَنَذْكُرُهُ قَرِيبًا وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّهُ مُنْدَرِجٌ عِنْدَهُ فِي خُرُوجِ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ مُنْعَقِدٌ وَيَجِبُ غُسْلُ
الْمَيِّتِ وَلَهُ بَابٌ مَعْرُوفٌ وَقَدْ يَجِبُ غُسْلُ الْبَدَنِ بِعَارِضٍ بِأَنْ يُصِيبَهُ كُلَّهُ نَجَاسَةٌ أَوْ تَقَعَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ وَيَخْفَى مَكَانُهَا أَمَّا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فَيُوجِبُ الْغُسْلَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَالْمُرَادُ بِإِيلَاجِهَا إدْخَالُهَا بِكَمَالِهَا فِي فَرْجِ حَيَوَانٍ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَيَجِبُ الْغُسْلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَإِنْ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ مَيِّتَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ فَرْجُ آدَمِيَّةٍ فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْحَيَّةِ وَإِنْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ امْرَأَةٍ أَوْ رجل أو بهيمة وجب الْغُسْلُ لِأَنَّهُ فَرْجُ حَيَوَانٍ فَأَشْبَهَ فَرْجَ الْمَرْأَةِ وَإِنْ أَوْلَجَ فِي دُبُرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَإِنْ أَوْلَجَ فِي فَرْجِهِ لَمْ يجب لجواز ان يكون ذلك عضوا زائد فلا يجب الغسل بالشك]
- [الشَّرْحُ] هَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَنَا كما ذكرها المصنف ودليها ما ذكره (فرع) مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ: إحْدَاهَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي قُبُلِ امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِهَا أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ أَوْ خُنْثَى أَوْ صَبِيٍّ أَوْ فِي قُبُلِ بَهِيمَةٍ أَوْ دُبُرِهَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُولَجُ فِيهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مكرها مُبَاحًا كَالزَّوْجَةِ أَوْ مُحَرَّمًا وَيَجِبُ عَلَى الْمُولِجِ وَالْمَوْلَجِ فِيهِ الْمُكَلَّفَيْنِ وَعَلَى النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ وَأَمَّا الصبى إذا أولج في امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ أَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي دُبُرِهِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَكَذَا إذَا اسْتَدْخَلَتِ امْرَأَةٌ ذَكَرَ صَبِيٍّ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ وَيَصِيرُ الصَّبِيُّ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ جُنُبًا وَكَذَا الصَّبِيَّةُ إذَا أَوْلَجَ فِيهَا رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ وَكَذَا لَوْ أَوْلَجَ صَبِيٌّ فِي صَبِيٍّ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ وَإِذَا صَارَ جُنُبًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَغْتَسِلْ كَمَا إذَا بَالَ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ: وَلَا يُقَالُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَا لَا يُقَالُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بَلْ يُقَالُ صَارَ مُحْدِثًا وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْغُسْلِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى بَلَغَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ كَمَا إذَا بَالَ ثُمَّ بَلَغَ يلزمه الوضوء
وَإِنْ اغْتَسَلَ وَهُوَ مُمَيِّزٌ صَحَّ غُسْلُهُ فَإِذَا بَلَغَ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَلَغَ يُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَةُ طَهَارَتِهِ إذَا بَلَغَ وَالصَّبِيَّةُ كَالصَّبِيِّ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ أَوْلَجَ مَجْنُونٌ أَوْ أُولِجَ فِيهِ صَارَ جُنُبًا فَإِذَا أَفَاقَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ: (الثَّانِيَةُ) لَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ رَجُلٍ وجب الغسل عليه وعليها سواء كان عَالِمًا بِذَلِكَ مُخْتَارًا أَمْ نَائِمًا أَمْ مُكْرَهًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرًا مَقْطُوعًا فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ 1 هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ قال الدارمي ولاحد عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَا مَهْرَ لَهَا لَوْ أَوْلَجَ الْمَقْطُوعَ فِيهَا رَجُلٌ: وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ مَيِّتٍ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كَمَا لَوْ أَوْلَجَ فِي مَيِّتٍ وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ لَزِمَهَا الْغُسْلُ كَمَا لَوْ أَوْلَجَ فِي بَهِيمَةٍ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ (2) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَادِرٌ قَالَ ثُمَّ فِي اعْتِبَارِ قَدْرِ الْحَشَفَةِ فِيهِ كَلَامٌ يُوَكَّلُ إلَى فِكْرِ الْفَقِيهِ: (الثَّالِثَةُ) وُجُوبُ الْغُسْلِ وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْجِمَاعِ يُشْتَرَطُ فِيهَا تَغْيِيبُ الحشفة بكمالها في الفرج ولا يشرط زيادة على الحشفة ولا يتعلق ببعض الحشفة وحده شئ مِنْ الْأَحْكَامِ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا وَجْهًا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ بَعْضَ الْحَشَفَةِ كَجَمِيعِهَا وَهَذَا فِي نِهَايَةٍ مِنْ الشُّذُوذِ وَالضَّعْفِ وَيَكْفِي فِي بُطْلَانِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ) : أَمَّا إذَا قُطِعَ بَعْضُ الذَّكَرِ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ قَدْرِ الْحَشَفَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شئ مِنْ الْأَحْكَامِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ قَدْرُهَا فقط تعلقت الاحكام بتغيبه كُلِّهِ دُونَ بَعْضِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَشَفَةِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْمُهَذَّبِ مِنْهَا بَابُ الْخِيَارِ فِي النكاح في مسألة العنين ورجح المصنف
