كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَقَالُوا هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ ليس بشئ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (وَالرَّابِعُ) يُشْتَرَطُ قَوْلًا وَاحِدًا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ شَرَطَا تَعْيِينَهُ فَأَهْمَلَاهُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ لَكِنْ يَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلَوْ عَيَّنَّا مِيقَاتًا أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِ الْمُسْتَأْجِرِ فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَتَفْسُدُ الْإِجَارَةُ لَكِنْ يَصِحُّ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ عَيَّنَّا مِيقَاتًا أَبْعَدَ عَنْ مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِهِ صَحَتْ الْإِجَارَةُ وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمِيقَاتُ كَمَا لَوْ نَذَرَهُ وَأَمَّا تَعْيِينُ زَمَانِ الْإِحْرَامِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ لِلْإِحْرَامِ وَقْتًا مَضْبُوطًا لَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ فَلَوْ شُرِطَ الْإِحْرَامُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ جَازَ وَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا لَوْ أَحْرَمَ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ وَأَفْسَدَهُ لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يُحْرِمَ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ كَمَا فِي مِيقَاتِ الْمَكَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ اُشْتُرِطَ بِلَا خلاف بيان أنهما أفراد أَوْ تَمَتُّعٌ أَوْ قِرَانٌ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ (فَرْعٌ) نَقَلَ الْمُزَنِيّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمَعْضُوبُ مَنْ حَجَّ عَنَى فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَحَجَّ عَنْهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ قَالَ الْمُزَنِيّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِأَنَّ هَذَا إجَارَةٌ فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْأَجْرِ هَذَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَّلِ بَابِ الْجَعَالَةِ وَلِلْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) وُقُوعُ الْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ الْأُجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ كَمَا نص عليه الشَّافِعِيُّ قَالُوا لِأَنَّهُ جَعَالَةٌ وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ وَالْجَعَالَةُ تَجُوزُ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ فَالْمَعْلُومُ أَوْلَى (وَالثَّانِي) وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَا الْمُسَمَّى حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ مُعْظَمَ الْإِصْحَابِ مَالُوا إلَى هَذَا وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَهَذَا الْقَائِلُ يَقُولُ لَا تَجُوزُ الْجَعَالَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ يمكن الاسئجار عَلَيْهِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِذْنُ وَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْأَجِيرِ لِأَنَّ الْإِذْنَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ إلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ وَكَّلْتُ مَنْ أَرَادَ بَيْعَ دَارِي فِي بَيْعِهَا فَالْوَكَالَةُ بَاطِلَةٌ وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ اعْتِمَادًا عَلَى هَذَا التَّوْكِيلِ وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ امام الحرمين أن شيخ وَالِدَهُ أَبَا مُحَمَّدٍ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَالَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسَادِ الْإِذْنِ وَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ جِدًّا بَلْ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْمَذْهَبِ وَالدَّلِيلِ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ فَقَالَ مَنْ حج عنى فَلَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَسَمِعَهُ رَجُلَانِ وَأَحْرَمَا عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْأَصْحَابُ إنْ سَبَقَ
إحْرَامُ أَحَدِهِمَا وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْقَائِلِ وَيَسْتَحِقُّ السَّابِقُ الْمِائَةَ وَإِحْرَامُ الثَّانِي يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا وَإِنْ أَحْرَمَا مَعًا أَوْ شك في السبق والمعية لم يقع شئ مِنْهُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ بَلْ يَقَعُ إحْرَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَصَارَ كَمَنْ عَقَدَ نِكَاحَ أُخْتَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَلَوْ قَالَ مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَأَحْرَمَ عَنْهُ رَجُلَانِ أحدهما بعد الآخر وقع الاحرام السَّابِقِ بِالْإِحْرَامِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْقَائِلِ وَلَهُ عَلَيْهِ الْمِائَةُ وَلَوْ أَحْرَمَا مَعًا وَقَعَ حَجُّ كُلِّ واحد منهما عن نفسه ولا شئ لَهُمَا عَلَى الْقَائِلِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَوَّلٌ وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا بِأَنْ قَالَ مَنْ حَجَّ عَنِّي فَلَهُ عَبْدٌ أَوْ ثَوْبٌ أَوْ دَرَاهِمُ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْقَائِلِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ وَحَجَّ الْأَجِيرُ وَقَعَ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ كَمَا لَوْ وَكُلَّهُ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ عِوَضٍ فَاسِدٍ لِلْوَكِيلِ فَالْإِذْنُ صَحِيحٌ وَالْعِوَضُ فَاسِدٌ فَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ صَحَّ وَاسْتَحَقَّ أجرة الْمِثْلِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الرَّافِعِيُّ مُقْتَضَى كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ تَجْوِيزَ تَقْدِيمِ إجَارَةِ الْعَيْنِ عَلَى وَقْتِ خُرُوجِ النَّاسِ لِلْحَجِّ وَأَنَّ لِلْأَجِيرِ انْتِظَارَ خُرُوجِهِمْ وَيَخْرُجُ مَعَ أَوَّلِ رُفْقَةٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ يُنَازَعُ فِيهِ وَيَقْتَضِي اشْتِرَاطُ وُقُوعِ الْعَقْدِ فِي وَقْتِ خُرُوجِ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ حَتَّى قَالَ الْبَغَوِيّ لَا تَصِحُّ إجَارَةُ الْعَيْنِ إلَّا فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ مِنْ ذَلِكَ
الْبَلَدِ بِحَيْثُ يَشْتَغِلْ عَقِبَ الْعَقْدِ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِأَسْبَابِهِ مِثْلُ شِرَاءِ الزَّادِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ قَالَ وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ بِمَكَّةَ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعَمَلِ عَقِبَ الْعَقْدِ قَالَ وَعَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ لَوْ جَرَى الْعَقْدُ فِي وَقْتِ تراكم الثلوج والانداء فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهُ فِي الْوَسِيطِ لِأَنَّ تَوَقُّعَ زَوَالِهَا مَضْبُوطٌ (وَالثَّانِي) لَا لِتَعَذُّرِ الِاشْتِغَالِ بِالْعَمَلِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ انْتِظَارِ خُرُوجِ الرُّفْقَةِ فَإِنَّ خُرُوجَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ هَذَا كُلُّهُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ (أَمَّا) إجَارَةُ الذِّمَّةِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْخُرُوجِ بِلَا شَكٍّ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ هَذَا النَّقْلَ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْبَغَوِيِّ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ هُوَ شُذُوذٌ مِنْ الْبَغَوِيِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي الشَّامِلِ والغمة وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهَا مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْخُرُوجُ وَالسَّيْرُ عَلَى الْعَادَةِ وَالِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ أَمَّا عَقْدُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَجُوزُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِإِمْكَانِ الْإِحْرَامِ فِي الْحَالِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ إنَّمَا يَجُوزُ عَقْدُ إجَارَةِ الْعَيْنِ فِي وَقْتِ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ وَاتِّصَالِ الْقَوَافِلِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالَ بِعَمَلِ الْحَجِّ عَقِيبَ الْعَقْدِ وَالِاشْتِغَالَ بشراء الزاد والتأهب للسفر منزلة منزل السَّفَرِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ قَبْلَ الرُّفْقَةِ وَلَوْ استأجره أَخَاهُ مِنْ قَبْلِ زَمَانِ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ الْإِجَارَةُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي زَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ بَاطِلَةٌ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِجَارَةِ فَإِنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ التَّوَجُّهِ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَنْ حَالِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا يُدْرِكُ الْحَجَّ إلَّا أَنْ يَسِيرَ قَبْلَ أَشْهُرِهِ لَمْ يَسْتَأْجِرْ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ إلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ في أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَيْرِهِ إلَى الْحَجِّ عَقِبَ الْعَقْدِ قَالَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا
مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي يُمْكِنُ ابْتِدَاءُ الْحَجِّ فِيهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيُدْرِكُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى شَرْطِ تَأْخِيرِ السَّلَمِ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ صَحَّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَأْخُذَ فِي أَفْعَالِهِ عَقِبَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ فَلَا يَتَأَخَّرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عَنْ حَالِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ إلَّا بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ جَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى السَّيْرِ إلَى الْحَجِّ وَالْخُرُوجِ له من البلد ولا تجوز قَبْلَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَكَثِيرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطيب في المجرد لا تجوز إجَارَةُ الْعَيْنِ إلَّا فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِيهِ أَوْ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى السَّبَبِ فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ فِي بِلَادٍ قَرِيبَةٍ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ السَّيْرِ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ كَبِلَادِ الْعِرَاقِ لَمْ يَجُزْ عَقْدُهَا إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ السَّيْرِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ كَبِلَادِ خُرَاسَانَ جَازَ تَقْدِيمُ الْعَقْدِ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ فَأَمَّا عَقْدُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَجُوزُ فِي كُلِّ مَكَان لِإِمْكَانِ الِاشْتِغَالِ بِهِ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ إذَا اسْتَأْجَرَ عَنْهُ فَإِنْ وَصَلَ الْعَقْدُ بِالرَّحِيلِ صَحَّ الْعَقْدُ وَإِنْ لَمْ يَصِلْهُ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ يَجُوزُ وَقِيلَ إنْ كَانَ بِبَلَدٍ
قَرِيبٍ كَبَغْدَادَ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا جَازَ
- (فَرْعٌ) إذَا لَمْ يَشْرُعْ فِي الْحَجِّ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ انْفَسَخَتْ بِلَا خلاف الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يُعَيِّنَا سَنَةً فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ كَتَعْيِينِ السَّنَةِ الْأُولَى وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ وَإِنْ عَيَّنَا السَّنَةَ الْأُولَى أَوْ غَيْرَهَا وَأَخَّرَ عَنْهَا فَطَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ فِي مَحِلِّهِ (أَظْهَرُهُمَا) لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ (وَالثَّانِي) يَنْفَسِخُ قَوْلًا وَاحِدًا وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَبِهِ قَطَعَ غَيْرُهُ فَإِذَا قُلْنَا لَا يَنْفَسِخُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الْمَعْضُوبُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ لِيَحُجَّ الْأَجِيرُ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَنْ مَيِّتٍ فقال المصنف وسائر أصحاب الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ غَيْرِهِمْ لَا خِيَارَ لِلْمُسْتَأْجِرِ قَالُوا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْأُجْرَةِ إذَا فُسِخَ الْعَقْدُ وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْجَارِ غَيْرِهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْفَسْخِ
وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ثُمَّ قَالَ وَفِيمَا ذَكَرُوهُ نَظَرٌ قَالَ وَلَا يُمْنَعُ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْوَرَثَةِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَسَيُعِيدُونَ بِالْفَسْخِ اسْتِرْدَادَ الْأُجْرَةِ وَصَرْفَهَا إلَى إحْرَامٍ آخَرَ أَحْرَى بِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَحَكَى قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَزَمَ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَذَكَرَ احْتِمَالَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى مُرَاعَاةُ الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ كَانَتْ فِي تَرْكِ الْفَسْخِ تَرَكَهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْفَسْخِ لِخَوْفِ إفْلَاسِ الْأَجِيرِ أَوْ هَرَبِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَفْسَخَ فَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ ضَمِنَ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ وَأَثْبَتَهُمَا الْأَئِمَّةُ (أَحَدُهُمَا) صَوَّرَ بَعْضُهُمْ الْمَنْعَ بِمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ مَثَلًا وَوَجْهُهُ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ
مستحقة الصرف إليه (والثاني) قال أبو إسحق فِي الشَّرْحِ لِلْمُسْتَأْجِرِ عَنْ الْمَيِّتِ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَفْسَخَ الْعَقْدَ إنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِيهِ وَأَنْ لَا يَسْتَقِلَّ بِهِ فَإِذَا نَزَلَ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَإِنْ نَزَلَ عَلَى الثَّانِي هَانَ أَمْرُهُ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ (أَمَّا) إذَا اسْتَأْجَرَ إنْسَانٌ من مال نَفْسِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ فَهُوَ كَاسْتِئْجَارِ الْمَعْضُوبِ لِنَفْسِهِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِالِاتِّفَاقِ (وَأَمَّا) إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ لِنَفْسِهِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَمَاتَ الْمَعْضُوبُ وَأَخَّرَ الْأَجِيرُ الْحَجَّ عَنْ السَّنَةِ الْمُعِينَةِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ لَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةً قَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْقِيَاسُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لِلْوَارِثِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إذْ لَا مِيرَاثَ فِي هَذِهِ الْأُجْرَةِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَدَّمَ الْأَجِيرُ عَلَى السَّنَةِ الْمُعِينَةِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ زَادَ خَيْرًا وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ عَجَّلَ الْمُسْلَمَ فِيهِ قَبْلَ الْمَحِلِّ فَإِنَّ فِي وُجُوبِ قَبُولِهِ خلاف وتفصيل بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَأْخِيرِ قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لِيُحْفَظَ فِي الذِّمَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْحَجِّ (فَرْعٌ) إذَا انْتَهَى الْأَجِيرُ إلَى الْمِيقَاتِ الْمُتَعَيَّنِ لِلْإِحْرَامِ إمَّا بِشَرْطِهِ وَإِمَّا بالشرع إذا لم يشترط تعيينها يُحْرِمْ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ بَلْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ بالحج فله
حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْمِيقَاتِ فيصح الحج عن المستأجر للاذن ويحط شئ من الاجرة المسماة لا خلاله بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ الْمُلْتَزَمِ وَفِي قَدْرِ الْمَحْطُوطِ خِلَافٌ مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا سَارَ الْأَجِيرُ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ وَحَجَّ فَالْأُجْرَةُ تَقَعُ عَنْ مُقَابَلَةِ أَصْلِ الْحَجِّ وَحْدَهَا أَمْ مُوَزَّعَةً عَلَى السَّيْرِ وَالْأَعْمَالِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ سَنُوَضِّحُهُمَا قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا إذَا مَاتَ الْأَجِيرُ (أَصَحُّهُمَا) تُوَزَّعُ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالسَّيْرِ جَمِيعًا (وَالثَّانِي) عَلَى الْأَعْمَالِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ إنْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي يُقَسَّطُ عَلَى الْأَعْمَالِ فَقَطْ وَإِنْ قَالَ لِتَحُجَّ عَنِّي مِنْ بَلَدِ كَذَا يُقَسَّطُ عَلَيْهِمَا وَحَمْلُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ فَإِنْ خَصَصْنَاهَا بِالْأَعْمَالِ وُزِّعَتْ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى حَجَّةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ وَحَجَّةٍ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّ الْمُقَابَلَ بِالْأُجْرَةِ عَلَى هَذَا هُوَ الْحَجُّ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةَ الْحَجَّةِ الْمُسَمَّاةِ مِنْ مَكَّةَ دِينَارَانِ وَالْمُسَمَّاةُ مِنْ الْمِيقَاتِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ فَالتَّفَاوُتُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ فَيَحُطُّ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الْمُسَمَّى وَإِنْ وَزَّعْنَا الْأُجْرَةَ عَلَى السَّيْرِ وَالْأَعْمَالِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَقَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا تُحْسَبُ لَهُ الْمَسَافَةُ هُنَا لِأَنَّهُ صَرَفَهَا إلَى غَرَضِ نَفْسِهِ لِإِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَعَلَى هَذَا تُوَزَّعُ عَلَى حَجَّةٍ تَنْشَأُ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ وَيَقَعُ الْإِحْرَامُ بِهَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَعَلَى حَجَّةٍ تَنْشَأُ مِنْ مَكَّةَ فَيَحُطُّ مِنْ الْمُسَمَّى بِنِسْبَتِهِ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْمُنْشَأَةِ مِنْ الْبَلَدِ مِائَةً وَالْمُنْشَأَةُ مِنْ مَكَّةَ عَشْرَةً حَطَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْمُسَمَّى (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) وَهُوَ الْأَصَحُّ يُحْسَبُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ إلَى الْمِيقَاتِ لِجَوَازِ أَنَّهُ قَصَدَ الْحَجَّ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ عُرِضَ لَهُ الْعُمْرَةُ فَعَلَى هَذَا تُوَزَّعُ الْمُسَمَّاةُ عَلَى حَجَّةٍ مُنْشَأَةٍ مِنْ بَلَدِ الْإِجَارَةِ إحْرَامُهَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَعَلَى حَجَّةٍ مُنْشَأَةٍ مِنْ الْبَلَدِ إحْرَامُهَا مِنْ مَكَّةَ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ الْأُولَى مِائَةً وَالثَّانِيَةُ تِسْعِينَ حَطَّ عُشْرَ الْمُسَمَّى فَحَصَلَ فِي الْجُمْلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (الْمَذْهَبُ) مِنْهَا هَذَا الْأَخِيرُ قَالَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ إنَّ الْأَجِيرَ فِي مَسْأَلَتِنَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا فِي غَيْرِ صُورَةِ الِاعْتِمَارِ أَنَّ إسَاءَةَ الْمُجَاوَزَةِ هَلْ تَنْجَبِرُ بِإِخْرَاجِ الدَّمِ حتى لا يحط شئ من الاجرة أم لا وذلك الخلاف يجئ هنا ذكره أبو الفضل ابن عبدان وآخرون فإذا الْخِلَافِ فِي قَدْرِ الْمَحْطُوطِ
- (فَرْعٌ) لِلْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ أَصْلِ الْحَطِّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَيُقْطَعُ بِعَدَمِ الِانْجِبَارِ هُنَا لِأَنَّهُ ارْتَفَقَ بِالْمُجَاوَزَةِ هُنَا حَيْثُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِنَفْسِهِ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَعُودَ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ فَيُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ فَهَلْ يحط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ (إنْ قلنا) الاجرة موزعة الْأَعْمَالِ وَالسَّيْرِ لَمْ يُحْسَبْ السَّيْرُ لِانْصِرَافِهِ إلَى عُمْرَةٍ وَوُزِّعَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى حَجَّةٍ مُنْشَأَةٍ مِنْ بلد الاجارة إحرامها من اليمقات وَعَلَى حَجَّةٍ مُنْشَأَةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ قَطْعِ مَسَافَةٍ وَيُحَطُّ بِالنِّسْبَةِ مِنْ الْمُسَمَّى (وَإِنْ قُلْنَا) الْأُجْرَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ أَوْ وَزَّعْنَاهَا عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيْرِ وَحُسِبَتْ الْمَسَافَةُ فَلَا حَطَّ وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَكَثِيرُونَ غَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ الْوَاجِبُ عَلَى الْأَجِيرِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ أَوْ الشَّرْطِ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ فَقَدْ فَعَلَ وَاجِبًا وَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ فَإِنْ جَاوَزَ الْأَجِيرُ الْمِيقَاتَ الْمُعْتَبَرَ بِالشَّرْطِ أَوْ الشَّرْعِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَيُنْظَرُ إنْ عَادَ إلَيْهِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ فلا دم ولا يحط من الاجرة شئ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ أَوْ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ وَلَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ لِلْإِسَاءَةِ بِالْمُجَاوَزَةِ وَهَلْ يَنْجَبِرُ بِهِ الْخَلَلُ حَتَّى لَا يحط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ فِيهِ طَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَالْأَصْحَابُ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَنْجَبِرُ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فَيَجِبُ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمِ لِأَنَّهُ قَالَ يَجِبُ الدَّمُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَطَّ (وَأَصَحُّهُمَا) وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ يُحَطُّ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) الْقَطْعُ بِالْحَطِّ وَتَأَوَّلُوا مَا قَالَهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمِ بِأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ وُجُوبِ الْحَطِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُكُوتِهِ عَنْهُ عَدَمُ وُجُوبِهِ مَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْحَطِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأُمِّ (فَإِنْ قُلْنَا) بِالِانْجِبَارِ فَهَلْ نَعْتَبِرُ قِيمَةَ الدَّمِ وَنُقَابِلُهَا بِالتَّفَاوُتِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) لَا لِأَنَّ التَّعْوِيلَ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى جَبْرِ الْخَلَلِ وَقَدْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الدَّمَ يَجْبُرُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ (وَالثَّانِي) نَعَمْ فَلَا يَنْجَبِرُ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الدَّمِ فَعَلَى هَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الدَّمِ فَإِنْ كَانَ التَّفَاوُتُ مِثْلَهَا أَوْ أَقَلَّ حَصَلَ الِانْجِبَارُ وَلَا حَطَّ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ وَجَبَ الزَّائِدُ هَذَا إذَا قُلْنَا بِالِانْجِبَارِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ الْحَطُّ فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ السَّابِقِ وَهُوَ أَنَّ الاجرة في مقابلة ماذا (إن قلنا) مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ فَقَطْ وَزَّعْنَا الْمُسَمَّى عَلَى حَجَّةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ وَحَجَّةٍ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ (وَإِنْ قُلْنَا) فِي مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ وَالسَّيْرِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَزَّعْنَا الْمُسَمَّى عَلَى حَجَّةٍ مِنْ بَلْدَةِ إحْرَامِهَا من الميقات على حَجَّةٍ مِنْ بَلْدَةِ إحْرَامِهَا مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ وَعَلَى هَذَا يَقِلُّ الْمَحْطُوطُ ثُمَّ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ
وَمَنْ تَابَعَهُمَا وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْفَرَاسِخِ وَحْدَهَا أَمْ يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ السُّهُولَةُ وَالْحُزُونَةُ (أَصَحُّهُمَا) الثَّانِي (أَمَّا) إذَا عَدَلَ الْأَجِيرُ عَنْ طَرِيقِ الْمِيقَاتِ الْمُعْتَبَرِ إلَى طَرِيقٍ آخَرَ مِيقَاتُهُ مِثْلُ الْمُعْتَبَرِ أَوْ أَقْرَبُ إلَى مَكَّةَ فَطَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ والجمهور أنه لا شئ عليه وحكى القاضى حسين والبغوى وَغَيْرِهِمَا فِيهِ وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمِيقَاتِ الْمُعْتَبَرِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ كَمَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ وَأَحْرَمَ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ بِالشَّرْطِ تَعَيَّنَ الْمَكَانُ (أَمَّا) إذَا عَيَّنَّا مَوْضِعًا آخَرَ فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ الشَّرْعِيِّ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ يُفْسِدُ الْإِجَارَةَ كَمَا سَبَقَ إذْ لَا يَجُوزُ لِمُرِيدِ النُّسُكِ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ بِأَنْ عَيَّنَّا الْكُوفَةَ فَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ الْإِحْرَامُ مِنْهَا وَفَاءٌ بِالشَّرْطِ فَلَوْ جَاوَزَهَا وَأَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِيهِ وَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) الْمَنْصُوصُ نَعَمْ لِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ الْوَاجِبَ بِالشَّرْطِ فَأَشْبَهَ مُجَاوَزَةَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ (وَالثَّانِي) لَا لِأَنَّ الدَّمَ يَجِبُ فِي مُجَاوَزَةِ الشَّرْعِيِّ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ وَجَبَ حَطُّ قِسْطٍ مِنْ الْأُجْرَةِ قَطْعًا وَإِنْ أَلْزَمْنَاهُ الدَّمَ فَفِي حُصُولِ الِانْجِبَارِ بِهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ (الْمَذْهَبُ) لَا يَنْجَبِرُ وَكَذَا لَوْ لَزِمَهُ الدَّمُ لِتَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ فَإِنْ تَرَكَ نُسُكًا لَا دَمَ فِيهِ كَالْمَبِيتِ وَطَوَافِ الْوَدَاعِ إذَا قُلْنَا لا دم فيهما لزمه رد شئ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَنْجَبِرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا دَمٌ يَنْجَبِرُ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَإِنْ لَزِمَهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ كَاللُّبْسِ والقلم لم يحط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ شيأ مِنْ الْعَمَلِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى التَّصْرِيحِ بِهَذَا وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَيَجِب الدَّمُ فِي مَالِ الْأَجِيرِ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ شَرَطَ الْإِحْرَامَ فِي أَوَّلِ شَوَّالٍ فَأَخَّرَهُ لَزِمَهُ الدَّمُ وَفِي الِانْجِبَارِ الْخِلَافُ وَكَذَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَحَجَّ رَاكِبًا لِأَنَّهُ تَرْكَ مَقْصُودًا هكذا حكى المسألتين عن القاضى حسين الرافعى ثُمَّ قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَا مُفَرِّعِينَ عَلَى أَنَّ الْمِيقَاتَ الْمَشْرُوطَ الشَّرْعِيَّ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ الْكُوفَةِ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ مَاشِيًا فَحَجَّ رَاكِبًا (فَإِنْ قُلْنَا) الْحَجُّ رَاكِبًا أَفْضَلُ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا
(وَإِنْ قُلْنَا) الْحَجُّ مَاشِيًا أَفْضَلُ فَقَدْ أَسَاءَ بِتَرْكِ الْمَشْيِ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَفِي وُجُوبِ رَدِّ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أُجْرَةِ الرَّاكِبِ وَالْمَاشِي وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُتَوَلِّي هو الاصح
- (فرع) قال أصحابنا إذا اتسأجره لِلْقِرَانِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَتَارَةً يَمْتَثِلُ وَتَارَةً يَعْدِلُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنْ امْتَثَلَ فَقَدْ وَجَبَ دَمُ الْقِرَانِ وَعَلَى مَنْ يَجِبُ فِيهِ وَجْهَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي شَرَطَ الْقِرَانَ (وَالثَّانِي) عَلَى الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ الْمُتَرَفِّهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ شَرْطَاهُ عَلَى الْأَجِيرِ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بَيْعٍ مَجْهُولٍ وَإِجَارَةٍ لِأَنَّ الدَّمَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مُعْسِرًا فَالصَّوْمُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْهَدْيِ عَلَى الْأَجِيرِ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّوْمِ وَهُوَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج) وَاَلَّذِي فِي الْحَجِّ مِنْهُمَا هُوَ الْأَجِيرُ كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هُوَ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْهَدْيِ وَالصَّوْمِ جَمِيعًا وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةِ بِكَمَالِهَا (فَأَمَّا) إذَا عَدَلَ فَيَنْظُرُ إنْ عَدَلَ إلَى الْإِفْرَادِ فَحَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ الْأُجْرَةِ حِصَّةَ الْعُمْرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالُوا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ عَنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ نَظَرَ فَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ فَلَا شئ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يُقْرِنْ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَعَلَى الْأَجِيرِ دَمٌ لِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ لِلْعُمْرَةِ وَهَلْ يحط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ أَمْ تَنْجَبِرُ الْإِسَاءَةُ بِالدَّمِ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَإِنْ عَدَلَ إلَى التَّمَتُّعِ فَقَدْ أشار المتولي إلى أنه إن كانت الاجارة عَيْنٍ لَمْ يَقَعْ الْحَجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ مَا سَبَقَ قَرِيبًا مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ نَظَرَ إنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ لِلْحَجِّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُجْعَلُ مُخَالِفًا لِتَقَارُبِ الْجِهَتَيْنِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ امْتَثَلَ وَفِي كَوْنِ الدَّمِ عَلَى الْأَجِيرِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ الْوَجْهَانِ (وَأَصَحُّهُمَا) يُجْعَلُ مُخَالِفًا فَيَجِبُ الدم علي الاجير لا ساءته وفى حط
