كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الحل وان رمي إلى صيد في الحل فعدل السهم وأصاب صيدا في الحرم فقتله لزمه الجزاء لان العمد والخطأ في ضمان الصيد سواء وان أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الحل فدخل الصيد الحرم فتبعه الكلب فقتله لم يلزمه الجزاء لان للكلب اختيارا ودخل الحرم باختياره بخلاف السهم
- قال في الاملاء إذا أمسك الحلال صيدا في الحل وله فرخ في الحرم فمات الصيد في يده ومات الفرخ ضمن الفرخ لانه مات في الحرم بسبب من جهته ولا يضمن الام لانه صيد في الحل مات في يد الحلال)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ من طرق والخلا بفتح الخاء المعجمة مقصور هو رطب الكلاء قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْحَشِيشُ هُوَ الْيَابِسُ مِنْ الكلاء والخلا هُوَ الرَّطْبُ مِنْهُ وَمَعْنَى يُعْضَدُ يَقْطَعُ وَالْإِذْخِرُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مَعْرُوفٌ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَصَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ بِالْإِجْمَاعِ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ونبه صلى الله عليه وسلم بالتقتير عَلَى الْإِتْلَافِ وَغَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَيَحْرُمُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ كُلُّ مَا يَحْرُمُ فِي صَيْدِ الْإِحْرَامِ مِنْ اصْطِيَادِهِ وَتَمَلُّكِهِ وَإِتْلَافِهِ وَإِتْلَافِ أَجْزَائِهِ وَجُرْحِهِ وَتَنْفِيرِهِ وَالتَّسَبُّبِ إلَى ذَلِكَ وَيَحْرُمُ بَيْضُهُ وَإِتْلَافُ رِيشِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ وَلَا يختلفان في شئ مِنْ ذَلِكَ
- وَحُكْمُ لَبَنِهِ حُكْمُ لَبَنِ صَيْدِ الْإِحْرَامِ كَمَا سَبَقَ فَإِنْ قَتَلَ حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ أَوْ تَلِفَ بِسَبَبٍ مِنْهُ ضَمِنَهُ وَضَابِطُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّهُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْجَزَاءِ وَقَدْرِ الْجَزَاءِ وَصِفَتِهِ
- وَلَوْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- وَلَوْ أَدْخَلَ حَلَالٌ إلَى الْحَرَمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ كَانَ لَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ كَالنَّعَمِ وَغَيْرِهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- وَإِنْ ذَبَحَ حَلَالٌ صَيْدًا حَرَمِيًّا حُرِّمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ بِلَا خِلَافٍ وَفِي تَحْرِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ طَرِيقَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا بِفُرُوعِهِمَا فِي الْبَابِ السَّابِقِ وَالْمَذْهَبُ تَحْرِيمُهُ فَيَكُونُ مَيْتُهُ نَجِسًا كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ وَكَالْحَيَوَانِ الَّذِي لا يؤكل
- ولو رمى من الحل صَيْدًا فِي الْحَرَمِ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ وَأَرْسَلَ كَلْبًا فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- وَلَوْ رَمَى حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فَأَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ أَوْ رَمَى مُحْرِمٌ إلَيْهِ فَتَحَلَّلَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْأَصَحِّ وَسَبَقَ مِثْلُهُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فِي الْبَابِ
السَّابِقِ
- وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَفِيهِ خمسة اوجه الثلاثة الاولى منها حكاهما صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ وَغَيْرُهُمَا (أَحَدُهَا) لا جزاء فيه لانه لم بتمحض حَرَمِيًّا (وَالثَّانِي) إنْ كَانَ أَكْثَرَهُ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَهُ فِي الْحِلِّ فلا اعتبارا بِالْغَالِبِ (وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ ضَمِنَهُ وَإِنْ كَانَ عَكْسَهُ فَلَا اعتبار بِمَا كَانَ عَلَيْهِ (وَالرَّابِعُ) وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ إنْ كَانَ رَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ وَقَوَائِمُهُ كُلُّهَا فِي الْحِلِّ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَاحِدَةً تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ (وَالْخَامِسُ) يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ بِكُلِّ حَالٍ حَتَّى لَوْ كَانَ رَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ وَقَوَائِمُهُ كُلُّهَا فِي الْحِلِّ وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ مُسْتَيْقِظٌ وَجَبَ الْجَزَاءُ وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (أَمَّا) إذَا رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَمَرَّ السَّهْمُ فِي ذَهَابِهِ فِي طَرَفٍ مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَصَابَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا (أَحَدُهُمَا) لَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَتَخَيَّرَ فِي مُرُورِهِ فِي طَرَفِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَوْ قَوْلٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّهُ يَضْمَنُ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ (وَأَصَحُّهُمَا) يَضْمَنُ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلِ الْكَلْبِ فَإِنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ السَّهْمِ وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَعَدَلَ الصَّيْدُ فَدَخَلَ الْحَرَمَ فَأَصَابَهُ السَّهْمُ وَجَبَ الضَّمَانُ وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فَأَصَابَهُ لَمْ يَجِبْ ثُمَّ فِي مَسْأَلَةِ إرْسَالِ الْكَلْبِ وَتَخَطِّيهِ طَرَفَ الْحَرَمِ إنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا كَانَ لِلصَّيْدِ مُقَرٌّ آخَرُ فَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ عِنْدَ الْهَرَبِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ قَطْعًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْسِلُ عَالِمًا بِالْحَالِ أَوْ جَاهِلًا وَلَكِنْ يَأْثَمُ الْعَالِمُ دُونَ الْجَاهِلِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِيمَا إذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَعَدَلَ الصَّيْدُ إلَى الْحَرَمِ فَتَبِعَهُ الْكَلْبُ فَقَتَلَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ مُرْسِلُهُ قَدْ زَجَرَهُ عَنْ اتِّبَاعِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ فَإِنْ لَمْ ينزجر فعليه الاجزاء لِأَنَّ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ إذَا أُرْسِلَ إلَى صَيْدٍ تَبِعَهُ أَيْنَ تَوَجَّهَ
- هَذَا كَلَامُهُ وَهَذَا الَّذِي شَرَطَهُ مِنْ الزَّجْرِ غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَصْحَابُ
(فَرْعٌ) لَوْ كَانَتْ شَجَرَةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْحَرَمِ وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِلِّ فَوَقَعَ عَلَى الْغُصْنِ طَائِرٌ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي الْحِلِّ فَلَا ضَمَانَ وَلَوْ قَطَعَ الْغُصْنَ ضَمِنَ الْغُصْنَ لِأَنَّ الْغُصْنَ جُزْءٌ مِنْ الشَّجَرَةِ تَابِعٌ لَهَا وَالشَّجَرَةُ مَضْمُونَةٌ فَكَذَا غُصْنُهَا وَأَمَّا الطَّائِرُ فَلَيْسَ جُزْءًا مِنْ الشَّجَرَةِ وَلَا هُوَ فِي الْحَرَمِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحِلِّ فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ وَعَكْسُهُ لَوْ كَانَتْ الشجرة ثابتة؟ فِي الْحِلِّ وَغُصْنُهَا فِي الْحَرَمِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ طَائِرٌ فَقَتَلَهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ فِي هَوَاءِ الْحَرَمِ وَلَوْ قَطَعَ الْغُصْنَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِشَجَرَةٍ فِي الْحِلِّ وَهَذَا الْفَرْعُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تُشِيرُ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى الصُّورَتَيْنِ
- قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ وَقَفَ الْحَلَالُ عَلَى الْغُصْنِ وَرَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ الَّذِي عَلَى الْغُصْنِ فَإِنْ كَانَ الْغُصْنُ فِي هَوَاءِ الْحَرَمِ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لو قتل انسان صيدا مملوكا في الحرم فان كان القاتل محرما فقد سبق في الباب الماضي ان عليه الاجزاء للمساكين وعليه القيمة لمالكه وإن كان حلالا فعليه القيمة لمالكه ولا جزاء عليه لانه ليس له حكم صيد الحرم ولهذا لو قتله صاحبه لم يلزمه الجزاء بخلاف صيد الاحرام وممن صرح بالمسألة الماوردى
- (فَرْعٌ) لَوْ أَخَذَ حَمَامَةً فِي الْحِلِّ أَوْ أَتْلَفَهَا فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ وَلَا يضمنها لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