منهما أنه لَا يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِبَعْضِهِ وَلَا يَتَعَلَّقَ إلَّا بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْبَاقِي وَكَذَا رَجَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَ الْأَكْثَرُونَ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْهُ وَقَطَعَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (الرَّابِعَةُ) إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْتُونٍ فَأَوْلَجَ الْحَشَفَةَ لَزِمَهُمَا الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ: وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ حرقة وَأَوْلَجَهُ بِحَيْثُ غَابَتْ الْحَشَفَةُ وَلَمْ يُنْزِلْ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالشَّاشِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِيلَاجِ وَقَدْ حَصَلَ (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ أَوْلَجَ فِي خِرْقَةٍ وَلَمْ يَلْمِسْ بَشَرَةً وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الحناطى (الثالث) إنْ كَانَتْ الْخِرْقَةُ غَلِيظَةً تَمْنَعُ اللَّذَّةَ لَمْ يَجِبْ وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً لَا تَمْنَعُهَا وَجَبَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ: وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي هَذَا الثَّالِثِ الْغَلِيظَةُ هِيَ الَّتِي تَمْنَعُ وُصُولَ بَلَلِ الْفَرْجِ إلَى الذَّكَرِ وَوُصُولَ الْحَرَارَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَالرَّقِيقَةُ مالا تَمْنَعُ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي إفْسَادِ الْحَجِّ بِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي كُلِّ الْأَحْكَامِ (الْخَامِسَةُ) إذَا أُولِجَ ذَكَرٌ أَشَلُّ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ (السَّادِسَةُ) إذَا انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ غَيْرُ الْأَصْلِيِّ وَحَكَمْنَا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ فَأَوْلَجَ فِيهِ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ الصَّحِيحُ لا يجب ولو أولج في الاصل وَجَبَ بِلَا خِلَافٍ (السَّابِعَةُ) لَوْ كَانَ لَهُ ذَكَرَانِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي مَسَائِلِ لَمْسِ الْخُنْثَى إنْ كَانَ يَبُولُ مِنْهُمَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِإِيلَاجِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِأَحَدِهِمَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ دُونَ الْآخَرِ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَذَكَرْتُ هُنَاكَ إيلَاجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ وَالْإِيلَاجَ فِيهِ مَبْسُوطًا (الثَّامِنَةُ) إذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَلَا غُسْلَ مَا لَمْ تُنْزِلْ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَقَدْ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يَخْفَى فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ لَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي فَمِ الْمَرْأَةِ وَأُذُنِهَا وَإِبِطِهَا وَبَيْنَ أَلْيَتِهَا وَلَمْ يُنْزِلْ فَلَا
غُسْلَ وَنَقَلَ فِيهِ ابْنُ جَرِيرٍ الْإِجْمَاعَ (التَّاسِعَةُ) ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ فِي الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ نُزُولُ الْمَنِيِّ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجَنَابَةِ فَتَعَلَّقَ بِسَبَبِهِ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: وَالثَّانِي الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَهُ: وَالثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ مَعَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ بِالْإِنْزَالِ مَعَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ الْمِيرَاثَ عِنْدَ الْمَوْتِ والوطئ يُوجِبُ الْعِدَّةَ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ فِي مُوجِبِ الْوُضُوءِ وَبَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا كُلِّهِ بَسْطًا كَامِلًا فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ (الْعَاشِرَةُ) إذَا وَطِئَ امْرَأَةً مَيِّتَةً فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ وَهَلْ يَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِ الْمَيِّتَةِ إنْ كَانَتْ غُسِّلَتْ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ وَإِنَّمَا يَجِبُ غُسْلُ الْمَيِّتِ تَنْظِيفًا وَإِكْرَامًا وَشَذَّ الرُّويَانِيُّ فَصَحَّحَ وُجُوبَ إعَادَتِهِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجِبُ بِوَطْئِهَا مَهْرٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ كَمَا لَا يجب بقطع يد هادية: وَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْوَاطِئِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا يجب لانه وطئ مُحَرَّمٌ بِلَا شُبْهَةٍ: وَالثَّانِي لَا لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَظِنَّةِ: وَالثَّالِثُ وَقِيلَ إنَّهُ مَنْصُوصٌ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ بِوَطْئِهَا فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ وَالْمُشْتَرَكَةُ وَجَارِيَةُ الِابْنِ وَنَحْوُهُنَّ فَلَا حَدَّ وَإِلَّا فَيُحَدُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مطلقا: قال أصحابنا وتفسد العبادات بوطئ الْمَيِّتَةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ: (الْحَادِيَةَ عشرة) قال صاحب الْحَاوِي وَالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ قَالَ أَصْحَابُنَا الاحكام المتعلقة بالوطئ في قبل المرأة تتعلق بالوطئ فِي دُبُرِهَا إلَّا خَمْسَةَ أَحْكَامٍ: التَّحْلِيلُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ: وَالْإِحْصَانُ وَالْخُرُوجُ مِنْ التَّعْنِينِ وَمِنْ الْإِيلَاءِ: وَالْخَامِسُ لَا يَتَغَيَّرُ بِهِ إذْنُ الْبِكْرِ بَلْ يبقى اذنها بالسكوت هكذا ذكراه وذكر المحاملى في اللباب سادسا وهو أن الوطئ فِي الدُّبُرِ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ بِخِلَافِ الْقُبُلِ: وَسَابِعًا وَهُوَ أَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرَّجُلِ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مِنْ دُبُرِهَا لَا يُوجِبُ غُسْلًا ثَانِيًا وخروجه من قبلها يوجبه على تفصيل سندكره قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: (قُلْت) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ ضَابِطٌ نَفِيسٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوَائِدُ وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ الضَّابِطِ مَسَائِلُ يَسِيرَةٌ فِي بَعْضِهَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ كَالْمُصَاهَرَةِ وَتَقْرِيرِ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا وُجُوهٌ ضَعِيفَةٌ شَاذَّةٌ لَا تَقْدَحُ فِي الضَّابِطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الثَّانِيَةَ عشرة)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِيلَاجِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْإِيلَاجَ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَدُبُرِهَا وَدُبُرِ الرَّجُلِ وَدُبُرِ الْبَهِيمَةِ وَفَرْجِهَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ دَاوُد لَا يَجِبُ مَا لَمْ يُنْزِلْ وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ عَنْهُ إلَى مُوَافَقَةِ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لا يجب بالايلاج في بهيمة ولاميتة
