كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فَكَانَ الْبُرْدِيُّ بِخَمْسَةِ أَسْدَاسِ صَاعَيْنِ وَالْعَجْوَةُ بِسُدُسِ صَاعَيْنِ فَلَا يَحِلُّ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبُرْدِيَّ بِأَكْثَرَ مِنْ كَيْلِهِ وَالْعَجْوَةُ بِأَقَلِّ مِنْ كَيْلِهَا وَهَكَذَا ذَهَبٌ بِذَهَبٍ كَأَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ مَرْوَانِيَّةٍ وعشرة محدثة بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ هَاشِمِيَّةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قِيمَةَ الْمَرْوَانِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ المحدثة وهكذا الذهب بالذهب متفاضلا لان العين الَّذِي فِي هَذَا فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَاطِلَ الدَّنَانِيرَ الْهَاشِمِيَّةَ التَّامَّةَ بِالْعِتْقِ النَّاقِصَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ فِي الْوَزْنِ وَإِنْ كان لهذه فضل وزنها وهذا فَضْلُ عُيُونِهَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ الْمُزَابَنَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُدْخِلَ فِي الصَّفْقَةِ شيئا من
الذى فيه الرِّبَا فِي الْفَضْلِ فِي بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ يَدًا بِيَدٍ وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ صُبْرَةَ تَمْرٍ مَكِيلَةٍ أَوْ جُزَافًا بِصُبْرَةِ حِنْطَةٍ مَكِيلَةً أَوْ جُزَافًا وَمَعَ الْحِنْطَةِ مِنْ التَّمْرِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الصَّفْقَةَ فِي الْحِنْطَةِ تَقَعُ عَلَى حِنْطَةٍ وَتَمْرٍ بِتَمْرٍ وَحِصَّةُ التَّمْرِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بِقِيمَتِهَا وَالْحِنْطَةُ بِقِيمَتِهَا وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعْلُومًا كَيْلًا بِكَيْلٍ (وَقَالَ) فِي بَابِ تَفْرِيعِ الصِّنْفِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ بِمِثْلِهِ وَكُلُّ مَا لَمْ يَجُزْ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ شئ ومعه شئ غيره بشئ آخر لاخير في مد بمد عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ وَلَا مَدَّ حِنْطَةٍ سَمْرَاءَ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ مَحْمُولَةٍ حَتَّى يكون الطعام
بالطعام لا شئ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُهُمَا أَوْ يَشْتَرِي شَيْئًا مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ صِنْفِهِ شئ (وقال) في باب 1 في التمر بالتمر ولاخير فِي أَنْ يَكُونَ صَاعُ أَحَدِهِمَا مِنْ تَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَصَاعُ الْآخَرِ مِنْ تَمْرٍ وَاحِدٍ (وَقَالَ) في مختصر المزني ولاخير فِي مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ حَتَّى يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلِ (وَقَالَ) فِيهِ أَيْضًا وَلَوْ رَاطَلَ مِائَةَ دِينَارٍ عِتْقٍ مَرْوَانِيَّةٍ ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار مِنْ ضَرْبٍ وَسَطٍ خَيْرٍ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَدُونَ المروانية لم يجز لانى لَمْ أَرَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ لَقِيتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا أَنَّ مَا جَمَعَتْهُ الصَّفْقَةُ مِنْ عَبْدٍ وَدَارٍ أَنَّ الثَّمَنَ مَقْسُومٌ عَلَى كل واحد منها بقدر قيمته من
الثَّمَنِ فَكَانَ قِيمَةُ الْجَيِّدِ مِنْ الذَّهَبِ أَكْثَرَ من الردئ وَالْوَسَطُ أَقَلُّ مِنْ الْجَيِّدِ (وَقَالَ) فِي مُخْتَصَرِ البويطى في باب البيوع وكل شئ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ الْحِنْطَةَ وَالتَّمْرَ وَالشَّعِيرَ وَالْعَسَلَ وَالدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فَإِذَا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَسَلٍ وَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ ومد عسل فلا يجوز أو درهم وثوب بِدِرْهَمٍ وَثَوْبٍ أَوْ دِرْهَمَ وَثَوْبَ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ مد حشف ومد تمر بمدى تَمْرٍ أَوْ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ دَقِيقٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ وَبِمَا أَشْبَهَهُ فَلَا يَجُوزُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّفْقَةَ تَجْمَعُهُمَا وَلَا يَتَمَيَّزُ تَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّتُهُ مِنْ الثمن ولا يدري كم ذلك
فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّفَاضُلُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ مِثْلُ ثَوْبٍ وَرِطْلٍ مِنْ عَسَلٍ بثوب ورطل عسل لِأَنَّ لِلثَّوْبِ وَالدِّرْهَمِ الَّذِي وَقَعَ بِالثَّوْبِ وَالدِّرْهَمِ لِلدِّرْهَمِ حِصَّةٌ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالثَّوْبِ وَمِنْ الْآخَرِ مثل ذلك فلا يجوز لان ثمنها لا يميز مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَدْخُلُ الثَّوْبُ وَالدِّرْهَمُ بِالثَّوْبِ وَالدِّرْهَمِ بَيْع وَصَرْف (وَقَالَ) فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ أَيْضًا فِي بَابِ الصَّرْفِ وَإِذَا صَارَفَهُ خَمْسِينَ قِطَاعًا وَخَمْسِينَ صِحَاحًا بِمِائَةٍ صِحَاحٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ لِلْخَمْسِينَ الْقِطَاعِ حِصَّةً مِنْ الْمِائَةِ الصِّحَاحِ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التفاضل والثمن مقوم عليهما وَهُوَ مِثْلُ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا وَثَوْبًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلَوْ اشْتَرَى
مِائَةَ دِينَارٍ قِطَعٍ بِمِائَةٍ صِحَاحٍ فَلَا بَأْسَ وقد قيل يجوز خمسين قطاع وخمسين صحاح بِمِائَةِ صِحَاحٍ
- وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ سَيَأْتِي مِثْلُهُ مَبْسُوطًا فِي الْإِمْلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (وَقَالَ) فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ وَإِنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ دنانير ودارهم فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِدَنَانِيرَ وَلَا بِدَرَاهِمَ إذَا اسْتَثْنَى مَالَهُ وَإِنْ اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ بِلَا مَالٍ فَجَائِزٌ (وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الْإِمْلَاءِ فِي بَابِ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامله على خيبر (أن يبيع الجميع بالدراهم ثم يشترى بالدراهم حساما) دل والله أعلم على أن لا يجوز أن يباع صاع تمر ردئ فَيُجْمَعُ مَعَ صَاعِ تَمْرٍ فَائِقٍ ثُمَّ يَشْتَرِي
