المجموع شرح المهذبصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحدود

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بالسوط ينبغى أن يصيب الجلد فقط ولا يعدوه إلى اللحم، فكل ضرب بقطع اللحم أو ينزع الجلد ويجرح اللحم مخالف للقرآن، ويجب أن لا يكون كل عصا أو سوط يستعمل للضرب شديدا جدا ولا رقيقا لينا جدا، بل يجب أن يكون بين اللين والشدة، والغلظة والدقه، فقد روى مالك في الموطأ أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسوط فأتى بسوط مكسور، فقال فوق ذلك، فأتى بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال بين هذين، فأتى بسوط قد لان وركب به، فأمر به فجلد وروى أبو عثمان الهندي عن عمر أنه أتى بسوط فيه شدة، فقال أريد ألين من هذا، فأتى بسوط فيه لين، فقال أريد أشد من هذا، فأتى بسوط بين السوطين فقال اضرب.
وكذلك لا يجوز أن يستعمل في الضرب سوط فيه العقود أو له فرعان أو ثلاثة فروع.
وكذلك يجب أن يكون الضرب بين الضربين، وقد كان عمر يقول للضارب لا ترفع إبطك (ذكره الجصاص وابن العربي في كتابوهما أحكام القرآن) أي لا تضرب بكل قوة يدك، والفقهاء متفقون على أن الضرب لا ينبغى أن يكون مبرحا أي موجعا، ولا ينبغى أن يكون في موضع واحد من الجسد، بل يفرق على الجسد كله حيث يأخذ كل عضو من أعضائه حقه، إلا الوجه والفرج والرأس أيضا عند الحنفية فإنها لا يجوز ضربها وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) رواه أبو داود.
وروى عن على أنه أتى برجل سكران أو في حد فقال (اضرب واعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير) ذكره الجصاص في أحكام القرآن ولا يجوز الضرب في ساعة يشتد فيها الحر أو البرد بل يجب في ساعة اعتدال الجو في الصيف والشتاء.
وكذلك لا يجوز شد الجاني ولا مده للضرب، اللهم إلا أن يحاول الفرار.
وإذا أريد ضرب امرأة حامل يجب أن يؤخر حتى تضع حملها وتقضى أيام نفاسها، وإذا أريد رجمها يجب أن يؤخر حتى تضع حملها وتفطم صبيها، وإذا كان الزنا ثبت بشهادة الشهود فليبدأ بالضرب الشهود.
وإن كان ثبت بإقرار

الجاني فليبدأ به القاضى نفسه حتى لا يستهين الشهود بجسامة شهادتهم والقاضى بجسامة قضائه ان عليا رضى الله عنه لما قضى بالرجم لشراحة الهمدانية المذكورة قال ان الرجم سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمى الشاهد يشهد ثم يتبع شهادته حجره، ولكنها أقرت فأنا أول من رماها فرماها بحجر ثم رماها الناس) أخرجه الامام أحمد وهذا واجب عند الحنفية وليس بواجب عند الشافعية

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وجب التغريب نفى إلى مسافة يقصر فيها الصلاة، لان ما دون ذلك في حكم الموضع الذى كان فيه من المنع من القصر والفطر والمسح على الخف ثلاثة أيام، فان رجع قبل انقضاء المدة رد إلى الموضع الذى نفى إليه، فإن انقضت المدة فهو بالخيار بين الاقامة وبين العود إلى موضعه، وإن رأى الامام أن ينفيه إلى أبعد من المسافة التى يقصر فيها الصلاة كان له ذلك لان عمر رضى الله عنه غرب إلى الشام وغرب عثمان رضى الله عنه إلى مصر، وان رأى أن يزيد على سنة لم يجز، لان السنة منصوص عليها والمسافة مجتهد فيها.
وحكى عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قال يغرب إلى حيث ينطلق عليه اسم الغربة، وان كان دون ما تقصر إليه الصلاة، لان القصد تعذيبه بالغربة وذلك يحصل بدون ما تقصر إليه الصلاة ولا تغرب المرأة الا في صحبة ذى رحم محرم أو امرأة ثقه في صحبة مأمونة، وان لم تجد ذا رحم محرم ولا امرأة ثقة يتطوع بالخروج معها استؤجر من يخرج معها ومن أين يستأجر فيه وجهان، من أصحابنا من قال يستأجر من مالها، لانه حق عليها فكانت مؤفته عليها، وان لم يكن لها مال استؤجرت من بيت المال.
ومن أصحابنا من قال يستأجر من بيت المال، لانه حق لله عز وجل فكانت مؤنته من بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ المال ما يستأجر به استؤجر من مالها.
(الشرح) أثر عمر وأثر عثمان أخرجه البيهقى في السنن الكبرى.
قوله (مسرف الحر) أي مفرط في شدة الحر، وأصل السرف ضد القصد واختلفوا في التغريب مع الجلد فقال أبو حنيفة وأصحابه لا تغريب أصلا.
وقال الشافعي لا بد من التغريب مع الجلد لكل زان ذكرا أو أنثى حرا كان أو عبدا وقال مالك يغرب الرجل ولا تغرب المرأة، به قال الاوزاعي، ولا تغريب عند مالك على العبيد فعمدة من أوجب التغريب على الاطلاق حديث عبادة ابن الصامت وفيه البكر بالبكر..الخ.
وكذلك حديث أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى في الباب.
ومن خصص المرأة من هذا العموم فإنما خصصه بالقياس،

لانه رأى أن المرأة تعرض بالغربة لاكثر من الزنا، وهذا من القياس المرسل أعنى المصلحى الذى كثيرا ما يقول به مالك.
وأما عمدة الحنفية فظاهر الكتاب وهو مبنى على رأيهم أن الزيادة على النص نسخ وأنه ليس ينسخ الكتاب بأخبار الاحاد.
ورووا عن عمر أنه حد ولم يغرب.
وروى الكوفيون عن أبى بكر وعمر أنهم غربوا.
وقالت الحنابلة: وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة وغرب عاما إلى مسافة قصر لان أحكام السفر من القصر والفطر لا تثبت بدونه، قاله في الكافي.
وقال وحيث رأى الامام الزيادة في المسافة فله، وإن رأى الزيادة على الحول لم يجز له ذلك لان مدة الحول منصوص عليها فلم يدخلها الاجتهاد والمسافة غير منصوص عليها فرجع فيها إلى الاجتهاد.
اه وتغرب امرأة مع محرم ولعموم نهيها عن السفر بلا محرم وعليها أجرته، ويغرب غريب إلى غير وطنه.
قال ابن حزم بعد أن أورد الآراء وناقش الادلة لكل من المانعين والمجوزين هذه آثار متظاهرة رواها ثلاثة من الصحابة، عبادة بن الصامت، وأبو هريرة وزيد بن خالد الجهنى بإيجاب تغريب عام مع جلد مائة على الزانى الذى لم يحصن مع اقسام النبي صلى الله عليه وسلم بالله تعالى في قضائه به أنه كتاب الله تعالى، وكتاب الله تعالى هو وحيه وحكمه، وفرق عليه السلام بين حد المملوك وحد الحر فصح النص أن على المماليك ذكورهم واناثهم نصف حد الحر والحرة وذاك جلد خمسين ونفى ستة أشهر وقال الشوكاني في النيل: إن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن فليس لهم معذرة عنها بذاك قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن كان الحد رجما وكان صحيحا والزمان معتدل رجم، لان الحد لا يجوز تأخيره من غير عذر، وإن كان مريضا مرضا يرجى زواله أو الزمان مسرف الحر أو البرد ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه لا يؤخر رجمه لان القصد قتله فلا يمنع الحر والبرد والمرض منه (والثانى) أنه يؤخر لانه ربما رجع في خلال الرجم، وقد أثر في جسمه الرجم فيعين الحر والبرد والمرض على قتله، وإن كان امرأة حاملا لم ترجم حتى تضع لانه يتلف به الجنين.

(فصل) فإن كان المرجوم رجلا لم يحفر له، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يحرف لماعز، ولان ليس بعورة، وإن كان امرأة حفر لها لما روى بريدة قال جاءت امرأة من غامد إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاعترفت بالزنا، فأمر فحفر لها حفرة إلى صدرها ثم أمر برجمها لان ذلك أستر لها (فصل) وإن هرب المرجوم من الرجم، فإن كان الحد ثبت بالبينة أتبع ورجم لانه لا سبيل إلى تركه، وإن ثبت بالاقرار لم يتبع لما روى أبو سعيد الخدرى قال: جاء ماعز إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن الاخر زنى وذكر إلى أن قال اذهبوا بهذا فارجموه، فأتينا به مكانا قليل الحجارة فلما رميناه اشتد من بين أيدينا يسعى فتبعناه فأتى بنا حرة كثيرة الحجارة فقال ونصب نفسه فرميناه حتى قتلناه ثم اجتمعنا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرناه فقال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله فهلا خليتم عنه حين سعى من بين أيديكم، وإن وقف وأقام على الاقرار رجم، وان رجع عن الاقرار لم يرجم لان رجوعه مقبول وبالله التوفيق (الشرح) حديث لم يحفر لماعز..) رواه أحمد عن أبى سعيد بلفظ (لما أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع فو الله ما حفرنا له ولا أوثقناه، ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخزف، فاشتكى فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة فرمينا بجلاميد الجندل حتى سكت) وأخرجه مسلم عن أبى سعيد الخدرى وأبو داود حديث (جاءت امرأة من غامد..) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إنى قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني؟ لعلك

تردني كما رددت ماعزا فو الله إنى لحبلى، قال إما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبى في خرقة، قالت هذا قد ولدته، قال اذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبى في يده كسرة خبز، فقالت هذا يا نبى الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم سبه إياها، فقال مهلا يا خالد فو الذى نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت) وعن عبد بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الاسلمي أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله إنى زنيت وإنى أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إنى قد زنيت، فرده الثانية، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قومه هل تعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا، قالوا ما نعلمه الا وفى العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم) رواه أحمد ومسلم.
وقال أحمد في آخره فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فحفر حفرة فجعل فيها إلى صدرة ثم أمر الناس برجمه.
اللغة.
قوله (ان الاخر زنى) بقصر الالف وكسر الخاء معناه الابعد.
ويقال في الشتم أبعد الله الاخر.
وقال في التلويح أي الغائب البعيد المتأخر، ويقال هذا عند شتم الانسان من يخاطبه كأنه نزهه بذلك قوله (فأتى بنا حرة) الحرة أرض ذات أحجار كثيره سود نخرة كأنها أحرقت بالنار والجمع الحرار والحرات وأحرون بالواو والنون كما قالوا أرضون وأحرون جمع أحرة قال الراجز لا حمس الا جندل الاحرين.
قول (وان كان الحد ... ) وقد سبق الكلام عليه قوله (فإن كان المرجوم رجلا..) قال الشوكاني اختلف الروايات في ذلك