- وَاحْتَجَّ لِمَنْ لَمْ يُوجِبْ مُطْلَقًا بِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنْ الرَّجُلِ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَقَالَ عُثْمَانُ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ زَيْدٌ فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك: وعن أبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ (يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي) قَالَ الْبُخَارِيُّ الْغُسْلُ أَحْوَطُ وَذَاكَ الْآخِرُ إنَّمَا بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ يَعْنِي أَنَّ الْغُسْلَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدْنَا بَيَانَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ الْغُسْلُ هَذَا كُلُّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَبَعْضُهُ فِي مُسْلِمٍ: وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقَالَ لَعَلَّنَا أَعْجَلْنَاك قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا أَعْجَلْت أَوْ أَقْحَطْت فَلَا غُسْلَ عَلَيْك وَعَلَيْك الْوُضُوءُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَعْنَى أَعْجَلْت أَوْ أَقْحَطْت أَيْ جَامَعْت وَلَمْ تُنْزِلْ وَرُوِيَ أَقْحَطْتُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِهَا وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ إلَّا مِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وَهُوَ الْمَنِيُّ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ) وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)
وفي رواية البيهقى (أنزل أولم يُنْزِلْ) قِيلَ الْمُرَادُ بِشُعَبِهَا رِجْلَاهَا وَشَفْرَاهَا وَقِيلَ يَدَاهَا وَرِجْلَاهَا وَقِيلَ سَاقَاهَا وَفَخْذَاهَا: وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يَكْسَلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ: وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سبيل حتى تغتسلوا) قَالَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْجِمَاعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ جَنَابَةً: وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا مِنْ الْقِيَاسِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْجِمَاعِ فَتَعَلَّقَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ كَالْحُدُودِ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ هَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ: وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ أَيْ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالرُّؤْيَةِ فِي النَّوْمِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ: وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالُوهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُمْ النَّسْخُ: وَدَلِيلُ النَّسْخِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَأَرْسَلُوا إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَخْبَرَتْهُمْ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَجَهَدَهَا وَجَبَ الْغُسْلُ) فَرَجَعَ إلَى قَوْلِهَا مَنْ خَالَفَ: وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يُفْتُونَ إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ: وَفِي رِوَايَةٍ ثُمَّ أَمَرَنَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ سَأَلْت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ الرَّجُلِ يُصِيبُ أَهْلَهُ ثُمَّ يَكْسَلُ وَلَا يُنْزِلُ قَالَ يَغْتَسِلُ فَقُلْت إنَّ أُبَيًّا كَانَ لَا يَرَى الْغُسْلَ فَقَالَ زَيْدٌ إنَّ أُبَيًّا نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ قَوْلُهُ نَزَعَ أَيْ رَجَعَ: وَمَقْصُودِي بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بَيَانُ أَحَادِيثِ الْمَسْأَلَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَإِلَّا فَالْمَسْأَلَةُ الْيَوْمَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَمُخَالَفَةُ دَاوُد لَا تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مَنْعِ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ فِي بَهِيمَةٍ وَمَيْتَةٍ بِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ اللَّذَّةَ فَلَمْ يَجِبْ كَإِيلَاجِ أُصْبُعِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ فَأَشْبَهَ قُبُلَ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ: فَإِنْ قَالُوا يَنْتَقِضُ هَذَا بالمسك فَإِنَّ فِي الْبَحْرِ سَمَكَةً يُولِجُ فِيهَا سُفَهَاءُ الملاحين ببحر البصرة فالواجب مَا أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا وَجَبَ الْغُسْلُ بِالْإِيلَاجِ فِيهَا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَهُ فَرْجٌ: وَالْجَوَابُ عَنْ دَلِيلِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما أنه منتقض بوطئ الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ الْمُتَنَاهِيَةِ فِي الْقُبْحِ الْعَمْيَاءِ الْجَذْمَاءِ البرصاء
المقطعة الاطراف فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ لَذَّةٌ فِي الْعَادَةِ: وَالثَّانِي أَنَّ الْأُصْبُعَ لَيْسَتْ آلَةً لِلْجِمَاعِ: وَلِهَذَا لَوْ أَوْلَجَهَا فِي امْرَأَةٍ حَيَّةٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ بِخِلَافِ الذكر والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَأَمَّا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ قَالَ نَعَمْ إذا رأت الماء]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ لَفْظُهُ فِيهِمَا (إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) كما وقع في المهذب ومعناه يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ وهو المنى: وأما حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالدَّارِمِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ الْجَمِيعَ حَضَرُوا الْقِصَّةَ فَرَوَوْهَا: وَأُمُّ سَلَمَةَ هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَاسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ كَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوْجَةً لِأَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَهَاجَرَ بِهَا الْهِجْرَتَيْنِ إلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَلَهَا أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ: وَأَمَّا أُمُّ سُلَيْمٍ فَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَقَوْلُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالرُّويَانِيِّ هِيَ جَدَّةُ أَنَسٍ غَلَطٌ بِلَا شَكٍّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ مِنْ الطَّوَائِفِ: قِيلَ اسْمُهَا سَهْلَةُ وَقِيلَ رُمَيْلَةُ وَقِيلَ رميثة وقيل أنيفة وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهِيَ مِنْ فَاضِلَاتِ الصَّحَابِيَّاتِ وَمَشْهُورَاتهنَّ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكرمها ويكرم اختها ام حزام بِنْتَ مِلْحَانَ وَيُقِيلُ عِنْدَهُمَا وَكَانَتَا خَالَتَيْهِ وَمَحْرَمَيْنِ لَهُ: وَاسْمُ أَبِي طَلْحَةَ زَوْجِهَا زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنْ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَمَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ رضي الله عنه: وَقَوْلُهَا إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنْ الْحَقِّ رُوِيَ يَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ وَرُوِيَ يَسْتَحِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَصْلُ بِيَاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْدَاهُمَا قَالَ الْأَخْفَشُ أَسْتَحِي بِوَاحِدَةٍ لُغَةُ تَمِيمٍ وَأَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ
وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ: وَالِاحْتِلَامُ افْتِعَالٌ مِنْ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْمَنَامَاتِ يُقَالُ حَلَمَ فِي مَنَامِهِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ وَاحْتَلَمَ وَحَلَمْتُ كَذَا وَحَلَمْتُ بِكَذَا هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِمَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ الْجِمَاعِ فَيَحْدُثُ مَعَهُ إنْزَالُ المنى غالبا فغلب لَفْظُ الِاحْتِلَامِ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَامِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ: وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ) بَيَانٌ لِحَالَةِ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِاحْتِلَامِ وَهِيَ إذَا كَانَ مَعَهُ إنْزَالُ الْمَنِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَقَوْلُهُ وَالْيَقَظَةُ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَهِيَ ضِدُّ النَّوْمِ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ خُرُوجِهِ بِجِمَاعٍ أَوْ احْتِلَامٍ أَوْ اسْتِمْنَاءٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ سَوَاءٌ خَرَجَ بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ تَلَذَّذَ بِخُرُوجِهِ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ خَرَجَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا وَلَوْ بَعْضُ قَطْرَةٍ وَسَوَاءٌ خَرَجَ فِي النَّوْمِ أَوْ الْيَقَظَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْعَاقِلِ وَالْمَجْنُونِ فَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَنَا: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِشَهْوَةٍ وَدَفْقٍ كَمَا لَا يَجِبُ بِالْمَذْيِ لِعَدَمِ الدَّفْقِ: دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُطْلَقَةُ كَحَدِيثِ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَبِالْقِيَاسِ عَلَى إيلَاجِ الْحَشَفَةِ فانه لافرق فِيهِ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَذْيِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْمَنِيِّ: وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَلَا أَظُنُّ هَذَا يَصِحُّ عَنْهُ فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَدْ نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا أَمْنَى وَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ عَلَى الْقُرْبِ بَعْدَ غُسْلِهِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ ثَانِيًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ بَعْدَ الْمَنِيِّ أَوْ بَعْدَ بَوْلِهِ هَذَا مَذْهَبُنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ واحمد في رواية عنه: وقال مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَإِسْحَاقُ بْنُ راهويه لاغسل مطلقا وهي اشهر الروايات عن احمد وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ مَا بَالَ قَبْلَ الْغُسْلِ ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ الَّذِي اغْتَسَلَ عَنْهُ وَإِلَّا فَيَجِبُ الْغُسْلُ ثَانِيًا وَهُوَ رواية ثالثة عن أحمد: وعن أبي حَنِيفَةَ عَكْسُ هَذَا إنْ كَانَ بَالَ لَمْ يَغْتَسِلْ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَإِلَّا
وَجَبَ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ عَنْ شَهْوَةٍ: دَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ حَدَثٍ فَنَقَضَ مُطْلَقًا كَالْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ وَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ: (الثَّالِثَةُ) لو قبل امرأة فأحس بانتقال المني ونزوله فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ فِي الْحَالِ شئ وَلَا عَلِمَ خُرُوجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ يَجِبُ الْغُسْلُ قَالَ وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ الْمَنِيِّ: دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ) وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِالْحَدَثِ كَالْقَرْقَرَةِ وَالرِّيحِ وَلَمْ يخرج منه شئ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فَكَذَا هُنَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَلَوْ أَنْزَلَتْ الْمَرْأَةُ الْمَنِيَّ إلَى فَرْجِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يَلْزَمْهَا الْغُسْلُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ فَرْجِهَا لِأَنَّ دَاخِلَ فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهَا تَطْهِيرُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَالْغُسْلِ فَأَشْبَهَ إحْلِيلَ الذَّكَرِ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لَزِمَهَا الْغُسْلُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَطْهِيرُ دَاخِلِ فَرْجِهَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَأَشْبَهَ الْعُضْوَ الظَّاهِرَ (الرَّابِعَةُ) لَوْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ الذَّكَرِ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الشَّاشِيُّ أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُمَا مَأْخُوذَانِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِخَارِجٍ مِنْ مُنْفَتِحٍ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ: وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ثَقْبٍ فِي الذَّكَرِ غَيْرِ الْإِحْلِيلِ أَوْ مِنْ ثَقْبٍ فِي الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ الصُّلْبِ فَحَيْثُ نَقَضْنَا الْوُضُوءَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ أَوْجَبْنَا الْغُسْلَ: وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ الذَّكَرِ وَالصَّوَابُ تَفْصِيلُ الْمُتَوَلِّي قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَنِيِّ الْمُسْتَحْكِمِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَحْكِم لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ قُبُلَيْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ: وَالثَّانِي عَلَى وَجْهَيْنِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَوْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ دُبُرٍ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَجْهَانِ أَشَارَ إلَيْهِمَا الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ بِنَاءً عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي لُغَاتِ الْمَنِيِّ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَتَحْقِيقِ صِفَاتِهَا: أَمَّا الْمَنِيُّ فَمُشَدَّدٌ وَيُسَمَّى منيا لانه يمنى أي يصب وسميت مني لِمَا يُرَاقُ فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ: وَيُقَالُ أَمْنَى وَمَنَى بِالتَّخْفِيفِ وَمَنَّى بِالتَّشْدِيدِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْأُولَى أَفْصَحُ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أفرأيتم ما تمنون) وَفِي الْمَذْيِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْمَذْيُ بِإِسْكَانِ الذَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَالْمَذِيُّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وهاتان مشهورتان
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ التَّخْفِيفُ أَفْصَحُ وَأَكْثَرُ: وَالثَّالِثَةُ الْمَذْيِ بِكَسْرِ الذَّالِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: وَيُقَالُ مَذَى بِالتَّخْفِيفِ وَأَمْذَى وَمَذَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ: وَالْوَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرُ هَذَا وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنْ الْأُمَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ: وَحَكَى صَاحِبُ مطالع الانوار لغية أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهَذَانِ شَاذَانَ: وَيُقَالُ وَدَى بتخفيف الدال وأودى وَوَدَّى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأُولَى أَفْصَحُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ لَمْ أَسْمَعْ غَيْرَهَا: قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ مَذَى وَأَمْذَى وَمَذَّى بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْمَذْيُ مِثَالُ الرَّمْيِ وَالْمَذَى مِثَالُ الْعَمَى وَوَدَى وَأَوْدَى وَوَدَّى وَأَمْنَى وَمَنَى وَمَنَّى قَالَ وَالْأُولَى مِنْهَا كُلِّهَا أَفْصَحُ: وَأَمَّا صِفَاتُهَا فَمِمَّا يَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَمَنِيُّ الرجل في حال صحته ابيض ثحين يَتَدَفَّقُ فِي خُرُوجِهِ دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ وَيَخْرُجُ بِشَهْوَةٍ وَيُتَلَذَّذُ بِخُرُوجِهِ ثُمَّ إذَا خَرَجَ يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَرَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ طَلْعِ النَّخْلِ قَرِيبَةٌ مِنْ رَائِحَةِ الْعَجِينِ وَإِذَا يَبِسَ كَانَتْ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الْبَيْضِ هَذِهِ صِفَاتُهُ وَقَدْ يُفْقَدُ بَعْضُهَا مَعَ أَنَّهُ مَنِيٌّ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ بِأَنْ يَرِقَّ وَيَصْفَرَّ لِمَرَضٍ أَوْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا لَذَّةٍ لِاسْتِرْخَاءِ وِعَائِهِ أَوْ يَحْمَرَّ لِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ وَيَصِيرَ كَمَاءِ اللَّحْمِ وَرُبَّمَا خَرَجَ دَمًا عَبِيطًا وَيَكُونُ طَاهِرًا مُوجِبًا لِلْغُسْلِ: وَفِي تَعْلِيقِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ أَنَّهُ فِي الشِّتَاءِ أَبْيَضُ ثَخِينٌ وَفِي الصَّيْفِ رَقِيقٌ: ثُمَّ إنَّ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يشاركه فيها غيره كالثخانة والبياض يشاركه فيهما الودى ومنها مالا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ وَهِيَ خَوَاصُّهُ الَّتِي عَلَيْهَا الِاعْتِمَادُ فِي مَعْرِفَتِهِ وَهِيَ ثَلَاثٌ إحْدَاهَا الْخُرُوجُ بِشَهْوَةٍ مَعَ الْفُتُورِ عَقِيبَهُ: وَالثَّانِيَةُ الرَّائِحَةُ الَّتِي تشبه الطلع والعجين كما سبق: الثالثة الْخُرُوجُ بِتَزْرِيقٍ وَدَفْقٍ فِي دَفَعَاتٍ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَافِيَةً فِي كَوْنِهِ مَنِيًّا وَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا شئ لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ مَنِيًّا: وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ فَأَصْفَرُ رَقِيقٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَقَدْ يَبْيَضُّ لِفَضْلِ قُوَّتِهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَلَا خَاصِّيَّةَ لَهُ إلَّا التَّلَذُّذُ وَفُتُورُ شَهْوَتِهَا عَقِيبَ خُرُوجِهِ وَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِذَلِكَ: وَقَالَ الرُّويَانِيُّ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَعَلَى هَذَا لَهُ خَاصِّيَّتَانِ يُعْرَفُ بِإِحْدَاهُمَا وَقَالَ الْبَغَوِيّ خُرُوجُ مَنِيِّهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا يُوجِبُ الْغُسْلَ كَمَنِيِّ الرَّجُلِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا يَطَّرِدُ فِي مَنِيِّهَا الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَقَالَ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ لَيْسَ كَمَا قَالَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الْمَذْيُ فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجَ عِنْدَ شَهْوَةٍ لَا بِشَهْوَةٍ وَلَا دَفْقٍ وَلَا يَعْقُبُهُ فُتُورٌ وَرُبَّمَا لَا يَحُسُّ بِخُرُوجِهِ وَيَشْتَرِك الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِذَا
هَاجَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ مِنْهَا الْمَذْيُ قَالَ وَهُوَ أُغْلَبُ فِيهِنَّ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ: وَأَمَّا الْوَدْيُ فَمَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يُشْبِهُ الْمَنِيَّ فِي الثَّخَانَةِ وَيُخَالِفُهُ فِي الْكُدُورَةِ وَلَا رَائِحَةَ لَهُ وَيَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ إذَا كَانَتْ الطَّبِيعَةُ مُسْتَمْسِكَةً وعند حمل شئ ثَقِيلٍ وَيَخْرُجْ قَطْرَةً أَوْ قَطْرَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ: وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ عَلَى أَيِّ حَالٍ وَلَوْ كَانَ دَمًا عَبِيطًا وَيَكُونُ حِينَئِذٍ طَاهِرًا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ إذَا كَانَ كَلَوْنِ الدَّمِ لَمْ يَجِبْ الغسل وليس بشئ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [فان احتلم ولم ير المنى أو شك هل خرج منه المني لم يلزمه الغسل وان رأى المنى ولم يذكر احتلاما لزمه الغسل لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال يغتسل وعن الرجل يرى انه احتلم ولا يجد البلل قال لا غسل عليه) ]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا مَشْهُورٌ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عند أهل العلم لا يحتج بروايته ويعنى عَنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سُلَيْمٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الِاحْتِلَامِ وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ونقل ابن المنذر الاجماع أَنَّهُ إذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ احْتَلَمَ أَوْ جَامَعَ وَلَمْ يَجِدْ بَلَلًا فَلَا غُسْلَ عليه والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وان رأي المني في فراش ينام فيه هو وغيره لم يلزمه الغسل لان الغسل لا يجب بالشك والاولى أنه يغتسل وان كان لا ينام فيه غيره لزمه الغسل واعادة الصلاة من آخر نوم نام فيه]
- [الشَّرْحُ] هُنَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا رَأَى مَنِيًّا فِي فِرَاشٍ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ يُمْنِي فَلَا غُسْلَ
عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَجِبُ على صاحبه لاحتمال أنه من الآخر ولايجوز أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَالْمُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَغْتَسِلَ (الثَّانِيَةُ) رَأَى الْمَنِيَّ فِي فِرَاشٍ يَنَامُ فِيهِ وَلَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي يَلْبَسُهُ وَلَا يَلْبَسُهُ غَيْرُهُ أَوْ يَنَامُ فِيهِ وَيَلْبَسُهُ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ إنْزَالِ الْمَنِيِّ فَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ إلَّا وَجْهًا شَاذًّا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ 1 أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلَيْسَ بشئ وَالصَّوَابُ الْوُجُوبُ فَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لَا يُحْتَمَلُ حُدُوثُ الْمَنِيِّ بَعْدَهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيدَ كُلَّ صَلَاةٍ يَجُوزُ أَنَّ الْمَنِيَّ كَانَ مَوْجُودًا فِيهَا: ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ وَالْأَصْحَابَ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا إذَا رَأَى الْمَنِيَّ فِي بَاطِنِ الثَّوْبِ فَإِنْ رَآهُ فِي ظَاهِرِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهُ مِنْ غَيْرِهِ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله [وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ الْمَذْيِ وَهُوَ الْمَاءُ الذي يخرج بأدني شهوة والدليل عليه ماروى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا تَفْعَلْ إذَا رَأَيْت الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ) وَلَا مِنْ الودى وهو ما يقطر عِنْدَ الْبَوْلِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ الشرع الا في المنى]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيحٌ روه أبو داود والنسائي والبيهقي بلفظه في المذهب إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ ذُكِرَ لَهُ: وَرَوَاهُ البخاري ومسلم في صحيحهما عَنْ عَلِيٍّ قَالَ (كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْت الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَك) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا فَأَمَرْت رَجُلًا وَفِي رواية للنسائي فأمرت عمار بن يسار وفى رواية لمسلم (توضأ وانضح
فَرْجَك) وَفِي رِوَايَةٍ (مِنْهُ الْوُضُوءُ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُهَذَّبِ فَإِذَا نَضَحْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ بِالنُّونِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي بَعْضِهَا فَضَخْتَ بِالْفَاءِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَاهُمَا دَفَقْتَ: وَقَوْلُهُ كُنْتُ مَذَّاءً هو بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ وَبِالْمَدِّ وَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الْمَذْيِ كَضَرَّابٍ: وَقَوْلُهُ أَمَرْت الْمِقْدَادَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَمَّارًا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ أَمَرَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ صَاحِبِ الْكِتَابِ وَمَنْ وَافَقَهُ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي امرت من ذكركما جاء في معظم الرويات: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْت رَجُلًا فَسَأَلَهُ وَمَعْنَى اسْتَحْيَيْت لِمَكَانِ ابْنَتِهِ أَنَّ الْمَذْيَ يَكُونُ غَالِبًا لِمُدَاعَبَةِ الزَّوْجَةِ وَقُبْلَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الرَّجُلُ مَعَ أَصْهَارِهِ مَا يَتَضَمَّنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ والله أعلم: أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ وَالْوَدْيَ لَا يُوجِبَانِ الْغُسْلَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هذا وبيان حقيقة المذى والودى ولغاتهما قَرِيبًا: وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِالشَّرْعِ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنُهُ وَلَا يُقَبِّحُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنَّ الْمَذْيَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَنَّهُ نَجَسٌ وَأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ وَأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلِ إذَا كَانَ نَادِرًا لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنْهُ الْحَجَرُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ وَأَنَّ الْمَذْيَ وَغَيْرَهُ مِنْ النَّادِرَاتِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ هُنَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ بِالْمُشَافَهَةِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُجَامَلَةُ الْأَصْهَارِ وَالتَّأَدُّبُ مَعَهُمْ بِتَرْكِ الْكَلَامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاحْتِيَاطُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَقْصُودِ وَلِهَذَا أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ فَقَطْ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ كُلِّ الذَّكَرِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يجب غسل الذكر والانثيين: دليلنا ماروى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْ الْغُسْلِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقَالَ (إنَّمَا يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَأَمَّا الْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ فَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الذَّكَرِ وَهُوَ مَا أَصَابَهُ الْمَذْيُ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَعَنْ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ ذَلِكَ الْمَذْيُ وَكُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَك وَأُنْثَيَيْك وَتَوَضَّأْ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَصَابَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِاحْتِمَالِ إصَابَةِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ مِنْهُ لِأَنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مُسْتَيْقَنٌ وَمَا زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَشْكُوكٌ فِي وُجُوبِهِ فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَنِيًّا فَيَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَذْيًا فَيَجِبُ الْوُضُوءُ وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ احْتِمَالًا وَاحِدًا وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَحْسَنَ اللَّهُ تَوْفِيقَهُ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا وَيَغْسِلَ سَائِرَ بَدَنِهِ وَيَغْسِلَ الثَّوْبَ مِنْهُ 1 لِأَنَّا إنْ جَعَلْنَاهُ منيا أو جبنا عَلَيْهِ غَسْلَ مَا زَادَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مَذْيًا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ غَسْلَ الثَّوْبِ وَالتَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ بِالشَّكِّ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِهِمَا لِأَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ اشْتَغَلَتْ بِفَرْضِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ: وَالتَّخْيِيرُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَهُ مَذْيًا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا فَلَمْ يَغْتَسِلْ لَهُ وَإِنْ جَعَلَهُ مَنِيًّا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَ مَذْيًا وَلَمْ يَغْسِلْ الثَّوْبَ مِنْهُ وَلَمْ يُرَتِّبْ الْوُضُوءَ مِنْهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الفرض بيقين]
- [الشَّرْحُ] إذَا خَرَجَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ الْمَنِيَّ وَالْمَذْيَ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مُرَتَّبًا وَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فَعَلَى هَذَا لَوْ اغْتَسَلَ كَانَ كَمُحْدِثٍ اغْتَسَلَ: وَالثَّانِي يَجِبُ غَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ وَلَا يَجِب تَرْتِيبُهَا بَلْ يَغْسِلُهَا كَيْفَ شَاءَ لِأَنَّ الْمُتَحَقِّقَ هُوَ وُجُوبُهَا وَالتَّرْتِيبُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَهَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ وَهَذَا عَجَبٌ منه بل هذا الوجه غلط صريح لاشك فيه
فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُرَتِّبْ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمُوجَبٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا الْوَجْهَ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ وَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ قَالَ الْقَفَّالُ التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: إحْدَاهَا هَذِهِ (وَالثَّانِيَةُ) إذَا أَوْلَجَ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ فِي دُبُرِ رَجُلٍ فَعَلَى المولج فيه الوضوء بلا ترتيب و (الثالثة) مَسْأَلَةُ ابْنِ الْحَدَّادِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي فَصْلِ تَرْتِيبِ الْوُضُوءِ: قَالَ الْقَاضِي ثُمَّ إنَّ الْقَفَّالَ رجع عن المسألتين الاوليين وَقَالَ الْأَصْلُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ بِالصَّلَاةِ وَلَا تَبْرَأُ بِهَذَا فَصَرَّحَ الْقَاضِي بِرُجُوعِ الْقَفَّالِ وَأَنَّ هَذَا الْوَجْهَ خَطَأٌ وَكَأَنَّ مَنْ حَكَاهُ خَفِيَ عَلَيْهِ رُجُوعُ الْقَفَّالِ عَنْهُ: وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْتِزَامِ حُكْمِ الْمَنِيِّ أَوْ الْمَذْيِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْمُصَنِّفِينَ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهُ إذَا أَتَى بِمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا بَرِئَ مِنْهُ يَقِينًا وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْآخَرِ وَلَا مُعَارِضَ لِهَذَا الْأَصْلِ بِخِلَافِ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاتَيْنِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِهِمَا جَمِيعًا وَالْأَصْلُ بَقَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ يَلْزَمُهُ مُقْتَضَى الْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ جَمِيعًا وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ 1 وَجَعَلَهُ احْتِمَالًا لِنَفْسِهِ وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ رُجْحَانُهُ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِطَهَارَةٍ وَلَا يَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ إلَّا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَظْنُونَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ مُقْتَضَاهُمَا جَمِيعًا: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى فِي ثَوْبٍ آخَرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ الْبَلَلُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ إمَّا جُنُبٌ وَإِمَّا حَامِلُ نَجَاسَةٍ: وَإِنْ اغْتَسَلَ وَصَلَّى فِي هَذَا الثَّوْبِ قَبْلَ غَسْلِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَنِيٌّ: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ فِي دُبُرِ رَجُلٍ فَهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ ذُكُورَةِ الْخُنْثَى جُنُبَانِ وَإِلَّا فَمُحْدِثَانِ فَالْجَنَابَةُ مُحْتَمَلَةٌ فَإِذَا تَوَضَّأَ وَجَبَ التَّرْتِيبُ وَفِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ وَهُوَ غَلَطٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ عَلَى اخْتِيَارِهِ يَلْزَمُهُ غَسْلُ الثَّوْبِ مَعَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَيُقَالُ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ طهارة فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ بِالشَّكِّ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِأَحَدِهِمَا وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ أتي به الا إذا جمع بينهما