شئ مِنْ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْأَجِيرِ إذَا أَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ (قِيلَ) يُحَطُّ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْأَصَحُّ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُحَطُّ (وَالثَّانِي) لَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمٌ آخَرَ لِأَنَّ الْقِرَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ يَتَضَمَّنُهُ قَالَ وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلتَّمَتُّعِ فَامْتَثَلَ فَهُوَ كَمَا لو استأجره للقران فامثتل وَإِنْ أَفْرَدَ نَظَرَ إنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ وَعَادَ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى الْمِيقَاتِ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا وان أَخَّرَ الْعُمْرَةَ نَظَرْتُ فَإِنْ كَانَتْ إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ فِي الْعُمْرَةِ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا الْمُعِينِ فَيَرُدُّ حِصَّتَهَا مِنْ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ وَعَادَ إلَى الْمِيقَاتِ لِلْعُمْرَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شئ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بالعمرة من الميقات وفى حط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَإِنْ قَرَنَ فَقَدْ زَادَ خَيْرًا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بالنسكين من الميقات وكان مامروا بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ إنْ عدد الافعال للنسكين فلا شئ عليه والا فهل يحط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَفْعَالِ فِيهِ وَجْهَانِ وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ الدَّمَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أم الاجير
(فرع) لو استاجر لِلْإِفْرَادِ فَامْتَثَلَ فَذَاكَ فَلَوْ قَرَنَ نُظِرَ إنْ كانت الاجارة عَلَى الْعَيْنِ فَالْعُمْرَةُ وَاقِعَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْحَجِّ وَحْدَهُ فَقَرَنَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَرْعٍ بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَ فَصْلِ الِاسْتِئْجَارِ وَذَكَرْنَا فِيهِ قَوْلَيْنِ بِتَفْرِيعِهِمَا (الْجَدِيدُ) الْأَصَحُّ وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ الْأَجِيرِ (وَأَمَّا) إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ فَيَقَعَانِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَعَلَى الْأَجِيرِ الدم وهل يحط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ لِلْخَلَلِ أَمْ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ فِيهِ الْخِلَافُ وَإِنْ تَمَتَّعَ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِتَأْخِيرِ الْعُمْرَةِ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَيَرُدُّ مَا يَخُصُّهَا مِنْ الْأُجْرَةِ وَإِنْ أَمَرَهُ بِتَقْدِيمِهَا أَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ وَقَعَا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَزِمَ الْأَجِيرَ دَمٌ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْمِيقَاتِ لِإِحْرَامِ الحج وفى حط شئ مِنْ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ
- هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَقَرَنَ الْأَجِيرُ أَوْ تَمَتَّعَ وَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ الْمَيِّتِ بِكُلِّ حَالٍ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ قَالُوا لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ فِي وُقُوعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَنْهُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَادَرَ أَجْنَبِيٌّ فَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ صَحَّ وَوَقَعَ عَنْ فَرْضِ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا إذْنَ وَارِثٍ وَلَوْ قَالَ الْحَيُّ لِلْأَجِيرِ حُجَّ
عَنِّي وَإِنْ تَمَتَّعْتَ أَوْ قَرَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ وَقَعَ النُّسُكَانِ 1 بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْحَجِّ فَاعْتَمَرَ أَوْ لِلْعُمْرَةِ فَحَجَّ فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِمَيِّتِ وَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ كَانَتْ عَنْ حَيٍّ وَقَعَتْ عَنْ الْأَجِيرِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ
- (فَرْعٌ) إذَا جَامَعَ الْأَجِيرُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ حَجُّهُ وَانْقَلَبَ الْحَجُّ إلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ فِي مَالِهِ وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَالْقَضَاءُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ وَلَا يَفْسُدُ وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ يَبْقَى صَحِيحًا وَاقِعًا عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَلَا تَفْسُدُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الْمُزَنِيّ أَيْضًا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ
- قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّمَا قُلْنَا تَنْقَلِبُ الْحَجَّةُ الْفَاسِدَةُ إلَى الْأَجِيرِ وَلَا تُضَافُ بَعْدَ الْفَسَادِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْمَطْلُوبَةَ لَا تَحْصُلُ بِالْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ مَنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا غَيْرَ مُفْسِدٍ وَهُوَ أَجِيرٌ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَجَّةِ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا فَوَقَعَ الِاعْتِدَادُ بِهِ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْحَجُّ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْإِضَافَاتُ وَالْحَجَّةُ الْفَاسِدَةُ لَا تُبْرِئُ الذِّمَّةَ (فَإِذَا قُلْنَا) بِالْمَذْهَبِ فَإِنْ كَانَتْ إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ وَيَكُونُ الْقَضَاءُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ وَاقِعًا عَنْ الْأَجِيرِ وَيَرُدُّ الْأُجْرَةَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ لَمْ تَنْفَسِخْ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَإِذَا قَضَى فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَعَمَّنْ يَقَعُ الْقَضَاءُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُمَا قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ قَضَاءُ الْأَوَّلِ وَلَوْ سَلِمَ الْأَوَّلُ مِنْ الْإِفْسَادِ لَكَانَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَكَذَا قَضَاؤُهُ (وَأَصَحُّهُمَا) عَنْ الْأَجِيرِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ لِأَنَّ الْأَدَاءَ الْفَاسِدَ وَقَعَ عَنْهُ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ سِوَى الْقَضَاءِ حَجَّةٌ أُخْرَى فَيَقْضِي عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَحُجُّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى أَوْ يَسْتَنِيبُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ لِتَأَخُّرِ الْمَقْصُودِ
- هَذَا إنْ كَانَ مَعْضُوبًا فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَنْ مَيِّتٍ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَحُجَّ الْأَجِيرُ فِي السَّنَةِ الْمُعِينَةِ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَمَنَعَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَقَدْ سَبَقَ تَوْجِيهُهُمَا
- (فَرْعٌ) إذَا أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ صَرَفَ الْإِحْرَامَ إلَى نَفْسِهِ ظَنَّا مِنْهُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ وَأَتَمَّ الْحَجَّ عَلَى هَذَا الظَّنِّ فَلَا يَنْصَرِفُ الْحَجُّ إلَى الْأَجِيرِ بَلْ يَبْقَى لِلْمُسْتَأْجِرِ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ (2) وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ فَإِذَا انْعَقَدَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأَجِيرِ الْأُجْرَةَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَيْنِ (أحدهما) لا يستحق شيئا
لِإِعْرَاضِهِ عَنْهَا وَلِأَنَّهُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَيْنِ يَسْتَحِقُّ لِحُصُولِ غَرَضِ الْمُسْتَأْجِرِ وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا فَبَنَاهُ الْأَجِيرُ ظَانًّا أَنَّ الْحَائِطَ لَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجِيرِ فِي الْحَجِّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَجِيرَ فِي الْبِنَاءِ لَمْ يَجُرْ وَلَا خَالَفَ وَفِي الْحَجِّ جَارٍ وَخَالَفَ فَإِنْ قُلْنَا يَسْتَحِقُّ الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى أَمْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَفْسُدْ فَبَقِيَ الْمُسَمَّى (وَالثَّانِي) أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْعَقْدَ بِنِيَّتِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ نَقْلًا وَدَلِيلًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ بَنَاهُمَا الْأَئِمَّةُ عَلَى مَا إذَا دَفَعَ ثَوْبًا إلَى صَبَّاغٍ لِيَصْبِغَهُ بِأُجْرَةٍ فَجَحَدَ الثَّوْبَ وَأَصَرَّ عَلَى أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ صَبَغَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَدِمَ وَرَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَى مَالِكِ الثَّوْبِ فِيهِ قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا مَاتَ الْحَاجُّ عَنْ نَفْسِهِ فِي أثنائه هل تجوز النيابة عَلَى حَجِّهِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (الْأَصَحُّ) الْجَدِيدُ لَا يَجُوزُ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ (وَالْقَدِيمُ) يَجُوزُ لِدُخُولِ النِّيَابَةِ فِيهِ فَعَلَى الْجَدِيدِ يَبْطُلُ الْمَأْتِيُّ بِهِ إلَّا فِي الثَّوَابِ وَيَجِب الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تِرْكَتِهِ إنْ كَانَ قَدْ اسْتَقَرَّ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ تَطَوَّعَا أَوْ لَمْ يَسْتَطِعْ إلَّا هَذِهِ السَّنَةَ لَمْ يَجِبْ وَعَلَى الْقَدِيمِ قَدْ يَمُوتُ وَقَدْ بَقِيَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ وَقَدْ يَمُوتُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ فَإِنْ بَقِيَ أَحْرَمَ النَّائِبُ بِالْحَجِّ وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ وَقَفَ وَلَا يَقِفُ إنْ كَانَ وَقَفَ وَيَأْتِي بِبَاقِي الْأَعْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِوُقُوعِ إحْرَامِ النَّائِبِ دَاخِلِ الْمِيقَاتِ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى إحْرَامٍ أُنْشِئَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ وَقْتُ الْإِحْرَامِ فَبِمَ يُحْرِمُ بِهِ النَّائِبُ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَبِهِ قال أبو إسحق يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى فَيُجْزِئَانِهِ عَنْ طَوَافِ الْحَجِّ وَسَعْيِهِ وَلَا يَبِيتُ وَلَا يَرْمِي لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَكِنْ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ وَيَأْتِي بِبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ أَشْهُرِ الْحَجِّ إذَا ابْتَدَأَهُ وَهَذَا لَيْسَ مُبْتَدَأً بَلْ مَبْنِيٌّ عَلَى إحْرَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَعَلَى هَذَا إذَا مَاتَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ أَحْرَمَ إحْرَامًا لَا يُحَرِّمُ اللُّبْسَ وَالْقَلْمَ وَإِنَّمَا يُحَرِّمُ النِّسَاءَ كَمَا لَوْ بَقِيَ الْمَيِّتُ هَذَا كُلُّهُ إذًا مَاتَ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُمَا لَمْ تَجُزْ النِّيَابَةُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَبْرُ الْبَاقِي بِالدَّمِ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَوْهَمَ بَعْضُهُمْ إجْرَاءَ الْخِلَافِ وَهَذَا غَلَطٌ
- (فَرْعٌ) إذَا مَاتَ الْأَجِيرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ فَلَهُ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) يَمُوتُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَرْكَانِ وَقَبْلَ فَرَاغِهَا فَهَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ
(أَحَدُهُمَا) لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ فَرَدَّهُ إلَى بَابِ الدَّارِ ثُمَّ هَرَبَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ يَسْتَحِقُّ بِقَدْرِ عَمَلِهِ لِأَنَّهُ عَمِلَ بَعْضَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ لَهُ قِسْطُهُ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِبِنَاءِ عَشْرَةِ أَذْرُعِ فَبَنَى بَعْضَهَا ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِقِسْطِهِ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عَقْدًا لَازِمًا إنَّمَا هِيَ الْتِزَامٌ بِشَرْطٍ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الشرط بكماله لا يلزمه شئ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَالثَّانِي الْأَصَحُّ هُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ مَاتَ بَعْدِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ أَوْ قَبْلَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (وَقِيلَ) يَسْتَحِقُّ بَعْدَهُ قَطْعًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ شاذ ضعيف فإذا قلنا يستحق فهل يسقط عَلَى الْأَعْمَالِ فَقَطْ أَمْ عَلَيْهَا وَعَلَى قَطْعِ الْمَسَافَةِ جَمِيعًا فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرُهُمَا الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَسَبَقَ بَيَانُهُمَا قَرِيبًا (فَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَطَائِفَةٍ عَلَى الْأَعْمَالِ فَقَطْ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْمَسَافَةِ جَمِيعًا مِمَّنْ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقٌ آخَرُ قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ إنْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ عَنِّي قُسِّطَ عَلَى الْعَمَلِ فَقَطْ وَإِنْ قَالَ لِتَحُجَّ مِنْ بَلَدِ كَذَا قُسِطَ عَلَيْهِمَا وَحَمْلُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- ثُمَّ هَلْ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى فِعْلِ الْأَجِيرِ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ إجَارَةُ عَيْنٍ انْفَسَخَتْ وَلَا بِنَاءَ لِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَهَلْ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَبْنِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ في الفرع قبله في جوزا الْبِنَاءِ وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ (فَإِنْ قُلْنَا) لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ فَلِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَأْجِرُوا مَنْ يَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ أمكنهم في تلك السنة لبقاء الوقت فذاك وَإِنْ تَأَخَّرَ إلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْإِجَارَةِ كَمَا سَبَقَ (وَإِنْ جَوَّزْنَا) الْبِنَاءَ فَلِوَرَثَةِ الْأَجِيرِ أَنْ يَبْنُوا ثُمَّ الْقَوْلُ فِيمَا يُحْرِمُ بِهِ النَّائِبُ وَفِي حُكْمِ إحْرَامِهِ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي السَّفَرِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ بِنَاءُ عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُقَابِلُ قَطْعَ الْمَسَافَةِ بِسَبَبٍ إلَى الْحَجِّ وَلَيْسَ بِحَجٍّ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ فِي مُقَابَلَتِهِ أُجْرَةً كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَخْبِزَ لَهُ فَأَحْضَرَ الْآلَةَ وَأَوْقَدَ النَّارَ وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْبِزَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا هَذَا تَعْلِيلُ الْمُصَنِّفِ وَعَلَّلَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ شَيْئًا