فحديث أبى سعيد فيه أنهم لم يحفروا لماعز.
وحديث عبد الله بن بريدة فيه أنهم حفروا، وقد جمع بين الروايتين بأن المنفي حفيرة لا يمنكه الوثوب منها والمثبت عكسه أو أنهم لم يحفروا له أول الامر، ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفرة فتبعوه، وعلى فرض عدم إمكان الجمع فاواجب تقديم روايه الاثبات على النفى، ولو فرضنا أن ذلك غير مرجح توجه إسقاط الروايتين والرجوع إلى غيرهما لوجدنا حديث خالد بن اللجلاج الذى أخرجه أبو داود وأحمد بلفظ أن أباه أخبره، فذكر قصة رجل اعترف بالزنا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أحصنت؟ قال نعم، فأمر برجمه، فذهبنا فحفرنا له حتى أمكننا ورميناه بالحجارة حتى هدأ) فإن فيه التصريح بالحفر بدون تسمية المرجوم.
وكذلك حديثه أيضا في الحفر للغامدية.
وقد ذهبت العترة إلى أنه يستحب الحفر إلى سرة الرجل وثدى المرأة.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يحفر للرجل.
وفى قول للشافعي أنه إذا حفر فلا بأس، وبه قال الامام يحيى.
وفى وجه للشافعية أنه يخير الامام.
وفى المرأة ثلاثه أوجه ثالثها يحفر ان ثبت زناها بالبينة لا بالاقرار، والمروى عن أبى يوسف وأبى ثور أنه يحفر للرجل والمرأة على المشهور عن الائمة الثلاثة أنه لا يحضر مطلقا، والظاهر مشروعية الحفر.
ثم قال: قالت الحنابلة والشافعية والحنفية والعترة: ويروى عن مالك في قول له أن يقبل من المقر الرجوع عن الاقرار ويسقط عنه الحد وذهب ابن أبى ليلى وأبو ثور ورواية عن مالك وقول للشافعي أنه لا يقبل منه الرجوع عن الاقرار بعد كماله كغيره من الاقرارات، قال الاولون ويترك إذا هرب لعله يرجع.
قال في البحر (مسألة) وإذا هرب المرجوم بالبينة أتبع بالرجم حتى يموت لا بالاقرار لقوله صلى الله عليه وسلم لماعز (هلا خليتموه) ولصحة الرجوع عن الاقرار، ولا ضمان إذا لم يضمنهم صلى الله عليه وسلم لاحتمال كون هربه رجوعا أو غيره اه

وذهبت المالكية إلى أن المرجوم لا يترك إذا هرب وعن أشهب أن ذكر عذرا فقيل يترك والا فلا، ونقله العتبى عن مالك، وحكى اللخمى عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة.

قال المصنف رحمه الله تعالى

باب حد القذف القذف محرم والدليل عليه ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال (الشرك بالله عزوجل، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف وقذف المحصنات.
(الشرح) حديث أبى هريرة متفق عليه، والطبراني والنسائي وابن مردويه وابن حبان والحاكم بنحوه.
وَعَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا ولا تدبروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله اخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا يشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) مسلم اللغة: أصل القذف الرمى بالحجارة وغيرها والقذف بالزنا مأخوذ منه، والسبع الموبقات هي المهلكات، وأوبقه الله أهلكه، يقال منه وبقى يبق وأوبق يوبق إذا هلك قال الله تعالى (أو يوبقهن بما كسبوا) قوله (التولى يوم الزحف) التولى الادبار فرارا من القتال، والزحف هو المشى إلى القتال.
قالت الحنابلة: والقذف حرام وواجب ومباح فيحرم (قلت) من أتى ما نصت عليه الآية (والذين يرمون المحصنات ... ) وواجب على من يرى

زوجته تزني، ويباح إذا رآها تزني ولم تلد أو استفاض زناها بين الناس أو أخبره به ثقة لا عداوة بينه وبينها أو برى معروفا به عندها خلوة، لان ذلك مما يغلب على الظن زناها، ولم يجب لانه لا ضرر على غيرها حيث لم تلد وفراقها أولى.
وصريح القذف: يا منيوكة، يا منيوك، يا عاهر، يا لوطى، ولست ولد فلان فقذف لانه وكنايته زنت يداك أو رجلاك، أو يدك أو بدنك، ويا مخنث يا قحبة يا فاجرة يا خبيثة، أو يقول لزوجه شخص فضحت زوجك وغطيت رأسك وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولادا من غيره وأفسدت فراشه فإذا أراد بهذه الالفاظ حقيقة الزنى حد والا عزر قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا قذف بالغ عاقل مختار مسلم أو كافر التزم حقوق المسلمين من مرتد أو ذمى أو معاهد محصنا ليس بولد له بوطئ يوجب الحد وجب عليه الحد فإن كان حرا جلد ثمانين جلدة لقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) وان كان مملوكا جلد أربعين لما روى يحيى ابن سعيد الانصاري قال (ضرب أبو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مملوكا افترى على حر ثمانين جلدة، فبلغ ذلك عبد الله بن عامر بن ربيعة فقال أدركت الناس من زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى اليوم فما رأيت أحدا ضرب المملوك المفترى على الحر ثمانين قبل أبى بكر بن محمد بن عمر بن حزم.
وروى خلاس أن عليا كرم الله وجهه قال في عبد قذف حرا فصف الحد، ولانه حد يتبعض فكان المملوك على النصف من الحر كحد الزنا.

(فصل) وان قذف غير محصن لم يجب عليه الحد لقوله عز وجل (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) فدل على أنه إذا قذف غير محصن لم يجلدو المحتسن الذى يجب الحد بقذفه من الرجال والنساء من اجتمع فيه البلوغ والعقل والاسلام والحرية والعفة عن الزنا، فإن قذف صغيرا أو مجنونا لم يجب به عليه الحد، لان ما يرمى به الصغير والمجنون لو تحقق لم يجب به الحد فلم يجب الحد على القاذف، كما لو قذف بالغا عاقلا بما دون الوطئ وان قذف كافرا لم يجب عليه الحد لما روى ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم

قال (من أشرك بالله فليس بمحصن) وان قذف مملوكا لم يجب عليه الحد، لان نقص الرق يمنع كمال الحد فيمنع وجوب الحد على قاذفه.
وإن قذف زانيا لم يجب عليه الحد لقوله عز وجل (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) فأسقط الحد عنه، إذا ثبت أنه زنى فدل أنه إذا قذفه وهو زان لم يجب عليه الحد.
وإن قذف من وطئ في غير ملك وطنا محرما لا يجب به الحد كمن وطئ امرأة ظنها زوجته أو وطئ في نكاح مختلف في صحته ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه لا يجب عليه الحد، لانه وطئ محرم لم يصادف ملكا فسقط به الاحصان كالزنا (والثانى) أنه يجب لانه وطئ لا يجب به الحد فلم يسقط به الاحصان كما لو وطئ زوجته وهى حائض.

(فصل) وإن قذف الوالد ولده أو قذف الجد ولد ولده لم يجب عليه الحد وقال أبو ثور يجب عليه الحد لعموم الآية، والمذهب الاول، لانه عقوبة تجب لحق الآدمى فلم تجب للولد على الوالد كالقصاص وان قذف زوجته فماتت وله منها ولد سقط الحد، لانه لما لم يثبت له عليه الحد بقذفه لم يثبت له عليه بالارث عن أمه وإن كان لها ابن آخر من غيره وجب له، لان حد القذف يثبت لكل واحد من الورثة على الانفراد.
(الشرح) حديث يحيى بن سعيد أخرجه البيهقى في السنن الكبرى.
وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا أربعين سوطا.
حديث ابن عمر أخرجه البيهقى في السنن الكبرى، وفى رواية أخرى عنه (لا يحص أهل الشرك بالله شيئا) . وفى رواية عن كعب بن مالك أنه أراد أن يتزوج يهودية أو نصرانية فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنهاه عنها وقال انها لا تحصنك.
وقال الدارقطني: فيه أبو بكر بن أبى مريم ضعيف، وعلى بن أبى طلحة لم يدرك كعبا الصحابي، قال البيهقى: وروى من وجه آخر الا أنه منقطع.

اللغة: قوله (افترى على حر) أي كذب قال الله تعالى (لا تفتروا على الله كذبا) وقد ذكر.
الاحصان: قالت المالكية في تفسير (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) فالاحصان هاهنا هو الحرية.
قالت الحنفية في أحكام القرآن للجصاص: المحصنات هن العفائف، ثم قالوا في البدائع هن الحرائر لا العفائف عن الزنا فدل أن الحرية شرط.
وقال الشوكاني: والمراد بالمحصنات المرأة العفيفة: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل وقد ورد الاحصان في القرآن لمعان منها الحريه ومنها ذوات الازواج، وقال ابن حزم احصان الفرج.
قال ابن العربي في أحكام القرآن (وهو مالكى) وشروط القذف عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف، وشرطان في المقذوف به، وخمسة في المقذوف، فأما الشرطان في القاذف فالعقل والبلوغ، وأما الشرطان في الشئ المقذوف به فهو أن يقذفه بوطئ يلزمه فيه الحد وهو الزنا أو اللواط أو ينفيه من أبيه دون سائر المعاصي، وأما الخمس التى في المقذوف فهى العقل والبلوغ والاسلام والحرية والعفه عن الفاحشة التى رمى بها كان عفيفا عن غيرها أو لا وقال ابن رشد في البداية: واختلفوا في العبد يقذف الحر كم حده، فقال الجمهور من فقهاء الامصار حده نصف حد الحر وذلك أربعون جلدة، وروى ذلك عن الخلفاء الاربعة وعن ابن عباس، وقالت طائفة حده حد الحر، وبه قال ابن مسعود من الصحابة وعمر بن عبد العزيز وجماعة من فقهاء الامصار أبو ثور والاوزاعي وداود وأصحابه من أهل الظاهر فعمدة الجمهور قياس حده في القذف على حده في الزنا، وأما أهل الظاهر فتمسكوا في ذلك بالعموم، ولما أجمعوا أيضا أن حد الكتابى ثمانون فكان العبد أحرى بذلك.
قالت الحنابلة في الفروع من قذف بزنا في قبل وهو مكلف مختار محصنا ولو ذات محرم نص عليه جلد الحر ثمانين والعبد أربعين ولو عتق قبل حد.

