كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِي الرُّكُوعِ فَاقْتَدَى بِهِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي السُّجُودِ فَإِنَّ الْمَسْبُوقَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَمَّا إذَا قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ جَاهِلًا فَاقْتَدَى بِهِ مَسْبُوقٌ عَالِمًا بِأَنَّهَا خَامِسَةٌ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي مُعْظَمِ الطُّرُقِ أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي رَكْعَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَغْوٌ وَحَكَى الْبَغَوِيّ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَنْعَقِدُ جَمَاعَةً لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ لَا يُتَابِعُهُ فِي الْأَفْعَالِ بَلْ بِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ يَقْعُدُ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ مَحْسُوبٌ لِلْإِمَامِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَعَلَى هَذَا لَوْ نَسِيَ الْإِمَامُ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَاقْتَدَى بِهِ مَسْبُوقٌ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ فَفِي انْعِقَادِهَا هَذَا الخلاف: الصحيح لا تنعقد والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (وَإِنْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ يَسْجُدُ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يُكَبِّرُ كَمَا يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَحِلَّ التَّكْبِيرِ مِنْ السُّجُودِ وَيُخَالِفُ مَا إذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا فَإِنَّ هَذَا مَوْضِعُ رُكُوعِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ فصار كالمنفرد)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَدْرَكَهُ سَاجِدًا أَوْ فِي التَّشَهُّدِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا وَيَجِبُ أَنْ يُكْمِلَ حُرُوفَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَائِمًا كَمَا سَبَقَ بيانه قريبا وفى صِفَةِ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ لَزِمَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ وَهَلْ يُكَبِّرُ لِلِانْتِقَالِ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يُكَبِّرُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا انْتَقَلَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ السُّجُودِ أَوْ غَيْرِهِ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوبًا لِهَذَا الْمَسْبُوقِ وَإِذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إلَى تَدَارُكِ مَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْجُلُوسُ الَّذِي قَامَ مِنْهُ مَوْضِعَ جُلُوسِ هَذَا الْمَسْبُوقِ بِأَنْ أَدْرَكَهُ فِي ثَالِثَةِ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثَانِيَةِ الْمَغْرِبِ قَامَ مُكَبِّرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ بِأَنْ أَدْرَكَهُ فِي الْأَخِيرَةِ أَوْ ثَانِيَةِ رُبَاعِيَّةٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يقوم بلا تكبير لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْبِيرٍ لَهُ وَقَدْ كَبَّرَ فِي ارْتِفَاعِهِ عَنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ
وَهُوَ الِانْتِقَالُ فِي حَقِّهِ وَلَيْسَ هُوَ الْآنَ متابع لِلْإِمَامِ فَلَا يُكَبِّرُ (وَالثَّانِي) يُكَبِّرُ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَاَلَّذِي فِي تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ فَلَعَلَّهُمْ رَوَوْهُ عَنْهُ فِي غَيْرِ تَعْلِيقِهِ (وَالثَّالِثُ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَزَمَ بِهِ أَنَّهُ يَقُومُ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ فَلَا يُكَبِّرُ وَيَقُومُ مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً بِتَكْبِيرٍ لِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ رَكْعَةٍ لَهُ تَكْبِيرٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ جُلُوسِ الْمَسْبُوقِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمُكْثُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ مَكَثَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ زَادَ قِيَامًا وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ جَازَ الْمُكْثُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ تَطْوِيلَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى تَخْفِيفَهُ وَالسُّنَّةُ لِلْمَسْبُوقِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ تَسْلِيمَتَيْ الْإِمَامِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْن وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ تَمَامِ الْأُولَى فَإِنْ قَامَ قَبْلَ تَمَامِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ تَعَمَّدَ الْقِيَامَ وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطَةً فِي فَصْلِ صِفَةِ الصلاة في فصل السَّلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى مِنْ رَكْعَةٍ فَسَجَدَهَا مَعَهُ ثُمَّ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَانْصَرَفَ فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي آخِرِ بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ (أَحَدُهُمَا) يَلْزَمهُ أَنْ يَسْجُدَ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا لَا يَسْجُدُ لِأَنَّ هَذِهِ السَّجْدَةَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَأْتِي بِهَا متابعة للامام وقد زالت المتابعة * قال المصنف رحمه الله
- (وان ادركه في آخر الصلاة كبر للاحرام وقعد وحصلت له فضيلة الجماعة)
- (الشَّرْحُ) قَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ قَائِمًا وَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ مَعَهُ وَلَا يُكَبِّرُ لِلْقُعُودِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالتَّشَهُّدُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى هَذَا الْمَسْبُوقِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَقَدْ قَدَّمْنَا هُنَاكَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ وَلَيْسَ بشئ وَلَا يَقْرَأُ دُعَاءَ الِافْتِتَاحِ فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْقِيَامِ وَسَبَقَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ وَتَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لَكِنْ دُونَ فَضِيلَةِ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنْ أَوَّلِهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ إلَّا إذَا أَدْرَكَ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَنْعَقِدُ وَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْجَمَاعَةُ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَنْعَقِدَ (فَإِنْ قِيلَ) لَمْ يُدْرِكْ قَدْرًا يُحْسَبُ لَهُ (قُلْنَا) هَذَا
غَلَطٌ بَلْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَدْرَكَهَا مَعَهُ وَهِيَ محسوبة له والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (وإن ادرك الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " مَا أَدْرَكْتَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِكَ " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " يُكَبِّرُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فان كان ذلك في صلاة فبها قُنُوتٌ فَقَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ أَعَادَ الْقُنُوتَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مَعَ الْإِمَامِ فعله للمتابعة فإذا بلغ مَوْضِعِهِ أَعَادَهُ كَمَا إذَا تَشَهَّدَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ قَامَ إلَى مَا بَقِيَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ التشهد)
- (الشَّرْحُ) مَذْهَبُنَا أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا يَتَدَارَكُهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ آخِرُ صَلَاتِهِ فَيُعِيدُ فِيهِ الْقُنُوتَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ أَدْرَكَ أَوَّلَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ ثُمَّ قَامَ لِلتَّدَارُكِ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَقِيلَ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ تُسَنُّ السُّورَةُ فِي جميع الركعات ولا تختص بالاولتين أَمَّا إذَا خَصَّصْنَا فَلَا يَقْرَأُ السُّورَةَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْ السُّورَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ لَا يُسَنُّ الْجَهْرُ فِيمَا يَتَدَارَكُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ وَقِيلَ فِي الْجَهْرِ قَوْلَانِ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ مِنْ جَهْرٍ وَأَوْضَحْت الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ قَامَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَيُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ ثَالِثَةً وَيَتَشَهَّدُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا يَتَدَارَكُهُ آخرها وبه قال سعيد ابن الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العزيز واسحق حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُمْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُد
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ مَا أَدْرَكَهُ آخِرُ صَلَاتِهِ وَمَا يَتَدَارَكُهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ سِيرِينَ
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا أَدْرَكْتُمْ فصلوا وما فاتكم فافضوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ما اركتم فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الَّذِينَ رَوَوْا
فَأَتِمُّوا أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَأَلْزَمُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُمْ أَوْلَى قَالَ الشَّيْخُ أبو حامد والماوردي واتمام الشئ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ أَوَّلِهِ وَبَقِيَّةِ آخِرِهِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَ مَذْهَبِنَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَحَسَنٍ وَعَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ فَقَامَ لِلتَّدَارُكِ يُصَلِّي رَكْعَةً ثُمَّ يَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَغَوِيُّ وَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لَنَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الَّذِي فَاتَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ لَمْ يَجْلِسْ عَقِبَ رَكْعَةٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَأَمَّا رِوَايَةُ فَاقْضُوا فَجَوَابُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ رُوَاةَ فَأَتِمُّوا أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ (وَالثَّانِي) أَنَّ الْقَضَاءَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِعْلِ لَا الْقَضَاءِ الْمَعْرُوفِ فِي الِاصْطِلَاحِ لِأَنَّ هَذَا اصطلاح متأخر الْفُقَهَاءِ وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ الْقَضَاءَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ قَالَ الله تعالى (فاذأ قضيتم مناسككم) (فإذا قضيت الصلاة) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمُرَادُ وَمَا فَاتَكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ أَنْتُمْ لَا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَاَلَّذِي فَاتَ الْمَأْمُومَ مِنْ صَلَاةِ نَفْسِهِ إنَّمَا هو آخرها والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (وَإِنْ حَضَرَ وَقَدْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ كُرِهَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ فِيهِ جَمَاعَةً لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ قَصَدَ الْكِيَادَ وَالْإِفْسَادَ وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي سُوقٍ أَوْ مَمَرِّ النَّاسِ لَمْ يُكْرَهْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الْجَمَاعَةَ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى الْكِيَادِ وَإِنْ حَضَرَ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَنْ صَلَّى اُسْتُحِبَّ لِبَعْضِ مَنْ حَضَرَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ لِتَحْصُلَ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هذا فقام رجل فصلى معه ")
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَيْنَا فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَامَ فَصَلَّى مَعَهُ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وَقَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا " فِيهِ تَسْمِيَةُ مِثْلِ هَذَا صَدَقَةٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ لِمَنْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَقَلَّ مِنْ الْأُولَى وَأَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الشَّفَاعَةُ إلَى مَنْ يُصَلِّي مَعَ الْحَاضِرِ وَأَنَّ الْمَسْجِدَ الْمَطْرُوقَ لَا يُكْرَهُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ وَأَنَّ الجماعة تحصل بامام ومأموم: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ هُوَ مَطْرُوقًا كُرِهَ لِغَيْرِهِ اقامة الجماعة فيه ابتداء قبل فوات مجئ إمَامِهِ وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ كُرِهَ أَيْضًا إقَامَةُ جَمَاعَةٍ أُخْرَى فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْآذَانِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا أَوْ غَيْرَ مَطْرُوقٍ وَلَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ لَمْ تُكْرَهْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِيهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَمَّا إذَا حَضَرَ وَاحِدٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَيُسْتَحَبُّ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ الَّذِينَ صَلَّوْا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ لِتَحْصُلَ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ مَنْ لَهُ عُذْرٌ فِي عَدَمِ الصَّلَاةِ مَعَهُ إلَى غَيْرِهِ لِيُصَلِّيَ مَعَهُ لِلْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدٍ أُقِيمَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ قَبْلَهَا: أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَأَكْثَرَ بِالْإِجْمَاعِ: وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ وَلَيْسَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا فَمَذْهَبُنَا كَرَاهَةُ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حنيفة وقال أحمد واسحق وداود وابن المنذر لا يكره