مِنْ الْمَقْصُودِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سعيد الاصطخرى وأبى بكر الصرفى يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْ المسافة وافيا بهذا نسبه العرامطة وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا ثَالِثًا عَنْ أَبِي الْفَضْلِ بْنِ عَبْدَانَ أَنَّهُ إنْ قَالَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحُجَّ مِنْ بَلَدِ كَذَا اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ وَهَذَا نَحْوُ مَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَرْكَانِ وَقَبْلَ فَرَاغِ بَاقِي الْأَعْمَالِ فَيُنْظَرُ إنْ فات وقتها أو لم يفت ولكن لَمْ نُجَوِّزْ الْبِنَاءَ وَجَبَ جَبْرُ الْبَاقِي بِالدَّمِ مِنْ مَالِ الْأَجِيرِ وَهَلْ يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَنْ أَحْرَمَ بَعْد مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ وَجَبْرُهُ بِالدَّمِ وَهُوَ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وُجُوبُ الرَّدِّ وَإِنْ جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ وَكَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا فَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ على العين انفسخت في الْأَعْمَالُ الْبَاقِيَةُ وَوَجَبَ رَدُّ قِسْطِهَا مِنْ الْأُجْرَةِ وَيَسْتَأْجِرُ الْمُسْتَأْجِرُ مَنْ يَرْمِي وَيَبِيتُ وَلَا دَمَ فِي تِرْكَةِ الْأَجِيرِ وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ اسْتَأْجَرَ وَارِثُ الْأَجِيرِ مَنْ يَرْمِي وَيَبِيتُ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُمَا عَمَلَانِ يُفْعَلَانِ بَعْدَ التحللين ولا يلزم الدم ولا رد شئ مِنْ الْأُجْرَةِ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) إذَا أُحْصِرَ الْأَجِيرُ قَبْلَ إمْكَانِ الْأَرْكَانِ تَحَلَّلَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ولا على المستأجر كانه أحصر وتحلل فان كان حَجَّةَ تَطَوُّعٍ أَوْ كَانَتْ حَجَّةَ إسْلَامٍ وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ بَقِيَ الِاسْتِقْرَارُ وَإِنْ كَانَ اسْتَطَاعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ سَقَطَتْ الِاسْتِطَاعَةُ فَإِذَا تَحَلَّلَ الْأَجِيرُ فَعَمَّنْ يَقَعُ مَا أَتَى بِهِ فيه وجهان (أَصَحُّهُمَا) عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا لَوْ مَاتَ إذْ لَا تَقْصِيرَ (وَالثَّانِي) عَنْ الْأَجِيرِ كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ فَعَلَى هَذَا دَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْأَجِيرِ وعلي الاول هو على المستاجر في اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ وَدَامَ عَلَى الْإِحْرَامِ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ انْقَلَبَ الْإِحْرَامُ إلَيْهِ كَمَا فِي الْإِفْسَادِ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ حَيْثُ لَمْ يَتَحَلَّلْ بِأَعْمَالِ عُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ دَمُ الْفَوَاتِ وَلَوْ حَصَلَ الْفَوَاتُ بِنَوْمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ عَنْ الْقَافِلَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ غَيْرِ إحْصَارٍ انْقَلَبَ الْمَأْتِيُّ بِهِ إلَى الْأَجِيرِ أَيْضًا كَمَا فِي الْإِفْسَادِ وَلَا شئ لِلْأَجِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَوْتِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَلْ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَهُ إلَى حِينِ انْقَلَبَ الْإِحْرَامُ إلَيْهِ فِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ
- (فَرْعٌ) لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَعْضُوبُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَأَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسِهِ تَطَوُّعًا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمام الحرمين (أحدهما) وهو قول الشيخ أبو مُحَمَّدٍ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وكذا كل
مَنْ فِي ذِمَّتِهِ حَجَّةٌ مُرْسَلَةٌ بِإِجَارَةٍ فَإِذَا نَوَى التَّطَوُّعَ بِالْحَجِّ انْصَرَفَ إلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ نَوَى التَّطَوُّعَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ النَّذْرِ أَوْ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا عَلَيْهِ دُونَ التَّطَوُّعِ بِلَا خِلَافٍ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْأَصْحَابِ يَقَعُ تَطَوُّعًا لِلْأَجِيرِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَا قَالَهُ شَيْخِي أَبُو مُحَمَّدٍ انْفَرَدَ بِهِ وَلَا يُسَاعِدُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ لِأَنَّا إنَّمَا نُقَدِّمُ وَاجِبَ الْحَجِّ عَلَى نَفْلِهِ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى فِي مَرَاتِبِ الْحَجِّ (وَأَمَّا) الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى الْأَجِيرِ فَلَيْسَ مِنْ خَاصَّةِ الْحَجِّ وَلَوْ أَلْزَمَ الْأَجِيرُ ذِمَّتَهُ بِالْإِجَارَةِ مَا لَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ لَكَانَ حُكْمُ الْوُجُوبِ فِيهِ حُكْمَ الْوُجُوبِ فِي الْحَجِّ قَالَ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّةَ قَدْ تَكُونُ تَطَوُّعًا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا جَوَّزْنَا الِاسْتِئْجَارَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وهو الصح فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ اللُّزُومَ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أصحابنا لو استاجر رجلان يَحُجُّ عَنْهُمَا فَأَحْرَمَ عَنْهُمَا مَعًا أَنْعَقَدَ إحْرَامُهُ لِنَفْسِهِ تَطَوُّعًا وَلَا يَنْعَقِدُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ عَنْ اثْنَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَلَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا وَعَنْ نَفْسِهِ مَعًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عَنْ اثْنَيْنِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَانْعَقَدَ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ
- (فَرْعٌ) إذَا اسْتَأْجَرَهُ اثْنَانِ لِيَحُجَّ عَنْهُمَا أَوْ أَمَرَاهُ بِلَا إجَارَةٍ فَأَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا وَكَانَ لَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّهِمَا شاء قبل التلبس بشئ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ
- هَذَا مَذْهَبُنَا وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ
- دَلِيلُنَا أَنَّ مَالِكًا يَعْتَقِدُ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ الْإِحْرَامِ بِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلَى مَا يَشَاءُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ صَرَفَهُ إلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ
- وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِإِحْرَامٍ مُعَيَّنٍ فَإِذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ فِيهِ (قُلْنَا) نَقِيضُ مَا أُسْنِدَ لِلنِّيَابَةِ هَذَا إذَا اسْتَأْجَرَاهُ لِيَحُجَّ بِنَفْسِهِ فَإِنْ عَقَدَا مَعًا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِمَا وَإِنْ عَقَدَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ فالاول صحيح والثانى باطل وإن عقدا الْعَقْدَيْنِ فِي الذِّمَّةِ صَحَّا فَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْحَجِّ عَنْ أَحَدِهِمَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ لِتَأْخِيرِ حَقِّهِ
- (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم لم يصح قَالَ وَأَمَّا الْجَعَالَةُ عَلَى زِيَارَةِ الْقَبْرِ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوُقُوفِ
عِنْدَ الْقَبْرِ وَمُشَاهَدَتِهِ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا تدخلة النيابة وان كانت على الادعاء عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّتْ لِأَنَّ الدُّعَاءَ تَدْخُلهُ النِّيَابَةُ وَلَا تَضُرُّ الجبالة بِنَفْسِ الدُّعَاءِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا صِحَّةُ الْإِجَارَةِ لِلْحَجِّ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ بَلْ يُعْطِي رِزْقًا عَلَيْهِ قَالَ أبو حنيفة يعطيه نفقة الطريق فان فضل منها شئ رَدَّهُ وَيَكُونُ الْحَجُّ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمُسْتَأْجِرِ ثَوَابُ نَفَقَتِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا كالصلاة والصوم ولان الْحَجَّ يَقَعُ طَاعَةً فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ
- دَلِيلُنَا أَنَّهُ عَمَلٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ كَتَفْرِقَةِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ دُخُولَ النِّيَابَةِ بَلْ يَقَعُ الْحَجُّ عَنْ الْفَاعِلِ (قُلْنَا) هَذَا مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي إذْنِ النَّبِيِّ صلي الله وسلم في الحج عن العاجز وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ) (وَحُجَّ عَنْ أَبِيك) وَغَيْرُ ذَلِكَ (فَإِنْ قِيلَ) يُنْتَقَضُ بِشَاهِدِ الْفَرْعِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى شَهَادَتِهِ (قُلْنَا) شَاهِدُ الْفَرْعِ لَيْسَ ثَابِتًا عَنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ عَلَى شَهَادَتِهِ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْهُ لَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِأَصْلِ الْحَقِّ لَا عَلَى شَهَادَتِهِ وَدَلِيلٌ آخر وهو أَنَّ الْحَجَّ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ (فَإِنْ قِيلَ) يُنْتَقَضُ بِالْجِهَادِ (قُلْنَا) الْفَرْقُ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ (وَأَمَّا) الرِّزْقُ فِي الْجِهَادِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بِخِلَافِ الْحَجِّ (وعن) قولهم الْحَجُّ يَقَعُ طَاعَةً فَيُنْتَقَضُ بِأَخْذِ الرِّزْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِيُفْرِدَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَقَرَنَ عَنْهُ وَقَعَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ وَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ مَيِّتٍ أَوْ يَعْتَمِرَ فَقَرَنَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ الَّذِي أَخَذَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وجهه
- دليلنا أنه أمره يحج وَعُمْرَةٍ فَأَتَى بِهِمَا وَزَادَهُ خَيْرًا بِتَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ الْمُسْلِمُ جُمَلًا مِنْ ذِمِّيٍّ لِلْحَجِّ عَلَيْهَا لَكِنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيُوَجِّهُ مَعَ جُمَلِهِ مُسْلِمًا يَقُودُهَا وَيَحْفَظُهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وإذا كان المسلم عند نَصْرَانِيٌّ خَلَفَهُ فِي الْحِلِّ وَلَا يَجُوزُ إدْخَالُهُ مَعَهُ الْحَرَمَ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قَالَ الْمُوصِي أَحِجُّوا عَنِّي فُلَانًا فَمَاتَ فُلَانٌ وَجَبَ إحْجَاجُ غَيْرِهِ كَمَا
لَوْ قَالَ اعْتِقُوا عَنِّي رَقَبَةً فَاشْتَرَوْا رَقَبَةً لِيَعْتِقُوهَا فَمَاتَ قَبْلَ الْإِعْتَاقِ وَجَبَ شِرَاءُ أُخْرَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِمَا تَحْصِيلُ الْعِبَادَةِ فَإِذَا مَاتَ مِنْ غير ايقاعها أقيم غيره مقامه * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وَلَا يَجُوزُ الاحرام بالحج الا في أشهر الحج والدليل عليه قوله عز وجل (الحج أشهر معلومات فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فسوق ولا جدال في الحج) والمراد به وقت إحرام الحج لان الحج لا يحتاج الي أشهر فدل على أنه أراد به وقت الاحرام ولان الاحرام نسك من مناسك الحج فكان موقتا كالوقوف والطواف وأشهر الحج شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الحجة وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر لما روى عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضى الله عنهم انهم قالوا (أشهر الحج معلومات شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الحجة) فان أحرم بالحج في غير أشهره انعقد احرامه بالعمرة لانها عبادة مؤقتة فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها كَصَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فانه ينعقد احرامه بالنفل ولا يَصِحُّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرُ مِنْ حَجَّةٍ لان الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة فلا يمكن اداء الحجة الاخرى)
(الشَّرْحُ) (قَوْلُهُ) لِأَنَّ الْوَقْتَ يَسْتَغْرِقُ أَفْعَالَ الْحَجَّةِ الْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ الْحَجَّةَ تَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ ثُمَّ فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَلْفَاظِهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَلْزَمَهَا الْحَجَّ وَمَعْنَى الْفَرْضِ فِي اللُّغَةِ الْإِلْزَامُ وَالْإِيجَابُ (وَأَمَّا) الرَّفَثُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ وَقَالَ كَثِيرُونَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا التَّعَرُّضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بِحَضْرَتِهِنَّ فَأَمَّا ذِكْرُهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ النِّسَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَآخَرِينَ (وَأَمَّا) الْفُسُوقُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَالْجُمْهُورُ هُوَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا (وَأَمَّا) الْجِدَالُ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ جِدَالِ صَاحِبِهِ وَمُمَارَاتِهِ حَتَّى يُغْضِبَهُ وَسُمِّيَتْ الْمُخَاصَمَةُ مُجَادَلَةً لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ يروم أن يقتل صَاحِبَهُ عَنْ رَأْيِهِ وَيَصْرِفَهُ عَنْهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمَا مَعْنَاهُ هُنَا وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُرَادُ إبْطَالُ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِهِ وفعلهم النساء وهو النسئ وَالتَّأْخِيرُ وَالْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَفْسِيرَ ابْنَ عَبَّاسٍ الْآيَةَ فِي آخِرِ بَابِ الْإِحْرَامِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأَهْلُ الْمَعَانِي وَغَيْرُهُمْ ظَاهِرُ الْآيَةِ نَفْيٌ وَمَعْنَاهَا نَهْيٌ أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا وَلَا تُجَادِلُوا وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ فِي قِرَاءَةِ *