بِهِمَا صَاعَيْنِ بِتَمْرٍ وَسَطٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ يحيط بأن صاع التمر الردئ لَوْ عُرِضَ عَلَى صَاحِبِ التَّمْرِ الْوَسَطِ بِرُبْعِ صَاعٍ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَوْ قُوِّمَ لَمْ تَكُنْ قيمته كقيمة ربع صاع من الوسط وانما يُعْطَى صَاحِبُ الصَّاعَيْنِ مِنْ الْوَسَطِ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ردئ وَصَاعٍ جَيِّدٍ لِيُدْرِكَ فَضْلَ تَمْرِهِ الْجَيِّدِ عَلَى الردئ بما يأخذه من الجيد وعامل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يُقَاسِمُهُمْ نِصْفَ تَمْرِهِمْ فَيَأْخُذُ الْجَيِّدَ الغاية من صاحب الجيد الغاية والردئ الذى لاأسفل منه من صاحب التمر الردئ وَمِنْ كُلِّ ذِي تَمْرٍ نِصْفَ تَمْرِهِ وَلَوْ كان يجوز أن يجمع الردئ مَعَ الْجَيِّدِ الْغَايَةِ أَمَرَهُ فِيمَا يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يَضُمَّ الردئ إلى الجيد ثم
يشترى به وَسَطًا إنْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فَخَالَفَ بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا فَقَالَ (لَا بَأْسَ أَنْ يضم الحشف إلى الردئ ثُمَّ يَشْتَرِي بِكِلَيْهِمَا تَمْرَ عَجْوَةٍ) وَقَالَ (لَا بأس بالذهب بالذهب متفاضلة إذَا دَخَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَيْسَ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَعْنَى الذَّهَبِ يُضَمُّ إلَيْهَا غَيْرُهَا مَعْنَى التَّمْرِ الردئ يضم إليه التمر الردئ مِنْهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقُلْتُ لِبَعْضٍ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلُ أَرَأَيْتَ رَجُلًا اشترى ألف درهم تسوي عَشَرَةَ الدَّرَاهِم بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ قَالَ جَائِزٌ (قُلْتُ) فَإِنْ وَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا قَالَ يَرُدُّهُ بِأَلْفٍ قلت فهكذا يقول فِي الْبُيُوعِ كُلِّهَا قَالَ أَيُّ الْبُيُوعِ (قُلْتُ) أرأيت لو باع جارية تسوي ألفا وثوبا يسوي عَشَرَةَ دَرَاهِمِ بِأَلْفَيْنِ فَوَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا قَالَ تُقْسَمُ الْأَلْفَانِ عَلَى الْأَلْفِ وَعَشَرَةٍ
وَيُرَدُّ الثَّوْبُ بِحِصَّةِ عَشَرَةٍ مِنْ الْأَلْفَيْنِ) قَالَ (وكذلك جارية تسوي ألفا وثوبا يسوي مائة بيعا بألفين ومائتين يرد الثَّوْبُ بِمِائَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا سَهْمٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ سهما من الثمن ويكون صحة هَذَا فِي الْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ واحد منهما حصته من الثمن (قلت) فلم لا يكون الثمن هكذا قال لان الثَّمَنَ كُلَّهُ مَعْرُوفٌ (قُلْتُ) وَالسِّلْعَتَانِ اللَّتَانِ بِيعَتَا مَعْرُوفَةٌ فِي الْقِيمَةِ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ نَعَمْ (قُلْتُ) وَهَكَذَا الْبُيُوعُ كُلُّهَا قَالَ نَعَمْ (قُلْتُ) لِمَ لَمْ يَقُلْ هَذَا فِي الثَّوْبِ مَعَ الدَّرَاهِمِ قَالَ إذَا احْتَرَزَ الرِّبَا فَيَكُونُ أَلْفًا بأكثر منها (قلت) فهذا أَبْطَلْنَا مَا أَجَزْتُ مِنْ الصَّرْفِ وَإِذَا أَجَزْتُهُ فَقَدْ تَرَكْتُ أَنْ يُقَسَّمَ الثَّمَنُ عَلَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ عُقْدَةُ الْبَيْعِ هَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا إذَا كان المبيع مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَعَلَى مَا إذَا كَانَ نَوْعَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ
وَيُعَبِّرُ الْأَصْحَابُ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بِقَاعِدَةِ مَدُّ عَجْوَةٍ وَضَابِطُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ تَشْتَمِلَ الصَّفْقَةُ عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَيَخْتَلِفُ مَعَ ذَلِكَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا جِنْسًا أَوْ نَوْعًا أَوْ صَفْقَةً فَقَوْلُنَا مَالٌ وَاحِدٌ خَرَجَ بِهِ مَا إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى جِنْسِ مَالِ الرِّبَا كَمَا إذَا بَاعَ قَمْحًا وَشَعِيرًا بِتَمْرٍ وَزَبِيبٍ فَإِنَّهُ لَوْلَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَدَخَلَ تَحْتَ الضَّابِطِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ أَنْ يَبِيعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا غيره على مِمَّا فِيهِ الرِّبَا أَوْ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ وَهَذِهِ عِبَارَةُ أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكِتَابِ وَفِي التَّنْبِيهِ مِنْ أَحْسَنِ الْعِبَارَاتِ وَأَسْلَمِهَا لَكِنْ فِيهَا اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا وَسَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَوَّلُ مَا يُعْتَنَى بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَصْلَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْجَهْلَ بالمماثلة لحقيقة المفاظلة وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ
عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا وَيَشْهَدُ لَهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ لَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهَا وَمَنَعَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ خَرْصًا فِي غَيْرِ الْعَرَايَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَهِيَ تُخَرَّجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الاصل الذى عرف لنا في مسائل الرِّبَا وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي بَيْعِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ الْحَظْرِ إلَّا أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ عَنْ الْحَظْرِ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الْوَجْهُ يَبْقَى مَحْظُورًا تَمَسُّكًا بِالْأَصْلِ (وَالْأَصْلُ الثَّانِي) أَنَّ اخْتِلَافَ الْعِوَضَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ وَتَوْزِيعَ الثَّمَنِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ لِدَلِيلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ فَإِنَّ التُّجَّارَ يَقْصِدُونَ بِالشِّرَاءِ التَّثْمِينَ (وَالثَّانِي) مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ كَمَا إذَا