- قال المصنف رحمه الله
- (وَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ وَحَكَى أَبُو اسحق عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ صُبْحًا أَوْ عَصْرًا لَمْ يُسْتَحَبَّ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَهُمَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَامِرِيُّ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فَرَأَى فِي آخِرِ الْقَوْمِ رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا قَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صلينا فِي رِحَالِنَا قَالَ فَلَا تَفْعَلَا إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ فَإِنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً أُخْرَى فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يُعِيدُ لِلْخَبَرِ (وَالثَّانِي) لَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ قَدْ حَازَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ وَإِذَا صَلَّى ثُمَّ أَعَادَ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَالْفَرْضُ هُوَ الْأَوَّلُ فِي قوله الجديد للخبر ولانه أسقط الفرض بالاولة فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ نَفْلًا وَقَالَ فِي القديم يحتسب الله ايتهما شاء وليس بشئ)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ يَزِيدَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ الصُّبْحِ غَدَاةً وَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الصَّحَابَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ وَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ وَاضِحًا وَالرِّحَالُ الْمَنَازِلُ مِنْ؟ ؟ ؟ أَوْ وَبَرٍ وَشَعْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ الْفَرِيضَةَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَهَا فِي الْوَقْتِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُمْ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ يُعِيدُ الظهر والعصر فَقَطْ وَلَا يُعِيدُ الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ وَالنَّافِلَةُ بَعْدَهُمَا مَكْرُوهَةٌ وَلَا الْمَغْرِبَ لِأَنَّهُ لَوْ أَعَادَهَا لَصَارَتْ شَفْعًا هَكَذَا عَلَّلُوهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تُعَلَّلَ بِأَنَّهَا يَفُوتُ وَقْتُهَا تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحُكِيَ وَجْهٌ ثَالِثٌ يُعِيدُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا أَمَّا إذَا صَلَّى جَمَاعَةً ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً أُخْرَى فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) مِنْهَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَالْحَدِيثِ السَّابِقِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا " مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَالثَّانِي) لَا يُسْتَحَبُّ لِحُصُولِ الْجَمَاعَةِ قَالُوا فَعَلَى هَذَا تُكْرَهُ إعَادَةُ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا يُكْرَهُ غَيْرُهُمَا (وَالثَّالِثُ) يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ مَا سِوَى الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالرَّابِعُ إنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ لِكَوْنِ الْإِمَامِ أَعْلَمَ أَوْ أَوَرَعَ أَوْ الْجَمْعِ أَكْثَرَ أَوْ الْمَكَانِ أَشْرَفَ اُسْتُحِبَّ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا فَلَا وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا وَمِمَّنْ صحرح بِتَصْحِيحِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَنَقَلَ أَنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ كَثِيرُونَ لَا يُحْصَوْنَ
وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَإِذَا اسْتَحْبَبْنَا الْإِعَادَةَ لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ فَأَعَادَ فَفِي فَرْضِهِ قَوْلَانِ وَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ وهو الجديد فرضه الاولي لِسُقُوطِ الْخِطَابِ بِهَا وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ " يَعْنِي الثَّانِيَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ قَالَ " صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ أَنَّ فرضه احداهما لَا بِعَيْنِهَا وَيَحْتَسِب اللَّهَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا وَعَبَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَرْضَ أَكْمَلُهُمَا وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا فَرْضٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَأْمُورٌ بِهَا وَالْأُولَى مُسْقِطَةٌ لِلْحَرَجِ لَا مَانِعَةٌ مِنْ وُقُوعِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَهَذَا كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا صَلَّتْهَا طَائِفَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ فَلَوْ صَلَّتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ فَرْضًا أَيْضًا وَتَكُونُ الْأُولَى مُسْقِطَةً لِلْحَرَجِ عَنْ الْبَاقِينَ لَا مَانِعَةً مِنْ وُقُوعِ فِعْلِهَا فَرْضًا وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِغَيْرِ الْجَدِيدِ نَوَى بِالثَّانِيَةِ الْفَرِيضَةَ أَيْضًا وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ أَيْضًا قَالُوا وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَنْوِيَ الْفَرْضَ وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا هَكَذَا صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ
الْأَكْثَرِينَ (وَالثَّانِي) يَنْوِي الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ مَثَلًا وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَرْضِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ وَالْأَدِلَّةُ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ (الصَّحِيحُ) مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعِيدُهَا كَالْمَرَّةِ الْأُولَى (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَنْ يَقُومَ بِلَا سَلَامٍ فَيَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى ثُمَّ يُسَلِّمَ لِتَصِيرَ هَذِهِ الصَّلَاةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا وِتْرًا كَمَا إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ وِتْرًا وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَلَوْلَا خَوْفُ الِاغْتِرَارِ بِهِ لَمَا حَكَيْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا اسْتِحْبَابُ إعَادَةِ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فِي جَمَاعَةٍ سَوَاءٌ صَلَّى الْأُولَى جَمَاعَةً أَمْ مُنْفَرِدًا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَغْرِبِ يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَعِنْدَنَا لَا يُضِيفُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ يُعِيدُ الْجَمِيعَ إلَّا الْمَغْرِبَ لِئَلَّا تَصِيرَ شَفْعًا وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُعِيدُ الْجَمِيعَ إلَّا الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعِيدُ الظُّهْرَ وَالْعِشَاءَ فَقَطْ وَقَالَ النَّخَعِيُّ يُعِيدُهَا كُلَّهَا إلَّا الصُّبْحَ وَالْمَغْرِبَ وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ ضَعِيفَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا الْأَحَادِيثَ: وَدَلِيلُنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السابقة والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- (يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ خَلْفَهُ بِتَسْوِيَةِ الصفوف لما روى عَنْ أَنَسٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اعْتَدِلُوا فِي صُفُوفِكُمْ وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي قَالَ أَنَسٌ فَلَقَدْ رأيت أحدنا يلصق منكبيه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَنَسٍ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلَفْظِهِ لِلْبُخَارِيِّ وَمَعْنَاهُ لِمُسْلِمٍ مُخْتَصَرًا وقوله صلى الله عليه وسلم وتراصوا هو بِتَشْدِيدِ الصَّادِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ تَضَامُّوا وَتَدَانُوا لِيَتَّصِلَ مَا بَيْنَكُمْ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ الْمَأْمُومِينَ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ بِهَا وَيُسْتَحَبُّ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ رَجُلًا يَأْمُرُهُمْ بِتَسْوِيَتِهَا ويطوف عليهم
أَوْ يُنَادِي فِيهِمْ وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ رَأَى مِنْهُ خَلَلًا فِي تَسْوِيَةِ الصَّفِّ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْمُرَادُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ إتْمَامُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَسَدُّ الْفُرَجِ وَيُحَاذِي الْقَائِمِينَ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَتَقَدَّمُ صَدْرُ أَحَدٍ ولا شئ مِنْهُ عَلَى مَنْ هُوَ بِجَنْبِهِ وَلَا يَشْرَعُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي حَتَّى يُتِمَّ الْأَوَّلَ وَلَا يَقِفُ فِي صَفٍّ حَتَّى يُتِمَّ مَا قَبْلَهُ
- (فَرْعٌ) فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الصُّفُوفِ عَنْ أَنَسٌ قَالَ قَالَ " رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ " مَعْنَاهُ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي قَوْله تعالي (واقيموا الصلاة) وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " لَتُسَوُّونَ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بها القداح حتى رأى انا قد غفلنا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ عباد الله لَتُسَوُّونَ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ " وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ
وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بين المناكب بالاعناق فو الذى نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهُ الْحَذَفُ " حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ الْحَذَفُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ فَاءٍ وَهِيَ غَنَمٌ سُود صِغَارٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ فَمَا كَانَ من نقص فليكن في الصف المؤخر " رواه أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ غَيْرَ هَذِهِ وَفِي هَذِهِ كِفَايَةٌ
- وَأَمَّا فَضِيلَةُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَمَيَامِنِ الصُّفُوفِ فَسَتَأْتِي فِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهِمْ جَوَازُ الْكَلَامِ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ: وَدَلِيلُنَا هذه الاحاديث الصحيحة السابقة * قال المصنف رحمه الله
- (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انه قال " إذ صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ " فَإِنَّ صَلَّى بِقَوْمٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ لَمْ يُكْرَهْ التَّطْوِيلُ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِأَجْلِهِمْ وقد رضوا)
(الشرح) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ورويناه أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمْ وَذَا الْحَاجَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الْقِرَاءَةَ وَالْأَذْكَارَ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ مِنْ الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ شَيْئًا وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْأَقَلِّ وَلَا يَسْتَوْفِي الْأَكْمَلَ الْمُسْتَحَبَّ لِلْمُنْفَرِدِ مِنْ طُوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَوْسَاطِهِ وَأَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ التَّطْوِيلُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ إنْ آثَرُوا التَّطْوِيلَ لَمْ يُكْرَهْ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَالَ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ مَا عَلَى الْإِمَامِ مِنْ التَّخْفِيفِ قَالَ " وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلَهَا فَإِنْ عَجَّلَ عَمَّا أَحْبَبْتُ مِنْ الْإِكْمَالِ أَوْ زَادَ عَلَى مَا أَحْبَبْتُ مِنْ الْإِكْمَالِ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ خَلْفَهُ إذَا جَاءَ بِأَقَلَّ مِمَّا عَلَيْهِ " قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ صَلَّى بِقَوْمٍ مَحْصُورِينَ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ لَمْ يُكْرَهْ التَّطْوِيلُ بل قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُمَا إنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّطْوِيلُ حِينَئِذٍ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الاحاديث الصحيحة
فِي تَطْوِيلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمْ أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُؤْثِرُ التَّطْوِيلَ وَفِيهِمْ مَنْ لَا يُؤْثِرُهُ لَمْ يُطَوِّلْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَيُؤَيِّدُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَإِنْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ وَلَكِنَّ الْمَسْجِدَ مَطْرُوقٌ بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ حَضَرَ بَعْدَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِيهَا لَمْ يُطَوِّلْ وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ كَانُوا يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثنين ونحوهما فان لَا يُؤْثِرُهُ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً وَنَحْوَهَا خَفَّفَ وَإِنْ كَثُرَ حُضُورُهُ طَوَّلَ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الرَّاضِينَ وَلَا يُفَوِّتُ حَقَّهُمْ لِهَذَا الْفَرْدِ الْمُلَازِمِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ متعين *
