كتاب الأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لاتراد لِلْبَقَاءِ فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ إلَّا بِالشَّرْطِ كالثمرة المؤبرة وفي دخول أصولها الكامتة فِي الْأَرْضِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْخِلَافُ الَّذِي في الاشجار هكذا ذكره العراقيون والصيد لانى وَغَيْرُهُمْ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ الْقَطْعُ بِالدُّخُولِ هُنَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّجَرِ أَنَّ هَذِهِ كَامِنَةٌ فِي الْأَرْضِ نَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ أَجْزَائِهَا بِخِلَافِ الْأَشْجَارِ فَإِنَّهَا بَادِيَةٌ ظَاهِرَةٌ مُفَارِقَةٌ لِلْأَرْضِ فِي صِفَتِهَا هَكَذَا حُكِيَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْبَسِيطِ وَالشَّرْحِ وَوَقَعَ فِي الْوَسِيطِ أَنَّ الشَّيْخَ أبا محمد قطع بانه كالدرع يَعْنِي فَلَا يَدْخُلُ وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّجَرِ إنَّ مُدَّةَ إبْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ قَدْ تُعْلَمُ فَلَا يَكُونُ مراد لِلدَّوَامِ بِخِلَافِ الشَّجَرِ وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِالْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَنَفْسَجِ وَالنِّرْجِسِ أَنَّهُمَا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَيْنِ وَبِطَرِيقَةٍ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْبِطِّيخِ وَمَا يُوجَدُ مرة بعد أخرى لكن في علم وَاحِدٍ أَنَّهُ كَالزَّرْعِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ قَالَ فَقَدْ يَحْصُلُ لِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (قُلْتُ) يَعْنِي ثَلَاثَ طُرُقٍ الْقَطْعُ بِالدُّخُولِ وَالْقَطْعُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ وَإِجْرَاءُ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لَكِنَّ شَرْطَ إثْبَاتِ هَذِهِ الطُّرُقِ أَنْ تَتَحَقَّقَ نِسْبَةُ الطَّرِيقَةِ الَّتِي فِي الْوَسِيطِ إلَى قَائِلٍ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمُ نَاسِخٍ لِمُخَالَفَتِهَا مَا فِي الْبَسِيطِ وَالنِّهَايَةِ وَقَدْ رَأَى الْإِمَامُ أَنَّ الْقِيَاسَ طَرِيقَةُ إجْرَاءِ الْقَوْلَيْنِ وَخَالَفَ مَا نَقَلَهُ عَنْ وَالِدِهِ قال اذلا يَلُوحُ فَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْغِرَاسِ وَالْأَبْنِيَةِ وَقَوْلُ ابن الرفعة بأن مدت بَقَاءِ أُصُولِهَا قَدْ تُعْلَمُ إنْ سَلِمَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْجَارِ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ تَارَةً تَطُولُ مُدَّتُهُ
وَتَارَةً تَقْصُرُ نَعَمْ مُقْتَضَى الْوَجْهِ الَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَنَفْسَجِ وَالنِّرْجِسِ أَنَّهُ يُثْبِتُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مَا عِنْدِي إلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَنْ جَعَلَهَا كَالزَّرْعِ (فَإِنْ قُلْنَا) بِأَنَّ الْأُصُولَ لَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَالْخَيْرَاتُ كُلُّهَا عَلَى مِلْكِهِ الْمَوْجُودَةُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَالْحَادِثَةُ وَالْكَلَامُ فِي وُجُوبِ تَبْقِيَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَشْجَارِ (وَإِنْ قُلْنَا) بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْأُصُولَ دَاخِلَةٌ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى نَفْسِهِ قَطْعَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِ الْمَبِيعِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي والقاضي حسين أن البائع يطالب في جذها الْحَالِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَبْلُغَ أو ان الْجُذَاذِ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُؤَدِّي إلَى الِاخْتِلَاطِ وَسَكَتُوا عَنْ وُجُوبِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِي الْعَقْدِ بَلْ زَادَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَحَكَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَنْتَظِرُ بِهِ تَنَاهِيَ جُذَاذِهِ
(أَحَدُهُمَا)
يُنْظَرُ فَإِذَا بَلَغَ الْحَدَّ الَّذِي جَرَتْ
الْعَادَةُ بِجُذَاذِهِ عَلَيْهِ فَقَدْ انْتَهَى مِلْكُ الْبَائِعِ مَا بَعْدَ تِلْكَ الْجَذَّةِ بِكَمَالِهَا لِلْمُشْتَرِي قَالَ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا أَطْلَعَ مِنْ ثِمَارِ النَّخْلِ بَعْدَ الْعَقْدِ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِمَا أَطْلَعَ مِنْهَا وَأُبِّرَ وَالْوَجْهُ (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ بِهِ كَمَالَ جُذَاذِهِ بَلْ يَكُونُ لِلْبَائِعِ مَا ظَهَرَ مِنْهُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي غَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو إسحاق المروزى ويؤمر بِجُذَاذِهِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَكْمَلْ وَيَكُونُ الْأَصْلُ الْبَاقِي وَمَا يُسْتَخْلَفُ طُلُوعُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ تَابِعًا لِلْأَصْلِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَا أَطْلَعَ مِنْ ثِمَارِ النَّخْلِ مِنْ بَعْدِ الْعَقْدِ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَكُونُ تَبَعًا لِمَا أَطْلَعَ مِنْهَا وأبرو هذا الْبِنَاءُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ يَقْتَضِي أَنْ يكون الصحيح على طريقة أبي حامد الاسفرايني وَالرَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَلْعَ لَا يَجِبُ عَقِيبَ الْعَقْدِ حَتَّى تَتَكَامَلَ تِلْكَ الْجَذَّةُ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أن ما طلع بَعْدَ الْبَيْعِ تَابِعٌ لِمَا أُبِّرَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَلْزَمُ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ أَنْ يَقُولَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ إلَّا أَنْ يَسْلَمَ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بِأَنَّ لِلطَّلْعِ حَدًّا وَهُوَ نِهَايَةُ ذَلِكَ الْحَمْلِ الَّذِي أَطْلَعَ بَعْضُهُ وَأُبِّرَ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّلَاحُقِ فِيهِ بِخِلَافِ الرَّطْبَةِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا كَالْحَمْلِ الْوَاحِدِ وَقَدْ نَصَّ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ لَكِنْ فِي التَّبَعِيَّةِ فَقَالَ إنَّ لِلطَّلْعِ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ وَلَيْسَ لِلرَّطْبَةِ حَدٌّ هَذَا فَرْقُ الْأَصْحَابِ وَفَرَّقَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِفَرْقٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُشْتَرِي في قطع الثمرة والبائع مَنْفَعَةٌ فِي قَطْعِهَا وَالرَّطْبَةُ فِي قَطْعِهَا فَائِدَةٌ وللمشترى وَفِي تَرْكِهَا فَائِدَةٌ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهَا تَزِيدُ انْتَهَى وَمَا قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَالرَّافِعِيُّ لَمْ يُلَاحِظُوا فِيهِ الْوَجْهَ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَنَاهِي جُذَاذِهِ فَإِنْ قُلْنَا بِهِ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ أَصْلًا هُوَ بِتَعْلِيلِهِ مُصَادِمٌ لِقَوْلِ أَبِي حَامِدٍ إنَّهُ لَيْسَ للرطبة جد تُوجَدُ عَلَيْهِ (وَإِنْ قُلْنَا) إنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ الا ماكان ظَاهِرًا فَيَجِبُ الْقَطْعُ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُشْتَرَطُ شَرْطُهُ فِي الْعَقْدِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا بمقتضى العقد فلا حاجة إلى شرطه فأنا انما يشترط الفطع فِي الثِّمَارِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ فِيهَا الْإِبْقَاءُ وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الرُّويَانِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا بَاعَ الْأَرْضَ مُطْلَقًا وَهُنَاكَ بَيْتٌ ظاهر فهو للبائع بالاطلاق الْعَقْدِ وَعَلَى الْبَائِعِ نَقْلُهُ فِي الْحَالِ وَهَكَذَا عِبَارَةُ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لابد من شرط القطع كما أنه لابد مِنْ شَرْطِ الْقَطْعِ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّهَا تَتَلَاحَقُ وَتَخْتَلِطُ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ وَبَيْنَ اخْتِلَاطِ ثَمَرَةِ الْمَبِيعِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُكْمَ مُطَّرِدٌ فِيمَا إذَا بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ وَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا عَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الثَّمَرَةَ هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ كُلُّ الْمَقْصُودِ وَأَمَّا أَصْلُ الرَّطْبَةِ الْمَوْجُودُ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ هُوَ كُلَّ الْمَقْصُودِ من
الْأَرْضِ وَلَا مُعْظَمَهُ وَسَأَجْمَعُ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ جُمْلَةً فِي آخِرِ الْبَابِ عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا بَاعَ ثَمَرَةً يَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا وَقَدْ انْتَظَمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ يَجِبُ شَرْطُ الْقَطْعِ فِي العقد وهو ماقاله الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ وَلَا يُكَلَّفُ بِهِ إلَّا أَنْ تَتَكَامَلَ الْجَذَّةُ فَتَكُونُ كُلُّهَا لِلْبَائِعِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ الْبَائِعَ يُكَلَّفُ الْقَطْعَ حَالَ الْعَقْدِ وَلَا نَقُولُ إنَّ شَرْطَ ذَلِكَ وَاجِبٌ في العقد وهو متقضى كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي الطَّيِّبِ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيِّ فَإِنْ لَمْ يَجُذَّ الْبَائِعُ حَتَّى زَادَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَاخْتَلَطَتْ فَيُخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الِاخْتِلَاطِ قَالَهُ الْفُورَانِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
بَنَى الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا مَا إذَا كَانَ الزَّرْعُ بَذْرًا لَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ قَالَ فَمَنْ انْتَظَرَ بِهَا تَنَاهِي الْجُذَاذِ جَعَلَ مَا يَنْبُتُ مِنْ هَذَا الْبَذْرِ أَوَّلَ جَذَّةٍ لِلْبَائِعِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ التَّنَاهِي وَجَعَلَ حَقَّ الْبَائِعِ مَقْصُورًا عَلَى مَا ظَهَرَ جَعَلَ الْبَذْرَ وَجَمِيعَ مَا يَظْهَرُ مِنْ نَبَاتِهِ لِلْمُشْتَرِي وَلَكَ أَنْ تَقُولَ الْمُوجِبُ لِانْتِظَارِ تَنَاهِي الْجُذَاذِ كَوْنُهُ مَلَكَ الظَّاهِرَ وَتَبَعِيَّةُ الْبَاطِنِ مِنْ تِلْكَ الْجَذَّةِ لِلظَّاهِرِ مِنْهَا وَهَذَا الْمَعْنَى
مَفْقُودٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ مِنْهَا فَيَنْبَنِي الْجَزْمُ بِأَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي كَالثَّمَرَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ لَكِنَّ هَذَا الْوَجْهَ مَعَ بُعْدِهِ وَغَرَابَتِهِ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشافعي في الام إذ قال وان الْبَائِعُ قَدْ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِيَ أَنَّ لَهُ فِي الارض التي ابتاعها بذرا سماه لايدخل فِي بَيْعِهِ فَاشْتَرَى عَلَى ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ للمشترى وعليه أن يدعه حتى بصرم فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْبُتُ مِنْ الزَّرْعِ تَرَكَهُ حَتَّى تَصَرُّمِهِ ثُمَّ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَصْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ قَلْعُهُ وَلَا قَطْعُهُ وَإِنْ عَجَّلَ الْبَائِعُ فَفَعَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ لَمْ يَكُنْ له أن يدعه يستخلف وهود لِمَنْ وَجَدَ ثَمَرَةً غَضَّةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ أُخْرَى حَتَّى يَبْلُغَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ إلَّا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيُعَجِّلُهَا وَلَا يَتَحَوَّلُ حَقُّهُ فِي غَيْرِهَا بِحَالٍ وَلِذَلِكَ إطْلَاقُ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ فِي قَوْلِهِ وَالْجَذَّةُ الْأُولَى لِلْبَائِعِ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ مَا إذَا كَانَ منها شئ ظَاهِرٌ وَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَظَنُّ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِذَلِكَ مِنْ الْأَصْحَابِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ نَصَّ الشَّافِعِيِّ كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ على الخلاف الذى حكاه الماوردى فإذا نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَإِطْلَاقُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ مُوَافِقٌ لِلْوَجْهِ الذي حكاه المارودى وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَحْمِلَ النَّصَّ الْمَذْكُورَ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ وَاسْتَثْنَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ كَانَتْ الْأُصُولُ وَكُلُّ جَذَّةٍ تَحْصُلُ لَهُ وَقَدْ صرح الشافعي بعدم ذلك وانه ليس إلَّا الْجَذَّةُ الْأُولَى فَإِنْ تَعَسَّفَ مُتَعَسِّفٌ وَحَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ أَنَّ الْجَذَّةَ الْأُولَى لَهُ فَفِيهِ نَظَرٌ
يحتمل أن يقال بالصحة كلو اسْتَثْنَى الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْفَسَادِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَيَّزُ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ حَقِّ الْمُشْتَرِي بِخِلَافِ الشَّجَرِ مَعَ الثَّمَرِ فانها مُتَمَيِّزَانِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَجْهُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْبَذْرَ وَجَمِيعَ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْمُشْتَرَى وَمِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا نتكرر ثَمَرَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا الْبُقُولُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ جَذِّهَا فَلَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ منها شئ ظَاهِرٌ يُقَالُ إنَّهُ لِلْبَائِعِ وَمَا فِي بَطْنِهَا مِنْ الْعُرُوقِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ وَذَلِكَ بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ فَالطُّرُقُ الْجَارِيَةُ فِيهِ وفي أصول البقول إذا كان منها شئ ظَاهِرٌ جَارِيَةٌ هُنَا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ وَأَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْبَذْرِ وَتَكَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا آنِفًا فَالْقِيَاسُ إجْرَاؤُهُمَا هُنَا أَيْضًا وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَيْسَ ثم شئ ظَاهِرٌ يَسْتَتْبِعُ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ.
(فَرْعٌ)
إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ أَشْجَارُ خِلَافٍ يُقْطَعُ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ كُلَّ مُدَّةٍ قَالَ صَاحِبُ
التَّهْذِيبِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقَصَبِ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي فَرَغْنَا مِنْهُ (أَمَّا) إذَا كَانَ فِيهَا جُذُوعُ خِلَافٍ عَلَيْهَا قَوَائِمُ فهى منزلة أَغْصَانِ سَائِرِ الْأَشْجَارِ.
(فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَطْعِ فِيمَا كَانَ ظَاهِرًا عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ الْبُقُولِ (أَمَّا) عَلَى مَا اخْتَارَهُ الرَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وُجُوبِ شَرْطِ الْقَطْعِ (أَمَّا) عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ثُمَّ الرافعي عنه أنه لافرق بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ قَدْ بَلَغَ أو ان الْجَذِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَأَطْلَقَا ذَلِكَ الْحُكْمَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيعٍ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الْوَجْهَ الثاني الذي ذكره الماوردي واستثنا مِنْ ذَلِكَ الْقَصَبَ فَإِنَّهُ لَا يُكَلَّفُ قَطْعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ قَدْرًا يُنْتَفَعُ بِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ وَتَحْوِيلُهُ إلَى وَقْتِ قَطْعِهِ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ زَمَانُ الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ إنْ قُطِعَ قَبْلَ ذَلِكَ الوقت تلف ولا يصلح لشئ وَكَذَلِكَ الرُّويَانِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ قَالَا إنَّ الْبَائِعَ يُمَكَّنُ حَتَّى يَقْطَعَهُ إذَا جَاءَ وَقْتُهُ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ وَلَكَ أَنْ تَقُولَ إشْكَالًا عَلَى الرَّافِعِيِّ إنَّهُ إذَا كَانَ الْبَيْعُ يَجِبُ فِيهِ شَرْطُ الْقَطْعِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عاما فيما ينتفع به ومالا يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ عَامًّا فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ فِيمَا ينتفع به فلا وجه لاستثناء الغصب وحده بل كل مالا يُنْتَفَعُ بِهِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ شَرْطِ الْقَطْعِ فِيمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَعِيدٌ أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ إنَّمَا يَجُوزُ بيعها بشرط
الْقَطْعِ إذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) ذَاكَ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ شَرْطٌ فِي المبيع وَالْمَقْطُوعُ هُنَا غَيْرُ مَبِيعٍ (قُلْتُ) لَكِنَّهُ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ فَيَمْتَنِعُ شَرْطُهُ لِذَلِكَ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا يَجِبُ قَطْعُهُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَصْلِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إبْقَاؤُهُ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ فَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ قَطْعِهِ وَفَوَاتُ مَالِيَّتِهِ مُقَابِلٌ لِمَا يَحْصُلُ لِلْبَائِعِ مِنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اغْتِفَارِ ذَلِكَ بِإِزَائِهِ وَهَذَا الْإِشْكَالُ (الثَّانِي) بِعَيْنِهِ لَازِمٌ لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَالشَّيْخِ أبي حامد لكن الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِقَصْرِ ذَلِكَ عَلَى الْقَصَبِ فَلَعَلَّهُ يَقُولُ بِهِ في كل مالا يُنْتَفَعُ بِهِ إذَا قُطِعَ بِخِلَافِ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّرْعِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَبِي حامد المتقدم جواب عن ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ لِلْقَصَبِ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَشْبِيهَهُ بِالزَّرْعِ الَّذِي يَجِبُ إبْقَاؤُهُ لِمَا قَدَّمَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْفَرْقِ مِنْ الْمَعْنَى
أَنَّ لَهُ وَقْتَ نِهَايَةٍ وَالرَّطْبَةُ لَيْسَ لَهَا وَقْتُ نِهَايَةٍ لَكِنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّطْبَةِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ لَهُ وَقْتٌ يُؤْخَذُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ وَيَزِيدُ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الزُّرُوعِ الَّتِي بَعْدَ وَقْتِ أَخْذِهَا لَا تَزِيدُ شَيْئًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
مِنْ الْبُقُولِ مَا يَبْقَى أَصْلُهُ سِنِينَ وَهُوَ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْأَحْكَامُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَمِنْهُ مَا يَبْقَى سنة واحدة يجئ مُدَّةً بَعْدَ مُدَّةٍ فِي السَّنَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ حُكْمُ هَذَا عِنْدِي حُكْمُ الزَّرْعِ كُلُّهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ فَهَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي هَذَا الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا يُجَذُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا يُثْمِرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَكِنْ فِي عَامٍّ وَاحِدٍ كَالْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ ذَكَرَ فِيهَا وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الشَّجَرِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا قَدْ ظَهَرَ وَلِلْمُشْتَرِي الْأَصْلُ وَمَا يَظْهَرُ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الزَّرْعِ فَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَصْلُهُ وَثَمَرُهُ لِأَنَّهُ زَرْعُ عَامٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَفَرَّقَ لِقَاطُ ثَمَرِهِ وَالشَّجَرُ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا وَأُلْحِقَ بِهِ مَا بَقِيَ أَعْوَامًا كَالْعَلَفِ وَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ مَا بَقِيَ عَامًا وَاحِدًا وَالرُّويَانِيُّ جَزَمَ الْقَوْلَ فِيمَا يُجَذُّ دَفْعَةً بَعْدَ أُخْرَى بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَا يَبْقَى مُدَّةً يَسِيرَةً كَالْهِنْدَبَا وَالْجِرْجِيرِ وَمَا يَبْقَى سِنِينَ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَحَكَى مَعَ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(فَرْعٌ)
ظَهَرَ لَكَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَقْسَامَ فِيمَا لَا يُؤْخَذُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى أَرْبَعَةٌ (الْأَوَّلُ) أَصْلٌ لَهُ ثَمَرَةٌ بَعْدَ ثَمَرَةٍ وأصله يبقى سنين في الارض (الثاني) أَصْلٌ لَهُ ثَمَرَةٌ بَعْدَ ثَمَرَةٍ يَبْقَى عَامًا وَاحِدًا (الثَّالِثُ) أَصْلٌ
لَهُ ثَمَرَةٌ لَكِنَّهُ يُجَذُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَيَبْقَى أَصْلُهُ سِنِينَ فِي الْأَرْضِ (الرَّابِعُ) أَصْلٌ يُجَذُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقَلْتُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ الْخِلَافِ يَأْتِي فِيهِ إذْ لافرق بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَبِذَلِكَ تُعْرَفُ مَرَاتِبُ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَالْبَنَفْسَجُ وَالنَّرْجِسُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالْبِطِّيخُ وَالْقِثَّاءُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَالنُّعْنُعُ وَالْهُنْدَبَا وَالرَّطْبَةُ مِنْهُ مَا يَبْقَى سِنِينَ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَمِنْهُ مَا يَبْقَى سَنَةً وَاحِدَةً كَقُرْطِ بِلَادِنَا وَكَثِيرٍ مِنْ بُقُولِهَا فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) الْمَوْزُ أَصْلُهُ لَا يَحْمِلُ إلَّا سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَكَانَهُ فَرْخًا يَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا شَجَرُ مَوْزٍ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ ثَمَرٌ يَكُونُ الثَّمَرُ لِلْبَائِعِ فَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْكَلَامُ هَهُنَا فِي أن أصل الموزنفسه هَلْ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ كَمَا يَدْخُلُ الشجر أولا وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ عَدَّهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْأُصُولَ تُدْرَجُ عَلَى أَصَحِّ الطُّرُقِ كَالشَّجَرِ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ اسْمَ الشَّجَرِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْأَصْلَ الْمَوْجُودَ وَقْتَ العقد لايدخل فِي الْبَيْعِ كَالزَّرْعِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ سَنَةٍ وَالْفَرْخُ الَّذِي يُسْتَخْلَفُ كَالشَّجَرِ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ (قُلْتُ) وَقَوْلُهُ إنَّ الْفَرْخَ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ إنْ فُرِضَ فِي فَرْخٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ فَلَا مَعْنَى لِتَشْبِيهِهِ بِالشَّجَرِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ دَخَلَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ بَلْ ذَلِكَ كَسَائِرِ مَا يَحْدُثُ يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِحُكْمِ الدُّخُولِ فِي الْعَقْدِ وَإِنْ فُرِضَ فِي فَرْخٍ يَكُونُ حَاصِلًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ يقال ينبغي على قوله أن لايدخل لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَرَةٍ وَاحِدَةٍ كَالزَّرْعِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بَعْدَ ذِكْرِ بَيْعِ الْأَرْضِ وَفِيهَا الْقَصَبُ إذَا بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا مَوْزٌ قَدْ خَرَجَ فَلَهُ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَوْزِ قَبْلَ بَيْعِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَا خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ الشَّجَرِ الَّذِي تَحْتَ الْمَوْزِ وَذَلِكَ أَنَّ شَجَرَ الْمَوْزِ عِنْدَنَا يَحْمِلُ مَرَّةً وَيَنْبُتُ إلَى جَنْبِهَا أَرْبَعٌ فَيُقْطَعُ وَيَخْرُجُ فِي الَّذِي حَوْلَهَا وَهَذَا الْكَلَامُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ ثَمَرَ الْمَوْزِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ لِلْبَائِعِ وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا صَحِيحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا لِمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فَإِنْ سَأَلْتَ عَنْ حُكْمِ الشَّجَرَةِ نَفْسِهَا عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ
يَكُونَ مُرَادُهُ بِهِ الشَّجَرَةَ نَفْسَهَا وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنْهَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ وَمَا نَبَتَ مِنْ فِرَاخِهَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي فَيُوَافِقُ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدِي هَذَا الِاحْتِمَالُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفَرْخَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي لِقَوْلِهِ إنَّ مَا خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى لَيْسَ لِلْبَائِعِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الْفَرْخَ فَذَاكَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ ثَمَرَتَهُ فَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الثَّمَرَةِ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ لَهُ وهذا لاشك فِيهِ فِي أَنَّ الْفَرْخَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ
أَصْلَ شَجَرِ الْمَوْزِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي الْأَرْضِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا لِأَنَّ الْفَرْخَ الَّذِي حكمنا بكونه للمشترى يثبت مِنْهُ (وَأَمَّا) الْفَرْخُ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُهُمَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ فَلَهُ مَا خَرَجَ مِنْ الْمَوْزِ قَبْلَ بَيْعِهِ إنْ كَانَ مُرَادُهُ الثَّمَرَةَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ الشَّجَرَةَ نَفْسَهَا فَيَشْمَلُ الْأُمَّ وَفِرَاخَهَا وكلام الجوزي يَشْهَدُ لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَعْرِضِ نَقْلِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ بَاعَهُ أَرْضًا وَفِيهَا موز للبائع ما خرج من الموز وليس له مايخرج بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا مَا لَا تُخْرِجُ أَوْلَادُهُ الَّتِي إلَى جَنْبِهِ فَقَوْلُهُ وَلَا مَا تُخْرِجُ أَوْلَادُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الثَّمَرَةِ فان الحقنا ذلك بالرطبة اقتضى أن لايدخل شئ بما ظَهَرَ فِي الْبَيْعِ لَا الْأُمُّ وَلَا فِرَاخُهَا كَمَا ذَلِكَ مُقْتَضَى هَذَا الِاحْتِمَالِ وَلِذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ جَزْمًا كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ وَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِالشَّجَرِ اقْتَضَى دُخُولَهُمَا وَقَدْ يُقَالُ تَلْحَقُ الْأُمُّ بِالرَّطْبَةِ لِقُرْبِ قَطْعِهَا وَأَمَّا الْفَرْخُ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بَقَاؤُهُ حَتَّى تُقْطَعَ الْأُمُّ وَيَكْبُرَ وَتَحْدُثَ ثَمَرَتُهُ بَعْدَ ذلك فكذلك يقول ان الفرخ يدخل لشبه بِالشَّجَرِ فِي كَوْنِهِ مَقْصُودَ الْبَقَاءِ وَالْأُمُّ لَا تَدْخُلُ كَمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ فَنَظَرْتُ في هذه الاحتمالات الثلاث أيها أرجح فوجنت أَرْجَحَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ الْأُمُّ وَالْفِرَاخُ كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ فَإِنَّ الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَالِ الْمَوْزِ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ مَعْرِفَةٌ يُخَالِفُ حَالَ الرَّطْبَةِ فَإِنَّ شَجَرَةَ الْمَوْزِ يَنْبُتُ إلَى جَانِبِهَا مِنْ أَصْلِهَا فِرَاخٌ فَإِذَا تَكَامَلَ حَمْلُ الشَّجَرَةِ الْأَصْلِيَّةِ قُطِعَ عُرْجُونُ الْمَوْزِ مع شئ مِنْ رَأْسِ الشَّجَرَةِ وَيَبْقَى بَقِيَّتُهَا لِأَجْلِ تَرْبِيَةِ الْفَرْخِ وَإِنَّهُ مَتَى قُطِعَتْ كُلُّهَا يَمُوتُ الْفَرْخُ فَتُبْقَى لِأَجَلِهِ حَتَّى يَتَكَامَلَ الْفَرْخُ وَتَجِفَّ هِيَ وَتَتَسَاقَطَ بِنَفْسِهَا إلَى الْأَرْضِ فَيَخْلُفَهَا ذَلِكَ الْفَرْخُ ويطرح الموز وهكذا على الترتيب لابد من بقاء الام لتربية أولادها ولا يبقون من أولادها الا واحدا وَيُقْطَعُ الْبَاقِي لِئَلَّا يَضُرَّ بِأُمِّهِ وَيَشْرَبَ مَاءَهَا.
فإذا علمت
أَنَّ شَجَرَةَ الْمَوْزِ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهَا مِنْ أَصْلِهَا لِإِفْسَادِ فَرْخِهَا وَأَنَّ فَرْخَهَا لَا يُنْتِجُ بِدُونِهَا ظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّطْبَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قُلْنَا لِلْبَائِعِ أَنْ يَقْطَعَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمَوْزِ وَيُبْقِي الْجَذْرَ فِي الْأَرْضِ وحده لم ينبت بعد ذلك منه شئ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بعدم دخولها في البيع لذلك لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي الْأُمِّ وَدُخُولِ الْفَرْخِ لِأَنَّهُ كَأَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ قَطْعُ الام فيتلف الفرخ فلا بدمن إبْقَائِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْفَرْخِ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا حَدَثَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعَقْدِ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَارَةِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْفَرْخَ يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ سَنَةً بَلْ تَارَةً تَكُونُ إقَامَتُهُ شَهْرَيْنِ وَتَارَةً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلَعَلَّ مُرَادَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالسَّنَةِ الْمُدَّةُ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا كَمَا يُقَالُ سنة الزرع وان كان لايراد حود كَامِلٌ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَوْزَ نَوْعٌ غَرِيبٌ لَمْ يَشْمَلْهُ التَّقْسِيمُ لِأَنَّ لَهُ أَصْلًا ثَابِتًا ولا يحمل الامرة ويستمر جذره في الارض سنين ولايجذ كَالرَّطْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ جَزَرٌ أَوْ سِلْقٌ أَوْ ثُومٌ أَوْ فجل أو بصل قال صاحب التهذيب لايدخل شئ مِنْهَا فِي بَيْعِ الْأَرْضِ يَعْنِي وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ التَّقْسِيمِ الَّذِي سَيَأْتِي وَهُوَ الزَّرْعُ الذي لا يحمل الامرة وَكَذَلِكَ الرَّافِعِيُّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْبَصَلَ وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا جَزَرٌ أَوْ فُجْلٌ بِجَزَرِهَا وَفُجْلِهَا نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْإِفْصَاحِ وَجْهَيْنِ (أَحَدِهِمَا) لَا يَجُوزُ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ تَبَعًا.
(فَرْعٌ) هَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ كُلُّهَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْبَيْعَ أَمَّا لَوْ بَاعَ الْأَرْضَ وَشَرَطَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي مَا يَحْصُدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْبُقُولِ فَلِلْمُشْتَرِي الْفُرُوعُ وَالْعُرُوقُ قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ حَيْثُ يَقُولُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لايدخل مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَبَيْنَ الشَّجَرِ بِأَنَّ هَذِهِ لاتراد لِلدَّوَامِ وَهِيَ نَمَاءٌ ظَاهِرٌ فَصَارَتْ كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَالشَّجَرَةُ تُرَادُ لِلدَّوَامِ فَاسْتَوَى فَرْعُهَا وَأَصْلُهَا وَصَارَ الْجَمِيعُ لِلْمُشْتَرِي (الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَوَّلًا ما لا يحمل الامرة كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْبَاقِلَا وَالْكَتَّانَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالشَّرْطِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالطَّلْعُ الْمُؤَبَّرُ الَّذِي جَعَلَهُ مَقِيسًا عَلَيْهِ ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ (مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) 1 وَقَوْلُهُ نَمَاءٌ ظَاهِرٌ احْتِرَازٌ مِنْ الطلع الذي لم يؤبر (وقوله) لايراد لِلْبَقَاءِ احْتِرَازٌ مِنْ الْغِرَاسِ إذَا قُلْنَا يَدْخُلُ في بيع الارض على ظاهر المذهب
وَالرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ (فَإِنْ قِيلَ) الثَّمَرَةُ قبل التأبير مستبقاة لكامل المنفعة لم تجنى وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيْعِ فَهَلَّا كَانَ الزَّرْعُ مِثْلَهَا (قِيلَ) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَرَةَ حَادِثَةٌ مِنْ خِلْقَةِ الْأَصْلِ الْمَبِيعِ وَالزَّرْعُ مُسْتَوْدَعٌ فِي الْأَرْضِ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَرْضَ يَدْخُلُ فِيهَا الْمَعْدِنُ لِأَنَّهُ خِلْقَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الرِّكَازُ لِأَنَّهُ مُسْتَوْدَعٌ فِيهَا
- وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْجَمَةَ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ تَشْمَلُ الموز لانه نبات لا يحمل الامرة وَاحِدَةً لَكِنْ لَا قَائِلَ بِأَنَّ جَذْرَهُ الثَّابِتَ في الارض لايدخل بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ بِهَذَا الْقِسْمِ مالا يحمل الامرة ولس لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ الْمَوْزُ فَإِنَّ لَهُ أَصْلًا ثَابِتًا مِنْهُ تَنْبُتُ الْفِرَاخُ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي القسيم الْحَاضِرِ النَّبَاتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ ثابت في الارض أولا فَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَحْمِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالْمَوْزِ أَوْ مَرَّاتٍ فَأَمَّا فِي عَامٍ وَاحِدٍ كَالْبِطِّيخِ أَوْ فِي أَكْثَرَ كَالرَّطْبَةِ وَسَائِرِ مَا يجذ ويثمر مرات والذي لابقاء لاصله هو الزرع كالحنطة وَالشَّعِيرُ وَشِبْهُهُمَا أَوْ نَقُولُ النَّابِتُ إمَّا أَنْ يُثْمِرَ وَيُجَذَّ مَرَّاتٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَالْأَوَّلُ إمَّا فِي عَامٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَعْوَامٍ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَبْقَى أَصْلُهُ كَالْمَوْزِ أَوْ لا يبقى كالحنطة والشعير..قال المصنف رحمه الله.