هذه الآية فقرأ ابن كثير وأبو عمر (فلا رفث ولا فسوق) بالرفع والتنوين وقرأ باقى السبعة بالنصب فيهما بِلَا تَنْوِينٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى نَصْبِ اللَّامَ مِنْ جدال (وأما) قوله تعالى (الحج أشهر) والمراد شهران وبعض الثالث فجار عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فِي إطْلَاقِهِمْ لَفْظَ الْجَمْعِ عَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ وَمِنْهُ قوله تعالى (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) وَيَكْفِيهَا طُهْرَانِ وَبَعْضُ الطُّهْرِ الْأَوَّلِ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقْتُ إحْرَامِ الْحَجِّ فَهَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ العلماء (وأما) النحويون واصحاب المعاني ومحققوا المفسرين فذكرو فِي الْآيَةِ قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) تَقْدِيرُهَا أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ (وَالثَّانِي) تَقْدِيرُهَا الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ أي لاحج إلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا خِلَافَ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مِنْ حَجِّهِمْ فِي غَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَذْفُ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ لِلْأَشْهُرِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى غَيْرِ إضْمَارٍ وَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ جعلت نفس الحج لكون الْحَجُّ فِيهَا كَقَوْلِهِمْ لَيْلٌ نَائِمٌ لِمَا كَانَ النَّوْمُ فِيهِ جُعِلَ نَائِمًا (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ نُسُكٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَكَانَ مُؤَقَّتًا كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ فَمَقْصُودُهُ بِهِ إلْزَامُ تَعْبِيرِ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ولا يأتي بشئ مِنْ أَفْعَالِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَوَافَقُونَا عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ وَالطَّوَافَ لَا يَكُونَانِ فِي كُلِّ السَّنَةِ بَلْ هُمَا مُؤَقَّتَانِ فَقَاسَ الْمُصَنِّفُ الْإِحْرَامَ عَلَيْهِمَا (وَأَمَّا) قَوْلُهُ أَشْهُرُهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ أَوْ القعدة بفتح القاف على المشهور حكى كَسْرُهَا وَذُو الْحِجَّةِ بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا (وَأَمَّا) الْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ فَسَنَذْكُرُهَا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لانها عبادة مؤقتة فقال القلمى اُحْتُرِزَ بِمُؤَقَّتَةٍ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَهُوَ مَا إذا توضأ للطهر مثلا قبل الزوال فانه يصح وضوؤه للظهر وغيرها وَتَنْعَقِدُ طَهَارَتُهُ الَّتِي عَيَّنَهَا بِعَيْنِهَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا كَانَ مُتَطَهِّرًا فَتَوَضَّأَ أَوْ اغتسل بنية الحدث أو الجنابة الذين يوجدا في المستقبل فانه لا يصح له وما نواه ولا ينعقد وضوؤه تَجْدِيدًا وَلَا غُسْلُهُ مَسْنُونًا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ التَّيَمُّمِ وَهُوَ إذَا تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرِيضَةً وَلَا نَافِلَةً
فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلِأَنَّهُ تَيَمَّمَ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا (وَأَمَّا) النَّافِلَةُ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَبِيحُهَا بِالتَّيَمُّمِ تَبَعًا للفريضة فإذا لم يستبيح المتبوع لم يستبيح التَّابِعَ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِالنَّفْلِ فَهَكَذَا قَاسَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ في المختصر وهذا الذي قاله مِنْ انْعِقَادِ الظُّهْرِ نَفْلًا إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ إنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ وَسَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا ظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ فَبَانَ خِلَافُهُ (فَأَمَّا) إذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ عَالِمًا بِأَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ فَلَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ جِدًّا سَبَقَ هُنَاكَ (وَاعْلَمْ) أَنَّ قِيَاسَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَرَادُوا بِهِ مَا إذَا كَانَ جَاهِلًا عَدَمَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَيْسَتْ صُورَةُ الْحَجِّ مِثْلَهَا إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ ظَانًّا جَوَازَ ذَلِكَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْحَجُّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ فَيَنْبَنِي الْإِشْكَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَأَشْهُرُهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ آخِرُهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ (فَأَمَّا) كَوْنُ أَوَّلِهَا أَوَّلَ شَوَّالٍ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ (وَأَمَّا امْتِدَادُهَا إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَطَعَ بِهِ جمهور الاصحاب في الطريقين وحكي الخراسانيون وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ لَيْلَةَ الْعَشْرِ بَلْ آخِرَ الشَّهْرِ آخِرَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ حَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَنَقَلَهُ السَّرَخْسِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ مَعَ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا بِلَا خِلَافٍ وَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً ثَلَاثُ طُرُقٍ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً مُجْزِئَةٌ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ وَلَا يُحْسَبُ عُمْرَةً كَمَنْ فَاتَهُ الحج قال المتولي وأخرجه السِّتَّةِ إنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ لِعَدَمِ الْوَقْتِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِهِمَا فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى عُمْرَةٍ كَانَ عُمْرَةً صَحِيحَةً وَإِلَّا تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَلَا يُحْسَبُ عُمْرَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ إحْرَامِهِ وَأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِأَعْمَالِ عُمْرَةٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهَا عُمْرَةٌ مُجْزِئَةٌ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ (أَمَّا) إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ مُطْلَقًا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ عُمْرَةً عَلَى الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ
الاصحاب فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا الرَّافِعِيُّ فَحَكَى فِيهِ طَرِيقًا آخَرَ أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الحصرى يَنْعَقِدُ بِهِمَا فَإِذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ صَرَفَهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَقْبَلُ إلَّا الْعُمْرَةَ فَتَعَيَّنَ إحْرَامُهُ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ لَا يَصِحُّ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرُ مِنْ حَجَّةٍ لِأَنَّ الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة لانه مادام في أفعال الحج لَا يَصْلُحُ إحْرَامُهُ لِحَجَّةٍ أُخْرَى وَلَا يَفْرُغُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ إلَّا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِيهَا وَلَوْ صَحَّ الْإِحْرَامُ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ السَّابِقِ عَنْ الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمِ لَمْ يُمْكِنَ حَجَّةٌ أُخْرَى لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ انْعَقَدَتْ إحْدَاهُمَا وَلَا تَنْعَقِدُ الْأُخْرَى وَلَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتَهُ عِنْدِنَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فِيهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ الدُّخُولُ فِيهِمَا قِيَاسًا عَلَى صَوْمِ النَّذْرِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَائِلِ بَابِ الْإِحْرَامِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا حَجَّةً أُخْرَى أَوْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا عُمْرَةً أُخْرَى فَالثَّانِيَةُ لَغْوٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَإِنْ قِيلَ) قُلْتُمْ لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ انْعَقَدَتْ إحْدَاهُمَا وَلَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاتَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا فَمَا الْفَرْقُ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُحَافِظُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ وَلَا يُلْغَى وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَمْ بِعُمْرَةٍ فَهِيَ عُمْرَةٌ قَطْعًا وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ إحْرَامُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ قَبْلَهَا قَالَ الصَّيْمَرِيُّ كَانَ حَجًّا لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ وَعَلَى شَكٍّ مِنْ تَقَدُّمِهِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَى الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ هذا نصه بحروفه وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الطَّاهِرِيُّ فَقَالَ قَوْلُهُ ان اراد به الليالى فهو خطأ لا اللَّيَالِيَ عَشْرٌ وَإِنْ أَرَادَ الْأَيَّامَ فَهُوَ خَطَأٌ فِي اللُّغَةِ فَإِنَّ الْأَيَّامَ مُذَكَّرَةٌ فَالصَّوَابُ تِسْعَةٌ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَيَّامُ والليالي وغلب لفظ الثأنيث عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ لَفْظَ التأنيث في اسم العدد يقولون ضمنا عشرا ويريدون الليالى والايام ويقولون ضمنا خَمْسًا وَيُرِيدُونَ الْأَيَّامَ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تعالي (يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا) والمراد الليالى وَالْأَيَّامِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لبثتن الا عشرا) ومنه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ صَامَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ
هَذَا كُلِّهِ وَاضِحًا فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَقُولُونَ صُمْنَا عَشْرًا وَلَوْ قُلْتَ صُمْتُ عَشَرَةً لَمْ تَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ الْعَرَبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْأَصْحَابُ إنَّمَا أَفْرَدَ الشَّافِعِيُّ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِالذِّكْرِ وَذَكَرهَا بَعْدَ التِّسْعِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا قَالُوا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَفْرَدَهَا لِأَنَّهَا تَنْفَرِدُ عَنْ الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَفْرَدَهَا لَتَعَلُّقِ الْفَوَاتِ بِهَا
- (فَرْعٌ) فِي مذاهب العملاء فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ
- لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ عِنْدَنَا فَإِنْ أَحْرَمَ فِي غَيْرِهَا انْعَقَدَ عُمْرَةً وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدَ
- وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ
- وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ
- وَقَالَ دَاوُد لَا يَنْعَقِدُ
- وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يَجُوزُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَكِنْ يُكْرَهُ قَالُوا فَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَلَا تَجُوزُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ
- وَاحْتُجَّ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مواقيت للناس والحج) فَأَخْبَرَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى أَنَّ الْأَهِلَّةَ كُلَّهَا مَوَاقِيتُ للناس والحج ولانها عبادة لا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي إفْسَادِهَا فَلَمْ تختص بِوَقْتٍ كَالْعُمْرَةِ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يَصِحُّ فِي زَمَانٍ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الْأَفْعَالِ فِيهِ وَهُوَ شَوَّالٌ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ قَالُوا وَلِأَنَّ التَّوْقِيتَ ضَرْبَانِ تَوْقِيتُ مَكَان وَزَمَانٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ إحْرَامُهُ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ صَحَّ فَكَذَا الزَّمَانُ قَالُوا وَأَجْمَعَنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ لَكِنْ اخْتَلَفْنَا هَلْ يَنْعَقِدُ حَجًّا أَمْ عُمْرَةً فَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدْ حَجًّا لَمَا انْعَقَدَ
- وَاحْتَجَّ اصحابنا بقوله تعالي (الحج اشهر معلومات) قَالُوا وَتَقْدِيرُهُ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَفْعَالُ الْحَجِّ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ لَا تَكُونُ فِي أَشْهُرٍ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ (فان) قالوا قد قال الزجاج ان جُمْهُورُ أَهْلُ الْمَعَانِي وَالنَّحْوِيِّينَ مَعْنَى الْآيَةِ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ (قُلْنَا) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَفِي التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَائِدَةٌ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى (فَإِنْ قِيلَ) تَقْدِيرُ وَقْتِ الْإِحْرَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَهُ لَا يَصِحُّ كَالسَّعْيِ فَإِنَّهُ مُؤَقَّتٌ وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَا نُسَلِّمُ جَوَازَ تَقْدِيمِ السَّعْيِ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَأْخِيرُ السَّعْيِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمْ فِي غَيْرِهَا (قُلْنَا) هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِيَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَا يُسْتَحَبُّ الْإِحْرَامُ فِيهِ (فَإِنْ) قَالُوا نَحْنُ لَا نُجِيزُ الْحَجَّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَإِنَّمَا نُجِيزُ الْإِحْرَامَ بِهِ وَذَلِكَ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الْحَجِّ قَالَ أَصْحَابُنَا (فَالْجَوَابُ) أَنَّ الْإِحْرَامَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ
الْحَجِّ إلَّا أَنَّ الْمُحْرِمَ يَدْخُلُ بِهِ فِي الْحَجِّ فَإِذَا أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ دَخَلَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِرِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ (سُئِلَ جَابِرٌ أَهِلُّ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ لَا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَا يُحْرَمُ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِهِ فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَكَانَ الْإِحْرَامُ بِهَا مُؤَقَّتًا كَالصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ آخِرُ 1 أَرْكَانِ الْحَجِّ فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةِ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى (يسألونك عن الاهلة) فَهُوَ أَنَّ الْأَشْهُرَ هُنَا مُجْمَلَةٌ فَوَجَبَ حَمْلَهَا عَلَى الْمُبَيَّنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ معلومات) وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله) مَعَ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أنه محمول عَلَى دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَالثَّانِي) إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَإِذَا أَخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ لَمْ يُعْمَلْ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ (وَأَمَّا) الْقِيَاسُ عَلَى الْعُمْرَةِ (فَجَوَابُهُ) أَنَّ أَفْعَالَهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ فَكَذَا إحْرَامُهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ إنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ يَصِحُّ فِي زَمَانٍ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الأفعال فيه وهو شوال فعلم أنه لا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ (فَجَوَابُهُ) مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ (وَالثَّانِي) يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ بِهَا يَجُوزُ عَقِيبَ الزَّوَالِ وَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ التَّوْقِيتُ ضَرْبَانِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى التَّوْقِيتِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ خَالَفْنَا ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّمَانُ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى صِحَّةِ إحْرَامِهِ (فَجَوَابُهُ) إنَّمَا صَحَّ إحْرَامُهُ عِنْدَنَا بِالْعُمْرَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَنَظِيرُهُ إذَا أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ غَلَطًا يَصِحُّ نَفْلًا لَا ظُهْرًا