قوله (وان قذف غير محصن..) قالت الحنابلة في الفروع: ومن قذف غير محصن عزر، لان الآية مفهومها أنه لا يجلد بقذف غير المحصن.
قال ابن حزم في المراتب، واتفقوا أن الحر العاقل البالغ المسلم غير المكره إذا قذف حرا عاقلا بالغا مسلما عفيفا لم يحد قط في زنا أو حرة بالغة عاقلة مسلمة عفيفة غير ملاعنة لم تحد في زنا قط بصريح الزنا أنه يلزمه ثمانون جلدة.
قوله (وان قذف صغيرا أو مجنونا ... ) قال مالك: إذا بلغت الصبيه حتى توطأ فعلى قاذفها الحد، وكذلك يجلد المجنون وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما والحسن بن حى لا حد على قاذف صغير ولا مجنون.
قال ابن حزم: الصغار محصنون بمنع الله تعالى لهم من الزنا وبمنع أهليهم، وكذلك المجانين، وكذلك المجبوب والرتقاء والقرناء والعنين، وقد يكون كل هؤلاء محصنين بالعفه، وأما البكر والمكرة فمحصنان بالعفه فإذا كل هؤلاء يدخلون في جملة المحصنات بمنع الفروج من الزنا فعلى قاذفهم الحد، ولا سيما القائلون إن الحرية إحصان وكل حرة محصنة واسقاط الحد عن قاذفهم خطأ محض لا إشكال فيه.
قوله (وإن قذف كافرا..) قال مالك: سواء كانت حرة أو أمة أو مسلمة أو كافرة يجب الحد، وقال إبراهيم النخعي: لا حد عليه إذا كانت أم المقذوف أمة أو كتابية وهو قياس قول الشافعي.
وقالت الحنفية شرائط الاحصان خمسة: العقل والبلوغ والحرية والاسلام والعفة عن الزنا فلا يجب الحد بقذف الصبى والمجنون والرقيق والكافر ومن لا عفة له عن الزنا، وقالوا إن الحد إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف وما في الكافر من عار الكفر أعظم.
قوله (وان قذف مملوكا) قال أبو حنيفة ومالك والاوزاعي وسفيان الثوري وعثمان البتى والحسن بن حى والشافعي وأصحابهم لا حد على قاذف العبد والامة وقال الحسن البصري الزوج يلاعن الامة وان قذفها وهى أمة جلد لانها امرأته

وسأل أميرأ من الامراء ابن عمر عن رجل قذف أم ولد لرجل، فقال ابن عمر يضرب الحد صاغرا.
وعن ابن سيرين قال أراد عبد الله بن زياد أن يضرب قاذف أم ولد فلم يتابعه على ذلك أحد، وروى عن عطاء والزهرى لا حد على قاذف أم ولد.
قال ابن حزم: أما قولهم لا حرمة للعبد والامة فكلام سخيف والمؤمن له حرمة عظيمة ورب عبد جلف خير من خليفة قرشي، وسوى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حرمة العرض من الحر والعبد.
قوله (وان قذف زانيا) قلت: هذا ما لا خلاف فيه في حالة ثبوت الزنا.
قوله (وان قذف الوالد ولده..) قال عطاء: إذا افترى الاب على الابن فلا يحد، وقال الحسن ليس على الاب لابنه حد، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم والحسن بن حى وإسحاق بن راهويه وقال سفيان الثوري في الاب يقذف ابنه انهم يستحبون الدرأ عنه، وقال في المرأة تزني وهى محصنة وتقتل ولدها أنه يدرأ عنها الحد، وقال ابن حزم: الحدود والقود واجبان على الاب للولد لانه حد لله تعالى وليس حدا للمقذوف ثم قال: والحكم عند الحنفيين في إسقاط الحد عن الجد إذا قذف ولد الولد كالحكم في قاذف الابوين الادنين، والعجب بأن الحنفيين قد فرقوا بين حكم الولد وبين حكم ولد الولد قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن رفع القاذف إلى الحاكم وجب عليه السؤال عن إحصان المقذوف لانه شرط في الحكم فيجب السؤال عنه كعدالة الشهود، ومن أصحابنا من قال لا يجب، لان البلوغ والعقل معلوم بالنظر إليه، والظاهر الحرية والاسلام والعفة.
وإن قال القاذف أمهلنى لاقيم البينة على الزنا أمهل ثلاثة أيام، لانه قريب لقوله عز وجل (ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) ثم قال (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام) .

(فصل) وإن قذف محصنة ثم زنى المقذوف أو وطئ وطئا زال به الاحصان سقط الحد عن القاذف.
وقال المزني وأبو ثور لا يسقط لانه معنى طرأ بعد وجوب الحد فلا يسقط ما وجب من الحد كردة المقذوف وثيوبة الزانى وحريته، وهذا خطأ لان ما ظهر من الزنا بوقع شبهة في حال القذف، ولهذا روى أن رجلا زنى بامرأة في زمان أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فقال والله ما زنيت إلا هذه المرة، فقال له عمر كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة، والحد يسقط بالشبهة، وأما ردة المقذوف ففيها وجهان.

(أحدهما) أنها تسقط الحد (والثانى) أنها لا تسقط، لان الردة ندين والعادة فيها الاظهار، وليس كذلك الزنا فإنه يكم، فإذا ظهر دل على تقدم أمثاله وأما ثيوبة الزانى وحريته فإنها لا تورث شبهة في بكارته ورقه في حال الزنا.
(الشرح) أثر عمر أخرجه البيهقى في السنن الكبرى قوله (وإن قذف محصنا ... ) قال ابن حزم في المحلى: إن من قذفه قاذف ثم زنى المقذوف لم يسقط ذلك الزنا قد وجب من الحد على قاذفه لانه زنا غير الذى رماه به فهو إذا رمى محصن أو محصنة فعليه الحد ولا بد ولا يسقط حد قد وجب إلا بنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع ها ههنا أصلا على سقوطه بعد وجوبه بنص.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يجب الحد إلا بصريح القذف أو بالكناية مع النية، فالصريح مثل أن يقول زنيت أو يا زانى، والكناية كقوله: يا فاجر أو يا خبيث، أو يا حلال بن الحلال، فإن نوى به القذف وجب به الحد، لان مالا تعتبر فيه الشهادة كانت الكناية فيه مع النية بمنزلة الصريح كالطلاق والعتاق، وإن لم ينو به القذف لم يجب به الحد، سواء كان ذلك في حال الخصومة أو غيرها، لانه يحتمل القذف وغيره فلم يجعل قذفا من غير نية كالكناية في الطلاق والعناق

(فصل) وإن قال لطت أو لاط بك فلان باختيارك فهو قذف لانه قذفه بوطئ يوجب الحد فأشبه القذف بالزنا.
وإن قال يا لوطى وأردا به أنه على دين قوم لوط لم يجب به الحد لانه يحتمل ذلك، وإن أراد أنه يعمل عمل قوم لوط وجب الحد، وإن قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت لم يكن قولها قذفا له من غير نية، لانه يجوز أن تكون زانية ولا يكون هو زانيا بأن وطئها وهو يظن أنها زوجته وهى تعلم أنه أجنبي ولانه يجوز أن تكون قصدت نفى الزنا، كما يقول الرجل لغيره سرقت، فيقول معك سرقت، ويريد أنى لم أسرق كما لم تسرق، ويجوز أن يكون معناه ما وطئني غيرك، فإن كان ذلك زنا فقد زنيت.
وإن قال لها يا زانية فقالت أنت أزنى منى لم يكن قولها قذفا له من غير نية لانه يجوز أن يكون معناه ما وطئى غيرك، فإن كان ذلك زنا فأنت أزنى منى، لان المغلب في الجماع فعل الرجل.
وإن قال لغيره أنت أزنى من فلان أو أنت أزنى الناس لم يكن قذفا من غير نية، لان لفظة أفعل لا تستعمل إلا في أمر يشتركان فيه ثم ينفرد أحدهما فيه بمزية، وما ثبت أن فلانا زان ولا أن الناس زناة فيكون هو أزنى مفهم.
وان قال فلان زان وأنت ازنى منه، أو أنت أزنى زناة الناس فهو قذف لانه أثبت زنا غيره ثم جعله أزنى منه.

(فصل) وان قال لامرأته يا زانى فهو قذف لانه صرح بإضافة الزنا إليها وأسقط الهاء للترخيم، كقولهم في مالك يا مال، وفى حارث يا حار.
وان قال لرجل يا زانية فهو قذف لانه صرح بإضافة الزنا إليه وزاد الهاء للمبالغة، كقولهم علامة ونسابة وشتامه ونوامة، فإن قال زنأت في الجبل فليس بقذف من غير نية، لان الزنء هو الصعود في الجبل، والدليل عليه قول الشاعر.
وارق إلى الخيرات زنئا في الجبل.
وان قال زنأت ولم يذكر الجبل ففيه وجهان (أحدهما) أنه قذف لانه لم يقرن به ما يدل على الصعود (والثانى) وهو قول أبى الطيب بن سلمة رحمه الله أنه ان كان من أهل اللغة فليس بقذف، وان كان من العامة فهو قذف لان العامة لا يفرقون بين زنيت وزنأت.

(فصل) وإن قال زنى فرجك أو دبرك أو ذكرك فهو قذف لان الزنا يقع بذلك، وان قال زنت عينك أو بدك أو رجلك فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هو قذف، وهو ظاهر ما نقله المزني رحمه الله، لانه أضاف الزنا إلى عضو منه فأشبه إذا أضاف إلى الفرج، ومنهم من قال ليس بقذف من غير نية.
وخطأ المزني في النقل لان الزنا لا يوجد من هذه الاعضاء حقيقة، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه، فإن قال زنى بدنك ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه قذف من غير نية، لان الزنا بجميع البدن يكون بالمباشرة فلم يكن صريحا في القذف.

(والثانى) أنه قذف لانه أضاف إلى جميع البدن والفرج داخل فيه، وان قال لا ترد يد لا مس لم يكن قاذفا، لما روى أن رجلا من بنى قزارة قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ امرأتي لا ترد يد لامس، ولم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم قاذفا.
وان قال زنى بك فلان وهو صبى لا يجامع مثله لم يكن قاذفا، لانه لا يوجد منه الوطئ الذى يجب به الحد عليها، وان كان صبيا يجامع مثله فهو قذف لانه يوجد منه الوطئ الذى يجب به الحد عليها وان قال لامرأته زنيت بفلانة أو زنت بك فلانة لم يحب به الحد، لان ما رماها به لا يوجب الحد.

(فصل) وان أتت امرأته بولد فقال ليس منى لم يكن قاذفا من غير نية لجواز أن يكون معناه ليس منى خلقا أو خلقا أو من زوج غيرى أو من وطئ شبهة أو مستعار.
وان نفى نسب ولده باللعان فقال رجل لهذا الولد لست بابن فلان لم يكن قذفا، لانه صادق في الظاهر أنه ليس منه، لانه منفى عنه.
قال الشافعي رحمه الله: إذا أقر بنسب ولد فقال له رجل لست بابن فلان فهو قذف وقال في الزوج: إذا قال للولد الذى أقر به لست بابنى أنه ليس بقذف واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال ان أراد القذف فهو قذف في المسألتين، وان لم يرد القذف فليس بقذف في المسألتين، وحمل جوابه في المسألتين على هذين الحالين.
ومن أصحابنا من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الاخرى وجعلهما على قولين.

(أحدهما) أنه ليس بقذف فيهما لجواز أن يكون معناه لست بابن فلان أو لست بابنى خلقا أو خلقا.

(والثانى) أنه قذف لان الظاهر منه النفى والقذف، ومن أصحابنا من قال ليس بقذف من الزوج وهو قذف من الأجنبي، لان الاب يحتاج إلى تأديب ولده فيقول لست بإنى مبالغة في تأديبه، والاجنبى غير محتاج إلى تأديبه فجعل قذفا منه.

