كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والله أعلم *
المجموع شرح المهذب
للامام أبي زكريا محيى الدين بن شرف النووي المتوفي سنة 676 هـ
الجزء الثامن
دار الفكر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
-
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله
-
﴿باب صفة الحج﴾
(إذا أراد دخول مكة وهو محرم بالحج اغتسل بذي طوى لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما جاء وادي طوى بات حتى صلى الصبح فاغتسل ثم دخل من ثنية كداء ويدخل من ثنية كداء من أعلى مكة ويخرج من السفلى لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَرَوَيَاهُ أَيْضًا بِلَفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَيْضًا (وَأَمَّا) حَدِيثُهُ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُهُمَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كان
ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طَوًى ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ وَيُحَدِّثَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (وَأَمَّا) طَوًى - فَبِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْفَتْحُ أَجْوَدُ وَمِمَّنْ حَكَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَجَمَاعَاتٌ قَالُوا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَاقْتَصَرَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ عَلَى ضَمِّهِ وَاقْتَصَرَ آخَرُونَ عَلَى الْفَتْحِ وَهُوَ مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ مَقْصُورٌ لَا يَجُوزُ مَدُّهُ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَوَقَعَ في لباب المستملى ذوالطواء مَمْدُودٌ وَهُوَ وَادٍ بِبَابِ مَكَّةَ (وَأَمَّا) الثَّنِيَّةُ فَهِيَ الطَّرِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ (وَأَمَّا) كَدَاءٍ الْعُلْيَا - فَبِفَتْحِ الْكَافِ - وَبِالْمَدِّ مَصْرُوفٌ (وَأَمَّا) السُّفْلَى فَيُقَالُ لها ثنية كدا - بِالضَّمِّ - مَقْصُورٌ (وَأَمَّا) مَكَّةُ فَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ وَقَدْ قَالُوا كَثْرَةُ الْأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ المسمى ولهذا كَثُرَتْ أَسْمَاءُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفُ اسم وللنبي صلى الله عليه وسلم (1) وَقَدْ أَشَرْت إلَى هَذَا فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِ الاسماء واللغات في أول ترجمة النبي صلى الله عليه وسلم فمما حَضَرَنِي مِنْ أَسْمَاءِ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ اسْمًا (أَحَدُهَا) مَكَّةُ - وَالثَّانِي بَكَّةُ - وَالثَّالِثُ - أُمُّ الْقُرَى - وَالرَّابِعُ - الْبَلَدُ الْأَمِينُ - وَالْخَامِسُ - رُحْمٌ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - لِأَنَّ النَّاسَ يَتَرَاحَمُونَ فِيهَا وَيَتَوَادَعُونَ - السَّادِسُ - صَلَاحِ - بِكَسْرِ الْحَاءِ - مَبْنِيٌّ عَلَى الكسر كقطام وَنَظَائِرِهَا سُمِّيَتْ بِهِ لِأَمْنِهَا - السَّابِعُ - الْبَاسَّةُ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - لِأَنَّهَا تَبُسُّ مَنْ أَلْحَدَ فِيهَا أَيْ تُحَطِّمُهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (وَبُسَّتِ الجبال) الثَّامِنُ - النَّاسَّةُ - بِالنُّونِ - التَّاسِعُ - النَّسَّاسَةُ (قِيلَ) لِأَنَّهَا تَنُسُّ الْمُلْحِدَ أَيْ تَطْرُدُهُ وَقِيلَ لِقِلَّةِ مَائِهَا والنس اليبس - العاشر - الحاطمة لحطهما الْمُلْحِدِينَ فِيهَا - الْحَادِيَ عَشَرَ - الرَّأْسُ كَرَأْسِ الْإِنْسَانِ - الثَّانِي عَشَرَ - كُوثَى - بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْح الْمُثَلَّثَةِ - بِاسْمِ مَوْضِعٍ بِهَا - الثَّالِثَ عَشَرَ - الْعَرْشُ - الرَّابِعَ عَشَرَ - الْقَادِسُ - الْخَامِسَ عَشَرَ - الْمُقَدَّسَةُ مِنْ التَّقْدِيسِ - السَّادِسَ عَشَرَ - الْبَلْدَةُ (وَأَمَّا) مَكَّةُ وَبَكَّةُ فَقِيلَ هُمَا اسْمَانِ لِلْبَلْدَةِ وَقِيلَ مَكَّةُ الْحَرَمُ كُلُّهُ وبكة المسجد خاصة وهو مَحْكِيٌّ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقِيلَ مَكَّةُ اسْمٌ لِلْبَلَدِ وَبَكَّةُ اسْمُ الْبَيْتِ وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ مَكَّةُ الْبَلَدُ وبكة
البيت وموضوع الطَّوَافِ سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِازْدِحَامِ النَّاسِ فِيهَا يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَيْ يَدْفَعُهُ فِي زَحْمَةِ الطَّوَافِ وقيل لانهاتبك - أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ أَيْ تَدُقُّهَا وَالْبَكُّ الدَّقُّ
- وَسُمِّيَتْ مَكَّةَ لِقِلَّةِ مَائِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ امْتَكَّ الْفَصِيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ إذَا امْتَصَّهُ وَقِيلَ لِأَنَّهَا تَمُكُّ الذُّنُوبَ أَيْ تَذْهَبُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) مَدِينَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهَا أَسْمَاءٌ - الْمَدِينَةُ - وَطَيْبَةُ وَطَابَةُ وَالدَّارُ قَالَ اللَّهُ تعالى (ما كان لاهل المدينة) ويقولون لئن رجعنا إلى المدينة) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ سُمِّيَتْ طَابَةَ وَطَيِّبَةَ مِنْ الطَّيِّبِ وَهُوَ الطَّاهِرُ لِخُلُوصِهَا مِنْ الشِّرْكِ وَطَهَارَتِهَا (وَقِيلَ) مِنْ طِيبِ الْعَيْشِ وَقِيلَ مِنْ الطِّيبِ وَهُوَ الرَّائِحَةُ الْحَسَنَةُ وَسُمِّيَتْ الدَّارُ لِأَمْنِهَا وَلِلِاسْتِقْرَارِ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ الْمُحْرِمِ مَكَّةَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَغْسَالِ الْحَجِّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِحْرَامِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ تَيَمَّمَ وَذَكَرْنَا فِيهِ فُرُوعًا كَثِيرَةً وَيُسْتَحَبُّ هَذَا الْغُسْلُ بِذِي طَوًى إنْ كَانَتْ فِي طَرِيقِهِ وَإِلَّا اغْتَسَلَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهَا كَنَحْوِ مَسَافَتِهَا وَيَنْوِي بِهِ غُسْلَ دُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مُحْرِمٍ حَتَّى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّبِيِّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ
- قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ خَرَجَ إنْسَانٌ مِنْ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ وَاغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ من موضع بعيد من مَكَّةَ كَالْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَغْتَسِلَ أَيْضًا لِدُخُولِ مَكَّةَ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ كَالتَّنْعِيمِ أَوْ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَمْ يَغْتَسِلْ لِدُخُولِ مَكَّةَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْغُسْلِ النَّظَافَةُ وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِغُسْلِهِ السَّابِقِ
- وَهَذَا الْغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ دَاخِلٍ مُحْرِمٍ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ بِلَا خِلَافٍ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَأَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِهِ (وَالصَّوَابُ) حَذْفُ لَفْظَةِ الْحَجِّ كَمَا حَذَفَهَا فِي التَّنْبِيهِ وَالْأَصْحَابُ (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ هَكَذَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (وَأَمَّا) مَا يَفْعَلُهُ حَجِيجُ الْعِرَاقِ مِنْ قُدُومِهِمْ إلَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ فَخَطَأٌ مِنْهُمْ وَجَهَالَةٌ وَفِيهِ ارْتِكَابُ بِدْعَةٍ وَتَفْوِيتُ سُنَنٍ (مِنْهَا) دُخُولُ مَكَّةَ
أَوَّلًا (وَمِنْهَا) تَفْوِيتُ طَوَافِ الْقُدُومِ وَتَفْوِيتُ تَعْجِيلِ السَّعْيِ وَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ وَكَثْرَةُ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحُضُورُ خُطْبَةِ الْإِمَامِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بِمَكَّةَ وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَالصَّلَاةُ بِهَا وَالنُّزُولُ بِنَمِرَةَ وَحُضُورُ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّالِثَةُ) يُسْتَحَبُّ إذَا وَصَلَ الْحَرَمَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي قَلْبِهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَيَتَذَكَّرُ جَلَالَةَ الْحَرَمِ وَمَزِيَّتَهُ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا حَرَمُك وَأَمْنُك فَحَرِّمْنِي عَلَى النَّارِ وَآمِنِّي مِنْ عَذَابِك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْلِيَائِك وَأَهْلِ طَاعَتِك (الرَّابِعَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يُسْتَحَبُّ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وَهِيَ - بِفَتْحِ الْكَافِ - وَالْمَدِّ كَمَا سَبَقَ وَمِنْهَا يَتَجَرَّدُ إلَى مَقَابِرِ مَكَّةَ وَإِذَا خَرَجَ رَاجِعًا إلَى بَلَدِهِ خَرَجَ مِنْ ثَنِيَّةِ كدا - بضم الكاف - وبالقصر وهي باسفل مكة بقرب جَبَلِ قُعَيْقِعَانَ وَإِلَى صَوْبِ ذِي طَوًى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ الْخُرُوجَ إلَى عَرَفَاتٍ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ السُّفْلَى (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الدُّخُولَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مُحْرِمٍ دَاخِلٍ مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي صَوْبِ طَرِيقِهِ أَمْ لَمْ تَكُنْ وَيَعْتَدِلُ إلَيْهَا مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي طَرِيقِهِ وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ مِنْهَا لِمَنْ كَانَتْ فِي طَرِيقِهِ (وَأَمَّا) مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي طَرِيقِهِ فَقَالُوا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْعُدُولُ إلَيْهَا قالوا وانما دخل النبي صلى إليه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّفَاقًا لِكَوْنِهَا كَانَتْ فِي طَرِيقِهِ
- هَذَا كَلَامُ الصَّيْدَلَانِيِّ وَمُوَافِقِيهِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ لَيْسَتْ الْعُلْيَا عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بَلْ عَدَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَمِّدًا لَهَا قَالَ فَيُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ مِنْهَا لِكُلِّ أَحَدٍ قَالَ وَوَافَقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُمْهُورَ فِي الْحُكْمِ وَوَافَقَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي أَنَّ مَوْضِعَ الثَّنِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ
- وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ كَوْنِ الثَّنِيَّةِ لَيْسَتْ عَلَى نَهْجِ الطَّرِيقِ بَلْ عَدَلَ إلَيْهَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَقْضِي بِهِ الْحِسُّ وَالْعِيَانُ فَالصَّحِيحُ اسْتِحْبَابُ الدُّخُولِ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا لِكُلِّ مُحْرِمٍ قَصَدَ مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي صَوْبِ طَرِيقِهِ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ فَإِنَّهُ قَالَ وَيَدْخُلُ الْمُحْرِمُ من ثنية كدا وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانُ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ رَاكِبًا وماشيا وأيهما أفضل فيه وجهان وحكاهما الرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) مَاشِيًا أَفْضَلُ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَالْأَدَبِ وَلَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَلَا فَوَاتُ مُهِمٍّ بِخِلَافِ الرُّكُوبِ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَاكَ وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ فِي الدُّخُولِ مُتَعَرِّضٌ لَأَنْ يُؤْذِيَ النَّاسَ بِدَابَّتِهِ فِي الزَّحْمَةِ وَاَللَّهُ أعلم
- وإذا دخل ماشيا فالافضل كونه حافيالو لم يلحقه مشقة ولاخاف نَجَاسَةَ رِجْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا له دخول مكة ليلا ونهاراولا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ فِيهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْفَضِيلَةِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) دُخُولُهَا نَهَارًا أَفْضَلُ حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْعَبْدَرِيُّ هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ
- وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ الْأَمْرَانِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْجِيحٌ لِأَحَدِهِمَا وَلَا نَهْيٌ فَكَانَا سَوَاءً
- وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ النَّهَارَ بِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّتِهِ وَحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَالَ فِي آخِرِهَا (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فَهَذَا تَرْجِيحٌ ظَاهِرٌ لِلنَّهَارِ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ للداخل وارفق به واقرب إلى مراعاته للوضائف الْمَشْرُوعَةِ لَهُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا وَأَسْلَمُ لَهُ مِنْ التَّأَذِّي وَالْإِيذَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الْحَدِيثَانِ الْوَارِدَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ (فَأَحَدُهُمَا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (بَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ نَافِعٍ (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مكة الابات بِذِي طَوًى حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا وَيَذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طَوًى وَيَبِيتُ فِيهِ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ) (وَأَمَّا) الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَعَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَرَجَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ لَيْلًا فَقَضَى عُمْرَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ
وَلَا يُعْرَفُ لِمُحَرِّشٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَثَبَتَ فِي ضَبْطِ مُحَرِّشٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ (أَصَحُّهَا) وَأَشْهُرُهَا وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا مُحَرِّشٌ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ - (وَالثَّانِي) مِحْرَشٌ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ - (وَالثَّالِثُ) مِخْرَشٌ - بكسر الميم واسكان الخاء المعجمة - وهو قول علي بن المدني وادعى انه الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فممن اسْتَحَبَّ دُخُولَهَا نَهَارًا ابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ
- وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّهُ لَيْلًا عَائِشَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
- وَمِمَّنْ قَالَ هُمَا سَوَاءٌ طَاوُسٌ وَالثَّوْرِيُّ
- (فَرْعٌ) يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَفَّظَ فِي دُخُولِهِ مِنْ إيذَاءِ النَّاسِ فِي الزَّحْمَةِ وَيَتَلَطَّفَ بِمَنْ يُزَاحِمُهُ وَيَلْحَظَ بِقَلْبِهِ جَلَالَةَ الْبُقْعَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَالْكَعْبَةِ الَّتِي هُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهَا وَيُمَهِّدَ عُذْرَ مَنْ زَاحَمَهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ دُخُولُ مَكَّةَ بِخُشُوعِ قَلْبِهِ وَخُضُوعِ جَوَارِحِهِ دَاعِيًا مُتَضَرِّعًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَكُونُ مِنْ دُعَائِهِ مَا رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول عند دخول (اللَّهُمَّ الْبَلَدُ بَلَدُك وَالْبَيْتُ بَيْتُك جِئْت أَطْلُبُ رَحْمَتَك وَأَؤُمُّ طَاعَتَك مُتَّبِعًا لِأَمْرِك رَاضِيًا بِقَدَرِك مُبَلِّغًا لِأَمْرِك أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمُضْطَرِّ إلَيْك الْمُشْفِقِ مِنْ عَذَابِك أَنْ تَسْتَقْبِلَنِي وَأَنْ تَتَجَاوَزَ عَنِّي برحمتك وأن تدخلني جنتك) * قال المصنف رحمه الله
- (وإذا رأى البيت دعا لما روى أبو أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلم عند رؤية الكعبة) ويستحب أن يرفع اليد في الدعاء لما روى ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (ترفع الايدي في الدعاء لاستقبال البيت) ويستحب أن يقول: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا لما روى ابن جريج أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذا رأى البيت (رفع يديه وقال ذلك) ويضيف إليه اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام لما روي أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال ذلك)
(الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَغَرِيبٌ لَيْسَ بِثَابِتٍ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ الْإِمَامُ سعيد ابن مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُرْسَلٌ مُعْضَلٌ (وَأَمَّا) الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فرواه البيقهي وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ
- (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَاعْلَمْ أَنَّ بناء البيت زاده الله فضلا وشرفا رفيع يُرَى قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي مَكَان يُقَالُ لَهُ رَأْسُ الرَّدْمِ إذَا دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ وَهُنَاكَ يَقِفُ وَيَدْعُو
- قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا رَأَى الْبَيْتَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ وَيَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَيَدْعُو مَعَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَهَمُّهَا سُؤَالُ الْمَغْفِرَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ هَذَا الدُّعَاءِ ثُمَّ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ لَا أَكْرَهُهُ وَلَا أَسْتَحِبُّهُ وَلَكِنْ إنْ رَفْعَ كَانَ حَسَنًا
- هَذَا نَصُّهُ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ هَذَا النَّصَّ مَحْمُولٌ عَلَى وَفْقِ النص والذي نَقَلَهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَجَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ
- وَقَدْ قَدَّمْت فِي آخِرِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فَصْلًا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) هذا الذكر الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِمْ وَنَقَلَهُ الْمُزَنِيّ فِي المختصر فغيره فقال وزد من شرفه وعظمته مِمَّنْ حَجَّهُ أَوْ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً
- وَقَدْ كَرَّرَ الْمَهَابَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الطَّرِيقِينَ هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُزَنِيِّ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي الثَّانِي وَبِرًّا لِأَنَّ الْمَهَابَةَ تَلِيقُ بِالْبَيْتِ وَالْبِرُّ
يَلِيقُ بِالْإِنْسَانِ وَهَكَذَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ وَفِي نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَمِمَّنْ نَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى تَغْلِيطِ الْمُزَنِيِّ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَكَذَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ
- وَوَقَعَ فِي الْوَجِيزِ ذِكْرُ الْمَهَابَةِ وَالْبِرِّ جَمِيعًا فِي الْأَوَّلِ وَذُكِرَ الْبِرُّ وَحْدَهُ ثَانِيًا وَهَذَا أَيْضًا مَرْدُودٌ وَالْإِنْكَارُ فِي ذِكْرِهِ الْبِرَّ فِي الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ لَا يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ أَصْلًا قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إذَا رَآهَا كَبَّرَ قَالَ الْقَاضِي هَذَا ليس بشئ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ قَوْلُهُ (اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ) الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَقَوْلُهُ (وَمِنْك السَّلَامُ) أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ
- وَقَوْلُهُ (حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ) أَيْ اجْعَلْ تَحِيَّتَنَا فِي وُفُودِنَا عَلَيْك السَّلَامَةَ مِنْ الْآفَاتِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُهُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وابن المبارك وأحمد واسحق قَالَ وَبِهِ أَقُولُ
- وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَرْفَعُ وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ قَالَ (سئل جابر ابن عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ الَّذِي يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا كُنْت أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ قَدْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ أَيْضًا قَالَ (سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَيَرْفَعُ الرَّجُلُ يَدَيْهِ إذَا رَأَى الْبَيْتَ فَقَالَ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا نَفْعَلُهُ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ
- قَالَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةُ الْمُثْبِتِ لِلرَّفْعِ أَوْلَى لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةُ غَيْرِ جَابِرٍ فِي إثْبَاتِ الرَّفْعِ أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ قَالَ وَالْقَوْلُ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلُ مَنْ رَأَى وَأَثْبَتَ والله أعلم
(فَرْعٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْبِ طَرِيقِهِ أَمْ لَا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْدِلَ إلَيْهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا عَلَى اخْتِيَارِ الْخُرَاسَانِيِّينَ حَيْثُ قَالُوا لَا يُسْتَحَبُّ الْعُدُولُ إلَيْهَا كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي الْعُدُولِ إلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ بِخِلَافِ الثَّنِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (عَدَلَ إلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِهِ)
- وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ لِلدُّخُولِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْأَعْظَمِ وَقَدْ جَلَسَتْ قُرَيْشٌ مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ) ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي دُخُولِهِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَخُرُوجِهِ مِنْ بَابِ الْحَنَّاطِينَ قَالَ وَإِسْنَادُهُ عَنْهُ قَوِيٌّ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ (يَدْخُلَ الْمُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ وَخَرَجَ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى الصَّفَا) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ فِي دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفِي خُرُوجِهِ الْيُسْرَى وَيَقُولَ الْأَذْكَارَ الْمَشْرُوعَةَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ
- وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَالْمَهَابَةِ وَالْإِجْلَالِ فَهَذِهِ عَادَةُ الصَّالِحِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الْعَارِفِينَ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْبَيْتِ تُشَوِّقُ إلَى رَبِّ الْبَيْتِ وَقَدْ حَكَوْا أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ مَكَّةَ فَجَعَلَتْ تَقُولُ أَيْنَ بَيْتُ رَبِّي فَقِيلَ الْآنَ تَرَيْنَهُ فَلَمَّا لَاحَ الْبَيْتُ قِيلَ لَهَا هَذَا بَيْتُ رَبِّكِ فَاشْتَدَّتْ نَحْوَهُ فَأَلْصَقَتْ جَبِينَهَا بِحَائِطِ الْبَيْتِ فَمَا رُفِعَتْ إلَّا مَيِّتَةً
- وَأَنَّ الشِّبْلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غُشِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَفَاقَ فَأَنْشَدَ
هذه دارهم وَأَنْتَ مُحِبٌّ
- مَا بَقَاءُ الدُّمُوعِ فِي الْآمَاقِ * قال المصنف رحمه الله
- (ويبتدئ بطواف القدوم لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أول شئ بدأ به حين قدم مكة انه توضأ ثم طاف بالبيت) فان خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة أتى بها قبل الطواف لانها تفوت والطواف لا يفوت وهذا الطواف سنة لانه تحية فلم يجب كتحية المسجد)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ أصحابنا يستحب للمحرم أَوَّلِ دُخُولِهِ مَكَّةَ أَنْ لَا يُعَرِّجَ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْزِلٍ وَحَطِّ قُمَاشٍ وَتَغْيِيرِ ثِيَابِهِ وَلَا شئ آخَرَ غَيْرَ الطَّوَافِ بَلْ يَقِفُ بَعْضُ الرُّفْقَةِ عِنْدَ مَتَاعِهِمْ وَرَوَاحِلِهِمْ حَتَّى يَطُوفُوا ثُمَّ يَرْجِعُوا إلَى رَوَاحِلِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ وَاسْتِئْجَارِ الْمَنْزِلِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ رَأْسِ الرَّدْمِ قَصَدَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَهُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ كما ذكر فاول شئ يَفْعَلُهُ طَوَافُ الْقُدُومِ
- وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ مِنْ هَذَا الْمَرْأَةَ الْجَمِيلَةَ وَالشَّرِيفَةَ الَّتِي لَا تَبْرُزُ لِلرِّجَالِ قَالُوا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا تَأْخِيرُ الطَّوَافِ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ إلَى اللَّيْلِ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَأَسْلَمُ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْفِتْنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَا يَشْتَغِلُ بِصَلَاةِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا غَيْرِهَا بَلْ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَيَقْصِدُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَالِابْتِدَاءُ بِالطَّوَافِ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ دَاخِلٍ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ غَيْرَهُ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ أَوْ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا وَاسِعًا أَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ كُلَّ هَذَا عَلَى الطَّوَافِ ثُمَّ يَطُوفُ وَلَوْ دَخَلَ وَقَدْ مُنِعَ النَّاسُ مِنْ الطَّوَافِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ
- وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ فِيهَا طَوَافُ قُدُومٍ وَإِنَّمَا فِيهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ طَوَافُ الْفَرْضِ وَطَوَافُ الرُّكْنِ (وَأَمَّا) الْحَجُّ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْوِفَةٍ - طَوَافُ الْقُدُومِ - وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ - وَطَوَافُ الْوَدَاعِ - وَيُشْرَعُ لَهُ وَلِلْعُمْرَةِ طَوَافٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْمُتَطَوَّعُ
بِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ (فَأَمَّا) طَوَافُ الْقُدُومِ فَلَهُ خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ طَوَافُ الْقُدُومِ - وَالْقَادِمِ وَالْوُرُودِ وَالْوَارِدِ - وَطَوَافُ التَّحِيَّةِ (وَأَمَّا) طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَلَهُ أَيْضًا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ - وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ - وَطَوَافُ الْفَرْضِ - وَطَوَافُ الرُّكْنِ - وَطَوَافُ الصَّدَرِ - بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ - (وَأَمَّا) طَوَافُ الْوَدَاعِ فَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا طواف الصدر
- ومحل طواف القدم أَوَّلُ قُدُومِهِ وَمَحَلُّ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَنِصْفَ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَمَحَلُّ طَوَافِ الْوَدَاعِ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ مَنَاسِكِهِ كُلِّهَا
- وَاعْلَمْ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ وَاجِبٌ (وَالثَّانِي) سُنَّةٌ فَإِنْ تَرَكَهُ أَرَاقَ دَمًا (إنْ قُلْنَا) هُوَ وَاجِبٌ فَالدَّمُ وَاجِبٌ وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ فَالدَّمُ سُنَّةٌ (وَأَمَّا) طَوَافُ الْقُدُومِ فَسُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فلو تركه فحجه صحيح ولا شئ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ونص عليه الشافعي وقطع به جماهير العراقيين والخراسانيين وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ فِي وُجُوبِهِ وَجْهًا ضَعِيفًا شَاذًّا وَأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ
- مِمَّنْ قَالَهُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ - بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ
(فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَأْتِيَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ أَوَّلَ قُدُومِهِ فَلَوْ أَخَّرَهُ فَفِي فَوَاتِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ
- (فَرْعٌ) اعْلَمْ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ مُفْرِدِ الْحَجِّ وَفِي حَقِّ الْقَارِنِ إذَا كَانَا قَدْ أَحْرَمَا مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ وَدَخَلَاهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ فَأَمَّا الْمَكِّيُّ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ الْقُدُومِ إذْ لَا قُدُومَ لَهُ (وَأَمَّا) الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ قُدُومٍ بَلْ إذَا طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا وَيَتَضَمَّنُ الْقُدُومَ كَمَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ عَنْ الْفَرْضِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا حَتَّى لَوْ طَافَ الْمُعْتَمِرُ بِنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةِ تَطَوُّعٍ فَإِنَّهَا تَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (وَأَمَّا) مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ إلَّا بَعْدَ
الْوُقُوفِ فَلَيْسَ فِي حَقِّهِ طَوَافُ قُدُومٍ بَلْ الطَّوَافُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْوُقُوفِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَلَوْ نَوَى بِهِ طَوَافَ الْقُدُومِ وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إنْ كَانَ دَخَلَ وَقْتُهُ وَهُوَ نِصْفُ لَيْلَةِ النَّحْرِ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُعْتَمِرِ إذَا نَوَى طَوَافَ الْقُدُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسَنُّ طَوَافُ الْقُدُومِ لِكُلِّ قَادِمٍ إلَى مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَ حَاجًّا أَوْ تَاجِرًا أَوْ زَائِرًا أَوْ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ بَعْدَ الْوُقُوفِ كَمَا سَبَقَ
- (فَرْعٌ) فِي
صِفَةِ الطَّوَافِ الْكَامِلَةِ
- وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْصِدْ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَهُوَ فِي الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي بَابَ الْبَيْتِ مِنْ جَانِبِ الْمَشْرِقِ وَيُسَمَّى الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَيُقَالُ لَهُ وَلِلرُّكْنِ الْيَمَانِي الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَانِ وَارْتِفَاعُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ إلَّا سَبْعَ أَصَابِعَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِوَجْهِهِ وَيَدْنُوَ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا بِالْمُزَاحَمَةِ فَيَسْتَلِمَهُ ثُمَّ يُقَبِّلَهُ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ يَظْهَرُ فِي الْقُبْلَةِ وَيَسْجُدَ عَلَيْهِ وَيُكَرِّرَ التَّقْبِيلَ وَالسُّجُودَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ يَبْتَدِئَ الطَّوَافَ وَيَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ فِي الطَّوَافِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسَائِلِ التَّلْبِيَةِ وَيَضْطَبِعَ مَعَ دُخُولِهِ فِي الطَّوَافِ فَإِنْ اضْطَبَعَ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ فَلَا بَأْسَ وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عِنْدَ إبْطِهِ وَيَطْرَحَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ وَيَكُونَ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا
- وَصِفَةُ الطَّوَافِ أَنْ يُحَاذِيَ جَمِيعُهُ جَمِيعَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَمُرَّ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى جَمِيعِ الْحَجَرِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَيْتَ وَيَقِفَ عَلَى جَانِبِ الْحَجَرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَصِيرُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَمْشِي مُسْتَقْبِلَ الْحَجَرِ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَجَرَ فَإِذَا جَاوَزَهُ انْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَيَمِينَهُ إلَى خَارِجٍ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ وَتَرَكَ اسْتِقْبَالَ الْحَجَرِ جَازَ لَكِنَّهُ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ ثُمَّ يَمْشِي هَكَذَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ طَائِفًا حَوْلَ الْبَيْتِ كُلِّهِ فَيَمُرُّ عَلَى الْمُلْتَزَمِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْبَابُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَلْزَمُونَهُ عِنْدَ الدُّعَاءِ ثُمَّ يَمُرُّ إلَى الرُّكْنِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَسْوَدِ ثُمَّ يَمُرُّ وَرَاءَ الْحِجْرِ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ - وَهُوَ فِي صَوْبِ الشَّامِ وَالْمَغْرِبِ فَيَمْشِي حَوْلَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَيُقَالُ لِهَذَا الرُّكْنِ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ وَرُبَّمَا قِيلَ الْمَغْرِبِيَّانِ ثُمَّ يَدُورُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الرُّكْنِ الرَّابِعِ الْمُسَمَّى بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي ثُمَّ يَمُرُّ مِنْهُ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيَصِلُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ فَيَكْمُلُ لَهُ حِينَئِذٍ طَوْفَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ يَطُوفُ كَذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَ طَوْفَاتٍ فَكُلُّ مَرَّةٍ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَيْهِ طَوْفَةٌ وَالسَّبْعُ طَوَافٌ كَامِلٌ
- هَذِهِ صِفَةُ
الطَّوَافِ الَّتِي إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا صَحَّ طَوَافُهُ وَبَقِيَتْ مِنْ صِفَاتِهِ الْمُكَمِّلَةِ أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ نَذْكُرُهَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الطَّوَافَ يَشْتَمِلُ عَلَى شُرُوطٍ وَوَاجِبَاتٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِهَا وَعَلَى سُنَنٍ يَصِحُّ بِدُونِهَا (فَأَمَّا) الشُّرُوطُ الْوَاجِبَاتُ فَثَمَانِيَةٌ مُخْتَلَفٌ فِي بَعْضِهَا (أَحَدُهَا) الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ وَعَنْ النجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطوه فِي مَشْيِهَا (الثَّانِي) كَوْنُ الطَّوَافِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ (الثَّالِثُ) إكْمَالُ سَبْعِ طَوْفَاتٍ (الرَّابِعُ) التَّرْتِيبُ وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَأَنْ يَمُرَّ عَلَى يَسَارِهِ (الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ جَمِيعِ الْبَيْتِ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ وَاجِبَةٌ بِلَا خِلَافٍ (السَّادِسُ وَالسَّابِعُ وَالثَّامِنُ) نِيَّةُ الطَّوَافِ وَصَلَاتُهُ وَمُوَالَاتُهُ وَفِي الثَّلَاثَةِ خِلَافٌ (الْأَصَحُّ) أَنَّهَا سُنَّةٌ (وَالثَّانِي) وَاجِبَةٌ (وَأَمَّا) السُّنَنُ فَثَمَانِيَةٌ أَيْضًا (أحدها) أن يكون ماشيا (الثاني) الِاضْطِبَاعُ (الثَّالِثُ) الرَّمَلُ (الرَّابِعُ) اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقْبِيلُهُ وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَيْهِ (الْخَامِسُ) الْمُسْتَحَبَّةُ فِي الطَّوَافِ وَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (السَّادِسُ) الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوْفَاتِ (السَّابِعُ) صَلَاةُ الطَّوَافِ (الثَّامِنُ) أَنْ يَكُونَ فِي طَوَافِهِ خَاشِعًا خَاضِعًا مُتَذَلِّلًا حَاضِرَ الْقَلْبِ مُلَازِمَ الْأَدَبِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ وَفِي حركته ونظره وهيئته فهذه خُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي الطَّوَافِ وَبَيَانِ صِفَتِهِ وَوَاجِبَاتِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ وَسَنُوَضِّحُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ترتيب المصنف والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ومن شرط الطواف الطهارة لقوله صلى الله عليه وسلم (الطواف بالبيت صلاة الا أن الله تعالى أباح فيه الكلام) ومن شرطه ستر العورة لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بعث أبا بكر رضي الله عنه إلى مكة فنادى ألا لا يطوفن بالبيت مشرك ولا عريان) وهل يفتقر إلى النية فيه وجهان (احدهما) يفتقر إلى النية لانها عبادة تفتقر إلى البيت فافتقرت إلى النية كركعتي المقام (والثاني) لا يفتقر لان نية الحج تأتي على ذلك كما تأتي على الوقوف
- (الشَّرْحُ) (أَمَّا) الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَمَرْوِيٌّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (وَالصَّحِيحُ) أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَمَّا) حَدِيثُ بَعْثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ فِي صحيحي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَكِنْ غَيَّرَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَهُ وَإِنَّمَا لَفْظُ رِوَايَتِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبُلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رُوِيَ فَأَتَى بِهِ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ مَعَ أَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (وَالصَّوَابُ) الْعَكْسُ فِيهِمَا (وَقَوْلُهُ) عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى الْبَيْتِ احْتِرَازٌ مِنْ الْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ كَرَكْعَتَيْ الْمَقَامِ فَيُوهَمُ أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَخْتَصَّانِ بِالْمَقَامِ وَتَفْتَقِرَانِ إلَى فِعْلِهِمَا عِنْدَ الْبَيْتِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا تَصِحَّانِ فِي غَيْرِ مَكَّةَ بَيْنَ أَقْطَارِ الْأَرْضِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ قَرِيبًا فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنْ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِافْتِقَارِهِمَا إلَى الْبَيْتِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا إلَّا إلَى الْبَيْتِ حَيْثُ كَانَ الْمُصَلَّى (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِي الْفَصْلِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (إحْدَاهَا) يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ والنجس في الثوب والبدن والمكان الذي يطوه فِي طَوَافِهِ فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ مُبَاشِرًا لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْمُرَادُ لِلْأَئِمَّةِ تَشْبِيهُ مَكَانِ الطَّوَافِ بِالطَّرِيقِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ لَا بَأْسَ بِهِ هَذَا كَلَامُهُ (قُلْت) وَاَلَّذِي أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَوْ لَاقَى النَّجَاسَةَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَشَى عَلَيْهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ
- وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ فِي مَوْضِعِ الطَّوَافِ مِنْ جِهَةِ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُطَّلِعِينَ الْعَفْوَ عَنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يُعْفَى عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا عُفِيَ عَنْ دَمِ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ وَهُوَ رَوْثُهُ وَكَمَا عُفِيَ عن أثر الاستنجاء بِالْأَحْجَارِ وَكَمَا عُفِيَ عَنْ الْقَلِيلِ مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ الَّذِي تَيَقَّنَّا نَجَاسَتَهُ وَكَمَا عُفِيَ عَنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ عَلَى الْأَصَحِّ وَنَظَائِرُ مَا ذَكَرْتُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا وَاضِحَةً فِي مَوَاضِعِهَا وَقَدْ سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَحْوِ هَذَا فَقَالَ بِالْعَفْوِ ثُمَّ قَالَ الْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ كَأَنَّهُ يَسْتَمِدُّ مِنْ قَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج) وَلِأَنَّ مَحَلَّ الطَّوَافِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا لَمْ يَزَلْ عَلَى هَذَا الْحَالِ وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنْ الْمَطَافِ لِذَلِكَ وَلَا أَلْزَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٍ بَعْدَهُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ بِتَطْهِيرِ الطَّوَافِ عَنْ ذَلِكَ
ولا ألزمووا اعادة الطواف بسبب ذلك والله أَعْلَمُ
- وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي الطَّوَافِ مُلَامَسَةُ النِّسَاءِ لِلزَّحْمَةِ فَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُزَاحِمَهُنَّ وَيَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ لَا يُزَاحِمْنَ بَلْ يَطُفْنَ مِنْ وَرَاءِ الرِّجَالِ فَإِنْ حَصَلَ لَمْسٌ فَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي بَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي بَابِهِ فَمَتَى انْكَشَفَ جُزْءٌ مِنْ عَوْرَةِ أَحَدِهِمَا بِتَفْرِيطِهِ بَطَلَ مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الطَّوَافِ (وَأَمَّا) مَا سَبَقَ مِنْهُ فَحُكْمُهُ فِي الْبِنَاءِ حُكْمُ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي آخِرِ أَحْكَامِ الطَّوَافِ حَيْثُ ذَكَرَهُ المصنف ان اشاء اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْنِي وَإِنْ انْكَشَفَ بِلَا تَفْرِيطٍ وَسَتَرَ فِي الْحَالِ لَمْ يَبْطُلْ طَوَافُهُ كَمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي نِيَّةِ الطَّوَافِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ الطَّوَافُ فِي غَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِلَا خِلَافٍ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا وَإِنْ كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ الطَّوَافَ فَإِنْ طَافَ بِلَا نِيَّةٍ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَصَحُّهُمَا) صِحَّتُهُ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (وَالثَّانِي) بُطْلَانُهُ فَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَصْرِفَهُ إلَى غَرَضٍ آخَرَ مِنْ طَلَبِ غَرِيمٍ وَنَحْوِهِ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ (أَصَحُّهُمَا) يتشرط قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَرُبَّمَا كَانَ شَيْخِي يَقْطَعُ بِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الدَّارِمِيُّ فَإِنْ صَرَفَهُ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ وَلَا يُعَدُّ طَائِفًا (وَالثَّانِي) لَا يُشْتَرَطُ وَلَوْ صَرَفَهُ صَحَّ طَوَافُهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَنَوَى غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ عَنْهَا فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (احدها) لا يصح طوافه إلا بِنِيَّةٍ (وَالثَّانِي) يَصِحُّ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا يَضُرُّ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ (وَأَصَحُّهَا) يَصِحُّ بِلَا نِيَّةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ
- وَلَوْ نام في الطواف أو بعضه على هيأة لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا يقرب من صرف النية إلى طلب لغريم قَالَ وَنَحْوُهُ أَنْ يَقْطَعَ بِصِحَّةِ الطَّوَافِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْرِفْ الطَّوَافَ إلَى غَيْرِ النُّسُكِ فَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ غَيْرَ ذَاكِرٍ
- هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ (وَالْأَصَحُّ) صِحَّةُ طَوَافِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ كَانَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ أَجْزَأَهُ عَنْ الْحَجِّ كَمَا لَوْ طَافَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ طَوَافٌ عَنْ نَفْسِهِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي أَعْمَالِ يَوْمِ النَّحْرِ فِي مَسَائِلِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَفْعَالُ
الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَبِمُزْدَلِفَةَ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ هَلْ يَفْتَقِرُ كُلُّ فِعْلٍ مِنْهَا إلَى نِيَّةٍ فيه ثلاثة أوجه (أحدها) لا يفتقر شئ مِنْهَا إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ تَشْمَلُهَا كُلَّهَا كَمَا أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ تَشْمَلُ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ فِي رُكُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَاسِيًا أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي اسحق المروزي لا يفتقر شئ مِنْهَا إلَى النِّيَّةِ إلَّا الطَّوَافَ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَالصَّلَاةُ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا كَانَ مِنْهَا مُخْتَصًّا بِفِعْلٍ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ افْتَقَرَ وَمَا لَا يَخْتَصُّ وَإِنَّمَا هُوَ لُبْثٌ مُجَرَّدٌ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ وَبِمُزْدَلِفَةَ وَالْمَبِيتِ لَا يَفْتَقِرُ
- هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي (وَالصَّحِيحُ) مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ إلَّا الْوَجْهَ الضَّعِيفَ فِي إيجَابِ نِيَّةِ الطَّوَافِ وَالصَّحِيحُ أَيْضًا عِنْدَهُ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ كما سبق وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الطَّوَافُ إلَّا بِطَهَارَةٍ سَوَاءٌ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا وَجْهًا ضَعِيفًا بَاطِلًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَصِحُّ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا طَهَارَةٍ وَتُجْبَرُ الطَّهَارَةُ بِالدَّمِ قَالَ الْإِمَامُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا وَجَبَ جَبْرًا لِلطَّوَافِ لَا لِلطَّهَارَةِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلطَّوَافِ فَلَوْ طَافَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا صَحَّ طَوَافُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَمَنْ أَوْجَبَهَا مِنْهُمْ قَالَ إنْ طَافَ مُحْدِثًا لَزِمَهُ شَاةٌ وَإِنْ طَافَ جُنُبًا لَزِمَهُ بَدَنَةٌ قَالُوا وَيُعِيدُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ (إحْدَاهُمَا) كَمَذْهَبِنَا (وَالثَّانِيَةُ) إنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَبَرَهُ بِدَمٍ
- وَقَالَ دَاوُد الطَّهَارَةُ لِلطَّوَافِ وَاجِبَةٌ فَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا أَجْزَأَهُ إلَّا الْحَائِضَ وَقَالَ الْمَنْصُورِيُّ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُد الطَّهَارَةُ شَرْطٌ كَمَذْهَبِنَا
- وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُوَافِقُوهُ بِعُمُومِ قوله تعالى (وليطوفوا بالبيت) وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الطَّوَافَ بِلَا طَهَارَةٍ قِيَاسًا عَلَى الْوُقُوفِ وَسَائِرِ أَرْكَانِ الْحَجِّ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اول شئ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي آخِرِ حَجَّتِهِ (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) قَالَ أَصْحَابُنَا فَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ طَوَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانٌ لِلطَّوَافِ الْمُجْمَلِ فِي الْقُرْآنِ (وَالثَّانِي) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) يَقْتَضِي وُجُوبَ كُلِّ مَا فَعَلَهُ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ
- وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا حِينَ حَاضَتْ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ (اصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهَا عَنْ الطَّوَافِ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي الْعِبَادَاتِ (فان قيل) أنما نهاها لان الحائظ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ (قُلْنَا) هَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (حَتَّى تَغْتَسِلِي) وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُك
- وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ) وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَحْصُلُ مِنْهُ الدَّلَالَةُ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اشْتَهَرَ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ حُجَّةً كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَأَجَابَ) أَصْحَابُنَا عَنْ عُمُومِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَابَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا عَامَّةٌ فَيَجِبُ تَخْصِيصُهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَالثَّانِي) أَنَّ الطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى طَوَافٍ مَكْرُوهٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالْمَكْرُوهِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي غَيْرِ الطَّوَافِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَلَمْ تَكُنْ شَرْطًا بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُمْ سلموا وجوبا فِيهِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي النِّيَّةِ فِي طَوَافِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حنيفة
- وقال احمد واسحق وأبوثو وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبَيْنِ فِي الْكِتَابِ
(فَرْعٌ) سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِشَرْطٍ
- دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ
- وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ وَتَقُولُ الْيَوْمَ يبدوا كله أو بعضه فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ) فَنَزَلَتْ (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي حُكْمِ طَوَافِ الْقُدُومِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ عَلَيْهِ دَمٌ
- وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ كَمَذْهَبِنَا وَرِوَايَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُضَايِقًا لِلْوُقُوفِ فَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ * قال المصنف رحمه الله
- (والسنة ان يضطبع فيجعل وسط ردائه تحت منكبه الايمن ويطرح طرفيه على منكبه الايسر ويكشف الايمن لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا فامرهم النبي صلى الله عليه وسلم فاضطبعوا فجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوها على عواتقهم)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ فَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عواقتهم الْيُسْرَى) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (اضْطَبَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَرَمَلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَوْا أَرْبَعًا) وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا) إسْنَادُهُ صَحِيحٌ
- وَعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ (فِيمَ الرملان الدان وَالْكَشْفُ عَنْ الْمَنَاكِبِ وَقَدْ وَطَّدَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَتْرُكُ شَيْئًا كُنَّا نَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الِاضْطِبَاعُ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّبُعِ - بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ - وَهُوَ الْعَضُدُ وَقِيلَ النِّصْفُ الْأَعْلَى مِنْ الْعَضُدِ وَقِيلَ مُنْتَصَفُ الْعَضُدِ وقيل هوا لابط قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَيُقَالُ لِلِاضْطِبَاعِ أَيْضًا التَّوَشُّحُ وَالتَّأَبُّطُ (وَقَوْلُهُ) وَسَطَ رِدَائِهِ هُوَ - بِفَتْحِ السِّينِ - وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَسَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ
- وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي غَيْرِ
طَوَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ يُسَنُّ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَفِي طَوَافٍ وَاحِدٍ فِي الْحَجِّ وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ وَلَا يُسَنُّ إلَّا فِي أَحَدِهِمَا وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ فِي طَوَافٍ يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ وَلَا يُسَنُّ فِيمَا لَا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ طواف الَّذِي يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ إنَّمَا يُسَنُّ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ وَهُوَ إمَّا الْقُدُومُ وإما الافاضة ولا يتصور ان فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُمَا يُسَنَّانِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ سَعَى بَعْدَهُ أَمْ لَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَكِنْ يَفْتَرِقُ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ في شئ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ مَسْنُونٌ فِي جَمِيعِ الطَّوْفَاتِ السَّبْعِ وَأَمَّا الرَّمَلُ إنَّمَا يُسَنُّ فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ وَيَمْشِي فِي الْأَرْبَعِ الْأَوَاخِرِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسَنُّ الِاضْطِبَاعُ أَيْضًا فِي السَّعْيِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِيهِ مِمَّنْ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ
- وَهَلْ يُسَنُّ الِاضْطِبَاعُ فِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فِيهِ وَجْهَانِ (الْأَصَحُّ) لَا يُسَنُّ لِأَنَّ صُورَةَ الِاضْطِبَاعِ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يُسَنُّ فِي الصَّلَاةِ طَافَ مُضْطَبِعًا فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ أَزَالَ الِاضْطِبَاعَ وَصَلَّى ثُمَّ اضْطَبَعَ فَسَعَى وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَضْطَبِعُ فِي الصَّلَاةِ اضْطَبَعَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ ثُمَّ أَدَامَهُ فِي الطَّوَافِ ثُمَّ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ فِي السَّعْيِ وَلَا يُزِيلُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ السَّعْيِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ الِاضْطِبَاعِ فِي ركعتي الطواف ومشهور ان فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ بِعَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ وَاتَّفَقَ الْخُرَاسَانِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا سَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ وَيُدِيمُ الِاضْطِبَاعَ حَتَّى يُكْمِلَ سَعْيَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَعْيُهُ - بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ - بَعْدَ الْعَيْنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَبْعَةٌ - بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ - قَبْلَ الْعَيْنِ إلَى الطَّوْفَاتِ السَّبْعِ
- ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَضْطَبِعُ فِي جَمِيعِ مَسَافَةِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمِنْ أَوَّلِ السَّعْيِ إلَى آخِرِهِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَجْهًا عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ إنَّمَا يَضْطَبِعُ فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ دُونَ مَوْضِعِ مَشْيِهِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) الِاضْطِبَاعُ مَسْنُونٌ لِلرَّجُلِ وَلَا يُشْرَعُ لِلْمَرْأَةِ بِلَا خِلَافٍ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا يُشْرَعُ] [أَيْضًا لِلْخُنْثَى وَفِي الصَّبِيِّ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يُسَنُّ لَهُ فَيَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَيَفْعَلُهُ بِهِ وَلِيُّهُ كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْحَجِّ (وَالثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) لَا يُشْرَعُ لَهُ قَالَهُ أَبُو علي ابن أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالدَّارِمِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالدَّارِمِيُّ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَضْطَبِعُ الصَّبِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجَلَدِ
- (فَرْعٌ) قَالَ المارودي وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَوْ تَرَكَ الِاضْطِبَاعَ فِي بعض الطواف أتى به فيما بي وَلَوْ تَرَكَهُ فِي الطَّوَافِ أَتَى بِهِ فِي السَّعْيِ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ الِاضْطِبَاعِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُشْرَعُ الِاضْطِبَاعُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا مُنْتَقِضٌ بِالرَّمَلِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى
- (ويطوف سبعا لما روى جابر قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى قدم مكة فطاف بالبيت سبعا ثم صلى) فان ترك بعض السبعة لم يجزه لان النبي صلى الله عليه وسلم (طاف سبعا وقال خذوا عني مناسككم))
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نَفَرَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ (وَاتَّخِذُوا من مقام ابراهيم مصلى) وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فَرَوَاهُ جَابِرٌ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَبْوَابِ رَمْيِ الْجِمَارِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي بَابِ الْإِسْرَاعِ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَشَرْطُ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ سَبْعَ طَوْفَاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَلَوْ بَقِيَتْ خُطْوَةٌ مِنْ السَّبْعِ لَمْ يُحْسَبْ طَوَافُهُ سَوَاءٌ كَانَ بَاقِيًا فِي مَكَّةَ أَوْ انْصَرَفَ عَنْهَا وَصَارَ في وطنه ولا ينجبر شئ مِنْهُ بِالدَّمِ وَلَا بِغَيْرِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ أَوْ السَّعْيِ لَزِمَهُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الاكثر لزمه الاخذ بالاقل