- وَلَوْ أَخَذَ الْحَمَامَةَ مِنْ الْحَرَمِ وَقَتَلَهَا فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الْحِلِّ ضَمِنَ الْحَمَامَةَ وَالْفَرْخَ جَمِيعًا لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِسَبَبٍ جَرَى مِنْهُ فِي الْحَرَمِ كما رَمَى مِنْ الْحَرَمِ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ لَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ فَفَسَدَ بَيْضُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ كَمَا يَضْمَنُ الْفَرْخَ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ تَعَرَّضَ لِضَمَانِهِ فَإِنْ مَاتَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ بِصَدْمَةٍ أَوْ أَخْذِ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَكَذَا لَوْ دَخَلَ الْحِلَّ فقتله حلال لزم المنفر الجزاء ولا شئ على الحلال القاتل فان أخذه محرم في احل وَجَبَ الْجَزَاءُ عَلَى الْآخِذِ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ
- هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا قتله الحلال فلا جزاء عليه كما ذكرنا
- قَالَ وَأَمَّا الْمُنَفِّرُ لَهُ مِنْ الْحَرَمِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ حِينَ نَفَّرَهُ أَلْجَأَهُ إلَى الْحِلِّ وَمَنَعَهُ مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّ الصَّيْدَ مُلْجَأٌ وَالتَّنْفِيرَ سَبَبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الجاءه إلَى الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ وَلَا مَنَعَهُ الْعَوْدَ إلَى الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُلْجَأٍ وَالْمُبَاشَرَةُ أَقْوَى مِنْ السَّبَبِ
- هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ
عَلَى الْمُنَفِّرِ مِنْ الْحَرَمِ ضَمَانُهُ إذَا قَتَلَهُ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ مَا لَمْ يَسْكُنُ نِفَارُهُ وَلَا يُزَالُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَسْكُنَ نِفَارُهُ وَيَسْكُنَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ فَإِذَا سَكَنَ فِي مَكَان مِنْهُمَا زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ وَقَبْلَ السُّكُونِ هُوَ فِي ضَمَانِهِ
- هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ فَقَالَ لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلضَّمَانِ فَإِنْ اسْتَمَرَّ النِّفَارُ حَتَّى خَرَجَ من الحرم فسكن في احل وَجَبَ الضَّمَانُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ ثُمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ يَدُومُ التَّعَرُّضُ لِلضَّمَانِ حَتَّى يَزُولَ نِفَارُهُ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْحَرَمِ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا أَرَاهُ ذِلَّةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي رَدِّهِ إلَى الْحَرَمِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِخُرُوجِهِ لِلضَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا خَرَجَ الصَّيْدُ الْحَرَمِيُّ إلَى الْحِلِّ حَلَّ لِلْحَلَالِ اصْطِيَادُهُ في الحل ولا شئ عليه في إتلافه لانه صار صيد حل كَمَا أَنَّ صَيْدَ الْحِلِّ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ حَرُمَ اصْطِيَادُهُ لِأَنَّهُ صَارَ صَيْدَ حَرَمٍ وَحَكَى الْبَغَوِيّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ صَيْدِ الْحَرَمِ فِي الْحِلِّ كَمَا لَوْ قَلَعَ شجرة من الحرم وَغَرَسَهَا فِي الْحِلِّ لَا يَحِلُّ قَطْعُهَا قَالَ وَالْفَرْقُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ الصَّيْدَ يَتَحَوَّلُ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَكَانِ الْمُتَحَوَّلِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الشَّجَرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْبَغَوِيّ إذَا دخل شئ مِنْ الْجَوَارِحِ إلَى الْحَرَمِ فَفَلَتَ فَأَتْلَفَ صَيْدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذَا فِي الْحَرَمِ
- (فَرْعٌ) إذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِيهَا صَيْدٌ فَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي أَنَّهُ إنْ حَفَرَهَا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ وَإِنْ حَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ فَالْأَصَحُّ الضَّمَانُ أَيْضًا وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً هُنَاكَ
- وَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ بِهَا صَيْدٌ ضَمِنَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ الْحَرَمِ فَنَصَبَهَا فِي الْحِلِّ فَتَلِفَ بِهَا صَيْدٌ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ الْحِلِّ فَنَصَبَهَا فِي الْحَرَمِ ضَمِنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ كَانَ الْحَلَالُ جَالِسًا فِي الْحَرَمِ فَرَأَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَعَدَا إلَيْهِ فَقَتَلَهُ فِي الْحِلِّ فَلَا ضَمَانَ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ رَمَى سَهْمًا مِنْ الْحَرَمِ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إنْ ابْتَدَأَ الِاصْطِيَادَ مِنْ حِينِ الرَّمْيِ لِأَنَّ السَّهْمَ لَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ وَلَيْسَ ابْتِدَاءُ الِاصْطِيَادِ مِنْ حِينِ الْعَدْوِ بَلْ مِنْ حِينِ ضَرْبِهِ وَلِهَذَا شُرِعَ لَهُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ إرْسَالِ السَّهْمِ
وَلَا يُشْرَعُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَدْوِ إلَى ضَرْبِهِ بَلْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ ضَرْبِهِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ مُرْسِلَ السَّهْمِ اصْطَادَ فِي الْحَرَمِ بِخِلَافِ الْعَادِي قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ وَهَكَذَا لَوْ عَدَا مِنْ الْحِلِّ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَسَلَكَ الْحَرَمَ ثُمَّ خرج إليه فقتله فلا شئ عليه بلا خلاف *
- قال المصنف رحمه الله
- (وان دخل كافرا الي الحرم فقتل فيه صيدا فقد قال بعض أصحابنا يجب عليه الضمان لانه ضمان يتعلق بالاتلاف فاستوى فيه المسلم والكافر كضمان الاموال ويحتمل عندي انه لا ضمان عليه لانه غير ملتزم بحرمة الحرم فلا يضمن صيده)
- (الشَّرْحُ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَأَوْهَمَ انْفِرَادَ بَعْضِ الْأَصْحَابِ بِهِ مَعَ أَنَّهُ مَشْهُورٌ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ غَرِيبٌ انْفَرَدَ بِهِ وَجَعَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا فَحَكَاهُ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَرَجَّحَهُ الْفَارِقِيّ تِلْمِيذُ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ الْمَذْهَبُ وُجُوبُ الضَّمَانِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ
الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْلِيقِ وَالْمُجَرَّدِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ وَلَا يُفَارِقُ الكفر الْمُسْلِمَ فِي ضَمَانِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ وَسَائِرِ نباته الا في شئ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَزَاءُ بالصيام بل يتخير بين المثل والطعام * قال المصنف رحمه الله
- (ويحرم قلع شجر الحرم ومن أصحابنا من قال ما أنبته الآدميون يجوز قلعه والمذهب الاول لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ولان ما حرم لحرمة الحرم استوى فيه المباح والمملوك كالصيد ويجب فيه الجزاء فَإِنْ كَانَتْ شَجَرَةً كَبِيرَةً ضَمِنَهَا بِبَقَرَةٍ وَإِنْ كانت صغيرة ضمنها بشاة لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال (في الدوحة بقرة وفى الشجرة الجزلة شاة) فان قطع غصنا منها ضمن ما نقص فان نبت مكانه فهل يسقط عنه الضمان علي القولين بناء على القولين في السن إذا قلع ثم نبت
- ويجوز أخذ الورق ولا يضمنه لانه لا يضر بها وان قلع شجرة من الحرم لزمه ردها الي موضعها كما إذا أخذ صيدا منه لزمه تخليته فان أعادها إلى موضعها فنبت لم يلزمه شئ وان لم تنبت وجب عليه ضمانها
- ويحرم قطع حشيش الحرم لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) ويضمنه لانه ممنوع من قطعه لحرمة الحرم فضمنه كالشجر وان قطع الحشيش فنبت مكانه لم يلزمه الضمان قولا واحدا لان ذلك يستخلف في العادة فهو كسن الصبى إذا قلعه فنبت مكانه مثله بخلاف الاغصان ويجوز قطع الاذخر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما ولان الحاجة تدعو إليه ويجوز رعى الحشيش لان الحاجة تدعو الي ذلك فجاز كقطع الاذخر ويجوز قطع العوسج والشوك لانه مؤذ فلم يمنع من إتلافه كالسبع والذئب)
- (الشرح) قوله ولا مَا حُرِّمَ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ فِي حَقِّ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُبَاحُ وَالْمَمْلُوكُ بَلْ يَحِلُّ لَهُ اصْطِيَادُ الْمُبَاحِ دُونَ الْمَمْلُوكِ قَالَ الْقَلَعِيُّ وَقِيَاسُهُ عَلَى الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لان الصيد المملوك يجوز ذبحه وتثبت الْيَدُ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ دُونَ الْمُبَاحِ وَإِنَّمَا يستوى المباح والمملوك في التحريم على لمحرم خَاصَّةً وَالدَّوْحَةُ بِدَالٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا واو ساكنة وهى العظيمة (وقوله) ممنوع قَطْعِهِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ احْتِرَازٌ مِنْ قَطْعِ شَجَرٍ وج والنقيع وَغَيْرِهِمَا وَقَالَ الْقَلَعِيُّ احْتِرَازٌ مِنْ قَطْعِ يَدِ نفسه وهذا صحيح لكن الْأَوَّلَ أَحْسَنُ (قَوْلُهُ) يَسْتَخْلِفُ لَوْ قَالَ يَخْلُفُ كَانَ أَجْوَدَ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ كَمَا يَحْرُمُ اصْطِيَادُ صَيْدِهِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِنَبَاتِهِ الضَّمَانُ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ المصنف والعراقيون وجماعة وغيرهم يَتَعَلَّقُ كَالصَّيْدِ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ
(أصحهما) هذا (والثاني) لا ضمان فيه لان الصَّيْدَ نَصَّ فِيهِ عَلَى الْجَزَاءِ بِخِلَافِ النَّبَاتِ وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَوْهُ عَنْ الْقَدِيمِ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الضمان
- ثم النبات ضربان شجر وغيره (أما) الشَّجَرُ فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ بِالْقَلْعِ وَالْقَطْعِ لِكُلِّ شَجَرٍ رَطْبٍ حَرَمِيٍّ غَيْرِ مُؤْذٍ فَاحْتَرَزْنَا بِالرَّطْبِ عَنْ الْيَابِسِ فَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا نِصْفَيْنِ
- هَكَذَا قَاسَهُ الْبَغَوِيّ وَالْأَصْحَابُ وَاحْتَرَزْنَا بِغَيْرِ مُؤْذٍ عَنْ الْعَوْسَجِ وَكُلِّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِهِ ضَمَانٌ كَالْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي
- هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَاخْتَارَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ مَضْمُونٌ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَيُخَالِفُ الْحَيَوَانُ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَذَى وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ (وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا) وَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْوَجْهَ وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْمَذْهَبِ أَنْ يُجِيبُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُؤْذِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاحْتَرَزْنَا بِالْحَرَمِيِّ عَنْ أَشْجَارِ الْحِلِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْلَعَ شَجَرَةً مِنْ الْحَرَمِ وَيَنْقُلَهَا إلَى الْحِلِّ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا وَلَوْ نَقَلَ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ مِنْ بُقْعَةٍ مِنْ الْحَرَمِ إلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنْهُ لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ وَسَوَاءٌ نَقَلَ أَشْجَارَ الْحَرَمِ أَوْ أَغْصَانَهَا إلَى الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ يُنْظَرُ إنْ يَبِسَتْ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَإِنْ نَبَتَتْ فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فَلَوْ قَلَعَهَا قَالِعٌ لَزِمَ الْقَالِعَ الْجَزَاءُ إبْقَاءً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ وَلَوْ قَلَعَ شَجَرَةً أَوْ غُصْنًا مِنْ الْحِلِّ وَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَنَبَتَتْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْحَرَمِ فلو قلعها هو أو غيره فلا شي هـ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ
- اتَّفَقَ
أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا فِي الطَّرِيقِينَ
- وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ نَقَلُوا الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الصَّيْدِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَيَجِبُ الْجَزَاءُ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِأَصْلٍ ثَابِتٍ فَاعْتُبِرَ مَكَانُهُ وَالشَّجَرُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فَلَهُ حُكْمُ مَنْبَتِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِلِّ حَرُمَ قَطْعُ أَغْصَانِهَا وَوَجَبَ فِيهِ الضَّمَانُ وَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا في الحرم فلا شئ فِي قَطْعِ أَغْصَانِهَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَلَوْ كَانَ بَعْضُ أَصْلِ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَلِجَمِيعِهَا حُكْمُ الْحَرَمِ
- (فَرْعٌ) إذَا أَخَذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حُرْمِيَّةٍ وَلَمْ يَخْلُفْ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ وَسَبِيلُهُ ضَمَانِ جُرْحِ الصَّيْدِ وَإِنْ أَخْلَفَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِكَوْنِ الْغُصْنِ لَطِيفًا كَسِوَاكٍ وَغَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ
- وَإِذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ لِعَدَمِ إخْلَافِهِ فَنَبَتَ الغصن وكان المقطوع مثل النابت فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ (أَصَحُّهُمَا) لَا يَسْقُطُ
- (فَرْعٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ أَخْذِ أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ لَكِنْ يُؤْخَذُ بِسُهُولَةٍ وَلَا يَجُوزُ خَبْطُهَا بِحَيْثُ يُؤْذِي قُشُورَهَا
- قَالَ أَصْحَابُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ أَخْذُ الْوَرِقِ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَقَطْعُ الْأَغْصَانِ الصِّغَارِ لِلسِّوَاكِ
- وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ يَجُوزُ أَرَادَ إذَا لَقَطَ الْوَرِقَ بِيَدِهِ وَكَسَرَ الْأَغْصَانَ الصِّغَارَ بِيَدِهِ بِحَيْثُ لَا تَتَأَذَّى نَفْسُ الشَّجَرَةِ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ لَا يَجُوزُ أَرَادَ إذَا خَبَطَ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَسَاقَطَ الْوَرِقُ وَتَكَسَّرَتْ الْأَغْصَانُ لِأَنَّ ذَلِكَ يضر الشجرة هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّأْوِيلَ لِلْحَصْرِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ أَخْذِ ثِمَارِ شَجَرِ الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَتْ أَشْجَارًا مُبَاحَةً كَالْأَرَاكِ وَيُقَالُ لِثَمَرَةِ الْأَرَاكِ الْكَبَاثُ بِكَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مُخَفَّفَةٍ ثُمَّ أَلْفٍ ثُمَّ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَخْذِ عُودِ السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ وَسَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي الْفَرْقُ بَيْنَ أَخْذِ الْأَوْرَاقِ وَأَخْذِ شَعْرِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لِأَنَّ أَخْذَهُ يَضُرُّ الْحَيَوَانَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ
(فَرْعٌ) هَلْ يَعُمُّ التَّحْرِيمُ وَالضَّمَانُ مَا يَنْبُتُ مِنْ الْأَشْجَارِ بِنَفْسِهِ وَمَا يُسْتَنْبَتُ أَمْ يَخْتَصُّ بِمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) وَأَشْهَرُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ (وَأَصَحُّ) الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِهِمْ التَّعْمِيمُ (وَالثَّانِي) التَّخْصِيصُ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) الْقَطْعُ بِالتَّعْمِيمِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِمَا وَآخَرُونَ قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَشَجَرُ الْحَرَمِ حَرَامٌ سَوَاءٌ نَبَتَ بِنَفْسِهِ أو أنبته آدمى
- قال وحكي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يَحْرُمُ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ دُونَ مَا أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ
- قَالَ أَبُو حَامِدٍ وَإِنَّمَا أُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْإِمْلَاءِ وَلَوْ قَطَعَ شَجَرَةً مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إذَا كَانَ لَا مَالِكَ لَهُ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالِكٌ فَلَا جَزَاءَ
- قَالَ أَبُو حامد وهذا ليس بشئ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ الشَّجَرَ الَّذِي لَا مَالِكَ لَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْجَزَاءُ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالَهُ مَالِكٌ لِأَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ أَوْ الْقِيمَةَ هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ وَقَطَعَ الْمَاسَرْجِسِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ مَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ التَّمْرِ كَالْعِنَبِ وَالنَّخْلِ وَالتُّفَّاحِ وَالتِّينِ وَنَحْوِهَا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ هَذَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ هَذَا خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَخِلَافُ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا فَإِنَّ التَّحْرِيمَ وَالضَّمَانَ عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ وَهَكَذَا نَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ فِي شَجَرِ السَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ وَسَائِرِ مَا أَنْبَتَهُ الْأَرْضُ مِنْ الثِّمَارِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ التَّعْمِيمُ فَإِذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ وَهُوَ التَّخْصِيصُ زِيدَ فِي الضَّابِطِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ قَيْدٌ آخَرُ وَهُوَ كَوْنُ الشَّجَرِ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ وَعَلَى هَذَا القول يحرم الادراك وَالطَّرَفَا وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَشْجَارِ الْبَوَادِي دُونَ التِّينِ وَالْعِنَبِ وَالتُّفَّاحِ وَالصَّنَوْبَرِ وَسَائِرِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ سَوَاءٌ كَانَ مُثْمِرًا كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ غَيْرُهُ كالحلان وَأَدْرَجَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي هَذَا الْقَسَمِ الْعَوْسَجَ
- وَأَنْكَرَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ذُو شَوْكٍ وقد سبق اتفاق على ان ماله شَوْكٌ لَا يَحْرُمُ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ
- وَعَلَى هذا الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَهُوَ التَّخْصِيصُ لَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنْبَتُ أَوْ عَكْسُهُ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْجِنْسِ فَيَجِبُ الضَّمَانُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلُ أبى العباس بن العاص فِي التَّلْخِيصِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْقَصْدِ فَيَنْعَكِسُ الْحُكْمُ (وَإِنْ قُلْنَا) بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ التَّعْمِيمُ فَجَمِيعُ الشَّجَرِ حَرَامٌ سَوَاءٌ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَمَا أَنْبَتَهُ آدَمِيٌّ وَالْمُثْمِرُ وَغَيْرُهُ إلَّا الْعَوْسَجَ وَسَائِرَ شَجَرِ الشَّوْكِ وَكَذَا مَا قَطَعَ
مِنْ الْحِلِّ وَغَرَسَ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ صُورَةُ مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ فِيمَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ أَنْ يَأْخُذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حُرْمِيَّةٍ فَيَغْرِسُهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ أَمَّا إذَا أَخَذَ شَجَرَةً أَوْ غُصْنًا مِنْ الْحِلِّ فَغَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ ثُمَّ قَلَعَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا شي عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ
- (فَرْعٌ) لَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ حُرْمِيَّةٍ وَمَنَعَتْ النَّاسَ الطَّرِيقَ أَوْ آذَتْهُمْ جَازَ قَطْعُ الْمُؤْذِي مِنْهَا
- هَذَا هو المذهب وبه قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ مرزبان ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي الضَّمَانُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ حَيْثُ وَجَبَ ضَمَانُ الشَّجَرِ فَإِنْ كَانَتْ شَجَرَةً كَبِيرَةً ضَمِنَهَا بِبَقَرَةٍ وَإِنْ شَاءَ بِبَدَنَةٍ وَمَا دُونَهَا بِشَاةٍ
- قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَالْمَضْمُونَةُ بِشَاةٍ مَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ سُبْعِ الْكَبِيرَةِ فَإِنْ صَغُرَتْ جِدًّا فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ الْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ وَالْقِيمَةُ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّخْيِيرِ كَالصَّيْدِ فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْبَقَرَةَ أو الشاة فَذَبَحَهَا وَفَرَّقَ لَحْمَهَا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا دَرَاهِمَ وَأَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتْلِفُ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ صِيَامَهُ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الدَّوْحَةُ هِيَ الشَّجَرَةُ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْأَغْصَانِ وَالْجَزْلَةُ الَّتِي لَا أَغْصَانَ لَهَا وَأَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْجَزْلَةَ هِيَ الصَّغِيرَةُ (الضَّرْبُ الثَّانِي) مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ غَيْرِ الشَّجَرِ وَهُوَ نَوْعَانِ (أَحَدُهُمَا) مَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ والقطفرة والبقول وَالْخَضْرَاوَاتِ فَيَجُوزُ لِمَالِكِهِ قَطْعُهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ وَلَا شئ عَلَيْهِ لِلْمَسَاكِينِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ (النَّوْعُ الثَّانِي) مَا لَمْ يُنْبِتْهُ الْآدَمِيُّ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ (الْأَوَّلُ) الْإِذْخِرُ وَهُوَ مُبَاحٌ فَيَجُوزُ قَلْعُهُ وَقَطْعُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَالثَّانِي) الشَّوْكُ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ وَقَلْعُهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْعَوْسَجِ وَشَجَرِ الشَّوْكِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ هُنَا الْمَاوَرْدِيُّ (الثَّالِثُ) مَا كَانَ دَوَاءً كَالسَّنَا وَنَحْوِهِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) الْقَطْعُ بِجَوَازِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَأُلْحِقَ بِالْإِذْخِرِ وَقَدْ أَبَاحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الاذخر للحاجة هذا فِي مَعْنَاهُ
- وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهَذَا الطَّرِيقِ الْمَاوَرْدِيُّ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْجَوَازُ (وَالثَّانِي) الْمَنْعُ
- وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الطَّرِيقَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ لَكِنْ
خَصَّ هَؤُلَاءِ الْخِلَافَ بِمَا إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِلدَّوَاءِ وَلَمْ يَخُصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بَلْ عَمَّمَهُ وَجَعَلَهُ مُبَاحًا مُطْلَقًا كَالْإِذْخِرِ (الرَّابِعُ) الْكَلَأُ فَيَحْرُمُ قَطْعُهُ وَقَلْعُهُ إنْ كَانَ رَطْبًا فَإِنْ قَلَعَهُ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِهَا طَعَامًا وَالصِّيَامِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ وَالصَّيْدِ
- هَذَا إذَا لَمْ يَخْلُفْ الْمَقْلُوعَ فَإِنْ أَخْلَفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لان الغالب هنا الا خلاف فَهُوَ كَسِنِّ الصَّبِيِّ فَإِنَّهَا إذَا قُلِعَتْ فَنَبَتَتْ فَلَا ضَمَانَ قَوْلًا وَاحِدًا
- هَكَذَا ذَكَرَ الْأَصْحَابُ في الطرقتتين الْحُكْمَ وَالدَّلِيلَ
- وَشَذَّ عَنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فقال في تعليه إذَا قَطَعَ الْحَشِيشَ ثُمَّ نَبَتَ ضَمِنَهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَا يَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْغُصْنِ إذا عاد قال والفرق ان الحشيش بخلف فِي الْعَادَةِ فَلَوْ أَسْقَطْنَا الضَّمَانَ عَنْ قَاطِعِهِ بِعَوْدِهِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْإِغْرَاءِ بِقَطْعِهِ بِخِلَافِ الْغُصْنِ فَإِنَّهُ قَدْ يَعُودُ وَقَدْ لَا يَعُودُ
- هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ وَجَزَمَ هُوَ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ إذَا نَبَتَ الْحَشِيشُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ
- هَذَا إذَا عَادَ كَمَا كَانَ فَإِنْ عَادَ نَاقِصًا ضَمِنَ مَا نَقَصَ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْيَابِسِ (أَمَّا) الْيَابِسُ فقال البغوي ان كان قطعه فلا شئ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ الْيَابِسِ وَإِنْ قَلَعَهُ لَزِمَهُ الضَّمَانَ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْلَعْهُ لَنَبَتَ ثَانِيًا هَذَا لَفْظُ الْبَغَوِيِّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ
- وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا جَفَّ الْحَشِيشُ وَمَاتَ جَازَ قَلْعُهُ وَأَخْذُهُ وَهَذَا لَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْبَغَوِيِّ فَيَكُونُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ إنَّ الْقَلْعَ يُوجِبُ الضَّمَانَ فِيمَا إذَا كَانَ الْيَابِسُ لَمْ يَمُتْ بَلْ هُوَ مِمَّا يَنْبُتُ لَوْلَا الْقَلْعُ وَلَمْ يفسد أصله وقول الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا هُوَ فِيمَا مَاتَ وَلَا يُرْجَى نَبَاتُهُ لَوْ بَقِيَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاتَّفَقَ
أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ تَسْرِيحِ الْبَهَائِمِ فِي كَلَأِ الْحَرَمِ لِتَرْعَى وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ فَوَجَدْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ وَأَرْسَلْتَ الْأَتَانَ يَرْتَعُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمِنًى مِنْ الْحَرَمِ
- ولو أَخَذَ الْكَلَأَ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ (أَحَدُهُمَا) التَّحْرِيمُ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (لا يُخْتَلَى خَلَاهَا) (وَالثَّانِي) الْجَوَازُ وَلَا ضَمَانَ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا لَوْ أَرْسَلَ دَابَّتَهُ تَرْعَى وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الِاحْتِشَاشِ إنَّمَا كَانَ لِتَوْفِيرِ الْكَلَأِ لِلْبَهَائِمِ وَالصَّيُودِ
- وَقَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الْقَائِلُ بقول إنَّمَا يَحْرُمُ الِاخْتِلَاءُ وَالِاحْتِشَاشُ لِلْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَغْرَاضِ سِوَى الْعَلَفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) قَالَ أهل اللغة العشب والخلا مقصور اسْمٌ لِلرَّطْبِ وَالْحَشِيشُ اسْمٌ لِلْيَابِسِ
- وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مَكِّيٍّ وَغَيْرُهُ فِي لَحْنِ الْعَوَامّ إطْلَاقَهُمْ الْحَشِيشَ عَلَى الرَّطْبِ قَالُوا وَالصَّوَابُ اخْتِصَاصُ الْحَشِيشِ بِالْيَابِسِ قَالُوا وَالْكَلَأُ مَهْمُوزٌ يَقَعُ عَلَى الرَّطْبِ واليابس
- هذا كلام أهل اللغة وأما المصنف والاصحاب
فأطلقوا الحشيش علي الرطب وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى الْمَجَازِ فَسُمِّيَ الرَّطْبُ حَشِيشًا باسم ما يؤل إلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى أَفْهَامِ أَهْلِ الْعُرْفِ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ولا يجوز إخراج تراب الحرم وأحجاره لما روى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما انهما كانا يكرهان أن يخرج من تراب الحرم إلى الحل أو يدخل من تراب الحل إلى الحرم
- وروى عبد الاعلى ابن عبد الله بن عامر قال (قدمت مع أمي أو مع جدتى مكة فأتينا صفية بنت شيبة فأرسلت إلى الصفا فقطعت حجرا من جنابه فخرجنا به فنزلنا أول منزل فذكر من علتهم جميعا فَقَالَتْ أُمِّي أَوْ جَدَّتِي مَا أَرَانَا أُتِينَا إلَّا أَنَّا أَخْرَجْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ الْحَرَمِ قال وكنت أنا أمثلهم فقالت لى انْطَلِقْ بِهَذِهِ الْقِطْعَةِ إلَى صَفِيَّةَ فَرُدَّهَا وَقُلْ لها ان الله عز وجل وضع في حرمه شيئا لا يَنْبَغِي أَنْ يُخْرَجَ مِنْهُ قَالَ
عبد الاعلى فما هو إلا أن نحينا ذلك فكأنما أنشطنا من عقال) ويجوز إخراج ماء زمزم لما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (استهدى رواية من ماء زمزم فبعث إليه براوية من ماء ولان الماء يستخلف بخلاف التراب والاحجار)
- (الشرح) أمما حَدِيثُ مَاءِ زَمْزَمَ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (اسْتَهْدَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ رضى الله عنه قال (أرسلني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أن يفتح مكة إلى سهل بْنِ عَمْرٍو أَنْ أَهْدِ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَلَا تَتْرُكْ فَبَعَثَ إلَيْهِ بِمَزَادَتَيْنِ) وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (كَانَتْ تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يفعله) رواه الترمذي قال حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ هَكَذَا ثُمَّ قَالَ وَفِي رِوَايَةٍ (حَمَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الادوى والقرب وكان يصب على المرضى ويسقهم) (وَأَمَّا) تُرَابُ الْحَرَمِ وَأَحْجَارُهُ فَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يُخْرَجَ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَحِجَارَتِهِ إلَى الحل شئ (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَبْدِ الْأَعْلَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظٍ يُخَالِفُ رِوَايَةَ الْمُصَنِّفِ فَلَفْظُهُمَا عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ (قَدِمْتُ مَعَ أُمِّي أَوْ قَالَ جَدَّتِي فَأَتَتْهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ فَأَكْرَمَتْهَا وَفَعَلَتْ بِهَا قَالَتْ صَفِيَّةُ مَا أَدْرِي مَا أُكَافِئُهَا بِهِ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهَا بِقِطْعَةٍ مِنْ الرُّكْنِ فَخَرَجْنَا بِهَا فَنَزَلْنَا أَوَّلَ مَنْزِلٍ فَذَكَرنَا مِنْ مَرَضِهِمْ وَعِلَّتِهِمْ
جَمِيعًا قَالَ فَقَالَتْ أُمِّي أَوْ جَدَّتِي مَا أَرَانَا أُتِينَا إلَّا أَنَّا أَخْرَجْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ الْحَرَمِ فَقَالَتْ لِي وَكُنْتُ أُمَثِّلُهُمْ انْطَلِقْ بِهَذِهِ الْقِطْعَةِ إلَى صَفِيَّةَ فَرُدَّهَا وَقُلْ لَهَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَضَعَ فِي حَرَمِهِ شَيْئًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْرَجَ مِنْهُ قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى فَقَالُوا لِي فَمَا هُوَ إلَّا أن تجبنا بِدُخُولِك الْحَرَمَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطْنَا مِنْ عَقْلٍ) هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ فِي فَضْلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ أَنَّهَا أَعْطَتْهُمْ قِطْعَةً مِنْ الْحَجَرِ الاسود كانت عندها اصبتها حِينَ اُقْتُلِعَ الْحَجَرُ فِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ حَاصَرَهُ الْحَجَّاجُ وَهَذَا مَعْنَى رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ قطعد مِنْ الرُّكْنِ أَيْ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالْمُرَادُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَعَبْدُ الْأَعْلَى هَذَا تَابِعِيٌّ قُرَيْشِيٌّ (وَأَمَّا) صَفِيَّةُ هَذِهِ فَهِيَ صَحَابِيَّةٌ قُرَيْشِيَّةٌ عبدرية
وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ الصَّحَابِيِّ حَاجِبِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُ طَلْحَةَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ قَالَتْ صَفِيَّةُ (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَةُ أَحَادِيثَ عَنْ عَائِشَةَ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ مَاءِ زَمْزَمَ إلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ وَاسْتِحْبَابِ أَخْذِهِ لِلتَّبَرُّكِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا ذَكَرْتُهُ (الثَّانِيَةُ) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُدْخَلَ تراب
الْحِلِّ وَأَحْجَارُهُ الْحَرَمَ لِئَلَّا يَحْدُثَ لَهَا حُرْمَةٌ لَمْ تَكُنْ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ وَأَمَّا قول صاحب البيان قال الشيخ أبو إسحق لا يجوز إدخال شئ مِنْ تُرَابِ الْحِلِّ وَأَحْجَارِهِ إلَى الْحَرَمِ فَغَلَطٌ منه ولم يذكر الشيخ ابو إسحق هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إلَى الْحِلِّ هَذِهِ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ وَكَذَا قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُمَا وَتَابَعَهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهِمَا وَقَالَ الدَّارِمِيُّ لَا يُخْرِجُهُمَا وَقَالَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ إخْرَاجُهُمَا فَأَطْلَقُوا لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ
- مِمَّنْ قَالَ يُكْرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ قَالَ
الشَّافِعِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَلَا أُجِيزُ فِي أَنْ يُخْرَجَ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ شَيْئًا إلَى الْحِلِّ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً قَالَ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ أَكْرَهُ إخْرَاجَهُمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَخَّصَ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَاحْتَجَّ بِشِرَاءِ الْبِرَامِ مِنْ مَكَّةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ الْبِرَامَ لَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ بَلْ تُحْمَلُ مِنْ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْحَرَمِ
- هَذَا نَقْلُ الْقَاضِي وَهَكَذَا نَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَحْوَ هَذَا فَحَصَلَ خِلَافٌ لِلْأَصْحَابِ فِي أَنَّ إخْرَاجَهُمَا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ فَإِنْ أَخْرَجَهُ فَلَا ضَمَانَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِذَا أَخْرَجَهُ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ آخِرُ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَمَالِيِّ الْقَدِيمَةِ وَعَلَّلَهَا بِأَنَّ الْحَرَمَ بُقْعَةٌ تُخَالِفُ سَائِرَ الْبِقَاعِ وَلَهَا شَرَفٌ عَلَى غَيْرِهَا بِدَلِيلِ اخْتِصَاصِ النُّسُكَيْنِ بِهَا وَوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي صَيْدِهَا فَلَا تَفُوتُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ لِتُرَابِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي حُكْمِ سُتْرَةِ الْكَعْبَةِ قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ قَطْعُ أستار الكعبة ولا قطع شئ مِنْ ذَلِكَ قَالَ وَلَا يَجُوزُ
نَقْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ خِلَافُ مَا يَفْعَلُهُ العامة يشترونه مِنْ بَنِي شَيْبَةَ وَرُبَّمَا وَضَعُوهُ فِي أَوْرَاقِ الْمَصَاحِفِ قَالَ وَمَنْ حَمَلَ مِنْهُ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ
- وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدَانَ وَسَكَتَ عليه ولم يذكر غيره فكأنه ارتضاه وواقفه عَلَيْهِ وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ منها شئ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ قَوْلَ الْحَلِيمِيِّ وَابْنِ عَبْدَانَ ثُمَّ قَالَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى الْإِمَامِ يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ مَكَّةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَنْزِعُ كِسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ فَيُقَسِّمُهَا عَلَى الْحَاجِّ وَهَذَا الَّذِي اختاره