فَوَجَبَ الْجَمْعُ وَهَذَا اعْتِرَاضٌ حَسَنٌ: فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا إذَا مَلَكَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُخْتَلِطَيْنِ وَزْنُهُ أَلْفٌ: سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُعْرَفُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ بِأَنْ يُزَكِّيَ سِتَّمِائَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَمْ يُلْزِمْهُ الْجُمْهُورُ هُنَا الِاحْتِيَاطَ: فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنَاءِ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ الْيَقِينِ بِسَبْكِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْيَقِينُ بِعَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- [وَأَمَّا الْحَيْضُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأتوهن) قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ الِاغْتِسَالُ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ (إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فاغتسلي وصل) وَأَمَّا دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِأَنَّهُ حيض مجتمع ولانه يحرم الصوم والوطئ ويسقط فرض الصلاة فأوجب الغسل كالحيض]
- [الشَّرْحُ] أَمَّا تَفْسِيرُ الْآيَةِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ الْمَحِيضُ هُنَا هُوَ الْحَيْضُ وَهُوَ مَذْهَبُنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْحَيْضِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَحِيضِ فَعِنْدَنَا هُوَ الدَّمُ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ الْفَرْجُ نَفْسُهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الدَّمِ كَالْمَبِيتِ وَالْمَقِيلِ مَوْضِعُ الْبَيْتُوتَةِ وَالْقَيْلُولَةِ: وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ زَمَانُ الْحَيْضِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ غَلَطٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال (قل هو أذى) وَالْفَرْجُ وَالزَّمَانُ لَا يُوصَفَانِ بِذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ (سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ) أَيْ الدَّمِ وَسَنَزِيدُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَإِيضَاحِهَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا حَدِيثُ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها مِنْ طُرُقٍ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمَا (وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) كَمَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ وَفِي بَعْضِهَا (فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي) وَالْحَيْضَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا فَالْكَسْرُ اسْمٌ لِحَالَةِ الْحَيْضِ وَالْفَتْحُ بِمَعْنَى الْحَيْضِ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الصَّوَابُ الْكَسْرُ وَغَلِطَ مَنْ فَتَحَ وَجَوَّزَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْفَتْحَ وَهُوَ أَقْوَى: وَحُبَيْشٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثم ياء مثناة من تحت ساكنة
ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ: وَاسْمُ أَبِي حُبَيْشٍ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى
- أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ وَبِسَبَبِ النِّفَاسِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَآخَرُونَ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ أنه يلزمها تمكين الزوج من الوطئ ولا يجوز ذلك الا بالغسل ومالا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالرُّويَانِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ بِأَوَّلِ خُرُوجِ الدَّمِ كَمَا قَالُوا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ الْبَوْلِ قَالُوا وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجِبُ بِانْقِطَاعِ الدم وليس بشئ وَعَكَسَ الْخُرَاسَانِيُّونَ هَذَا فَقَالُوا الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ بِانْقِطَاعِهِ لَا بِخُرُوجِهِ كَذَا صَحَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يَجِبُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ يَجِبُ بِخُرُوجِهِ وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الْغُسْلَ مَعَ دَوَامِ الحيض غير ممكن ومالا يُمْكِنُ لَا يَجِبُ: قَالَ الْإِمَامُ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ بِخُرُوجِ جَمِيعِ الدَّمِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ: وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِوُجُوبِهِ بِالِانْقِطَاعِ وَالْبَغَوِيُّ بِالْخُرُوجِ وَكُلُّ مَنْ أَوْجَبَ بِالْخُرُوجِ قَاسُوهُ عَلَى الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ وَقَدْ سَبَقَ فِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ فِي أَنَّ الْوُجُوبَ بِخُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ أَمْ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَمْ بِالْمَجْمُوعِ: قَالَ الْمُتَوَلِّي وَتِلْكَ الْأَوْجُهُ جَارِيَةٌ فِي الْحَيْضِ قَالَ إلَّا أَنَّ الْقَائِلِينَ هُنَاكَ يَجِبُ بِالْخُرُوجِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجِبُ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِانْقِطَاعِهِ فَحَصَلَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ فِي وَقْتِ وُجُوبِ غُسْلِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ: أَحَدُهَا بِخُرُوجِ الدَّمِ: وَالثَّانِي بِانْقِطَاعِهِ: وَالثَّالِثُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ: وَالرَّابِعُ بِالْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَالْأَصَحُّ وُجُوبُهُ بِالِانْقِطَاعِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ فَائِدَتُهُ أَنَّ الْحَائِضَ إذَا أَجْنَبَتْ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ غُسْلُ الْحَيْضِ إلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَقُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فَلَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عَنْ الْجَنَابَةِ لِاسْتِبَاحَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَيَأْتِي هَذَا مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَيْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ فَائِدَةً أُخْرَى حَسَنَةً فَقَالَ لَوْ اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ قَبْلَ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ بِالِانْقِطَاعِ لَمْ تُغَسَّلْ