المتقين كَمَا سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ
- وَلَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَوْ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ إنَّمَا طَافَ أَوْ سَعَى سِتًّا وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَكْمَلَ السَّبْعَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِمَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ
- هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الشَّكُّ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ أَمَّا إذا شك بعد فراغه فلا شئ عليه ويحتمل أن يجئ فِيهِ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وهل يشترط موالاة الطوافات السبع فيه خلافا سَنَذْكُرُهُ مَبْسُوطًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أواخر أحكام الطواف حيث ذكره الْمُصَنِّفُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ
(فَرْعٌ) قَدْ ذكرنا أنه لو بقي شئ مِنْ الطَّوْفَاتِ السَّبْعِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ سَوَاءٌ قَلَّتْ الْبَقِيَّةُ أَمْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ أَمْ فِي وَطَنِهِ وَلَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا مَذْهَبُ عطاء ومالك وأحمد وإسحق وَابْنِ الْمُنْذِرِ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَزِمَ الْإِتْمَامُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ انْصَرَفَ مِنْهَا وَقَدْ طَافَ ثَلَاثَ طَوْفَاتٍ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ لِلْإِتْمَامِ وَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَ أَرْبَعًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَوْدُ بَلْ أَجْزَأَهُ طَوَافُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ
- دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ الطَّوَافَ الْمَأْمُورَ بِهِ سَبْعًا فَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الشَّاكِّ فِي الطَّوَافِ
- قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ شك في عد طَوَافِهِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ (قَالَ) وَلَوْ اخْتَلَفَ الطائفان في عدد الطواف قال عطاء ابن أَبِي رَبَاحٍ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَأْخُذُ بِقَوْلِ صَاحِبِهِ الَّذِي لَا يَشُكُّ وَقَالَ مَالِكٌ أَرْجُو أن يكون فيه سبعة
- قَالَ الشَّافِعِيُّ فَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عِلْمُ نَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ غَيْرِهِ
- قَالَ ابن المنذر وبه اقول والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ولا يجزئه حتى يطوف حول جميع البيت فان طاف على جدار الحجر لم يجزه لان الحجر من البيت والدليل عليه ما روت عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الحجر من البيت) وان طاف علي شاذروان البيت لم يجزه لان ذلك كله من البيت)
- (الشَّرْحُ) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الجدار أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْت فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إنَّ قَوْمَك قَصُرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ (قُلْت) فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُك لِيُدْخِلُوا من شاؤا ويمنعوا من شاؤا ولولا أن قومك حديث عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بالارض) رواه البخاري ومسلم والجدر - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - هُوَ الْحِجْرُ
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (آهًا يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أن قومك حديث عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْت بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأُدْخِلُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْت لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْت بِهِ أَسَاسَ إبْرَاهِيمَ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (لولا أن قومك حديثوا عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ أَوْ قَالَ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْت كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَجَعَلْت بَابَهَا بِالْأَرْضِ وَلَأَدْخَلْت فِيهَا مِنْ الْحِجْرِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حديثوا عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ وَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا وَرَدَدْت فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حِينَ بَنَتْ الْكَعْبَةَ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (خَمْسُ أَذْرُعٍ) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ قَوْمَك اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْت مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِك مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فهلمي لا ريك ما تركوا منه فاراها قريبا من سبع أَذْرُعٍ) هَذِهِ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ فِي الْحِجْرِ وَهُوَ - بِكَسْرِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ - وَهُوَ مُحَوَّطٌ مُدَوَّرٌ على نصف دائراة وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي صَوْبِ الشَّامِ تَرَكَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ بَنَتْ الْبَيْتَ فَأَخْرَجَتْهُ عَنْ بِنَاءِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَبَقَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَحَوَّطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ قَصِيرٌ وَقَدْ وَصَفَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ فَأَحْسَنَ وَأَجَادَ فَقَالَ هُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الشَّامِيِّ وَالْغَرْبِيِّ وَأَرْضُهُ مَفْرُوشَةٌ بِرُخَامٍ وَهُوَ مُسْتَوٍ بِالشَّاذَرْوَانِ قَالَ وَعَرْضُ الْحِجْرِ مِنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ الَّذِي تَحْتَ الْمِيزَابِ إلى جدار الحجر سبع عشرة ذِرَاعًا وَثَمَانِ أَصَابِعَ وَلِلْحِجْرِ بَابَانِ مُلْتَصِقَانِ بِرُكْنَيْ الْكَعْبَةِ الشَّامِيَّيْنِ
- قَالَ الْأَزْرَقِيُّ بَيْنَ هَذَيْنِ الْبَابَيْنِ عشرون ذراعا وعرضه اثنان وعشرون ذراعا وذراع جِدَارِهِ مِنْ دَاخِلِهِ فِي السَّمَاءِ ذِرَاعٌ وَأَرْبَعَ عشرة أصبعا وذرع جدار الْغَرْبِيِّ فِي السَّمَاءِ ذِرَاعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا وَذَرْعُ جدار الحجر من خارج مما يلي الركن الشامي ذراع وستة عشر أصبعا وطوله من وسطه في السماء ذراعا وَثَلَاثُونَ أُصْبُعًا وَعَرْضُ الْجِدَارِ ذِرَاعَانِ إلَّا أُصْبُعَيْنِ وَذَرْعُ تَدْوِيرِ الْحِجْرِ مِنْ دَاخِلِهِ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ
ذِرَاعًا وَذَرْعُ تَدْوِيرِهِ مِنْ خَارِجِهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وست اصابع وذرع طوفته وَاحِدَةٍ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَالْحِجْرِ مِائَةُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَاثْنَتَا عَشْرَةَ أُصْبُعًا هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْأَزْرَقِيِّ
- (وَأَمَّا) الشَّاذَرْوَانُ فَبِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي تَرَكُوهُ مِنْ عَرْضِ الْأَسَاسِ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ
- قَالَ الْأَزْرَقِيُّ طُولُهُ فِي السَّمَاءِ سِتَّ عَشْرَةَ أُصْبُعًا وَعُشْرُ ذِرَاعٍ (قَالَ) وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الشَّاذَرْوَانُ جُزْءٌ مِنْ الْبَيْتِ نَقَضَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ أَصْلِ الْجِدَارِ حِينَ بَنَوْا الْبَيْتَ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي جَوَانِبِ الْبَيْتِ لَكِنْ لَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَقَدْ أُحْدِثَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ عِنْدَهُ شَاذَرْوَانُ هَذَا بَيَانُ حَقِيقَتَيْ الْحِجْرِ وَالشَّاذَرْوَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الطَّائِفِ خَارِجًا عَنْ الشَّاذَرْوَانِ فَإِنْ طَافَ مَاشِيًا عَلَيْهِ وَلَوْ فِي خُطْوَةٍ لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ تِلْكَ لِأَنَّهُ طَافَ فِي الْبَيْتِ لَا بِالْبَيْتِ
- ولو طاف خارجه الشَّاذَرْوَانُ وَكَانَ يَضَعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَحْيَانًا عَلَى الشَّاذَرْوَانِ وَيَثِبُ بِالْأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ بِالِاتِّفَاقِ
- ولو طاف خارج الذروان وَكَانَ يَمَسُّ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ فَفِي صِحَّةِ طَوَافِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَصِحُّ صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ وَقَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ (الصَّحِيحُ) بِاتِّفَاقِ فِرَقِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ طَافَ وَبَعْضُهُ فِي الْبَيْتِ (وَالثَّانِي) يَصِحُّ وَاسْتَبْعَدَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِجُمْلَةِ الْبَدَنِ وَلَا نَظَرَ إلَى عُضْوٍ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَائِفًا بِالْبَيْتِ
- وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَطَّنَ لِدَقِيقَةٍ وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَرَأْسُهُ فِي حَالِ التَّقْبِيلِ فِي جُزْءٍ مِنْ الْبَيْتِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقِرَّ قَدَمَيْهِ فِي مَوْضِعِهِمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ التَّقْبِيلِ وَيَعْتَدِلَ قَائِمًا لِأَنَّهُ لَوْ زَلَّتْ قَدَمَاهُ عَنْ مَوْضِعِهِمَا إلَى جِهَةِ الْبَابِ قَلِيلًا وَلَوْ قَدْرَ شِبْرٍ أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّقْبِيلِ اعْتَدَلَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي زَلَّتَا إلَيْهِ وَمَضَى مِنْ هُنَاكَ فِي طَوَافِهِ لَكَانَ قَدْ قَطَعَ جُزْءًا مِنْ مَطَافِهِ وَيَدُهُ فِي هَوَاءِ الشَّاذَرْوَانِ فَتَبْطُلُ طَوْفَتُهُ تِلْكَ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَمَتَى فَعَلَ فِي مُرُورِهِ مَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ طَوْفَتِهِ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الطَّوْفَةِ لَا مَا مَضَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَطُوفَ خَارِجًا عَنْ الْبَيْتِ وَتُحْسَبُ طَوْفَتُهُ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَنْبَغِي
لَهُ أَنْ يَطُوفَ خَارِجَ الْحِجْرِ وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ
- قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَإِنْ طَافَ فَسَلَكَ الْحَجَرَ أَوْ عَلَى جدار أَوْ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ هَذَا نَصُّهُ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ أَحَدَ بَابَيْ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنْ الْآخَرِ لم يحسب له ذلك ولاما بَعْدَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ منه في طوفته الاخرى
- واختلف أحصابنا فِي حُكْمِ الْحِجْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ كُلَّهُ مِنْ الْبَيْتِ فَيُشْتَرَطُ الطَّوَافُ خَارِجَهُ كُلَّهُ (وَالثَّانِي) أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ الْبَيْتِ وَمَا زَادَ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ وَفِي هَذَا الْبَعْضِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْمُفَرِّعِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سِتُّ أَذْرُعٍ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ (وَالثَّانِي) سَبْعُ أَذْرُعٍ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا (وَالثَّالِثُ) سِتُّ أَذْرُعٍ أَوْ سَبْعٌ وَبِهِ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَحَكَاهُ غَيْرُهُ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ مُقْتَضَى كَلَامِ كَثِيرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحِجْرَ كُلَّهُ مِنْ الْبَيْتِ
- قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ لَكِنْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي مِنْ الْبَيْتِ قَدْرُ سِتِّ أَذْرُعٍ يَتَّصِلُ بِالْبَيْتِ (وَقِيلَ) سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ قَالَ وَنَصُّ الْمُخْتَصَرِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا قَالَ فَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ مِنْ بَابِ الْحِجْرِ بَلْ اقْتَحَمَ جِدَارَهُ وَخَلَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْقَدْرَ الَّذِي هُوَ مِنْ الْبَيْتِ وَقَطَعَ مَسَافَةَ الْحِجْرِ عَلَى السَّمْتِ صَحَّ طَوَافُهُ
- هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَهَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ جَزَمَ بِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ والبغوي والمتولي وَجَمَاهِيرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ هَكَذَا بَلْ الَّذِي فِي تعليقه انه لو طاف في شئ مِنْ الْحِجْرِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَعْلِيقِهِ غَيْرَهُ فَحَصَلَ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الطَّوَافُ خَارِجَ الْحِجْرِ أَمْ يَجُوزُ دَاخِلَهُ فَوْقَ الْأَذْرُعِ الْمَذْكُورَةِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ اشْتِرَاطُ الطَّوَافِ خَارِجَ جَمِيعِ الْحِجْرِ وَخَارِجَ جِدَارِهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّصِّ الَّذِي قَدَّمْتُهُ عَنْ الْمُخْتَصَرِ وَدَلِيلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ خَارِجَ الْحِجْرِ وَهَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الطَّوَافِ خَارِجَ الْحِجْرِ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّهُ مِنْ الْبَيْتِ أَمْ بَعْضُهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مِنْ الْبَيْتِ فَالْمُعْتَمَدُ فِي بَابِ الْحَجِّ الِاقْتِدَاءُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَبَ الطَّوَافُ بِجَمِيعِهِ وَفِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا مِنِّي مَا أقول لكم وأسمعوني ي ما تقولون ولا تذهبوا فتقوا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ) (أَمَّا) حَدِيثُ