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَى عن ابن عمرو ابن عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وأصحاب داود شوال وذو القعدة وعشر أَيَّامٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَخَالَفَ أَصْحَابُ دَاوُد
فِي هَذَا وَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وموافقيه في يوم النحر فهو عِنْدَهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا مِنْهَا وَقَدْ نَقَلَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ أَشْهُرِ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي آخِرِهَا قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي بيننا وبين أبي حنيفة يُجَوِّزُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمَا فِي الْفَرْعِ السَّابِقِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا إيقَاعُ الْفِعْلِ إلَّا فِي أَوْقَاتِهَا مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَا فَرْقَ بَيْن أَنْ يُوَافِقُونَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ يُخَالِفُونَا وَقَالَ الْمُتَوَلِّي لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْخِلَافِ إلَّا فِي شئ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ يُكْرَهُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْعُمْرَةُ عِنْدَهُ مَكْرُوهَةٌ فِي جَمِيعِ ذِي الْحِجَّةِ وَهَذَا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ الْمُتَوَلِّي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تُكْرَهُ عندنا في شئ مِنْ السَّنَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَافِقَنَا مَالِكٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ يُخَالِفَنَا وَهَكَذَا قول الْعَبْدَرِيُّ إنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَنْ ذِي الْحِجَّةِ لَزِمَ دَمٌ وَهَذَا أَيْضًا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَجِبُ عِنْدَنَا بِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ وَلَوْ أَخَّرَهُ سِنِينَ
- وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا أَشْهُرُ الْحَجِّ شَهْرَانِ وَعَشْرُ لَيَالٍ قَالُوا وَإِذَا أُطْلِقَتْ اللَّيَالِي تَبِعَتْهَا الْأَيَّامُ فَيَكُونُ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا وَلِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيهِ مُعْظَمُ الْمَنَاسِكِ فَكَانَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَيَوْمِ عَرَفَةَ
- وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ الْأَشْهُرَ جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِرِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ (أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنٍ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُهُ رَوَاهَا كُلَّهَا الْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَ الرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحَةٌ
- وَأَجَابَ أصحابنا عن قول الحنيفة إذَا أُطْلِقَتْ اللَّيَالِي تَبِعَتْهَا الْأَيَّامُ بِأَنَّ ذَلِكَ عند ارادة المتكلم ولا نسلم وجود الْإِرَادَةِ هُنَا بَلْ الظَّاهِرُ عَدَمُهَا فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِمَا قَالَتْهُ الصَّحَابَةُ (وَالْجَوَابُ) عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيهِ مُعْظَمُ الْمَنَاسِكُ فَيُنْتَقَضُ بايام التشريق (والجواب) عن قَوْلُ مَالِكٍ إنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنْ اثْنَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) واجمعنا نحن ومالك علي أن القراء هِيَ الْأَطْهَارُ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي بَقِيَّةِ طُهْرٍ حُسِبَتْ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ قُرْءًا فَاتَّفَقْنَا عَلَى حمل الاقراء على قرئين وَبَعْضٍ وَاتَّفَقَتْ الْعَرَبُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ مِثْلِهِ فِي التَّوَارِيخِ وَغَيْرِهَا يَقُولُونَ كَتَبْتُ لِثَلَاثٍ وَهُوَ فِي بَعْضِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ
- قَدْ ذكرنا أن مذهبنا أنه ينعقد احداهما 1 ويلزمه
فعل الْأُخْرَى وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَنَّهُ يَصِيرُ نَاقِضًا لِإِحْدَاهُمَا حَتَّى يَتَوَجَّهُ إلَى مَكَّةَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ أَمَّا أَنَا فَأَرَاهُ نَاقِضًا لِإِحْدَاهُمَا حِينَ يُحْرِمُ بِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إلى مكة دَلِيلُنَا مَا سَبَقَ *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (وأما العمرة فانها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي اله عَنْهَا (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اعتمر عمرتين في ذى القعدة وفى شوال) وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (عُمْرَةٌ فِي رمضان تعدل حجة) ولا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة لما ذكرناه من حديث عائشة رضى الله عنها)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَرَوَتْ أُمُّ مَعْقِلٍ الصَّحَابِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَفِي الْبَابِ بِغَيْرِ عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسِ بْنِ مالك وأبى هريرة ووهب بن حبيس قال ويقال هرم ابن حينس رضى الله عنهم قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنُ رَاهْوَيْهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ مِثْلُ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ الله أحد تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ (وَأَمَّا) حَدِيثِ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتمر عمرتين فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَفِي شَوَّالٍ) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ وَقَدْ ثَبَتَ فِعْلُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ (مِنْهَا) حَدِيثُ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ كُلُّهُنَّ فِي ذِي القعدة الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عُمَرَ إحْدَاهُنَّ فِي رَجَبَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً قَطُّ إلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ وَمَا اعْتَمَرَ قَطُّ فِي رَجَبٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ الْبَرَاءِ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الْبَابِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ جَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ فَيَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ السَّنَةِ وَلَا يُكْرَهُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَسَوَاءٌ أَشْهُرُ الْحَجِّ وَغَيْرُهَا في جوزها فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَلَا يُكْرَهُ عُمْرَتَانِ وَثَلَاثٌ وَأَكْثَرُ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا فِي
الْيَوْمِ الْوَاحِدِ بَلْ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفِي رَمَضَانَ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَالْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي بَاقِي السَّنَةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي بَعْضِ السَّنَةِ لِعَارِضٍ لَا بِسَبَبِ الْوَقْتِ وَذَلِكَ كَالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي التَّحَلُّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إحْرَامِ الْقَارِنِ قَالَ أصحابنا ولو تَحَلَّلَ مِنْ الْحَجِّ التَّحَلُّلَيْنِ وَأَقَامَ بِمِنَى لِلرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّشَاغُلِ بِهَا لِوُجُوبِ مُلَازَمَةِ إتْمَامِ الْحَجِّ بِالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يلزمه بذلك شئ (فَأَمَّا) إذَا نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَهُوَ بَعْدَ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصورتين أن المقيم بمعنى يَوْمَ النَّفْرِ وَإِنْ كَانَ خَالِيًا مِنْ عَلَائِقِ الْإِحْرَامِ بِالتَّحَلُّلَيْنِ إلَّا أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى نُسُكٍ مُشْتَغِلٌ بِإِتْمَامِهِ وَهُوَ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ وَهُمَا مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ فَلَا تَنْعَقِدُ عُمْرَتُهُ مَا لَمْ يُكْمِلْ حَجَّهُ بِخِلَافِ مَنْ نَفَرَ فَإِنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ وَصَارَ كَغَيْرِ الْحَاجِّ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَا يُتَصَوَّرُ حِينَ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فِي وقت ولا تنعقد عمرته لا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ يَرِدُ عَلَى هَذَا مَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي حَالِ جِمَاعِهِ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جِمَاعِ الْمُحْرِمِ
- وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ عَدَمَ انْعِقَادِ الْعُمْرَةِ هُنَا العدم أَهْلِيَّةِ الْمُحْرِمِ لَا لِعَارِضٍ فَهُوَ كَالْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَافِرَ وَنَحْوَهُ لَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْعُمْرَةِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ولا تكره في شئ مِنْهَا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ 1 وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَثْبُتَ النَّهْيُ الشَّرْعِيُّ وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْخَبَرُ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الْقِرَانُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِلَا كَرَاهَةٍ فَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعُمْرَةِ فِيهِ كَمَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ وَلِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ لَا يُكْرَهُ فِيهِ اسْتِدَامَةُ الْعُمْرَةِ لَا يُكْرَهُ فِيهِ إنْشَاؤُهَا كَبَاقِي السَّنَةِ (وَأَمَّا) قَوْلُ عَائِشَةَ (فَأَجَابَ) أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَجْوَدُهَا أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَنْهَا احد ممن يعتمد
وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يُشْتَهَرْ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ صَحَّ وَاشْتُهِرَ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ (وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ إنَّهَا أَيَّامُ الْحَجِّ فَكُرِهَتْ فِيهَا الْعُمْرَةُ فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ لَا شُبْهَةَ لَهَا
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ الجمهور الماوردى والسرخى والعبد رى وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ وعطاء وغيرهم رضى الله عنهم وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَلَا تُفْعَلُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً كَالْحَجِّ
- وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَائِقُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَحَاضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُحْرِمَ بِحَجٍّ فَفَعَلَتْ وَصَارَتْ قَارِنَةً وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ وَسَعَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وعمرتك فطلبت من النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً أُخْرَى فَأَذِنَ لَهَا فَاعْتَمَرَتْ مِنْ التَّنْعِيمِ عُمْرَةً أُخْرَى) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَنَقَلْته مُخْتَصَرًا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْعُمْرَةَ الْأُخْرَى فِي ذِي الْحِجَّةِ فَكَانَ لَهَا عُمْرَتَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا (أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُ عُمَرَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَعْوَامًا فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ ذَكَرَ هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدِهِمَا (وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَشَوَّالٍ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ وَلَكِنْ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ كَانَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ قَدْ احْتَجُّوا بِهِ وَصَدَّرَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ الْبَابَ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَوْنِ الْعُمْرَتَيْنِ فِي سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ وَهَذَا تَعْلِيقٌ ضَعِيفٌ
- وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالُوا عِبَادَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ فَلَمْ
يُكْرَهْ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ كَالصَّلَاةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ مَنْ قَالَ لَا يَعْتَمِرُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ السَّابِقَ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا (اُرْفُضِي عُمْرَتَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ) فَفَعَلَتْ ثُمَّ اعْتَمَرَتْ وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إلَّا عُمْرَةً وَاحِدَةً (فَالْجَوَابُ) أَنَّهَا لَمْ تَرْفُضْهَا يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْهَا وَالْإِعْرَاضَ عَنْهَا لِأَنَّ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُخْرَجُ مِنْهُمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَفْضُهَا رَفْضَ أَعْمَالِهَا مُسْتَقِلَّةً لِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ بَعْدَهَا بِالْحَجِّ فَصَارَتْ قَارِنَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اُرْفُضِيهَا) أَيْ اُتْرُكِي أَعْمَالَهَا الْمُسْتَقِلَّةَ لِانْدِرَاجِهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ (وَأَمَّا) امْتِشَاطُهَا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ
- قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَنَا الِامْتِشَاطُ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِ مَالِكٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ فَهُوَ أَنَّ الْحَجَّ مُؤَقَّتٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ فِي السَّنَةِ وَالْعُمْرَةُ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ فَتُصَوِّرَ تَكْرَارُهَا كَالصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- (ويجوز افراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما لما روت عَائِشَةَ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمنا من اهل بالحج ومنا من اهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة) والافراد والتمتع افضل من القران وقال المزني القران افضل والدليل علي ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله والقارن يقتصر على عمل الحج وحده فكان الافراد والتمتع أفضل وفى التمتع والافراد قولان (أحدهما) أن التمتع أَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (تَمَتَّعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ) (والثانى) أن الافراد افضل لما روى جابر قَالَ (أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يحج ليس معه عمرة) ولان التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الافراد أفضل منه كالقران (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فانه يحتمل انه أراد أمر بالتمتع كما روى أنه رجم ماعزا وأراد انه أمر برجمه والدليل عليه ان ابن عمر هو الراوى وقد رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افرد بالحج))
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهَا كُلَّهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهَا إلَّا حَدِيثَ جَابِرٍ فَلَفْظُهُمَا فِيهِ (أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ) (وَأَمَّا)
قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ فَلَيْسَتْ فِي رِوَايَتِهِمَا وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَدْ أَتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَالْإِطْلَاقُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكٍ مُطْلَقًا ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ كِلَيْهِمَا وَالتَّعْلِيقُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ 1 فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْخَمْسَةُ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الثَّلَاثَةَ الْأَوْلَى (وَأَمَّا) النَّوْعَانِ الآخر فَذَكَرَهُمَا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ وَسَنُوَضِّحُهُمَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) الْأَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الانواع الثلاثة الاولى ففيه طرق وأقول مُنْتَشِرَةٌ (الصَّحِيحُ) مِنْهَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّ أَفْضَلَهَا التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ وَهَذَا الثَّانِي نَصَّهُ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ (وَالثَّالِثُ) أَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ قَالُوا نَصَّ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُزَنِيّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَشَرْطُ تَقْدِيمِ الْإِفْرَادِ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ فِي سَنَةٍ فَإِنْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ
- هَكَذَا قَالَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ سَوَاءٌ اعْتَمَرَ فِي سَنَتِهِ أَمْ فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ الثَّلَاثَةِ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وكافة الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّعِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ غيرهم من العلماء في النهى عُمَرَ وَعُثْمَانَ تَأْوِيلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهُ تَنْزِيهًا وَحَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْإِفْرَادُ لَا أَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ بُطْلَانَ التَّمَتُّعِ (1) هَذَا مَعَ عِلْمِهِمَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ من الهدى) (وَالثَّانِي) أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ فَسْخُ الحج الي العمرة لان
ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا لَهُمْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا وَسِيَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ
- وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّ مَذْهَبَ عُمَرَ بُطْلَانُ التَّمَتُّعِ وهو ضعيف ولا ينبعى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ بَلْ الْمُخْتَارُ فِي مَذْهَبِهِ مَا قَدِمْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ أبو حنيفة وسفيان الثوري واسحق بن راهويه والمزني وابن المنذر وابو اسحق الْمَرْوَزِيُّ الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَقَالَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ
- وَحَكَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ
- وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ لَا أَفْضَلِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِمَّا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ في اختلاف الحديث ليس شئ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِأَنَّ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ ثُمَّ مَا لَا علم فيه خلافا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَإِفْرَادُ الْحَجِّ وَالْقِرَانِ وَاسِعٌ كُلُّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَقَالَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) قَالَ الشَّافِعِيُّ (فَإِنْ) قَالَ قَائِلٌ فَمِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ يَعْنِي رِوَايَتَهُمْ لِلْإِفْرَادِ دُونَ حَدِيثِ مَنْ قَالَ قَرَنَ (قِيلَ) لِتَقَدُّمِ صُحْبَةِ جَابِرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسْنِ سِيَاقِهِ لِابْتِدَاءِ الْحَدِيثِ وَآخِرِهِ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ وَفَضْلِ حِفْظِهَا عَنْهُ وَقُرْبِ ابْنِ عُمَرَ مِنْهُ هَذَا نَصُّهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يَعْنِي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ ليس شئ مِنْ الْخِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ حُكْمٍ لِأَنَّ الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ كُلَّهَا جَائِزَةٌ قَالَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ أَرَادَ الْإِنْكَارَ عَلَى الرُّوَاةِ حَيْثُ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى نَقْلِهَا وَهِيَ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ أَرَادَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بالاحاديث
وَتَرْتِيبِ مُخْتَلَفِهَا وَالْجَمْعِ بَيْنَهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مُتَضَادَّةٍ بَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهَا
- هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِنَّمَا اسْتَيْسَرَ الْخِلَافُ فِيهِ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ وَكُلُّهَا مَنْقُولَةٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَةٌ عَنْهُ وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ (أَمَّا) الْإِفْرَادُ فَبَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا) (وَأَمَّا) التَّمَتُّعُ فَفِي قَوْله تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (وَأَمَّا) الْقِرَانُ فَفِي قَوْله تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ والعمرة لله) هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَخِيرَةِ لِلْقِرَانِ نَظَرٌ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَذْهَبِهِمْ فِي تَرْجِيحِ الْقِرَانِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَقَالُوا لَا دَلَالَة فِي الْآيَةِ لِلْقِرَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَكْثَرُ مِنْ جَمْعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي الذِّكْرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَمْعُهُمَا فِي الْفِعْلِ نَظِيرُهُ قَوْله تعالي (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا يَعْنِي اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا قَبِيحٌ قَالَ ثُمَّ عَذَرَهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ كُلَّهَا جَائِزَةٌ لَمْ يَهْتَمُّوا بِمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا وَيَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بَلْ اقْتَصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَمَا رواه وتسمعه مِنْهُ مَعَ أُمُورٍ فَوْقَ ظَنِّهِ فِي رِوَايَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى جُمْلَةً مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ (فَأَمَّا) جَوَازُهَا كُلُّهَا فَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ) (وَأَمَّا) تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ (فَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ سَبَقَ الْآنَ فِي قَوْلِهَا (وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قالت (خرجنا مع رسول الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَذْكُرُ لَنَا الْحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمَثْت وَذَكَرَتْ تَمَامَ الْحَدِيثِ إلَى قَوْلِهَا ثُمَّ رَجَعُوا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ يَعْنِي إلَى مِنًى) (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا قَالَ بَكْرٌ فَحَدَّثْتُ
بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَنَسٌ مَا تَعُدُّونَنَا إلَّا صِبْيَانًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ (بِمَ أَهَلَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَلَمْ تَأْتِنِي عَامَ أَوَّلٍ قَالَ بَلَى وَلَكِنَّ أَنَسًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَرَنَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ إنَّ أَنَسًا كَانَ يدخل علي النساء وهن منكشفات الرؤوس وَإِنِّي كُنْتُ تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحج مُنْفَرِدًا) (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ فَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَهْلَلْنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ فَقَدِمْنَا صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ (وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ) خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ حَتَّى إذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَتَحَلَّلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) (قَوْلُهُ) آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ يَعْنِي السَّعْيَ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ قَالَ (أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَّى الصُّبْحَ وَقَالَ لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دعى بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ (يَا بُنَيَّ أَفْرِدْ الْحَجَّ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ (وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنه بِإِفْرَادِ الْحَجِّ
- (وَأَمَّا) تَرْجِيحُ التَّمَتُّعِ فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (تَمَتَّعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحج وأهدى فساق معه الهدى من دى الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حتى يقضي حجته وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شئ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قضا حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بالبيت ثم حل من كل شئ حَرُمَ مِنْهُ وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ مِثْلُ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِيمَا سَبَقَ فِي إفْرَادِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُ هَذَا قَالَ وَكَوْنُهُ قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا
- وَعَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ (سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْمُتْعَةِ فَقَالَ فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَقَوْلُهُ) الْعُرُشُ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهِيَ بُيُوتُ مَكَّةَ (وَقَوْلُهُ) وَهَذَا كَافِرٌ يَعْنِي مُعَاوِيَةَ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ (فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا يَوْمئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي مُعَاوِيَةَ) وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ (سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ وَالْعُمْرَةَ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ الضَّحَّاكُ لَا يَصْنَعُ مِثْلَ هَذَا إلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ سَعْدٌ بِئْسَ مَا قلت يا بن أَخِي قَالَ الضَّحَّاكُ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَعْدٌ قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ أَيْضًا وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ (بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ فَجِئْتُ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ بِمَ أهللت قلت أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ قُلْتُ لَا فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْت فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ هِيَ حَلَالٌ قَالَ الشَّامِيُّ إنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَبِي نَهَى
عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ (تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم تمتعنا مَعَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ قَالَ (مُتِّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ رجل برايه ما شاء) وعن أبى حمزة بِالْجِيمِ قَالَ (تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَمَرَنِي بِهَا فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَأَمَّا) الْقِرَانُ فَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ (مِنْهَا) حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ (اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وعثمان وهما بعسفان فكان عثمان ينهى عَنْ الْمُتْعَةِ أَوْ الْعُمْرَةِ فَقَالَ عَلِيٌّ مَا تُرِيدُ إلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُثْمَانُ دَعْنَا مِنْكَ فَقَالَ إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَمِنْهَا) حَدِيثُ أَنَسٍ فَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا قَالَ بَكْرٌ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَنَسٌ مَا تَعُدُّونَنَا إلَّا صِبْيَانًا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عن سليمان بن حارث وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ قَالَ (سَمِعَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ أَنَسٍ وَأَبُو قِلَابَةَ فَقِيهٌ) قال وقد روى حمية ويحيى بن ابى اسحق عَنْ أَنَسٍ قَالَ (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ قَالَ سُلَيْمَانُ وَلَمْ يَحْفَظَا إنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) فَأَمَّا سَمْعُ أَنَسٍ فَعَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَالِاشْتِبَاهُ وَقَعَ لِأَنَسٍ لَا لِمَنْ دُونَهُ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ رَجُلًا كَيْفَ صُورَةُ الْقِرَانِ لَا أَنَّهُ قَرَنَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بين حجة وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ)