بَاعَ عَبْدًا وَثَوْبًا ثُمَّ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مُسْتَحِقًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَالشَّفِيعُ إنَّمَا يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ وَلَهُ حَالَةُ الْعَقْدِ فَلَوْلَا أَنَّ التَّوْزِيعَ حَاصِلٌ حِينَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ وَكَمَا فِي رَدِّ الْبَعْضِ بِالْعَيْبِ وَتَلَفِ الْبَعْضِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْلَا التَّوْزِيعُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا تَوَزَّعَ فِي الِانْتِهَاءِ وَلَا يُتْرَكُ التَّوْزِيعُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ لَهُ مُقْتَضَى حُمِلَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَدَّى إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ أَوْ إلَى صَلَاحِهِ كَمَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُقَابَلَةَ جميع الثمن للثمن حُمِلَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَدَّى إلَى فَسَادِهِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ هِبَةٌ وَالْآخَرُ ثَمَنٌ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يَغْلِبُ وَجْهُ الصِّحَّةِ بِكُلِّ حَالٍ مَمْنُوعٍ قَالَ الْعِجْلِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْوَسِيطِ بِعَرَضِ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا كَانَ الجيد لواحد والردئ لآخر قائلا هما
ثمانين فَيَقُولُ صَاحِبُ الْمِائَةِ الْجَيِّدَةِ نَزَلَ عَنْ مِائَةٍ وَحَصَلَ أَكْثَرُ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ بِالْبَيْعِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ
- بَيَانُهُ أَنَّ قِيمَةَ الْجَيِّدَةِ إذَا كَانَتْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وقيمة الردئ أَلْفًا وَصَاحِبُ الْجَيِّدَةِ أَخَذَ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ وَهُوَ مائة وثلاثة وثلاثون وثلث وصاحب الردئ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِالْمِائَةِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلْثَانِ وَهَذَا عَيْنُ الرِّبَا وَهَذَا مُقْتَضَى لِلْعَقْدِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ لَمْ يَقْتَضِ الْعَقْدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِلْكًا أَصْلًا أَوْ اقْتَضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مُلْكًا فِي الْكُلِّ أَوْ اقْتَضَى مِلْكًا فِي النِّصْفِ عَلَى التَّسَاوِي أَوْ اقْتَضَى مِلْكًا بِحَسَبِ مَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ الْقِيمَةِ وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى ظَاهِرَةُ الْبُطْلَانِ فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى العقدان
مَا ظَهَرَ بِالْقِيمَةِ وَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمِلْكِ فَكَذَا عِنْدَ اتِّحَادِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَالْقِسْمَةِ لَا بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ إذْ بَاذِلُ الْجَيِّدِ لَا يَرْضَى أَنْ يَسْتَفِيدَ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ مَا يستفيده في مقابلة الردئ وَلَا بَاذِلَ الثَّمَنِ يَبْذُلُهُ عَلَى التَّسَاوِي بَلْ هَذَا الْقَصْدُ ضَرُورِيٌّ فِي نَفْسِ الْمُعَاقَدِ وَمُطْلَقُ كَلَامِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا مَا يُقْصَدُ فِي عَادَةِ التَّعَامُلِ فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِمُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ بزيادة اه ثُمَّ أَلْزَمَهُمْ بِمَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ التَّفَاضُلُ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ وَالِانْقِسَامُ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْمِلْكِ أَوْ اخْتِلَافَ الْعَيْبِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقَ أَوْ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الاختلافات الاربع
أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكُلَّ بِالْكُلِّ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَفَاضُلٌ (قُلْنَا) كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ وَأَنْتُمْ تُصَحِّحُونَ الْعَقْدَ مَعَ أن مقتضى الانقسام والتفاضل موجود اه وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا فَرَضَهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا لَوْ كان لرجلين عبدين فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الغرض وَلِأَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَيْضًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ فَيَصِحُّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَلْزَمَ أَصْحَابُنَا الْخَصْمَ بِالتَّوْزِيعِ وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ نَسِيئَةً ثم اشتراه مع آخر بأكثر نقد فأن عندهم
لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَ وَاعْتَذَرُوا عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِأَنَّ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وُجُوهُ الصِّحَّةِ كَثِيرَةٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ أَلْفًا وَمَا فَوْقَهُ درهما درهما إلى أن يبقى درهم للعقد الثَّانِي وَإِذَا كَثُرَتْ الْوُجُوهُ صَارَ مَا قَابَلَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْمَانِ مَجْهُولًا فَبَطَلَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ وَأَبْطَلَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بعشرة وأحدث فيها عمارة واكراها باحدى عَشَرَةَ 1 أُجْرَةً فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ دِرْهَمًا وَمَا زَادَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمٌ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَمْ يَفْعَلُوا بَلْ جَعَلُوا قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ وَالزِّيَادَةَ فِي مقابلة العمارة وصححوا (قال) أصحابنا
وقد تكثر وجوه الصحة في مسئلتنا وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ شَعِيرٍ وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أن يجعل مدى حنطة بمد شَعِيرٍ وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ وَمُدَّيْ تَمْرٍ بمد حِنْطَةٍ وَكَذَا مُدُّ حِنْطَةٍ وَمُدُّ شَعِيرٍ بِمُدِّ حنطة ومدى شَعِيرٍ فَقَدْ كَثُرَتْ وُجُوهُ الصِّحَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزْتُمْ
- وَأَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا أَيْضًا إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَتَصَرَّفَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ وَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مُقَابَلَةٍ لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِيهَا بِأَنْ يَجْعَلَ الدِّرْهَمَ بِالْمُدِّ فقد اتضح بهذه المباحث نظرا وإلزاما اتِّجَاهَ الْقَوْلِ بِالتَّوْزِيعِ قَالَ الْفَارِقِيُّ وَهَذَا أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْذُلُ مِنْ العوض في
مقابلة الردئ مَا يَبْذُلُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ عَلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي فِي وَضْعِهِ تَوْزِيعًا مُفَصَّلًا بَلْ مُقْتَضَاهُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ أَوْ مُقَابَلَةُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِمَّا فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ بِمِثْلِهِ مِمَّا فِي الشِّقِّ الْآخَرِ بِأَنْ يُقَالَ ثُلُثُ الْمُدِّ وَثُلُثُ الدِّرْهَمِ يُقَابِلُ ثُلُثَ الْمُدَّيْنِ يَعْنِي إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَكْلِيفِ تَوْزِيعٍ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِضَرُورَةِ الشُّفْعَةِ (قَالَ) وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدِي فِي التَّعْلِيلِ أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِالْمُمَاثَلَةِ تَحْقِيقًا وَإِذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ لَمْ يُحَقِّقْ الْمُمَاثَلَةَ فَيُفْسِدُ الْعَقْدَ (قَالَ) الرَّافِعِيُّ وَلِنَاصِرِيهَا أَنْ يَقُولُوا أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ التوزيع المفصل فِي مَسْأَلَةِ الشَّفْعِ وَلَوْلَا كَوْنُهُ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ لكان
ضَمُّ السَّيْفِ إلَى الشِّقْصِ مِنْ الْأَسْبَابِ الدَّافِعَةِ لِلشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَنْدَفِعُ بِعَوَارِضَ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّا تَعَبَّدْنَا بِتَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ تعبدنا بتحقيق المماثلة فيما إذا تمخضت مقابلة شئ مِنْهَا بِجِنْسِهِ أَمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ (إنْ قُلْنَا) بِالثَّانِي فَمَمْنُوعٌ (وَإِنْ قُلْنَا) بِالْأَوَّلِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ وَالِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْإِمَامِ حَقٌّ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا يُقَوِّيهِ فِيمَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ (وَأَمَّا) الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَضَعِيفٌ وَلَا سِيَّمَا فِي الْفَرْضِ الَّذِي فَرَضَهُ وَهُوَ إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا بِتَمْرٍ لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ مَبِيعٌ قَطْعًا وَلَا مُقَابِلَ لَهُ إلَّا تَمْرٌ وَمَتَى صَدَقَ أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا بِتَمْرٍ وَجَبَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِالنَّصِّ وبمحض المقابلة فمد زائد لم يدل على دَلِيلٌ وَاعْتِرَاضُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ فِي جعله العمدة فِي التَّوْزِيعِ مَنْسُوبَةً لِلْأَصْحَابِ فَإِنَّهَا عُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتَمَدَ حَدِيثَ الْقِلَادَةِ قَالَ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعَرُّضًا لَهُ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ بَلْ عَنْ الْأَصْحَابِ والله سبحانه أَعْلَمُ * (فَصْلٌ) إذَا تَقَرَّرَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ هَانَ تقدير القاعدة المذكورة وليست كلها على مَرْتَبَةً وَاحِدَةً بَلْ هِيَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ تَارَةً يَخْتَلِفُ الْجِنْسُ وَتَارَةً يَخْتَلِفُ النَّوْعُ وَتَارَةً يَخْتَلِفُ الْوَصْفُ فَلْنُفْرِدْ كُلَّ مَرْتَبَةٍ بِالْكَلَامِ عَلَيْهَا (الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى) أَنْ يَخْتَلِفَ الْجِنْسُ وَهِيَ الَّتِي صَدَّرَ الْمُصَنِّفُ كَلَامَهُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا رِبَوِيًّا كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ وَكَمَا إذَا بَاعَ صَاعَ حِنْطَةٍ وَصَاعَ شَعِيرٍ بِصَاعِ حِنْطَةٍ وَصَاعِ شَعِيرٍ أَوْ صاعي حنطة أو صاعي شعير أو دينار ودرهم بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ أَوْ بِدِينَارَيْنِ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رِبَوِيًّا فَقَطْ كَثَوْبٍ وَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ بِثَوْبٍ وَدِرْهَمٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِثَوْبَيْنِ لِأَنَّ مَالَ الرِّبَا حِينَئِذٍ لَمْ يَتَّحِدْ من الجانين فَلَا يَكُونُ مِنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ وَكَمَا إذَا بَاعَ خَاتَمًا فِيهِ فَصٌّ بِخَاتَمٍ فِيهِ فَصٌّ أَوْ لَا فَصَّ فِيهِ وَهُمَا
جَمِيعًا فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ سَيْفًا مُحَلَّى بِفِضَّةٍ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِسَيْفٍ مُحَلَّى بِفِضَّةٍ أَوْ سَيْفًا مُحَلَّى بِذَهَبٍ أَوْ بِسَيْفٍ مُحَلَّى بِذَهَبٍ أَوْ قِلَادَةً فِيهَا ذَهَبٌ بِذَهَبٍ أَوْ عَبْدًا مَعَهُ مَالُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمِ أَوْ دَنَانِيرَ بِدَنَانِيرَ إذَا اشْتَرَطَ كَوْنُ الْمَالِ لِلْمُشْتَرِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيُّ وَقَدْ أَطْبَقَ الْأَصْحَابُ تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي
ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يَنُصَّ فِي بَيْعِهِ فيقول المد في مقابلة المد والدرهم قى مقابلة الدرهم كذلك صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَا شَكَّ فِيهِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ فَضَالَةَ الْمُتَقَدِّمِ وبالاصلين اللذين تَقَدَّمَا وَوَجْهُ الْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ فِيهِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَاعَ الْمُدَّ بِالْمُدِّ وَالْمُدَّ الثَّانِي بِالدِّرْهَمِ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ بِأَنْ يُجْعَلَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمُدِّ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا بَاعَ الْمِثْلَ بِالْمِثْلِ وَلَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إلَّا إذَا نَصَّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ فَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ هُوَ إطْلَاقًا لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ عَلَى زَعْمِ الْمُخَالِفِ فَلَا يَكُونُ هُوَ تَابِعًا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ فبقى