(فصل) وإن قال لعربى يا نبطى، فإن أراد نبطى اللسان أو نبطى الدار لم يكن قذفا، وإن أراد نفى نسبه من العرب ففيه وجهان (أحدهما) أنه ليس بقذف لان الله تعالى علق الحد على الزنا فقال (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) وشهادة الاربعة يحتاج إليها في إثبات الزنا.

(والثانى) أنه يجب به الحد لما روى الاشعث بن قَيْسٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا أوتى برجل يقول إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قال: لا حد إلا في اثنتين، قذف محصنة ونفى رجل من أبيه.

(فصل) ومن لا يجب عليه الحد لعدم إحصان المقذوف أو للتعريض بالقذف من غير نية عزر لانه آذى من لا يجوز أذاه، وإن قال لامرأته استكرهت على الزنا ففيه وجهان (أحدهما) أنه يعزر لانه يلحقها بذلك عار عند الناس (والثانى) أنه لا يعزر، لانه لا عار عليها في الشريعه بما فعل بها مستكرهة.
(الشرح) قوله (ولا يجب الحد إلا بصريح القذف، قالت الحنابلة: وصريح القذف يا زان يا عاهر، قد زنيت، زنا فرجك ونحوه.
وكذا يا لوطى.
لقله واختاره الاكثر.
قال أحمد (يحده) قالوا وإن فسر يا منيوكة بفعل زوج فليس قذفا، ذكروه في الرعاية والتبصره.
وان أراد بزاني العين أو يا عاهر اليد لم يقبل منه مع سبقه ما يدل على قذف صريح، وكنايته زنت يداك أو رجلاك أو يدك أو بدنك

ويا مخنث، ويا قحبة، ويا فاجرة ويا خبيثة، أو يقول لزوجة شخص فضحت زوجك وغطيت رأسه وجعلت له قرونا وعلقت عليه أولاد من غيره وأفسدت فراشه، قال الامام أحمد في رواية حنبل لا أرى الحد الا على من صرح بالقذف أو الشتمة، فإن أراد بهذه الالفاظ حقيقة الزنى حد والا عزر.
قال ابن رشد في البداية: إذا كان القذف بلفظ صريح وجب الحد، واختلفوا ان كان بتعريض فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وابن أبى ليلى لا حد في التعريض، الا أن أبا حنيفة والشافعي يريان فيه التعزير.
وممن قال بقولهم من الصحابة ابن مسعود.
وقال مالك وأصحابه: في التعريض الحد، وهى مسألة وقعت في زمان عمر فشاور عمر فيها الصحابة فاختلفوا فيها، فرأى عمر فيها الحد، وعمدة مالك أن الكناية قد تقوم بعرف العادة والاستعمال مقام النص الصريح، وان كان اللفظ فيها مستعملا في غير موضعه، أعنى مقولا بالاستعارة، وعمدة الجمهور أن الاحتمال الذى في الاسم المستعار شبهة والحدود تدرأ بالشبهات والحق أن الكناية قد تقوم في مواضع مقام النص وقد تضعف في مواضع، وذلك أنه إذا لم يكثر الاستعمال لها.
قال ابن حزم: من قال لآخر فرجت بفلانة أو قال فسقت بها، فإن أبا حنيفة والشافعي وأصحابهما قالوا لا حد في ذلك، ثم قال ان كان لهذين اللفظين وجه غير الزنا فكما قالوا، وان كان لا يفهم منهما غير الزنا فالحد في ذلك، فلما نظرنا فيهما وجدناهما يقعان على اتيانهما في الدبر فسقط الحد في ذلك، وكذلك لو قال جامعتها حراما ولا فرق، قال على فلو أخبر بهذا عن نفسه لم يكن معترفا بالزنا قوله (وان قال لطت ... ) قالت الحنابلة: وصريح القذف يا لوطى ولا تحتمل غيره.
أورد ابن حزم في المحلى آثار عن قتادة أن رجلا قال لابي الأسود الدؤلى يا لوطى، قال يرحم الله لوطا.
وعن عكرمة حينما سأل عن رجل قال لآخر يا لوطى؟ قال عكرمة ليس عليه حد.
وعن الزهري وقتادة أنهما قالا جميعا في رجل قال لرجل يا لوطى.
أنه لا يحد، وبه يقول أبو حنيفة وأبو سليمان وأصحابنا.

وقال آخرون لا حد في ذلك إلا أن يبين عن ابن جريج قال.
قلت لعطاء في رجل قال لآخر يا لوطى، قال لا حد عليه حتى يقول إنك لتصنع بفلان.
وعن النخعي قال نيته يسأل عما أراد بذلك.
وقالت طائفة عليه الحد واستدلوا بحكم عمر بن عبد العزيز حينما رفع إليه مثل هذا الامر، فجعل عمر يقول يا لوطى يا محمدى، فكأنه لم ير عليه الحد وضربه بضعة عشر سوطا، ثم أرسل إليه من الغد فأكمل له الحد.
وعن الشعبى قال يجلد، وبإيجاب الحد يقول مالك والشافعي.
قال ابن حزم في المحلى: واللواط ليس عندنا زنا فلا حد في الرمى به، فإن قالوا إن الرمى بذلك حرام، قلنا نعم وإثم، ولكن ليس كل حرام وإثم تجب فيه الحدود، فالغصب حرام ولا حد فيه، وأكل لحم الخنزير حرام ولا حد فيه والرمى بالكفر حرام ولا حد فيه.
قوله (وإن قال لامرأته ... ) فهذا ما لا خلاف فيه.
قوله (وإن قال لامرأته يا زانى..) قالت الحنابلة: وإن قال لرجل يا زانية أو لامرأة يا زان فصريح كفتح التاء وكسرها لهما خلافا لصاحب الرعاية في عالم بعربية، وقيل كناية.
وإن قال زنأت في الجبل فصريح، وقيل إن عرف العربية وقال أردت الصعود في الجبل، قيل فإن لم يقل في الجبل، وقيل لا قذف.
قوله (وإن قال زنى فرجك أو دبرك) سبق الكلام عليه في الباب.
قوله (وإن أتت امرأة بولد) قال ابن حزم: اختلف الناس فيمن نفى آخر عن نسبه، فقالت طائفة فيه الحد، وقالت طائفة لا حد فيه، فأما من أوجب فيه الحد فهو كما قال ابن مسعود لا حد إلا في اثنين، أن يقذف محصنة أو ينفى رجلا عن أبيه، وإن كانت أمه أمة.
وعن الشعبى في الرجل ينفى الرجل من فخذه، قال ليس عليه حد إلا أن ينفيه من أبيه، وعنه والحسن يضرب الحد، وعن النخعي من نفى رجلا عن أبيه كان أبوه ما كان، كان عليه الحد، وعنه في رجل نفى رجلا عن أبيه قال له لست.

لابيك وأمه نصرانية أو مملوكة، قال لا يجلد، وفى قضية رفعت لعمر بن عبد العزيز أن رجلا قال لآخر يهودى بن يهودى، فقال له أجل والله إنى اليهودي ابن اليهودي، قال ان كان الذى قال له ذلك يعرف أبوه فحد اليهودي.
وعن معاذ بن جبل وعهد الله بن عمر قالا: ليس الحد إلا في الكلمة ليس لها مصرف وليس لها إلا وجه واحد.
وعن على إذا بلغ الحد لعل وعسى فالحد معطل.
وعن ابن عباس فيمن قال لرجل يا نبطى أنه لا حد عليه، وكذا الشعبى وعطاء، قال ابن حزم فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر لنعلم الحق فنتبعه فوجدنا الزهري يقول في نفى المرء عن أبيه أو عن نسبه أن السنة على الغافى في كتاب الله تعالى وسنة نبية صلى الله عليه وسلم أن يأتي بأربعة شهداء، فنظرنا هل نجد هذا الذى ذكر الزهري في كتاب الله تعالى فلم نجده.
فإن قالوا النافي قاذف ولابد، قلنا لا ما هو قاذف ولا قذف أحدا، وقد ينفيه عن نسبه بأنه استلحق وأنه من غيرهم ابن نكاح صحيح، فقد كانت العرب تفعل هذا فلا قذف هاهنا أصلا.
ثم نظرنا فوجدنا الله تعالى قد أوجب القذف بالزنا الحد، وجاءت به السنة الصحيحة، وصح به الاجماع المتيقن.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وما يجب بالقذف من الحد أو التعزير بالاذى فهو حق للمقذوف يستوفى إذا طالب به ويسقط إذا عفا عنه، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أيعجز أحدكم أن يكون كأبى ضمضم كان يقول تصدقت بعرضي والتصدق بالعرض لا يكون الا بالعفو عما يجب له، ولانه لا خلاف أنه لا يستوفى الا بمطالبته فكان له العفو كالقصاص، وان قال لغيره اقذفني فقذفه ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه لا حد عليه لانه حق له فسقط بإذنه كالقصاص.

(والثانى) أنه يجب عليه الحد لان العار يلحق بالعشيرة فلا يملك الا بإذن فيه، وإذا أسقط الاذن وجب الحد، ومن وجب له الحد أو التعزير لم يجز أن

يستوفى الا بحضرة السلطان لانه يحتاج إلى الاجتهاد ويدخله التخفيف، فلو فوض إلى المقذوف لم يؤمن أن يجف للتشفي.

(فصل) وأن مات من له الحد أو التعزير وهو ممن يورث انتقل ذلك إلى الوارث، وفيمن يرثه ثلاثة أوجه.
(أحدها) أنه يرثه جميع الورثة لانه موروث فكان لجميع الورثة كالمال (والثانى) أنه لجميع الورثة الا لمن يرث بالزوجية، لان الحد يجب لدفع العار ولا يلحق الزوج عار بعد الموت لانه لا تبقى زوجية.
(والثالث) أنه يرثه العصبات دون غيرهم لانه حق ثبت لدفع العار فاختص به العصبات كولاية النكاح، وان كان له وارثان فعفا أحدهما ثبت للآخر جميع الحد لانه جعل الردع ولا يحصل الردع الا بما جعله الله عز وجل للردع، وان لم يكن له وارث فهو للمسلمين ويستوفيه للسلطان.

(فصل) وأن جن من له الحد أو التعزيز لم يكن لوليه أن يطالبه باستيفائه لانه حق يجب للتشفي ودرك الغيظ فأخر إلى الافاقة كالقصاص، وان قذف مملوكا كانت المطالبة بالتعزير للمملوك دون السيد، لانه ليس بمال ولا له بدل، هو مال فلم يكن السيد فيه حق كفسخ النكاح إذا عتقت الامة تحت عبد، وان مات المملوك ففى التعزير ثلاثة أوجه.
(أحدها) أنه يسقط لانه لا يستحق عنه بالارث فلا يستحق المولى لانه لو ملك بحق الملك لملك في حياته (والثانى) أنه للمولى لانه حق ثبت للمملوك فكان المولى أحق به بعد الموت كمال المكاتب (والثالث) أنه ينتقل إلى عصباته لانه حق ثبت لنفى العار فكان عصباته أحق به.
(الشرح) الحديث أخرجه ابن السنى.
اللغة.
قوله (تصدقت بعرضي) قال أبو بكر بن الانباري، قال أبو العباس العرض موضع الذم والمدح من الانسان، ومعناه أموره التى يرتفع بها أو يسقط بذكرها ومن جهتها يحمد أو يذم، ويجوز أن يكون ذكر أسلافه لانه يلحقه النقيصة بعيبهم.

وقال ابن قتيبة رض الرجل نفسه، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون، إنما هو عرق يخرج من أعراضهم مثل المسك أي أبدانهم.
واحتج بهذا الحديث المذكور (تصدقت بعرضي) أي بنفسى وأحللت من يغتابني.
قال ولو كان العرض الاسلاف لما جاز له أن يحل من يغتابهم وله كلام يطول.
قوله (العار يلحق بالعشيرة) هم القبيلة.
قوله (لم يؤمن أن يحيف) الحيف الجور والظلم وقد ذكر مرارا، وأصل التشفي من شفاه الله من المرض إذا زال عنه، فكأنه يزول ما يجد من الغيظ والحزن.
قوله (جعل للردع) الردع الكف، ردعته فارتدع أي كففته فانكف قوله (وما يجب بالقذف من الحد) قال ابن رشد وأما سقوطه فإنهم اختلفوا في سقوطه بعفو القاذف، فقال أبو حنيفة والثوري والاوزاعي لا يصح العفو أي لا يسقط الحد، وقال الشافعي يصح العفو أي يسقط الحد بلغ الامام أو لم يبلغ وقال قوم إن بلغ الامام لم يجز العفو، وإن لم يبلغه جاز العفو، واختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال بقول الشافعي ومرة قال يجوز إذا لم يبلغ الامام، وان بلغ لم يجز الا أن يريد بذلك المقذوف الستر على نفسه.
وهو المشهور عنهم.
والسبب في اختلافهم هل هو حق لله أو حق للآدميين أو حق لكليهما، فمن قال حق لله لم يجز العفو كالزنا، ومن قال حق للآدميين أجاز العفو، ومن قال لكليهما وغلب حق الامام إذا وصل إليه قال بالفرق بين أن يصل الامام أو لا يصل وقياسا على الاثر الوارد في السرقة، وعمدة من رأى أنه حق للآدميين وهو الاظهر أن المقذوف إذا صدقه فيما قذفه به سقط عنه الحد.
قال ابن حزم فنظرنا في قول مالك فوجدناه ظاهر التناقض، وكذا قول أبى حنيفة ثم قال فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام حد القذف ولم يشاور عائشة أن تعفو أم لا، فلو كان لها في ذلك حق لما عطله صلى الله عليه وسلم، فصح أن الحد من حقوق الله تعالى لا مدخل للمقذوف فيه أصلا ولا عفو له عنه.
قالت الحنابلة والصدقة بالعرض لا تكون الا بالعفو عما وجب له، ولانه

حق له لا يقام الا بطلبه فيسقط بعفوه كالقصاص (قلت) وما ذهب إليه ابن حزم فهو الحق والله أعلم.
قوله (وان مات من له الحد) قالت الحنابلة في الفروع وحق القذف للورثة فص عليه، وقيل سوى الزوجين، وفى المغنى للعصبة) وان عفا بعضهم حده الباقون كاملا، وقيل يسقط.
وسأله ابن منصور افترى على أبيه وقد مات فعفا ابنه، قال جائز وسأله الاثرم (أله العفو بعد رفعه؟ قال في نفسه، فإنما هو حقه، وإذا قذف أباه فهذا شئ يطلبه غيره.
قال في الروضة (ان مات بعد طلبه ملكه وارثه، فإن عفا بعضهم حد لمن يطلب منهم بقسطه وسقط قسط من عفا.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان قذف جماعة نظرت فإن كانوا جماعة لا يجوز أن يكونوا كلهم زناة كأهل بغداد لم يجب الحد، لان الحد يجب لنفى العار ولا عار على المقذوف لانا نقطع بكذبه ويعزر الكذب.
وان كانت جماعة يجوز أن يكونوا كلهم زناة نظرت، فإن كان قد قذف كل واحد منهم على الانفراد وجب لكل واحد منهم حد، وان قذفهم بكلمة واحدة ففيه قولان.
قال في القديم يجب حد واحد، لان كلمة القذف واحدة، فوجب حد واحد، كما لو قذف امرأة واحدة.
وقال في الجديد يجب لكل واحد منهم حد، وهو الصحيح لانه ألحق العار بقذف كل واحد منهم فلزمه لكل واحد منهم حد، كما لو أفرد كل واحد منهم بالقذف، فإن قذف زوجته برجل ولم يلاعن ففيه طريقان، من أصحابنا من قال هي على قولين، كما لو قذف رجلين أو امرأتين، ومنهم من قال يجب حد واحد قولا واحدا، لان القذف ههنا بزنا واحد، والقذف هناك بزناءين، فإن وجب عليه حد لا ثنين فإن وجب لاحدهما قبل الاخر وتشاحا قدم السابق منهما لان حقه أسبق، وان وجب عليه لهما في حالة واحدة بأن قذفهما معا وتشاحا أقرع بينهما، لانه لا مزية لاحدهما على الاخر فقدم بالقرعة

وإن قال لزوجته يا زانية بنت الزانية وهما محصنتان لزمه حدان، ومن حضر منهما وطالبت بحدها حد لها، وإن حضرتا وطالبتا بحدهما ففيه وجهان.

(أحدهما) أنه يبدأ بحد البنت لانه بدأ بقذفها (والثانى) وهو المذهب أنه يبدأ بحد الام لان حدها مجمع عليه وحد البنت مختلف فيه، لان عند أبى حنيفة لا يجب على الزوج بقذف زوجته حد، ولان حد الام آكد لانه لا يسقط إلا بالبينة وحد البنت يسقط بالبينة وباللعان فقدم آكدهما.

(فصل) وإن وجب حدان على حر لاثنين فحد لاحدهما لم يحد للآخر حتى يبرأ ظهره من الاول، لان الموالاة بينهما تؤدى إلى التلف، وإن كان الحدان على عبد ففيه وجهان: (أحدهما) أنه لا يجوز الموالاة بينهما، كما لو كانا على حر (والثانى) أنه يجوز لان الحدين على العبد كالحد الواحد.

(فصل) وان قذف أجنبيا بالزنا فحد ثم قذفه ثانيا بذلك الزنا عزر للاذى ولم يحد، لان أبا بكرة شهد على المغيرة بالزنا فجلده عمر رضى الله عنه ثم أعاد القذف وأراد أن يجلده، فقال له على كرم الله وجهه: إن كنت تريد أن تجلده فارجم صاحبك، فترك عمر رضى الله عنه جلده، ولانه قد حصل التكذيب بالحد، وإن قذفه بزنا ثم قذفه بزنا آخر قبل أن يقام عليه الحد ففيه قولان.

(أحدهما) أنه يجب عليه حدان لانه من حقوق الآدميين فلم تتداخل كالديون (والثانى) يلزمه حد واحد، وهو الصحيح لانهما حدان من جنس واحد لمستحق واحد فتداخلا، كما لو زنى ثم زنى.
وان قذف زوجته ولاعنها ثم قذفها بزنا أضافه إلى ما قبل اللعان ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا يجب عليه الحد لان اللعان في حق الزوج كالبينة، ولو أقام عليها البينة ثم قذفها لم يلزمه الحد فكذلك إذا لاعنها.

(والثانى) أنه يجب عليه الحد، لان اللعان انما يسقط احصانها في الحالة التى يوجد فيها وما بعدها وما يسقط فيما تقدم فوجب الحد بما رماها به، وان قذف زوجته وتلاعنا ثم قذفها أجنبي وجب عليه الحد، لان اللعان يسقط الاحصان في حق الزوج لانه بينة يختص بها، فأما في حق الأجنبي فهى باقية على

إحصانها فوجب عليه الحد بقذفها، وإن قدفها الزوج ولاعنها ولم تلاعن فحدث ثم قذفها الأجنبي بذلك الزنا ففيه وجهان (أحدهما) أنه لا حد عليه لانه قذفها بزنا حدث فيه فلم يجب، كما لو أقيم عليها الحد بالبينة (والثانى) أنه يجب لان اللعان يختص به الزوج فزال به الاحصان في حقه وبقى في حق الأجنبي.
(الشرح) أثر (أبا بكرة شهد على المغيرة) سبق تخريجه.
قوله (وإن قذف جماعة) قالت الحنابلة في الفروع: ومن قذف جماعة بكلمة فحد طالبوا أو بعضهم فيحد لمن طلب ثم لا حد نقله الجماعة، وفى رواية لكل واحد حد.
وقالوا في منار السبيل (ومن قذف أهل بلدة أو جماعة لا يتصور الزنى منهم عزر ولا حد، وإن كان يتصور الزنى منهم عادة وقذف كل واحد بكلمة فلكل واحد حد، وإن كان إجمالا كقوله هم زناة فحد حد واحد لقوله (والذين يرمون المحصنات) ولم يفرق بين قذف واحد وجماعة، ولانه قذف واحد فلا يجب به أكثر من حد.
قال ابن رشد واختلفوا إذا قذف جماعة فقالت طائفة ليس عليه إلا حد واحد جمعهم في القذف أو فرقهم، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وجماعة.
وقال قوم بل عليه لكل واحد حد، وبه قال الشافعي والليث وجماعة حتى روى عن الحسن بن حيى أنه قال، إن قال إنسان من دخل هذه الدار فهو زان جلد الحد لكل من دخلها.
وقالت طائفة ان جمعهم في كلمة واحدة، مثل أن يقول لهم يا زناة فحد واحد وان قال لكل واحد منهم يا زان فعليه لكل انسان منهم حد، فعمدة من لم يوجب على قاذف الجماعة الا حد واحد حديث أنس وغيره أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، فرفع ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلاعن بينهما ولم يحده لشريك، وذلك اجماع من أهل العلم فيمن قذف زوجته برجل وعمدة من رأى أن الحد لكل واحد منهم أنه حق للآدميين، وأنه لو عفا بعضهم ولم يعف الكل لم يسقط الحد.
وأما من فرق بين قذفهم في كلمة واحدة أو كلمات، أو في مجلس واحد أو في

مجالس فلانه رأى أنه واجب أن يتعدد الحد بتعدد القذف، لانه إذا اجتمع تعدد المقذوف وتعدد القذف كان أوجب أن يتعدد الحد.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا سمع السلطان رجلا يقول زنى رجل لم يقم عليه الحد لان المستحق مجهول ولا يطالبه بتعيينه لقوله عز وجل (لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم) ولان الحد يدرأ بالشبهة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (ألا سترته بثوبك يا هزال) . وان قال سمعت رجلا يقول ان فلانا زنى لم يحد لانه ليس بقاذف وانما هو حاك ولا يسأله عن القاذف، لان الحد يدرأ بالشبهة.
وان قال زنى فلان فهل يلزم السلطان أن يسأل المقذوف فيه وجهان (أحدهما) أنه يلزمه لانه قد ثبت له حق لا يعلم به فلزم الامام اعلامه، كما لو ثبت له عنده مال لا يعلم به، فعلى هذا ان سأل المقذوف فأكذبه وطالب بالحد حد، وان صدقه حد المقذوف لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) واوجه الثاني أنه لا يلزم الامام اعلامه لقوله صلى الله عليه وسلم (اردءوا الحد بالشبهات) . (الشرح) حديث (يا أنيس اغد على امرأة هذا ... ) سبق تخريحه حديث (ادرءوا الحد بالشبهات ... ) سبق تخريجه قوله (إذا سمع السلطان رجلا يقول زنى رجل ... ) سبق الكلام عليه قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا قذف محصنا وقال قذفته وأنا ذاهب العقل فإن لم يعلم له حال جنون فالقول قول المقذوف مع يمينه أنه لا يعلم أنه مجنون، لان الاصل عدم الجنون.
وان علم له حال جنون ففيه قولان بناء على القولين في الملفوف إذا قده ثم اختلفا في حياته، أحدهما أن القول قول المقذوف لان الاصل الصحة والثانى أن القول قول القاذف، لانه يحتمل ما يدعيه والاصل حمى الظهر.

ولان الحد يسقط بالشبهة، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ادءوا الحدود بالشبهات وادرءوا الحدود ما استطعتم، ولان يخطئ الامام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة.

(فصل) وإن عرض بالقذف وادعى المقذوف أنه أراد قذفه وأنكر القاذف فالقول قوله لان ما يدعيه محتمل والاصل براءة ذمته.

(فصل) وإن قال لمحصنة زنيت في الوقت الذى كنت فيه نصرانية أو أمة، فإن عرف أنها كانت نصرانية أو أمة لم يجب الحد لانه أضاف القذف إلى حال هي فيها غير محصنة.
وإن قال لها زنيت ثم قال أردت في الوقت الذى كنت فيه نصرانية أو أمة، وقالت المقذوفة بل أردت قذفي في هذا الحال وجب الحد لان الظاهر أنه أراد قذفها في الحال، فإن قذف امرأة وادعى أنها مشركة أو أمة وادعت أنها أسلمت أو أعتقت فالقول قول القاذف، لان الاصل بقاء الشرك والرق.
وإن قذف امرأة وأقر أنها كانت مسلمة وادعى أنها ارتدت، وأنكرت المرأة ذلك فالقول قولها، لان الاصل بقاؤها على الاسلام.
وان قذف مجهولة وادعى أنها أمة أو نصرانية، وأنكرت المرأة، ففيه طريقان ذكرناهما في الجنايات.

(فصل) وإن ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها، وأنكر، فشهد شاهدان أنه قذفها جاز أن يلاعن، لان انكاره للقذف لا يكذب ما يلاعن عليه من الزنا، لانه يقول انما أنكرت القذف، وهو الرمى بالكذب وما كذبت عليها لانى صادق أنها زنت فجاز أن يلاعن، كما لو ادعى على رجل أنه أودعه مالا، فقال المدعى عليه مالك عندي شئ، فشهد شاهدان أنه أودعه فإن له أن يحلف لان انكاره لا يمنع الايداع لانه قد يودعه ثم يتلف فلا يلزمه شئ.
(الشرح) حديث ادرءوا الحدود بالشبهات) سبق تخريجه (قلت) وفى نهاية باب القذف أجمل أحكام هذا الباب.

إن الاية الكريمة وإن جاءت بكلمة (يرمون المحصنات) تدل على أنه ليس المراد بالرمي في هذا المقام الرمى بكل نوع من أنواع الجرائم، بل المراد به ههنا الرمى بالزنا خاصة.
2 - ان الرمى حكم شامل سواء كان القذف من الرجال أو النساء للرجال أو للنساء - 3 - وحكم القذف أن يضرب ثمانين جلدة 4 - وهذا الحكم إنما ينفذ في ما إذا كان القاذف قذف محصنا من الرجال أو النساء ولا ينفذ في ما إذا كان المقذوف غير محصن، أما إذا كان معروفا بفجوره لا ينشأ السؤال عن قذفه، ولكنه إذا لم يكن كذلك فللقاضي أن يعين برأيه عقوبة من يقذفه أو لمجلس الشورى أن يضع في هذا الباب قانونا حسب الظروف والحاجات.
5 - لا يدان أحد باقتراف القذف بمجرد أنه رمى غيره بالزنا بدون أن يقيم عليه الشهادة، بل لادانته باقتراف القذف عدة شروط لا بد من استيفائها في القاذف والمقذوف وفعلة القذف نفسها، واليك بيانها.
أما الشروط التى لا بد من جودها في القاذف.
(ا) أن يكون بالغا فإذا كان القاذف صبيا لا يقام عليه الحد، وانما يقام عليه التعزير (ب) أن يكون عاقلا فإذا كان القاذف مجنونا لا يقام عليه الحد، وكذلك لا يقام حد القذف على من كان في سكر، الا إذا سكر بمحرم، لانه كالصاحي فيما فيه حقوق العباد كسكر الكلورو فارم مثلا.
(ج) أن يكون قد قذف بإرادته الحرة طائعا، فمن قذف مكرها لا يقام عليه الحد (د) أن لا يكون والدا ولا جدا للمقذوف لانه لا يقام عليه الحد.
هذه الشروط متفق عليها بين الفقهاء الا أن الحنفية قد أضافوا إليها شرطا خامسا هو أن يكون القاذف ناطقا، فإذ قذف الاخرس غيره بالاشارة والكناية لا يقام عليه الحد، وقد خالفهم الامام الشافعي في ذلك وقال ان الاخرس إذا كانت اشارته أو كنايته واضحة يعرف بها مقصوده فهو قاذف، لان اشارته لا تقل عن صريح القول في تشويه سمعة المقذوف وإلحاق العار بذيله، ولكن

إشارة الاخرس عند الحنفية ليست بقويه التأثير حتى يضرب على أساسها ثمانين جلدة وإنما التعزير عندهم.
أما الشروط المطلوبة في المقذوف: ا - أن يكون عاقلا قد رمى بارتكاب الزنا في حالة العقل، فإذا قذف أحد مجنونا، سواء أكان أفاق من جنونه فيما بعد أو لم يفق لا يستحق حد القذف، لان المجنون لا يستطيع الاهتمام بحفظ عفافه، ولانه لو قامت عليه الشهادة بالزنا لما استحق الحد ولا قدح ذلك في عرضه، ولكن مالكا والليث بن سعد يقولان ان قاذف المجنون يستحق الحد لانه على كل حال يرميه بما هو برئ منه ب - أن يكون بالغا، فإذا قذف أحد صبيا أو قال عن شاب أنه ارتكب الزنا في صباه فإنه لا يوجب عليه الحد، لان الصبى كالمجنون، الا أن مالكا يقول بأنه إذا قذف أحد طفلا يكاد يبلغ الحلم لا يستحق الحد، وأما إذا قذف بنتا وهى في سن من الممكن أن يزنى بها فيها فإنه يستحق الحد، لان ذلك لا يمس عرضها وحدها بل يمس كذلك بعرض أسرتها ويفسد عليها مستقبلها.
ج - أن يكون مسلما أي رمى بأنه ارتكب الزنا في حالة اسلامه فإذا قذف أحد الكافر أو قال عن مسلم أنه ارتكب الزنا في حال الكفر فإنه لا يستحق الحد د - أن يكون حرا فمن قذف للعهد أو الامة أو قال عن حر انه ارتكب الزنا أيام كان عبدا لم يعتق بعد فإنه لا يستحق الحد لان العبد قد لا يستطيع الاهتمام بحفظ عفافه لما يكون به من الضعف والغلبة على أمره، الا أن داود الظاهرى وابن حزم قالا ان قاذف العبد والامة أيضا يستحق الحد.
هـ - أن يكون عفيفا بريئا عن فعل الزنا وشبهته ومعنى البراءة من الزنا أن لا تكون جريمة الزنا قد ثبتت فعلا عليه قبلا، ومعنى البراءة من شبهة الزنا أن لا يكون وطئ بنكاح فاسد أو ملكية مشتبهة ولا تكون حياته ماجنة خليعة، ولا يأتي الافعال القبيحة المحظورة، لان هذه الامور قادحة في عفافه على كل حال ولا ينبغى أن يستحق ثمانين جلدة من يقذف صاحب مثل هذا العرض المقدوح فيه، ولذا إذا قامت على المقذوب بينة بجريمة الزنا قبل أن يقام عليه

حد القذف ترك القاذف لان المقذوف لم يعد عفافه ثابتا، ولكن ليس معنى عدم إقامة الحد في هذه الصور الخمس أن قاذف المجنون أو الصبى أو الكافر أو العبد أو غير العفيف لا يستحق عقوبة بل انه يستحق التعزير ويبلغ به غايته الشروط اللازمة في فعلة القذف نفسها: أن كل رمى بحوله إلى القذف أحد الامرين: إما أن يرمى القاذف المقذوف بصريح الزنا إذا ثبتت بشهادة الشهود وجب عليه الحد أو يقول عنه أنه ولد الزنا ولكن يجب التصريح بارتكابه للزنا في كلتا الحالتين، ولا عبرة بالكناية، فإن ارادة الرمى بالزنا أو الطعن في النسب متوقفة في الكناية على نية القاذف، فإن كى بألفاظ سبق ذكرها كيا فاجر وكيا ابن الحرام فلا قذف فيها، غير أن الفقهاء قد اختلفوا حول اعتبار التعريض قذفا، والتعريض هو أن يقول أحد لغيره مثلا (يا ابن الحلال أما أنا فما زنيت أو ما ولدتني أمي بالزنا) فقال مالك رحمه الله إن من جاء بتعريض يفهم به قطعا أنه يريد أن يقول عن مخاطبه أنه زنا أو أنه ولد الزنا وجب عليه حد القذف.
أما أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي وسفيان وابن شبرمة والحسن بن صالح فقالوا إنه ليس التعريض قذفا، لانه على كل حال يحتمل الشك، ولان الاصل براءة الذمة فلا ينبغى أن يرجع عنه بالشك.
وأما أحمد واسحاق بن راهويه فقالا: ان التعريض ليس بقذف في حال الرضى والمزاح، وهو قذف في حال الغضب والمجادلة، فقد أقام عمر وعلى الحد على التعريض.
وروى أن رجلين استبا في زمن عمر، فقال أحدهما للآخر: ما أنا بزان ولا أمي بزانية، فاستشار عمر الصحابة فقال بعضهم مدح أباه وأمه وقال الآخرون: أما كان لابية مدح غير هذا؟ فجلده عمر ثمانين جلدة (أحكام القرآن للجصاص ج: ص 330) وكذلك أن الفقهاء بينهم الخلاف حول اعتبار الرمى بعمل قوم لوط قذفا، فيقول أبو حنيفة أنه ليس قذفا، ويقول أبو يوسف ومحمد من أصحابه ومالك والشافعي انه قذف يجب عليه الحد

6 - وكذلك هناك خلاف بين الفقهاء حول اعتبار القذف من الجنايات التى تؤاخذ الناس عليها شرطة الدولة ومحكمتها، فيقول ابن أبى ليلى أنه من حق الله فيجب أن يقام عليه الحد سواء أطالب به المقذوف أو لم يطالب وهو من حق الله ولكن المقذوف فيه حق من حيث دفع العارعنه عند أبى حنيفة وأصحابه أيضا، ولكن بمعنى أنه إذا ثبتت الجريمة على أحد وجب أن يقام عليه الحد، ولكن يتوقف رفع أمره إلى الحكام على ارادة المقذوف ومطالبته فهو من هذه الجهة من حقوق العباد.
وهذا الرأى هو الذى ذهب إليه الشافعي والاوزاعي، وأما مالك فعنده التفصيل، فيقول: ان قذف القاذف بحضور من الامام يؤخذ عليه والا فإن اقامة الدعوى عليه متوقفة على مطالبة المقذوف.
7 - ليس القذف من الجرائم التى يجوز التراضي عليها بين الفريقين 8 - وعند الحنفية لا يطالب بإقامة الحد على القاذف الا المقذوف نفسه أو من لحق بنسبه العار لقذفه عندما لم يكن المقذوف نفسه حاضرا للمطالبة كالوالد والوالدة والاولاد وأولاد الاولاد.
وعند مالك الشافعي هذا حق من الحقوق القابلة للموارثة، فإذا مات المقذوف قبل استيفائه الحد على القاذف فلورثته أن يطالبوا به، غير أنه من العجب أن الشافعي يستثنى من الورثة الزوج والزوجة، ويستدل على ذلك بأن علاقة الزوجية ترتفع بالموت وأن المقصود من الحد دفع العار عن النسب وهو لا يلحق بالزوج وبالزوجة - وهذا استدلال غير قوى في حقيقة الامر - فإذا كانت المطالبة بإقامة الحد على القاذف حقا يرثه ورثة المقذوف بعد موته فما هناك سبب معقول لان يحرم منه الزوجان.
9 - وإذا ثبت عن رجل أنه ارتكب القذف فإن الشئ الوحيد الذى ينقذه من الحد هو أن يأتي بأربعة شهداء، ويجب أن يحضر هؤلاء الشهداء المحكمة مجتمعين ويؤدوا الشهادة في وقت واحد، وبهذا قال الحنفيون أما الشافعيون فقد ذهبوا إلى أنه لا يحصل أي فرق بحضور الشهداء المحكمة مجتمعين أو متفرقين

بل الافضل أن يأتوا واحدا بعد الاخر مثل ما يكون في سائر الاقضيه، ويجب أن يكون الشهداء متصفين بالعدل.
10 - ومن لم يستطع أن يقدم إلى المحكمة شهادة تبريه من جريمة القذف فقد حكم عليه القرآن بثلاثة أحكام.
(ا) أن يجلد ثمانين جلدة (ب) أن لا تقبل له شهادة (ج) أنه فاسق.
وقد اتفقوا على أنه لا يسقط الحد عن القاذف بتوبته وأنه لا بد له من الحد واختلفوا هل القاذف يفسق بفعل القذف ذاته أو انما يفسق بعد ما تحكم عليه المحكمة بالحد، فهو يفسق بفعل القذف ذاته عند الشافعي والليث بن سعد وعلى العكس من ذلك يقول أبو حنيفة وأصحابه ومالك أنه لا يفسق إلا بعد ما يقام عليه الحد والصحيح عندي في هذا الشأن أن كون القاذف فاسقا عند الله نتيجة لفعل القذف نفسه، وأما كونه فاسقا عند الناس فمتوقف على أن تثبت جريمته ويقام عليه الحد.
وهناك خلاف شديد حول (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) هل إليه أيضا يرجع العفو المذكور في جملة إلا اللذين تابوا وأصلحوا أم لا، فتقول طائفة منهم القاضى شريح وسعيد بن المسيب، والحسن البصري والنخعي وابن سيرين ومكحول وعبد الرحمن بن زيد وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد وسفيان الثوري والحسن بن صالح أن من تاب وأصلح لا يبقى فاسقا عند الله ولا عند الناس مع إقامة الحد عليه وعدم الاعتداد بشهادته إلى الابد.
وتقول طائفة أخرى منهم عطاء وطاوس ومجاهد والشعبى والقاسم بن محمد وسالم والزهرى وعكرمة وعمر بن عبد العزيز وابن أبى نجيح وسليمان بن يسار ومسروق والضحاك ومالك وعثمان البنى والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل والطبري أن جملة (إلا الذين تابوا وأصلحوا) لا يرجع العفو المذكور فيها إلى إقامة الحد، ولكنه يرجع إلى أن من أقيم عليه الحد إذا تاب وحسنت حاله تقبل شهادته ولا يبقى فاسقا، واستدلو بقصة إقامة عمر الحد على أبى بكرة حينما قذف المغيرة بن شعبة.

والصحيح عندي أن حقيقة توبة المرء لا يعلمها إلا الله، ومن تاب عندنا فإن غاية ما لنا أن نجامله به هو أن لا نسميه الفاسق ولا نذكره بالفسق، وليس من الصحيح أن نبالغ في مجاملته حتى نعود إلى الثقة بقوله لمجرد أنه قد تاب عندنا في ظاهر الامر.
11 - أن يكون حد القذف في الضرب أخف من ضرب الزانى.
12 - اتفق الفقهاء على أن من لقى حده مرة في القذف لا يؤاخذ إلا إذا جاء بتهمة جديدة أخرى.
13 - والفقهاء بينهم خلاف حول قذف الجماعة، فالحنفية يرون أن من قذف عدة أفراد بلفظ أو بألفاظ لا يلقى إلا حدا واحد، لانه ما من تهمة بالزنا إلا وهى تتناول عرض شخصين، وعلى العكس من ذلك يقول الشافعي إن من قذف جماعة بلفظ أو بألفاظ متكررة يقام عليه الحد لكل فرد منهم على حدة، وبهذا يقول عثمان البتى وابن أبى ليلى ويوافق عليه الشعبى والاوزاعي هذه الخلاصة التى أوردتها لك هي ما كنت أحب أن أتبع كل باب من أبواب الفقه الواردة بمثلها لولا ضيق المقام.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب حد السرقة

اللغة: السارق الذى يأخذ الشئ على وجه الاستخفاء بحيث لا يعلم به المسروق منه، مأخود من مسارقة النظر، ومن قوله تعالى (إلا من استرق السمع) والمنتهب الذى يأخذ بالقهر والغلبة مع العلم به، وأصل النهب الغنيمة، والانتهاب الافتعال من ذلك، والمختلس الذى يأخذ الشئ عيانا ثم يهرب، مثل أن يمد يده إلى منديل إنسان فيأخذه، هكذا ذكره في البيان.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

ومن سرق وهو بالغ عاقل مختار التزم حكم الاسلام نصابا من المال الذى يقصد إلى سرقته من حرز مثله لا شبهة له فيه وجب عليه القطع، والدليل عليه

قوله تعالى (والسارق والسارقه فاقطعوا أيديهما) ولان السارق يأخذ المال على وجه لا يمكن الاحتراز منه ولو لم يجب القطع عليه لادى ذلك إلى هلاك الناس بسرقة أموالهم ولا يجب القطع على المنتهب ولا على المختلس لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال (ليس على المنتهب قطع ولا على المختلس قطع ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا) ولان المنتهب والمختلس يأخذان المال على وجه يمكن انزاعه منه بالاستغاثة بالناس وبالسلطان فلم يحتج في ردعه إلى القطع ولا يجب على من جحد أمانة أو عارية لانه يمكن أخذ المال منه بالحكم فلم يحتج إلى القطع.

(فصل) ولا يجب على صبى ولا على مجنون لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يفيق.
وروى ابن مسعود رضى الله عنه أن صلى الله عليه وسلم أتى بجارية قد سرقت فوجدها لم تحض فلم يقطعها.
وهل يجب على السكران؟ فيه قولان ذكرناهما في الطلاق، ولا يجب على مكره لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ ما أوجب عقوبة الله عز وجل على المختار لم يوجب على المكره ككلمة الكفر، ولا تجب على الحربى لانه لم يلتزم حكم الاسلام، وهل يجب على المستأمن فيه قولان ذكرناهما في السير.
(الشرح) حديث جابر (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) رواه الخمسة وصححه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن حبان وصححه.
وفى رواية له عن ابن جريج عن عمر وبن دينار وأبى الزبير عن جابر، وليس فيه ذكر الخائن، ورواه ابن الجوزى في العلل وقال لم يذكر فيه الخائن غير مكى.
قال الحافظ قد رواه ابن حبان من غير طريقه فأخرجه من حديث سفيان عن أبى الزبير عن جابر بلفظ (ليس على المختلس ولا على الخائن قطع) وقال ابن أبى حاتم في العلل لم يسمعه ابن جريج من أبى الزبير إنما سمعه من ياسين بن معاذ الزيات وهو ضعيف، وكذا قال أبو داود.
وقال الحافظ أيضا.

وقد رواه المغيرة بن مسلم عن أبى الزبير عن جابر، وأسنده النسائي من حديث المغيرة، ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير قال النسائي ورواه عيسى بن يونس والفضل بن موسى وابن وهب ومخلد بن زيد وجماعة فلم يقل واحد منهم عن ابن جريج حدثنى أبو الزبير ولا أحسبه سمعه عنه وقد أعله ابن القطان بعنعنة أبى الزبير عن جابر، وأجيب بأنه قد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، وصرح بسماع أبى الزبير من جابر.
وعن عبد الرحمن ابن عوف عند ابن ماجه بإسناد صحيح بنحو الحديث المذكور وعن أنس عند ابن ماجه أيضا والطيرانى في الاوسط، وعن ابن عباس عند ابن الجوزى في العلل وضعفه.
قال الشوكاني: وهذه الاحاديث يقوى بعضها بعضا ولا سيما بعد تصحيح الترمذي وابن حبان، وياسين الزيات هو الكوفى وأصله يمامى: قال المنذرى لا يحتج بحديثه، والمغيرة بن مسلم هو السراج خراساني، وكنيته أبو سلمة.
قال ابن معين صالح الحديث صدوق، وقال أبو داود الطيالسي انه كان صدوقا.
حديث (رفع القلم عن ثلاث..) سبق تخريجه حديث (أتى بجارية..) أخرجه البيهقى عن القاسم قال (أتى عبد الله بجارية قد سرقت ولم تحصن فلم يقطعها) وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عمر قال: عرضت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فاستصغرني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فقبلني (قال ابن نافع حدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال إن هذا الحد بين الصغير والكبير.
حديث (رفع عن أمتى..سبق تخريجه) . اللغة: قوله (نصابا من المال) النصاب الاصل، ومنه قولهم كريم النصاب وقد ذكره في الزكاة.
قوله (من الخلاص) الخلاص بالكسر ما أخلصته النار من الذهب ومثله الخلاصه، وهو الذى أخلص ولم يضرب، والتبر غير مخلص.
قوله (من حرز مهتوك) قد ذكرنا أن أصل الهتك خرق الستر.

قوله (ومن سرق وهو بالغ) قال ابن حزم في مراتب الاجماع: واتفقوا أنه من سرق من حرز من غير مغنم ولا من بيت المال بيده لا بآلة وحده منفردا وهو بالغ عاقل مسلم حر في غير الحرم بمكة وفى غير دار الحرب فسرق من غير زوجته ومن غير ذى رحمه ومن غير زوجها إن كانت امرأة وهو غير سكران ولا مضطر بجوع ولا مكره فسرق مالا متملكا يحل للمسلمين بيعه وسرقه من غير غاصب له وبلغت قيمة ما سرق عشرة دراهم من الورق المحض بوزن مكة ولم يكن لحما ولا حيوانا مذبوحا ولا شيئا يؤكل أو يشرب ولا طيرا ولا صيدا ولا كلبا ولا سنورا ولا زبلا ولا عذرة ولا ترابا ولا زرنيخا ولا حصى ولا حجارة ولا فخارا ولا زجاجا ولا ذهبا ولا قصبا ولا خشبا ولا فاكهة ولا حمارا ولا حيوانا سارحا ولا مصحفا ولا زرعا من فدانه ولا تمرا من حائطه ولا شجرا ولا حرا ولا عبدا يتكلم ويعقل، ولا أحدث فيه جناية قبل إخراجه له من مكان لم يؤذن له في دخوله من حرزه وتولى إخراجه من حرزه بيده فشهد عليه بكل ذلك شاهدان رجلان ولم يختلفا ولا رجعا عن شهادتهما ولا ادعى هو ملك ما سرق وكان سالم اليد اليسرى وسالم الرجل اليمنى لا ينقص منها شئ ولم يهبه المسروق منه ما سرق ولا ملكه بعد ما سرق ولارد السارق على المسروق منه ولا أعاده السارق وحضر الشهود على السرقة ولم يمض للسرقة شهر فقد وجب عليه الحد، واتفقوا أن الغاصب المجاهر الذى ليس محاربا لا قطع عليه، واختلفوا في المختلس أتقطع يده أم لا.
قالت الحنابلة لا قطع على منتهب الذى يأخذ المال على وجه الغنيمة لحديث جابر ولا مختطف وهو الذى يختلس الشئ ويمر به غاصب.
قال ابن رشد أجمعوا على أنه ليس على الغاصب ولا على المكابر المغالب قطع وقال الشوكاني ذهب إلى أنه لا يقطع المختلس والمنتهب والخائن العنرة والشافعية والحنفية.
وذهب أحمد وإسحاق وزفر والخوارج إلى أنه يقطع، وذلك لعدم اعتبارهم الحرز.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يجب فيما دون النصاب، والنصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا، فإن سرق غير الذهب قوم بالذهب، لان النبي صلى الله عليه وسلم قدر النصاب بالذهب فوجب أن يقوم غيره به.
وإن سرق ربع مثقال من الخلاص وقيمته دون ربع دينار ففيه وجهان (أحدهما) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى وأبى على بن أبى هريرة أنه لا يقطع لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى ربع دينار، وهذا قيمته دون ربع دينار وهو قول عامة أصحابنا أنه يقطع لان الخلاص يقع عليه اسم الدينار، وإن لم يصرف، لانه يقال دينار خلاص كما يقال دينار قراضة.
وإن نقب اثنان حرزا وسرقا نصابين قطعا لان كل واحد منهما سرق نصابا وإن أخرج أحدهما نصابين ولم يخرج الآخر شيئا قطع الذى أخرج دون الآخر لانه هو الذى انفرد بالسرقة، فإن اشتركا في سرقة نصاب لم يقطع واحد منهما وقال أبو ثور يجب القطع عليهما، كما لو اشترك رجلان في القتل وجب القصاص عليهما، وهذا خطأ لان كل واحد منهما، لم يسرق نصابا، ويخالف القصاص فإنا لو لم نوجب على الشريكين جعل الاشتراك طريقا إلى إسقاط القصاص، وليس كذلك السرقة، فإنا إذا لم نوجب القطع على الشريكين في سرقة نصاب لم يصر الاشتراك طريقا إلى إسقاط القطع، لانهما لا يقصدان إلى سرقة نصاب واحد لقلة ما يصيب كل واحد منهما، فإذا اشتركا في نصابين أوجبنا القطع.
وإذا لقب حرز أو سرق منه ثمن دينار ثم عاد وسرق ثمنا آخر ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) وهو قول أبى العباس أنه يجب القطع لانه سرق نصابا من حرز مثله فوجب عليه القطع، كما لو سرقه في دفعة واحدة.

(والثانى) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ القطع لانه سرق تمام النصاب من حرز مهتوك.
(والثالث) وهو قول أبى على بن خيران أنه إن عاد وسرق الثمن الثاني بعد

ما اشتهر هتك الحرز لم يقطع لانه سرق من حرز اشتهر خرابه، وإن سرق قبل أن يشتهر خرابه قطع لانه سرق من قبل ظهور خرابه.
(الشرح) حديث (لا يقطع السارق الا في ربع دينار ... ) رواه الجماعة الا ابن ماجه والبيهقي.
وَفِي رِوَايَةٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا تقطع يد السارق الا في ربع دينار فصاعدا) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وفى رواية قال (تقطع يد السارق في ربع دينار) رواه البخاري والنسائي وأبو داود.
وفى رواية قال (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا) البخاري وفى رواية قال (اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك، وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثنى عشر درهما) رواه أحمد وفى رواية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن، قيل لعائشة ما ثمن المجن؟ قالت ربع دينار) رواه النسائي.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده) قال الاعمش كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أن منها ما يساوى دراهم) متفق عليه، وليس لمسلم فيه زيادة.
أخرج البيهقى أن أمير المؤمنين عليا قطع في ربع دينار، وكانت قيمته درهمين ونصفا وأخرج عنه أنه قال القطع في ربع دينار فصاعدا.
وعنه (أنه قطع يد سارق في بيضه من حديد ثمنها ربع دينار ورجاله ثقات ولكنه منقطع ذهب الخاب والسلف إلى ثبوت القطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار، واختلفوا فيما يقوم به ما كان من غير الذهب والفضه، فذهب مالك في المشهور عنه أنه يكون التقويم بالدراهم لا بربع الدينار إذا كان الصرف مختلفا.
اللغة: قوله (حريسة الجبل) الحرية هي الشاة المسروقة من المرعى، يقال فلان يأكل الحرائس إذا كان يأكل أغنام الناس، والسارق يحترس، قال لنا حلماء لا يشيب غلامنا

  • غريبا ولا تؤوى الينا الحرائس وكأنها لا حارس لها هناك الا الجبل.

وقال ابن السكيت: الحريسة المسروقة ليلا، قال في الشامل حريسة بمعنى محروسة أي مسروقة، كما يقال قتيل بمعنى مقتول، وسمى السارق حارسا.
قوله (المجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون وهو الترس، ويقال له مجنة بكسر الميم.
وقال الشافعي: الاصل في تقويم الاشياء هو الذهب، لانه الاصل في جواهر الارض كلها، حتى قال إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم توجب القطع.
قال مالك: وكل واحد من الذهب والفضة معتبر في نفسه لا يقوم بالآخر.
وذكر بعض البغداديين أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالبا في نقود أهل البلد.
وذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه وسائر فقهاء العراق إلى أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم ولا قطع في أقل من ذلك.
واحتجوا بما أخرجه البيهقى والطحاوى عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقوم بعشرة دراهم.
وأخرج نحو ذلك النسائي عنه.
وأخرج أبو داود أن ثمنه كان دينارا أو عشرة دراهم.
وأخرج البيهقى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قال: كان ثمن المجن عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عشرة دراهم.
وأخرج النسائي عن عطاء مرسلا: أدنى ما يقطع فيه ثمن المجن، قال وثمنه عشرة دراهم.
قالوا هذه الروايات في تقدير ثمن المجن أرجح من الروايات الاولى، وإن كانت أكثر وأصح، ولكن هذا أحوط، والحدود تدفع بالشبهات كأنها شبهة في العمل بما دونها وروى نحو ذلك عن ابن العربي قال: واليه ذهب سفيان مع جلالته.
قال الشوكاني ويجاب بأن الروايات المروية عن ابن عباس وابن عمرو في إسنادهما جميعا محمد بن إسحاق وقد عنعن، ولا يحتج بمثله إذا جاء بالحديث معنعنا فلا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين، وقد تعسف الطحاوي فزعم أن حديث عائشة في الصحيحين مضطرب ثم بين الاضطراب بما يفيد بطلان قوله، وقد استوفى الرد عليه صاحب الفتح.

ونقل ابن عياض عن النخعي أنه لا يجب القطع الا في أربعة دنانير أو أربعين درهما، وهذا قول لا دليل عليه.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يقطع في درهمين، وحكاه في البحر عن زياد بن أبى زياد ولا دليل على ذلك من المرفوع وقد أخرج أبن أبى شيبة عن أنس بسند قوى أن أبا بكر قطع في شئ ما يساوى درهمين، في لفظ لا يساوى ثلاثة دراهم.
ونقل ابن المنذر عن أبى هريرة وأبى سعيد في أربعة دراهم، وهو مردود بما سلف.
وروى ابن المنذر عن الباقر ثلث دينار، وروى عن النخعي وابن شبرمة وابن أبى ليلى والحسن البصري أنه في خمسة، واستدلوا بما أخرجه ابن المنذر عن عمر أنه قال: لا تقطع الخمس الا في خمس.
وروى ابن المنذر عن النخعي وحكاه ابن حزم عن طائفة أنه في دينار وذهب ابن حزم ونقل نحوه ابن عبد البر أنه في ربع دينار من ذهب ومن غيره في القليل والكثير واستدل ابن حزم بأن التحديد في الذهب منصوص، ولم يوجد نص في غيره فيكون داخلا تحت عموم الآية قال الشوكاني ويجاب عن ذلك برواية النسائي المذكورة سابقا، وبحديث (اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما دون ذلك) كما في الباب، لانه يصدق على ما لم تبلغ قيمته ربع دينار أنه دونه، وان كان من غير الذهب فإنه يفضل الجنس على جنس آخر مغير له باعبتار الزيادة في الثمن، وكذلك العرض على العرض باعتبار اختلاف ثمنهما وذهب الحسن البصري وداود والخوارج إلى أنه يثبت القطع في القليل والكثير واستدلوا بالآية (والسارق والسارقة ... ) ويجاب بأن اطلاق الآية مقيد بالاحاديث، واستدلوا بحديث أبى هريرة في الباب فإن فيه يسرق البيضة ... ) وقد أجيب عن ذلك أن المراد تحقير شأن السارق وخسار ما ربحه، هكذا قال الخطابى وابن قتيبة وفيه تعسف وذهب البنى وربيعة أنه يثبت القطع في درهم فصاعدا لا دونه.
هذه جملة المذاهب المذكورة في المسألة، وقد جعلها في الفتح عشرين

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل