كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَمْسَكَتْ عَنْ الطَّعَامِ بِقَصْدِ الصَّوْمِ أَثِمَتْ وَإِنْ أَمْسَكَتْ بِلَا قَصْدٍ لَمْ تَأْثَمْ وَهَذَا التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ فِعْلُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ لَا يَصِحُّ غُسْلُ الْحَائِضِ إلَّا عَلَى قَوْلٍ بَعِيدٍ أَنَّ الْحَائِضَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لَمْ يَجُزْ لَهَا الْقِرَاءَةُ فَلَوْ اغْتَسَلَتْ صَحَّ غُسْلُهَا وَقَرَأَتْ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ طَهَارَةُ حَائِضٍ هُوَ فِي طَهَارَةٍ لِرَفْعِ حَدَثٍ سَوَاءٌ كَانَتْ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا وَأَمَّا الطَّهَارَةُ الْمَسْنُونَةُ لِلنَّظَافَةِ كَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ وَرَمْيِ الجمرة فمسونة لِلْحَائِضِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِحْرَامِ ويدل
عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حِينَ حَاضَتْ (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تطوفي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
- [ويحرم عليها الصلاة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فدعي الصلاة) ويسقط فرضها لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كنا نحيض عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء: ولان الحيض يكثر فلو أوجبنا قضاء ما يفوتها شق وضاق] [الشَّرْحُ] الْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَالْأَوَّلُ رَوَيَاهُ بِلَفْظِهِ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَشَرْحُ الْحَيْضَةِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَأَمَّا الثَّانِي فَرَوَيَاهُ بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَغَيْرُهُ بِلَفْظِهِ هُنَا
- وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُم عَلَيْهَا الصَّلَاةُ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الصَّلَاةِ فَلَا تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ قَالَ أَبُو جعفر ابن جَرِيرٍ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَيْهَا اجْتِنَابَ كُلِّ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا وَاجْتِنَابَ جَمِيعِ الصِّيَامِ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ وَاجْتِنَابَ الطَّوَافِ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ وَأَنَّهَا إنْ صَلَّتْ أَوْ صَامَتْ أَوْ طَافَتْ لَمْ يُجْزِهَا ذَلِكَ عَنْ فَرْضٍ كَانَ عَلَيْهَا وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جرير وآخرون الاجماع انها لا تقتضي الصَّلَاةَ وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بَيْنَ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَكْثُرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَبِهَذَا الْفَرْقِ فَرَّقُوا فِي حَقِّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ فِي الْحَائِضِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُتَّبَعُ فِي الْفَرْقِ الشَّرْعُ وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ) وَأَرَادَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَقَدْ نَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَنْ أَبِي الزناد
نَحْوَ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ إنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ اتِّبَاعِهَا مِنْ ذَلِكَ الْحَائِضُ تَقْضِي الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ الْفَرْقِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فَرْقٌ حَسَنٌ فَلْيُعْتَمَدْ
- وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَقَالَ وَجَدْت كُلَّ مُكَلَّفٍ مَأْمُورًا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي الْمَرَضِ وَالْمُسَايَفَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْحَائِضُ مُكَلَّفَةٌ وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ بِهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهَا فَعَلِمَتْ أَنَّهَا غَيْرُ
وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِي مَعْنَى الصَّلَاةِ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَيَحْرُمَانِ عَلَى الْحَائِضِ والنفساء كما تحرم صلاة الجنازة لان الطَّهَارَةَ شَرْطٌ (فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ كُلُّ صَلَاةٍ تَفُوتُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لَا تُقْضَى إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً وَهِيَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَإِنَّهَا لَا تَتَكَرَّرُ وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ هَذَا وَقَالَ هَذَا لَا يُسَمَّى قَضَاءً لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسَمَّى هَذَا قَضَاءً لَجَازَ أَنْ يُسَمَّى قَضَاءَ فَائِتَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الْحَيْضِ وَهَذَا الذى قاله بو عَلِيٍّ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لَا يدخل وقتبا إلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ عَقِيبَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّوَافِ صَحَّ مَا قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ إنْ سَلِمَ لَهُمَا ثُبُوتُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ وُضُوءٌ وَلَا تَسْبِيحٌ وَلَا ذِكْرٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ جَرِيرٍ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ تَطْهُرُ وَتُسَبِّحُ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ
قَالَ لَنَا (مُرْ نِسَاءَ الْحَيْضِ أَنْ يَتَوَضَّأْنَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَيَجْلِسْنَ وَيَذْكُرْنَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُسَبِّحْنَ) وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الاستحباب عندهما فاما استحباب التسبيح فلا يأمر بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا أَصْلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ بَلْ تَأْثَمُ بِهِ إنْ قصدت العبادة كما سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
- [ويحرم الصوم لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصلاة فدل أنهن كن يفطرن ولا يسقط فرضه لحديث عائشة ولان الصوم في السنة مرة فلا يشق قضاؤه]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ: فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا فِيهِ جَوَازُ الْفِطْرِ وَقَدْ يَكُونُ الصَّوْمُ جَائِزًا لَا وَاجِبًا كَالْمُسَافِرِ قُلْنَا قَدْ ثَبَتَ شِدَّةُ اجْتِهَادِ الصَّحَابِيَّاتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فِي الْعِبَادَاتِ وَحِرْصُهُنَّ عَلَى الْمُمْكِنِ مِنْهَا فَلَوْ جَازَ الصَّوْمُ لَفَعَلَهُ بَعْضُهُنَّ كَمَا فِي الْقَصْرِ وَغَيْرِهِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَا رَأَيْت مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ) ثُمَّ قَالَ (وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا كَمَا قَدَّمْنَا نَقْلَهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ غَيْرُهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَوْنُ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِيهَا
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ قَضَاءِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَيْهَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَأَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَلَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِالصَّوْمِ فِي حَالِ حَيْضِهَا لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ فَكَيْفَ تُؤْمَرُ بِهِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ بِسَبَبٍ هِيَ مَعْذُورَةٌ فِيهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى إزَالَتِهِ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَتُعْذَرُ فِي تَأْخِيرِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ فِي الْحَالِ لَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ كَالصَّلَاةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُحَقِّقُونَ يَأْبَوْنَ هَذَا الْوَجْهَ لِأَنَّ الْوُجُوبَ شَرْطُهُ اقْتِرَانُ الْإِمْكَانِ بِهِ قَالَ وَمَنْ يَطْلُبُ حَقِيقَةَ الْفِقْهِ لَا يُقِيمُ لِمِثْلِ هَذَا الْخِلَافِ وَزْنًا قُلْت وَهَذَا الْوَجْهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِنَا فِي الاصول والكلام ان تكليف مالا يُطَاقُ جَائِزٌ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لَيْسَ لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ قُلْت تَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا وَشِبْهِهِ فِي الْأَيْمَانِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ مَتَى وَجَبَ عَلَيْكِ صوم فانت طالق والله أعلم * قال المصنف رحمه الله *
- [ويحرم الطواف لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تطوفي ولانه يفتقر إلى الطهارة ولا تصح منها الطهارة]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَقَدْ أَجْمَع الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّوَافِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا طَوَافٌ مَفْرُوضٌ وَلَا تَطَوُّعٌ وَأَجْمَعُوا أن الحائض والنفساء لا تمنع من شئ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إلَّا الطَّوَافَ وَرَكْعَتَيْهِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا كُلِّهِ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [ويحرم قراءة القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ القرآن) ]
- [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ لَا يَقْرَأْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ علي النهى وبفتحها عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْحَائِضِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا قَدِيمًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَأَصْلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَاخْتَلَفُوا فِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَرَادَ بِهِ مَالِكًا وَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَرَادَ بِهِ الشَّافِعِيَّ وَجَعَلُوهُ قَوْلًا قَدِيمًا قَالَ الشيخ أبو محمد وجدث أَبَا ثَوْرٍ جَمَعَهُمَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَمَالِكٌ وَاحْتَجَّ مَنْ أَثْبَتَ قَوْلًا بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَخَافُ النِّسْيَانَ لِطُولِ الزَّمَانِ بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالثَّانِي أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُعَلَّمَةً فَيُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ حِرْفَتِهَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ جَازَ لَهَا قِرَاءَةُ مَا شَاءَتْ إذْ لَيْسَ لِمَا يَخَافُ نِسْيَانُهُ ضَابِطٌ فَعَلَى هَذَا هِيَ كَالطَّاهِرِ فِي الْقِرَاءَةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَمْ يَحِلَّ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِحَاجَةِ التَّعْلِيمِ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ هَكَذَا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ وَتَفْرِيعَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ
وَآخَرُونَ هَذَا حُكْمُ قِرَاءَتِهَا بِاللِّسَانِ فَأَمَّا إجْرَاءُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ وَإِمْرَارُ مَا فِيهِ فِي الْقَلْبِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ غَيْرَ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ هَذَا مَعَ جُمَلٍ مِنْ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي قِرَاءَةِ الْحَائِضِ الْقُرْآنَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَأَبُو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهرى واسحق وأبو ثور وعن مالك وأبى حنية وَأَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا التَّحْرِيمُ وَالثَّانِيَةُ الْجَوَازُ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَاحْتُجَّ لِمَنْ جَوَّزَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ: وَلِأَنَّ زَمَنَهُ يَطُولُ فَيَخَافُ نِسْيَانَهَا وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْجُنُبِ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ فِيهَا وَافَقَ عَلَى الْجُنُبِ إلَّا دَاوُد وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ دَاوُد لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَفِعْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لِأَنَّ غَيْرَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهَا وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَجَعْنَا إلَى الْقِيَاسِ وَأَمَّا خَوْفُ النِّسْيَانِ فَنَادِرٌ فَإِنَّ مُدَّةَ الْحَيْضِ غَالِبًا سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ وَلَا يُنْسَى غَالِبًا فِي هَذَا الْقَدْرِ وَلِأَنَّ خَوْفَ النِّسْيَانِ يَنْتَفِي بِإِمْرَارِ الْقُرْآنِ عَلَى القلب والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- [ويحرم حمل المصحف ومسه لقوله تعالى (لا يمسه الا المطهرون) ويحرم اللبث في المسجد لقوله صلي الله عليه وسلم (لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض) فأما العبور فانها إذا استوثقت من نفسها جاز لانه حدث يمنع اللبث في المسجد فلا يمنع العبور كالجنابة]
[الشَّرْحُ] يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّتُهُ وَفُرُوعُهُ الْكَثِيرَةُ مَبْسُوطَةً فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَإِسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ هُنَاكَ وَأَمَّا عُبُورُهَا بِغَيْرِ لُبْثٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُخْتَصَرِ أَكْرَهُ مَمَرَّ الْحَائِضِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ لِعَدَمِ الِاسْتِيثَاقِ بِالشَّدِّ أَوْ لِغَلَبَةِ الدَّمِ حَرُمَ الْعُبُورُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ أَمِنَتْ ذَلِكَ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَكَثِيرُونَ وَصَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْبَاقِينَ كَالْجُنُبِ وَكَمَنْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَخَافُ تَلْوِيثَهُ وَانْفَرَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَصَحَّحَ تَحْرِيمَ الْعُبُورِ وَإِنْ أَمِنَتْ لِغِلَظِ حَدَثِهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ هَذَا حُكْمُ عُبُورهَا قَبْلَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ فَإِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ تَغْتَسِلْ فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ عُبُورِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَطَرَدَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ وَالْحَائِضُ الذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فَتُمْنَعُ مِنْ الْمُكْث فِي الْمَسْجِدِ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْجُنُبِ فَإِنَّ فِي تَمْكِينِهِ مِنْ الْمُكْثِ فِيهِ وَجْهَيْنِ مَشْهُورِينَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ فِي مَسَائِلِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ التَّلْوِيثِ وَالْكَافِرَةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ وَنَحْوُهُمْ إنْ خَافُوا التَّلْوِيثَ حَرُمَ الْعُبُورُ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [ويحرم الوطئ في الفرج لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ من حيث أمركم الله) فان وطئها مع العلم بالتحريم ففيه قولان قال في القديم ان كان في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار وان كان في آخره لزمه أن يتصدق بنصف دينار لما روى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال في الذى يأتي امرأته وهى حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار وقال في الجديد لا يجب لانه وطئ محرم للاذى فلم تتعلق به الكفارة كالوطئ في الدبر]
- [الشرح] أجمع المسلمون علي تحريم وطئ الْحَائِضِ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَتَى كَبِيرَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وغيرهم من استحل وطئ الْحَائِضِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ قَالُوا وَمَنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا وُجُودَ الْحَيْضِ أَوْ تَحْرِيمَهُ أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ لِحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ انه يجئ عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي كفارة كالعامد وهذا ليس بشئ وَأَمَّا إذَا وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَيْضِ وَتَحْرِيمِهِ مُخْتَارًا فَفِيهِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ الْجَدِيدُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بل يعذر وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفِّرَ الْكَفَّارَةَ الَّتِي يُوجِبُهَا الْقَدِيمُ وَالثَّانِي وَهُوَ الْقَدِيمُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَالْكَفَّارَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْقَدِيمِ دِينَارٌ إنْ كَانَ الْجِمَاعُ فِي إقْبَالِ الدَّمِ وَنِصْفُ دِينَارٍ إنْ كَانَ فِي إدْبَارِهِ وَالْمُرَادُ بِإِقْبَالِ الدَّمِ زَمَنُ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ وَبِإِدْبَارِهِ ضَعْفُهُ وَقُرْبُهُ مِنْ الِانْقِطَاعِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وامام الحرمين وجها عن الاستاذ ابي اسحق الاسفراينى أَنَّ إقْبَالَهُ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ وَإِدْبَارَهُ مَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ اغْتِسَالِهَا وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَقَبْلَ الِاغْتِسَالِ لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا الْقَوْلِ الْقَدِيمِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ عَلَى التَّقْسِيمِ وَأَنَّ الدِّينَارَ فِي الْإِقْبَالِ وَالنِّصْفَ فِي الْإِدْبَارِ
وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ قَوْلًا قَدِيمًا شَاذًّا أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْوَاجِبَةَ عِتْقُ رَقَبَةٍ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ روي ذلك من عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إنْ صَحَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قلت به قال فكان أبو حامد الاسفراينى وَجُمْهُورُ الْبَغْدَادِيِّينَ يَجْعَلُونَهُ قَوْلًا قَدِيمًا وَكَانَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَجْعَلُونَهُ قَوْلًا قَدِيمًا وَلَا يَحْكُونَهُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَصِحَّ وَكَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَكَانَ مَحْمُولًا فِي الْقَدِيمِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَهُوَ بَعِيدٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ الْمَذْهَبِ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ قُلْت وَاتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا وَاضْطِرَابِهِ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَأَلْوَانًا كَثِيرَةً وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَا يَجْعَلُهُ ذَلِكَ صَحِيحًا وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْحَاكِمُ خِلَافُ قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْحَاكِمُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا بَيَانًا شَافِيًا وَهُوَ إمَامٌ حَافِظٌ مُتَّفَقٌ عَلَى إتْقَانِهِ وَتَحْقِيقِهِ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يلزمه شئ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَمَنْ أَوْجَبَ دِينَارًا أَوْ نِصْفَهُ فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ خَاصَّةً وَهُوَ مِثْقَالُ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفُ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ وَيُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ وَطِئَهَا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ وَالْعِلْمِ بِالْحَيْضِ وَالِاخْتِيَارِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ وطئ محرم للاذى احترازا من الوطئ فِي الْإِحْرَامِ وَنَهَارِ رَمَضَانَ (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ العلماء فيمن وطي فِي الْحَيْضِ عَامِدًا عَالِمًا - قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَحَكَاهُ
أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيعَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَجِبُ الدِّينَارُ وَنِصْفُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَاخْتِلَافٌ مِنْهُمْ فِي اعْتِبَارِ الْحَالِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ واسحق وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْحَسَنِ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ يُعْتِقُ رَقَبَةً أَوْ يُهْدِي بَدَنَةً أَوْ يُطْعِمُ عِشْرِينَ صَاعًا وَمُعْتَمَدُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ فَالصَّوَابُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عليه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- [وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَقَالَ أبو اسحق لا يحرم غير الوطئ فِي الْفَرْجِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اصنعوا كل شئ غير النكاح) ولانه وطئ حرم للاذى فاختص به كالوطئ فِي الدُّبُرِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ (مَا فَوْقَ الازار) ]