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِوَادِي الْعَقِيقِ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقَالَ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ وَفِي بَعْضِهَا وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ إذْنًا فِي إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ فِي نفسه وعن العتبي بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ (كُنْتُ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْتُ فاهلكت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ قَالَ فَكَأَنَّمَا أَلْقَى عَلَيَّ جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا وَإِنِّي أَسْلَمْتُ وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَقَالَ لِي اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ عُمَرُ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم) واه أبو داود والنسائي باسناد صحيح قال الدارقطني فِي كِتَابِ الْعِلَلِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَمُقْتَضَى هَذَا جَوَازُ الْقِرَانِ لَا تَفْضِيلُهُ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بِالْإِفْرَادِ (قُلْتُ) وَهَذَا أَوَدُّ مَا قُلْتُهُ مِنْهُ فِي تَأْوِيلِ نَهْيِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ التَّمَتُّعِ وَأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِتَفْضِيلِهِ أَمْرَ الْإِفْرَادِ لَا لِبُطْلَانِ التَّمَتُّعِ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ (إنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ بَعْدَهَا) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ (قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي وَلَبَّدْتُ رَأْسِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَوْلُهَا مِنْ عُمْرَتِكَ أَيْ مِنْ إحْرَامِكَ قَالَ إنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي وَلَبَّدْتُ رَأْسِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ أَيْ حَتَّى يَحِلَّ الْحَاجُّ لِأَنَّ الْقَضَاءَ نَزَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ جَعَلَ إحْرَامَهُ حَجًّا (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ذَكَرَ بَابًا فِي جَوَازِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ثُمَّ بَابًا فِي تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ ثُمَّ بَابَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَذَكَرَ فِي كُلٍّ نَحْوَ ما ذكرته من الاحاديث ثُمَّ قَالَ بَابُ كَرَاهَةِ مَنْ كَرِهَ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ وَبَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كُنَّا اخْتَرْنَا الْإِفْرَادَ فَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى عمر ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُضِيَ فِيهِ يَنْهَى عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي سَمَاعِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ عُمَرَ لَكِنَّهُ لَمْ يُرْوَ هُنَا عَنْ عُمَرَ بَلْ عَنْ صَحَابِيٍّ غَيْرِ مُسْمًى وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ) تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَلْيَقُلْ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى السَّابِقُ فِي الْقِرَانِ وَأَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ قُلْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِاَلَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّمَتُّعِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرِ خِلَافَةِ عُمَرَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى سَأَلَ عُمَرَ عَنْ نَهْيِهِ فَقَالَ عُمَرُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الحج تقطر رؤسهم) رَوَاهُ مُسْلِمٌ إلَّا قَوْلَهُ وَأَصْحَابُهُ) وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ تَحْتَ الْأَرَاكِ ثُمَّ يروحون) (والاعراس) كناية عن وطئ السنام وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ فِي تَمَتُّعِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذى أخرني سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال الزهري فقلت لسالم فلم ينه عَنْ التَّمَتُّعِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْأَتَمَّ للعمرة ان تفردوها من أشهر الحج (الحج1
أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ فَأَخْلِصُوا فِيهِنَّ الْحَجَّ وَاعْتَمِرُوا فِيمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الشُّهُورِ قَالَ وَإِنْ أَعْمَرَ بِذَلِكَ لَزِمَهُ إتْمَامُ الْعُمْرَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ إنَّمَا يُتَمَتَّعُ بِهَا إلَى الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَالْعُمْرَةُ فِي غير اشهر الحج تتم لا هَدْيٍ وَلَا صِيَامٍ فَأَرَادَ عُمَرُ بِتَرْكِ التَّمَتُّعِ اتمام الْعُمْرَةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِتْمَامِهَا وَأَرَادَ أَيْضًا أَنْ تُكَرَّرَ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ فَكَرِهَ التَّمَتُّعَ لِئَلَّا يَقْتَصِرُوا عَلَى زِيَارَةِ مَرَّةٍ فَتَرَدَّدَ الْأَئِمَّةُ فِي التَّمَتُّعِ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَرَوْنَ ذَلِكَ حَرَامًا قَالَ وَلَعَمْرِي لَمْ يَرَ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ حَرَامًا وَلَكِنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إحْسَانًا لِلْخَيْرِ وَبِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ سَالِمٍ قَالَ (سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا فَقِيلَ إنَّك تُخَالِفُ أَبَاكَ فَقَالَ إنَّ أَبِي لَمْ يَقُلْ الَّذِي يَقُولُونَ إنَّمَا قَالَ أَفْرِدُوا الْحَجَّ مِنْ الْعُمْرَةِ أَيْ إنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتِمُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَجَعَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ حَرَامًا وَعَاقَبْتُمْ النَّاسَ عَلَيْهَا وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ فَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ عُمَرُ) وَعَنْ سَالِمٍ قَالَ (كَانَ ابن عمر يفنى بِاَلَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّخْصَةِ فِي التَّمَتُّعِ وَبَيَّنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ نَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ كَيْفَ أَبَاكَ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهُمْ ابْنُ عُمَرَ أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ أَرَأَيْتُمْ إنْ كان عمر نهي عن ذَلِكَ يَبْغِي فِيهِ الْخَيْرَ وَيَلْتَمِسُ فِيهِ تَمَامَ الْعُمْرَةِ فَلِمَ كَرِهْتُمُوهَا وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَمِلَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ عُمَرُ إنَّ عمر لم يقل ذلك لان الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَرَامٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ ان اتمام العمرة أن تفردوها مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ (قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَهَيْتَ عَنْ الْمُتْعَةِ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ كَثْرَةَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ فَقَالَ عَلِيٌّ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ فَحَسَنٌ وَمَنْ تَمَتَّعَ فَقَدْ أَخَذَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم) وعن أَبِي نُصْرَةَ قَالَ (قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهَا فَقَالَ جَابِرٌ عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ إنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله كما أمركم الله وابتوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ إلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ (فَإِنَّهُ أَتَمُّ بِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ بِعُمْرَتِكُمْ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ
- وعن عبد الله ابن شَقِيقٍ (كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لَقَدْ عَلِمْتَ
أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أجل ولكنا كُنَّا خَائِفِينَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَرَادَ بِكُنَّا خَائِفِينَ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَكَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ (كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- قَالَ الْبَيْهَقِيُّ انما أراد فسخهم الحج إلى العمرة وهو أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يَجْعَلُوهُ عُمْرَةً لِيُنْقَضَ بِذَلِكَ عَادَتُهُمْ فِي تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مَا دَلَّ عَلَى ذلك
- وعن محمد بن اسحق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ ابن الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان يقول وفي حج ثم فسخها بعمرة ولم يكبر ذَلِكَ إلَّا الرَّكْبُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ الْمَغَازِي هَذَا مُدَلِّسٌ وَقَدْ قَالَ (عَنْ) وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ (عَنْ) لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ
- وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لَيْسَ فِيهَا عُمْرَةٌ)
- قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَظُنُّهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا 1 قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَازُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ وَثَبَتَ بِمُضِيِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ ثُمَّ بِاخْتِلَافِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فِي كَرَاهَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ الْإِفْرَادِ كَوْنُ إفْرَادِ الْحَجِّ عن العمرة أفضل والله أعلم
- (فَرْعٌ) فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ طُرُقُهَا
- قَدْ سَبَقَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُفْرِدًا (وَمِنْهُمْ) مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا (وَمِنْهُمْ) مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ وَهِيَ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ جَمِيعِهَا بِبَعْضِهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَصَنَّفَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ كِتَابًا فِيهَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ الْقِرَانَ وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ وَتَأْوِيلُ بَعْضِهَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيمَا قَالَهُ (وَالصَّوَابُ) الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَصَارَ قَارِنًا وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ جَائِزٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا وعلي الاصح لا يجوز لنا وحاز لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ السَّنَةَ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (لَبَّيْكَ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) كَمَا سَبَقَ
- فَإِذَا عَرَفْتَ مَا قُلْنَاهُ سَهُلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (فَمَنْ) رَوَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا وهم الاكثرون كما سبق أراد أنه اعمر اول الاحرام (ومن)
رَوَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا أَرَادَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ آخره وما بعد احراه (وَمَنْ) رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَالِالْتِذَاذُ وَقَدْ انْتَفَعَ بِأَنْ كَفَاهُ عَنْ النُّسُكَيْنِ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَمَلٍ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَمِرْ تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً لَا قَبْلَ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ إفْرَادِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ عُمْرَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْرَدَةً لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ اعْتَمَرَ تِلْكَ السَّنَةَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ وَعَلَى هَذَا الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَنْتَظِمُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي حَجَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ (وَأَمَّا) الصَّحَابَةُ فَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ (قِسْمٌ) أَحْرَمُوا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَمَعَهُمْ هَدْيٌ فَبَقُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَحَلَّلُوا مِنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ (وَقِسْمٌ) بِعُمْرَةٍ فَبَقُوا فِي عُمْرَتِهِمْ حَتَّى تَحَلَّلُوا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ (وَقِسْمٌ) بِحَجٍّ وَلَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فِيهَا وَلَا أَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْلِبُوا حَجَّهُمْ عُمْرَةً وَهُوَ مَعْنَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَعَلَى هَذَا تَنْتَظِمُ الرِّوَايَاتُ فِي إحْرَامِ الصَّحَابَةِ (فَمَنْ) رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَارِنِينَ أَوْ مُتَمَتِّعِينَ أَوْ مُفْرِدِينَ أَرَادَ بعضهم وهم الطائفة الذين علم ذلك مِنْهُمْ وَظَنَّ أَنَّ الْبَاقِينَ مِثْلُهُمْ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ الْجَمْعِ وَالتَّأْوِيلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَحَاصِلُهُ تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَهُ أَوَّلًا وَإِنَّمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِتِلْكَ الْمُصْلِحَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُ أَنَّ ذلك من أفجر الفجور فاراد بَيَانَهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي جَمَعَتْ مِنْ الْخَلْقِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهَا مِثْلُهَا لِيَظْهَرَ فِيهِمْ ذَلِكَ وَيَشْتَهِرَ جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ عِنْدَ جَمْعِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَشْتَهِرْ اشْتِهَارَ هَذِهِ 1 فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَا قَرِيبًا مِنْهَا وَكُلُّ هَذَا لَا يُخْرِجُ الْإِفْرَادَ عَنْ كَوْنِهِ الْأَفْضَلَ وَتَأَوَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ كَمَا قَالُوا رَجَمَ ما عزا أي امر برجمه وهذا ضعيف برده صَرِيحُ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ بَلْ الصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ قَرِيبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ طَعَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجُهَّالِ وَكَفَرَةٌ مِنْ الْمُلْحِدِينَ فِي الْأَحَادِيثِ وَالرُّوَاةِ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا أَوْ قارنا وهى
حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَفْعَالِ وَلَوْ يُسِّرُوا لِلتَّوْفِيقِ واغتنوا يحسن الْمَعْرِفَةِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَدْفَعُوهُ قَالَ وَقَدْ أَنْعَمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِبَيَانِ هَذَا فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَجَوَّدَ الْكَلَامَ فِيهِ وَفِي اقْتِصَاصِ كُلِّ مَا قَالَهُ تَطْوِيلٌ وَلَكِنَّ الْوَجِيزَ الْمُخْتَصَرَ مِنْ جَوَامِعِ مَا قَالَ أَنَّ مَعْلُومًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَوَازُ إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الْآمِرِ بِهِ لِجَوَازِ إضَافَتِهِ إلَى الْفَاعِلِ كَقَوْلِكَ بَنَى فُلَانٌ دَارًا إذَا أَمَرَ بِبِنَائِهَا وَضَرَبَ الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا أَمَرَ بِضَرْبِهِ وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ
- وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَكَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ الْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ فَجَازَ أَنْ تُضَافَ كُلُّهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَأَذِنَ فِيهَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ فَحَكَى أَنَّهُ أَفْرَدَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ فَلَمْ يَحْكِ إلَّا مَا سَمِعَ وَسَمِعَ أَنَسٌ وَغَيْرُهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَلَا يُنْكَرُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التناقض لَوْ كَانَ الزَّائِدُ نَافِيًا لِقَوْلِ صَاحِبِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُثْبِتًا لَهُ وَزَائِدًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ فَيَقُولُ لَهُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِينِ
- فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ فِيهَا تَكَاذُبٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا سَهْلٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إحْرَامًا مَوْقُوفًا وَخَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحُجَّ هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ عُلَمَاءَ وَغَيْرِهِمْ فَمِنْ مُجِيدٍ مُنْصِفٍ وَمِنْ مُقَصِّرٍ مُتَكَلِّفِ وَمِنْ دَخِيلٍ مُكْرَهٍ وَمِنْ مُقْتَصِرٍ مُخْتَصِرٍ وَأَوْسَعُهُمْ نَفَسًا فِي ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ الْحَنَفِيُّ وَإِنْ كَانَ تَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ثُمَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ بْنِ الْمُهَلِّبِ وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ القصار البغدادي والحافظ أبو عمرو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وأولي ما يقال في هذا علي ما لخصناه من كلامهم واخترناه من اختيار انهم مِمَّا هُوَ أَجْمَعُ لِلرِّوَايَاتِ وَأَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْأَحَادِيثِ أن