الشيخ أبو عمرو حسن متعين ليلا يُؤَدِّيَ إلَى تَلَفِهَا بِطُولِ الزَّمَانِ
- وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا سَبَقَ وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا تُبَاعُ كِسْوَتُهَا وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سلمة ولا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ كِسْوَتَهَا مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فرع) لا يجوز أخذ شئ مِنْ طِيبِ الْكَعْبَةِ لَا لِلتَّبَرُّكِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَيْهَا فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ أَتَى بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَهَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) مُهِمٌّ فِي
بَيَانِ حُدُودِ حَرَمِ مَكَّةَ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَالنَّبَاتُ وَيُمْنَعُ أَخْذُ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يُخَالِفُ فِيهِ غَيْرَهُ مِنْ الْأَرْضِ
وَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) فِي حُدُودِ الْحَرَمِ وَقَدْ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِزْيَةِ مُخْتَصَرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْحَرَمَ هُوَ مَكَّةُ وَمَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ جَوَانِبِهَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا حُكْمَهَا فِي الْحُرْمَةِ تَشْرِيفًا لَهَا وَمَعْرِفَةُ حُدُودِ الْحَرَمِ مِنْ أَهَمِّ مَا يُعْتَنَى
بِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَقَدْ اجْتَهَدْتُ فِي إيضَاحِهِ وَتَتَبُّعِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي إتْقَانِهِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَحَدُّ الْحَرَمِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ النتعيم عند بيوت نِفَارٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ طريق اليمن طرف اضاة لبن في ثنية لِبْنٍ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمَقْطَعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ فِي شِعْبِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ جَدَّةَ مُنْقَطِعُ الْأَعْشَاشِ عَلَى عَشَرَةِ
أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ
- هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْحُدُودَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ مَكَّةَ وَأَبُو الْوَلِيدِ هَذَا أَحَدُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْآخِذِينَ عَنْهُ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ
- وَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الْحُدُودَ الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ
- وَكَذَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ بَعْضِهِمْ أَوْضَحُ مِنْ بَعْضٍ لَكِنَّ الْأَزْرَقِيَّ قَالَ فِي حَدِّهِ مِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ أَحَدَ عَشَرَةَ مِيلًا وَاَلَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ سَبْعَةٌ فَقَطْ بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْبَاءِ وَفِي هَذِهِ الْحُدُودِ أَلْفَاظٌ غَرِيبَةٌ يَنْبَغِي ضبطها فقولهم ببوت نِفَارٍ هُوَ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْفَاءِ وَقَوْلُهُمْ أَضَاةُ لِبْنٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ الْقَنَاةِ وَهِيَ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ (وَأَمَّا) لِبْنٍ فَبِلَامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ كَذَا ضَبَطَهَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ الْمُتَأَخِّرُ فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ (وَقَوْلُهُمْ) الْأَعْشَاشُ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ جَمْعُ عُشٍّ (وَقَوْلُهُمْ) فِي جَدَّةَ مِنْ جِهَةِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ هُوَ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ عَلَى السِّينِ (وأما) الحدود الثلاثة الباقية فانها سبعة سبعة بِتَقْدِيمِ السِّينِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْحَرَمَ عَلَيْهِ عَلَامَاتٌ مَنْصُوبَةٌ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ
- ذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدِهِمْ أَنَّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَّمَهَا وَنَصَبَ الْعَلَامَاتِ فِيهَا وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أُمِرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْدِيدِهَا ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهِيَ إلَى الْآنَ بَيِّنَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
- قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ مَكَّةَ أَنْصَابُ الْحَرَمِ الَّتِي عَلَى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ مَا كَانَ مِنْ وُجُوهِهَا فِي هذ الشِّقِّ فَهُوَ حَرَمٌ وَمَا كَانَ فِي ظَهْرِهَا فَهُوَ حِلٌّ قَالَ وَبَعْضُ الْأَعْشَاشِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ
خلافا للعملاء فِي أَنَّ مَكَّةَ مَعَ حُرْمَتِهَا هَلْ صَارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمْ كَانَتْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ تَزَلْ حَرَمًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَتْ مَكَّةُ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَسَائِرِ الْبِلَادِ وَإِنَّمَا صَارَتْ حَرَمًا بِدَعْوَتِهِ كَمَا صَارَتْ الْمَدِينَةُ حَرَمًا بِتَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَلَالًا
- وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ (اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَأْزِمَيْهَا أَنْ لَا يُرَاقَ فِيهَا دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال ولا يُخْبَطُ فِيهَا شَجَرَةٌ إلَّا لِعَلَفٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ صَحِيحِهِ
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (إنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ)
- وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حرمت المدينة ما بين لا بيتها لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- وَعَنْ أَنَسٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مكة وإنى احرم المدينة وما بين لا بيتها) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ (اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ)
- وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مكة وإنى احرم ما بين لا بتيها يريد المدينة)
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بمثل ما دعي بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
- وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لَمْ يَزَلْ مِنْ حِينِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) رَوَاهُ البخاري ومسلم
- وعن أبي سريج الْخُزَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا أَجَابَ عَنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ بِأَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ خَفِيًّا مَهْجُورًا لَا يُعْلَمُ لَا أَنَّهُ ابْتَدَأَهُ وَمَنْ قَالَ بِالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ مَكَّةَ سَيُحَرِّمُهَا إبْرَاهِيمُ أَوْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لِلْمَلَائِكَةِ (وَالْأَصَحُّ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا مَا زَالَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ حِينِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَإِجَارَاتِهَا وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ عَلَيْهَا وَكَذَا سَائِرُ الْحَرَمِ كَمَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً بِدَلَائِلِهَا وَفُرُوعِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الرَّابِعَةُ) مَذْهَبُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّةَ صُلْحًا لَا عَنْوَةً لَكِنْ دَخَلَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَأَهِّبًا لِلْقِتَالِ خَوْفًا مِنْ غَدْرِ أَهْلِهَا وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِدَلَائِلِهَا وَفُرُوعِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَالْغَنَائِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْخَامِسَةُ) مَذْهَبُنَا جَوَازُ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ قَتْلًا أَوْ قَطْعًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي الْحَرَمِ أَوْ خَارِجِهِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا وَفُرُوعِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى (السَّادِسَةُ) فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يُخَالِفُ الْحَرَمُ فِيهَا غَيْرَهُ مِنْ الْبِلَادِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ نذكر منها اطراف (أَحَدُهَا) أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِحْرَامٍ وَهَلْ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ (الْأَصَحُّ) مُسْتَحَبٌّ (الثَّانِي) يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى أَهْلِ الْحَرَمِ وَالْمُحِلِّينَ (الثَّالِثُ) يَحْرُمُ شَجَرُهُ وَخَلَاهُ (الرَّابِعُ) مَنْعُ إخْرَاجِ تُرَابِهِ وَأَحْجَارِهِ وَهَلْ هُوَ مَنْعُ كَرَاهَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ (الْخَامِسُ) أَنَّهُ يُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنْ دُخُولِهِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مَارًّا هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَا لَمْ يَسْتَوْطِنْهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا وَفُرُوعِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ
الْجِزْيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (السَّادِسُ) لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهُ لِمُتَمَلِّكٍ وَلَا تَحِلُّ إلَّا لِمُنْشِدٍ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ (السَّابِعُ) تَغْلِيظُ الدِّيَةِ بِالْقَتْلِ فِيهِ (الثَّامِنُ) تَحْرِيمُ دَفْنِ المشرك فيه ونبشه مِنْهُ (التَّاسِعُ) تَخْصِيصُ ذَبْحِ دِمَاءِ الْجَزَاءَاتِ فِي الْحَجِّ وَالْهَدَايَا (الْعَاشِرُ) لَا دَمَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ (الْحَادِيَ عَشَرَ) لَا يُكْرَهُ صَلَاةُ النَّفْلِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ فِي مَكَّةَ وَسَائِرِ الْحَرَمِ وَفِيمَا عَدَا مَكَّةَ وَجْهٌ شَاذٌّ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ (الثَّانِيَ عَشَرَ) إذَا نَذَرَ قَصْدَهُ لَزِمَهُ الذَّهَابُ إليه بحج وعمرة بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الذَّهَابُ إلَيْهِ إذَا نَذَرَهُ إلَّا مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا (الثَّالِثَ عَشَرَ) إذَا نَذَرَ النَّحْرَ وَحْدَهُ بِمَكَّةَ لَزِمَهُ النَّحْرُ بِهَا وَتَفْرِقَةُ اللَّحْمِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ (الرَّابِعَ عَشَرَ) يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الصَّحْرَاءِ (الْخَامِسَ عَشَرَ) تَضْعِيفُ الْأَجْرِ فِي الصَّلَوَاتِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَكَذَا سَائِرُ الطَّاعَاتِ (السَّادِسَ عَشَرَ) يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يُصَلُّوا الْعِيدَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (وأما) غَيْرُهُمْ فَهَلْ الْأَفْضَلُ صَلَاتُهُمْ فِي مَسْجِدِهِمْ أَمْ فِي الصَّحْرَاءِ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ (السَّابِعَ عَشَرَ) لَا يَجُوزُ إحْرَامُ الْمُقِيمِ فِي الْحَرَمِ بِالْحَجِّ خَارِجَهُ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) مَكَّةُ عِنْدَنَا أَفْضَلُ الْأَرْضِ وَبِهِ قَالَ عُلَمَاءُ
مَكَّةَ وَالْكُوفَةَ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيَّانِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
- قَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ أَفْضَلُ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَيِّهِمَا أَفْضَلُ
- دَلِيلُنَا حَدِيثُ عَبْدِ الله بن عدى بن االحمراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ يَقُولُ (لِمَكَّةَ وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضٍ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَسَنَزِيدُ الْمَسْأَلَةَ بَسْطًا وَإِيضَاحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حيث ذكرهما الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النَّذْرِ فِيمَنْ
نَذَرَ الْهَدْيَ إلَى أَفْضَلِ الْبِلَادِ
- وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
- وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْأَرْضِ وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا سِوَاهُ (الثَّامِنَةُ) يُكْرَهُ حَمْلُ السِّلَاحِ بِمَكَّةَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يَحِلُّ أَنْ يُحْمَلَ السِّلَاحُ بِمَكَّةَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(التَّاسِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَنْ تحج الكعبة في كل سنة فلا يعطل وَلَيْسَ لِعَدَدِ الْمُحَصِّلِينَ لِهَذَا الْغَرَضِ قَدْرٌ مُتَعَيَّنٌ بَلْ الْغَرَضُ وُجُودُ حَجِّهَا كُلَّ سَنَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ السِّيَرِ حَيْثُ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّ وَالْمُزَنِيُّ وَالْأَصْحَابُ فُرُوضَ الْكِفَايَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْعَاشِرَةُ) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ قَالَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ قَالَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ أَرْبَعُونَ عَامًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (الْحَادِيَةَ عَشَرَ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فِي خَصَائِصِ الْحَرَمِ لَا يُحَارَبُ أَهْلُهُ فَإِنْ بَغَوْا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ بَلْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَرْجِعُوا عَنْ الْبَغْيِ وَيَدْخُلُوا فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ قَالَ وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يُقَاتَلُونَ عَلَى بَغْيِهِمْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ عَنْ الْبَغْيِ إلَّا بِالْقِتَالِ لِأَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تَجُوزُ إضَاعَتُهَا فَحِفْظُهَا فِي الْحَرَمِ أَوْلَى مِنْ إضَاعَتِهَا
- هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِسِيَرِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ
- وَقَالَ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيُّ فِي كتابه شرح التخليص
فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي ذِكْرِ الْخَصَائِصِ لَا يَجُوزُ الْقِتَالُ بِمَكَّةَ قَالَ حَتَّى لَوْ تَحَصَّنَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ فِيهَا لَمْ يَجُزْ لَنَا قِتَالُهُمْ فِيهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ غَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ (فَإِنْ قيل) فقد ثبت عن أبي سريج الْخُزَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ (إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقُولُوا لَهُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَعْنَاهُ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ وَأَنَّهَا لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ بِهَا إلَّا سَاعَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ نَصْبِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ وَقِتَالِهِمْ بِمَا يَعُمُّ كَالْمَنْجَنِيقِ وَغَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَ إصْلَاحُ الْحَالِ بِدُونِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا تَحَصَّنَّ كُفَّارٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قتالهم على كل وجه وبكل شئ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي آخِرِ كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِسِيَرِ الْوَاقِدِيِّ مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ) سَدَانَةُ الْكَعْبَةِ وَحِجَابَتُهَا هِيَ وِلَايَتُهَا وَخِدْمَتُهَا وَفَتْحُهَا وَإِغْلَاقُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهَذَا حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لبتى طلحة الحجيين مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَذَكَرْتُهُ أَنَا هُنَاكَ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَوْضَحْتُهُ بِدَلِيلِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ فَهِيَ وِلَايَةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبْقَى دَائِمَةً أَبَدًا لهم ولذرياتهم لا نحل لاحد منارعتهم فِيهَا مَا دَامُوا مَوْجُودِينَ صَالِحِينَ لِذَلِكَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (كل مأئرة كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمِي إلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَسَدَانَةَ الْبَيْتِ) *