[الشَّرْحُ] أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَبَعْضُ حَدِيثٍ: رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إذَا حَاضَتْ مِنْهُمْ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْبَيْتِ وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبَيْتِ فَسَأَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجل (ويسألونك عن المحيض) الْآيَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اصنعوا كل شئ إلَّا النِّكَاحَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَتْ إحْدَانَا إذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ: كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِك إرْبَهُ) وَعَنْ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَحْوُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ (كَانَ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ) يَعْنِي فِي الْحَيْضِ وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هُنَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا حَرَامٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ
وَاحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المحيض) وبالحديث المذكور ولان ذلك حريم لِلْفَرْجِ: وَمَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى: وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْقُبْلَةِ وَلَمْسِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعْتَادٌ لغالب النَّاسِ فَإِنَّ غَالِبَهُمْ إذَا لَمْ يَسْتَمْتِعُوا بِالْجِمَاعِ استمتعوا بما ذكرناه لا بما تحت الاوزار وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ قَوْلُ أبي اسحاق المروزى وحكاه صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَرَأَيْته أَنَا مَقْطُوعًا بِهِ فِي كِتَابِ اللَّطِيفِ لِأَبِي الْحَسَن بْنِ خَيْرَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ غَيْرُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْإِقْنَاعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ الْأَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَأَمَّا مُبَاشَرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْإِزَارِ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ وَتَأَوَّلَ هؤلاء الازار في حديث عمر رضى الله عنه عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَرْجُ بِعَيْنِهِ وَنَقَلُوهُ عَنْ اللُّغَةِ وَأَنْشَدُوا فِيهِ شِعْرًا وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْإِزَارِ تَفْسِيرًا لِلْإِزَارِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا سَبَقَ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنْ وَثِقَ الْمُبَاشِرُ تَحْتَ الْإِزَارِ بِضَبْطِ نَفْسِهِ عَنْ
الْفَرْجِ لِضَعْفِ شَهْوَةٍ أَوْ شِدَّةِ وَرَعٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَمُتَابِعُوهُ عَنْ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ بَدَلَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَالَ الْقَاضِي الْجَدِيدُ التَّحْرِيمُ وَالْقَدِيمُ الْجَوَازُ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُحَرِّمُهُ هُوَ مَكْرُوهٌ وَصَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ هَذَا حُكْمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ أَمَّا مَا سِوَاهُ فَمُبَاشَرَتُهَا فِيهِ حَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ الشَّيْخُ أَبُو حامد والمحاملي في المجموع وابن الصباغ والعبد رى وَآخَرُونَ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيِّ الْإِمَامِ التَّابِعِيُّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وكسر الباء من انه لا يباشر شئ مِنْ بَدَنِهِ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهَا فَلَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي مُبَاشَرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْإِزَارِ وَإِذْنِهِ فِي ذَلِكَ في قوله صل الله عليه وسلم (اصنعوا كل شئ إلَّا النِّكَاحَ) وَبِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَمَنْ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَمْتِعُ بِهِ فَوْقَ الازار شئ من دم الحيض أولا وَحَكَى الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وجها انه ان كان عليه شئ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ حَرُمَ لِأَنَّهُ أَذًى وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ وَغَلَطٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي التحريم وقياسا على مالو كَانَ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ أُخْرَى وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِنَفْسِ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَمَا حَاذَاهُمَا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا وَالْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم (اصنعوا كل شئ إلَّا النِّكَاحَ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِمَا عَوْرَةً إنْ قُلْنَا عَوْرَةٌ كَانَتَا كَمَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُمَا لَيْسَتَا عَوْرَةً أُبِيحَا قَطْعًا كَمَا وَرَاءَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- [فَرْعٌ] فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا بين السرة والركبة بغير وطئ: قد ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي مَذْهَبِنَا وَدَلَائِلِهِ وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ
وطاووس وَشُرَيْحٍ وَعَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ بْن يَسَارٍ وَقَتَادَةَ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمِمَّنْ قَالَ بِالْجَوَازِ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ وَأَصْبَغُ الْمَالِكِيُّ وأبو ثور واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- [فَرْعٌ] إذَا قُلْنَا تَحْرُمُ الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَفَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَدِيمِ إنَّمَا كَانَ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَلَيْسَ هُنَا حَدِيثٌ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فان الوطئ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيُكَفِّرُ مُسْتَحِلُّهُ وَهَذَا بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ اعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْض حَلَّ لَهَا الصَّوْمُ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْحَيْضِ وَقَدْ زَالَ وَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهَا لِلْحَدَثِ وَالْحَدَثُ بَاقٍ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن) قَالَ مُجَاهِدٌ حَتَّى يَغْتَسِلْنَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الماء فتيممت حل مَا يَحِلُّ بِالْغُسْلِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ قَائِمٌ مَقَامَ الْغُسْلِ فَاسْتُبِيحَ بِهِ مَا يُسْتَبَاحُ بِالْغُسْلِ فَإِنْ تَيَمَّمَتْ وَصَلَّتْ فَرِيضَةً لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا بِفِعْلِ الْفَرِيضَةِ كَمَا يَحْرُمُ فِعْلُ الْفَرِيضَةِ بَعْدَهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لان الوطئ ليس بفرض فلم يحرم فعل الفريضة كصلاة النفل]
[الشَّرْحُ] قَالَ أَصْحَابُنَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَيْضِ أَحْكَامٌ (أَحَدُهَا) يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ إلَّا أَغْسَالَ الْحَجِّ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ (الثَّانِي) تَحْرُمُ الطَّهَارَةُ بِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَيْنَا مِنْ أَغْسَالِ الْحَجِّ وَنَحْوِهَا (الثَّالِثُ) يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ (الرَّابِعُ) يُحَرِّمُهَا (الْخَامِسُ) يَمْنَعُ صِحَّتَهَا (السَّادِسُ) يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ (السَّابِعُ) يُحَرِّمُهُ (الثَّامِنُ) يَمْنَعُ صِحَّتَهُ (التَّاسِعُ) يُحَرِّمُ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلَهُ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْمُكْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا الْعُبُورُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ (الْعَاشِرُ) يُحَرِّمُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ.
وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ (الْحَادِيَ عَشَرَ) يُحَرِّمُ الِاعْتِكَافَ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ (الثَّالِثَ عَشَرَ) يَمْنَعُ وُجُوبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ (الرَّابِعَ عشر) يحرم الوطئ وَكَذَا الْمُبَاشَرَةُ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ (الْخَامِسَ عَشَرَ) يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ (السَّادِسَ عَشَرَ) تَبْلُغُ بِهِ الصَّبِيَّةُ (السَّابِعَ عَشَرَ) تَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِدَّةُ وَالِاسْتِبْرَاءُ (الثَّامِنَ عَشَرَ) يُوجِبُ الْغُسْلَ وَهَلْ يَجِبُ بِخُرُوجِهِ أَمْ بِانْقِطَاعِهِ أَمْ بِهِمَا فِيهِ أَوْجُهٌ سَبَقَتْ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَمُعْظَمُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ ارْتَفَعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَارْتَفَعَ أَيْضًا تَحْرِيمُ الْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَصَحِّ إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَقَدْ سَبَقَ حِكَايَةُ وَجْهٍ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْحَاوِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعُبُورَ يَبْقَى
تحريمه حتي تغتسل وليس بشئ وَلَا يَرْتَفِعُ مَا حَرُمَ لِلْحَدَثِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَالسُّجُودِ وَالْقِرَاءَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَرْتَفِعُ أَيْضًا تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَتْ اسْتَبَاحَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ كَالْغُسْلِ قال أصحابنا وإذا تَيَمَّمَتْ ثُمَّ أَحْدَثَتْ لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا بِلَا خِلَافٍ وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا القاضى أبو الطيب لانها استباحت الوطئ بالتيمم والحدث لا يحرم الوطئ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَتْ ثُمَّ أَحْدَثَتْ قَالَ الْقَاضِي ولا نالوا قلنا يحرم الوطئ بَعْدَ الْحَدَثِ لَأَدَّى إلَى تَحْرِيمِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ قَبْلَ الوطئ اما إذا تيممت ثم رأت الماء فيحرم الوطئ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا بَطَلَتْ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَعَادَتْ إلَى حَدَثِ الْحَيْضِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يحل الوطئ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَلَوْ رَأَتْ الْمَاءَ فِي خِلَالِ الْجِمَاعِ نَزَعَ فِي الْحَالِ وَاغْتَسَلَتْ وَأَمَّا إذَا تيممت وصلت فريضة فهل يصح الوطئ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ أَمْ لَا يَحِلُّ إلَّا بِتَيَمُّمٍ جَدِيدٍ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَهُمَا الصَّحِيحُ جَوَازُهُ وَلَوْ تيممت فوطئها ثم أراد الوطئ ثَانِيًا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ الصَّحِيحُ
جَوَازُهُ لِارْتِفَاعِ حَدَثِ الْحَيْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ إلَّا بِتَيَمُّمٍ جَدِيدٍ كَمَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَهَذَا ليس بشئ ولو تيممت وصلت فريضة وقلنا يجوز الوطئ بَعْدَهَا فَلَمْ يَطَأْ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ تِلْكَ الفريضة فهل يحل الوطئ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حامد والمحاملى فِي كِتَابَيْهِ وَالْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي آخِرِ بَابِ التَّيَمُّمِ وَحَكَاهُمَا أَيْضًا صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ الصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَا يَزِيدُ عَلَى الحدث والثانى لا يجوز الوطئ إلَّا بِتَيَمُّمٍ جَدِيدٍ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ رَفَعَ حُكْمَ التَّيَمُّمِ وَلِهَذَا تَجِبُ إعَادَتُهُ لِلصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَهَذَا الِاسْتِدْلَال ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ النَّوَافِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ وَلَوْ عَدِمَتْ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ صَلَّتْ الْفَرِيضَةَ لِحُرْمَةِ الوقت كما سبق ولا يجوز الوطئ حَتَّى تَجِدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يجوز الوطئ كالصلاة وهذا ليس بشئ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُقِيمَةُ فِي هَذَا كَالْمُسَافِرَةِ فَإِذَا عَدِمَتْ الْمُقِيمَةُ الْمَاءَ أَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ جريحة فتيممت حل الوطئ وَإِنْ كَانَ صَلَاتُهَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا صَحِيحَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
(فرع) في مذاهب العلماء في وطئ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ قَبْلً الْغُسْلِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا تَحْرِيمُهُ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ حَيْثُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ ابْنُ المنذر عن سالم ابن عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ ومالك والثوري والليث وأحمد واسحق وأبو ثَوْرٍ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَقَالٌ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا إنْ أَدْرَكَ الزَّوْجَ الشَّبَقُ أَمَرَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَصَابَهَا إنْ شَاءَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصَحُّ مِنْ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ مُوَافَقَةُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ وَلَا يَثْبُتُ عَنْ طَاوُسٍ خِلَافُ قَوْلِ سَالِمٍ قَالَ فَإِذَا بَطَل أَنْ يَصِحَّ عَنْ هَؤُلَاءِ قَوْلٌ ثَانٍ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ كَالْإِجْمَاعِ هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الحيض وهو عشرة أيام عنده حل الوطئ فِي الْحَالِ وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ تَتَيَمَّمَ فَإِنْ تَيَمَّمَتْ وَلَمْ تصل لم يحل الوطئ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَقَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ إذا غسلت فرجها حل الوطئ وحكى عن مالك تحريم الوطئ إذَا تَيَمَّمَتْ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ هَكَذَا نَقَلَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ هَذَا الْخِلَافَ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرْتُهُ وقال ابن جرير أجمعوا علي تحريم الوطئ حَتَّى تَغْسِلَ فَرْجَهَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الصَّوْمُ وَالطَّلَاقُ وكذا الوطئ ولان تحريم الوطئ هُوَ لِلْحَيْضِ وَقَدْ زَالَ وَصَارَتْ كَالْجُنُبِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأتوهن) وَقَدْ رُوِيَ حَتَّى يَطْهُرْنَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ وَالْقِرَاءَتَانِ فِي السَّبْعِ فَقِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ صَرِيحَةٌ فِي اشْتِرَاطِ الغسل وقراءة
التَّخْفِيفِ يُسْتَدَلُّ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) مَعْنَاهَا أَيْضًا يَغْتَسِلْنَ وَهَذَا شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ فَيُصَارُ إلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ (وَالثَّانِي) أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطَيْنِ (أَحَدُهُمَا) انْقِطَاعُ دَمِهِنَّ (وَالثَّانِي) تَطَهُّرُهُنَّ وَهُوَ اغْتِسَالُهُنَّ وَمَا عُلِّقَ بِشَرْطَيْنِ لَا يُبَاحُ بِأَحَدِهِمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) فَإِنْ قِيلَ لَيْسَتَا شَرْطَيْنِ بَلْ شَرْطٌ وَاحِدُ وَمَعْنَاهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ فَإِذَا انْقَطَعَ فَأْتُوهُنَّ كَمَا يُقَالُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ فَإِذَا دَخَلَ فَكَلِّمْهُ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلَ اللِّسَانِ فَسَّرُوهُ فَقَالُوا مَعْنَاهُ فَإِذَا اغْتَسَلْنَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّ مَا قَالَهُ الْمُعْتَرِضُ فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ اللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قال لقيل فإذا تطهرن فَأُعِيدَ الْكَلَامُ كَمَا يُقَالُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ فَإِذَا دَخَلَ فَكَلِّمْهُ فَلَمَّا أُعِيدَ بِلَفْظٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا شَرْطَانِ كَمَا يُقَالُ لَا تُكَلِّمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ فَإِذَا أَكَلَ فَكَلِّمْهُ الثَّالِثُ أَنَّ فِيمَا قُلْنَا جَمْعًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ فَتَعَيَّنَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَقْيِسَةٍ كَثِيرَةٍ وَمُنَاسِبَاتٍ أَحْسَنُهَا مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فَقَالَ أَوْلَى مُتَمَسَّكٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى اعْتِبَارُ صُورَةِ الِاتِّفَاقِ فَنَقُولُ اتَّفَقْنَا عَلَى التَّحْرِيمِ إذَا طَهُرَتْ لِدُونِ الْعَشَرَةِ فَاسْتِمْرَارُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ إنْ عُلِّلَ بِوُجُوبِ غُسْلِ الْحَيْضِ لَزِمَ التَّحْرِيمُ إذَا طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ وَإِنْ عُلِّلَ بِإِمْكَانِ عَوْدِ الدَّمِ فَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِمَا إذَا اغْتَسَلَتْ أَوْ تَيَمَّمَتْ أَوْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَعَانِيَ أُخَرَ ثُمَّ قَالَ فَالْوَجْهُ اعْتِمَادُ مَا نَاقَضُوا فِيهِ وَكُلُّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقَضٌ بِمَا سَلَّمُوهُ فَإِنْ قِيلَ تَحْرِيمُ الوطئ بِالْحَيْضِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ قُلْنَا وُجُوبُ الْغُسْلِ بِالِانْقِطَاعِ غَيْرُ مُعَلَّلٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَادَتْ إلَى مَا كَانَتْ فَإِنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِانْسِدَادِ طَرِيقِ النَّظَرِ فظاهر القرآن تحريم الوطئ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ جَوَازِ الصَّوْمِ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وهذه ليست بحائض وهنا حرم الوطئ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَعَنْ الطَّلَاقِ أَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَذَلِكَ يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ وَعَنْ قَوْلِهِمْ التَّحْرِيمُ لِلْحَيْضِ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا نُسَلِّمُ بَلْ هُوَ لِحَدَثِ الْحَيْضِ وَهُوَ بَاقٍ الثَّانِي أنه ينتقض بالانقطاع لدون أَكْثَرِ الْحَيْضِ الثَّالِثُ أَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تَمْنَعُ الوطئ وَكَذَا غُسْلُهَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ لَيْسَتْ امْرَأَةٌ تُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بِحُكْمِ الْحَيْضِ إلَّا وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ مِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا وَعَدِمَتْ الْمَاءَ فَتَيَمَّمَتْ ثُمَّ أَحْدَثَتْ فَإِنَّهَا تمنع من الصلاة دون الوطئ هَذَا كَلَامُهُ وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ وَيُقَالُ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ هُنَا لِلْحَدَثِ قَالَ وَانْقِطَاعُ الدَّمِ إذا أباح الصلاة أباح الوطئ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ عَدِمَتْ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ فَتُصَلِّي وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا
عَلَى الصَّحِيحِ * (فَرْعٌ) لَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَوْ السيد الوطئ فَقَالَتْ أَنَا حَائِضٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهَا لم يلتفت إليها وجاز الوطئ وَإِنْ أَمْكَنَ صِدْقُهَا وَلَمْ يَتَّهِمْهَا بِالْكَذِبِ حَرُمَ الوطئ وَإِنْ أَمْكَنَ الصِّدْقُ وَلَكِنْ كَذَّبَهَا فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَفَتَاوِيهِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ يَحِلُّ الوطئ لِأَنَّهَا رُبَّمَا عَانَدَتْهُ وَمَنَعَتْ حَقَّهُ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُهُ وَقَالَ الشَّاشِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى حَيْضِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مُقَصِّرٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْحَيْضِ وَادَّعَى انْقِطَاعَهُ وَادَّعَتْ بَقَاءَهُ فِي مُدَّةِ الْإِمْكَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِلَا خِلَافٍ لِلْأَصْلِ
- (فَرْعٌ) لَوْ طَهُرَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ الْمَجْنُونَةُ مِنْ الْحَيْضِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ حتى يغسلها فإذا ضب الْمَاءَ عَلَيْهَا وَنَوَى غُسْلَهَا عَنْ الْحَيْضِ حَلَّتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَوَجْهَانِ سَبَقَا فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَلَوْ شَكَّ هَلْ حَاضَتْ الْمَجْنُونَةُ أَوْ الْعَاقِلَةُ أَمْ لَا لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ الْحَيْضِ (فَرْعٌ) إذَا ارتكبت المرأة من المحرمات المذكورة أثمت وتعذر وَعَلَيْهَا التَّوْبَةُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ
- (فَرْعٌ) يجوز عندنا وطئ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الزَّمَنِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهُ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ والعبد رى وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المزني والاوزاعي ومالك والثوري واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ وَحُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَابْنِ سِيرِينَ مَنْعُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ نَقْلَ الْمَنْعِ عَنْ عَائِشَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهَا بَلْ هُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي حديثها وقال احمد لا يجوز الوطئ إلَّا أَنْ يَخَافَ زَوْجُهَا الْعَنَتَ وَاحْتُجَّ لِلْمَانِعِينَ بِأَنَّ دَمَهَا يَجْرِي فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) وَهَذِهِ قَدْ تَطَهَّرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُسْتَحَاضَةُ يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إذَا صَلَّتْ الصَّلَاةُ أَعْظَمُ وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ كَالطَّاهِرِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا
فكذا في الوطئ ولانه دم عرق فلم يمنع الوطئ كَالنَّاسُورِ وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمٍ بَلْ وَرَدَ بِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحَائِضِ أَنَّهُ قِيَاسٌ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَمْ يُقْبَلْ وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِنَظَائِرِهِ لَا بِالْحَيْضِ الَّذِي لا يشاركه في شئ
- [وقال المصنف رحمه الله] (اقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين قال الشافعي رحمه الله اعجل من سمعت من النساء تحتض نساء تهامة يحضن لتسع سنين فإذا رأت الدم لدون ذلك فهو دم فساد ولا تتعلق به احكام الحيض]
- [الشَّرْحُ] تِهَامَةُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا نَزَلَ عَنْ نَجْدٍ مِنْ بِلَادِ الْحِجَازِ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ سُمِّيَتْ تِهَامَةَ مِنْ التَّهَمِ يَعْنِي بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْهَاءِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَرُكُودِ الرِّيحِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَغَيُّرِ هَوَائِهَا يُقَالُ تَهِمَ الدُّهْنُ إذَا تَغَيَّرَ أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي أَقَلِّ سِنٍّ يُمْكِنُ فِيهِ الْحَيْضُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي بِالشُّرُوعِ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّالِثُ بِمُضِيِّ نِصْفِ التَّاسِعَةِ وَالْمُرَادُ بِالسِّنِينَ الْقَمَرِيَّةُ
- وَالْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ اسْتِكْمَالُ تِسْعٍ وَهَلْ هِيَ تَحْدِيدٌ أَمْ تَقْرِيبٌ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الْمُتَحَيِّرَةِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا تَحْدِيدٌ فَلَوْ نَقَصَ عَنْ التِّسْعِ مَا نَقَصَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَهَذَا مُقْتَضَى إطْلَاقِ كَثِيرِينَ وَأَصَحُّهُمَا تَقْرِيبٌ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَعَلَى هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَا يُؤَثِّرُ نَقْصُ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ قَالَ الدَّارِمِيُّ لَا يُؤَثِّرُ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ إنْ كَانَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الدم واستكمال التسع مالا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضًا وَإِلَّا فَلَا قَالَ الْمُتَوَلِّي وَإِذَا قُلْنَا تَحْدِيدٌ فَرَأَتْهُ قَبْلَ التِّسْعِ مُتَّصِلًا بِاسْتِكْمَالِهَا نُظِرَ إنْ رَأَتْ قَبْلَ التِّسْعِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَبَعْدَ التِّسْعِ يَوْمًا وَلَيْلَةً جُعِلَ الْجَمِيعُ حَيْضًا وان رَأَتْ قَبْلَ التِّسْعِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَبَعْدَهَا دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْضُهُ قَبْلَ التِّسْعِ وَبَعْضُهُ بَعْدَهَا فَهَلْ يُجْعَلُ حَيْضًا فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ الدَّارِمِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَاتِ كُلُّ هَذَا عندي
خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَى الْوُجُودِ فَأَيُّ قَدْرٍ وُجِدَ فِي أَيِّ حَالٍ وَسِنٍّ كَانَ وَجَبَ جَعْلُهُ حَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- ثُمَّ إنَّ الْجُمْهُورَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي هَذَا بَيْنَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَالْبَارِدَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ حِكَايَةِ وَالِدِهِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الدَّمُ لِتِسْعِ سِنِينَ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي لَا يُعْهَدُ فِي أَمْثَالِهَا مِثْلُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ رَأَيْت جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وعشرين سنة وقيل انه رآها بصنعاء اليمين قَالُوا هَذَا رَآهُ وَاقِعًا وَيُتَصَوَّرُ جَدَّةٌ بِنْتُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَحْظَةً فَتَحْمِلُ لِتِسْعٍ وَتَضَعُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ بِنْتًا وَتَحْمِلُ تِلْكَ الْبِنْتُ لِتِسْعِ سِنِينَ وَتَضَعُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ
- هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَقَلِّ سِنِّ الْحَيْضِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ حَتَّى تَمُوتَ كَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فَالْمُعْتَمَدُ فِي هَذَا الْوُجُودُ وَقَدْ وُجِدَ مَنْ تَحِيضُ لِتِسْعِ سِنِينَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا يُرْجَعُ إلَى الْعَادَةِ فِي أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَأَكْثَرِهَا وَفِي الْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالْحِرْزِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا أَمَّا إذَا رَأَتْ الدَّمَ لِدُونِ أَقَلِّ سِنِّ الْحَيْضِ الْمَذْكُورِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ بَلْ هُوَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا يتعلق به شئ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَيُسَمَّى دَمَ فَسَادٍ وَهَلْ يُسَمَّى اسْتِحَاضَةً فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ
- وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ فِي سِنِّ الْإِمْكَانِ قُبِلَ قَوْلُهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْغُلَامِ فِي إنْزَالِ الْمَنِيِّ لِسِنِّ الْإِمْكَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [فَرْعٌ] قَالَ أَصْحَابُنَا أَقَلُّ سِنٍّ يَجُوزُ أَنْ تُنْزِلَ الْمَرْأَةُ فِيهِ الْمَنِيَّ هُوَ سِنُّ الْحَيْضِ وَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ الصَّحِيحُ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ هِيَ أَسْرَعُ بُلُوغًا مِنْ الْغُلَامِ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ وَبِهَذَا قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هُنَا فِي بَابِ الْحَيْضِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالثَّانِي مُضِيُّ تِسْعِ سِنِينَ وَنِصْفٍ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ وَالثَّالِثُ اسْتِكْمَالُ عَشْرِ سِنِينَ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْحَجْرِ وَمَا يَلْحَقُ مِنْ النَّسَبِ وَاَللَّهُ اعلم * قال المصنف رحمه الله
[وأقل الحيض يوم وليلة وقال في موضع يوم فمن أصحابنا من قال هما قولان ومنهم من قال يوم وليلة قولا واحدا وقوله يوم اراد بليلته ومنهم من قال يوم قولا واحدا وانما قال يوم وليله قبل أن يثبت عنده اليوم فلما ثبت عنده رجع إليه - والدليل على ذلك ان المرجع في ذلك الي الوجود وقد ثبت الوجود في هذا القدر قال الشافعي رحمه الله رأيت امرأة اثبت لى عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه وقال الاوزاعي رحمه الله عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقال عطاء رحمه الله رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما وقال أبو عبد الله الزبيري رحمه الله كان في نسائنا من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما واكثره خمسة عشسر يوما لما رويناه عن عطاء وابى عبد الله الزبيري وغالبه ست أو سبع لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جحش رضي الله عنها (تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حيضهن وطهرهن) وأقل طُهْرٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لا أعرف فيه خلافا فان صح ما يروى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال (في النساء نقصان دينهن ان احداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي) دل ذلك علي ان اقل الطهر خمسة عشر يوما لكن لم أجده بهذا اللفظ الا في كتب الفقه] [الشَّرْحُ] فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْعَدَدِ أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَنَصَّ فِي بَابِ الْحَيْضِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَفِي عَامَّةِ كُتُبِهِ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهَا أَحَدُهَا يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ وَالثَّانِي قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَوْمٌ بِلَا لَيْلَةٍ وَالثَّانِي يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالطَّرِيقُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَصَحُّهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا الطَّرِيقُ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَجَمَاهِيرِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوُجُودِ فَإِنْ صَحَّ الْوُجُودُ فِي يَوْمٍ تَعَيَّنَ قَالُوا وَلِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامَيْهِ عَلَى حَالَيْنِ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ علي قولين وكذا كُلُّ مُجْتَهِدٍ كَمَا إذَا أَمْكَنَ حَمْلُ حَدِيثَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَالَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى النَّسْخِ وَالتَّعَارُضِ وَضَعَّفَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ
وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا طَرِيقَةَ الْقَطْعِ بِيَوْمٍ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا قَالَ يَوْمٌ فِي مَسَائِلِ الْعَدَدِ اخْتِصَارًا أَوْ حِينَ أَرَادَ تَحْدِيدَ أَقَلِّ الْحَيْضِ فِي بَابِهِ وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَوَجَبَ اعْتِمَادُ مَا حَقَّقَهُ فِي مَوْضِعِ التَّحْدِيدِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَيْضَ يَكُونُ يَوْمًا وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ قَالَ وَحَدَّثَنِي الرَّبِيعُ أَنَّ آخِرَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ جِدًّا وَلَكِنَّ تَأْوِيلَهُ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ فِي الْفَرْعِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ وَالْعَمَلُ وَمَا سِوَاهُ مُتَأَوَّلٌ عَلَيْهِ.
وَدَلِيلُهُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ وَفِي مَظِنَّتِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ آخِرُ قَوْلِهِ كَمَا نَقَلَهُ الثِّقَةُ ابْنُ جَرِيرٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عشر باتفاق اصحابنا وذكر المصنف دليله (الثَّالِثَةُ) غَالِبُ الْحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ بِالِاتِّفَاقِ (الرَّابِعَةُ) أَقَلُّ طُهْرٍ فَاصِلٍ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا ثبت وجوده ولا حد لا كثره بِالْإِجْمَاعِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقَدْ تَبْقَى الْمَرْأَةُ جَمِيعَ عُمُرِهَا لَا تَحِيضُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي زَمَنِهِ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَهِيَ صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وَتَلِدُ وَكَانَ نِفَاسُهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَمَّا غَالِبُ الطُّهْرِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَالِبَ الْحَيْضِ مَاذَا فَالْغَالِبُ أَنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضًا وَطُهْرًا فَغَالِبُ الْحَيْضِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِإِيضَاحِ أَصْلِ الْمَذْهَبِ
- وَأَمَّا قَوْلُهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلَوْ يَوْمًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّانِي) أَيَّامُ النَّقَاءِ الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ ذَاتِ التَّلْفِيقِ إذَا قُلْنَا بِالتَّلْفِيقِ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَلَوْ قَالَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ كَمَا قَالَ فِي التَّنْبِيهِ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الشَّيْئَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا فَمَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْخِلَافِ فِي مَذْهَبِنَا وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ
مَشْهُورٌ سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- وَأَمَّا قَوْلُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِالْإِجْمَاعِ وَنَحْوُهُ فِي التَّهْذِيبِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي مَسْأَلَةِ التَّلْفِيقِ أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَرْدُودٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَلَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَوْ حُمِلَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ عَدَمُ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا حَدِيثُ (تَمْكُثُ شَطْرَ دَهْرِهَا) فَحَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ في الصحيحين (تَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي) كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ تَحْرِيمِ الصَّوْمِ وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْنَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ رِوَايَةِ حَمْنَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَسَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هو حديث حسن صحيح قال الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ تَرَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الِاحْتِجَاجَ بِهَذَا الحديث لان رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ لَيْسَ بِذَاكَ (قُلْت) هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَا يُقْبَلُ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ كَمَا سَبَقَ وَهَذَا الرَّاوِي وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِي تَوْثِيقِهِ وَجَرْحِهِ فَقَدْ صَحَّحَ الْحُفَّاظُ حَدِيثَهُ هَذَا وَهُمْ أَهْلُ هَذَا الْفَنِّ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَاعِدَتِهِمْ فِي حَدِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الرَّاوِي بَعْضُ الضَّعْفِ أُجِيزَ حَدِيثُهُ بِشَوَاهِدَ لَهُ أَوْ مُتَابَعَةٍ وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ) أَيْ الْتَزِمِي الْحَيْضَ وَأَحْكَامَهُ فِيمَا أَعْلَمَك اللَّهُ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ فِيمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكِ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ وَقَوْلُهُ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ) الْمُرَادُ غَالِبُ النِّسَاءِ لِاسْتِحَالَةِ إرَادَةِ كُلِّهِنَّ لِاخْتِلَافِهِنَّ وَقَوْلُهُ صلي الله عليه وسلم (ميقات حيضهن) هو بِنَصْبِ التَّاءِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ فِي وَقْتِ حَيْضِهِنَّ وَاخْتَلَفُوا فِي حَالِ حَمْنَةَ فَقِيلَ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ وَقِيلَ كَانَتْ مُعْتَادَةً سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً فَرَدَّهَا إلَيْهَا ذَكَرَ هَذَا الْخِلَافَ فِيهَا الْخَطَّابِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَهُمَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ احْتِمَالَيْنِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا أَنَّهَا كانت مبتدأة وكذا اختاره إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَرَجَّحَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ) وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً وَأَوْضَحَ دَلِيلَهُ وَقَالَ هَذَا أَشْبَهُ مَعَانِيهِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ مَنْ قَالَ كَانَتْ مُعْتَادَةً ذَكَرُوا فِي رَدِّهَا إلَى السِّتَّةِ أَوْ السَّبْعَةِ ثَلَاثَ تَأْوِيلَاتٍ أَحَدُهَا مَعْنَاهُ سِتَّةٌ إنْ كَانَتْ عادتك ستة أو سبعة ان كان عَادَتُك سَبْعَةً الثَّانِي لَعَلَّهَا شَكَّتْ هَلْ عَادَتُهَا سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ فَقَالَ تَحَيَّضِي سِتَّةً إنْ لَمْ تَذْكُرِي عَادَتَك أَوْ سَبْعَةً إنْ ذَكَرْت أَنَّهَا عَادَتُكِ الثَّالِثُ لَعَلَّ عَادَتَهَا كَانَتْ تَخْتَلِفُ فَفِي بَعْضِ الشُّهُورِ سِتَّةٌ وَفِي بَعْضِهَا سَبْعَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةً فِي شَهْرِ السِّتَّةِ وَسَبْعَةً فِي شَهْرِ السَّبْعَةِ فَتَكُونُ لَفْظَةُ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ وَبَسَطْت الْكَلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مدار كتاب الحيض ويدخل فِي كُلِّ مُصَنَّفَاتِ الْحَيْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
(فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ حَمْنَةَ بنت جحش وعطاء والاوزاعي وا؟ ؟ يرى فَأَمَّا حَمْنَةُ فَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ مِيمٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ هَاءٍ وَأَبُوهَا جَحْشٌ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ وَهِيَ أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا عطاء فهو أبو محمد عطاء ابن أَبِي رَبَاحٍ وَاسْمُ أَبِي رَبَاحٍ أَسْلَمُ وَعَطَاءٌ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فِي الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ شُيُوخِنَا فِي سَلْسَلَةِ التَّفَقُّهِ فَهُوَ شَيْخُ ابْنِ جُرَيْجٍ الَّذِي هُوَ شَيْخُ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ شَيْخِ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ تُوُفِّيَ عَطَاءٌ رَحِمَهُ اللَّهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ واما الاوزاعي فهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو مِنْ كِبَارِ تَابِعِي التَّابِعِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ الْبَارِعِينَ كَانَ إمَامَ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَنِهِ أَفْتَى فِي سبعين الف مسألة وقيل ثمانين الف تُوُفِّيَ فِي خَلْوَتِهِ فِي حَمَّامِ بَيْرُوتَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُتَوَسِّدًا بِيَمِينِهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ قِيلَ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَوْزَاعِ قَرْيَةٍ كَانَتْ بِخَارِجِ بَابِ الْفَرَادِيسِ مِنْ دِمَشْقَ وَقِيلَ قَبِيلَةٌ مِنْ الْيَمَنِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَأَمَّا الزُّبَيْرِيُّ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ مَنْسُوبٌ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الله الزبير بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عاصم بن المنذر بن الزبير ابن الْعَوَّامِ وَلِلزُّبَيْرِيِّ كُتُبٌ نَفِيسَةٌ وَأَحْوَالٌ شَرِيفَةٌ فَهَذِهِ أَحْرُفٌ فِي تَعْرِيفِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَقَدْ بَسَطَتْ أَحْوَالَ أَصْحَابِهَا وَمَنَاقِبَهُمْ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَبِاَللَّهِ التوفيق *
طُهْرًا مُسْتَقِلًّا كَامِلًا قَالَ فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ تَفْرِيعُ الْبَابِ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أبو عمرو ابن الصلاح قول الاستاذ ابي اسحق فَقَالَ الصَّحِيحُ اتِّبَاعُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ فِيهِ وَنَاهِيكَ إتْقَانًا وتحقيقا واطلاعا وكأن الاصحاب لم يطلعوا علگ النص قال وفى المحيط للشيخ اي محمد الجويني عن الاستاذ ابى اسحق قال كانت امرأة تستفتينى باسفرابين وَتَقُولُ إنَّ عَادَتَهَا فِي الطُّهْرِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى الدَّوَامِ فَجَعَلَتْ ذَلِكَ طُهْرَهَا عَلَى الدَّوَامِ قُلْت وَهَذَا النَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ أَبُو عَمْرٍو وَاخْتَارَهُ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْتُهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ الرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ ذَلِكَ النَّصَّ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ وَأَكْثَرِهِمَا: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لا حدله قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوْ رَأَتْ الدَّمَ سَاعَةً وَانْقَطَعَ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَهَذَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَكُونُ دَفْعَةً فَقَطْ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَالَ وَبَلَغَنِي عَنْ نِسَاءِ الْمَاجِشُونَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَ عَشَرَةَ قَالَ احمد اكثر ما سمعنا سَبْعَ عَشَرَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ طَائِفَةٌ لَيْسَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ بِالْأَيَّامِ بَلْ الْحَيْضُ إقْبَالُ الدَّمِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالطُّهْرُ إدْبَارُهُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فِيمَا نعلم وانكر احمد واسحق التَّحْدِيدَ فِي الطُّهْرِ قَالَ أَحْمَدُ الطُّهْرُ مَا بين الحيضتين علي ما يكون وقال اسحق تَوْفِيَتُهُمْ الطُّهْرَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَاطِلٌ هَذَا نَقْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ اقل الحيض يومان واكثر الثَّالِثُ وَعَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ وَقَدْ يَكُونُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ فِي أَكْثَرِ الْحَيْضِ إحْدَاهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَالثَّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَالثَّالِثَةُ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَعَنْ مَكْحُولٍ أَكْثَرُهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَأَنَّهُ مَا يَكُونُ مِثْلُهُ طُهْرًا فِي الْعَادَةِ وَرَوَى عَبْدُ الملك بن الماجشون
(فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَذَا أَقَلُّ الطُّهْرِ وَالْمُرَادُ خَمْسَةَ عشر بلياليها وهذا القيد لابد مِنْهُ لِتَدْخُلَ اللَّيْلَةُ الْأُولَى (فَرْعٌ) لَوْ وَجَدْنَا امْرَأَةً تَحِيضُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ تَطْهُرُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَاشْتَهَرَتْ عَادَتُهَا كَذَلِكَ مُتَكَرِّرَةً فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَحَدُهَا لَا يُعْتَبَرُ حَالُ هَذِهِ بَلْ الحكم علي ما تمهد لِأَنَّ بَحْثَ الْأَوَّلِينَ أَوْفَى: وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ لِيَكُونَ هَذَا حَيْضَهَا وَطُهْرَهَا لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوُجُودِ وَقَدْ حَصَلَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا قَوْلُ طوائف من المحققين منهم الاستاذ أبو اسحق الاسفرايني وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ (قُلْت) وَاخْتَارَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ قَدْرًا يُوَافِقُ مَذْهَبَ السَّلَفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِاعْتِمَادِ الْوُجُودِ اعْتَمَدْنَاهُ وَعَمِلْنَا بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ مَذْهَبَ أَحَدٍ لَمْ يُعْتَمَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ وَلَا أَرَى الْعُدُولَ عَنْهُ الِاكْتِفَاءَ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ الْمَاضِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فَإِنَّا لَوْ فَتَحْنَا بَابَ اتِّبَاعِ الْوُجُودِ في كل ما يحدث واخدنا فِي تَغْيِيرِ مَا يُمَهِّدُ تَقْلِيلًا وَتَكْثِيرًا لَاخْتَلَطَتْ الْأَبْوَابُ وَظَهَرَ الِاضْطِرَابُ وَالْوَجْهُ اتِّبَاعُ مَا تَقَرَّرَ لِلْعُلَمَاءِ الْبَاحِثِينَ قَبْلَنَا وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قَالَ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِحَالِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بَلْ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَقَرَّرَ لِأَنَّ احْتِمَالَ عُرُوضِ دَمِ الْفَسَادِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ أَقْرَبُ مِنْ انْخِرَامِ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَحِيضُ يَوْمًا وَتَطْهُرُ يَوْمًا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ لا يجعل كل نقاء
انه خمسة ايام وقال سجنون ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ وَقَالَ غَيْرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَقَالَ محمد بن مسلمة خَمْسَةَ عَشَرَ وَهُوَ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ أَصْحَابُهُ الْبَغْدَادِيُّونَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَأَبِي طَالِبٍ أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّهُ عَشَرَةٌ وَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَمَّا أَدِلَّةُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ فَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْإِجْمَاعِ أَنَّ أَكْثَرَ الطهر لا حدله وَدَلِيلُهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَمِنْ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ وَمِنْ أَظْرَفِهِ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ عَنْ أُخْتِهَا أَنَّهَا تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَهِيَ صَحِيحَةٌ تَحْبَلُ وَتَلِدُ وَنِفَاسُهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَأَمَّا أَقَلُّ الْحَيْضِ فَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِحَدِيثِ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ إنِّي أُسْتَحَاضُ فَقَالَ (لَيْسَ ذَلِكَ الْحَيْضُ إنَّمَا هُوَ عِرْقٌ لِتَقْعُدْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ لتغتسل ولتصلى) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالُوا وَأَقَلُّ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةٌ وَبِحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يَكُونُ الْحَيْضُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) م وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (الْحَيْضُ ثَلَاثٌ.
أَرْبَعٌ.
خَمْسٌ.
سِتٌّ.
سَبْعٌ.
ثَمَانٍ.
تِسْعٌ.
عَشَرٌ) قَالُوا وَأَنَسٌ لَا يَقُولُ هَذَا إلَّا تَوْقِيفًا قَالُوا وَلِأَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ وَإِنَّمَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ رضى الله عنها (دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذِهِ الصِّفَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ غَيْرُ مَحْدُودٍ شَرْعًا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ وَقَدْ ثَبَتَ الْوُجُودُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَالزُّبَيْرِيِّ وَرَوَيْنَا بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الْإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ كَانَتْ امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْعُلَا قَالَتْ حَيْضَتِي مُنْذُ أَيَّامِ الدَّهْرِ يَوْمَانِ قَالَ اسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَصَحَّ لَنَا عَنْ غَيْرِ امْرَأَةٍ في زماننا انها قالت حيضتي يومان وعند يزيد بن هرون قَالَ عِنْدِي امْرَأَةٌ تَحِيضُ يَوْمَيْنِ
وَرُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِي هَذِهِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَيَّامِ أَقْرَائِهَا لَوْ ثبت فمن وجهين (أحدهما) ليس المرد بِالْأَيَّامِ هُنَا الْجَمْعُ بَلْ الْوَقْتُ (الثَّانِي) أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ مُعْتَادَةٌ رَدَّهَا إلَى الْأَيَّامِ الَّتِي اعْتَادَتْهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ حَيْضٍ لَا يَنْقُصُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَقَدْ أَوْضَحَ ضَعْفَهَا الدَّارَقُطْنِيّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْخِلَافِيَّاتِ ثُمَّ السنن الكبير وَقَوْلُهُمْ التَّقْدِيرُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَوْقِيفٍ جَوَابُهُ أَنَّ التَّوْقِيفَ ثَبَتَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْوُجُودِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَقَلُّ الْحَيْضِ سَاعَةٌ فَاعْتَمَدُوا ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقِيَاسَ عَلَى النِّفَاسِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوُجُودِ وَلَمْ يَثْبُتْ دُونَ مَا قُلْنَاهُ وَالْجَوَابُ عَنْ النُّصُوصِ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى الْوُجُودِ وَعَنْ النِّفَاسِ أَنَّهُ وُجِدَ لَحْظَةً فَعَمِلْنَا بِالْوُجُودِ فِيهِمَا وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةٌ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ كَمَا سَبَقَ وَلَيْسَ لَهُمْ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ثَبَتَ مُسْتَفِيضًا عَنْ السَّلَفِ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ كَذَلِكَ عِيَانًا وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ أَكْثَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَفِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ فَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةُ وَشَرِيكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَأَمَّا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ أَقَلُّ الطُّهْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ فَاسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَهُ عَشَرَةٌ وَالشَّهْرُ يَشْتَمِلُ عَلَى حَيْضٍ وَطُهْرٍ وَقَدْ يَكُونُ الشَّهْرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ مِنْهَا عَشَرَةٌ لِلْحَيْضِ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَدَلِيلُنَا بِثُبُوتِ الْوُجُودِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عَشَرٌ وقد بينا بطلانه فان قيل روى اسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الْمَاجِشُونَ حَاضَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ بِنْتَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كَانَتْ تَحْتَهُ وَكَانَتْ تَحِيضُ مِنْ السَّنَةِ شَهْرَيْنِ فَجَوَابُهُ بِمَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ النُّكَتُ أَنَّ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ ضَعِيفَانِ فَالْأَوَّلُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدْ انكره الامام مالك ابن أَنَسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَالثَّانِي رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مَيْمُونٍ والرجل مجهول والله اعلم
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- [وَفِي الدَّمِ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ فَلَا يَمْنَعُهُ الْحَمْلُ كَالنِّفَاسِ وَالثَّانِي أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ لِأَنَّهُ لو كان حَيْضًا لَحَرُمَ الطَّلَاقُ وَتَعَلَّقَ بِهِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ] [الشَّرْحُ] يُقَالُ الرَّضَاعُ وَالرِّضَاعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا فِيهِمَا وَامْرَأَةٌ حَامِلٌ وَحَامِلَةٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ فَإِنْ حَمَلَتْ عَلَى رَأْسِهَا أَوْ ظَهْرِهَا فَحَامِلَةٌ لَا غَيْرَ وَالدَّمُ مُخَفَّفُ الْمِيمِ عَلَى اللُّغَةِ المشهورة وفيه لغية شَاذَّةٌ بِتَشْدِيدِهَا
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا رَأَتْ الْحَامِلُ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ الْجَدِيدُ أَنَّهُ حَيْضٌ وَالْقَدِيمُ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ حَيْضٌ فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِحَيْضٍ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَهَلْ يُسَمَّى اسْتِحَاضَةً فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ وَسَوَاءٌ قُلْنَا اسْتِحَاضَةٌ أَوْ دَمُ فَسَادٍ هُوَ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ فَهُوَ كَالْبَوْلِ فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ الْوَاحِدِ صَلَوَاتٍ وَإِنْ اسْتَمَرَّ فَلَهَا حُكْمُ الِاسْتِحَاضَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَحِلِّ الْقَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا وَعَلَى صِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ فَإِنْ رَأَتْهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً فَلَيْسَ بِحَيْضٍ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْهُمْ مَنْ قال لا فرق بل الخلاف جاز فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا لِغَيْرِ الْحَامِلِ وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هريرة القولان ااقلنا لِلْحَمْلِ حُكْمٌ فَإِنْ قُلْنَا لَا حُكْمَ لَهُ فهو حيض قولا واحدا وقال أبو إسحق الْقَوْلَانِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا لَهُ حُكْمٌ أَمْ لَا قَالَ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقَوْلَانِ إذَا مَضَى لِلْحَمْلِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَمَا رَأَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَيْضٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْجَمِيعِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الدَّارِمِيِّ وَقَالَ الشَّاشِيُّ إذَا قُلْنَا الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ فَمِنْ مَتَى يَنْقَطِعُ حَيْضُهَا وَجْهَانِ الصَّحِيحُ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ وَالثَّانِي مِنْ وَقْتِ حَرَكَةِ الْحَمْلِ (قُلْت) الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ بِنَفْسِ الْعُلُوقِ وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ وَلَا يَمْنَعُهُ الْحَمْلُ كَالنِّفَاسِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُرْضِعَ لَا تَحِيضُ غَالِبًا وَكَذَا الْحَامِلُ فَلَوْ اتَّفَقَ رُؤْيَةُ الدَّمِ فِي حال الرضاع