عَائِشَةَ فَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ الرِّوَايَاتُ قَدْ اضْطَرَبَتْ فِيهِ فَرُوِيَ الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ وَرُوِيَ سِتُّ أَذْرُعٍ وَرُوِيَ سِتٌّ أَوْ نَحْوُهَا وَرُوِيَ خَمْسُ أَذْرُعٍ وَرُوِيَ قَرِيبًا مِنْ سَبْعِ أَذْرُعٍ قَالَ وَإِذَا اضْطَرَبَتْ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِأَكْثَرِهَا لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَمِمَّنْ قَطَعَ بِمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الطَّوَافِ خَارِجَ الْحِجْرِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ والقاضي أبو الطيب والمحاملي وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَوْ طَافَ عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ أَوْ سَلَكَ فِي الْحِجْرِ أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد كَذَا حَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْهُمْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ (الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ) قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سَلَكَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ فَقَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَصِحُّ مَا أَتَى بِهِ فِي الْحِجْرِ فَيُعِيدُ ذَلِكَ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُعِيدُ طَوَافَهُ كُلَّهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ لَزِمَهُ دَمٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْمَتْرُوكِ فَقَطْ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ دَمٌ
- قال ابن المنذر بقول عطاء أقول * قال المصنف رحمه الله
- (والافضل أن يطوف راجلا لانه إذا طاف راكبا زاحم الناس وأذاهم وان كان به مرض يشق معه الطواف راجلا لم يكره الطواف راكبا لما روت أم سلمة أنها قدمت مريضة فقال لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (طوفي وراء الناس وأنت راكبة) وان كان راكبا من غير عذر جاز لِمَا رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه)
- (الشّرْحُ) حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَثَبَتَ طَوَافُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ وَلَفْظُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (طاف فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ)
- رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَفِي حَدِيثٍ (طَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حجة الوادع عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ لَأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ فَيَسْأَلُوهُ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُّوهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (طَافَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ كَرَاهَةَ أَنْ يُضْرِبَ عَنْهُ النَّاسُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فقال أصحابنا
الْأَفْضَلُ أَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا وَلَا يَرْكَبَ إلَّا لِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَى ظُهُورِهِ لِيُسْتَفْتَى وَيُقْتَدَى بِفِعْلِهِ فَإِنْ طَافَ رَاكِبًا بِلَا عُذْرٍ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ لَكِنَّهُ خَالَفَ الْأَوْلَى كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ
- وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْقَلْبِ مِنْ إدْخَالِ الْبَهِيمَةِ التي لا يؤمن تلويثها المسجد شئ فَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيثَاقُ فَذَلِكَ وَإِلَّا فَإِدْخَالُهَا الْمَسْجِدَ مَكْرُوهٌ
- هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِكَرَاهَةِ الطَّوَافِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْهُمْ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَالْقَاضِي أَبُو الطيب والعبدردي وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ
- قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ فِي الرُّكُوبِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ
- قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَحُكْمُ طَوَافِ الْمَحْمُولِ عَلَى أَكْتَافِ الرِّجَالِ كَالرَّاكِبِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ وَإِذَا كَانَ مَعْذُورًا فَطَوَافُهُ مَحْمُولًا أَوْلَى مِنْهُ رَاكِبًا صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ الدابة (قال) وركوب الابل أيسر حالا مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا فِي طَوَافِ الرَّاكِبِ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْمَاشِي أَوْلَى مِنْ طَوَافِ الرَّاكِبِ فَلَوْ طَافَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّ طَوَافُهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْحَالَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إنْ طَافَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ أجزأه ولا شئ عَلَيْهِ وَإِنْ طَافَ رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَاحْتَجَّا بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ كَالصَّلَاةِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ قَالُوا (إنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا لِشَكْوَى عَرَضَتْ لَهُ) كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ طَوَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا لَمْ يَكُنْ لِمَرَضٍ بَلْ كَانَ لِيَرَاهُ النَّاسُ وَيَسْأَلُوهُ وَلَا يُزَاحِمُوا عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فَضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضعيف قال البيهقي وهذه الرواية تفرد به يزيد هذا (وأما) قِيَاسُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ فَفَاسِدٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ رَاكِبًا إذَا كَانَتْ فَرِيضَةً وَقَدْ سَلَّمُوا صِحَّةَ الطَّوَافِ وَلَكِنْ ادَّعَوْا وُجُوبَ الدَّمِ وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) لَوْ طَافَ زَحْفًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَشْيِ فَطَوَافُهُ صَحِيحٌ لَكِنْ يُكْرَهُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي أَثْنَاءِ دَلَائِلِ مَسْأَلَةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ فَقَالَ طَوَافُهُ زَحْفًا كطوافه ماشيا منتصبا لا فرق بينهما * قال المصنف رحمه الله *
(وإن حمل محرم محرما وطاف به ونويا لم يجز عنهما جميعا لانه طواف واحد فلا يسقط به طوافان ولمن يكن الطواف فيه قولان (أحدهما) للمحمول لان الحامل كالراحلة (والثاني) انه للحامل لان المحمول لم يوجد منه فعل وإنما الفعل للحامل فكان الطواف له)
- (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْعِرَاقِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ التَّعْلِيقِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّ الطَّوَافَ لِلْحَامِلِ وَنَصَّ فِي مُخْتَصَرِ الْحَجِّ أَنَّهُ لِلْمَحْمُولِ (وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ لِلْحَامِلِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْعَبْدَرِيُّ وَآخَرُونَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّوَافُ عَنْهُمَا هَكَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ قَوْلًا وَحَكَاهُ الْمُتَوَلِّي 1 وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ رَأَيْت لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا أَنَّهُ يَقَعُ الطَّوَافُ عَنْهُمَا قَالَ رَأَيْت فِي مُخْتَصَرٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الْمُزَنِيِّ سَمَّاهُ كِتَابَ الْمُسَافِرِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّهُ وُجِدَ الطَّوَافُ مِنْهُمَا مَعَ نِيَّتِهِمَا فَوَقَعَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ وَقَفَا بِعَرَفَاتٍ كَذَلِكَ
- (وَأَجَابَ) الْأَصْحَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْوُقُوفَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلٌ إنَّمَا يُشْتَرَطُ السُّكُونُ فِيهَا فَأَجْزَأَهُمَا بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَصَحُّهَا) وُقُوعُ الطَّوَافِ عَنْ الْحَامِلِ فَقَطْ (وَالثَّانِي) عَنْ الْمَحْمُولِ فَقَطْ (وَالثَّالِثُ) عَنْهُمَا هَذَا كُلُّهُ إذَا نَوَى الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ الطَّوَافَ فَأَمَّا إذَا نَوَى الْمَحْمُولُ دُونَ الْحَامِلِ وَلَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ مُحْرِمًا فَيَقَعُ عَنْ الْمَحْمُولِ بِلَا خِلَافٍ وَسَلَكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ طَرِيقَةً أُخْرَى اخْتَصَرَهَا الرافعي وجمع
مُتَفَرِّقَهَا فَقَالَ لَوْ حَمَلَ رَجُلٌ مُحْرِمًا مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَطَافَ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْحَامِلُ حَلَالًا أَوْ مُحْرِمًا قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ حُسِبَ الطَّوَافُ لِلْمَحْمُولِ بِشَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا وَلَمْ يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ نُظِرَ إنْ قَصْدَ الطَّوَافَ عَنْ الْمَحْمُولِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) يَقَعُ لِلْمَحْمُولِ فَقَطْ تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلِنَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُصْرَفَ إلَى غَرَضٍ آخَرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَالثَّانِي) يَقَعُ عَنْ الْحَامِلِ فَقَطْ تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلِنَا لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فَإِنَّ الطَّوَافَ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَحْسُوبًا لَهُ فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَمَلَ مُحْرِمَيْنِ وَطَافَ بِهِمَا وَهُوَ حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّ الطَّوَاف غَيْرُ مَحْسُوبٍ لِلْحَامِلِ فَيَكُونُ الْمَحْمُولَانِ كَرَاكِبَيْ دَابَّةٍ (وَالثَّالِثُ) يَقَعُ عَنْهُمَا جَمِيعًا
- وَإِنْ قَصَدَ الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْهُ وَلَا يُحْسَبُ عَنْ الْمَحْمُولِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ قَالَ وَكَذَا لَوْ قَصَدَ الطَّوَافَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمَحْمُولِ
- وَحَكَى الْبَغَوِيّ وَجْهَيْنِ فِي حُصُولِهِ لِلْحَمْلِ مَعَ الْحَامِلِ
- وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْ الْأَقْسَامِ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَصَدَ نَفْسَهُ أَوْ كِلَيْهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ فِي الصَّبِيِّ الْمَحْمُولُ حَمَلَهُ وَلِيُّهُ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ أَوْ غيره
- قال المصنف رحمه الله
- (ويبتدئ الطواف من الحجر الاسود والمستحب أن يستقبل الحجر الاسود لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (استقبله ووضع شفتيه عليه) فان لم يستقبله جاز لانه جزء من البيت فلا يجب استقباله كسائر اجزاء البيت ويحاذيه ببدنه لا يجزئه غيره وهل تجزئه المحاذاة ببعض البدن فيه قولان (قال) في القديم تجزئه محاذاته ببعضه لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ الْحَجَرِ جَازَتْ محاذاته ببعض البدن (وقال) في الجديد يجب أن يحاذيه بجميع البدن لان ما وجب فيه محاذاة البيت وجبت محاذاته بجميع البدن كالاستقبال في الصلاة
- ويستحب أن يستلم الحجر لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ اول ما يطوف) ويستحب أن يستفتح الاستلام بالتكبير لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يطوف على راحلته كلما أتى على الركن أشار بشئ في يده وكبر وقبله) ويستحب أن يقبله لما روى ابن عمر (ان عمر رضي الله عنه قبل الحجر ثم قال والله لقد علمت أنك حجر ولولا إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبلك ما قبلتك) فان لم يمكنه أن يستلم أو يقبل من الزحام أشار إليه بيده لما روى أبو مالك سعد بن طارق عن أبيه قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
الله عليه وسلم يطوف حول البيت فإذا ازدحم الناس على الطواف استلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحجن في يده) ولا يشير إلى القبلة بالفم لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يفعل ذلك
- ويستحب أن يقول عند الاستلام وابتداء الطواف بسم اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى الله عليه وسلم لِمَا رَوَى جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استلم الركن الذي فيه الحجر وكبر ثم قال اللهم وفاء بعهدك وتصديقا بكتابك) وعن علي كرم الله وجهه أنه كان يقول إذا استلم الركن (اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم) وعن ابن عمر رضي الله عنهما مثله
- ثم يطوف فيجعل البيت على يساره ويطوف على يمينه لِمَا رَوَى جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أخذ في الطواف أخذ عن يمينه) فان طاف عن يساره لم يجزه لانه صلى الله عليه وسلم (طاف على يمينه وقال خذوا عني مناسككم) ولانه عبادة تتعلق بالبيت فاستحق فيها الترتيب كالصلاة)
- (الشَّرْحُ) أَمَّا حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطَوَافً مِنْ السَّبْعِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ استلام النبي صلى الله عليه وسلم الحجر فِي طَوَافِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إلَيْهِ بشئ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ (أَنَّ عمربن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ لولا أني رأيت رسول الله صلى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَك مَا قَبَّلْتُك) فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (قَبَّلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَجَرَ ثُمَّ قَالَ أما والله لقد علمت أنك حجر ولولا إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الصَّحَابِيِّ قَالَ (رَأَيْت الْأَصْلَعَ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُقَبِّلُك وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ وَأَنَّك لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَك مَا قَبَّلْتُك) وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَابِسٍ
- بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - ابْنِ رَبِيعَةَ التَّابِعِيِّ قَالَ (رَأَيْت عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ إنِّي لَأُقَبِّلُك وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ وَلَوْلَا إنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك لَمْ أُقَبِّلْك) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غفلة
- بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - قَالَ (رَأَيْت عُمَرَ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَالْتَزَمَهُ وَقَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِك حَفِيًّا) وَإِنَّمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّك حَجَرٌ وَإِنَّك لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ هَذَا الْكَلَامَ وَيَشِيعَ بَيْنَهُمْ وَقَدْ كَانَ عَهْدُ كَثِيرٍ مِنْهُمْ قَرِيبًا بِعِبَادَةِ الْأَحْجَارِ وَتَعْظِيمِهَا وَاعْتِقَادِ ضُرِّهَا وَنَفْعِهَا فَخَافَ أَنْ يَغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ مَا قَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (وَأَمَّا) حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ فَغَرِيبٌ فَيُغْنِي فِي الدَّلَالَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي سَبَقَ الْآنَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا) فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ (خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ الطَّوَافِ سَبْعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (وَأَمَّا) الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَكَانَ كَذَّابًا (وَأَمَّا) اسْتِحْبَابُ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَاسْتَدَلَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ (كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْخُلُ مَكَّةَ ضُحًى فَيَأْتِي الْبَيْتَ فَيَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أكبر) والله أَعْلَمُ
- (وَأَمَّا) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَفِيهِ الِاسْتِلَامُ - بِكَسْرِ التَّاءِ - قَالَ الْهَرَوِيُّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ كَمَا يُقَالُ اقْتَرَأْتُ السَّلَامَ قَالَ وَلِذَلِكَ يُسَمِّي أَهْلُ الْيُمْنِ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يُحْيُونَهُ
- قَالَ الْهَرَوِيُّ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ السِّلَامِ - بِكَسْرِ السِّينِ - وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَاحِدَتُهَا سَلِمَةٌ - بِكَسْرِ اللَّامِ - تَقُولُ اسْتَلَمْت الْحَجَرَ إذَا لَمَسْته كَمَا تَقُولُ اكْتَحَلْت مِنْ الْكُحْلِ هَذَا كَلَامُ الْهَرَوِيِّ
- وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِالْقُبْلَةِ أَوْ بِالْيَدِ قَالَ وَلَا يُهْمَزُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّلَامِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ قَالَ وَهَمَزَهُ بَعْضُهُمْ
- وَقَالَ صاحب الحمكم اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَاسْتِلَامُهُ بِالْهَمْزِ أَيْ قَبَّلَهُ أَوْ اعْتَنَقَهُ قَالَ وَلَيْسَ أَصْلُهُ الْهَمْزُ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ الِاسْتِلَامُ هُوَ أَنْ يُقَبِّلَ الْحَجَرَ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَفِي آخِرِهِ بَلْ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ فَإِنْ عَجَزَ بِالزَّحْمَةِ مَسَّهُ بِالْيَدِ فَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَغَلَّطُوهُ فِي تَفْسِيرِهِ الِاسْتِلَامَ بِالتَّقْبِيلِ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ هُوَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَالتَّقْبِيلُ سُنَّةٌ أُخْرَى مُسْتَحَبَّةٌ وَقَدْ يُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَيَسْتَمِرُّ تَصْحِيحُهُ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ وصاحب المحكم (قوله) استلمه بمحجن هو - بِمِيمٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ نُونٍ - وَهِيَ عَصَا مُعَقَّفَةُ الرَّأْسِ كَالصَّوْلَجَانِ وَجَمْعُهُ مَحَاجِنُ (قَوْلُهُ) إيمَانًا بِك أَيْ أَفْعَلُ هَذَا لِلْإِيمَانِ بِك (قَوْلُهُ) عَلَى يَسَارِهِ - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ (أَفْصَحُهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْفَتْحُ
وَعَكَسَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ (قَوْلُهُ) عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَاسْتُحِقَّ فِيهَا التَّرْتِيبُ احْتِرَازٌ مِنْ تَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَقَضَاءِ الصَّوْمِ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) يَجِبُ ابْتِدَاءُ الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ حَتَّى يَصِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَإِذَا وَصَلَهُ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَوَافِهِ
- وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا (الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي أَوَّلِ طَوَافِهِ بِوَجْهِهِ وَيَدْنُوَ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا وَإِذَا أَرَادَ هَذَا الِاسْتِقْبَالَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى جَانِبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي بِحَيْثُ يَصِيرُ جَمِيعُ الْحَجَرِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَصِيرُ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ عِنْدَ طَرَفِ الْحَجَرِ ثُمَّ يَنْوِي الطَّوَافَ ثُمَّ يَمْشِي مُسْتَقْبِلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مَارًّا إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ الْحَجَرَ فَإِذَا جَاوَزَهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَانْفَتَلَ وَجَعَلَ يَسَارَهُ إلَى الْبَيْتِ وَيَمِينَهُ إلَى خَارِجٍ وَلَوْ فَعَلَ هَذَا مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ وَتَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ جَازَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (الثَّالِثَةُ) يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَاذِيَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ جَمِيعَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَطَرِيقُهُ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ الْآنَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ أَنْ يَقِفَ قِبَلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِي ثُمَّ يَمُرُّ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ طَائِفًا حَوْلَ الْبَيْتِ فَيَمُرُّ جَمِيعُهُ بِجَمِيعِ الْحَجَرِ وَلَا يُقَدِّمُ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ فَلَوْ حَاذَاهُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ وَكَانَ بَعْضُهُ مُجَاوِزًا إلَى جِهَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ فَفِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَكَذَا ذكرهما الاصحاب قولين الا إمام الحرمين والغزالي فَحَكَوْهُمَا وَجْهَيْنِ
- وَالصَّوَابُ قَوْلَانِ (الْجَدِيدُ) لَا يُجْزِئُهُ وهو الاصح (والقديم) يجزئه
- ولو حاذى بجيمع الْبَدَنِ بَعْضَ الْحَجَرِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ صَحَّ طَوَافُهُ بِلَا خِلَافٍ
- صَرَّحَ بِهِ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالُوا كَمَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِي الصَّلَاةِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ بَعْضَ الْكَعْبَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ الْحَجَرِ جَازَتْ مُحَاذَاتُهُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ أَيْ لَمَّا جَازَتْ مُحَاذَاةُ بَعْضِ الحجر بجيمع الْبَدَنِ بِلَا خِلَافٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مُحَاذَاةُ كُلِّ الْحَجَرِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ
- وَذَكَرَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلَيْنِ (وَالْمَذْهَبُ) مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) يَنْبَغِي لَهُ فِي طَوَافِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَيَمِينُهُ إلَى خَارِجٍ وَيَدُورَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ كَذَلِكَ فَلَوْ خَالَفَ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا
- وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا يَسَارِهِ بَلْ اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ مُعْتَرِضًا وَطَافَ كَذَلِكَ أَوْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ وَمَشَى قَهْقَرَى إلَى جِهَةِ الْبَابِ فَفِي صِحَّةِ طَوَافِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَصِحُّ
- قَالَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِعِبَارَةِ الاكثرين
وَجَزَمَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي فِي صُورَةِ مَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَمَشَى قَهْقَرَى بِأَنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ يُكْرَهُ (وَالْأَصَحُّ) الْبُطْلَانُ كَمَا سَبَقَ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ وَكَانَ الْقِيَاسُ جَرَيَانَ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ مَرَّ مُعْتَرِضًا مُسْتَدْبِرًا
- هَذَا كَلَامُهُ (وَالصَّوَابُ) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ مُنَابِذٌ لِمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْخَامِسَةُ) يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ بِيَدِهِ فِي أَوَّلِ الطَّوَافِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ
- قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ السُّجُودُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَعَ الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ بِأَنْ يَضَعَ الْجَبْهَةَ عَلَيْهِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَرِّرَ السُّجُودَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الثَّلَاثِ فَعَلَ الْمُمْكِنَ
- وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ
- وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَكَذَا فَفَعَلْت) وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ (رَأَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مُلَبِّدًا رَأْسَهُ فَقَبَّلَ الرُّكْنَ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ عَلَى الْحَجَرِ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُشِيرَ إلَى الْقُبْلَةِ بِالْفَمِ إذَا تَعَذَّرَتْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ الْقُبْلَةَ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لَهَا صَوْتٌ
- (فَرْعٌ) إذَا مَنَعَتْهُ الزَّحْمَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ التَّقْبِيلِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ وَأَمْكَنَهُ الِاسْتِلَامُ اسْتَلَمَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَشَارَ بِالْيَدِ إلَى الِاسْتِلَامِ وَلَا يُشِيرُ بِالْفَمِ إلَى التَّقْبِيلِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ يُقَبِّلُ الْيَدَ بَعْدَ الِاسْتِلَامِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِزَحْمَةٍ وَنَحْوِهَا هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَلِمَ ثُمَّ يُقَبِّلَ الْيَدَ وَبَيْنَ أَنْ يُقَبِّلَ الْيَدَ ثُمَّ يَسْتَلِمَ بِهَا وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِاسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ ثُمَّ يُقَبِّلُهَا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِلَامِ بِالْيَدِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَلِمَ بِعَصَا وَنَحْوِهَا لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ أشار بيده أو بشئ فِي يَدِهِ إلَى الِاسْتِلَامِ ثُمَّ قَبَّلَ مَا أَشَارَ بِهِ
- وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَا ذَكَرْته فِي هَذَا الْفَرْعِ مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ (رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى تَعَذُّرِ تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْأَحَادِيثُ فِي اسْتِلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ بِالْمِحْجَنِ
(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ تَقْبِيلُ الحجر ولا استلامه إلا عند خلوا لمطاف فِي اللَّيْلِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِهِنَّ وَضَرَرِ الرِّجَالِ بِهِنَّ
- (فَرْعٌ) لِلْكَعْبَةِ الْكَرِيمَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ - الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ - ثُمَّ الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ ثُمَّ الرُّكْنُ الْيَمَانِي وَيُقَالُ لِلْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِي الْيَمَانِيَانِ - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ
- فَالْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِي مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّامِيَّانِ لَيْسَا عَلَى قَوَاعِدِهِ بَلْ مُغَيَّرَانِ لِأَنَّ الْحِجْرَ يَلِيهِمَا وَكُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ مِنْ الْبَيْتِ كَمَا سَبَقَ
- وَلِلرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فَضِيلَتَانِ كَوْنُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِيهِ وَكَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلرُّكْنِ الْيَمَانِي فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لِلشَّامِيِّينَ شئ مِنْ الْفَضِيلَتَيْنِ
- فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَالسُّنَّةُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَالسُّنَّةُ فِي الرُّكْنِ اليماني استلامه ولا يقبل والسنة أن لَا يُقَبَّلُ الشَّامِيَّانِ وَلَا يُسْتَلَمَانِ فَخَصَّ الْأَسْوَدَ بِالتَّقْبِيلِ مَعَ الِاسْتِلَامِ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَتَيْنِ وَالْيَمَانِيَ بِالِاسْتِلَامِ لِأَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَاحِدَةً وَانْتَفَتْ الْفَضِيلَتَانِ فِي الشَّامِيَّيْنِ
- وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا لِمَا ذَكَرْته بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (مَا تَرَكْت اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَ (لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُ مِنْ البيت الي الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ (لَوْلَا أن قومك حديثوا عَهْدٍ بِكُفْرٍ) الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لم يتم عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ (كَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّهُ لَا يستلم هذان الركنان فقال ليس شئ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلُّهُنَّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَهَذَا مَذْهَبُ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ لَمْ يَرْوِيَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَخَذَاهُ بِاجْتِهَادِهِمَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَقَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ (وَأَمَّا) قول معاوية (ليس شئ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا) فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ
فَقَالَ لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ عَدَمَ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرٌ لِلْبَيْتِ لَكِنَّهُ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْسَكَ مَا أَمْسَكَ عَنْهُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُ الْيَمَانِي دُونَ تَقْبِيلِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَإِذَا اسْتَلَمَهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ بَعْدَ اسْتِلَامِهِ
- وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي إنْ شَاءَ قَبَّلَهَا قَبْلَ الِاسْتِلَامِ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ وَلَا فَضِيلَةَ فِي تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ
- وَذَكَرَ الْفُورَانِيُّ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُمَا أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ (أَحَدُهُمَا) يُقَبِّلُ يَدَهُ وَيَسْتَلِمُهُ كَأَنَّهُ يَنْقُلُ الْقُبْلَةَ إلَيْهِ (وَالثَّانِي) يَسْتَلِمُهُ ثُمَّ يُقَبِّلُ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَنْقُلُ بَرَكَتَهُ إلَى نَفْسِهِ (وَالْمَذْهَبُ) اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ الِاسْتِلَامِ
- وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ (أَحَدُهُمَا) يُوَافِقُ الْمَذْهَبَ وَالْآخَرُ يُخَالِفُهُ فَالْمُوَافِقُ عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ فَقَبَّلَ يَدَهُ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ
- وَالْمُخَالِفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسلم ابن هُرْمُزَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ قَبَّلَهُ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ قَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الله ابن مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ وَالْأَخْبَارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالسُّجُودِ عَلَيْهِ 1 قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَإِنَّهُ أَيْضًا يُسَمَّى بِذَلِكَ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ فِي الِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُقْتَصَرُ عَلَى الْحَجَرِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَتَقْبِيلُهُ وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَتَقْبِيلُ الْيَدِ بَعْدَهُ عِنْدَ مُحَاذَاتِهِمَا فِي كُلِّ طَوْفَةٍ مِنْ السَّبْعِ وَهُوَ فِي الْأَوْتَارِ آكَدُ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَوَّلًا وَعِنْدَ ابْتِدَائِهِ بِالْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ أَيْضًا بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِك وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك وَوَفَاءً بِعَهْدِك وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْتِي بِهَذَا الذِّكْرِ أَيْضًا عَنْدَ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ آكَدُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ وَمَا ذَكَرَ اللَّهَ تعالى به وصلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسَنٌ
(فَرْعٌ) فِي فَضِيلَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتُتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا ولولا ذلك لاضاءا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ (الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ وَلَوْلَا مَا مَسَّهُمَا مِنْ خَطَايَا بَنِي آدَمَ لاضاءا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا مَسَّهُمَا مِنْ ذِي عَاهَةٍ وَلَا سَقِيمٍ إلَّا شُفِيَ) وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةٍ (لَوْلَا مَا مَسَّهُ مِنْ أَنْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلَّا شفى وما على الارض شئ مِنْ الْجَنَّةِ غَيْرُهُ) إسْنَادُهَا صَحِيحٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَبْعَثْنَ اللَّهُ الْحَجَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ هَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ (لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ) وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذَا الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْجَنَّةِ وانه لا ينبغي لشئ يَخْرُجُ مِنْ الْجَنَّةِ إلَّا رَجَعَ إلَيْهَا قَبْلَ يوم القيامة) رواه القاسم الطبراني
- (فرع) قد ذكرنا فِي آخِرِ بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ أَنَّ الْكَعْبَةَ الكريمة بنيت خمس مرات وقيل سبع وَفَصَّلْنَاهُنَّ وَذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أُحِبُّ أَنْ لَا تُهْدَمَ الْكَعْبَةُ وَتُبْنَى لِئَلَّا تَذْهَبَ حُرْمَتُهَا وَذَكَرْنَا هُنَاكَ جُمَلًا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَرَمِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الدارمي لو محى الحجر الاسود العياذ بِاَللَّهِ مِنْ مَوْضِعِهِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الَّذِي كَانَ فيه وقبله وسجد عليه * قال المصنف رحمه الله
- (والمستحب أن يدنو من البيت لانه هو المقصود فكان القرب منه أفضل فإذا بلغ الركن اليماني فالمستحب أن يستلمه لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (كان يستلم الركن اليماني والاسود ولا يستلم الآخران) ولانه ركن بني على قواعد ابراهيم عليه السلام فيسن فيه الاستلام كالركن الاسود
- ويستحب أن يستلم الركنين في كل طوفة لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان يستلم الركنين في كل طوفة) ويستحب كلما حاذى الحجر الاسود أن يكبر ويقبله لانه مشروع في محل فتكرر بتكرره كالاستلام
- ويستحب إذا استلم أن يقبل يده لما روى نافع قال (رأيت ابن عمر]
استلم الحجر بيده وقبل يَدَهُ وَقَالَ مَا تَرَكْته مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعله) ويستحب أن يدعو بين الركن اليماني والركن الاسود لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال (عند الركن اليماني ملك قائم يقول آمين فإذا مررتم به فقولوا رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقنا عذاب النار)
- (الشَّرْحُ) جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ سَبَقَ بَيَانُهَا وَاضِحَةً فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا إلَّا مَسْأَلَةَ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ وَسَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً مَعَ مَسْأَلَةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَسَبَقَ بَيَانُ حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ (وَأَمَّا) الثَّانِي فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا وَلَفْظُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ) (وأما) الاثر المذكور عن ابْنِ عَبَّاسٍ فَغَرِيبٌ لَكِنْ يُغْنِي عَنْهُ أَجْوَدُ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقنا عذاب النار) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ
فِيهِ رَجُلَانِ لَمْ يَتَكَلَّمْ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فَيَقْتَضِي أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ
- (وَقَوْلُ) الْمُصَنِّفِ الرُّكْنُ الْيَمَانِي هُوَ - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَكَذَا الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَانِ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ قَالَ الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ تَشْدِيدُهَا لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ إلَى الْيَمَنِ فَجُعِلَتْ الْأَلِفُ عِوَضًا مِنْ إحْدَى يَاءَيْ النَّسَبِ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَشْدِيدَهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وَتَكُونُ الْأَلِفُ زَائِدَةً كَمَا زِيدَتْ الْأَلِفُ وَالنُّونُ فِي رَقَبَانِي مَنْسُوبٌ إلَى الرَّقَبَةِ وَنَظَائِرُهُ
- (قَوْلُهُ) وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ بُنِيَ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ احْتِرَازٌ مِنْ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُسْتَحَبُّ إذَا اسْتَلَمَ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ فَكَلَامٌ نَاقِصٌ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَسْتَلِمَ وَيُقَبِّلَ فَإِذَا قَبَّلَهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَبِّلَ الْيَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّقْبِيلُ اسْتَلَمَ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ
- هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ عِبَارَتُهُ نَاقِصَةٌ
- (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا سَبَقَتْ وَاضِحَةً إلَّا مَسْأَلَتَيْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ (فَأَمَّا) الدُّعَاءُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَهُمَا الْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِي فاتفق الشافعي والاصحاب على استحبابه وباي شئ حَصَلَ الِاسْتِحْبَابُ وَأَفْضَلُهُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقنا عذاب النار للحديث السا بق وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ (أَنَّ هَذَا كَانَ أَكْثَرَ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَأَمَّا) الدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى استحبابه ايضا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ الدُّنُوُّ مُسْتَحَبٌّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْبَيْتَ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ فَالدُّنُوُّ مِنْهُ أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ أَيْسَرُ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ الْبَيْتِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ الْبُعْدِ فَكَذَا فِي الطَّوَافِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَلَا يَتَأَذَّى بِالزَّحْمَةِ فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى بِالْقُرْبِ لِلزَّحْمَةِ فَالْبُعْدُ إلَى حَيْثُ يَزُولُ التَّأَذِّي وَالْأَذَى أَوْلَى هَكَذَا أَطْلَقُوهُ
- وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ الِاسْتِلَامَ مَا لَمْ يُؤْذِ غَيْرَهُ بِالزِّحَامِ أَوْ يُؤْذِهِ غَيْرُهُ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ الِاسْتِلَامُ وَإِنْ كَانَ فِي الزِّحَامِ أَوْ فِي آخِرِ الطَّوَافِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْقُرْبُ مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُنْظَرُ إلَى كثرة الخطا فِي الْبُعْدِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إكْرَامُ الْبَيْتِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الْقُرْبِ هُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تَدْنُوَ فِي حَالِ طَوَافِ الرِّجَالِ بَلْ تَكُونُ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ بِحَيْثُ لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَطُوفَ فِي اللَّيْلِ فَإِنَّهُ أَصُونُ لَهَا وَلِغَيْرِهَا
مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْفِتْنَةِ فَإِنْ كَانَ الْمَطَافُ خَالِيًا مِنْ الرِّجَالِ اُسْتُحِبَّ لَهَا الْقُرْبُ كَالرَّجُلِ
- قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الرَّجُلِ الْقُرْبُ مِنْ الْكَعْبَةِ مَعَ الرَّمَلِ لِلزَّحْمَةِ فَإِنْ رَجَا فُرْجَةً اُسْتُحِبَّ أَنْ يَنْتَظِرَهَا لِيَرْمُلَ إنْ لَمْ يُؤْذِ بوقوفه احد وَإِنْ لَمْ يَرْجُهَا فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْقُرْبِ بِلَا رَمَلٍ
- هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَالُوا لِأَنَّ الرَّمَلَ شِعَارٌ مُسْتَقِلٌّ وَلِأَنَّ الرَّمَلَ فَضِيلَةٌ تتعلق بنفس العبادة والقرب فضيلة تتعلق بموضع الْعِبَادَةِ
- قَالُوا وَالْمُتَعَلِّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ قَالُوا وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقُرْبُ مِنْ الْكَعْبَةِ بِلَا خِلَافٍ
- وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّبَاعُدُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ
- قَالَ أَصْحَابُنَا شَرْطُ الطَّوَافِ وُقُوعُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِلِ فِيهِ بَيْنَ الطَّائِفِ وَالْبَيْتِ كَالسِّقَايَةِ وَالسَّوَارِي وَغَيْرِهَا
- قَالُوا وَيَجُوزُ الطَّوَافُ فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ وَأَرْوِقَتِهِ وَعِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ دَاخِلِهِ
- قَالُوا وَيَجُوزُ عَلَى سُطُوحِ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الْبَيْتُ أَرْفَعَ بِنَاءً مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْيَوْمُ
- قَالَ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ جُعِلَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ أَعْلَى مِنْ سَطْحِ الْكَعْبَةِ فقد ذكر صاحب العداة أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ لَوْ انْهَدَمَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ لَمْ يَصِحَّ الطَّوَافِ حَوْلَ عَرْصَتِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنَّهُ لَوْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ صَحَّ وَإِنْ ارْتَفَعَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ قَالَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ ارْتِفَاعِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَسُعَ الْمَسْجِدُ اتَّسَعَ الْمَطَافُ وَصَحَّ الطَّوَافُ فِي جَمِيعِهِ وَهُوَ الْيَوْمَ أَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ زِيدَتْ فِيهِ فَأَوَّلُ من راده عمر بن الخطاب رضي الله عَنْهُ اشْتَرَى دُورًا فَزَادَهَا فِيهِ وَاِتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ جِدَارًا قَصِيرًا دُونَ الْقَامَةِ وَكَانَ عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ لَهُ الْجِدَارَ ثُمَّ وَسَّعَهُ عُثْمَانُ وَاِتَّخَذَ لَهُ الْأَرْوِقَةَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهَا ثُمَّ وَسَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ ثُمَّ وَسَّعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ الْمَنْصُورُ ثُمَّ الْمَهْدِيُّ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ بِنَاؤُهُ إلَى وَقْتِنَا هَذَا وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا مَعَ نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْكَعْبَةِ فِي كِتَابِ المناسك والله أعلم * قال المصنف رحمه الله