- قال المصنف رحمه الله
- (وَإِذَا أَحَسَّ بِدَاخِلٍ وَهُوَ رَاكِعٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يُكْرَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ لِأَنَّ فِيهِ تَشْرِيكًا بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْعِبَادَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلا يُشْرِكْ بعبادة ربه أحدا) (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتَظِرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ انْتِظَارٌ لِيُدْرِكَ بِهِ الْغَيْرُ رَكْعَةً فَلَمْ يُكْرَهْ كَالِانْتِظَارِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَتَعْلِيلُ الْأَوَّلِ يَبْطُلُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ وَيَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّكْبِيرِ لِيُسْمِعَ مَنْ وَرَاءَهُ فَإِنَّ فِيهِ تَشْرِيكًا ثُمَّ يُسْتَحَبُّ وَإِنْ أَحَسَّ بِهِ وَهُوَ قَائِمٌ لَمْ يَنْتَظِرْهُ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ يَحْصُلُ لَهُ بِالرُّكُوعِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْرِيكِ وَالثَّانِي يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ الجماعة)
- (الشَّرْحُ) إذَا دَخَلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ طَوَّلَ لِانْتِظَارِ مُصَلٍّ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا أَنْ يُحِسَّ وَهُوَ رَاكِعٌ مَنْ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ فَهَلْ يَنْتَظِرَهُ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْأَكْثَرِينَ يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ (وَالثَّانِي) يُكْرَهُ وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ لَا يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَمْ لَا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَطَائِفَةٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَلَطٌ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُكْرَهُ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابِهِ وَعَدَمِهِ وَقِيلَ إنْ عَرَفَ عَيْنَ الدَّاخِلِ لَمْ يَنْتَظِرْهُ وَإِلَّا انْتَظَرَهُ وَقِيلَ إنْ كَانَ مُلَازِمًا لِلْجَمَاعَةِ انْتَظَرَهُ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ انْتَظَرَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَقِيلَ لَا يَنْتَظِرُ قَطْعًا وَإِذَا اخْتَصَرْتُ هَذَا الْخِلَافَ وَجَعَلْتُهُ أَقْوَالًا كَانَ خَمْسَةً (أَحَدُهَا) يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ (وَالثَّانِي) يُكْرَهُ (وَالثَّالِثُ) لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ (وَالرَّابِعُ) يُكْرَهُ انْتِظَارُ مُعَيَّنٍ دُونَ غَيْرِهِ (وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ مُلَازِمًا انْتَظَرَهُ وَإِلَّا فَلَا وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ مُطْلَقًا بِشُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ الْمَسْبُوقُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ حِينَ الِانْتِظَارِ وَأَلَّا يَفْحُشَ طُولُ الِانْتِظَارِ وَأَنْ يَقْصِدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا التَّوَدُّدَ إلَى الدَّاخِلِ وَتَمْيِيزِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْتَظِرُ فَانْتَظَرَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى جَمَاعَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي بُطْلَانِهَا قَوْلًا ضَعِيفًا غَرِيبًا كَالِانْتِظَارِ الزَّائِدِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يُحِسَّ بِهِ وَهُوَ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ حُكْمُ الرُّكُوعِ فَفِيهِ الْخِلَافُ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ الْخِلَافُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ وَجْهَانِ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ وَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِالرُّكُوعِ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يُحِسَّ بِهِ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ كَالْقِيَامِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ طُرُقٌ أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ والاكثرون
لَا يَنْتَظِرُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ مُمْكِنٌ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ وَلَا يَفُوتُ بِغَيْرِهِمَا مَقْصُودٌ وَالثَّانِي فِي الِانْتِظَارِ الْخِلَافُ كَالرُّكُوعِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ وَالثَّالِثُ لَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ وَفِي الْقِيَامِ الْخِلَافُ فَإِنْ قُلْنَا يَنْتَظِرُ فَشَرْطُهُ مَا سَبَقَ وَإِلَّا فَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فَهَذَا مُلَخَّصُ حُكْمِ الْمَذْهَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ مُشَعَّبَةٌ وَالْمُخْتَصَرُ مِنْهَا أَنَّ الصَّحِيحَ اسْتِحْبَابُ الِانْتِظَارِ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَكَرَاهَتُهُ فِي غَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ إذَا قُلْنَا يُكْرَهُ فَطَوَّلَ لَا تَبْطُلُ
- (فَرْعٌ) لَوْ دَخَلَ في الصلاة لجماعة فطول ليلحقه قول آخَرُونَ تَكْثُرُ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ أَوْ لِيَلْحَقَهُ رَجُلٌ مَشْهُورٌ عَادَتُهُ الْحُضُورُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ قَالُوا وسوا كَانَ الْمَسْجِدُ فِي سُوقٍ أَوْ مَحَلَّةٍ وَعَادَةُ النَّاسِ يَأْتُونَهُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ
فَوْجًا فَوْجًا أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ الْمُنْتَظَرُ مَشْهُورًا بِدِينِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ دُنْيَاهُ وَكُلُّهُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ " وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذٌ " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلِأَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ بِالتَّأْخِيرِ وَلِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْمَأْمُومِينَ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَظِرْهُمْ حَثَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى المسارعة الي الصلاة والتكبير أَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِيهَا وَحَضَرَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ وَيَرْجُو زِيَادَةً فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَجِّلَهَا وَلَا يَنْتَظِرَهُمْ وَإِنْ حَضَرَ الْمَأْمُومُونَ دُونَ الْإِمَامِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَائِلَ هَذَا الْبَابِ وَسَبَقَ أَيْضًا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ عَادَةَ الْإِمَامِ التَّأْخِيرُ هَلْ الْأَفْضَلُ انْتِظَارُهُ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ أَمْ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا وَسَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَظَائِرُهَا الْكَثِيرَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ التَّيَمُّمِ
- (فَرْعٌ) فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ أَحَسَّ هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وَلَا يُقَالُ حَسَّ إلَّا فِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ غَرِيبَةٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى كُنْيَتُهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الحرب وعبد اللَّهِ وَأَبُوهُ صَحَابِيَّانِ شَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَسَنَذْكُرُهُ فِي الْفَرْعِ بَعْدَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ في انتظار الامام وهو راجع قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا
اسْتِحْبَابُهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وهم تابعيون وعن أحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ يَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُد لَا يَنْتَظِرُهُ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ
- وَاحْتَجَّ لِهَؤُلَاءِ بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْأَمْرِ بِالتَّخْفِيفِ وَبِأَنَّ فِيهِ تَشْرِيكًا فِي الْعِبَادَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِانْتِظَارُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِلْحَاجَةِ وَالْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي سَبَقَ قَرِيبًا " أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَصَلَّى مَعَهُ رَجُلٌ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِاسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ لِإِتْمَامِ صَلَاةِ الْمُسْلِمِ فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ هُمَا الْمُعْتَمَدُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ " فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمَّ عَنْ أَبِي أَوْفَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَمَّى بَعْضُ الرُّوَاةِ هَذَا الرَّجُلَ طُرْفَةَ الْحَضْرَمِيَّ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَالْقِيَاسُ عَلَى رَفْعِ الْإِمَامِ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْمُومِ: وَالْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِأَحَادِيثَ التَّخْفِيفِ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّا لَا نُخَالِفُهَا لِأَنَّ الِانْتِظَارَ الَّذِي نَسْتَحِبُّهُ هُوَ الَّذِي لَا يَفْحُشُ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ كَمَا سَبَقَ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ بِدَلِيلِ انْتِظَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ
الْخَوْفِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دَعْوَاهُمْ التَّشْرِيكَ فَلَا نُسَلِّمُ التَّشْرِيكَ وَإِنَّمَا هُوَ تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَصْدِ مَصْلَحَةِ صَلَاةِ آخَرَ وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مِثْلَهُ وَأَسْمَعَ أَصْحَابَهُ التَّكْبِيرَ وَالتَّأْمِينَ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْإِمَامِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرَاتِ لِلْإِعْلَامِ بِانْتِقَالِ الْإِمَامِ: وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى غَيْرِ الرُّكُوعِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
- (وَيَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتْبَعَ الْإِمَامَ وَلَا يَتَقَدَّمَهُ في شئ مِنْ الْأَفْعَالِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ ربنا لك الحمد وإذا سجد فاسجدوا " فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَهُ أَوْ كَبَّرَ مَعَهُ لِلْإِحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ صَلَاتَهُ بِصَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ تَنْعَقِدَ فَلَمْ تَصِحَّ وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَهُ أَوْ سَجَدَ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ " وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعُودَ إلَى مُتَابَعَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى لَحِقَهُ فِيهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفَارَقَةٌ قَلِيلَةٌ وَإِنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُفَارَقَةٌ كَثِيرَةٌ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مُعْظَمِهَا وَإِنْ رَكَعَ قَبْلَهُ فَلَمَّا رَكَعَ الْإِمَامُ رَفَعَ وَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الْقِيَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ قَدْرٌ يَسِيرٌ وَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْهُ بِسَجْدَتَيْنِ وَجِلْسَةٍ بينهما وقال أبو اسحق لَا تَبْطُلُ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ السجود)
- (الشَّرْحُ) الْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُنَا وَفِيهِ بَعْضُ مُخَالَفَةٍ فِي الْحُرُوفِ لِلَفْظِهِ فِي الْمُهَذَّبِ " وَقَوْلُهُ وَاجْتَمَعَ مَعَهُ " هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ أَنْكَرَهَا الْحَرِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ دُرَّةِ الْغَوَّاصِ وَقَالَ لَا يُقَالُ اجْتَمَعَ فُلَانٌ مَعَ فُلَانٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ اجْتَمَعَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَجَوَّزَهَا غَيْرُهُ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَقَدْ اخْتَصَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَحَذَفَ مُعْظَمَ مَقَاصِدِهَا وَأَنَا أَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُسْتَوْفَاةَ الْأَحْكَامِ مُخْتَصَرَةَ الْأَلْفَاظِ وَالدَّلَائِلِ: قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ ويحرم عليه ان يتقدمه بشئ مِنْ الْأَفْعَالِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِ سَبْقِهِ بِرُكْنٍ
وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ نَصَّهُ وَقَرَّرَهُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا وَالْمُتَابَعَةُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى أَثَرِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ يَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ لِكُلِّ فِعْلٍ مُتَأَخِّرًا عَنْ ابْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ وَمُقَدَّمًا عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ وَكَذَلِكَ يُتَابِعُهُ فِي الْأَقْوَالِ فَيَتَأَخَّرُ ابْتِدَاؤُهُ عَنْ أَوَّلِ ابْتِدَاءِ الْإِمَامِ إلَّا فِي التَّأْمِينِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُقَارَنَتُهُ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ فَلَوْ خَالَفَهُ فِي الْمُتَابَعَةِ فَلَهُ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يُقَارِنَهُ فَإِنْ قَارَنَهُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ شَكَّ فِي مُقَارَنَتِهِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ تَأَخَّرَ فَبَانَ مُقَارَنَتُهُ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا مَعَ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد
- وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ تَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ قَارَنَهُ فِي الرُّكُوعِ: دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَيُخَالِفُ الرُّكُوعَ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُنَاكَ دَاخِلٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُشْتَرَطُ تَأَخُّرُ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْمَأْمُومِ عَنْ جَمِيعِ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ وَإِنْ قَارَنَهُ فِي السَّلَامِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ (أَصَحُّهُمَا) يُكْرَهُ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (وَالثَّانِي) تَبْطُلُ وَإِنْ قَارَنَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَتَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنْ تَخَلَّفَ بِغَيْرِ عُذْرٍ نَظَرْتَ فَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ أَنَّهَا تَبْطُلُ وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ بِالِاتِّفَاقِ لِمُنَافَاتِهِ لِلْمُتَابَعَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَمِنْ التَّخَلُّفِ بِلَا عُذْرٍ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ فَيَشْتَغِلَ الْمَأْمُومُ بِإِتْمَامِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ قَالُوا وَكَذَا لَوْ اشْتَغَلَ بِإِطَالَةِ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَمَّا بَيَانُ صُورَةِ التَّخَلُّفِ بِرُكْنٍ فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرُّكْنِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ فَالْقَصِيرُ الِاعْتِدَالُ عَنْ الرُّكُوعِ وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَالطَّوِيلُ مَا عَدَاهُمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالطَّوِيلُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْقَصِيرِ وَجْهَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ وَمَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى الْجَزْمِ بِهِ أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ (وَالثَّانِي) لَا بَلْ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ فَإِذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فَرَكَعَ الْمَأْمُومُ وَأَدْرَكَهُ فِي رُكُوعِهِ فَلَيْسَ مُتَخَلِّفًا بِرُكْنٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَطْعًا فَلَوْ اعْتَدَلَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَبْطُلُ وَاخْتُلِفَ فِي مَأْخَذِهِمَا فَقِيلَ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَالَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ أَمْ لَا إنْ قُلْنَا مَقْصُودٌ بَطَلَتْ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَارَقَ رُكْنًا وَاشْتَغَلَ بِرُكْنٍ آخَرَ مَقْصُودٍ وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَقِيلَ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ بِرُكْنٍ يُبْطِلُ أم لا وان قلنا لا يُبْطِلُ فَقَدْ تَخَلَّفَ بِرُكْنِ الرُّكُوعِ تَامًّا فَتَبْطُلُ صلاته وإن
قلنا فَمَا دَامَ فِي الِاعْتِدَالِ لَمْ يُكْمِلْ الرُّكْنَ الثَّانِي فَلَا تَبْطُلُ فَلَوْ هَوَى إلَى السُّجُودِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَأْخَذِ الْأَوَّلِ لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي بَطَلَتْ لِأَنَّ رُكْنَ الِاعْتِدَالِ قَدْ تَمَّ هَكَذَا رتب المسلة إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ إذَا ارْتَفَعَ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَقَدْ حَصَلَ التَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلْ الْإِمَامُ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ قُلْنَا التَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ مُبْطِلٌ أَمَّا إذَا انْتَهَى الْإِمَامُ إلَى السُّجُودِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِي الْقِيَامِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ إنْ اكْتَفَيْنَا بِابْتِدَاءِ الْهُوِيِّ مِنْ الِاعْتِدَالِ وَابْتِدَاءِ الِارْتِفَاعِ عَنْ حَدِّ الرُّكُوعِ فَالتَّخَلُّفُ بِرُكْنَيْنِ هُوَ أَنْ يَتِمَّ لِلْإِمَامِ رُكْنَانِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِيمَا قَبْلَهُمَا وَالتَّخَلُّفُ بِرُكْنٍ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الرُّكْنَ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ وَالْمَأْمُومُ بَعْدُ فِيمَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ نَكْتَفِ بِذَلِكَ فَلِلتَّخَلُّفِ شرط آخر وهو أن يلابس بعد تمامها أَوْ تَمَامِهِ رُكْنٌ آخَرُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ تَرْجِيحُ الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ مَقْصُودٍ بِأَنْ اسْتَمَرَّ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى اعْتَدَلَ الْإِمَامُ وَسَجَدَ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّخَلُّفِ بِلَا عُذْرٍ أَمَّا الْأَعْذَارُ فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْخَوْفُ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ بَطِئَ الْقِرَاءَةِ لِضَعْفِ لِسَانِهِ وَنَحْوِهِ لَا لِوَسْوَسَةٍ وَالْإِمَامُ سَرِيعَهَا فَيَرْكَعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا جماعة من الخراسانيين منهم 1 والرافعي أَحَدُهُمَا يُتَابِعُهُ وَيَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ بَاقِيهَا فَعَلَى هَذَا إنْ اشْتَغَلَ بِإِتْمَامِهَا كَانَ مُتَخَلِّفًا بِلَا عُذْرٍ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْأَكْثَرُونَ لَا يَسْقُطُ بَاقِيهَا بَلْ يَلْزَمهُ أَنْ يُتِمَّهَا وَيَسْعَى خَلْفَ الْإِمَامِ عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ الْمُتَابَعَةِ لِتَعَذُّرِ الْمُوَافَقَةِ (وَأَصَحُّهُمَا) لَهُ الدَّوَامُ عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يُرَاعِي نَظْمَ صَلَاتِهِ وَيَجْرِي عَلَى أَثَرِهِ وَبِهَذَا أَفْتَى الْقَفَّالُ (وَأَصَحُّهُمَا) يُوَافِقُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَتَدَارَكُ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا أَخَذُوا التَّقْدِيرَ بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ إنَّمَا هُمَا إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَة وَقَبْل ذَلِكَ لَا يُوَافِقُهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّخَلُّفُ قَبْلَهُ بِالسَّجْدَتَيْنِ وَالْقِيَامِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا يَجْعَلُ التَّخَلُّفَ بِغَيْرِ الْمَقْصُودِ مُؤَثِّرًا وَأَمَّا مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَقْصُودِ وَغَيْرِهِ أَوْ يُفَرِّقُ وَيَجْعَلُ الْجُلُوسَ مَقْصُودًا أَوْ رُكْنًا طَوِيلًا فَالْقِيَاسُ عَلَى أَصْلِهِ التَّقْدِيرُ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الزِّحَامِ وَلَوْ اشْتَغَلَ الْمَأْمُومُ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ فراغه من الفاتحة أتمها كبطئ الْقِرَاءَةِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ أَمَّا الْمَسْبُوقُ إذَا قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ فَرَكَعَ الْإِمَامُ فَقَدْ سَبَقَ فِي رُكُوعِهِ وَإِتْمَامِهِ الْفَاتِحَةَ ثَلَاثَةُ
أَوْجُهٍ وَمِنْهَا الزِّحَامُ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا النِّسْيَانُ فَلَوْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ فِي قِرَاءَتِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعُودَ لِقِرَاءَتِهَا لِفَوَاتِ مَحِلِّهَا وَوُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ وَلَوْ تَذَكَّرَ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ أَوْ شَكَّ فِيهِ وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَكَعَ لَمْ تَسْقُطْ الْقِرَاءَةُ بِالنِّسْيَانِ وَفِي وَاجِبِهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَرْكَعُ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ (وَأَصَحُّهُمَا) تَجِبُ قِرَاءَتُهَا وَبِهِ أَفْتَى الْقَفَّالُ وَعَلَى هَذَا تَخَلُّفُهُ تَخَلُّفُ مَعْذُورٍ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِتَقْصِيرِهِ بِالنِّسْيَانِ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ بِرُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّقَدُّمُ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ بِرُكْنٍ كَامِلٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ يَسِيرَةٌ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ فَهَلْ يَعُودُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُودَ إلَى الْقِيَامِ وَيَرْكَعَ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُنَا وَنَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ: وَقَالَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْعَوْدُ وَنَقَلَ عَنْ نَصِّهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَسَوَاءٌ تَعَمَّدَ السَّبْقَ أَمْ سَهَا (وَالثَّالِثُ) وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ يَحْرُمُ الْعَوْدُ فَإِنْ عَادَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ كَانَ تَقَدُّمُهُ سَهْوًا فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْعَوْدِ وَالدَّوَامِ فِي الرُّكُوعِ حَتَّى يَرْكَعَ الْإِمَامُ (وَالثَّانِي) يَجِبُ الْعَوْدُ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ لَا يُعِيدُ تِلْكَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مُعْظَمِهَا
فَيَلْزَمهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا تَخْفَى صُورَةُ التَّقَدُّمِ بِرُكْنَيْنِ مِنْ قِيَاسِ مَا سَبَقَ فِي التَّخَلُّفِ وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ ذَلِكَ بِمَا إذَا رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْكَعَ رَفْعَ هُوَ فَلَمَّا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا يُخَالِفُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ قَالَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ مِثْلَهُ فِي التَّخَلُّفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ هَذَا بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ أَفْحَشُ وَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ وَرَفَعَ وَالْإِمَامُ فِي الْقِيَامِ ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ وَاجْتَمَعَا فِي الِاعْتِدَالِ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا فَإِنْ سَبَقَ بِرُكْنٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فَإِنْ اعْتَدَلَ وَسَجَدَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي الرُّكُوعِ أَوْ سَبَقَ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَجَلَسَ وَسَجَدَ الثَّانِيَةَ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى فَوَجْهَانِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ التَّقَدُّمَ بِرُكْنٍ لَا يُبْطِلُ كَالتَّخَلُّفِ بِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ هَذَا كُلُّهُ فِي التَّقَدُّمِ فِي الْأَفْعَالِ: وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْأَقْوَالِ فَإِنْ كَانَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ: وَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ التَّشَهُّدِ قَبْلَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِيهَا ثلاثة أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) لَا يَضُرُّ بَلْ يَجْزِيَانِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ (وَالثَّانِي) تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ (وَالثَّالِثُ) لَا تَبْطُلُ لَكِنْ لَا تُجْزِئُ بَلْ يَجِبُ قِرَاءَتُهُمَا مَعَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ أَوْ بعدها والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ " كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَقِّنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّلَاةِ " وَإِنْ كَانَ فِي ذِكْرٍ غَيْرِهِ جَهَرَ به المأموم ليسمعه فيقوله وإن سها في فعل سبح به لِيُعْلِمَهُ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ سَهَا لَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ كَالْحَاكِمِ إذَا نَسِيَ حُكْمًا حَكَمَ به فشهد شاهدان أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ سَهْوُ الْإِمَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ مِثْلَ أَنْ يَقْعُدَ وَفَرْضُهُ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَقُومَ وَفَرْضُهُ أَنْ يَقْعُدَ لَمْ يُتَابِعْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَمَا يَأْتِي بِهِ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ سَهْوُهُ فِي تَرْكِ سُنَّةٍ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ فَرْضٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِسُنَّةٍ فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ أَوْ سُجُودَ السَّهْوِ لَمْ يَتْرُكْهُ الْمَأْمُومُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ فرض المتابعة وإن نَسِيَا جَمِيعًا التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَنَهَضَا لِلْقِيَامِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ
الْقِيَامَ وَالْمَأْمُومُ قَدْ اسْتَتَمَّ الْقِيَامَ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي فَرْضٍ (وَالثَّانِي) يَرْجِعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ آكَدُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى مُتَابَعَتِهِ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ فِي فرض)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طُرُقٍ بِأَلْفَاظٍ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِشَوَاهِدَ (قَوْلُهُ) فَتَحَ عَلَيْهِ هُوَ - بِتَخْفِيفِ التَّاءِ - أَيْ لَقَّنَهُ وَفَتَحَ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ (وَقَوْلُهُ) لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى مُتَابَعَتِهِ هَذَا تَفْرِيعٌ مِنْهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَرِيبًا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) إذَا اُرْتُجَّ عَلَى الْإِمَامِ وَوَقَفَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ اُسْتُحِبَّ لِلْمَأْمُومِ تَلْقِينُهُ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَا إذَا كَانَ يَقْرَأُ فِي مَوْضِعٍ فَسَهَا وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ يُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ وَكَذَا إذَا سَهَا عَنْ ذِكْرٍ فَأَهْمَلَهُ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقُولَهُ جَهْرًا لِيَسْمَعَهُ فَيَقُولَهُ (الثَّانِيَةُ) إذَا سَهَا الْإِمَامُ فِي فعل فتركه أو هم بتغيره يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَبِّحَ لِيَعْلَمَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ دَلِيلِ التَّسْبِيحِ فِي هَذَا فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَإِنْ تَذَكَّرَ الْإِمَامُ عَمِلَ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ مَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ الْمَأْمُومِينَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِيَقِينِ نَفْسِهِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَلَا يُقَلِّدُهُمْ وَإِنْ كَانَ عَدَدُهُمْ كَثِيرًا وَكَذَا لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ هُوَ حَاضِرٌ هُنَاكَ وَصَرَّحَ بِلَفْظِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُونَ قَلِيلِينَ أَوْ كَثِيرِينَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُخْبِرُونَ كَثِيرِينَ كَثْرَةً ظَاهِرَةً بِحَيْثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ (وَالثَّانِي) يَرْجِعُ وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ: قَالَ فِي الْبَيَانِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَرْجِعُ وَصَحَّحَ الْمُتَوَلِّي الرُّجُوعَ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ السَّابِقِ فِي بَابِ السَّهْوِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ رُجُوعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَوْلِ الْمَأْمُومِينَ الْكَثِيرِينَ وَأَجَابَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِهِمْ بَلْ رَجَعَ إلَى يَقِينِ نَفْسِهِ حِينَ ذَكَّرُوهُ فَتَذَكَّرَ وَلَوْ جَازَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ غَيْرِ الْإِنْسَانِ لَصَدَّقَهُ وَتَرَكَ الْيَقِينَ لِرُجُوعِ ذِي اليدين إلى قول رسول
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ " لَمْ تُقْصَرْ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَنْسَ فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ بَلْ نَسِيتَ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ فِعْلًا فَإِنْ كَانَ فَرْضًا بِأَنْ قَعَدَ فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ أَوْ عَكْسَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِي تَرْكِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا فَفِعْلُهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ بَلْ يُفَارِقُهُ وَيُتِمُّ مُنْفَرِدًا وَإِنْ تَرَكَ سُنَّةً فَإِنْ كَانَ فِي اشْتِغَالِ الْمَأْمُومِ بِهَا تَخَلُّفٌ فَاحِشٌ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ الْإِتْيَانُ بِهَا فَإِنْ فَعَلَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَأْتِيَ بِهَا وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ أَوْ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ أَتَى بِهِ الْمَأْمُومُ لِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقُدْوَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِغَالِ الْمَأْمُومِ بِهَا تَخَلُّفٌ فَاحِشٌ بِأَنْ تَرَكَ الْإِمَامُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ قَالَ أَصْحَابُنَا لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهَا يَسِيرَةٌ قَالُوا وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ قَدْرَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَقَالُوا لَا بَأْسَ بِتَخَلُّفِهِ لِلْقُنُوتِ إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَلَحِقَهُ عَلَى قُرْبٍ بِأَنْ لَحِقَهُ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى (الرَّابِعَةُ) إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ قَائِمًا سَهْوًا أَوْ نَهَضَا لِلْقِيَامِ سَاهِيَيْنِ فَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ وَعَادَ الْإِمَامُ إلَى الْجُلُوسِ قَبْلَ انْتِصَابِهِ فَفِي الْمَأْمُومِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا (أَحَدُهُمَا) يَرْجِعُ (وَالثَّانِي) لَا يَرْجِعُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ (أَصَحُّهُمَا) يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ الرُّجُوعُ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ قَالَ وَلَمْ يُوجِبْ أَحَدٌ الرُّجُوعَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَ نَقْلَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْوُجُوبِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ عَلَى أَنَّهُمَا فِي الْجَوَازِ لِأَنَّهُ نَقَلَ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ ثلاثة أوجه (أصحها) يَجِبُ الرُّجُوعُ (وَالثَّانِي) يَحْرُمُ (وَالثَّالِثُ) يَجُوزُ وَلَا يَجِبُ وَدَلِيلُ الْأَصَحِّ أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ آكَدُ ثُمَّ يَحْصُلُ مَعَهَا التَّشَهُّدُ وَلَا يَفُوتُ الْقِيَامُ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ: وَأَمَّا قَوْلُ الاخيران مَنْ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ لَا يَرْجِعُ إلَى سُنَّةٍ وَلَا نُسَلِّمُ رُجُوعَهُ إلَى سُنَّةٍ بَلْ إلَى مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْأَوْجُهُ مَعَ فُرُوعِهَا فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَلْقِينِ الْإِمَامِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ وَحَكَاهُ ابن المنذر عن عثمان بن عفان وعلي بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ مَعْقِلٍ بِالْقَافِ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ واسحق قَالَ وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِالتَّلْقِينِ أَقُولُ وَقَدْ يُحْتَجُّ لِمَنْ كَرِهَهُ بِحَدِيثِ
ابي اسحق السَّبِيعِيِّ عَنْ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَلِيُّ لَا تَفْتَحْ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ " وَدَلِيلُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ حَدِيثُ الْمُسَوَّرِ - بِضَمِّ الْمِيمِ وفتح السين وتشديد الواو - ابن يَزِيدَ الْمَالِكِيُّ الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَوَاتِ فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأْهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هلا أذكر تنيها " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَمَذْهَبُهُ أَنَّ مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ وَعَنْ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى صَلَاةً فَقَرَأَ فِيهَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأَبِي أَصَلَّيْتَ مَعَنَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا مَنَعَكَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَامِلِ الصِّحَّةِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْكَارِهُونَ فَضَعِيفٌ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَنَّ الْحَارِثَ الْأَعْوَرَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ مَعْرُوفٌ بِالْكَذِبِ وَلِأَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَسْمَعْ أبو اسحق مِنْ الْحَارِثِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا منها * قال المصنف رحمه الله
- (وَإِنْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَاسْتَخْلَفَ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ كَانَ لَا يَجْهَرُ وَلَا يَقْرَأُ السُّورَةَ وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فَصَارَ يَجْهَرُ وَيَقْرَأُ السُّورَةَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ فِي الْأُمِّ يَجُوزُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَمَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِ فَلَا يَسْتَطِيعُ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَمَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِ فَلَا يَسْتَطِيعُ فَمُرْ عَلِيًّا فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ قَالَ إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَسْتَأْخِرَ فَأَوْمَأَ إليه بعيده فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَنْبِهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ " فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ جَازَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ تَرْتِيبَ الْأَوَّلِ فَيُشَوِّشُ وَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَبَقِيَ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَقَدَّمُوا مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الْأُولَى قَدْ تَمَّتْ فلا حاجة إلى الاستخلاف)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي اسْتِخْلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَخُرُوجِهِ وَتَأَخُّرِ أَبِي بَكْر وَصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (قَوْلُهَا) أَبُو بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ أَيْ حزين قوله صلى الله عليه وسلم " أي في صواحب يوسف تظاهرهن علي ما بردن وَإِلْحَاحِهِنَّ فِيهِ كَتَظَاهُرِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ وَنِسْوَتِهَا عَلَى صرف يوسف صلي الله عليه وسلم عَنْ رَأْيِهِ فِي الِاعْتِصَامِ فَحَمَاهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ مِنْهُنَّ وَالْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ صَوَاحِبُ وَفِي الْمُهَذَّبِ صَوَاحِبَات وَالْأَوَّلُ أَحْرَى عَلَى اللُّغَةِ (وَقَوْلُهُ) فِي الْمُهَذَّبِ فَمُرْ عَلِيًّا فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ لَيْسَ لِعَلِيٍّ ذِكْرٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورَةِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ يَبْكِي وَلَا يَسْتَطِيعُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي الصَّحِيحِ زِيَادَةٌ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ وَفِي بَعْضِهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَوْلُهُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نفسه خفة هي - بسكر الْخَاءِ - أَيْ نَشَاطًا وَقُوَّةً وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيُشَوِّشُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَعْدُودَةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي لَحْنِ الْعَوَامّ قَالُوا وَصَوَابُهُ فَيُهَوِّسُ وَمَعْنَاهُ يُخْلِطُ وَغَلَّطَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ اللَّيْثَ وَالْجَوْهَرِيَّ فِي تَجْوِيزِهِمَا التَّشْوِيشَ قَالَ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِي كِتَابِهِ لَحْنِ الْعَوَامّ أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ التَّشْوِيشَ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَنَّهُ من كلام المولدين وخطؤا اللَّيْثَ فِيهِ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا خَرَجَ الامام عن الصلاة بحديث تَعَمَّدَهُ أَوْ سَبَقَهُ أَوْ نَسِيَهُ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ أَوْ بِلَا سَبَبٍ فَفِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (الصَّحِيحُ) الْجَدِيدُ جَوَازُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (والقديم) والاملاء وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي مَرَضِهِ وَمَرَّةً حِينَ ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصْلِحَ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ فَحَضَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَطَعَ بِالْجَوَازِ وقال
إنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي الْجُمُعَةِ خَاصَّةً وَهَذَا أَقْوَى فِي الدَّلِيلِ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ مَنَعْنَا الِاسْتِخْلَافَ أَتَمَّ الْمَأْمُومُونَ صَلَاتَهُمْ فُرَادَى وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الخليفة صالحا لامامة هؤلا الْمُصَلِّينَ فَلَوْ اسْتَخْلَفَ لِإِمَامَةِ الرِّجَالِ امْرَأَةً فَهُوَ لَغْوٌ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ إلَّا أَنْ يَقْتَدُوا بِهَا وَكَذَا لَوْ اسْتَخْلَفَ أُمِّيًّا أَوْ أَخْرَسَ أَوْ أَرَتَّ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُمْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيُشْتَرَطُ الِاسْتِخْلَافُ عَلَى قُرْبٍ فَلَوْ فَعَلُوا فِي الِانْفِرَادِ رُكْنًا امْتَنَعَ الِاسْتِخْلَافُ بَعْدَهُ وَأَمَّا صِفَةُ الْخَلِيفَةِ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مَأْمُومًا يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ أَوْ مِثْلَهَا فِي عدد الركعات صح بالاتفاق وسوا كان مسبوقا أم غيره وسوا اسْتَخْلَفَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِتَرْتِيبِ الْإِمَامِ بِاقْتِدَائِهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْمُخَالَفَةِ فَإِنْ اسْتَخْلَفَ أَجْنَبِيًّا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ إنْ اسْتَخْلَفَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ جَازَ لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُمْ فِي التَّرْتِيبِ وَإِنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الْأَخِيرَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقِيَامِ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِتَرْتِيبِ الْإِمَامِ وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِالْقُعُودِ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِمَامِ فَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ إنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْأُولَى جَازَ وَإِنْ اسْتَخْلَفَهُ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَخْلَفَهُ فِي الثَّالِثَةِ خَالَفَهُ فِي الْهَيْئَاتِ فيجهر وكان ترتيب غَيْرَ مُلْتَزَمٍ لِتَرْتِيبِ الْإِمَامِ (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُ غَيْرِ مَأْمُومٍ مُطْلَقًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ أَجْنَبِيًّا لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً بَلْ هُوَ عَاقِدٌ لِنَفْسِهِ صَلَاةً فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ الْمَأْمُومُونَ فَهُوَ اقْتِدَاءُ مُنْفَرِدِينَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ قُدْوَتَهُمْ انْقَطَعَتْ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا اسْتَخْلَفَ مَأْمُومًا مَسْبُوقًا لَزِمَهُ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبِ الْإِمَامِ فَيَقْعُدُ مَوْضِعَ قُعُودِهِ وَيَقُومُ مَوْضِعَ قِيَامِهِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَوْ اقْتَدَى الْمَسْبُوقُ فِي ثَانِيَةِ الصُّبْحِ ثُمَّ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِيهَا فَاسْتَخْلَفَهُ فِيهَا قَنَتَ وَقَعَدَ عَقِبَهَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ يَقْنُتُ فِي الثَّانِيَةِ لِنَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ سَهَا قَبْلَ اقْتِدَائِهِ أَوْ بَعْدَهُ سَجَدَ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَأَعَادَ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَبَقَ وَإِذَا تَمَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ قَامَ لِتَدَارُكِ مَا عَلَيْهِ وَالْمَأْمُومُونَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا فَارَقُوهُ وَسَلَّمُوا وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ بِلَا خِلَافٍ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ شَاءُوا صَبَرُوا جُلُوسًا لِيُسَلِّمُوا مَعَهُ هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَفَ
الْمَسْبُوقُ نَظْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَمَا بَقِيَ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَآخَرُونَ وَهُمَا مَشْهُورَانِ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَغَيْرُهُ لَيْسَ هُمَا مَنْصُوصَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ خَرَّجَهُمَا ابْنُ سُرَيْجٍ وَقِيلَ هُمَا وَجْهَانِ أَقْيَسُهُمَا لَا يَجُوزُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ (أَصَحُّهُمَا) الْجَوَازُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ الجواز ولم يذكره غَيْرَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَعَلَى هَذَا يُرَاقِبُ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُومِينَ إذَا أَتَمَّ الرَّكْعَةَ فَإِنْ هَمُّوا بِالْقِيَامِ قَامَ وَإِلَّا قَعَدَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَا يُمْنَعُ قَبُولُ غَيْرِهِ وَإِشَارَتُهُ مِنْ اسْتِخْلَافِهِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ كَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ اعْتِمَادُهُ لِلْخَلِيفَةِ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَهْوُ الْخَلِيفَةِ قَبْلَ حَدَثِ الْإِمَامِ يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ فلا يسجد له احد وسهو بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ يَقْتَضِي سُجُودَهُ وَسُجُودَهُمْ وَسَهْوُ الْقَوْمِ قَبْلَ حَدَثِ الْإِمَامِ وَبَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ مَحْمُولٌ وَبَيْنَهُمَا غَيْرُ مَحْمُولٍ بَلْ يَسْجُدُ السَّاهِي بَعْدَ سَلَامِ الْخَلِيفَةِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ خَلْفَ مُصَلِّي الصُّبْحِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ وَاسْتَخْلَفَهُ قَنَتَ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ قُنُوتِ الْإِمَامِ فَلَا يَقْنُتُ فِي آخِرِ صلاته ولو احرم بالصبح خلف الظُّهْرِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ لَمْ يَقْنُتْ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ هَكَذَا نَقَلَهُمَا الْبَغَوِيّ ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَقْنُتُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ دُونَ الْأُولَى وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ بِالْخَلِيفَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) وَأَشْهَرُهُمَا لَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَوَّلِ وَقَدْ سَبَقَتْ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ (وَالثَّانِي) يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُمْ بِحَدَثِ الْأَوَّلِ صَارُوا مُنْفَرِدِينَ وَلِهَذَا لَحِقَهُمْ سَهْوُ أَنْفُسِهِمْ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالِاسْتِخْلَافِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ قَدَّمَ الْقَوْمُ وَاحِدًا بِالْإِشَارَةِ وَلَوْ تَقَدَّمَ وَاحِدٌ بِنَفْسِهِ جَازَ وَتَقْدِيمُ الْقَوْمِ أَوْلَى مِنْ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُمْ الْمُصَلُّونَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ قَدَّمَ الْإِمَامُ وَاحِدًا وَالْقَوْمُ آخَرَ فَأَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْقَوْمِ أَوْلَى قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَيَجُوزُ اسْتِخْلَافُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَكْثَرَ يُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِطَائِفَةٍ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ جَوَازَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَنْعَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَإِذَا تَقَدَّمَ خَلِيفَةٌ فَمَنْ شَاءَ تَابَعَهُ وَمَنْ شَاءَ أَتَمَّ مُنْفَرِدًا قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ فَلَوْ تَقَدَّمَ الْخَلِيفَةُ فَسَبَقَهُ حَدَثٌ وَنَحْوُهُ جَازَ لِثَالِثٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ فَإِنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ وَنَحْوُهُ فَلِرَابِعٍ وَأَكْثَرَ وَعَلَى جَمِيعِهِمْ تَرْتِيبُ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ وَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ مَا شُرِطَ فِي الْخَلِيفَةِ الْأَوَّلِ وَلَوْ تَوَضَّأَ الْإِمَامُ وَعَادَ وَاقْتَدَى بِخَلِيفَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ الْخَلِيفَةُ فَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ جَازَ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِخْلَافِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ أَمَّا الِاسْتِخْلَافُ فِي الْجُمُعَةِ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِهَا وَهُنَاكَ يُشْرَحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ وَفِي الْمَأْمُومِينَ مَسْبُوقُونَ فَقَامُوا لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِمْ فَقَدَّمُوا مَنْ يُتْمِمْهَا بِهِمْ وَاقْتَدَوْا بِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والمحاملى والجرجاني
وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ (أَصَحُّهُمَا) الْجَوَازُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِخْلَافِ قَالَا وَالْوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لَمْ يجز هذا وجها واحدا ما ذَكَرْتُهُ مِنْ تَصْحِيحِ الْجَوَازِ فَاعْتَمِدْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا فِي الِانْتِصَارِ لِأَبِي سَعِيدِ بْنِ عَصْرُونٍ مِنْ تَصْحِيحِ الْمَنْعِ وَكَأَنَّهُ اغْتَرَّ بِقَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ لَعَلَّ الْأَصَحَّ الْمَنْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الْجُمُعَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَسْبُوقِينَ الِاقْتِدَاءُ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ جُمُعَةٌ بَعْدَ جُمُعَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِاسْتِخْلَافِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا جَوَازُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَعَلْقَمَةَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ وَلَمْ يُصَرِّحْ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِحِكَايَةِ مَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ عَنْ أَحَدٍ * قال المصنف رحمه الله
- (وان نوى المأموم مفارقة الامام وأتم لنفسه فان كان لعذر لم تبطل صلاته " لان معاذا رضي الله عنه اطال القراءة فانفرد عنه اعرابي وذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه " وان كان لغير عذر ففيه قولان (أحدهما) تبطل لانهما صلاتان مختلفتان في الحكم فلا يجوز أن ينتقل من احداهما الي الاخرى كالظهر والعصر (والثانى) يجوز وهو الاصح لان الجماعة فضيلة فكان له تركها كما لو صلي بعض صلاة النفل قائما ثم قعد)
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ ثُمَّ فِي رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيَّ كَانَتْ فِي الْمَغْرِبِ وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مُعَاذًا افْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أحمد من رواية بريدة أنه كان في صلاة العشاء فقرأ (اقتربت الساعة) فَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ لِشَخْصَيْنِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ مُعَاذًا لَا يَفْعَلُهُ بَعْدَ النَّهْيِ وَيَبْعُدُ أَنَّهُ نَسِيَ النَّهْيَ وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْعِشَاءِ وَرَدِّ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ رِوَايَاتُ الْعِشَاءِ أَصَحُّ وَهُوَ كَمَا قَالَ لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ أَوْلَى وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ رِوَايَةِ القراءة بالبقرة والقراءة باقتربت بِأَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ فِي رَكْعَةٍ وَهَذِهِ فِي رَكْعَةٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَانْفَرَدَ عَنْهُ أَعْرَابِيٌّ فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ بَلْ الصَّوَابُ انْصَرَفَ عَنْهُ أَنْصَارِيٌّ صاحب ناضخ ونجل هَكَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد اسْمُهُ حَزْمُ بْنُ أَبِي كَعْبٍ وَقِيلَ اسْمُهُ حَازِمٌ وَقِيلَ سُلَيْمٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ حَرَامُ - بِالرَّاءِ - بْنُ مِلْحَانَ خَالُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَلَمْ يَذْكُرْ
الخطيب البغدادي في المبهمات غَيْرَهُ وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا صَلَّى مَعَهُ لَكِنْ احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ عَلَى الْمُفَارَقَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ قَالُوا وَتَطْوِيلُ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَاحْتَجَّ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ عَلَى الْمُفَارَقَةِ بِعُذْرٍ وَجَعَلُوا طُولَ الْقِرَاءَةِ عُذْرًا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ فَارَقَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ بَلْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ وَلَفْظُ رِوَايَتِهِ قَالَ " افْتَتَحَ مُعَاذٌ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ " وَهَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ بَلْ قَطَعَ الصَّلَاةَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا فَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ دَلَالَةٌ لِلْمُفَارَقَةِ وَالْبِنَاءِ وَقَدْ أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ لَا أَدْرِي هَلْ حُفِظَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي مُسْلِمٍ لِكَثْرَةِ مَنْ روى هذا الحديث عن سفين دُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا انْفَرَدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ وَهَذَا الْجَوَابُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ وَعُلِمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ قَبُولُ زِيَادَةِ الثِّقَةِ لَكِنْ يُعْتَضَدُ قَوْلُ الْبَيْهَقِيّ بِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ يَجْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ شاذا ضعيفا مردودا فالشاذ عندهم أن يرووا مَا لَا يَرْوِيهِ سَائِرُ الثِّقَاتِ سَوَاءٌ خَالَفَهُمْ أَمْ لَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ أَنَّ الشَّاذَّ مَا يُخَالِفُ الثِّقَاتِ أَمَّا ما لا يخالفهم فَلَيْسَ بِشَاذٍّ بَلْ يُحْتَجُّ بِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ فَعَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ شَاذَّةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الامام احمد ابن حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ " أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مَعَ الْقَوْمِ فَلَمَّا رَأَى مُعَاذًا طَوَّلَ تَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ وَلَحِقَ بِنَخْلِهِ يَسْقِيهِ فَلَمَّا قَضَى معاذا الصَّلَاةَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ إنَّهُ لَمُنَافِقٌ تعجل عن الصلاة من أجل شقى نَخْلِهِ " وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فِي الْحُكْمِ فَاحْتِرَازٌ مِمَّنْ نَوَى الْقَصْرَ ثُمَّ الْإِتْمَامَ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ لَيْسَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْعَدَدِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَخْرَجَ الْمَأْمُومُ نَفْسَهُ عَنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ نُظِرَ إنْ فَارَقَهُ وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ وَقَطْعَ الْقُدْوَةِ بطلت صلاته بالاجماع ومن نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَإِنْ نَوَى مُفَارِقَتَهُ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا بَانِيًا عَلَى مَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فَالْمَذْهَبُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَقَوْلٌ ثَالِثٌ قَدِيمٌ تَبْطُلُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ وَإِلَّا فَلَا قَالَ إمَامُ الحرمين
وَالْأَعْذَارُ كَثِيرَةٌ وَأَقْرَبُ مُعْتَبَرٍ أَنَّ كُلَّ مَا جَوَّزَ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ ابْتِدَاءً جَوَّزَ الْمُفَارَقَةَ وَأَلْحَقُوا بِهِ مَا إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْقُنُوتِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصْبِرْ عَلَى طُولِ الْقِرَاءَةِ لِضَعْفٍ أَوْ شُغْلٍ فَهَلْ هُوَ عُذْرٌ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ عُذْرٌ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ مُعَاذٍ عَلَيْهِ (وَالثَّانِي) لَا وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا كُلُّهُ إذَا قَطَعَ الْمَأْمُومُ الْقُدْوَةَ الامام بَعْدُ فِي صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَأَمَّا إذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِحَدَثٍ وَنَحْوِهِ أَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ أَوْ أَتَى بِمُنَافٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفَارِقُهُ وَلَا يَضُرُّ الْمَأْمُومَ هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ بِلَا خِلَافٍ أَمَّا إذَا فَارَقُوا الْإِمَامَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي بَابِهِ وَلَوْ نَوَى الصُّبْحَ خَلْفَ مُصَلِّي الظُّهْرِ وَتَمَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ فِي التَّشَهُّدِ حَتَّى يَفْرَغَ الْإِمَامُ وَيُسَلِّمَ مَعَهُ وَهَذَا أَفْضَلُ وَإِنْ شَاءَ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَسَلَّمَ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ هُنَا بِالْمُفَارَقَةِ بِلَا خِلَافٍ لِتَعَذُّرِ الْمُتَابَعَةِ وَكَذَا فِيمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الصُّوَرِ وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِي الْمُفَارَقَةَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمُفَارِقِ وعن أحمد روايتان كالقولين *
(بَابُ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ)
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
- (إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ حَدًّا يَعْقِلُ وَهُوَ مِنْ أهل الصلاة صحت امامته لما روى عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " أُمِّمْت عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا غُلَامٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ " وَفِي الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْأُمِّ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَافِلَةٌ وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ تَجُوزُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ إمَامًا في الجمعة كالبالغ
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ جَابِرٌ ثُمَّ فِي رواية البخاري في صحيحه وعمر وهذا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَأَبُو سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسَلِمَةُ صَحَابِيٌّ وَأَمَّا عَمْرٌو فَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُؤْيَتِهِ إيَّاهُ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَمْ يَرَهُ لَكِنْ كَانَتْ الرُّكْبَانُ تَمُرُّ بِهِمْ فَيَحْفَظُ عَنْهُمْ مَا سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَحْفَظَ قَوْمِهِ لِذَلِكَ فَقَدَّمُوهُ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ وَكُنْيَتُهُ أَبُو بُرَيْدٍ - بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِرَاءٍ - وقال أَبُو يَزِيدَ - بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَبِالزَّايِ - وَهُوَ مِنْ بَنِي جَرَمٍ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إذَا بَلَغَ حَدًّا يَعْقِلُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُمَيِّزًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَالتَّمْيِيزُ يَخْتَلِفُ وَقْتُهُ بِاخْتِلَافِ الصِّبْيَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ قَبْلَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُمَيِّزُ وَإِنْ بَلَغَ سَبْعًا وَعَشْرًا وَأَكْثَرَ: وَأَمَّا ضَبْطُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ وَقْتَ صِحَّةِ سَمَاعِ الصَّبِيِّ وَتَمْيِيزِهِ بِخَمْسِ سِنِينَ فَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَقَالُوا الصَّوَابُ يُعْتَبَرُ كُلُّ صَبِيٍّ بِنَفْسِهِ فَقَدْ يُمَيِّزُ لِدُونِ خَمْسٍ وَقَدْ يَتَجَاوَزُ الْخَمْسَ وَلَا يُمَيِّزُ وَقَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّبِيِّ الْكَافِرِ وَاَلَّذِي لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَكُلُّ صَبِيٍّ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَفِي الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَصَحُّهُمَا) الصِّحَّةُ هكذا صححه المحققون ولا يغتر بتصحيح ابن عَصْرُونٍ خِلَافَهُ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتِمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي عَبْدٍ وَمُسَافِرٍ صَلَّيَا الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَّا فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّ صَلَاتَهُمَا الثَّانِيَةَ نَافِلَةٌ كَالصَّبِيِّ وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا وَفِي الصَّبِيِّ أَنَّ الْكَمَالَ مَشْرُوطٌ فِي الْمَأْمُومِينَ فِي الْجُمُعَةِ فَفِي الْإِمَامِ أَوْلَى وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَقَدْ ضَبَطَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ الْكَلَامَ فِي إمَامِ الْجُمُعَةِ ضَبْطًا حَسَنًا وَلَخَّصَهُ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ لِإِمَامِ الْجُمُعَةِ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ مُسَافِرًا فَإِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ لَمْ تَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّتْ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ فِي صِحَّتِهَا وَجْهَانِ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) الصِّحَّةُ
هذا إذا صليا الجمعة ابتداء فان كان صَلَّيَا ظُهْرَ يَوْمِهِمَا ثُمَّ أَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَهُمَا مُتَنَفِّلَانِ بِهَا فَفِي صِحَّتِهَا خَلْفَهُمَا مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُتَنَفِّلِ (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا أَوْ مُتَنَفِّلًا فَإِنْ تَمَّ بِهِ الْعَدَدُ لَمْ تَصِحَّ وَإِنْ تَمَّ دُونَهُ فَقَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الصِّحَّةُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَنَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قَالَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَوَازَ فِي الْمُتَنَفِّلِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ وَلَا نَقْصَ فِيهِ (الثَّالِثُ) أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي صُبْحًا أَوْ عَصْرًا فَكَالْمُتَنَفِّلِ وَقِيلَ تَصِحُّ قَطْعًا لِأَنَّهُ يُصَلِّي فَرْضًا وَإِنْ صَلَّوْهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ تَامَّةً وَهِيَ فَرْضُهُ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي تَرْكِهِ الْجُمُعَةَ عُذْرٌ فَهُوَ كَمُصَلِّي فَيَكُونُ فِي صِحَّتِهَا الطَّرِيقَانِ الْمَذْهَبُ الصِّحَّةُ وَرَجَّحَ الْمُصَنِّفُ بُعْدَ هَذَا الْبُطْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ صَلَّوْهَا خَلْفَ مُسَافِرٍ نَوَى الظُّهْرَ مَقْصُورَةً فَإِنْ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ صَحَّ قَطْعًا وَإِنْ قُلْنَا صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَكَمَنْ نَوَى الظُّهْرَ تَامَّةً فَتَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ إمَامَةِ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِينَ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا صِحَّتُهَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الحسن البصري واسحق ابن رَاهْوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَكَرِهَهَا عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَؤُمُّ فِي مَكْتُوبَةٍ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَحْفَظُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ غَيْرُهُ فَيَؤُمُّهُمْ الْمُرَاهِقُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إنْ اُضْطُرُّوا إلَيْهِ أَمَّهُمْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِالْجَوَازِ أَقُولُ وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَصِحُّ إمَامَةُ الصَّبِيِّ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ وَقَالَ دَاوُد لَا تَصِحُّ فِي فَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ وَقَالَ أَحْمَدُ لا تصح في الفرض وفى
والنفل رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَبُو حنيفة ومالك والثوري والاوزاعي واحمد واسحق لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي مَكْتُوبَةٍ وَيَجُوزُ فِي النَّفْلِ قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ
- وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ " لَا يَؤُمُّ غُلَامٌ حَتَّى يَحْتَلِمَ " وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِأَنَّ مَنْ جَازَتْ إمَامَتُهُ فِي النَّفْلِ جَازَتْ فِي الْفَرْضِ كَالْبَالِغِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " رُفِعَ الْقَلَمُ " أَنَّ الْمُرَادَ رَفْعُ التَّكْلِيفِ وَالْإِيجَابِ لَا نَفْيُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّهُ صَلَّى هُوَ وَالْيَتِيمُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ الْمَذْكُورُ هُنَا وَغَيْرُهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنْ صَحَّ فَمُعَارَضٌ بِالْمَرْوِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ صِحَّةِ إمَامَةِ الصِّبْيَانِ: وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ لَمْ يُحْتَجَّ بِبَعْضِهِمْ وَيُخَالِفُ الْمَجْنُونَ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَلَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا صِحَّةُ صَلَاةِ الجمعة خلف المسافر وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ زُفَرَ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ صِحَّتُهَا وَرَاءَ الْعَبْدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَصِحُّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أحمد * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهل الصلاة فَإِنْ تَقَدَّمَ وَصَلَّى بِقَوْمٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إسْلَامًا مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوعِ الْإِيمَانِ فَلَا يَصِيرُ بِفِعْلِهِ مُسْلِمًا كَمَا لَوْ صَامَ رَمَضَانَ أَوْ زَكَّى الْمَالَ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ فَإِنْ عَلِمَ بِحَالِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ صَلَاتَهُ بِصَلَاةٍ بَاطِلَةٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمَ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ كَافِرًا مُتَظَاهِرًا بِكُفْرِهِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَهُ لِأَنَّ عَلَى كُفْرِهِ أَمَارَةً مِنْ الْغِيَارِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِكُفْرِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فَلَا تَصِحُّ خَلْفَهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُتَظَاهِرًا بِكُفْرِهِ (وَالثَّانِي) تَصِحُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي الائتمام به)
- (الشَّرْحُ) الْأَمَارَةُ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ - وَيُقَالُ الْأَمَارَ بِلَا هاء وهى العلامة علي الشئ وَالْغِيَارُ - بِكَسْرِ الْغَيْنِ - وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ وَكَذَا الْمُبْتَدِعُ الَّذِي يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ جَاهِلًا بِكُفْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَظَاهِرًا بِكُفْرِهِ كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَغَيْرِهِمْ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَقَالَ الْمُزَنِيّ لَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِهِ كَمُرْتَدٍّ وَدَهْرِيٍّ وَزِنْدِيقٍ وَمُكَفَّرٍ بِبِدْعَةٍ يُخْفِيهَا وَغَيْرِهِمْ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (الصَّحِيحُ) مِنْهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَوْلِ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ قَلِيلُونَ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ وَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَخَلَائِقُ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَنْصُوصُ لُزُومُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ قَالَ وَغَلِطَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْإِعَادَةَ وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مُسْلِمًا سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَصَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو اسحق وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فِي الظَّاهِرِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إذَا صَلَّى حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَالَ الشَّافِعِيِّ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعْلَمَ أَنَّ هُنَاكَ مُسْلِمًا يَقْصِدُ الِاسْتِهْزَاءَ
وَمُغَايَظَتَهُ بِالصَّلَاةِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الشَّامِلِ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ثُمَّ حَكَى قَوْلَ أَبِي الطَّيِّبِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَاتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ حَكَوْا قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْمُتَقَدِّمُونَ وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ التتمة غريب ضعيف: قال أصحابنا وصورة المسلة إذَا صَلَّى وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ الشَّهَادَتَانِ فَإِنْ سُمِعَتَا مِنْهُ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (الصَّحِيحُ) وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ (وَالثَّانِي) لَا يُحْكَمُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاسْتِدْعَاءِ غَيْرِهِ أَوْ بِأَنْ يَقُولَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ ثُمَّ يَأْتِي بِهِمَا وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْآذَانِ أَوْ غَيْرِهِ لَا بَعْدَ اسْتِدْعَاءٍ وَلَا حَاكِيًا وَالصَّحِيحُ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ الْآذَانِ وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالشَّاشِيُّ وَخَلَائِقُ غَيْرُهُمْ وَكُلُّهُمْ ذَكَرُوهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ أَيْضًا فِي بَابِ الْأَذَانِ وَمَقْصُودِي بِهَذَا أَنَّ بَعْضَ كِبَارِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُصَنِّفِينَ نَقَلَهُمَا عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ مُسْتَغْرَبًا لَهُمَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِينَ عُزِّرَ لافساده صلاتهم وتداعيه وَاسْتِهْزَائِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ كَمَا لَوْ صَامَ رَمَضَانَ وَزَكَّى الْمَالَ فَمُرَادُهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ قَالَ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ فِي مَسْجِدٍ فَأَلْزَمَهُ أَصْحَابُنَا الصَّوْمَ وَالزَّكَاةَ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ زَكَاةٍ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِلَا شَهَادَةٍ وَضَابِطُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أن كل ما يصير المسلم كافرا ايجحده يَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا بِإِقْرَارِهِ بِهِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ لَا يَصِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَلَاةِ الْكَافِرِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثور وداود وقال أَبُو حَنِيفَةَ إنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ حَجَّ وَطَافَ أَوْ تَجَرَّدَ لِلْإِحْرَامِ وَلَبَّى وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ صَارَ مُسْلِمًا وَقَالَ أَحْمَدُ إنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ
- وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّمَا يعمر مساجد الله من آمن بالله) وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا
لَهُ بِالْإِيمَانِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " نُهِيتُ عن قتال الْمُصَلِّينَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ أَنَّ مُجَرَّدَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ عِمَارَةً: وَعَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَلَاتُنَا: وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ ظَاهِرَهُ وَهُوَ مُجَرَّدُ اعْتِيَادِ المساجد غير مراد فلابد فِيهِ مِنْ إضْمَارٍ فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْكَافِرِ: وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحَّ لكان معناه من عرف بالصلاة الصحيحة * قال المصنف رحمه الله
- (وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْفَاسِقِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَعَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَلَّى خَلْفَ الْحَجَّاجِ مَعَ فِسْقِهِ)
- (الشرح) هذا الحديث ضعيف رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ورواه الدارقطني مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ مِنْهَا شئ يثبت: وأما صلاة بن عُمَرَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فَثَابِتَةٌ فِي صحيح البخاري وغيره وفى الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَرَاءَ الْفُسَّاقِ وَالْأَئِمَّةِ الْجَائِرِينَ: قَالَ أَصْحَابُنَا الصَّلَاةُ وَرَاءَ الْفَاسِقِ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وكذا تكره وراءه الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَتَصِحُّ فَإِنْ كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ فَإِنْ فَعَلَهَا صَحَّتْ وَقَالَ مَالِكٌ لَا تَصِحُّ وَرَاءَ فَاسِقٍ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَشَارِبِ الْخَمْرِ وَالزَّانِي وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى صِحَّتِهَا
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ وَمَنْ لَا يَكْفُرُ تَصِحُّ فَمِمَّنْ يَكْفُرُ مَنْ يُجَسِّمُ تَجْسِيمًا صَرِيحًا وَمَنْ يُنْكِرُ الْعِلْمَ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَكْفِيرِهِ فَأَطْلَقَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالشَّيْخُ أَبُو حامد الاسفراينى
وَمُتَابِعُوهُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ قَالَ أَبُو حَامِدٍ ومتابعوه المعزلة كفار والخوارج ليسوا بكفار ونقل المتولي بتكفير مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْقَفَّالُ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (قُلْتُ) وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ وَلَمْ يَزَلْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ يَرَوْنَ الصَّلَاةَ وَرَاءَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَمُنَاكَحَتَهُمْ وَمُوَارَثَتُهُمْ وَإِجْرَاءَ سَائِرِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَأَوَّلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُحَقِّقِينَ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ تَكْفِيرِ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ لا كفران الْخُرُوجِ عَنْ الْمِلَّةِ وَحَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجَازَ الشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ أَقَامَهَا يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَإِنْ كان غير محمود في دينه أن حاله أَبْلَغُ فِي مُخَالَفَةِ حَدِّ الدِّينِ هَذَا لَفْظُهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ وَإِلَّا فَتَجُوزُ وَغَيْرُهُ أَوْلَى * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمَرْأَةِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا تَؤُمَّنَّ الْمَرْأَةُ رَجُلًا " فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ عَلَيْهَا أَمَارَةً تدل على انها امرأة فلم يُعْذَرُ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَهَا وَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ الرَّجُلِ خَلْفَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امرأة ولا صلاة الخنثى خلف لخنثي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ رَجُلًا وَالْإِمَامُ امْرَأَةً)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَالِغٍ وَلَا صَبِيٍّ خَلْفَ امرأة حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبد رى وَلَا خُنْثَى خَلْفَ امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمَرْأَةِ خَلْفَ الْخُنْثَى وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ إمَامَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ وَسَائِرُ النَّوَافِلِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ التَّابِعِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ تَصِحُّ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَرَاءَهَا حَكَاهُ عَنْهُمْ القاضى أبو الطيب والعبد رى وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَرَاءَهَا إلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا امْرَأَةٌ ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ خُنْثَى أَوْ خُنْثَى خَلْفَ خُنْثَى وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خُنْثَى ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ فَإِنْ لَمْ يُعِيدَا حَتَّى بَانَ الْخُنْثَى الْإِمَامُ رَجُلًا فَهَلْ تَسْقُطُ الْإِعَادَةُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَهُمْ لَا تَسْقُطُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ مُقْتَضَى كلام العراقيين قالوا ويجزى الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ اقْتَدَى خُنْثَى بِخُنْثَى فَبَانَ المأموم وَفِيمَا لَوْ اقْتَدَى خُنْثَى بِامْرَأَةٍ فَبَانَ الْخُنْثَى امْرَأَةً وَلَوْ بَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ذُكُورَةُ الخنثى الامام أو انوثة الخنثي المصلي خلفت امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجَوَازِ إتْمَامِهَا الْقَوْلَانِ كَمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ مَنْ ظَنَّهُ رَجُلًا فَبَانَ خُنْثَى لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَالْمَشْهُورُ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ ثُمَّ إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ أَوْ الرِّجَالِ فَإِنَّمَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الرِّجَالِ وَأَمَّا صَلَاتُهَا وَصَلَاةُ مَنْ وَرَاءَهَا مِنْ النِّسَاءِ فَصَحِيحَةٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إلَّا إذَا صَلَّتْ بِهِمْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَسَنُوَضِّحُهُمَا فِي مسألة القارئ خلفت الْأُمِّيِّ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهَا (وَالثَّانِي) تَنْعَقِدُ ظُهْرًا وَتُجْزِئُهَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وليس بشئ والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
(وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْمُحْدِثِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ غَيْرَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ نَوَى مُفَارَقَتَهُ وَأَتَمَّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى حَدَثِهِ أَمَارَةٌ فَعُذِرَ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَهَا وَإِنْ تَمَّ الْعَدَدُ دُونَهُ صَحَّتْ لِأَنَّ الْعَدَدَ قَدْ وُجِدَ وَحَدَثُهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الجماعة كما لا يمنع في سائر الصلوات)
- (الشَّرْحُ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ لِمَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ وَالْمُرَادُ مُحْدِثٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ أَمَّا مُحْدِثٌ أُذِنَ لَهُ فِيهَا كَالْمُتَيَمِّمِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا تَوَضَّأَتْ أَوْ مَنْ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَفِي الصَّلَاةِ وَرَاءَهُمْ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ الْمُحْدِثِ بِجَنَابَةٍ أَوْ بَوْلٍ وَغَيْرِهِ وَالْمَأْمُومُ عَالِمٌ بِحَدَثِ الْإِمَامِ أَثِمَ بِذَلِكَ وَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِحَدَثِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ حَدَثَ الْإِمَامِ لَزِمَهُ مفارقته وأتم صلاته منفردا بانيا على ما صَلَّى مَعَهُ فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْمُتَابَعَةِ لَحْظَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ خَلْفَ مُحْدِثٍ مَعَ عِلْمِهِ بِحَدَثِهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ إذَا لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْأَفْعَالِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَالْمَحَامِلِيُّ وَخَلَائِقُ مِنْ كِبَارِ الْأَصْحَابِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى سَلَّمَ مِنْهَا أَجْزَأَتْهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِحَدَثِ نَفْسِهِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْمَأْمُومِ فِي الْحَالَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْبُوَيْطِيِّ قَبْلَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ بِأَسْطُرٍ إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِحَدَثِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا صَحَّتْ وَنَقَلَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيمَا إذَا تَعَمَّدَ الْإِمَامُ قَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَقَالَ هُمَا مَنْصُوصَانِ لِلشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَالَ أَصْحَابُنَا غَلَطٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ولا
يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَجِبُ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ وَإِنَّمَا حَكَى الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَالَ الْقَفَّالُ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ تَعَمَّدَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهَا قَوْلَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ أَنْكَرَ أَصْحَابُنَا عَلَى صَاحِبِ التَّلْخِيصِ وَقَالُوا الْمَعْرُوفُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ وَإِنْ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ (قُلْتُ) الصَّوَابُ إثْبَاتُ قَوْلَيْنِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَرَأَيْتُ النَّصَّ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْهُ وَنَقَلَهُ أَيْضًا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَهُوَ ثِقَةٌ وَإِمَامٌ فَوَجَبَ قَبُولُهُ وَوَجَّهَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ بِأَنَّ الْإِمَامَ الْعَامِدَ لِلصَّلَاةِ محدثا متلاعب ليست أَفْعَالُهُ صَلَاةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا فِي اعْتِقَادِهِ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ كَالْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ صَلَاتَهُ صَلَاةً (وَأَمَّا قَوْلُهُمْ) إنَّ الْحَدَثَ يَخْفَى (فَيُجَابُ) عَنْهُ بِأَنَّهُ وَإِنْ خَفِيَ فَتَعَمُّدُ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ مُحْدِثًا نَادِرٌ وَالنَّادِرُ لَا يُسْقِطُ الْإِعَادَةَ وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ إذَا تَعَمَّدَ الْإِمَامُ أَمَّا إذَا بَانَ إمَامُ الْجُمُعَةِ مُحْدِثًا فَإِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَإِنْ تَمَّ دُونَهُ فَطَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ في الام