(فَرْعٌ) ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَعْبَةَ الْكَرِيمَةَ بُنِيَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ (إحْدَاهَا) بَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ آدَمَ وَحَجَّهَا آدَم فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ الله وسلامه عليهم (الثانية) بناها إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى (وإذ بو أنا لابراهيم مكان البيت) وَقَالَ تَعَالَى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ البيت) الْآيَةَ (الثَّالِثَةُ) بَنَتْهَا قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَحَضَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْبِنَاءَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَانَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَقِيلَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ (الرَّابِعَةُ) بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (الْخَامِسَةُ) بَنَاهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ واستقر بناها الَّذِي بَنَاهُ الْحَجَّاجُ إلَى الْآنَ وَقِيلَ إنَّهَا بُنِيَتْ مَرَّتَيْنِ أُخْرَتَيْنِ قَبْلَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ افْتِتَاحِ الطَّوَافِ بِالِاسْتِلَامِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ أَنْ تُتْرَكَ الْكَعْبَةُ عَلَى حَالِهَا فَلَا تُهْدَمُ لِأَنَّ هَدْمَهَا يُذْهِبُ حُرْمَتَهَا وَيَصِيرُ كَالتَّلَاعُبِ بِهَا فَلَا يُرِيدُونَ بِتَغْيِيرِهَا إلَّا هَدْمَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَحْبَبْنَا تَرْكَهَا عَلَى مَا هِيَ عليه * قال المصنف رحمه الله
- (ويحرم صيد المدينة وقطع شجرها لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مكة وانى حرمت المدينة مثل ما حرم ابراهيم مكة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها الا لمنشد) فان قتل فيها صيدا ففيه قولان قال في القديم يسلب القاتل لما روى أن سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخذ سلب رجل قتل صيدا في المدينة وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول (من وجدتموه يقتل صيدا في حرم المدينة فاسلبوه) وقال في الجديد لا يسلب لانه موضع يجوز دخوله من غير احرام فلا يضمن صيده كوج فان قلنا يسلب دفع سلبه الي مساكين المدينة كما يدفع جزاء صيد مكة الي مساكين مكة وقال شيخنا أبو الطيب رحمه الله يكون سلبه لمن أخذه لان سعد بن أبى وقاص أخذ سلب القاتل وقال طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم
- ويحرم صيد وج وهو واد بالطائف لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن قتل صيد وج فان قتل فيه صيدا قتل لم يضمنه بالجزاء لان الجزاء وجب بالشرع والشرع لم يرد الا في الاحرام والحرم ووج لا يبلغ الحرم من الحرمة فلم يلحق به في الجزاء)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ فِي الصَّحِيحِ أَحَادِيثُ عَنْ غير أبي هريرة يحصل بِهَا مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّلَالَةِ هُنَا (مِنْهَا) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أن
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) الْحَدِيثَ رواه البحارى وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مابين لابتيى الْمَدِينَةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إلَّا لِعَلَفٍ) رواه مسلم وعن سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ تُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ إبْرَاهِيمَ حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابيتها لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَدِينَةِ (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمَنْ أَشَادَ بِهَا وَلَا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا السِّلَاحَ لِقِتَالٍ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ
أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عامر بن سعد بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ سَعْدًا وَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا وَيَخْبِطُهُ فَسَلَبَهُ فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ غُلَامَهُمْ أَوْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ فَقَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا فَعَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أبن عبد الله قال رأيت سعد ابن أَبِي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ فَجَاءَ مَوَالِيهِ فَكَلَّمُوهُ فِيهِ فَقَالَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ وَقَالَ مَنْ أخذ أخذ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ فَلَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رسول الله صلى لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ إنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إلَيْكُمْ عنه (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ إلا سليمان بن أبى داود عَبْدِ اللَّهِ هَذَا فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ هُوَ بِالْمَشْهُورِ وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ بِحَدِيثِهِ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا الَّذِي رَوَاهُ بِمَعْنَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَيَقْتَضِي مَجْمُوعُ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّ سَعْدًا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ فَيَجِدُ الْحَاطِبَ مَعَهُ شَجَرٌ رَطْبٌ قَدْ عَضَدَهُ مِنْ بَعْضِ شَجَرِ الْمَدِينَةِ فَيَأْخُذُ سَلَبَهُ فَيُكَلَّمُ فِيهِ فَيَقُولُ لَا أَدَعُ غَنِيمَةً غَنَّمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَمِنْ أَكْنَزِ الناس مالا والله أعلم (وأما) حديث صيدوج فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال (إلا أن صيدوج وَعِضَاهَهُ يَعْنِي شَجَرَهُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ) وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ وَحِصَارِهِ ثَقِيفًا لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لَا يَصِحُّ وَوَجٌّ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُشَدَّدَةٍ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ وَادٍ بِالطَّائِفِ فَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ (وَأَمَّا) أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَقُولُونَ هو بلد الطَّائِفِ وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ فِي الْأَمَاكِنِ وَجٌّ اسْمٌ لِحُصُونِ الطَّائِفِ وَقِيلَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا وَرُبَّمَا اشْتَبَهَ وَجٌّ هَذَا بِوَحٍّ بالحاء مهملة قَالَ الْحَازِمِيُّ هِيَ نَاحِيَةٌ بِنُعْمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَشَجَرِهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لَيْسَ بِحَرَامٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَأُخِذَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَحْرُمُ قَتْلُ صَيْدٍ إلَّا صَيْدَ الْحَرَمِ وَأَكْرَهُ قَتْلَ صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَهَذَا النَّقْلُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ (وَأَمَّا) نَصُّ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِبَعْضِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا ارْتَكَبَ هَذَا الْحَرَامَ هَلْ يَضْمَنُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (الْجَدِيدُ) لَا يَضْمَنُ (وَالْقَدِيمُ) يَضْمَنُ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَأَجَابُوا لِلْجَدِيدِ عَنْ حَدِيثِ سَعْدٍ فِي سَلَبِ الصَّائِدِ بِجَوَابَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (أَحَدُهُمَا) جَوَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ (وَالثَّانِي) جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي تعليقه
وَجَمَاعَةٍ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ هَذَا حِينَ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِالْأَمْوَالِ ثُمَّ نُسِخَ وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ بَلْ بَاطِلَانِ وَالْمُخْتَارُ تَرْجِيحُ الْقَدِيمِ وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ فِيهِ وَهُوَ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهِ صَحِيحَةٌ بِلَا مُعَارِضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا يَضْمَنُ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ (أَحَدُهُمَا) يَضْمَنُ كَضَمَانِ حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى مَا سَبَقَ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ انه سلب الصائد وقاطع الشجر أو الكلاء وَعَلَى هَذَا فِي الْمُرَادِ بِالسَّلَبِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ كَسَلَبِ الْقَتِيلِ مِنْ الْكُفَّارِ مِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْلِيقِ وَالْمُجَرَّدِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْجُرْجَانِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُصَنَّفُ وَالشَّاشِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ لَا يَنْحَصِرُونَ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) إنْ سَلَبَهُ ثِيَابَهُ فَقَطْ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَقَدْ أَشَارَ الْمُتَوَلِّي إلَى هَذَا وَفِي مَصْرِفِ سَلَبِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) انه للسالب كالقتيل ودليله فَإِنَّ سَعْدًا أَخَذَ السَّلَبَ لِنَفْسِهِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ هَذَا الْوَجْهَ الدَّارِمِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُمْ وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لِفُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَأَشَارَ هُوَ وَالْمُصَنَّفُ إلَى تَرْجِيحِهِ وَلَمْ يُوَافِقَا عَلَى