(وفي بيع الارض طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ لانها في يد البائع إلى إلى ان يحصد الزرع فكان في بيعها قولان كالارض المستأجرة ومنهم من قال يصح بيع الارض قولا واحدا لان المبيع في يد المشترى وانما يدخل البئع للسقي أو الحصاد فجاز بيعه قولا واحدا كالامة المزوجة) . (الشَّرْحُ) الطَّرِيقَانِ مَشْهُورَانِ وَالْأُولَى مَنْسُوبَةٌ إلَى أَبِي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ الَّتِي صَحَّحَهَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَاسُوهَا عَلَى بَيْعِ الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ وَعَلَى بَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجَرِ حَائِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ فَكَانَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا بَطَلَ الْبَيْعُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ زَوَّجَهَا ثُمَّ بَاعَهَا صَحَّ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْأَصْحَابَ فَرَّقُوا بِفَرْقَيْنِ آخَرَيْنِ لَا يتصحان لَمْ نَذْكُرْهُمَا وَرَدَّ الْجُمْهُورُ طَرِيقَةَ التَّخْرِيجِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَعْنَى تِلْكَ الصُّورَةِ لَوَجَبَ الْقَطْعُ بِالْفَسَادِ لِأَنَّ مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ مَجْهُولَةٌ أَلَا تَرَى أَنْ بَيْعَ الدَّارِ الَّتِي اسْتَحَقَّتْ الْمُعْتَدَّةُ سُكْنَاهَا إذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ مَعْلُومَةً كَالْأَشْهُرِ فِيهَا قَوْلَانِ وَإِذَا كَانَتْ مَجْهُولَةً كَالْحَمْلِ وَالْإِقْرَاءِ بَطَلَ قَوْلًا وَاحِدًا وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ سُؤَالًا قَدْ يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى هَذَا وهو أن لابي إسحق
أَنْ يَقُولَ مُدَّةُ الزَّرْعِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ يَقِينًا فَالْعُرْفُ الْغَالِبُ يَضْبِطُهَا فَإِنْ فُرِضَ مُخَالِفٌ فَنَادِرٌ وَزَمَنُهُ يَسِيرٌ مُغْتَفَرٌ وَالْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ لَيْسَ لِمَا ذُكِرَ بَلْ لِأَنَّهَا قَدْ تَمُوتُ فَتَكُونُ الْمَنْفَعَةُ عَائِدَةً لِلْمُشْتَرِي وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى طَرِيقَةٍ قَاطِعَةٍ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَتْ عِدَّتُهَا بِالْأَشْهُرِ وَهَذَا السُّؤَالُ مُنْدَفِعٌ بِمَنْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ فِي الْأَقْرَاءِ وَالْحَمْلِ فانه لا يصح بيع الدار التي اسحتقت سُكْنَاهَا لِلْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ تَضْبِطُهَا فَلَمَّا لَمْ يُغْتَفَرْ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَا يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ الزَّرْعِ (وَقَوْلُهُ) إنَّ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ لَيْسَ لِمَا ذُكِرَ إلَى آخِرِهِ لَا يَحْسُنُ فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هو في القطع بالفساد ولايجوز أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ وَإِلَّا لَقَطَعْنَا بِالْفَسَادِ فِي دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ فمستند القطع بالفساد في دار المعتدة الاقراء وَالْحَمْلِ وَعَدَمِ إجْرَاءِ الْخِلَافِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الجهالة (أما) قَوْلُهُ إنَّ الْمَنَافِعَ تَكُونُ عَائِدَةً لِلْمُشْتَرِي فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ فِي تَوْجِيهِ الطَّرِيقَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّ مَنْفَعَةَ الدَّارِ الْمُعْتَدِّ فِيهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَتْ كَانَتْ مَنَافِعُهَا لِلزَّوْجِ فَيَكُونُ إذَا بَاعَهَا كَمَنْ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَالظَّاهِرُ فِيهِ الْبُطْلَانُ وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ إذَا صَحَّحْنَا بَيْعَهَا أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ بَاقِيَةً عَلَى مِلْكِ الزَّوْجِ إنْ كَانَ مُطَلِّقًا أَوْ وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا فَإِذَا مَاتَتْ الْمُعْتَدَّةُ بَقِيَتْ مَنَافِعُ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ مِنْ الْأَشْهُرِ عَلَى الزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ وَلَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي وَإِنَّمَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي لَوْ نَزَّلْنَا اسْتِحْقَاقَ الْمُعْتَدَّةِ مَنْزِلَةَ اسْتِحْقَاقِ الْمُسْتَأْجِرِ فحينئذ يجئ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إذَا عَرَضَ مَا يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ هَلْ تَكُونُ مَنْفَعَةُ بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ فِيهِ وَجْهَانِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَإِنْ قُلْتَ) إلْحَاقُ بَيْعِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ بِالدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ غَيْرُ مُتَّجَهٍ لِإِمْكَانِ الِاشْتِغَالِ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ عَقِيبَ الْعَقْدِ وَوُجُوبُ ذَلِكَ فَالْمَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُشْتَرِي فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ وَإِلْحَاقُهَا بِالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَيْضًا غَيْرُ مُتَّجَهٍ لان الامة المزوجة يمكن تسليما الْآنَ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ فَإِنَّ التَّخْلِيَةَ التَّامَّةَ مَعَ وُجُوبِ إبْقَاءِ الزَّرْعِ غير حاصلة فوجب اما القطع بالبطلان الحاقا بِدَارِ الْمُعْتَدَّةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَإِمَّا إجْرَاءُ الْخِلَافِ إلْحَاقًا بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ (قُلْتُ) شَرْطُ إلْحَاقِ مَسْأَلَةٍ بِأُخْرَى اشْتِرَاكُهُمَا فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِ الْفَارِقِ وَلَا يَكْفِي الِاشْتِرَاكُ فِيمَا لَيْسَ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِي الاصل ولاشك أَنَّ بَيْنَ الْمَسَائِلِ الْخَمْسِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا مِنْ جِهَةِ عَدَمِ حُصُولِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُشْتَرِي عَقِيبَ العقد ولما
اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ دَلَّ على أن ذلك غير مقتضى لِإِبْطَالِ الْبَيْعِ وَأَنْ مَأْخَذَ الْبُطْلَانِ لَيْسَ هُوَ عَدَمَ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُشْتَرِي بَلْ عَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْعَيْنِ لِثُبُوتِ يَدِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَأْجِرِ الحائلتين بين المشترى وبينها وأما الارض المرزوعة وَالدَّارُ الْمَشْحُونَةُ وَالْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ فَثَلَاثَتُهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي انه لايد حَائِلَةٌ فَالْمُقْتَضِي لِلْبُطْلَانِ إذًا أُجْرِيَ فِيهِ لِعَدَمِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ وَالْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ لَهَا شَبَهٌ مِنْ كُلٍّ مِنْ الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ وَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ تُشْبِهُ الدَّارَ الْمَشْحُونَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَمَدًا يُنْتَظَرُ وَيَفْتَرِقَانِ فِي الِاشْتِغَالِ بِالتَّسْلِيمِ عَقِيبَ الْبَيْعِ فِي الدَّارِ دُونَ الْأَرْضِ وَتُشْبِهُ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ فِي أَنْ كُلًّا مِنْهُمَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ اسْتِيفَاءُ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا يَجِبُ إزَالَتُهَا عَقِيبَ الْعَقْدِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الزَّرْعَ لَهُ غَايَةٌ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ قِيَاسُهَا عَلَيْهَا وَقِيَاسُهَا عَلَى الْأَمَةِ أَرْجَحُ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ مَنْفَعَةَ الدَّارِ فِي مُدَّةِ التَّفْرِيغِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُشْتَرِي وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ تَفْرِيغُهَا فَلَمْ يَكُنْ الْمَبِيعُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْأَرْضِ المزوعة فان منفعتها غَيْرُ مُسْتَحَقَّتَيْنِ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَائِهِمَا وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا حَكَى فِي صِحَّةِ بَيْعِ الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ خِلَافًا وَذَكَرُوا الطَّرِيقِينَ فِي الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ قال الامام ولاشك أن القياس يقتضى التسوية بينهما اذلا فَرْقَ وَيُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ وَحَكَى الْإِمَامُ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ الدَّارَ مَشْحُونَةٌ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُهُ أَمَّا الْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ جَزْمًا عِنْدَ الْجَهْلِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّ تَسْلِيمَهَا يُمْكِنُ أَمْ لَا لِعَدَمِ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْبَائِعُ قَلْعَ الزَّرْعِ وَيَكُونُ غَيْرَ ضَارٍّ بِالْأَرْضِ فَلَا خِيَارَ كَمَا سَيَأْتِي الْوَجْهُ الَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ وَأَنَّ الغاصب فِي الْعَادَةِ اشْتِمَالُ الدَّارِ عَلَى أَمْتِعَةٍ ثُمَّ إنَّهَا تُفَرَّغُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّفْرِيعُ) بَائِعُ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ إذَا خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يَحْكُمُ بِصَيْرُورَتِهَا فِي يَدِهِ فِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
لَا لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ بِمِلْكِ الْبَائِعِ كَالدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ (وَأَصَحُّهُمَا) عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ نَعَمْ لِحُصُولِ التَّسْلِيمِ فِي الرَّقَبَةِ وَهِيَ الْمَبِيعَةُ وَأَمَّا الدَّارُ الْمَشْحُونَةُ فَالتَّسْلِيمُ فِيهَا مُتَأَتٍّ فِي الْحَالِ فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوَ إلَى التَّخْلِيَةِ قَبْلَهُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ أَوْرَدَ فيها وجهان أَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ
وَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ وَادَّعَى أَنَّ ظاهر المذهب ثبوت اليد فيهما وَحَكَاهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَيْضًا وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي البسيط وجهان ان اليد ثثبت فِي الدَّارِ وَلَا تَثْبُتُ فِي الْأَرْضِ فَيَجْتَمِعُ مِنْ نَقْلِهِ وَنَقْلِ الْإِمَامِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْكِيِّ فِي الْبَسِيطِ أَنَّ التشاغل بالتفريغ ممكن فنزل الممكن الذي لاعسر فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّسْلِيمُ هُوَ أَبُو إسحق الْمَرْوَزِيُّ فَلَا يَصِحُّ إبْطَالُ مَذْهَبِهِ يَعْنِي فِي الْبَيْعِ إلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْقَبْضِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي صِحَّةِ تَسْلِيمِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ يُؤْخَذَانِ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي تعليل الطريقة الاولى أنه فِي يَدِ الْبَائِعِ وَفِي تَعْلِيلِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ يَقُولُ الْفَقِيهُ هَذَانِ التَّعْلِيلَانِ مُتَصَادِمَانِ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ إذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ زِيَادَةٌ كَمَا في هذه السورة فَإِنَّ فِي تَعْلِيلِ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ مَا يُنَبِّهُ عَلَى دَفْعِ خَيَالِ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُوَ الْعَيْنُ وَالْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَدُخُولُ الْبَائِعِ لِأَجْلِ السَّقْيِ وَالْحَصَادِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ بالزرع خاصة لايمنع ثُبُوتَ الْيَدِ عَلَى الْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) من قال بصحة تسليمها مزروعة لاشك أَنَّهُ يَقُولُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ بِتَخْرِيجِهَا عَلَى الْعَيْنِ المستأجرة كما قال أبو إسحق وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْزِمَ بِالصِّحَّةِ وَيُفَرَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ عَلَيْهَا يَدٌ حَائِلَةٌ والارض المزورعة فِي يَدِ بَائِعِهَا لَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الزَّرْعُ لِغَيْرِ الْبَائِعِ وَهُوَ مُسْتَحَقُّ الْإِبْقَاءِ فَيُسَاوِي يَدَ الْإِجَارَةِ.
(فَرْعٌ)
لَوْ انْقَلَعَ الزَّرْعُ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِحَاجَةٍ أَوْ جَذَّهُ الْبَائِعُ قَبْلَ وَقْتِ حَصَادِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ الْأَرْضِ مَا بَقِيَ مُدَّةَ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يستحق من الارض ما كان صلاحا لِذَلِكَ الزَّرْعِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا لَوْ جُذَّ قَبْلَ حَصَادِهِ قَوِيَ أَصْلُهُ وَاسْتَخْلَفَ وَفَرَّخَ كَالدُّخْنِ
فَجَذَّهُ قَبْلَ حَصَادِهِ كَانَ لَهُ اسْتِبْقَاءُ الْأَصْلِ الْبَاقِي إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الزَّرْعِ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ مَا اسْتَخْلَفَ فرخ بَعْدَ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ الزَّرْعِ وَعَلَى الْبَائِعِ قَلْعُهُ وَلَا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي كَمَا يَمْلِكُ أَصْلَ الْقَتِّ الَّذِي يُجَذُّ مَرَّةً لِأَنَّ الْقَتَّ أَصْلٌ ثَابِتٌ وَالزَّرْعَ فَرْعٌ زَائِلٌ وَاسْتِخْلَافُ بَعْضِهِ نَادِرٌ
قَالَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الرَّافِعِيُّ كل زرع لايدخل في البيع لايدخل وان قال بعث الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا يُحْكَى ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَرَأَيْتُهُ لِمَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ فِي الْمُسْتَعْمَلِ أَيْضًا (قُلْتُ) وَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ فِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِمَزَارِعِهَا دَخَلَتْ الْمَزَارِعُ وَإِنْ قَالَ بِحُقُوقِهَا لَمْ تَدْخُلْ الْمَزَارِعُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَأَمَّا) فِي الْأَرْضِ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِيهَا.
(فَرْعٌ)
عِنْدَنَا لَا يُؤْمَرُ الْبَائِعُ بقطع الزرع الذي لَهُ إبْقَاؤُهُ إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعِنْدَهُ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُشْتَرِي فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الْقَطْعَ وَعِنْدَنَا هِيَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْبَائِعِ فَلِذَلِكَ لَمْ نُوجِبْهُ وَأَوْجَبْنَا الْإِبْقَاءَ وعند وقت الحصاد يؤمر بالقطع والتفريغ ويحبر البائع عليه وعليه تسوية الارض وعليه قلع الْعُرُوقِ الَّتِي يَضُرُّ بَقَاؤُهَا بِالْأَرْضِ كَعُرُوقِ الذُّرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا إذَا كَانَ فِي الدَّارِ المبيعة أمتعة لايستع لَهَا بَابُ الدَّارِ يُنْقَضُ وَعَلَى الْبَائِعِ ضَمَانُهُ هكذا ذَكَرُوهُ وَجَزَمُوا بِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ وَسَيَأْتِي فِيهِ وَجْهٌ مَذْكُورٌ فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَقِيَاسُهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا (وَأَمَّا) ضَمَانُ النُّقْصَانِ فِي بَابِ الدَّارِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي مَوْضِعِ الْحِجَارَةِ إنْ أَمْكَنَ تَقْوِيمُ مَا نقص من قمية مَا انْهَدَمَ لَزِمَ الْبَائِعَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ حَلْقَةِ الْبَابِ وَقَالَ هُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهُ بِنَاؤُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ.
(فَرْعٌ)
لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي جَاهِلًا بِالزَّرْعِ بِأَنْ كَانَ رَأَى الْأَرْضَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَبِهَا زَرْعٌ وَلَمْ يَرَهَا حِينَ الْعَقْدِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الزَّرْعَ عَيْبٌ يَمْنَعُ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ أَقَرَّ فَلِلْبَائِعِ تَرْكُ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ إلَى وَقْتِ حَصَادِهِ كَمَا نَقُولُهُ فِي الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى فلو رضى البائع بتسليم الزرع فَلَا خِيَارَ لَهُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَطْرَأْ مَا يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الزَّرْعِ عَنْ وَقْتِ الْحَصَادِ الْمُعْتَادِ وَلَوْ طَرَأَ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَفِيهِ كَلَامٌ أَذْكُرُهُ قَرِيبًا فِي فَرْعِ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ.
(فَرْعٌ) فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا فَلَا أُجْرَةَ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَوَجْهَانِ عَنْ رِوَايَةِ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُعْظَمُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ وَتَقَعُ تِلْكَ الْمُدَّةُ مُسْتَثْنَاةً كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا مَشْحُونَةً بِأَقْمِشَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي الْأُجْرَةَ لِمُدَّةِ التَّفْرِيغِ وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَخِلَافُهُ (والاظهر) عند الغزالي والجرجاني والوجوب وجعل الامام محل الخلاف فِيمَا إذَا كَانَ جَاهِلًا قَالَ الرُّويَانِيُّ إنَّمَا تجب الاجرة إذا زرعها بقعد الْإِجَارَةِ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَهُنَا لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ثُمَّ هَهُنَا كَلَامَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ هذا الخلاف هل محله إذا كتفينا بالتخيلة وجعلناها قبضا أراد الم نَكْتَفِ بِهَا أَوْ هُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ قَالَ ولاشبه أَنْ يُقَالَ إنْ اكْتَفَيْنَا بِهَا فَالْخِلَافُ مُتَوَجِّهٌ وَإِنْ لَمْ نَكْتَفِ بِهَا (فَإِنْ قُلْنَا) الْأُجْرَةُ لَا تَجِبُ أَوْ اكْتَفَيْنَا بِالتَّخْلِيَةِ فَهَهُنَا أَوْلَى (وَإِنْ قُلْنَا) تَجِبُ فَهَهُنَا وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ إذَا انْتَفَعَ بِالْمَبِيعِ قَبْلَ إقْبَاضِهِ هَلْ تَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ أَمْ لَا وَفِيهِ خِلَافٌ (فَإِنْ قُلْنَا) لَا لَمْ تَجِبْ هُنَا (وَإِنْ قُلْنَا) نَعَمْ وَجَبَتْ وَلَا نَنْظُرُ إلَى أَنَّهُ ثَمَّ مُتَعَدٍّ وَلَا تَعَدِّيَ مِنْهُ هَهُنَا لِأَنَّ بَابَ الضَّمَانِ لَا يَخْتَلِفُ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّهُ لَوْلَا تَعْلِيلُ الْإِمَامِ يَعْنِي تَعْلِيلَهُ وَجْهَ عدم إيجاب الاجرة بقدرة المشترى عل الْفَسْخِ لَوْلَا هَذَا التَّعْلِيلُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ الوجهان في الرجوع بالاجرة إنما هو قبل التخيلة أَوْ بَعْدَهَا وَقُلْنَا إنَّهَا لَا تَكْفِي وَيَكُونَانِ مبنبين عَلَى جِنَايَةِ الْبَائِعِ فَإِنْ قُلْنَا كَالْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَ الْأُجْرَةَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ الْإِمَامُ وَلِلْخِلَافِ نَظَائِرُ فِي الْحِجَارَةِ (قُلْتُ) وَالْأَشْبَهَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ مُطْلَقٌ فِيمَا إذَا اكْتَفَيْنَا بِالتَّخْلِيَةِ وَفِيمَا إذَا لَمْ نَكْتَفِ بِهَا وَمَأْخَذُهُ أَنَّ تَفْوِيتَ الْمَنَافِعِ هَلْ هُوَ كَالْعَيْبِ أَمْ لَا بَلْ الْمَنَافِعُ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الْمَبِيعِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ تَعْلِيلُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَجْهَ الْوُجُوبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (فَإِنْ قُلْنَا) بِالثَّانِي ضَمِنَا مطلقا ولا أثر للاجازة فِي إسْقَاطِهَا وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أن نقول يكتفي بالتخلية أولا وَهَذَا يُوَافِقُ الْوَجْهُ الَّذِي يَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ بِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ جعلنا تفويت المنافع بمنزلة التعبيب اكْتَفَتْ عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْبَائِعِ عَلَى الْمَبِيعِ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ أَوْ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ (إنْ قُلْنَا) كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَهَا مُطْلَقًا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا اكْتَفَيْنَا بِالتَّخْلِيَةِ وَجَعَلْنَاهَا قَبْضًا أَوْ إذَا لَمْ نكتف به أَوْ هُوَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ لَمْ تَلْزَمْهُ الْأُجْرَةُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ فَإِنْ لَمْ نَكْتَفِ بِهَا فَكَذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَا يُوجِبُ
الْأُجْرَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ مُطْلَقًا وَإِنْ اكْتَفَيْنَا بِالتَّخْلِيَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّ الزَّرْعَ الَّذِي هُوَ عَيْبٌ حَاصِلٌ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ أَيْضًا لِأَنَّهُ بِالْإِجَارَةِ رَضِيَ بِذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ له أجرة كما ورضى بِالْعَيْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ فَقَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ جَارٍ مُطْلَقًا إمَّا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ أَوْ بَعْدَهَا إذَا لَمْ يُكْتَفَ بِهَا فَمَأْخَذُ الْوُجُوبِ أَمْرَانِ
(أَحَدُهُمَا)
إلْحَاقُ الْبَائِعِ بِالْأَجْنَبِيِّ (وَالثَّانِي) أَنَّ الْمَنَافِعَ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ الْمَقْصُودِ فَلَيْسَ تَفْوِيتُهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ وَمَأْخَذُ عَدَمِ الْوُجُوبِ جَعْلَهَا عَيْبًا وَإِلْحَاقُ تَعْيِيبِ الْبَائِعِ بِالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ (وَأَمَّا) بَعْدَ التَّخْلِيَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِهَا فَمَأْخَذُ الْوُجُوبُ أَنَّ الْمَنَافِعَ مُتَمَيِّزَةٌ غَيْرَ مَعْقُودٍ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ إلْحَاقُ الْبَائِعِ بِالْأَجْنَبِيِّ وَمَأْخَذُ الْإِسْقَاطِ جَعْلُ تَعْيِيبِ الْبَائِعِ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ فَإِذَا أَجَازَ الْمُشْتَرِي سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْعَيْبِ كَذَلِكَ هُنَا إذَا أَجَازَ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ سَبَبَهُ مُتَقَدِّمٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ (فَإِنْ قُلْتَ) مُقْتَضَى مَا ذَكَرْتُ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ عَدَمَ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ لِأَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ جِنَايَةَ الْبَائِعِ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ وَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ يَخْرُجُ عَلَى جِنَايَتِهِ إنْ جَعَلْنَاهَا كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ لَمْ تَجِبْ وَإِلَّا وَجَبَتْ فَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الاصح في مسألتنا أنه لا يجب الاجرة لافي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ وَلَا فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُهَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَعَدَمُ وُجُوبِهَا قَبْلَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَهُمَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَيْضًا (قُلْتُ) أَمَّا الْغَزَالِيُّ فَإِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ جِنَايَةَ الْبَائِعِ كَالْأَجْنَبِيِّ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ تَصْحِيحُهُ هُنَا الْوُجُوبَ فَإِنَّ ذَلِكَ مُوَافِقٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْأَكْثَرِينَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ (وَأَمَّا) مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِجَارَةِ مِنْ تَصْحِيحِ الْوُجُوبِ بَعْدَ الْقَبْضِ دُونَ مَا قَبْلَهُ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنَّهُ هُنَا إذَا رَضِيَ بِالزَّرْعِ يَلْزَمُهُ إبْقَاؤُهُ إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ فَالرِّضَا بِالزَّرْعِ رِضًا بِالْإِبْقَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ وَكَذَلِكَ لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ (وَأَمَّا) الْحِجَارَةُ فَإِنَّهُ إذَا رَضِيَ بِهَا لَا يَلْزَمُهُ إبْقَاؤُهَا بَلْ يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَلْعِهَا لَكِنْ لَكَ أَنْ تَقُولَ إنَّ مُدَّةَ الْقَلْعِ أَيْضًا قَدْ رَضِيَ بِهَا كَمَا أَنْ مُدَّةَ قَلْعِ الزَّرْعِ عِنْدَ أَوَانِهِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ رِضَاهُ وَإِنْ كَانَ الْقَلْعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاجِبًا فكان ينبغي أن لا تحب لَهَا أُجْرَةٌ إلَّا إذَا زَادَ وَأَخَّرَ الْبَائِعُ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) مَا حَكَيْتُهُ فِي مَأْخَذِ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ مِنْ أَنَّ الْمَنَافِعَ متميزة
عن المعقود عليه كذلك قاله الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَائِعَ إذَا انْتَفَعَ بِالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ عَلَى أَنَّ جِنَايَتَهُ كجناية الاجنبي أولا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ طَرِيقَةُ التَّخْرِيجِ خَاصَّةً وَمَا ذَكَرُوهُ هَهُنَا يَقْتَضِي طَرِيقَةً أُخْرَى كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْبَائِعِ وَالْكَلَامَ فِيهَا مَحَلُّهُ إذَا وَرَدَ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ مِنْ جُزْءٍ أَوْ صِفَةٍ (أَمَّا) الْمَنَافِعُ فَلِلتَّرَدُّدِ فِي إلْحَاقِهَا بِجُزْءِ المبيع أو صفته مجال ظَاهِرٍ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَكُونُ فِي اسْتِعْمَالِ البائع المبيع طريقان
(أحدهما)
وجوب الاجرة (والثانية) تَخْرِيجُهَا عَلَى جِنَايَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
وَهُوَ الْكَلَامُ الثَّانِي تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَ جَعَلَ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ فِي حَالَةِ الْجَهْلِ (أَمَّا) فِي حَالَةِ الْعِلْمِ فَلَا تَجِبُ قَطْعًا وَكَذَلِكَ تَقَدَّمَ فِي الْخِيَارِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي حَالَةِ الْجَهْلِ (أَمَّا) فِي حَالَةِ الْعِلْمِ فَلَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَطْرَأْ أَمْرٌ يَقْتَضِي تَأَخُّرَ الزَّرْعِ عَنْ وَقْتِ حَصَادِهِ الْمُعْتَادِ فَإِنَّ التَّبْقِيَةَ إنَّمَا وَطَنَ الْمُشْتَرِي نَفْسُهُ عَلَيْهَا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ (أَمَّا) إذَا تَأَخَّرَ عَنْ الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَيَكُونُ إذَا أَجَازَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ الْخِلَافُ السَّالِفُ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ عَيْبًا بِالْمَبِيعِ وَأَقْدَمَ عَلَيْهِ فَلَا خِيَارَ فَلَوْ زَادَ ثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى الْمَشْهُورِ ثُمَّ قَالَ وَاطَلَاقُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْتَضِي تَرْكَهُ إلَى الْحَصَادِ سَوَاءٌ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ أَمْ لَمْ يَتَأَخَّرْ ومراده بالحصاد أول أوقاته لاحقيقة الْحَصَادِ.
(فَرْعٌ)
مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الْإِبْقَاءِ إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ مَحَلُّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ اشْتِرَاطِ التَّبْقِيَةِ إلَيْهِ فَلَوْ شَرَطَ الْبَائِعُ قَلْعَ الزَّرْعِ وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ هُنَا فَفِي وُجُوبُ الْبَقَاءِ بِهَذَا الشَّرْطِ تَرَدُّدٌ حَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ وَوَجْهُ وُجُوبِ الْوَفَاءِ ظَاهِرٌ (وَأَمَّا) وَجْهُ عَدَمِ الْوُجُوبِ 1 (فَرْعٌ)
يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ تَقَدُّمُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ فَإِنَّ مَوْضِعَ مَنَابِتِ الزَّرْعِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ حَالَةَ الْعَقْدِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ قِيلَ فِي الْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ يَكُونَ رَآهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ الْمُتَوَلِّي إذَا أَدْرَكَ الزَّرْعَ فَعَلَيْهِ الْحَصْدُ وَالنَّقْلُ إلَى مَكَان آخَرَ فَإِنْ
أَرَادَ أَنْ يَدْرُسَ الزَّرْعَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ وَيُنَقِّيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِالرِّضَا وَإِنْ كَانَ تَلْحَقُهُ بِالنَّقْلِ إلَى مَكَان مَشَقَّةٌ والله أعلم.
(فَرْعٌ)
إذَا شُرِطَ دُخُولُ الزَّرْعِ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا لَمْ يَبْلُغْ أَوَانَ الْحَصَادِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الزَّرْعِ شَرْطُ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَصَارَ كَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا إذَا بِيعَتْ مَعَ مَحَلِّهَا وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الثِّمَارِ وَفِيهَا بَحْثٌ وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ قَدْ اشْتَدَّ وَاسْتَحْصَدَ فَإِنْ كَانَ مُشَاهَدَ الْحَبِّ كَالشَّعِيرِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشَاهَدٍ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فَفِي بَيْعِهِ مُفْرَدًا قَوْلَانِ فَإِنْ جَوَّزْنَا فَبَيْعُهُ مَعَ الْأَرْضِ أَوْلَى وَإِنْ مَنَعْنَا فَفِي بَيْعِهِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
يَجُوزُ كَأَسَاسِ الْبُنْيَانِ (وَالثَّانِي) لَا لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فَإِذَا بطل ففي بطلانه في الارض قولا واحدا لِلْجَهْلِ بِالْحِصَّةِ مِنْ اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا فِي تَعْلِيلِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
(فَرْعٌ)
إذَا اشْتَرَى أَرْضًا رَآهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَمْ يَرَهَا حِينَ الْبَيْعِ فَوَجَدَ فِيهَا زَرْعًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (تَنْبِيهٌ) مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ بِزَرْعٍ يُحْصَدُ مَرَّةً وَاحِدَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ فَهِيَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهَا أَمَّا الْمَزْرُوعَةُ بِزَرْعٍ يُحْصَدُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْبُقُولِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ قولا واحدا قاله صاحب التتمة وهو اظهر لِأَنَّهَا كَالشَّجَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ لِذَلِكَ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ ذِكْرَ الْمُصَنِّفِ لَهَا بَعْدَ تَقَدُّمِ الْقِسْمَيْنِ مُقْتَضٍ لِشُمُولِ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَائِدَةٌ) قَوْلُهُ حَتَّى يُحْصِدَ يُقَالُ أَحَصَدَ الزَّرْعُ أَيْ بَلَغَ أَوَانَ الْحَصَادِ فَقَالَ ابْنُ دَاوُد فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ فَهُوَ لِلْبَائِعِ حَتَّى يُحْصِدَ بِكَسْرِ الصَّادِ وَقَالَ إنَّهُ أَفْصَحُ وَأَصَحُّ فِي الْمَعْنَى مِنْ فَتْحِهَا لِأَنَّهُ إذا بلغ أو ان الْحَصَادِ جُذَّ 1 عَلَى حَصْدِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ظَاهِرٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا والحكم ببقاء مللك الْبَائِعِ مُسْتَمِرٌّ إلَى وُجُودِ الْحَصَادِ فَيَصِحُّ أَنْ يقال بضم الياء وفتح الصاد ويصح بفنح الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ حِينَ يَحْصُدَ الْبَائِعُ الزَّرْعَ وَلَا يَصِحُّ حَتَّى يُحْصِدَ
بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ هُنَا أَيْ حَتَّى يَبْلُغَ أَوَانَ الحصاد لان يده لاتزول بِذَلِكَ فَالْيَدُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْبَائِعِ إلَى إحْصَادِ الزَّرْعِ وَيَدُ الْبَائِعِ ثَابِتَةٌ إلَى الْحَصَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
.
(وَإِنْ بَاعَ أرضا فيها بذر لم يدخل البذر في البيع لانه مودع في الارض فلم يدخل في بيعها كالركاز فان باع الارض مع البذر ففيه وجهان أحدهما أنه يصح تبعا للارض والثاني لا يصح وهو المذهب لانه لا يجوز بينه منفردا فلم يجز بيعه مع الارض) .
(الشَّرْحُ) فَصَّلَ الْأَصْحَابُ فِي الْبَذْرِ مِثْلَ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي النَّبَاتِ فَقَالُوا الْبَذْرُ الَّذِي لَا تفاوت لنباته ويوجد دفعة واحدة لايدخل في بيع الارض ويبقى إلى أو ان الحصاد وللمشترى الخياران كَانَ جَاهِلًا بِهِ فَإِنْ أَجَازَ أَخَذَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّ النَّقْصَ الَّذِي فِي الْأَرْضِ بِتَرْكِ الزَّرْعِ إلَى الْحَصَادِ لَا يُقَسَّطُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فَإِنْ تَرَكَهُ الْبَائِعُ لَهُ سَقَطَ خِيَارَهُ وَعَلَيْهِ الْقَبُولُ وَلَوْ قَالَ آخُذُهُ وَأُفَرِّغُ الْأَرْضَ سَقَطَ خِيَارُهُ أَيْضًا إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الْأَرْضَ وَإِنْ اشْتَرَاهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِالْبَذْرِ فلا خيار له وعليه ترك إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ وَالْبَذْرُ الَّذِي يَدُومُ نَبَاتُهُ كَنَوَى النَّخْلِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَبَذْرِ الْكُرَّاثِ وَالرَّطْبَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْبُقُولِ حُكْمُهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ بَيْعِ الْأَرْضِ حُكْمُ الْأَشْجَارِ هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ رحمه اللَّهُ وَغَيْرُهُمْ وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْبَذْرَ الَّذِي يدوم حكمه حكم الشجر (فان قلنا) الشجر لايدخل صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ بَذْرِ الزَّرْعِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالَةِ الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ (وَإِنْ قُلْنَا) إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَا خِيَارَ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَلْعُهُ مُضِرًّا بِالْأَرْضِ فَلَا خيار وان كان مصرا أَوْ يَمْضِي فِيهِ مُدَّةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تملك بعد بذلك بيحث يَكُونُ غَرْسُهَا نَقْصًا فِيهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هَذَا إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَأَطْلَقَ أَمَّا إذَا بَاعَ الْأَرْضَ مَعَ الْبَذْرِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَذْرِ الَّذِي حَكَمْنَا بِدُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ كَانَ تَأْكِيدًا وَلَك أَنْ تَقُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ
الْجَارِيَةَ وَحَمْلَهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ البذر الذي لايدخل وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أحدهما)
يصح في تبعا كالحمل وَادَّعَى هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ فَقَالَ لَوْ بَاعَ زَرْعًا مَعَ أَرْضٍ خَرَجَ أولم يَخْرُجْ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ فِي الْبَذْرِ لِلْجَهَالَةِ وَلِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مَعَ الْأَرْضِ كَالرِّكَازِ وَيُخَالِفُ الْحَمْلَ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الام في المطلق وهولاء أَوَّلُوا نَصَّهُ فِي التَّفْلِيسِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ خرج السنبل أولم يَخْرُجْ فَعَلَى هَذَا إذَا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي البذر ففي بطلانه في الارض طريقان (احدهما) أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ
الصَّفْقَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي إيرَادُ الْمَاوَرْدِيُّ تَرْجِيحَهَا وَجَزَمَ بِهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفَارِقِيُّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ عَلَى قَوْلِنَا بِأَنَّهُ يختر بِجَمِيعِ الثَّمَنِ (وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) الْقَطْعُ بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْأَرْضِ وَيَقْتَضِي إيرَادُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ تَرْجِيحَهَا وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الرُّويَانِيِّ وَهِيَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ في أنه يختر بِالْقِسْطِ وَجَعَلَ الرُّويَانِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَجْهَلْ جِنْسَهُ وَصِفَتَهُ فَإِنْ جَهِلَهُمَا لَمْ يَجُزْ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجْرِي مَعَ الْجَهْلِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ فَعِلَّةُ الْخِلَافِ هُنَا مُطْلَقًا عَلَى أَنَّ أَبَا الْفُتُوحِ الْعِجْلِيَّ أَفَادَ أَنْ الْوَجْهَ الْقَائِلَ بِالصِّحَّةِ هَهُنَا وَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ فَيَكُونُ مَحَلُّ الْخِلَافِ تَفْرِيعًا عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ (أَمَّا) عَلَى تَجْوِيزِ بَيْعِ الْغَائِبِ قَالَ فَلَا يَبْعُدُ الْحُكْمُ بصحة البيع (قلت) ولابد فِيهِ مِنْ مُلَاحَظَةِ التَّبَعِيَّةِ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ الْبَذْرَ وَحْدَهُ وَهُوَ مُسْتَتِرٌ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ وَكَذَا بَعْضُ مَنْ أَجَازَهُ وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي بَيْعِ الثِّمَارِ الْمُسْتَتِرَةِ وَالْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْمَنْعَ فيها مفرع عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ (أَمَّا) إذَا جَوَّزْنَاهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَحَمَلَ الرَّافِعِيُّ كَلَامَ الْوَجِيزِ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْفَتَاوَى فِي السُّؤَالِ التاسع والعشرين في بيع السلجم والجرز فِي الْأَرْضِ قَالَ إنَّهُ إنْ قَضَى بِبُطْلَانِ بيع الغائب فلا شك الْبُطْلَانِ وَإِنْ قَضَى بِصِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ اتَّجَهَ ظَاهِرًا إبْطَالُ هَذَا لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يُمْكِنُ الا بتقليب الارض وهو تغير لعين المبيع فيضا هي بَيْعَ الْجِلْدِ قَبْلَ السَّلْخِ لِيُسَلَّمَ بِالسَّلْخِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَعَلَّلَ بِأَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ يُمْكِنُ رَدُّ الْمَبِيعِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ بِصِفَتِهِ وَهَهُنَا لَا يُمْكِنُ وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ إطْلَاقَ المصنف مراده منه البذر الذي لانبات لِأَصْلِهِ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الامام أَطْلَقَ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ وَمُرَادُهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِمَّا يُصْرَمُ فَصَرَمَهُ الْبَائِعُ كَانَ للمشترى اصله ولم يكن للبائع قعله وَلَا قَطْعُهُ وَإِنْ عَجَّلَ الْبَائِعُ فَقَلَعَهُ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهُ لِيَسْتَخْلِفَهُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بَحْثٌ فِي الْغِرَاسِ الَّذِي يَشْتَدُّ وَهُوَ يَعُودُ هَهُنَا فِي الْبَذْرِ الَّذِي وُضِعَ لِذَلِكَ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ الدَّوَامُ فِي مَحَلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَاعَ الْبَذْرَ وحده جزم صاحب التتمة بالبطلان
- قال المصنف رحمه الله.
(إذا باع أصلا وعليه ثمرة للبائع لم يكلف قطع الثمرة إلى أوان الجذاذ فان كان مما يقطع بسرا كالبسر الحيسواني والقرشي لم يكلف قطعه إلى أن يصيرا بسرا وان كان مما لا يقطع الا رطبا لم
يكلف قعطه إلى أن يصير رطبا لان نقل المبيع على حسب العادة ولهذا إذا اشترى بالليل متاعا لم يكلف نقله حتى يصبح وان اشتراه في المطر لم يكلف نقله حتى يسكن المطر والعادة في قطع الثمار ما ذكرناه فلا يكلف القطع قبله.
(الشَّرْحُ) الْأَصْلُ الْمُرَادُ بِهِ الشَّجَرَةُ وَالْجِذَاذُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا حَكَاهُمَا ابْنُ قُتَيْبَةَ وَأَوَانُ الْجِذَاذِ بِكَسْرِ الْجِيمِ زَمَانُ صَرْمِ النَّخِيلِ إذَا يَبِسَ ثَمَرُهَا وَالْجِذَاذُ الْقَطْعُ يُقَال الْجِذَاذُ وَالصِّرَامُ فِي النخل القطاف فِي الْكَرْمِ وَاللُّقَاطُ فِيمَا يَتَنَاثَرُ كَالْخَوْخِ وَالْكُمَّثْرَى وَغَيْرِهِ فَيُلْتَقَطُ وَالْجِيسْوَانُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَاءٌ تَحْتَهَا نقطنان وَآخِرُهُ نُونٌ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ قَالَ ابْنُ بَاطِيشٍ وَابْنُ التُّودِيِّ جِنْسٌ مِنْ الْبُسْرِ أَسْوَدُ اللَّوْنِ وَالْقُرَشِ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ قَالَ ابْنُ بَاطِيشٍ هُوَ الْأَحْمَرُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لَا يُقْطَعُ إلَّا بُسْرًا (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا اشْتَرَى نَخْلًا وَعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ أَوْ كُرْسُفًا وَعَلَيْهِ قُطْنٌ لِلْبَائِعِ أَوْ شَجَرًا وَعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ أَوْ وَرْدًا أَوْ رَدَّ لِلْبَائِعِ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ وَالْوِرْدِ وَالزَّرْعِ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ وَالْحَصَادِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ تَبْقِيَتُهَا فَإِنْ كَانَ غَيْبًا فَعَلَيْهِ تَبْقِيَتُهُ إلَى أَنْ يَسْوَدَّ وَتَدُورَ الْحَلَاوَةُ فِيهِ وَيُقْطَعُ فِي الْعَادَةِ (فَأَمَّا) إذَا عَقَدَ وَحَصَلَ فِيهِ قَلِيلُ حَلَاوَةٍ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِقَطْعِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَإِنْ كَانَ رُطَبًا فَعَلَيْهِ تَبْقِيَتُهُ إلَى أَنْ يَرْطُبَ وَيَتَكَامَلَ نُضْجُهُ ثُمَّ يُقْطَعَ وَإِنْ كَانَ بُسْرًا فَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقَطْعِهِ بُسْرًا طُولِبَ بِقَطْعِهِ بُسْرًا بَعْدَ نُضْجِهِ وَاسْتِكْمَالِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ
أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ حَتَّى يَتَكَامَلَ ويستحكم لكون ذلك اصلح له فيأخذه شيا فشيا كَمَا إذَا بَاعَ دَارًا فِيهَا مَتَاعٌ هِيَ أحرز لَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُشْتَرِي تَرْكُهُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي السَّقْيُ لِأَجْلِ ثَمَرَةِ الْبَائِعِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ تَرْكُهَا وَالْبَائِعُ يَسْقِي وَحُكْمُ جَمِيعِ الثِّمَارِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ ثَمَرَةِ النَّخِيلِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ قَالَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ الله في الكافي وكذلك الورد يعني بترك إلَى أَوَانِ أَخْذِهِ وَوَافَقَنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ الْقَطْعُ وَيَجُوزُ لَهُ التَّبْقِيَةُ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ فِي الْحَالِ.
دَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَكَذَا لَوْ زَرَعَ الْمُشْتَرِي الْأَرْضَ فَاسْتَحَقَّهَا الشَّفِيعُ لَمْ يُجْبَرْ الْمُشْتَرِي عَلَى قَطْعِ الزَّرْعِ وَنَقْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ أَوَانَ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْعَادَةِ فِي نَقْلِهِ (فَإِنْ قِيلَ) يُنْتَقَضُ بِمَنْ جَذَّ ثَمَرَةً وَتَرَكَهَا فِي الْأَرْضِ تُشَمِّسُهَا ثُمَّ بَاعَ الْأَرْضَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ نَقْلُهَا قَبْلَ جَفَافِهَا وَإِنْ كَانَتْ العادة نقلها بعد جفافها (قلنا) لاعادة لذلك
فِي أَرْضٍ بِعَيْنِهَا بَلْ يُمْكِنُ تَجْفِيفُهَا فِي غَيْرِهَا كَمَا نَقُولُ فِي الزَّرْعِ لَا يَجِبُ نَقْلُهُ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ وَلَوْ حَصَدَهُ وَتَرَكَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ بَاعَهَا وَجَبَ نَقْلُهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ نَقْلَ الْمَبِيعِ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ وَرَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ وَإِنَّ إبْقَاءَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ انْتِفَاعٌ بِالنَّخْلِ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْعَادَةِ وَلِهَذَا إذَا اشْتَرَى دَارًا مَمْلُوءَةً طَعَامًا إنَّمَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ نَقْلُهُ عَلَى الْعَادَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْمَعَ الْآنَ كُلَّ حَمَّالٍ فِي الْبَلَدِ وَيَنْقُلَ الطَّعَامَ عَنْهَا وَأَجَابُوا عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ انْتِفَاعًا بِالنَّخْلِ وان يُشْبِهُ اسْتِثْنَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَنْفَعَةِ إنَّمَا يَبْطُلُ إذَا وَقَعَ بِالشَّرْطِ أَمَّا مَا وَقَعَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ عُرْفًا فَلَا بِدَلِيلِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِبْقَاءَ إذا بقيت الثمرة للبائع بالتأبير اما إذ صَارَتْ لَهُ بِالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ فَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا شَرَطْنَا الْقَطْعَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ وَأَيَّدَ بَعْضُهُمْ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِالشَّرْطِ مُبْطِلٌ بِخِلَافِهِ بِالشَّرْعِ وَهَذَا التَّأْيِيدُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُنَا إنَّمَا اقْتَضَى بَقَاءَ الثَّمَرَةِ لِلْبَائِعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا وَاسْتَثْنَى الْبِنَاءَ الَّذِي فِيهَا كَانَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بِالشَّرْعِ وَلَا نَقُولُ إنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ لِلْمَنْفَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا حَصَدَ الزَّرْعَ فَإِنْ بَقِيَ لَهُ أُصُولٌ لَا تَضُرُّ بِالْأَرْضِ كَأُصُولِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ لم يلزمه نقلها لانه لاضرر عَلَى الْمُشْتَرِي فِي تَرْكِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَضُرُّ بِالْأَرْضِ كَعُرُوقِ الذُّرَةِ وَالْقُطْنِ لَزِمَهُ نَقْلُهَا مِنْ الْأَرْضِ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَإِذَا نَقَلَهَا فَإِنْ حَصَلَ فِي الْأَرْضِ بِنَقْلِهَا حُفَرٌ لَزِمَهُ تَسْوِيَتُهَا كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ حِجَارَةٌ مَدْفُونَةٌ فَنَقَلَهَا وَيُخَالِفُ مَنْ غَصَبَ فَصِيلًا وَأَدْخَلَهُ دَارًا ثُمَّ كَبِرَ الْفَصِيلُ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الْبَابِ لَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْفَصِيلِ لِأَنَّ الْغَاصِبَ مُتَعَدٍّ وَالْمُشْتَرِي لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ الْمَبِيعَةِ حَبٌّ لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِأَنْ يوسع الباب بنقض شئ مِنْ الْحَائِطِ فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ مَا نَقَصَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهُ بِنَاؤُهُ كَمَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ هَهُنَا وَقَدْ صَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِنَاءُ ذَلِكَ وَرَدُّهُ إلَى حَالَتِهِ فِيمَا إذَا بَاعَ دَارًا وَفِيهَا قُمَاشٌ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِنَقْضِ الْبَابِ
وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِطَرِيقَةِ الْعِرَاقِيِّينَ فَإِنَّهُمْ يَخْتَارُونَ وُجُوبَ إعَادَةِ الْجِدَارِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ هُنَا كُلُّ مَنْ حَصَلَ مِلْكُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَاحْتِيجَ فِي تَخْلِيصِهِ إلَى مُؤْنَةٍ فَإِنْ كَانَ حَصَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِ الْمِلْكِ فَالْمُؤْنَةُ عَلَى من يتخلص ملكه مثل مسألة الزرع والحب والخابية والصدوق فِي الدَّارِ وَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِ الْمِلْكِ مِثْلُ أَنْ يَغْصِبَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى حَبٍّ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَابِ أَوْ عَلَى عِجْلٍ صَغِيرٍ فَكَبِرَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهِ إلَّا بِهَدْمِ الْبَابِ فَإِنَّ الْبَابَ يُهْدَمُ وَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْمَتَاعِ بِنَاؤُهُ وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إذَا هَرَبَتْ دَابَّتُهُ فَدَخَلَتْ دَارَ رَجُلٍ ولا يمكن إخراجها إلا بنقض شئ من الدار يغرم النقص صاحب الدابة قاله الرُّويَانِيُّ وَإِذَا وَقَعَ دِينَارٌ فِي مَحْبَرَةٍ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِكَسْرِهَا كُسِرَتْ وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى صَاحِبِ الدِّينَارِ نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.
(فَرْعٌ)
لَوْ أَصَابَتْ الثِّمَارَ آفَةٌ وَصَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَنْمُو فَهَلْ لِلْبَائِعِ تَبْقِيَتُهَا وَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي تَبْقِيَتِهَا أَمْ لِلْمُشْتَرِي إجْبَارُهُ عَلَى قَطْعِهَا.
قَالَ الْإِمَامُ ذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَوْلَيْنِ وَلَمْ يُصَحِّحْ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ شَيْئًا مِنْهُمَا وَقَالَ ابن الرافعة إنَّ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهُ قَوْلُ الْإِجْبَارِ لِأَنَّهُ انْكَشَفَ الْحَالُ عَمَّا لَوْ قَارَنَ الْعَقْدَ لَمْ يَسْتَحِقَّ التَّبْقِيَةَ لِأَجْلِهِ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ الشَّجَرَ بَعْدَ حُصُولِ الْآفَةِ بِالثِّمَارِ لَمْ يَسْتَحِقَّ التَّبْقِيَةَ قَالَ
لَكِنَّ نَصَّهُ فِي الْأُمِّ على خلافه ولو انقطع الماء فلا شئ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا أُصِيبَ بِهِ الْبَائِعُ وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَقَلَهُ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ بُشْرَى.
(فرع)
لايمنع الْبَائِعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْحَائِطِ لِلسَّقْيِ فَإِنْ لم يأمنه المشترى يصنب الْحَاكِمُ أَمِينًا يَسْقِيهَا وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ وَكَلَامُ الْخُوَارِزْمِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ لَا تَصِيرُ مُسَلَّمَةً حَتَّى تُفَرَّغَ مِنْ الثَّمَرَةِ قَالَ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ مَمْلُوءَةً بِالْأَثْقَالِ لَا يَجْرِي تَفْرِيغُهَا حَتَّى تَبْلُغَ الشَّطَّ وَمُرَادُهُ بِهَذَا أَنَّ التَّسْلِيمَ يَكُونُ عَلَى الْعَادَةِ.
(فَرْعٌ)
وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أُجْرَةَ الْأَرْضِ فِي مُدَّةِ إقَامَةِ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فِي تلك المدة فلا يستحق لما أُجْرَةً.
(فَرْعٌ)
لَوْ بَاعَ النَّخْلَةَ وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ بِشَرْطِ الْقَطْعِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُصَرِّحُ بِالْجَوَازِ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ لَكِنَّ الْإِمَامَ حَكَى فِي بَابِ الصُّلْحِ فِيمَا إذَا بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً بِشَرْطِ قَطْعِ الزَّرْعِ
تَرَدُّدًا فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ وَيَجِبُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ طَرْدُ التَّرَدُّدِ الْمَذْكُورِ فِي الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ قَطْعِهَا لِأَنَّ فِيهِ تَنْقِيصَ مَالِيَّتِهَا لَمْ يَبْعُدْ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
.
(فَإِنْ أَصَابَ النخل عطش وخاف أن تشرب الثمرة الماء من أصل النخل فيهلك ففيه قولان
(أحدهما)
لا يكلف البائع قطع الثمرة لان المشترى دخل في العقد على أن يترك الثمار إلى الجذاذ فلزمه تركه (والثاني) أنه يكلف قطعه لان المشترى إنما رضى بذلك إذا لم يضر به فإذا أضر به لم يلزمه تركه فان احتاج أحدهما إلى سقى ماله وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ جَازَ لَهُ أن يسقيه لان اصلاح لما له من غير اضرار باحد فجاز وان كان على الآخر ضرر في السقي وتشاحا ففيه وجهان.
قال أبو إسحق يفسخ العقد لانه ليس أحدهما بأولى من الآخر في الاضرار فوجب أن يفسخ.
وقال أبو على بن أبي هريرة يجبر الممتنع منهما لانه حين دخل في العقد رضى بدخول الضرر عليه لانه يعلم أنه لابد من السقى ويجب أجرة السقى على من يسقى لان منفعته تحصل له) .
(الشَّرْحُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعِ لَا يُكَلَّفُ قَطْعَهَا إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ وَمِنْ ضَرُورَةِ
ذَلِكَ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ سَقْيِهَا فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَمْكِينُهُ وَقَدْ لَا يَسْقِي الْبَائِعُ فَيَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي الضَّرَرُ وَقَدْ يَحْصُلُ الضَّرَرُ مِنْ السَّقْيِ أَيْضًا وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا عَطِشَتْ النخل وكان قد باعها وهى مؤبرة وبقينا الثِّمَارَ لِلْبَائِعِ فَعَطِشَتْ النَّخِيلُ وَانْقَطَعَ الْمَاءُ وَلَمْ يتمكن من سقيها وكان تركها عل الْأُصُولِ يَضُرُّ بِالْأُصُولِ وَلَا يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ فَإِنْ كان الضرر ويسيرا أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطيب وغيره ونص عليه الشافعي فرضى اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِأَنْ كَانَ يُخَافُ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نُقْصَانُ حَمْلِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ نُقْصَانًا كَثِيرًا وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِي الْأُمِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَحَكَاهُمَا الْأَصْحَابُ كَمَا حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ نَقْلًا وَتَعْلِيلًا وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فَفِيهَا قَوْلَانِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْإِجْبَارِ وَلَمْ أَرَهُ ذَكَرَ الْقَوْلَ الْآخَرَ فَتَأَمَّلْتُ كَلَامَهُ إلَى آخِرِهِ تَأَمُّلًا كَثِيرًا فَلَمْ أَفْهَمْ الثَّانِيَ مِنْهُ فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ إمَّا لِوُضُوحِهِ أَوْ لِضَعْفِهِ (وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ) الثَّانِي الْقَائِلُ بِالْإِجْبَارِ وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَالنَّوَوِيُّ وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ ضَرَرَ الْأُصُولِ أَكْثَرُ وَجَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ
مَسْأَلَةَ السَّقْيِ وَقَسَّمَهَا تَقْسِيمًا حَسَنًا وَهِيَ أَنَّ السَّقْيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا أَوْ مُتَعَذِّرًا فَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا فَإِمَّا لِإِعْوَازِ الْمَاءِ أَوْ لِفَسَادِ آلَتِهِ فَإِنْ كَانَ لِإِعْوَازِ الْمَاءِ سَقَطَ حُكْمُ السَّقْيِ ثُمَّ نَزَّلَ الثَّمَرَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ وَالنَّخْلِ جَمِيعًا فَقَطْعُ الثَّمَرَةِ وَاجِبٌ وَلِصَاحِبِ النَّخْلِ إجْبَارُهُ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَضَرَّةٌ لِلنَّخْلِ بِلَا مَنْفَعَةٍ لَهُ (الثاني) أَنْ لَا يَضُرَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَهُ تَرْكُ الثَّمَرَةِ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ (الثَّالِثُ) أَنْ يَضُرَّ بِالثَّمَرَةِ دُونَ النَّخْلِ الْمُثْمِرَةِ فَالْخِيَارُ (الرَّابِعُ) أَنْ يَضُرَّ بِالنَّخْلِ دُونَ الثَّمَرَةِ فَقَوْلَانِ وَهَذَا الضَّرْبُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَإِنْ كَانَ تَعَذُّرُ السَّقْيِ لِفَسَادِ الْآلَةِ أَوْ الْمَجَارِي أَوْ طَمِّ الْآبَارِ فَأَيُّهُمَا لَحِقَهُ بِتَأْخِيرِ السَّقْيِ ضَرَرٌ كَانَ لَهُ إصْلَاحُ مَا يُوصِلُهُ إلَى الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِالنَّخْلِ وَجَبَ عَلَى مُشْتَرِي النَّخْلِ أَنْ يُزِيلَ الضَّرَرَ عَنْ نَخْلِهِ وَلَا يُجْبَرُ رَبُّ الثَّمَرَةِ عَلَى قَطْعِ ثَمَرَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِالثَّمَرَةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ أَوْ يَقْطَعُهَا وَإِنْ كَانَ مُضِرًّا بِهِمَا جَمِيعًا لَزِمَ صَاحِبَ الثَّمَرَةِ إلَّا أَنْ يُبَادِرَ إلَى قَطْعِ ثَمَرَتِهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ (وَأَمَّا) إنْ كَانَ السَّقْيُ مُمْكِنًا فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لَهُمَا (وَالثَّانِي) أَنْ يَكُونَ ضَارًّا لَهُمَا (وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ ضَارًّا لِأَحَدِهِمَا
دُونَ الْآخَرِ ونذكر ذَلِكَ مُفَصَّلًا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا إلى سقى ماله وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِيهَا صُورَتَانِ (احدهما) أن يكون المحتاج البائع (الثانية) أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَاجُ الْمُشْتَرِيَ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ لَهُ نَفْعٌ وَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ ذَكَرَا مَا إذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نَفْعٌ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ السَّقْيِ عَلَى السَّقْيِ وَلِلْآخَرِ أَنْ يَسْقِيَ وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لِلْبَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُمَكِّنَهُ وَمُؤْنَةُ السَّقْيِ عَلَى الْبَائِعِ لِمَا فِيهِ من صلاح ثمرته وان كان لنخل المتشرى فِيهِ صَلَاحٌ إلَّا أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ السَّقْيِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَالنَّخْلُ تَبَعٌ فَلَوْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ السَّقْيِ لَمْ يُجْبَرْ وَقِيلَ لِلْمُشْتَرِي إنْ أَرَدْتَ سَقْيَ نَخْلِكَ فَاسْقِهِ وَلَا نُجْبِرَك عَلَيْهِ وَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمُصَنِّفُ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَشْمَلُ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ واحد لا يختلف وانما يختلف التصوير فيجئ صُوَرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِإِطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ ثَلَاثًا أَنْ يَنْتَفِعَ الْبَائِعُ وَلَا يَتَضَرَّرَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَنْتَفِعَ أَوْ يَنْتَفِعَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَتَضَرَّرَ الْبَائِعُ وَلَا يَنْتَفِعَ أَوْ يَنْتَفِعَا جَمِيعًا وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَائِعَ لَا يُجْبَرُ عَلَى السَّقْيِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَقْسَامِ الَّتِي أَطْلَقُوهَا أَمَّا إذَا كَانَ السَّقْيُ نَافِعًا لَهُمَا وَكَانَ تَرْكُهُ ضَارًّا بالمشترى
لِامْتِصَاصِ الثِّمَارِ رُطُوبَةَ الْأَشْجَارِ وَقَدْ جَزَمَ الْإِمَامُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي حَالِ إمْكَانِ السَّقْيِ بِأَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَسْقِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ الثِّمَارَ إذَا كَانَ يَضُرُّ بَقَاؤُهَا وَجَعَلَ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا فِيمَا إذَا كَانَ السَّقْيُ مُتَعَذِّرًا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ قَطْعَ الثَّمَرَةِ بِأَنَّهَا تُنْتَفَعُ بِالتَّبْقِيَةِ وَإِنَّمَا عَلَى الْبَائِعِ أَنْ لَا يترك مجهودا يقدر عليه فإذا انْقَطَعَ الْمَاءُ فَلَا تَقْصِيرَ مِنْهُ وَحَقُّ التَّبْقِيَةِ قائم له وهذا قَالَهُ الْإِمَامُ حَسَنٌ يَجِبُ تَنْزِيلُ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْقَوْلَيْنِ يُشِيرَانِ إلَى أَنَّ الْمُرَاعَى جَانِبُ الْبَائِعِ أَوْ جَانِبُ الْمُشْتَرِي قَالَ وَلَمْ يَقَعْ التَّعَرُّضُ لِاسْتِوَاءِ الْحَقَّيْنِ يَعْنِي كَمَا يقوله أبو إسحق فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ ضَرَرٌ كما سيأتي قال ولابد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ مُوجَبُ اسْتِوَاءِ الْحَقَّيْنِ الْفَسْخُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَإِنْ مَنَعَهُ أُجْبِرَ عَلَى تَمْكِينِهِ وَهَذَا مُرَادُ الرُّويَانِيِّ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ السَّقْيُ يَنْفَعُهُمَا فَأَيَّهُمَا طَلَبَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ
مِنْ الامتناع فِيمَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ أَيْ أُجْبِرَ عَلَى التمكين منه لاعلى أَنْ يَسْقِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا إلَى السَّقْيِ وَكَانَ عَلَى الْآخَرِ ضرر وفيها صورتان (أحداهما) أَنْ يَكُونَ السَّقْيُ يَضُرُّ بِالنَّخْلِ وَيَنْفَعُ الثَّمَرَةَ فاراد البائع السقى فوجهان قال أبو إسحق يقال للشمترى اسْمَحْ لِلْبَائِعِ بِالسَّقْيِ فَإِنْ سَمَحَ فَذَاكَ وَإِلَّا قُلْنَا لِلْبَائِعِ اسْمَحْ بِتَرْكِ السَّقْيِ فَإِنْ سَمَحَ فَذَاكَ وَإِنْ أَبَى فَسَخْنَا الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْبَائِعِ وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا ثَالِثًا بِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَائِعَ أُلْزِمَ تَسْلِيمَ الشَّجَرَةِ عَلَى كَمَالِهَا قَالَ وحقيقة الاوجه تؤول إلَى أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَرْعَى جَانِبَ الْمُشْتَرِي وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْعَى جَانِبَ الْبَائِعِ وَأَبُو إسحق لَا يُقَدِّمُ أَحَدَ الْحَقَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَكُونَ السَّقْيُ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ وَيَنْفَعُ الشجرة فاراد المشترى السقي قال أبو إسحق يُقَالُ لِلْبَائِعِ اسْمَحْ فِي أَنْ يَسْقِيَ الْمُشْتَرِي فان سمح فذاك والا قلنا لِلْمُشْتَرِي اسْمَحْ فِي تَرْكِ الْبَائِعِ فَإِنْ سَمَحَ فَذَاكَ وَإِنْ أَبَى فَسَخْنَا الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ وَأَوْجَبَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ عَلَى أَنْ لَا يَضُرَّ بِغَيْرِهِ وَفِيهِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ وَيَكُونُ بَيِّنًا لِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْبَائِعِ وَفِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى السَّقْيِ أَوْ تَرْكِهِ جَازَ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يَخُصُّ الْمُصَنِّفُ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِيمَا ذَكَرَهُ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّ قَوْلَهُ وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَى مَنْ يَسْقِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَّا مُرَادُهُ بِمَنْ يَسْقِي الْبَائِعُ
فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالْمُشْتَرِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَتَجِبُ أُجْرَةُ السَّقْيِ عَلَى مَنْ يَسْقِي كَلَامًا مُبْتَدَأً غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي حَيْثُ أَوْجَبْنَا السَّقْيَ فهو على من ينتفع له لاكمن بَاعَ ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ يَسْقِي وَالْمَنْفَعَةُ لِلْمُشْتَرِي وَيَشْمَلُ ذَلِكَ مَا إذَا سَقَى الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ هُمَا جَمِيعًا فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاَلَّذِي يَسْقِي فِي الصُّورَتَيْنِ هُوَ الْمُطَالَبُ الَّذِي أَجْبَرْنَا الْمُمْتَنِعَ لِأَجْلِهِ وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ إجْبَارُهُ عَلَى تَمْكِينِ الْآخَرِ مِنْ السَّقْيِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ السَّقْيِ تَحْصُلُ لَهُ تَعْلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي الطَّرَفَيْنِ وَقَدْ فَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ إنَّ لِصَاحِبِ الثَّمَرَةِ مَنْعَهُ فَإِذَا مَنَعَهُ كَانَ لِصَاحِبِ النَّخْلِ فَسْخُ الْبَيْعِ فَفَهِمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا آخَرَ قَالَ وَبِذَلِكَ يَكْمُلُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ (ثَالِثُهَا) إنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَسَخَهُ الْحَاكِمُ
(وَرَابِعُهَا) الْأَمْرُ كذلك إلا أن المتولي الفسخ الْبَائِعُ إنْ أَرَادَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَتَرَكَهَا الْمُصَنِّفُ لِوُضُوحِهَا وَلَا خِلَافَ فِيهَا وَهِيَ إذَا كَانَ السَّقْيُ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ وَالنَّخْلِ جَمِيعًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنْعُ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ فَهُوَ سَفَهٌ وَتَضْيِيعٌ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ النَّخْلِ (أَمَّا) النَّخْلُ فَيَنْفَعُهُ السَّقْيُ أَبَدًا فَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الثَّمَرَةِ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ الْمَاءَ الَّذِي كُنْتُ أَسْتَحِقُّهُ لِسَقْيِ ثَمَرَتِي فَأَسْقِيَ بِهِ غَيْرَهَا مِنْ الثِّمَارِ أَوْ الزُّرُوعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَهَكَذَا لَوْ أَخَذَ ثَمَرَتَهُ قَبْلَ وَقْتِ جِذَاذِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ الَّذِي كَانَ يَسْتَحِقُّهُ إلَى وَقْتِ الْجِذَاذِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْمَاءِ مَا فِيهِ صَلَاحُ تِلْكَ الثَّمَرَةِ دُونَ غَيْرِهَا فَقَدْ كَمَلَتْ الْمَسَائِلُ الَّتِي فِي أَحْوَالِ السَّقْيِ سِتًّا شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ خَمْسًا وَتَرَكَ وَاحِدَةً وَمَسَائِلُ تَرْكِ السَّقْيِ سَبْعًا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَاحِدَةً وَتَرَكَ سِتًّا وَكُلُّهَا مُنْدَرِجَةٌ فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ قَالُوا هَلَّا قُلْتُمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ السَّقْيُ عَلَى الْمُشْتَرِي 1 صَاحِبُ الشَّجَرَةِ كَمَنْ بَاعَ ثَمَرَةً منفردة على الاصل بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كَامِلَةً وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالسَّقْيِ وَهَهُنَا الْوَاجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ النَّخْلِ وَقَدْ سَلَّمَهَا وَلَمْ يَمْلِكْ الثَّمَرَةَ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ بِخِلَافِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَحَيْثُ نَقُولُ بِإِجْبَارِ الْمُشْتَرِي فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْ فِي حَالِ انْتِفَاعِ الثمرة بالسقى.
(فَرْعٌ)
حَيْثُ جَعَلْنَا لِلْبَائِعِ السَّقْيَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَسْقِيَ الْقَدْرَ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ أَكْثَرَ مِنْ الْمَعْهُودِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُ بِهِ صَاحِبُ النَّخْلِ فَإِنَّهُ كَمَا يَحْصُلُ الضَّرَرُ بِالْعَطَشِ الْمُفْرِطِ يَحْصُلُ بِالرَّيِّ الْمُفْرِطِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ سَقْيَةٌ وَقَالَ الْبَائِعُ فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَيَّامٍ سَقْيَةٌ فَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ فَمَا احْتَاجَ إلَيْهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ إنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَفْسُدُ بِتَرْكِ السَّقْيِ بَلْ تُسَلَّمُ الثَّمَرَةُ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ غَيْرَ أَنَّهَا لَوْ سُقِيَتْ لَظَهَرَتْ زِيَادَةٌ عَظِيمَةٌ وَالشَّجَرُ يَتَضَرَّرُ بِهَا قَالَ الْإِمَامُ فَهَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يُمْنَعُ الْبَائِعُ فَإِنَّ الزِّيَادَاتِ لَا تَنْضَبِطُ فَالْمَرْعِيُّ الِاقْتِصَادُ وَيَجُوزُ أَنْ يقال له أَنْ يَسْقِيَ لِمَكَانِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُرَاعِي جَانِبَهُ وَهَذَا بَيِّنٌ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ المتقدم عن أبي اسحق وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إذَا كَانَ السَّقْيُ يَضُرُّ أَحَدَهُمَا فِعْلُهُ
وَيَضُرُّ الْآخَرَ تَرْكُهُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَتَعَارَضْ ضَرَرَانِ وَإِنَّمَا ضَرَرٌ وَزِيَادَةُ نَفْعٍ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُ اجْتِنَابِ الضَّرَرِ وَمَنْعُ الْبَائِعِ مِنْ السَّقْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ احْتِمَالَ الْإِمَامِ مَتَى كَانَ السَّقْيُ يَضُرُّ بِوَاحِدٍ وَتَرْكُهُ يَمْنَعُ حُصُولَ زِيَادَةٍ لِلْآخَرِ وَذَلِكَ يَشْمَلُ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ وَعَكْسَهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا هَلْ يَلْحَقُ ذَلِكَ بِتَقَابُلِ الضَّرَرِ فِيهِ احْتِمَالَانِ وَلَمْ أَرَهُمَا فِي النِّهَايَةِ إلَّا فِي الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَجْهَيْنِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ على أحد الاحتمالين بأتي الخلاف السابق بين أبي اسحق وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ يَتَعَيَّنُ السَّقْيُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ أَطْلَقَهُمَا الْمُصَنِّفُ هَلْ مَحِلُّهُمَا فِيمَا إذَا كَانَ السَّقْيُ مُتَعَذِّرًا أَوْ مُطْلَقًا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَالْإِمَامِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَجَزَمَ فِي حَالَةِ الْإِمْكَانِ بِوُجُوبِ السَّقْيِ أَوْ الْقَطْعِ عَلَى الْبَائِعِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الثَّانِيَ لَكِنَّهُ فِي حَالَةِ انْقِطَاعِ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ وَامَكَانِ غَيْرِهِ وَرَأَى ابْنُ الرِّفْعَةِ كَذَلِكَ تَنْزِيلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى حَالَةِ إمْكَانِ السَّقْيِ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ الْمُعْتَادِ وَتَنْزِيلَ الْجَزْمِ بِوُجُوبِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى مَا إذَا كَانَ السَّقْيُ مُمْكِنًا بِالْمَاءِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ وَاسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُهُ أَخَذَ صَاحِبُهُ بِقَطْعِهِ إلَّا أَنْ يَسْقِيَهُ مُتَطَوِّعًا أُخِذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ إمْكَانِ السَّقْيِ الْقَطْعُ عَيْنًا وَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِالسَّقْيِ إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمَوْلَى فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ السَّقْيُ بِحَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ تَعَيَّنَ وُجُوبُ الْقَطْعِ لانه لامسقط له ولاجرم كَانَ هُوَ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ
فِيمَا إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ نَفْعٌ فِي تَرْكِ الثَّمَرَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ الْقَطْعُ قَوْلًا وَاحِدًا كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ.
(فَرْعٌ)
ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ السَّقْيُ بِالْمَاءِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَسْقِي مِنْهُ تِلْكَ الْأَشْجَارَ وَلَوْ كَانَ مِلْكَ الْمُشْتَرِي بِأَنْ كَانَ مِنْ بِئْرٍ دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ وَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَلَمَّا كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْبَائِعِ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ اُغْتُفِرَ بخلاف مالو شَرَطَ لِنَفْسِهِ انْتِفَاعًا بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي حَيْثُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ السَّقْيِ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ وَشَرَطَهَا الْبَائِعُ لِنَفْسِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قُلْتُ) لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ شَرْطَهُ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ لِنَفْسِهِ يُصَيِّرُهَا بِمَنْزِلَةِ
الثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وجوب السقى بالشرع ووجوب الْإِبْقَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا إذَا شَرَطَ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي وَمِنْ كَوْنِ السَّقْيِ وَاجِبًا مِنْ الْمَاءِ الْمُعْتَادِ وَإِنْ كَانَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي يُسْتَفَادُ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ تَجِبُ أُجْرَةُ السَّقْيِ عَلَى من يسقي ولم يقل وتجب مُؤْنَةُ السَّقْيِ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْنَةِ وَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَفِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْقِي بِهَا الْأُجْرَةُ فِي نَقْلِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ نَعَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا الآلات التى يستقى بها المشترى وانما يلزم بالتمكين مِنْ الْمَاءِ خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
أَمَّا الْأَرْجَحُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ قَوْلَ الفسخ كما هو قول أبى اسحق وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مُرَاعَاةَ جَانِبِ الْمُشْتَرِي وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِذَا كَانَ لَا يُصْلِحُهَا إلَّا السَّقْيُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي تَخْلِيَةُ الْبَائِعِ وَمَا يَكْفِي مِنْ السَّقْيِ فَهَذَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُوَافِقٌ لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي إجْبَارِ الْمُشْتَرِي فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي عَكْسِهَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَقُولُ بِمُرَاعَاةِ جَانِبِ الْبَائِعِ مُطْلَقًا وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الوجيز.
قال المصنف رحمه الله.
(لا يجوز بيع الثمار والزرع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع لما روى ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو وصلاحها وروى ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن بيع ثمرة النخل حتى تزهى والسنبل والزرع حتى يبيض ويأمن العاهة وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا يُنْقَلُ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ ولهذا لو اشترى بالليل متاعا لم يكلف نقله حتى يصبح والعادة في الثمار تركها إلى أوان الجذاذ فإذا باعها قبل بدو الصلاح لم يأمن أن يصيبها عاهة فتتلف وَذَلِكَ غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَمْ يَجُزْ وان باعها بشرط القطع جاز لانه يأخذ قبل أن يتلف فيأمن الغرر وإن باع الثمرة مع الاصل والزرع مع الارض قبل بدو الصلاح جاز لان حكم الغرر يسقط مع الاصل كَالْغَرَرِ فِي الْحَمْلِ يُسْقِطُ حُكْمَهُ إذَا بِيعَ مع الاصل وان باع الثمرة ممن يملك الاصل أو الزرع ممن يملك الارض ففيه وجهان أحدهما يصح لانه يحصل لمالك الاصل فجاز كما لو باعها مع الشجر والارض والثاني لا يصح لانه افرده بالبيع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع فاشبه إذا باعها من غير مالك الاصل) .
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الْأَوَّلُ رَوَاهُ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ الثَّمَرَةُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا) زَادَ مُسْلِمٌ وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الرَّاوِي فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ مَتَى ذَلِكَ قَالَ طُلُوعُ الثُّرَيَّا وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (مِنْهَا) حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ (وَمِنْهَا) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهُوَ قَالَ الرَّاوِي فَقُلْنَا لانس مازهوها قَالَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ قَالَ أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ الله الثمرة بم يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ كَثُرَ الزَّهْوُ فِي الْحَدِيثِ يُقَالُ زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَكَذَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ يَزْهُوَ وَالصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ يُزْهِي وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّ اللُّغَتَيْنِ قَدْ جَاءَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ زَهَا النَّخْلُ إذَا طَالَ واكتهل وهذا القول مخلف لما جاء في الحديث من تقسير أَنَسٍ الْعَارِفِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلِمَعْنَى الْحَدِيثِ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الشَّافِعِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تُزْهِي قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ) وَالزَّهْوُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَذَكَرَ ابْنُ مَعِينٍ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَضُمُّونَ الزَّايَ وَهُوَ غَرِيبٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَلَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ بِالثَّمَرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَوْلُهُ يَبْدُوَ أَيْ يَظْهَرَ يُقَالُ بَدَا يَبْدُو مِثْلَ دَعَا يَدْعُو فَأَمَّا بَدَأَ يَبْدَأُ بِالْهَمْزِ فَمِنْ الِابْتِدَاءِ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى يُشْقَحَ قِيلَ وَمَا يُشْقَحُ قَالَ تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ ويؤكل منها) رواه البخاري
مسلم رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ يُشْقَحُ بِضَمِّ الْيَاءِ المثناة من تحت واسكان الشين المعجة وَبَعْدَ الْقَافِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَيُرْوَى بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ يُقَالُ أَشْقَحَ وَشَقِحَ وَرُوِيَ يُشْقَهُ بِإِبْدَالِ الْحَاءِ هَاءً وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ قَالَ وَالْإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى يُطْعَمَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ حَتَّى يَطِيبَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن بيع النخل يَأْكُلَ مِنْهُ أَوْ يُؤْكَلَ وَحَتَّى يُوزَنَ قَالَ فَقُلْتُ مَا يُوزَنُ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرَزَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَبُّ الطَّعَامُ وَاشْتِدَادُهُ قُوَّتُهُ وَصَلَابَتُهُ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مِنْ رِوَايَةِ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَلْفَاظُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُخْتَلِفَةٌ وَمَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ قَالَ الْعُلَمَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ مَا سَمِعَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَفْظًا فِي وَقْتٍ وَنَقَلَهُ الرُّوَاةُ بِالْمَعْنَى وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ فَإِذَا جَذَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيَهُمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ إنَّهُ أَصَابَ الثمر الذمان أصابه مراص أَصَابَهُ قُشَامٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ (إمَّا لَا فَلَا تبايعوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ الذَّمَانُ بِفَتْحِ الذَّالِ وتخفيف الميم عفن يصيب النخل فيسود فينشق أول ما يبدو فيها مِنْ عَفَنٍ وَسَوَادٍ وَالْمُرَاضُ بِضَمِّ الْمِيمِ دَاءٌ يقع في المثرة فَتَهْلِكُ وَالْقُشَامُ بِضَمِّ الْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَنْ يُنْتَقَصَ ثَمَرُ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ بَلَحًا (وَقَوْلُهُ) إمَّا لَا أَيْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا هَذَا فَلْيَكُنْ هَذَا وَأَصْلُهَا إنْ الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عليها ما وأدغمت فيها وأذخلت عَلَى لَا النَّافِيَةِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ حَدِيثَ زيد هذا يدل على أن النَّهْيَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا لَا وَلِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يدل على أنه ليس بمحتم وَالتَّمَسُّكُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاوِي كَالْمَشُورَةِ لَيْسَ بالقوى فان كل أوامره صلى االه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَوَاهِيهِ لِمَصَالِحِهِمْ الْأُخْرَوِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَأَمَّا التمسك بقوله اما لا فلانه يقتضى أَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ وَهُوَ الَّذِي نقدره محذوفا والذي نقدره محذوفا وَاَلَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ
إن لا ترجعوا عَنْ الْخُصُومَةِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ صُورَةَ التَّعْلِيقِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّعْلِيقَ فَإِنَّ رُجُوعَهُمْ عَنْ الْخُصُومَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ لَا يُعْلَمُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى الْحُكْمُ مَوْقُوفًا على ذلك فالمراد والله أعلم أنه أَنْشَأَ النَّهْيَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى إذْ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْلِيلِ وَمِمَّا يُرْشِدُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ حَتْمٌ قَوْلُهُ نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ فَإِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْمُشْتَرِي
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ القشيرى أكثر الامة على أن هذا النَّهْيَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ (أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ فَبِمَ بأخذ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ بَيَانُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ والدراوردي وَخَالَفَهُمَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ فَجَعَلَاهُ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ وَإِتْقَانُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَضَبْطُهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبكون أَنَسٌ قَالَهُ مِنْ كَلَامِهِ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِالرَّفْعِ وَأَنَّ عِنْدَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَيَثْبُتُ كَوْنُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ شَارِحِي التَّنْبِيهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْفَرَدَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ بِرَفْعِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ وَرَوَاهُ مَعَ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ كَمَا رَأَيْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَدْ قَسَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بَيْعَ الثَّمَرَةِ إلَى قِسْمَيْنِ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنْ تُبَاعَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَبَيْعُ الثَّمَرَةِ حِينَئِذٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أقسام وهذ التَّقْسِيمُ أَحْسَنُ وَإِنْ شِئْتَ تَقُولُ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنْ تُبَاعَ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ عَلَى قِسْمَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (الْأَوَّلُ) أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ (الثَّانِي) أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ يَزُولُ الْمَحْذُورُ مِنْ الْآفَةِ وَالْعَاهَةِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ في كتابه المحكى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مَنْعَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جُمْلَةً لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ جَوَازَ بَيْعِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ) كَذَلِكَ قَالَ فِي الْأُمِّ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ
الَّتِي تُقْطَعُ لِآفَةٍ تَأَتِّي عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مَا يُتْرَكُ مُدَّةً تَكُونَ فِيهَا الْآفَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ وَأَمَّا هَذِهِ العلة فمنصوصة ولاشك أن استفادة التعليل منه هَذَا الْكَلَامِ ظَاهِرَةٌ وَهُوَ مِنْ أَقْوَى دَرَجَاتِ الْإِيمَاءِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَدِلَّةِ الْعِلَّةِ وَلَعَلَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ رَحِمَهُ
اللَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ مِنْ كَلَامِ أَنَسٍ كَمَا قَدَّمْتُهُ فَلَعَلَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ لَكِنْ فِي الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ (مِنْهَا) قَوْلُهُ حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ الْعَاهَةِ (وَمِنْهَا) قَوْلُهُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا يَعْنِي أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاحِ تَأْمَنُ مِنْ الْعَاهَاتِ وَالْجَوَائِحِ غَالِبًا لِكِبَرِهَا وَغِلَظِ نَوَاهَا وَقَبْلَ الصَّلَاحِ تُسْرِعُ إلَيْهَا الْعَاهَاتُ لِضَعْفِهَا فَإِذَا تَلِفَتْ لم يبق شئ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فَإِذَا شَرَطَ الْقَطْعَ عُرِفَ أَنَّ غَرَضَهُ هُوَ الْحِصْرِمُ وَهُوَ حَاصِلٌ وَقِيلَ مَعْنًى آخَرُ ضَعِيفٌ نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَهُوَ أَنَّهَا قَبْلَ بدو الصلاح (1) أجزائها كِبَرًا ظَاهِرًا مِنْ أَجْزَاءِ الشَّجَرَةِ وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ.
(فَرْعٌ)
إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ فَلَوْ سَمَحَ الْبَائِعُ بَعْدَ شَرْطِ الْقَطْعِ عَلَى المشترى بترك الثمرة إلى بد والصلاح جاز لو طَالَبَهُ بِالْقَطْعِ لَزِمَهُ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَكُونُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ كَكِبَرِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَتَعُودُ الثَّمَرَةُ إلَى الْبَائِعِ وَقَدْ يَقْوَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَرَرَ إنَّمَا يَنْتَفِي بِأَخْذِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ قَبْلَ أَنْ يَتْلَفَ فَمَتَى لَمْ يُؤْخَذْ وَإِنْ كَانَ بِتَرَاضِيهِمَا فَالْغَرَرُ بَاقٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى عَدَمِ شَرْطِ الْقَطْعِ لَمْ يَصِحَّ وَطَرِيقُ الِانْفِصَالِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الْمَحْذُورَ آفَةٌ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَأْمُونٌ فَإِنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ فِيهَا التَّسْلِيمُ عَقِيبَ الْعَقْدِ فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى إبْقَائِهَا وَحَصَلَتْ آفَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَانِعَةً مِنْ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ أَوْ شَرَطَ التَّبْقِيَةَ فَإِنَّ التَّسْلِيمَ المستحق بالعقد هو وقت الجذاذ فالآفة الحاصلة قَبْلَهُ مَانِعَةٌ مِنْهُ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ المتقدمين ما يشبه قولنا يحيى ابن أَبِي كَثِيرٍ الْيَمَانِيُّ التَّابِعِيُّ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّعِيرِ لِلْعَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ إذَا كَانَ يَحْصُدُهُ مِنْ مكانه فان عفل عَنْهُ حَتَّى يَصِيرَ طَعَامًا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(فَرْعٌ)
قَالَ فِي التَّتِمَّةِ إنَّمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ إذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ كالحصرم واللوز والبلح والمشمش فاما مالا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْجَوْزِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْكُمَّثْرَى فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ
أَيْضًا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالرَّافِعِيُّ فَرَّعَ إذَا بَاعَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَلَمْ يَتَّفِقْ الْقَطْعُ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةٌ فَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالْقَطْعِ فَلَمْ يَقْطَعْ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ.
(فَرْعٌ)
التَّسْلِيمُ فِي ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ كَمَا هُوَ تَسْلِيمُ الثِّمَارِ فَتَكُونُ مُؤْنَةُ الْقَطْعِ عَلَى المشترى اولا يَكُونُ إلَّا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ فَتَكُونُ مُؤْنَةُ الْقَطْعِ عَلَى الْبَائِعِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ الثَّانِي وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِيمَا لَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ قَطْعِهَا هَلْ يَجْرِي فِيهَا خِلَافُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ للاحاديث وبه قال مالك وأحمد وإسحق وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ البيع جائز صحيح ويؤخذ الْمُشْتَرِي بِقَطْعِهَا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ لِأَنَّ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ التَّسْلِيمَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ وَالتَّسْلِيمُ لايتم إلَّا بِالْقَطْعِ وَعِنْدَنَا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ فَنَحْنُ نُخَالِفُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَفِي الْأَصْلِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التبقية لابعد الصَّلَاحِ وَلَا قَبْلَهُ وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ يَصِحُّ فِيهِمَا والاطلاق كشرط القذع وَنَحْنُ نَقُولُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ يَصِحُّ فِي الْحَالَيْنِ وبشرط التبقية يصح بعده ولا يصح وَالْإِطْلَاقُ كَشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ حَمْلَ الْعَقْدِ على الصحة اولى فينبغي ان تَنْزِيلُهُ عَلَى الْقَطْعِ لِيَصِحَّ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَا بَدَا صَلَاحُهَا وَعَلَى مَا شُرِطَ قَطْعُهَا وَعَلَى رَهْنِهَا وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ مُطْلَقًا فلا يكون تنزيلا على شرط التبقية لا طلاقه وَلَا عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ لِلْإِجْمَاعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَصْمِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَأَيْضًا أَنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إلَى الْمَعْهُودِ مِنْ الْبِيَاعَاتِ وَالْمَعْهُودُ مِنْ الْبَيْعِ إطْلَاقُ الْعَقْدِ دُونَ تَقْيِيدِهِ بِالشَّرْطِ فَصَارَ النَّهْيُ بِالْعُرْفِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمُطْلَقِ دُونَ الْمُقَيَّدِ وَلِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الثِّمَارِ أَنْ تُؤْخَذَ وَقْتَ الْجِذَاذِ فَصَارَ الْمُطْلَقُ كَالْمَشْرُوطِ التَّبْقِيَةُ وَالتَّسْلِيمُ الْوَاجِبُ فِي الْعَقْدِ فِي كُلِّ شئ بِحَسَبِهِ وَلَيْسَ التَّسْلِيمُ بِالْقَطْعِ وَالتَّحْوِيلِ وَإِنَّمَا هُوَ بِرَفْعِ الْيَدِ وَالتَّمْكِينِ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْعَقْدِ وَحَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ ثُمَّ يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَقَدْ يَتَقَيَّدُ الْمُطْلَقُ إذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ يُقَيِّدُهُ لَمْ يُؤَثِّرْ الْقَيْدُ إمَّا فِي التَّصْحِيحِ وَإِمَّا فِي الْإِفْسَادِ
وَلَيْسَ ذَلِكَ سَعْيًا فِي التَّصْحِيحِ وَلَا فِي الْإِفْسَادِ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَيْدِ (وَأَمَّا) الْقِيَاسُ عَلَى مَا بَدَا صَلَاحُهَا فَلَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّهُ يَدْفَعُ النَّصَّ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ مَا بَدَا صَلَاحُهُ يُخَامِرُ الْعَاهَةَ وَالْقِيَاسُ
عَلَى الْمَشْرُوطِ الْقَطْعُ مَرْدُودٌ بِتَقْدِيرِ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الرَّهْنِ فَجَوَابُهُ أَنَّ لَنَا فِي رَهْنِهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ قَوْلَيْنِ فان جوزنا فلان الرهن والهبة والوصية لاضرر في عقدها قبل بدو الصلاح لانه لاعوض فِي مُقَابَلَتِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهَا إذَا تَلِفَتْ ضَاعَ الثَّمَنُ ثُمَّ اعْتَرَضُوا بِمَا قَدَّمْتُهُ مِنْ راوية زيد ابن ثَابِتٍ وَقَوْلِهِ إنَّ النَّهْيَ كَانَ كَالْمَشُورَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّ تَأْوِيلَ الرَّاوِي مَرْجُوعٌ إلَيْهِ إذَا احْتَمَلَ الْخَبَرُ أَمْرَيْنِ وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ كتفسير التفرق في خيار المتبايعين وكقوله إلاها وَهَا تَفْسِيرُ عُمَرَ لَهُ (أَمَّا) فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ فَلَا
(وَالثَّانِي)
أَنَّ ظَاهِرَ راوية زَيْدٍ وَقَوْلِهِ إنَّهُ حَضَرَ تَقَاضِيَهُمْ أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَلَا يُقَالُ وقت التقاضى بعد مدة إذَا كَانَ مَشْرُوطًا وَهَذَا الظَّاهِرُ مَشْرُوطٌ بِالْإِجْمَاعِ لانه متى شرط التبقية بطل ثم لاوجة لِتَمَسُّكِ الْحَنَفِيَّةِ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ شَرْطَ التَّبْقِيَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ كَمَا يَمْنَعُونَهُ قَبْلَهُ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَحَمَلَ الْغَزَالِيُّ فِي التَّحْصِينِ الْمَشُورَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَعَرُّفِ أَحْوَالِ الثَّمَرَةِ وَنَجَاتِهَا مِنْ الْعَاهَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالزَّهْوِ فَلَمَّا عَرَفَ الْعِلَّةَ بِالْمَشُورَةِ أَثْبَتَ حُكْمَ الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى الْعِلَّةِ كَمَا قَالَ لِلسَّائِلِ (أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ) وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَالَةَ الِاحْتِيَاجِ قَالَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَخْذِ الْمَالِ مَعَ تَوَقُّعِ الْهَلَاكِ على قُرْبٍ (قُلْتُ) وَقَدْ قَدَّمْتُ مَا يُرَجِّحُ تَأْوِيلَهُ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَدْ صَحَّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَمْوَالِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا فَيَتَبَيَّنَ الْأَحْمَرَ مِنْ الْأَصْفَرِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْ الثَّمَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ لِأَنَّهَا الْمُعْتَادُ فَلَوْ كَانَ فِي البلاد الشديدة الْبَرْدِ كَرْمٌ لَا تَنْتَهِي ثِمَارُهَا إلَى الْحَلَاوَةِ وَاعْتَادَ أَهْلُهَا قَطْعَ الْحِصْرِمِ فَفِي بَيْعِهَا وَجْهَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غير شرط القطع تنزيلا لعادتهم الْخَاصَّةِ مَنْزِلَةَ الْعَادَاتِ الْعَامَّةِ فَيَكُونُ الْمَعْهُودُ كَالْمَشْرُوطِ وَامْتَنَعَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَوْا تَوَاطُؤَ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ بِمَثَابَةِ الْعَادَاتِ الْعَامَّةِ وَهَذَا الْخِلَافُ يجرى فيما
إذَا جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِانْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِالْمَرْهُونِ وَالْقَفَّالُ يَرَى اطِّرَادَ الْعَادَةِ فِيهِ كَشَرْطِ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ فَيَفْسُدُ
الرَّهْنُ وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى تَخْرِيجِ ذَلِكَ عَلَى مَهْرِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ إعْمَالَ التَّوَاطُؤِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ إلْغَاءُ صَرِيحِ اللُّغَةِ الثَّابِتَةِ فَقَدْ لَا يُحْتَمَلُ وَمِنْ نَظَائِرِ ذلك ما إذا جَرَتْ عَادَةُ شَخْصٍ بِأَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ مِمَّا اسْتَقْرَضَ فَالْمَذْهَبُ جَوَازُ إقْرَاضِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ وَهَذِهِ مَسَائِلُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَأْخَذِ وَالْمُخَالِفُ فِي بَعْضِهَا لعله يخلف فِي الْبَاقِي وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُ فِي نَقْلِ مَسْأَلَةِ الْحِصْرِمِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَمَسْأَلَةِ الرَّهْنِ على الْقَفَّالِ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالرَّافِعِيُّ نَقَلَ مَسْأَلَةَ الْحِصْرِمِ عَنْ الْقَفَّالِ (فَإِمَّا) لِنِسْبَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَيْهِ (وَإِمَّا) لِنَقْلٍ خَاصٍّ عِنْدَهُ وَفِي الْوَسِيطِ نَسَبَهُ إلَى الْمَنْعِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْقَفَّالِ ونسبه إلى ابْنُ أَبِي الدَّمِ إلَى الْخَلَلِ وَالتَّهَافُتِ (أَمَّا) الْخَلَلُ فَلِمَا ذَكَرْتُهُ (وَأَمَّا) التَّهَافُتُ فَفِي قَوْلِهِ الْمَنْعُ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ خَالَفَ مَنْ أَبْطَلَ فِي مسألة الحصرم وخالف من صحيح فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مُبَايِنٌ لِكَلَامِ الْقَفَّالِ لِأَنَّ الْقَفَّالَ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ وَحْدَهَا وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ لَا يَنْتَهِي إلى الحلاوة فقد يحتمل ذلك حالة كما له حَتَّى لَوْ جَرَتْ عَادَةٌ بِقَطْعِ الْعِنَبِ الَّذِي يجئ مِنْهُ عِنَبٌ حِصْرِمٌ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَفَّالِ بِدُونِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَمِنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِصْرِمِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ النَّاقِلِينَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْعَادَةَ وَإِنَّمَا فَرَضْنَا فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي يُعْتَادُ قَطْعُهُ حِصْرِمًا (أَمَّا) أَنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَهُ فِي الْحُكْمِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ وَمَنْعُ الْقَفَّالِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى مَنْعِ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّهْنِ وَمَنْعِ وُجُوبِ التَّبْقِيَةِ فِي الْحِصْرِمِ وَحَمْلِ الْحِصْرِمِ عَلَى مَا بَدَا صَلَاحُهُ لِقَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ إنَّ الْحِصْرِمَ أَوَّلُ الْعِنَبِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ تَبْقِيَتُهُ إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ كَمَا يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهَذَا حَمْلٌ حَسَنٌ أَيْضًا لَكِنَّ الْأَقْرَبَ أَنَّ الْحِصْرِمَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ مَعْنَاهُ أَوَّلُ الثَّمَرَةِ الَّتِي نِهَايَتُهَا عِنَبٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَهُنَا أُمُورًا أَرْبَعَةً يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا (أَحَدُهَا) الْعُرْفُ (وَالثَّانِي) الْعَادَةُ وَيَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى عَامٍّ وَخَاصٍّ وَالْعُرْفُ غَيْرُ الْعَادَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْعُرْفِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَبَادُرِ الذِّهْنِ مِنْ لَفْظٍ إلَى مَعْنًى مِنْ اللَّفْظِ كَمَا تَقُولُ الدَّابَّةُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ عَامَّةٌ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْجَوْهَرُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ خَاصَّةٌ فِي الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُرَادُ مِنْ الْعَادَةِ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ مِنْ الْأَفْعَالِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَهَذَانِ قِسْمَانِ مُتَغَايِرَانِ الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ وَقَدْ تُجْعَلُ الْعَادَةُ أَعَمُّ وَتُقْسَمُ إلَى عَادَةٍ قَوْلِيَّةٍ وَهِيَ مَا سَمَّيْنَاهُ بِالْعُرْفِ وَعَادَةٍ فِعْلِيَّةٍ وَهِيَ مُقَابِلُهُ وَقَدْ يُطْلَقُ الْعُرْفُ عَلَى الْجَمِيعِ وَالْأَمْرَانِ الْآخَرَانِ
(أَحَدُهُمَا) الْأَلْفَاظُ الَّتِي تُطْلَقُ فِي الْعُقُودِ وَفِي تَقْيِيدِ مُطْلَقِهَا وَتَفْسِيرِ مُجْمَلِهَا (وَالثَّانِي) مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُجْعَلُ كَأَنَّهَا شُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ وَهَذَانِ أَمْرَانِ مُغَايِرَانِ أَيْضًا فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَرْجِعُ إلَى تَنْزِيلِ لَفْظٍ مُطْلَقٍ جَرَى فِي الْعَقْدِ عَلَى مَعْنًى كَحَمْلِ الدِّرْهَمِ عَلَى الدِّرْهَمِ الْمُتَعَارَفِ فِي الْبَلَدِ وَحَمْلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى السَّلِيمِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دُونَ الْمَعِيبِ وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَى تقدير شرط مضموم إلَى الْعَقْدِ كَمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فَاعْتِبَارُ الْعُرْفِ الْعَامِّ لاشك فِيهِ فِي تَقْيِيدِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ كَمَا لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي دَابَّةً لَمْ يَشْتَرِ إلَّا ذَوَاتَ الْأَرْبَعِ وَالْعُرْفُ الْخَاصُّ كَالِاصْطِلَاحِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْأَلْفِ أَلْفَيْنِ فِي مَهْرِ السِّرِّ وَمَهْرِ الْعَلَانِيَةِ (وَأَمَّا) الْعَوَائِدُ الْفِعْلِيَّةُ فَإِنْ كَانَتْ خَاصَّةً فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا وَإِنْ عَمَّتْ وَاطَّرَدَتْ فَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى اعْتِمَادِهَا وَذَكَرُوا لَهَا أَمْثِلَةً (مِنْهَا) تَنْزِيلُ الدَّرَاهِمِ الْمُرْسَلَةِ فِي الْعُقُودِ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ وَهَذَا إنْ قَدَّمْتُهُ فِي قِسْمِ الْعُرْفِ فان هذه العادة أوجب اطاردها فَهْمُ أَهْلِ الْعُرْفِ ذَلِكَ النَّقْدَ مِنْ اللَّفْظِ فَالرُّجُوعِ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْعَادَةِ (وَمِنْهَا) أَنَّا لَا نُخْرِجُ الْمُتَكَارِسَ إلَى ذِكْرِ الْمَنَازِلِ وَتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ الْأَجْزَاءِ وَهَذَا مِثَالٌ صَحِيحٌ وَهِيَ مِنْ قِسْمِ مَا يَرْجِعُ إلَى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَضْمُومٍ إلَى الْعَقْدِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَحْوَالِ الْعُقُودِ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ كَالتَّسْلِيمِ وَالْقَطْعِ وَالتَّبْقِيَةِ كَبَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْبَهِيمَةِ الْمُكْرَاةِ وَالْمِقْدَارِ الَّذِي يُطْوَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَوُجُوبِ تَسْلِيمِ الْإِكَافِ وَالثَّفْرُ وَاللِّجَامِ وَجَمِيعِ الادوات عند استئجار الدابة وضابطه لما غَلَبَ عَلَى وَجْهٍ يَسْبِقُ مُقْتَضَاهُ مِنْ اللَّفْظِ إلَى الْفَهْمِ سَبَقَ الْمَنْطُوقَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يُعَدُّ التَّعَرُّضُ لَهُ مُسْتَقْصِيًا مُشْتَغِلًا بِمَا لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ وَكَثِيرًا مَا يُسَمِّي الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عُرْفًا لِعُمُومِهِ وَلِأَنَّ فَهْمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَارَ فِي الْعُرْفِ لِمَفْهُومِ اللَّفْظِ فَالْتَحَقَ بِالْعَادَةِ الْقَوْلِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ وَكُلُّ مَا يَتَّضِحُ فِيهِ اطِّرَادُ الْعَادَةِ فَهُوَ الْحُكْمُ وَمُضْمَرُهُ كَالْمَذْكُورِ صَرِيحًا وَكُلُّ مَا يَتَعَارَضُ لِلظُّنُونِ بَعْضَ التَّعَارُضِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ فِيهِ فَهُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ يَعْنِي ما تتعارض الظنون في اطراده واما مالا يَطَّرِدُ جَزْمًا فَلَا يُعْتَبَرُ وَقَدْ أَطْلَقَ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الْعَادَةَ الْفِعْلِيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فَلَا تُخَصِّصُ عاما ولا تفيد مُطْلَقًا كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَلُبْسِ الْكَتَّانِ وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا الْقَمْحَ وَلَا يَلْبَسَ إلَّا الْحَرِيرَ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ وَنَاقِلٌ لِلَّفْظِ وَالْفِعْلُ لَا يُنْقَلُ وَلَا ينسخ
وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّغَةِ وَإِطْلَاقُهُمْ فِي ذلك صحيح وَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرُ مُعَارِضٍ لَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَشَارَ الْإِمَامُ أَيْضًا إلَى تَخْرِيجِ مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْعِنَبِ حِصْرِمًا عَلَى خِلَافِ الاصحاب في أن الشئ النَّادِرَ إذَا اطَّرَدَ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ فِي بَعْضِ الْأَصْقَاعِ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْعَامِّ فَيُعْفَى عَنْهُ وَقَطْفُ الْعِنَبِ حِصْرِمًا فِي غَايَةِ النُّدُورِ فَإِنْ فرط اطِّرَادُ عَادَةِ بُقْعَةٍ بِهِ فَهُوَ عَلَى ذَلِكَ النُّدُورِ.
(فَرْعٌ)
لَوْ بَاعَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صلاحها على شجرة مقلوعة
- قال الروياني لانص فِيهِ (قَالَ) وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا مِنْ دُونِ شَرْطِ الْقَطْعِ لِأَنَّهَا لَا تَنْمُو وَلَا تَأْخُذُ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّجَرَةِ لَوْ بَقِيَتْ عَلَيْهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا (قُلْتُ) وَهَذَا يُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَاسْتَضْعَفْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى عَلَيْهَا الْعَاهَةُ الَّتِي وَرَدَ النَّهْيُ لِأَجْلِهَا فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَجِبُ تَبْقِيَتُهَا عَلَى الشَّجَرَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِي.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْخُوَارِزْمِيُّ وَعَلَّلَهُ بان العقد يحمل على العادة فِيهِ الْقَطْعُ وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا بِيعَتْ الثِّمَارُ مُفْرَدَةً عَنْ الْأَشْجَارِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِ الْأَشْجَارِ.
(فَرْعٌ) إذَا اشْتَرَاهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ وَقَطَعَ مِنْهَا شيئا قال الشافعي فيما نقله أحمد ابن بُشْرَى مِنْ نُصُوصِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ رده ولا أعلم له مِثْلًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيمَتُهُ (قُلْتُ) وَمِنْ هُنَا أُسْنِدَتْ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ أَنَّ الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَالَ إنَّهُ يضمن بالقيمة واطلاق صاحب التنبيه يقتضيه فهذا النَّصِّ اسْتَفَدْنَا أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا اشْتَرَى ذَلِكَ بِشَرْطِ الْقَطْعَ فَلَمْ يَتَّفِقْ الْقَطْعُ حَتَّى بَدَا الصَّلَاحُ فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لَا زَكَاةَ فِيهَا فَلِلْبَائِعِ الْإِجْبَارُ عَلَى الْقَطْعِ كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الزَّكَاةُ تَجِبُ فِيهَا فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لايجاب إلَى ذَلِكَ بَلْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ قَوْلَانِ وَقِيلَ بِمُجَرَّدِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِهَا وَبَطَلَ الْبَيْعُ رَوَاهُ الْقَفَّالُ عَنْ الشَّافِعِيِّ لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً فَانْهَالَتْ عَلَيْهَا حِنْطَةٌ أُخْرَى.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بَعْضُ الْمَبِيعِ وَهُوَ عَلَى الْإِشَاعَةِ فَلْيَكُنْ الْبُطْلَانُ إنْ قِيلَ بِهِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ كَمَا إذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ قَالَ وَجَوَابُهُ أَنَّ مَا فَضَلَ عَنْ قَدْرِ الزَّكَاةِ يَجِبُ قَطْعُهُ لَوْ بَقِيَ الْعَقْدُ فِيهِ
وَهُوَ لَا يُمْكِنُ فَلِذَلِكَ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ بَعْضِ الثِّمَارِ مَشَاعًا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْقِسْمَةِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ شَرْطِ الْقَطْعِ لِمَا في ذلك من تعيير عَيْنِ الْمَبِيعِ (الْقِسْمُ الثَّانِي) بِحَسَبِ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إذَا بِيعَتْ الثِّمَارُ مَعَ الْأَشْجَارِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقَلَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَصِّهِ فِي الرِّسَالَةِ وَقَدْ رَأَيْتُهَا فِي الْأُمِّ أَيْضًا فِي بَابِ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ يُبَاعُ أَصْلُهُ قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ بَيْعَ الثَّمَرَةِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا مَعَ الْحَائِطِ وَجَعَلْتُمْ لَهَا حصة من الثمن ولم يجيزوها عَلَى الِانْفِرَادِ (قِيلَ) بِمَا وَصَفْنَا مِنْ السُّنَّةِ وَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِالسُّنَّةِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم (لان أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ) وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جَوَازَ بَيْعِ الدَّارِ بِطُرُقِهَا ومسيل مأنها وَأَفْنِيَتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثمرة التي لم يبد صلاحها تتبع في البيع ولو بيع شئ مِنْ هَذَا عَلَى الِانْفِرَادِ لَمْ يَجُزْ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُبَاعُ بِجُمْلَةِ جَوَارِحِهِ وَلَوْ أُفْرِدَ بَعْضُهَا لَمْ يَجُزْ فَوَافَقَ فِي هَذَا وَخَالَفَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُ بَعْضِ جَوَارِحِهِ مَعَ الْقَطْعِ أَيْضًا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ يَعْنِي فِي الثَّمَرَةِ إذَا بِيعَتْ مَعَ الْأَصْلِ شَرْطًا لَقَالَ يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ الْقَطْعَ وَفِيهِ مَعْنًى وَهُوَ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأَصْلِ فَعُفِيَ عَنْ الْغَرَرِ فِيهَا كَأَسَاسَاتِ الدَّارِ وَأُصُولِ الْجُذُوعِ وَطَيِّ الْآبَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ (وَأَمَّا) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ أَيْضًا وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلْعَاهَةِ وَالثَّمَرَةُ تَابِعَةٌ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ عَدَلَ عَنْ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى الْحَمْلِ وَكَأَنَّهُ لَحَظَ فِي ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ أَجْزَاءٌ مِنْ الْمَبِيعِ حَقِيقَةً وَالثَّمَرَةُ وَالْحَمْلُ كُلٌّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِجُزْءٍ حَقِيقِيٍّ فَكَانَ قِيَاسُهَا عَلَيْهِ أَوْلَى وَلَكَ أَنْ تَقُولَ أَمَّا قِيَاسُهَا عَلَى الْحَمْلِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَا إذَا بِيعَتْ الْأُمُّ وَدَخَلَ الْحَمْلُ تَبَعًا فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَا إذَا صَرَّحَ بِدُخُولِهِ حَتَّى يَكُونَ كَمَسْأَلَتِنَا هُنَا فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ إنَّهُ إذَا قَالَ بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَحَمْلَهَا فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ (وَالثَّانِي) وَبِهِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الصِّحَّةُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ أَنَّ قَوْلَ الصِّحَّةِ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ لِلْحَمْلِ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ
قِسْطٌ (وَأَمَّا) قِيَاسُهَا عَلَى الْأَسَاسِ فَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَأَسَاسِهَا لَكِنَّهُمْ أَجْرَوْا خِلَافًا فِي بَيْعِ الْجُبَّةِ وَحَشْوِهَا فَطَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ بِخِلَافِ الْحَمْلِ وَطَرِيقَةٌ مُجْرِيَةٌ لِلْخِلَافِ فَهَلَّا جَرَى فِي الثَّمَرَةِ مِثْلُ هَاتَيْنِ الطَّرِيقِينَ (فَإِنْ قُلْتَ) مَأْخَذُ الْبُطْلَانِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا فِي بَيْعِ الدَّابَّةِ وَحَمْلِهَا وَالْجُبَّةِ وَحَشْوِهَا أَنَّهُ جَعَلَ الْمَجْهُولَ مَبِيعًا مَعَ الْمَعْلُومِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَمْلِ وَالْحَشْوِ يَمْتَنِعُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ وَالثَّمَرَةُ بَعْدَ التَّأْبِيرِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَلَكِنْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ هَذَا الشَّرْطِ عِنْدَمَا تُبَاعُ وَحْدَهَا إيجَابُهُ إذَا بِيعَتْ مَعَ غَيْرِهَا وَلَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ في مسألة الحمل الجبة الْقَوْلُ بِهِ هُنَا (قُلْتُ) يَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي قَدَّمْتُهُ قَرِيبًا بِجَوَازِ بَيْعِ الدَّارِ بِطُرُقِهَا وَمَسِيلِ مَائِهَا وَأَفْنِيَتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةِ التي لم يبد صلاحها تتبع في البيع فَهَذَا النَّصُّ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فِي الْجَمِيعِ وَأَنَّهُ إذَا قَالَ بِعْتُكَ الدَّابَّةَ وَحَمْلَهَا يَصِحُّ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي زَيْدٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ إذَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ فِيهَا مُطْلَقًا وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ صَارَتْ غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلْبَيْعِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَحْدَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَقْصُودًا مَعَ غَيْرِهِ كَالْحَمْلِ وَكَيْفَمَا قَدَرَ لَا يَصِحُّ قِيَاسُ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الثَّمَرَةِ عَلَى الْحَمْلِ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ بِعْتُكَ الدَّابَّةَ وَحَمْلَهَا (وَالْمَشْهُورُ) خِلَافُهُ فَكَيْفَ سَاغَ لِلْمُصَنَّفِ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ.
وَمِمَّنْ وَافَقَ الْمُصَنِّفَ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْحَمْلِ الرَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِ أَشَدُّ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ بَيْعَ الْأُمِّ وَحَمْلَهَا لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ (وَأَمَّا) الْمُصَنِّفُ فَلَعَلَّهُ يَرَى الصِّحَّةَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ قَالَ إنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الشَّاةِ وَلَبَنِهَا وَالْجُبَّةِ وَقُطْنِهَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الْحَشْوَ قُطْنٌ وَقَالَ إنَّ مَسْأَلَةَ الْحَمْلِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ لَا يَعْنِي إنْ قُلْنَا لَهُ قِسْطٌ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ وَيَتَّفِقُ وُجُودُهُ وَاسْتَشْهَدَ لِلصِّحَّةِ فِي بيع الشاة ولبها بِبَيْعِ الدَّارِ وَحُقُوقِهَا وَالْجَوْزِ وَلُبِّهِ وَالرُّمَّانِ وَحَبِّهِ عَلَى أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إنَّهُ يَجُوزُ تَخْرِيجُهُمَا أَعَنَى الْجَوْزَ وَلُبَّهُ وَالرُّمَّانَ وَحَبَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فَبِالْجُمْلَةِ الرَّافِعِيُّ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الْحَمْلِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مِمَّنْ يَرَى الصِّحَّةَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَيْسَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ وَذَلِكَ يَعْضُدُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمْلِ وَيُقَوِّي الْإِشْكَالَ عَلَى الْقِيَاس عَلَيْهِ وَقَدْ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ
لِخَفَاءِ مَأْخَذِ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ انْتِفَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ عَنْ الْإِمَامِ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَهُوَ امْتِصَاصُهَا مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِيمَا إذَا بَاعَهَا مَعَهَا أَوْ نَقُولُ بِأَنَّهَا إذَا بَاعَهَا مَعَ الشجر حَصَلَ تَسْلِيمُهَا تَامًّا فَحَصَلَ الْأَمْنُ مِنْ الْعَاهَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِكُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُقْتَضِي لِبُطْلَانِ بَيْعِهَا وَحْدَهَا مَعْقُودٌ فِي بَيْعِهَا مَعَ الشَّجَرَةِ فَتَعْلِيلُ الصِّحَّةِ بِهَذَا الْمَأْخَذِ أَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالتَّبَعِيَّةِ لِمَا عَرَفْتَهُ (فَإِنْ قُلْتَ) ظَاهِرُ مَا حَكَيْتُهُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ فِي بَيْعِ الدَّارِ بِمَسِيلِهَا وَأَفْنِيَتِهَا وَطُرُقِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَكَيْفَ يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى أَمَاكِنَ لَمْ يَرَهَا الْعَاقِدُ (قُلْتُ) يُغْتَفَرُ ذَلِكَ تَبَعًا كَالْأَسَاسِ وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ مَا دَخَلَ فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ وَكَانَ جزأ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مَعَهُ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ وَالْأَسَاسِ وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ مُسَمَّاهُ وَلَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْهُ ظَاهِرُ النَّصِّ الَّذِي حَكَيْتُهُ يَقْتَضِي الْجَوَازَ فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَسِيلَ وَالطُّرُقَ خَارِجَةٌ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَالْحَمْلُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَالْجُزْءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ فِيهِ وَإِنْ صَحَّ في تبلك تَخْرِيجًا عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْلَمُ وَلِهَذَا قال الشافعي في كتاب الصرف ولاخير في أن يبيع الرجل الدابة ويشترط عقابها هَذَا كُلُّهُ إذَا جَعَلَهُ مَقْصُودًا بِأَنْ قَالَ بعنك النَّخْلَةَ وَثَمَرَتَهَا أَوْ الْجَارِيَةَ وَحَمْلَهَا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَبْدَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ (وَأَمَّا) مَا ادَّعَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاطِ كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ هَذِهِ النَّخْلَةَ بِشَرْطِ أَنَّ ثَمَرَتَهَا لَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ صحيح لاشك فيه للحديث ما إذَا أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ كَقَوْلِهِ بِعْتُكَ النَّخْلَةَ وَثَمَرَتَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ المالكية لكن مذهب مالك أنه لاحصة لِلثَّمَرَةِ مِنْ الثَّمَنِ وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ إذَا اشْتَرَاهَا مُشْتَرِي النَّخْلَةِ بَعْدَ شِرَاءِ النَّخْلَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مَعَ الْأُصُولِ وَلَا فِيهَا إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ فَقَطْ أَخْذًا بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَلِلْأَوَّلِينَ أَنْ يَقُولُوا إنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِدْخَالِهَا بِالشَّرْطِ إلَّا إدْخَالُهَا فِي الْبَيْعِ وَإِلَّا فَهِيَ لَا تَدْخُلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَمَتَى أَدْخَلَهَا فِي الْبَيْعِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ فَقَدْ صَارَتْ مَبِيعَةً مَعَ الشَّجَرِ نَعَمْ هل تقابل بقسط من الثمن أولا جَزَمَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ هُنَا بِأَنَّهَا تُقَابَلُ بِقِسْطٍ وَقَالَ فِي الْحَمْلِ هُنَا إنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مَعَ أَنَّ الْأَصَحَّ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يقابل أيضا.