عَلَى الْفَسَادِ وَيَزِيدُ ذَلِكَ إيضَاحًا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْمُدِّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ دِرْهَمًا فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ فيكون المد ثلثي ما في هذه الطَّرَفِ فَيُقَابِلُهُ ثُلُثَا الْمُدَّيْنِ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَابَلَ مُدًّا بِمُدٍّ وَثُلُثٍ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ كَنِصْفِ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ الْمُدُّ ثُلُثَ مَا فِي هَذَا الطَّرَفِ فَيُقَابِلُهُ ثُلُثُ الْمُدَّيْنِ مِنْ الطَّرَفِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَابَلَ مُدًّا بِثُلُثَيْ مَدٍّ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمًا فَلَا تَظْهَرُ الْمُفَاضَلَةُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَكِنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا تَسْتَنِدُ إلَى التَّقْوِيمِ وَالتَّقْوِيمُ بِخَمْسِينَ قَدْ يَكُونُ صَوَابًا وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً وَالْمُمَاثَلَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الربا هي المماثلة
الحقيقة
- هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ مقتضى كلام إكثر الاصحاب ولافرق فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْمُدِّ مِثْلَ الدِّرْهَمِ أَوْ لَا عَلَى مُقْتَضَى إطْلَاقِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عليه ولافرق أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا وَخَالَفَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُخَالِفُونَ (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُمَا لَوْ عَلِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ أَنَّ قِيمَةَ الْمُدِّ مِثْلُ الدِّرْهَمِ وَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ وَإِنَّمَا يَكُونُ رِبًا إذَا كَانَ التَّفَاضُلُ مَعْلُومًا أَوْ التَّمَاثُلُ مَجْهُولًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُبْعِدُهُ أَنَّ الْقِيمَةَ أَمْرٌ تَخْمِينِيٌّ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الرِّبَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ تَخْمِينًا لَمْ يَصِحَّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَمْ أَرَ مَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ
إلَّا الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ تَقْتَضِيهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَوَافَقَهُمْ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَأَطْلَقَ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقِيمَةِ يَجُوزُ وَأَخَذَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَقَالَ إنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْبَيْعِ فِي مُدِّ عَجْوَةٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٍ بِمُدَّيْ عَجْوَةٍ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِرْهَمٌ لِأَنَّا إذَا وَزَّعْنَا الدِّرْهَمَ عَلَى الْمُدَّيْنِ خَصَّ كُلَّ مُدٍّ نِصْفُ دِرْهَمٍ وَإِذَا وَزَّعْنَا الْمُدَّ الذى مَعَ الدِّرْهَمِ خَصَّ كُلَّ مُدٍّ مِنْ الْمُدِّ الْمُوَزَّعِ نِصْفُهُ فَيَصِيرُ بَيْعُ مُدٍّ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ بنصف مد قيمته نصف فَيَقَعُ نِصْفُ الْمُدِّ بِإِزَاءِ نِصْفِ الْمُدِّ وَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ كَمَا يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ
فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ بَعْضَ مِنْ رجعت إليه وبه الْعَصْرِ 1 مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا يُجَوِّزُ هَذَا الْبَيْعَ وَيَحْتَجُّ بِتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْإِمَامُ الرُّويَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إلَى هَذَا التَّخْرِيجِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ الْبَيْعَ باطل ههنا أَيْضًا لِأَصْلٍ آخَرَ سِوَى الْمُعَامَلَةِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّحَرِّيَ فِي مَسَائِلَ الرِّبَا مَمْنُوعٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّقْوِيمُ ضَرْبٌ مِنْ التَّخْمِينِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا تَحَقَّقْنَا الْمُمَاثَلَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ إذَا اجْتَنِيَا مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ بِحَيْثُ تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ وَلَا مَجَالَ لِلتَّحَرِّي فِي ذَلِكَ بِوَجْهٍ قَالَ وَالتَّشْكِيكُ فِي مثل
هَذَا الْمَوْضِعِ نَوْعٌ مِنْ الْوَسْوَاسِ وَهَذَا أَصَحُّ عندي والله أَعْلَمُ
- وَلِذَلِكَ جَزَمَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ بِأَنَّهُ لو تحقق الْمُسَاوَاةُ بِأَنْ اجْتَنِيَا مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غُصْنٍ وَاحِدٍ يَجُوزُ وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّجْرِبَةِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَغَلَطَ مَنْ قَالَ بِخِلَافِهِ وَكُلُّهُمْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ وَشَبَهِهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِيمَا إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَالْمُدَّانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ وَجْهَيْنِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا باع درهما ودينارا بدرهم وديناران وَالدِّرْهَمَانِ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ أَوْ بَاعَ صَاعَ
حِنْطَةٍ وَصَاعَ شَعِيرٍ بِصَاعِ حِنْطَةٍ وَصَاعِ شَعِيرٍ وَصَاعَا الْحِنْطَةِ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَاعَا الشَّعِيرِ كَذَلِكَ وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ الصِّحَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْأَسْرَارِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ وَهُوَ أَخُصُّ مِنْ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَعْضُ الْمُوَافَقَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وَإِطْلَاقِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لَمْ يَفْصِلُوا فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمَةُ إذَا تَأَمَّلْتَهَا لَمْ يَعْتَبِرْ فِيهَا الْقِيمَةَ إلَّا فِي اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَأَمَّا فِي اخْتِلَافِ الجنس فانه
أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ وَهُوَ مُقْتَضَى التَّمَسُّكِ بِحَدِيثِ فَضَالَةَ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ عَنْ قِيمَةِ الْخَرَزِ الَّذِي مَعَ الذَّهَبِ وَهَلْ يَقْتَضِي التَّوْزِيعُ تفاضلا أولا فَكَانَ الْحُكْمُ عَامًا وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ مِنْ حُجَّةِ الْمَانِعِينَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا بِدِرْهَمٍ وَدِينَارٍ مِنْ ضَرْبٍ وَاحِدٍ فَالدِّينَارُ يُقَابِلُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ مَعًا لَوْ خَرَجَ الدِّينَارُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا يَرُدُّ بَعْضَ الدِّينَارِ وَبَعْضَ الدِّرْهَمِ بِاعْتِبَارِ التَّقْسِيطِ بِالْقِيمَةِ
- مِثَالُهُ قِيمَةُ الدينار عشرة دَرَاهِمَ مَعَهُ دِرْهَمٌ فَالْجَمِيعُ أَحَدَ عَشَرَ فَنَجْعَلُ الدِّينَارَ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا
فَيَسْتَرِدُّ فِي مُقَابَلَةِ الدِّينَارِ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ الدِّينَارِ وَعَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَفَاوُتٌ فِي الْقِيمَةِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُقَسِّطَ الدِّينَارَ عَلَى مَا حَصَلَ فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَإِذَا قَسَّطْنَا يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ أَوْ الْجَهْلِ بِالتَّمَاثُلِ
- هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ وَيَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ
- عَلَى أَنَّ الرُّويَانِيَّ لَا يَخْتَارُ ذَلِكَ بَلْ يَخْتَارُ الصِّحَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ الْمُعْتَمَدُ
- وَقَدْ صَرَّحَ الرُّويَانِيُّ فِي الْإِبَانَةِ بِذَلِكَ فَقَالَ لَا يَصِحُّ - وان قال أهل العلم - هما متفقان في القيمة لانهم يخيرون عَنْ الِاجْتِهَادِ وَرُبَّمَا يَتَفَاوَتُ عُرِفَ أَنَّ تَقْيِيدَ الشَّيْخِ بِالْمُخَالِفَةِ فِي الْقِيمَةِ وَجْهٌ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ غَيْرَهُ (وَأَمَّا) الشَّيْخُ
تاج الدين الفرارى فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّ ذِكْرَ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقِيمَةِ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّ المخالفة فيها ليست شرطا بَلْ لَوْ كَانَ التَّسَاوِي مَجْهُولًا كَفَى فِي الْبُطْلَانِ وَلَوْ كَانَتْ الْعَجْوَةُ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيمَةُ الْمُدِّ دِرْهَمٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ جَعْلُ الْمُدِّ فِي مُقَابِلَةِ الْمُدِّ وَالدِّرْهَمِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ الْآخَرِ فَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ قَالَ وَفِيهِ وَجْهٌ يَبْعُدُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى إرَادَتِهِ لِغَرَابَةِ الْوَجْهِ وَلِأَنَّ الْمُصَحَّحَ ثَمَّ اتِّفَاقُ الْقِيمَةِ لَا عَدَمَ اخْتِلَافِهَا ثُمَّ هُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمِثَالِ فَإِنَّ الْجِنْسَ الْعَجْوَةُ وَالْعِوَضَ الْمُخَالِفَ الدِّرْهَمُ وَلَا يُقَالُ فِي الدِّرْهَمِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ قِيمَةٌ فَلَوْ كَانَ كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَمُدِّ حِنْطَةٍ لَكَانَ أَجْوَدُ (قُلْتُ) أَمَّا
اسْتِبْعَادُهُ إرَادَتَهُ لِغَرَابَتِهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ قَالَهُ كَمَا عَلِمْتَ وَهُوَ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ فَلَمْ يَخْفَ عَنْهُ وَلَيْسَ غَرِيبًا فِي حَقِّهِ (وَأَمَّا) كَوْنُ الْمُصَحَّحِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ اتِّفَاقَ الْقِيمَةِ لَا عَدَمَ اخْتِلَافِهَا فَالْمُدْرَكُ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ هُوَ التَّوْزِيعُ وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ شئ غَيْرُ اخْتِلَافِ الْقِيمَةِ فَلِذَلِكَ جَعَلَهُ وَصْفًا فِي الْبُطْلَانِ وَلَمْ يَجْعَلْ عَدَمَ الِاخْتِلَافِ مُصَحَّحًا عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ شَرْطًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ وَلَيْسَ بَيْنَ تَحَقُّقِ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ وَوُجُودِ الِاتِّفَاقِ وَاسِطَةٌ فَنَبَّهَ الشَّيْخُ بِذَلِكَ عَلَى الْحَالَةِ التى يظهر فِيهَا الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ (وَأَمَّا) لَوْ كَانَ التَّسَاوِي مَجْهُولًا فَقَدْ عُرِفَ مِنْ قَوَاعِدِ الرِّبَا أَنَّ الْجَهْلَ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ
(وَأَمَّا) كَوْنُهُ لَا يُقَالُ فِي الدِّرْهَمِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ فِي الْقِيمَةِ فَعِبَارَةُ الْمَذْهَبِ سَالِمَةٌ عَنْ هَذَا فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْمَذْهَبِ وَصْفٌ لِلْجِنْسِ الْمَضْمُومِ إلَى الدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ فَالْمَضْمُومُ إلَى الْجِنْسِ الَّذِي بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ هُوَ الْعَجْوَةُ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِأَنَّهُ يُخَالِفُ الدِّرْهَمَ فِي الْقِيمَةِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْعَجْوَةَ تُخَالِفُ الدِّرْهَمَ فِي قِيمَتِهَا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قِيمَتَهَا مُخَالِفَةٌ لِلدِّرْهَمِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لَقِيمَةِ الدِّرْهَمِ حَتَّى يَرُدَّ مَا ذَكَرَهُ (وَأَمَّا) عَلَى عِبَارَةِ التَّنْبِيهِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْمَشْهُورَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مُدَّ عَجْوَةٍ فَالْمَضْمُومُ هُوَ الدِّرْهَمُ وَقَدْ قَالَ يُخَالِفُهُ فِي الْقِيمَةِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الدِّرْهَمَ يُخَالِفُ الْمُدَّ
فِي الْقِيمَةِ فَطَرِيقُ الصَّحِيحِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَعْنَى أَنَّ الدِّرْهَمَ يُخَالِفُ الْمُدَّ فِي قِيمَةِ الْمُدِّ لَا فِي قِيمَةِ الدِّرْهَمِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمُنَاقَشَةَ وَارِدَةٌ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا وَلَوْ أَتَى بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمِثَالِ لَكَانَ أَوْضَحَ
- وَاعْلَمْ أَنَّ ماقاله القاضى أبو الطيب وما حكاه القاضى وصاحب التتمة يظهر أنه شئ وَاحِدٌ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمِثَالِ أَنْ تَتَّفِقَ الْقِيمَةُ حَتَّى لَا تُؤَدِّيَ إلَى الْمُفَاضَلَةِ وَيَدُلُّ عَلَى هذا ما تقدم نقله عن المنهاج للقاضى أَبِي الطَّيِّبِ حَيْثُ صَوَّرَهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ (قَالَ) ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَّا أَنْ
يُقَالَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْجَانِبَيْنِ يَعْنِي فِي مِثَالِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ بِخِلَافِهِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّقْوِيمِ وَهُوَ حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ (قُلْتُ) وَذَلِكَ فَرْقٌ ضَعِيفٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافٌ وَاحِدٌ فَإِنْ ثَبَتَ الْفَرْقُ الَّذِي لَمَحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَإِلَّا كَانَ فِي ذَلِكَ تَظَافُرٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَيَكْفِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الْبَحْرِ وَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ شَاهِدًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ أَطْلَقَ الْعِبَارَةَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى التَّنْبِيهِ وَلَمْ يَقِفْ عَلَى هَذِهِ النُّقُولِ فَقَالَ إنَّهُ خِلَافُ إجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ حَكَى
الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَضَعَّفَ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ فَوَافَقَ الْمُصَنِّفُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا فِي الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وصاحب التتمة أن له عنده التفاتا على أَنَّ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ إذَا قَتَلَ مِثْلَهُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَطَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ جَرَيَانُ الْخِلَافِ وَطَرِيقُ الْمَرَاوِزَةِ الْمَنْعُ وَهِيَ الْمُصَحَّحَةُ (قُلْتُ) وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِأَنَّهُ لَا يوزع مع هُنَاكَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ هُنَاكَ لِأَجْلِ الْمُسَاوَاةِ الظَّاهِرَةِ جَوَازُ الْبَيْعِ هُنَا لِضَرُورَةِ التَّوْزِيعِ وَلِذَلِكَ نَجْزِمُ بِالْمَنْعِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْقِيمَةِ بِخِلَافِهِ هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَطْلَقَ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ أَيْضًا الْبُطْلَانَ فِي جَمِيعِ الْعَقْدِ إلَّا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ عِنْدَنَا فِي الْمُدِّ الَّذِي
مَعَ الدِّرْهَمِ وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمُدَّيْنِ وَفِي الدِّرْهَمِ وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ وَفِي الْمُدِّ وَمَا يُقَابِلُهُ قَوْلَانِ وَكَذَا إذَا بَاعَ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا بِدِينَارَيْنِ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ فَالْعَقْدُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي قَابَلَ الْجِنْسَ بَاطِلٌ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَانِ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ مَحْمُولًا عَلَى مَا فَصَّلَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّقْسِيطَ لَوْ اُعْتُبِرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَصَحَّ فِيمَا إذَا اتَّفَقَتْ الْقِيمَةُ وَالرَّافِعِيُّ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ فَعَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَمَالَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ لَا وَجْهَ لِلْإِبْطَالِ لِأَنَّا إذَا صَحَّحْنَا فِي الدِّرْهَمِ بِمُدٍّ بناءا عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ يَبْقَى مُدٌّ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ فَلَوْ أَبْطَلْنَاهُ لَكَانَ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَالْعُذْرُ عَنْ عَدَمِ تَخْرِيجِهِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَنَّ التَّقْوِيمَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي الرِّبَوِيَّاتِ لِكَوْنِهِ تَخْمِينًا بَطَلَ اعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا فَلَا يُعْلَمُ الْقَدْرُ الْمُقَابِلُ مِنْ الْمُدَّيْنِ لِلْمُدِّ فَيَصِيرُ الْمُقَابِلُ مِنْهُمَا لِلْمُدِّ مَجْهُولًا وَمَنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُقَابِلُ لِلدِّرْهَمِ مَجْهُولًا بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُسْقِطْ اعْتِبَارَ التَّقْوِيمِ فِيهِمَا وَحَاوَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ جَوَابًا آخَرَ عَمَّا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَقَالَ الْفَرْقُ عَلَى طَرِيقَةِ الْجُمْهُورِ أَنَّ عِنْدَ غَيْرِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلصِّحَّةِ بِحَالٍ لِتَمَيُّزِهِ فَأَمْكَنَ قَصْرُ الْبُطْلَانِ عَلَيْهِ وَلَا كَذَلِكَ مَا قَابَلَ الْجِنْسَ فَإِنَّهُ قَابِلٌ لِلصِّحَّةِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله وإذا قبلها لم يمكن قَصْرُ الْبُطْلَانِ عَلَيْهِ وَقَرُبَ مِمَّا إذَا تَزَوَّجَ خَمْسَ نِسْوَةٍ فِي عَقْدٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يَقُولُ بَطَلَ فِي وَاحِدٍ وَفِي الْبَاقِيَاتِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ نَعَمْ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ أَغْرَبَ فَقَالَ فِي صِحَّتِهِ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ بِالْخَبَرِ يَرُدُّ طَرِيقَةَ
المتولي الا أن يقول كان المذهب فيه هو المقصود والجور تَابِعٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ (قُلْتُ) وَتَمَسُّكُهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ بِمَسْلَكِ أَبِي حَنِيفَةَ سَهْلٌ عَلَى ضَعْفِهِ فَإِنَّا لَا نَخْشَى أَنْ نَجْعَلَ الجواب على مذهبنا مستندا إلى شئ لَا نَقُولُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (نَعَمْ) إنَّمَا يَقْوَى هَذَا الْبَحْثُ مِنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمُوَافِقِيهِ الْقَائِلِينَ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْقِيمَةِ فَعِنْدَ اخْتِلَافِهَا يُمْكِنُ دَعْوَى التَّخْرِيجِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ثُمَّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مِنْ عُقُودِ الرِّبَا فَبَطَلَتْ جُمْلَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى فِي الْعَرَايَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ قَدْ صَارَ مُزَابَنَةً وَالْمُزَابَنَةُ فَاسِدَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ يَحْتَاجُ إلَى مَزِيدِ تَأَمُّلٍ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ
- وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ الْقِلَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي رَدِّ ذَلِكَ فان النبي صلى الله عليه وسله مَنَعَ ذَلِكَ وَرَدَّهُ حَتَّى يَفْصِلَ وَعَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ يَبْطُلُ فِي الذَّهَبِ وَمَا يقابله من الذهب وفى والخرز وَمَا يُقَابِلُهُ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ (إمَّا) بُطْلَانُ التَّخْرِيجِ فِي ذَلِكَ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَإِمَّا) أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تَفْرِيقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- إذَا تُحَذِّرَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَنَا عَلَى الْمَنْعِ فِي هَذِهِ الرُّتْبَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ بن عبد الله السعينى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ (أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِأَرْضِ فَارِس لَا تَبِيعُوا سُيُوفًا فِيهَا حَلْقَةٌ فِضَّةٌ بِالدَّرَاهِمِ) وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَثَرُ الدَّالُّ عَنْهُ عَلَى ذلك وروى فيه عن
علي شئ مُحْتَمَلٌ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَبِيعُ سَرْجًا وَلَا سَيْفًا فِيهِ فِضَّةٌ حَتَّى يَنْزِعَهُ ثُمَّ يَبِيعَهُ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَمِنْ الْبَائِعِينَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِفِضَّةٍ وَيَقُولُ اشْتَرِهِ بِالذَّهَبِ يَدًا بِيَدِ
- وَابْنُ سِيرِينَ كَانَ يَكْرَهُ شِرَاءَ السَّيْفِ الْمُحَلَّى إلَّا بِعَرَضٍ وَيَقُولُ إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ فِضَّةً اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ وَإِنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ ذَهَبًا اشْتَرَاهَا بِالْفِضَّةِ فَإِنْ كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ وَإِنْ كَانَتْ الْحِلْيَةُ ذَهَبًا اشْتَرَاهَا بالفضة فان كانت ذهبا وفضة فلا تشتريها بِذَهَبٍ وَلَا بِفِضَّةٍ وَاشْتَرِهَا بِعَرَضٍ وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي سئل عن طريق ذَهَبٍ فِيهِ فُصُوصٌ أَيُبَاعُ بِالدَّنَانِيرِ قَالَ تُنْزَعُ الْفُصُوصُ ثُمَّ يُبَاعُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالزُّبَيْرِيِّ قَالَا جَمِيعًا يُكْرَهُ أن يباع الخاتم فيه فضة بالوزن وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَهَبًا وَفِضَّةً بِذَهَبٍ وَقَالَ حَمَّادٌ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ فمنع من ذلك وقال لا ولكن اشترى أَلْفَ دِرْهَمٍ غَيْرَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكُلُّ هَذِهِ الْآثَارِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ ايضا عن سلم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَوَافَقَنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَخَالَفَنَا فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ
روى المغيرة بن حنين عن على ابن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ بِأَرْضِنَا قَوْمًا يَأْكُلُونَ الرِّبَا قَالَ عَلِيٌّ وَمَا ذَاكَ قَالَ يَبِيعُونَ جَامَاتٍ مَخْلُوطَةً بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِوَرِقٍ فَنَكَسَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَا أي لا بأس به) المغيرة ابن حنين ذكره البخاري في تاريخه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (لَا بأس ببيع السيف المحلى بالدارهم) وَعَنْ إبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ قَالَ كَانَ خَبَّابٌ
فِينَا وَكَانَ رُبَّمَا اشْتَرَى السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِالْوَرِقِ) وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ (كُنَّا نَبِيعُ السَّيْفَ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ وَنَشْتَرِيهِ وَمِنْ الْبَائِعِينَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ سُئِلَ عَنْ أَلْفِ دِينَارٍ وَسِتِّينَ درهما بألف درهم وخمسة دَنَانِيرَ قَالَ لَا بَأْسَ أَلْفٌ بِأَلْفٍ وَالْفَضْلُ بالدنانير) وعن الحسن وابراهيم والشعيبى قَالُوا كُلُّهُمْ (لَا بَأْسَ بِالسَّيْفِ فِيهِ الْحِلْيَةُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ بِأَنْ يَبْتَاعَهُ بِأَكْثَرَ مَا فِيهِ أَوْ بِأَقَلَّ وَنَسِيئَةً وَعَنْ مُغِيرَةَ قَالَ (سَأَلْتُ إبراهيم النَّخَعِيّ عَنْ الْخَاتَمِ أَبِيعُهُ نَسِيئَةً فَقَالَ أَفِيهِ فَصٌّ فَقُلْت نَعَمْ فَكَأَنَّهُ هَوَّنَ فِيهِ) وَهَذَا فِيهِ بَعْضُ الْمُخَالَفَةِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَضْمُومُ إلَيْهِ رِبَوِيًّا أَوْ غَيْرُهُ وَعَنْ ابْن سِيرِينَ وَقَتَادَةَ لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ السَّيْفِ الْمُفَضَّضِ وَالْخِوَانَ وَالْقَدَحِ بِالدَّرَاهِمِ) وَعَنْ حَمَّادِ ابن أَبِي سُلَيْمَانَ سُئِلَ عَنْ السَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهِ هَذِهِ مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْهُ فِي الْمُوَافِقِينَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بن موسى ومكحول مثل ماروى عن