كَانَ حَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَا فِي حَالِ الْحَمْلِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النُّدُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فِي الْحُكْمِ بِأَنَّهُمَا حَيْضٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ كَالنِّفَاسِ فَمُرَادُهُ إذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَرَأَتْ الدَّمَ بَيْنَهُمَا وَقُلْنَا إنَّهُ نِفَاسٌ فَهَذِهِ حَامِلٌ وَمُرْضِعٌ وَدَمُهَا نِفَاسٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النِّفَاسَ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ وَالْحَمْلُ وَالْحَيْضُ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْنَعَهُ الْحَمْلُ كَمَا قُلْنَا فِي النِّفَاسِ قَالَ صَاحِبُ البيان في مشكلات المذهب مُرَادُهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ دَمُ الْحَامِلِ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَالدَّمُ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ نِفَاسٌ فَقَاسَ عَلَى مَا وَافَقَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَلَعِيُّ وَقَوْلُهُ لَا يَمْنَعُهُ الرَّضَاعُ لَيْسَ بِاحْتِرَازٍ بَلْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ وَالتَّقْرِيبِ مِنْ الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا دَمُ الْحَامِلِ حَيْضٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْبَابِ وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْحَامِلَ إذَا كَانَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَاحِدَةٌ وَحَمْلُهَا لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ وَحَاضَتْ أَدْوَارًا فَلَا تَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ وَلَا يحسب شئ مِنْ الْأَطْهَارِ الْمُعَجَّلَةِ قُرْءًا أَمَّا إذَا كَانَ الْحَمْلُ بِحَيْثُ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ بِأَنْ لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ مِثْلَ إنْ مَاتَ صبى عن زوجته أو فسخ نكاحه بعيبه أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ وَامْرَأَتُهُ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا أَوْ تَزَوَّجَ الرَّجُلُ حَامِلًا مِنْ الزِّنَا وَطَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ تَرَى الدَّمَ عَلَى الْأَدْوَارِ فَإِنْ قُلْنَا الْحَامِلُ تَحِيضُ فَفِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهَذِهِ الْأَطْهَارِ الْمُتَخَلِّلَةِ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وجهان مشهوران سيأتي ايضاحهما في كتاب العدة إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ بِأَنْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ثُمَّ وَطِئَهَا بشبهة فوجبت العدة بالثانية فَهَلْ تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَإِنْ قُلْنَا لَا تَتَدَاخَلُ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عَنْ الطَّلَاقِ فَلَوْ حَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ فَهَلْ يُحْسَبُ أَطْهَارُهَا فِي الْحَمْلِ عَنْ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما يحسب
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَيْضُ الْحَامِلِ مُؤَثِّرًا فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلَا يَحْسُنُ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا قَيَّدْنَاهُ بِهِ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا دَمُ الْحَامِلِ حَيْضٌ فَانْقَطَعَ ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ فَفِي كَوْنِهِ حَيْضًا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ النفاس أصحهما بالاتفاق أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ بِصِفَةِ الْحَيْضِ وَإِنَّمَا يشترط يَكُونَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ إذَا كَانَا دَمَيْ حَيْضٍ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَقَلُّ طُهْرٍ فَاصِلٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَعَلَى هَذَا لَوْ رَأَتْ النِّفَاسَ سِتِّينَ يَوْمًا ثُمَّ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَهُوَ حَيْضٌ وَإِنْ عَادَ قَبْلَهَا فَهَلْ يُجْعَلُ الثَّانِي حَيْضًا فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا: لِنُقْصَانِ مَا بَيْنَهُمَا عَنْ طُهْرٍ كَامِلٍ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِاخْتِلَافِهِمَا
- (فَرْعٌ) إذَا قِيلَ إذَا جَعَلْتُمْ دَمَ الْحَامِلِ حَيْضًا لَمْ يَبْقَ وُثُوقٌ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بِالْحَيْضِ لِاحْتِمَالِ الْحَيْضِ عَلَى الْحَمْلِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَحِيضُ فَإِذَا حَاضَتْ حَصَلَ ظَنُّ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَإِنْ بَانَ خِلَافُهُ عَلَى النُّدُورِ عَمِلْنَا بِمَا بَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ السَّلَفِ فِي حَيْضِ الْحَامِلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ الدَّمَ الَّذِي تَرَاهُ حَيْضٌ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ والحسن وعطاء ومحمد ابن الْمُنْكَدِرِ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ بِحَيْضٍ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلصَّحِيحِ فِي
كَوْنِهِ حَيْضًا أَنَّهُ دَمٌ بِصِفَاتِ دَمِ الْحَيْضِ وَفِي زَمَنِ إمْكَانِهِ وَلِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ فَسَادًا لِعِلَّةٍ أَوْ حَيْضًا وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعِلَّةِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ الْآخَرِ لَوْ كَانَ حَيْضًا لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِهِ فَفَاسِدٌ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِطَلَبِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَلَا تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ بِالْأَقْرَاءِ مَعَ وُجُودِ الْحَمْلِ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَوْ كَانَ حَيْضًا لَحَرُمَ الطَّلَاقُ فَجَوَابُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ طَلَاقِ الْحَائِضِ إنَّمَا كَانَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَلَا تَطْوِيلَ هُنَا لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِالْحَمْلِ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً وَلَمْ يعبر الخمسة عشر ففيه قولان أحدهما لا يلفق بل يجعل الجميع حَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا رَأَتْهُ مِنْ النَّقَاءِ طُهْرًا لَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا وَالثَّانِي يُلَفَّقُ الطُّهْرُ إلَى الطُّهْرِ وَالدَّمُ إلَى الدَّمِ فَيَكُونُ أَيَّامُ النَّقَاءِ طُهْرًا وَأَيَّامُ الدَّمِ حَيْضًا لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ أَيَّامُ النَّقَاءِ حَيْضًا لَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ أَيَّامُ الدَّمِ طُهْرًا ولما لم يجز أن يجعل أيام الدم طهرا لم يجز أن يجعل أَيَّامُ النَّقَاءِ حَيْضًا فَوَجَبَ أَنْ يُجْرَى كُلُّ واحد منهما علي حكمه]
- [الشَّرْحُ] النَّقَاءُ بِالْمَدِّ وَقَوْلُهُ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا بقاء أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ فِي التَّنْبِيهِ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَكَيْفَ يُسَمَّى طُهْرًا مَعَ أَنَّهُ حَيْضٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَلْ هُوَ الْأَصَحُّ وَقَوْلُهُ يَوْمًا أَرَادَ بِلَيْلَتِهِ لِيَكُونَ أَقَلَّ الْحَيْضِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا بِلَا لَيْلَةٍ أَوْ نِصْفَ يَوْمٍ فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ فِي فَصْلِ التَّلْفِيقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَصَحُّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْجَمِيعَ حَيْضٌ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ وَقَدْ فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ التَّلْفِيقِ هَذِهِ فَذَكَرَهَا هُنَا مُخْتَصَرَةً وَذَكَرَ فُرُوعَهَا فِي آخِرِ الْبَابِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَهَا كُلَّهَا أَوْ يَجْمَعَ كُلَّ
مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْفِيقِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَهُ الْأَصْحَابُ وَقَدْ رَأَيْت أَنْ أُؤَخِّرَ شَرْحَ هذه المسألة إلى هناك وبالله التوفيق * قال المصنف رحمه الله
- [إذا رأت المرأة الدم ليس يَجُوزُ أَنْ تَحِيضَ فِيهِ أَمْسَكَتْ عَمَّا تُمْسِكُ عَنْهُ الْحَائِضُ فَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَانَ ذَلِكَ دَمَ فَسَادٍ فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَإِنْ انْقَطَعَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ لِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لِمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَيْضٌ فَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّمُ عَلَى صِفَةِ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ لها عادة فخالف عادتها أو لم يكن وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إنْ رَأَتْ الصُّفْرَةَ أَوْ الْكُدْرَةَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعَادَةِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كُنَّا لَا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْئًا) وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيْضِ فَلَمْ يَكُنْ حَيْضًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ حَيْضٌ لِأَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ زَمَانَ الْإِمْكَانِ ولم يجاوزه فأشبه إذا رأت الصفرة والكدرة فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ (كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ حَيْضًا) وَقَوْلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَمَارَةٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ وُجُودُهُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَمَارَةٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهَا الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ وَأَنَّ ذَلِكَ دم الجبلة دون العلة]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْمُهَذَّبِ هُوَ لَفْظُ رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا) وَإِسْنَادُهَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَمْثَالِ هَذَا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعَّفَهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (مَا كُنَّا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَلَا أَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَرِيبٌ