كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَلَا عَتَبَ: وَهَذَا كَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ يُعْذَرُ المريض شبهه فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ سُنَّةٌ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُتَأَكَّدَةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله]
- [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الْغُسْلِ مِنْ صاع ولا في الوضوء من مد لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد فان أسبغ بما دونه أجزأه لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توضأ بما لا يبل الثرى قال الشافعي رحمه الله: وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفى]
- [الشَّرْحُ] الثَّرَى مَقْصُورٌ وَهُوَ مَا تَحْتَ وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ التُّرَابِ النَّدِيِّ وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِلَا خِلَافٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّاعَ هُنَا خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ كَمَا هُوَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ خَمْسَةٌ وَثُلُثٌ بِالِاتِّفَاقِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا: وَالثَّانِي أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْبَغْدَادِيِّ: وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَقَدْ سبق بيان رطل بغداد فِي مَسْأَلَةِ الْقُلَّتَيْنِ وَقَوْلُهُ أَسْبَغَ أَيْ عَمَّمَ الْأَعْضَاءَ وَمِنْهُ ثَوْبٌ سَابِغٌ أَيْ كَامِلٌ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَاءَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَدْرٌ مُعِينٌ بَلْ إذَا اسْتَوْعَبَ الْأَعْضَاءَ كَفَاهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ وَمِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ أَنَّ شَرْطَ غُسْلِ الْعُضْوِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الْغُسْلِ مِنْ صَاعٍ وَلَا فِي الْوُضُوءِ مِنْ مُدٍّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالصَّاعُ وَالْمُدُّ تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَفِينَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) وَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ: وَفِي الْبُخَارِيِّ اغْتِسَالُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّاعِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النُّقْصَانِ عَنْ صَاعٍ وَمُدٍّ مَعَ الْإِجْمَاعِ حَدِيثُ عَائِشَةَ (كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ وقريبا مِنْ ذَلِكَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَاءَ الطَّهَارَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِقَدْرٍ لِلْوُجُوبِ حَدِيثُ عائشة (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ) : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ) وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ) رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ نَحْوُهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلْثَيْ مُدٍّ) : وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (تَوَضَّأَ بما لايبل الثَّرَى) فَلَا أَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَمِّ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الْإِسْرَافَ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي حَرَامٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (إنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ) رواه أبو داود باسناد صحيح قال المصنف رحمه الله
- [ويجوز أن يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الرجال والنساء يتوضأون فِي زَمَانِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ إناء واحد ويجوز أن يتوضأ أحدهما بفضل وضوء الآخر لِمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت اني اغتسلت منه فقال صلى الله عليه وسلم (الماء ليس عليه جنابة) واغتسل منه]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ كان الرجال والنساء يتوضأون فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِهِ هُنَا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِمَعْنَاهُ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسَمُّوا مَيْمُونَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْجَفْنَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهِيَ الْقَصْعَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَقَوْلُهُ فَفَضَلَتْ هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَيْ بَقِيَتْ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ
وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَاغْتِسَالِهِمَا جَمِيعًا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ وُضُوءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ: وَأَمَّا فَضْلُ الْمَرْأَةِ فَيَجُوزُ عِنْدَنَا الْوُضُوءُ بِهِ أَيْضًا لِلرَّجُلِ سَوَاءٌ خَلَتْ بِهِ أَمْ لَا قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد لَا يَجُوزُ إذَا خَلَتْ به وروى هذا عن عبد الله ابن سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَمَذْهَبِنَا وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ كَرَاهَةُ فَضْلِهَا مُطْلَقًا
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ الْحَكَمِ حَسَنٌ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الْمَاضِي أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا لِلْمَسْأَلَةِ وَإِذَا ثَبَتَ اغْتِسَالُهُمَا مَعًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَعْمِلٌ فَضْلَ الْآخَرِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْخَلْوَةِ: وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْت الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَحَدِيثُ ابْنِ سَرْجِسَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقْفُهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ رَفْعِهِ وَرُوِيَ حَدِيثُ الْحَكَمِ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ فِي الرُّخْصَةِ أَصَحُّ فَالْمَصِيرُ إلَيْهَا أَوْلَى: (الْجَوَابُ الثَّانِي) جَوَابُ الْخَطَّابِيِّ وَأَصْحَابِنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ فَضْلِ أَعْضَائِهَا وَهُوَ مَا سَالَ عَنْهَا وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ دَاوُد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيِّ عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّهُ نَهَى أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَدَاوُد وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ وَضَعَّفَهُ يَحْيَى فِي رواية
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ حَمِيدًا لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ فَهُوَ كَالْمُرْسَلِ إلا انه مرسل جيد لولا مُخَالَفَتُهُ لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الْمَوْصُولَةِ وَدَاوُد لَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قُلْت جَهَالَةُ عَيْنِ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ وَلَيْسَ هُوَ مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ المراد ما سقط من أعضائهما وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنَعَهَا فَضْلَ الرَّجُلِ فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَبِي داود والبيهقي وليغترفا جميعا وهذه الرواية تضعيف هَذَا التَّأْوِيلَ وَيُمْكِنُ تَتْمِيمُهُ مَعَ صِحَّتِهَا وَيَحْمِلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِظَاهِرِهِ وَمُحَالٌ أَنْ يَصِحَّ وَتَعْمَلَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا بِخِلَافِ الْمُرَادِ مِنْهُ: (الْجَوَابُ الثَّالِثُ) ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَأَصْحَابُنَا أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَفَضْلُ مَاءِ الْجُنُبِ طَاهِرٌ وَهُوَ الَّذِي مَسَّهُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْمُحْدِثُ خِلَافًا لِأَحْمَدَ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِ فِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا قَوْلُهُ خِلَافًا لِأَحْمَدَ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَحْمَدَ يَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ طَاهِرٌ قَطْعًا لَكِنْ إذَا خَلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْهُ (الثَّانِي) أَنَّهُ فَسَّرَ فَضْلَ الْجُنُبِ بِفَضْلِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ فَضْلُ الْجُنُبِ طَاهِرٌ فِيهِ نَقْصٌ وَالْأَجْوَدُ مُطَهِّرٌ (الرَّابِعُ) قَوْلُهُ وَهُوَ الَّذِي مَسَّهُ فِيهِ نقص وصوابه وهو الذي فضل من طاهرته: أما ماسه فِي شُرْبِهِ أَوْ أَدْخَل يَدَهُ فِيهِ بِلَا نِيَّةٍ فَلَيْسَ هُوَ فَضْلَ جُنُبٍ وَمَا أَفْضَلَهُ من طاهرته وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ فَهُوَ فَضْلُ جُنُبٍ فَأَوْهَمَ ادخال مالا يَدْخُلُ وَإِخْرَاجَ مَا هُوَ دَاخِلٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ أَرَادَ فَضْلَ الْجُنُبِ مُطَهِّرٌ مُطْلَقًا وَخَالَفَنَا أَحْمَدُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ: وَعَنْ الثَّانِي بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا
أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُنُبِ الْمَمْنُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِالثَّلَاثَةِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ أَرَادَ فَضْلَ الْجُنُبِ وَغَيْرِهِ فَحَذَفَ قَوْلَهُ وَغَيْرِهِ لِدَلَالَةِ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْجُنُبِ اقْتِدَاءً بِالشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَالْأَصْحَابِ فَإِنَّهُمْ تَرْجَمُوا هَذَا بِبَابِ فَضْلِ الْجُنُبِ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ الْجُنُبَ وَغَيْرَهُ: وَيُجَابُ عَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ كَوْنَهُ مُطَهِّرًا وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَاءَ الطَّاهِرَ مُطَهِّرٌ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ أَوْ يُسْتَعْمَلَ وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَلَا اسْتِعْمَالٌ: وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ الْمُرَادَ مَسُّهُ 1 فِي الطَّهَارَةِ وَاكْتَفَى بِقَرِينَةِ الْحَالِ وَالْمُرَادُ مَسُّهُ في استعماله والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [فان أحدث وأجنب ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) انه يجب الغسل ويدخل فيه الوضوء وهو المنصوص في الام لانهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة وغسل الحيض (والثاني) انه يجب الوضوء والغسل لانهما حقان مختلفان يجبان بسببين مختلفين فلم يدخل أحدهما في الآخر كحد الزنا والسرقة (والثالث) أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا وَيَغْسِلَ سَائِرَ البدن لانهما متفقان في الغسل ومختلفان في الترتيب فما تفقا فيه تداخلا وما اختلفا فيه لم يتداخلا وسمعت شيخنا أبا حاتم القزويني يحكي فيه وجها رابعا انه يقتصر على الغسل الا انه يحتاج أن ينويهما ووجه لانهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى فدخلت الصغرى في الكبرى في الافعال دون النية كالحج والعمرة] [الشَّرْحُ] لِلْجُنُبِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ حَالٌ يَكُونُ جُنُبًا لَمْ يُحْدِثْ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ: وَحَالٌ يُحْدِثُ ثُمَّ يُجْنِبُ: وَحَالٌ يُجْنِبُ ثُمَّ يُحْدِثُ: فَالْحَالُ الْأَوَّلُ يُجْنِبُ بِلَا حَدَثٍ فَيَكْفِيه غَسْلُ الْبَدَنِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَدَلِيلُهُ وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَيَكُونُ الْوُضُوءُ سُنَّةً فِي الْغُسْلِ كَمَا سَبَقَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ جُنُبًا غَيْرَ مُحْدِثٍ فِي صُوَرٍ أَشْهَرُهَا أَنْ يُنْزِلَ الْمُتَطَهِّرُ الْمَنِيَّ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَظَرٍ أَوْ اسْتِمْنَاءٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ فَوْقَ حَائِلٍ أَوْ فِي النَّوْمِ قَاعِدًا فَهَذَا جُنُبٌ بِلَا خِلَافٍ وَلَيْسَ مُحْدِثًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصحيح المشهور الذى قطع
بِهِ الْجُمْهُورُ وَأَطْبَقُوا عَلَى تَصْوِيرِ انْفِرَادِ الْجَنَابَةِ عَنْ الْحَدَثِ بِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلْقَاضِيَّ أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ جُنُبٌ مُحْدِثٌ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَلُفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً وَيُولِجَهُ فِي امْرَأَةٍ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ: الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُولِجَ فِي فَرْجِ بَهِيمَةٍ أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ فَيَكُونُ جُنُبًا وَلَا يَكُونُ مُحْدِثًا لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ فَرْجَ آدَمِيٍّ بِبَاطِنِ كَفِّهِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرَهَا أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ غَيْرِهَا.
هَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ قَالَ الرافعى وألحلق بِهَا الْمَسْعُودِيُّ الْجِمَاعَ مُطْلَقًا وَقَالَ إنَّهُ يُوجِبُ الْجَنَابَةَ لَا غَيْرَ قَالَ وَاللَّمْسُ الَّذِي يَتَقَدَّمُهُ يَصِيرُ مَغْمُورًا بِهِ كَمَا أَنَّ خُرُوجَ الْخَارِجِ بِالْإِنْزَالِ
يَنْغَمِرُ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَامَعَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ لَزِمَهُ بَدَنَةٌ وَإِنْ كَانَ يَتَضَمَّنُ اللَّمْسَ وَمُجَرَّدُ اللَّمْسِ يُوجِبُ شَاةً قَالَ الرَّافِعِيُّ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ يَحْصُلُ بِالْجِمَاعِ الْحَدَثَانِ وَلَا يَنْدَفِعُ أَثَرُ اللَّمْسِ بِخِلَافِ انْدِفَاعِ أَثَرِ خُرُوجِ الْخَارِجِ لِأَنَّ اللَّمْسَ يَسْبِقُ حَقِيقَةَ الْجِمَاعِ فَيَجِبُ تَرْتِيبُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ فَإِذَا تَمَّتْ حَقِيقَةُ الْجِمَاعِ وَجَبَ أَيْضًا حُكْمُهَا وَفِي الْإِنْزَالِ لَا يَسْبِقُ خُرُوجَ الْخَارِجِ الْإِنْزَالُ بَلْ إذَا أَنْزَلَ حَصَلَ خُرُوجُ الْخَارِجِ وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ مَعًا وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ أَعْظَمُ الْحَدَثَيْنِ فَيَدْفَعُ حُلُولُهُ حُلُولَ الْأَصْغَرِ مُقْتَرِنًا بِهِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ المحرم فمنوعة عَلَى وَجْهٍ وَإِنْ سَلَّمْنَا فَفِي الْفِدْيَةِ مَعْنَى الزَّجْرِ وَالْمُؤَاخَذَةِ وَسَبِيلُ الْجِنَايَاتِ انْدِرَاجُ الْمُقَدَّمَاتِ فِي المقاصد ولهذا لو انفردت مقدمات الزنا أوجبت تَعْزِيرًا فَإِذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ لَمْ يَجِبْ التَّعْزِيرُ مَعَ الْحَدِّ وَأَمَّا هُنَا فَالْحُكْمُ مَنُوطٌ بِصُورَةِ اللَّمْسِ وَلِهَذَا اسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- الْحَالُ الثَّانِي أَنْ يُحْدِثَ ثُمَّ يُجْنِبَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يَكْفِيه إفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى الْبَدَنِ وَيُصَلِّي بِهِ بِلَا وُضُوءٍ: وَالثَّانِي يَجِبُ الْوُضُوءُ مُرَتَّبًا وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ فَتَكُونُ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ مَغْسُولَةً مَرَّتَيْنِ وَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الوضوء وله أن يؤخره إلى بعد فراغه من الغسل وله أن يوسطه فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُهُ: وَالثَّالِثُ يَجِبُ الْوُضُوءُ مُرَتَّبًا وَغَسْلُ بَاقِي الْبَدَنِ وَلَا يَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَلَهُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ وَتَأْخِيرُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ: وَالرَّابِعُ يَكْفِيه غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِلَا وُضُوءٍ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ والغسل
فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ الْغُسْلِ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَدِلَّةَ الْأَوْجُهِ
- الْحَالُ الثَّالِثُ أَنْ يُجْنِبَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ ثُمَّ يُحْدِثُ فَهَلْ يُؤَثِّرُ الْحَدَثُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُؤَثِّرُ فَيَكُونُ جُنُبًا غَيْرَ مُحْدِثٍ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ فَعَلَى هَذَا يَجْزِيه الْغُسْلُ بِلَا وُضُوءٍ قَطْعًا وَالثَّانِي يُؤَثِّرُ فَيَكُونُ جُنُبَا مُحْدِثًا وَتَجْرِي فِيهِ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي كِتَابَيْهِ الِانْتِخَابِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ هُنَا الْوُضُوءُ فِي الْغُسْلِ قَطْعًا بَلْ لابد مِنْهُمَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا تَقَدَّمَ الْحَدَثُ فَإِنَّ فِيهِ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ بِأَنَّ هُنَاكَ وَرَدَتْ الْجَنَابَةُ عَلَى أَضْعَفَ مِنْهَا فَرَفَعَتْهُ وَهُنَا عَكْسُهُ فَأَشْبَهَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ يَدْخُلُ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ وَلَا يَنْعَكِسُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَخَيَالٌ عَجِيبٌ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَتَقَدُّمِ الْحَدَثِ فتجئ فِيهِ الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ فَقَدْ ذكرنا أن يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُهُ: وَإِذَا قَدَّمَهُ فَهَلْ يُقَدِّمُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ مَعَهُ أَمْ يُؤَخِّرُهُمَا فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَكَذَا الْكَلَامُ فِي نِيَّةِ هَذَا الْوُضُوءِ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَعَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا لَا يُشْرَعُ وضوآن فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ وضوآن وَلَعَلَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
- وَيُحْتَجُّ لَهُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح
- وأما قول المصنف لانهما حقان مُخْتَلِفَانِ فَاحْتِرَازٌ مِنْ غُسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَقَوْلُهُ يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَقَوْلُهُ مُخْتَلِفَيْنِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ زَنَى وَهُوَ بِكْرٌ فَلَمْ يُحَدَّ حَتَّى زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ فَإِنَّهُ يُقْتَصَرُ عَلَى رَجْمِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَكَذَا الْمُحْرِمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ فِي مَجَالِسَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَقَوْلُهُ فِي تَعْلِيلِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ عِبَادَتَانِ احْتِرَازٌ عَنْ حَقَّيْنِ لَآدَمِيٍّ وَقَوْلُهُ مُتَجَانِسَانِ احْتِرَازٌ مِنْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَقَوْلُهُ صُغْرَى وَكُبْرَى احْتِرَازٌ مِمَّنْ دَخَلَ في الجمعة فخرج الوقت في أثائها فانه يتمها ظُهْرًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الظهر ويحتمل أنه احترز عَنْ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ فَإِنَّ إحْدَاهُمَا لَا تَدْخُلُ في الاخرى لافى الْأَفْعَالِ وَلَا فِي النِّيَّةِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ وَمَسْأَلَةِ الْحَجِّ
وَالْعُمْرَةِ بِأَنَّ الْحَجَّ يَشْمَلُ كُلَّ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَدَخَلَتْ فِيهِ وَالْغُسْلُ لَا يَشْمَلُ تَرْتِيبَ الْوُضُوءِ والله أعلم قال المصنف رحمه
- [فان توضأ من الحدث ثم ذكر انه كان جنبا أو اغتسل من الحدث ثم ذكر انه كان جنبا أجزأه ما غسل من الحدث عن الجنابة لان فرض الغسل في أعضاء الوضوء من الجنابة والحدث واحد] [الشَّرْحُ] هُنَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ ثُمَّ ذَكَر أَنَّهُ كَانَ جُنُبًا فَيَجْزِيه الْمَغْسُولُ وَهُوَ وَجْهُهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ المصنف: الثانية غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ غَالِطًا فَقَطَعَ الْمُصَنِّفُ بِارْتِفَاعِ الْحَدَثِ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ارْتِفَاعُهُ عَنْ جميع أعضاء الوضوء الرأس وغيره وكذا أطلقه جماعة وصرح جَمَاعَةٌ بِارْتِفَاعِهِ عَنْ الرَّأْسِ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ فَرْضَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ الْمَسْحُ فَاَلَّذِي نَوَاهُ إنَّمَا هُوَ الْمَسْحُ فَلَا يَجْزِيه عَنْ غَسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مَا غَسَلَهُ بنية الحدث عن شئ مِنْ الْجَنَابَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ واضحة في باب نية والوضوء وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَكْرَهُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْبِئْرِ مَعِينَةً كَانَتْ أَوْ دَائِمَةً وَفِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَا يَجْرِي قَالَ وَسَوَاءٌ قَلِيلُ الْمَاءِ وَكَثِيرُهُ أَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ فِيهِ وَالْبَوْلَ فِيهِ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ: وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى كَرَاهَتِهِ كَمَا ذَكَرَ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَالْوُضُوءُ فِيهِ كَالْغُسْلِ
- وَيَحْتَجُّ لِلْمَسْأَلَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ) فَقِيلَ كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ (يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ: الثَّانِيَةُ يَجُوزُ الْغُسْلُ مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ قَبْلَ الْبَوْلِ وَبَعْدَهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يكون بَعْدَ الْبَوْلِ خَوْفًا مِنْ خُرُوجِ مَنِيٍّ بَعْدَ الغسل وحكي الدَّارِمِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْبَوْلِ (الثَّالِثَةُ) السُّنَّةُ إذَا غَسَلَ مَا عَلَى فَرْجِهِ مِنْ أَذًى أَنْ يَدْلُكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ يَغْسِلَهَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَيْمُونَةَ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِاسْتِطَابَةِ: (الرابعة)
لَا يَجُوزُ الْغُسْلُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ إلَّا مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ فَإِنْ كَانَ خَالِيًا جَازَ الْغُسْلُ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ
- وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ لِجَوَازِ الغسل عريانا في الخلوة بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنَّ مُوسَى اغْتَسَلَ عُرْيَانًا فَذَهَبَ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ) وَأَنَّ أَيُّوبَ كَانَ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فخر عليه جدار مِنْ ذَهَبٍ) رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا قِصَّةَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ تَفْرِيعٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا
- واحتجو الفضل السَّتْرِ بِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ: عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال (احفظ عورتك الامن زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) قُلْتُ أَرَأَيْتَ إذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا قَالَ (اللَّهُ أَحَقُّ ان يستحيي من النَّاسِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَنَقَلَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ جَوَازَ الِاغْتِسَالِ عُرْيَانًا فِي الْخَلْوَةِ عَنْ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَنَهَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لِأَنَّ لِلْمَاءِ سَاكِنًا
- وَاحْتَجَّ فِيهِ بِحَدِيثٍ ضَعَّفَهُ الْعُلَمَاءُ
- (الْخَامِسَةُ) الْوُضُوءُ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ سُنَنٌ فِي الْغُسْلِ فَإِنْ تَرَكَ الثَّلَاثَةَ صَحَّ غُسْلُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ وَالْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فَقَدْ أَسَاءَ وَيَسْتَأْنِفُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ سَمَّاهُ مُسِيئًا لِتَرْكِ هَذِهِ السُّنَنِ فَإِنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ فتاركها مسئ لَا مَحَالَةَ قَالُوا وَهَذِهِ إسَاءَةٌ بِمَعْنَى الْكَرَاهَةِ لَا بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ وَأَمْرُهُ بِاسْتِئْنَافِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ دُونَ الْوُضُوءِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَانِهِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ يُوجِبُونَهُمَا فَأَحَبَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ وَالْوُضُوءُ لَمْ يَكُنْ أَوْجَبَهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا حَدَثَ خِلَافُ أَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد بَعْدَهُ: وَالثَّانِي أَنَّ الْمَاءَ قَدْ وَصَلَ إلَى مَوْضِعِ الْوُضُوءِ دُونَ مَوْضِعِهِمَا فَأَمَرَهُ بِإِيصَالِهِ إلَيْهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ لَكِنَّ اسْتِحْبَابَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ آكَدُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ: وَالْوُضُوءِ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ بِدَلَائِلِهَا
- وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: (السَّادِسَةُ) لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي أَعْضَاءِ الْمُغْتَسِلِ لَكِنْ
تُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالرَّأْسِ ثُمَّ بِأَعَالِي الْبَدَنِ وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ: (السَّابِعَةُ) يَجِبُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى غُضُونِ الْبَدَنِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَدَاخِلِ السُّرَّةِ وَبَاطِنِ الْأُذُنَيْنِ وَالْإِبْطَيْنِ وَمَا بَيْن الْأَلْيَيْنِ وَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ وَحُمْرَةِ الشَّفَةِ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: وَلَوْ الْتَصَقَتْ الْأَصَابِعُ وَالْتَحَمَتْ لَمْ يَجِبْ شِقُّهَا وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذَا وَبَسْطُهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَمِمَّا قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ بَاطِنُ الْأَلْيَيْنِ وَالْإِبْطُ وَالْعُكَنُ وَالسُّرَّةُ فَلِيَتَعَهَّدْ كُلَّ ذَلِكَ وَيَتَعَهَّدْ إزَالَةَ الْوَسَخِ الَّذِي يَكُونُ فِي الصِّمَاخِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ يَجِبُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ صِمَاخِ الْأُذُنِ دُونَ مَا بَطَنَ
- وَلَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ مَنَعَ فَفِي صِحَّةِ غَسْلِهِ خِلَافٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابَيْ السِّوَاكِ وصفة الوضوء: (الثامنة) إذا كان عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ أَوْ شَعْرِهِ حِنَّاءٌ أَوْ عَجِينٌ أَوْ طِيبٌ أَوْ شَمْعٌ أَوْ نَحْوُهُ فَمَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ أَوْ إلَى نَفْسِ الشَّعْرِ لَمْ يَصِحَّ غُسْلُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بيأن هذا مع فُرُوعٌ حَسَنَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ: وَلَوْ كَانَ شَعْرُهُ مُتَلَبِّدًا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ لَمْ يَصِحَّ غَسْلُهُ إلَّا بِنَفْشِهِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ انْعَقَدَتْ فِي رَأْسِهِ شَعْرَةٌ أَوْ شَعَرَاتٌ فَهَلْ يُعْفَى عَنْهَا وَيَصِحُّ الْغُسْلُ وَهِيَ مَعْقُودَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَصِلُ بَاطِنَ مَحَلِّ الْعَقْدِ: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا: أَحَدُهُمَا يُعْفَى عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْأُصْبُعِ الْمُلْتَحِمَةِ وَلِأَنَّ الْمَاءَ يَبُلُّ مَحَلَّهَا: وَالثَّانِي لَا يُعْفَى عَنْهُ كَالْمُلَبَّدِ وَقَطْعُ هَذِهِ الشَّعَرَاتِ مُمْكِنٌ بِلَا ضَرَرٍ بِخِلَافِ الْأُصْبُعِ الْمُلْتَحِمَةِ: (التَّاسِعَةُ) لَوْ تَرَكَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَةً لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ لَمْ يَصِحَّ غُسْلُهُ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ: فَلَوْ نَتَفَ تِلْكَ الشَّعْرَةَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ الْمَاءُ وَصَلَ أَصْلَهَا أَجْزَأَهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ إيصَالُهُ أَصْلَهَا قَالَ وَكَذَا لَوْ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى أُصُولِ شَعْرِهِ دُونَ الشَّعْرِ ثُمَّ حَلَقَهُ أَجْزَأَهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا (1) وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَقْطَعِ الشَّعْرَةِ وَالشَّعَرَاتِ وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْفَتَاوَى الْمَنْقُولَةِ عَنْهُ (الْعَاشِرَةُ) إذَا انْشَقَّ جِلْدُهُ بِجِرَاحَةٍ وَانْفَتَحَ فَمُهَا وَانْقَطَعَ دَمُهَا وَأَمْكَنَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى باطنها الذى يشاهد بلا ضرر1
وَجَبَ إيصَالُهُ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ أَنَّهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى الِاسْتِبْطَانِ وَإِنَّمَا يُفْتَحُ فَمُهُ لِحَاجَةٍ وَمَحَلُّ الْجِرَاحَةِ صَارَ ظَاهِرًا فَأَشْبَهَ مَكَانَ الِافْتِضَاضِ مِنْ الْمَرْأَةِ الثَّيِّبِ وَقَدْ سَبَقَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهَا إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَرَزَ بِالِافْتِضَاضِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَ لِلْجِرَاحَةِ غَوْرٌ فِي اللَّحْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ مُجَاوَزَةُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ مُجَاوَزَةُ مَا ظَهَرَ بِالِافْتِضَاضِ: وَلَوْ انْدَمَلَتْ الْجِرَاحَةُ وَالْتَأَمَتْ سَقَطَ الْفَرْضُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَمَا لَوْ عَادَتْ الْبَكَارَةُ بعد الافتضاض فانه يسقط غسل ما كان ظهر بالافتصاض وَكَمَا لَوْ الْتَحَمَتْ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ شَقُّهَا بَلْ يَكْفِيه غَسْلُ مَا ظَهَرَ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ كَانَ فِي بَاطِنِ الْجِرَاحَةِ دَمٌ وَتَعَذَّرَتْ إزَالَتُهُ وَخَشَى زِيَادَةَ سِرَايَتِهَا إلَى الْعُضْوِ لَمْ يَلْزَمْهُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهَا وَلَزِمَهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا انْدَمَلَتْ: وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْمُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) لَوْ قُطِعَتْ شَفَتُهُ أَوْ أَنْفُهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَ إيضَاحُهُمَا فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ أَصَحُّهُمَا يَجِبُ لِأَنَّهُ صَارَ ظَاهِرًا: وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَخْتُونٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ غَسْلُ مَا تَحْتَ الجلدة التى تقطع في الختان: فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ أَصَحُّهُمَا يَجِبُ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ لِأَنَّ تِلْكَ الْجِلْدَةَ مُسْتَحِقَّةُ الْإِزَالَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَزَالَهَا إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْ وَإِذَا كَانَتْ مُسْتَحِقَّةَ الْإِزَالَةِ فَمَا تَحْتَهَا كَالظَّاهِرِ
- وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ فِي الْفَتَاوَى لِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ تِلْكَ الْجِلْدَةِ وَلَا يَكْفِي غَسْلُ مَا تَحْتَهَا فَلَوْ كَانَتْ كَالْمَعْدُومَةِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا فَبَقِيَ مَا تَحْتَهَا بَاطِنًا: (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) لَا يَجِبُ غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنَيْهِ وَحُكْمُ اسْتِحْبَابِهِ كَمَا سَبَقَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ وَلَوْ نَبَتَ فِي عَيْنِهِ شَعْرٌ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُ: (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) لَوْ كَانَ عَلَى بَعْضِ بَدَنِ الْجُنُبِ نَجَاسَةٌ فَغَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ غَسْلَةً وَاحِدَةً بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ ارْتَفَعَتْ النَّجَاسَةُ وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الْجَنَابَةِ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي مَوَاضِعَ بَسَطْتهَا فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَصَحُّهُمَا يُجْزِئُهُ: وَلَوْ صَبَّ الْجُنُبُ
عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَكَانَ عَلَى ظَهْرِهِ نَجَاسَةٌ فَنَزَلَ عَلَيْهَا فَأَزَالَهَا فَإِنْ قُلْنَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ يَصْلُحُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ طَهَّرَ الْمَحَلَّ عَنْ النَّجَاسَةِ وَهَلْ يَطْهُرُ عَنْ الْجَنَابَةِ: قَالَ الرُّويَانِيُّ فِيهِ الْوَجْهَانِ وَإِنْ قُلْنَا الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ لَا يَصْلُحُ لِلنَّجَسِ قَالَ الرُّويَانِيُّ فَفِي طَهَارَتِهِ عَنْ النَّجَسِ هُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَطْهُرُ لِأَنَّ الْمَاءَ قَائِمٌ عَلَى الْمَحَلِّ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالِانْفِصَالِ: وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ لِأَنَّا لَا نَجْعَلُ الْمَاءَ فِي حَالَةِ تَرَدُّدِهِ عَلَى الْعُضْوِ مستعلا للحاجة إلى ذلك في الطاهرة الْوَاحِدَةِ وَهَذِهِ طَهَارَةٌ أُخْرَى فَعَلَى هَذَا يَجِبُ تَطْهِيرُ هَذَا الْمَحَلِّ عَنْ النَّجَاسَةِ وَهَلْ يَكْفِيه الْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ فِيهِ عَنْ النَّجَسِ وَالْجَنَابَةِ إذَا نَوَاهَا فِيهِ الْوَجْهَانِ (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) لَوْ أَحْدَثَ الْمُغْتَسِلُ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي غُسْلِهِ بَلْ يُتِمُّهُ وَيُجْزِيه فَإِنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ نَصَّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْغُسْلَ: دَلِيلُنَا أَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُ الْغُسْلَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فلا يبطله في أثنائه كالاكل والشرب (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) هَلْ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِمَمْلُوكِهِ مَاءَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ هُنَا وآخرون في النفقان أَحَدُهُمَا يَجِبُ كَزَكَاةِ فِطْرِهِ (وَالثَّانِي) لَا: لِأَنَّ لِلطَّهَارَةِ بَدَلًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْحَجِّ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْهَدْيُ بَلْ يَنْتَقِلُ الْعَبْدُ إلَى الصَّوْمِ وَيُخَالِفُ الْفِطْرَةَ فَلَا بَدَلَ لَهَا ولم يرجحا واحدا مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ الْعَبْدِ وَهِيَ عَلَى سَيِّدِهِ وَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ شِرَاءُ مَاءِ الطَّهَارَةِ لِزَوْجَتِهِ فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ هُنَا وَذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ فِي النَّفَقَاتِ وَالْأَظْهَرُ تَفْصِيلٌ ذَكَرِهِ الْبَغَوِيّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ قَالَ إنْ كَانَ الْغُسْلُ لِاحْتِلَامِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ كَانَ لِجِمَاعِهِ أَوْ نِفَاسٍ لَزِمَهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ بسببه وان كان حيض لَمْ يَلْزَمْهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ التَّمْكِينِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُنْظَرُ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ إلَى أَنَّ السَّبَبَ مِنْهُ كَاللَّمْسِ أَمْ لَا: وَفِي أُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ إلَّا إذَا عَسُرَ الْغُسْلُ إلَّا فِي الْحَمَّامِ لِشِدَّةِ بَرْدٍ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ فِي كِتَابِ
النَّفَقَاتِ الْوُجُوبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَعْتَادُونَ دُخُولَهُ فَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّمَا تَجِبُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) قَالَ أَبُو اللَّيْثِ الْحَنَفِيُّ فِي نَوَازِلِهِ: لو كان في الانسان قرحة فبزأت وَارْتَفَعَ قِشْرُهَا وَأَطْرَافُ الْقُرْحَةِ مُتَّصِلَةٌ بِالْجِلْدِ إلَّا الطَّرَفَ الَّذِي كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُ الْقَيْحُ فَإِنَّهُ مُرْتَفِعٌ وَلَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى مَا تَحْتَ القشرة أجزأه وضوءه في مَعْنَاهُ الْغُسْلُ * *
(فَصْلٌ)
- (فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ)
لَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَابًا مُسْتَقِلًّا بَلْ ذَكَرَهَا مُفَرَّقَةً فِي أَبْوَابِهَا وَقَدْ ذَكَرَهَا هُوَ فِي التَّنْبِيهِ وَالْأَصْحَابُ مَجْمُوعَةً فِي بَابٍ اقْتِدَاءً بِالْمُزَنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَحْبَبْت مُوَافَقَةَ الْجُمْهُورِ فِي ذِكْرِهَا مَجْمُوعَةً فِي مَوْضِعٍ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ وَأَحْوَطُ وَأَنْفَعُ وَأَضْبَطُ فَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى في هذا الفصل في غاية الاحتصار بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةِ هَذَا الشَّرْحِ لِكَوْنِي أَبْسُطُهَا ان شاء الله تعالي بفروعها وادلتها وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي مَوَاضِعِهَا: فَمِنْهَا غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَأَوْجَبَهُ بَعْضُ السَّلَفِ وَفِيمَنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا تَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ حَضَرَ أَمْ انْقَطَعَ لِعُذْرٍ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَادَّعَى أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ كَمَا قَالَ: (وَالثَّالِثُ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ دُونَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ حَكَاهُ الشَّاشِيُّ وغيره وهذا ضعيف أو غلط (والرابع) يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ حَضَرَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَمَنْ تَلْزَمُهُ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَمَنْ انْقَطَعَ عَنْهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ كَغُسْلِ الْعِيدِ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ 1 قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيَدْخُلُ وَقْتُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَبْقَى إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُون عِنْدَ الرَّوَاحِ إلَيْهَا فَلَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُحْسَبْ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا امام الحرمين فحكي وجها أنه
يحسب وليس بشئ: وَلَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَمْ يَبْطُلْ غُسْلُ الْجُمُعَةِ عِنْدَنَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَإِنَّهُ أَبْطَلَهُ: دَلِيلُنَا أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ فَإِذَا تَعَقَّبْهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ لَمْ يُبْطِلْهُ بَلْ هُوَ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ غُسْلَ الْجُمُعَة لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ قَالَ الْقَفَّالُ وَصَاحِبُهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْأَصْحَابُ إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ تَيَمَّمَ قَالُوا وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي قوم توضؤا وَفَرَغَ مَاؤُهُمْ وَفِي الْجَرِيحِ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَاسْتَبْعَدَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ التَّيَمُّمَ لِأَنَّ الْمُرَادَ قَطْعُ الرَّائِحَةِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَنَابَ عَنْهَا التَّيَمُّمُ كَغَيْرِهَا: وَلِغُسْلِ الْجُمُعَةِ فُرُوعٌ وَتَتِمَّاتٌ نَبْسُطُهَا فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لِقَطْعِ الرَّائِحَةِ فَاخْتُصَّ بِحَاضِرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ: وَيَجُوزُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَهَلْ يَجُوزُ قَبْلَهُ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا كَالْجُمُعَةِ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِأَنَّ الْعِيدَ يُفْعَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَيَبْقَى أَثَرُهُ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى تَقْدِيمِهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَعَلَى هَذَا فِيهِ أَوْجُهٌ (أَحَدُهَا) يَجُوزُ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ السَّحَرِ وَأَصَحُّهَا يَجُوزُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي لَا قَبْلَهُ هَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِغُسْلِ الْعِيدِ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ مَبْسُوطًا بِأَدِلَّتِهِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْكُسُوفَيْنِ وَغُسْلُ الِاسْتِسْقَاءِ: وَمِنْهُ غُسْلُ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ أَجْنَبَ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ: وَمِنْهُ غُسْلُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ: وَمِنْهُ أَغْسَالُ الْحَجِّ وَهِيَ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَلِلْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ لِرَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعَةِ فِي الْأُمِّ قَالَ وَلَا يَغْتَسِلُ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّمَا لَمْ يَغْتَسِلْ لَهَا لِأَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَيَبْقَى إلَى آخِرِ النَّهَارِ فَلَا يَجْتَمِعُ لها الناس ولا اغْتَسَلَ لِلْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بَعْدَهُ بِسَاعَةٍ فَأَثَرُ الْغُسْلِ بَاقٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ وَأَضَافَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ
إلَى هَذِهِ السَّبْعَةِ الْغُسْلَ لِطَوَافَيْ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلِلْحَلْقِ: قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَيُسَنُّ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ جَمِيعُ أَغْسَالِ الْحَجِّ إلَّا غُسْلَ الطَّوَافِ لِكَوْنِهَا لَا تَطُوفُ 1 وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ يَجِبُ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ حَدِيثٌ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بين غسل الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَيُسَنُّ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِهِمَا وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الْمَيِّتِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمَرَاوِزَةِ وَسَنَبْسُطُ الْكَلَامَ فِيهِ فِي الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ الْغُسْلُ مِنْ الْحِجَامَةِ وَدُخُولِ الْحَمَّامِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَحَكَاهُ عَنْ الْقَدِيمِ ابْنُ الْقَاصِّ وَالْقَفَّالُ وَقَطَعَا بِهِ وَكَذَا قَطَعَ بِهِ المحاملى في اللباب والغزالي في الخلاصة والبغوى وَآخَرُونَ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ ثُمَّ قَالَ وَأَنْكَرَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ اسْتِحْبَابَهُمَا قَالَ الْبَغَوِيّ أَمَّا الْحِجَامَةُ فَوَرَدَ فِيهَا أَثَرٌ وَأَمَّا الْحَمَّامُ فَقِيلَ أَرَادَ بِهِ إذَا تَنَوَّرَ يَغْتَسِلُ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ اسْتَحَبَّهُ لِاخْتِلَافِ الْأَيْدِي فِي مَاءِ الْحَمَّامِ قَالَ وَعِنْدِي أَنَّ مَعْنَى الْغُسْلِ أَنَّهُ إذَا دَخَلَهُ فَعَرِقَ اُسْتُحِبَّ أَلَّا يَخْرُجَ حَتَّى يَغْتَسِلَ: هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعَّفَهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْغُسْلُ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحِجَامَةِ وَغُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْغُسْلُ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ) وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ (كُنَّا نَغْتَسِلُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالْحَمَّامِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَمِنْ الْجَنَابَةِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ الْغُسْلُ لِمَنْ أَرَادَ حُضُورَ مَجْمَعِ النَّاسِ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَرَأَيْت فِي الْأُمِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا أَوْ إشَارَةً ظَاهِرَةً قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْكَافِي يُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ أَمْرٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ الْمَرْءُ لَهُ وَيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ الْمُغَيِّرَةَ مِنْ جَسَدِهِ وَيَمَسَّ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ هَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ وَقَالَ الْبَغَوِيّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الِاجْتِمَاعَ بِالنَّاسِ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ عِنْدَ كُلِّ حَالٍ تَغَيَّرَ فيه البدن قال اصحابنا وآكده هَذِهِ الْأَغْسَالِ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الميت وأيهما آكد: فيه قولان مشهوران
وذكرهما الْمُصَنِّفُ فِي الْجَنَائِزِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ: وَالثَّانِي غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْقَدِيمُ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ لِأَنَّ أَحَادِيثَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ فِي الغسل من غسل الميت شئ صَحِيحٌ: وَفَائِدَةُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَى أَوْلَاهُمْ أَوْ آكَدِهِمْ حَاجَةً فَوُجِدَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَدْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَالْآخَرُ يُرِيدُ حُضُورَ الْجُمُعَةِ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِهِ.
فِيهِ الْقَوْلَانِ وَسَتَأْتِي دَلَائِلُ كُلِّ مَا ذَكَرْته فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
*
*
(فَصْلٌ)
- [فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ 1 ] رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا فِي الْمَيَازِرِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَيْسَ اسناده بذاك القائم: وعن المليح بفتح اليمم قَالَ دَخَلَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ مَنْ أَنْتُنَّ فَقُلْنَ مِنْ أَهْلِ الشام فقالت لعلكن من الكورة التى يدخل نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ قُلْنَ نَعَمْ قَالَتْ أَمَا إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
- وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّهَا سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْأُزُرِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ: وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ يُضَعَّفُ: وَجَاءَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ عَنْ السَّلَفِ آثَارٌ مُتَعَارِضَةٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عنه نعم
الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُذْهِبُ الدَّرَنَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ
- وَعَنْ علي وابن عمر رضى الله عنهم بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُبْدِي الْعَوْرَةَ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ: وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَكَلَامُهُمْ فِيهِ قَلِيلٌ وَمِمَّنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِلرِّجَالِ بِشَرْطِ التَّسَتُّرِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَمَكْرُوهٌ لِلنِّسَاءِ إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ نِفَاسٍ أَوْ مَرَضٍ قَالَ وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّ أَمْرَهُنَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّسَتُّرِ وَلِمَا فِي وَضْعِ ثِيَابِهِنَّ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ مِنْ الْهَتْكِ وَلِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ وَأَنْشَدَ دَهَتْك بِعِلَّةِ الْحَمَّامِ نَعَمْ
- وَمَالَ بِهَا الطَّرِيقُ إلَى يَزِيدَ قَالَ وَلِلدَّاخِلِ آدَابٌ مِنْهَا أَنْ يَتَذَكَّرَ بِحَرِّهِ حَرَّ النَّارِ وَيَسْتَعِيذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَرِّهَا ويسأله الجنة وان يكون قصده التنظف وَالتَّطَهُّرَ دُونَ التَّنْعِيمِ وَالتَّرَفُّهِ وَأَلَّا يَدْخُلَهُ إذَا رَأَى فِيهِ عَارِيًّا بَلْ يَرْجِعَ وَأَلَّا يُصَلِّيَ فِيهِ وَلَا يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَلَا يُسَلِّمَ وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى إذَا خَرَجَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ يَوْمُ الْحَمَّامِ يَوْمُ إثْمٍ وَرَوَى لِكُلِّ أَدَبٍ مِنْهَا خَبَرًا أَوْ أَثَرًا وَذَكَرَ آدَابًا أُخَرَ: وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْإِحْيَاءِ فِيهِ كَلَامًا حَسَنًا طَوِيلًا مُخْتَصَرُهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ: دَخَلَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَّامَاتِ الشَّامِ قَالَ وَعَلَى دَاخِلِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ فَعَلَيْهِ وَاجِبَانِ فِي عَوْرَتِهِ صَوْنُهَا عَنْ نَظَرِ غَيْرِهِ وَمَسِّهِ فَلَا يَتَعَاطَى أَمْرَهَا وَإِزَالَةَ وَسَخِهَا إلَّا بِيَدِهِ: وَوَاجِبَانِ فِي عَوْرَةِ غَيْرِهِ أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ عَنْهَا وَأَنْ يَنْهَاهُ عَنْ كَشْفِهَا لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ قَالَ وَلَا يَسْقُطُ الْإِنْكَارُ إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ أَوْ شَتْمٍ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ قَالَ وَلِهَذَا صَارَ الْحَزْمُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ تَرْكَ دُخُولِ الْحَمَّامِ إذْ لَا يَخْلُو عَنْ عَوْرَاتٍ مكشوفة لاسيما مَا فَوْقَ الْعَانَةِ وَتَحْتَ السُّرَّةِ وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ إخْلَاءُ الْحَمَّامِ قَالَ وَالسُّنَنُ عَشْرٌ النِّيَّةُ بِأَنْ لايدخل عَبَثًا وَلَا لِغَرَضِ الدُّنْيَا بَلْ يَقْصِدَ التَّنَظُّفَ الْمَحْبُوبَ وَأَنْ يُعْطِيَ الْحَمَّامِيَّ الْأُجْرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَيُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِهِ قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَأَنْ يَدْخُلَ
وَقْتَ الْخَلْوَةِ أَوْ يَتَكَلَّفَ إخْلَاءَ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَمَّامِ إلَّا أَهْلُ الدِّينِ وَالْمُحْتَاطُونَ فِي الْعَوْرَاتِ فَالنَّظَرُ إلَى الْأَبَدَانِ مَكْشُوفَةً فِيهِ شَوْبٌ مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ وَهُوَ مُذَكِّرٌ لِلْفِكْرِ فِي الْعَوْرَاتِ ثُمَّ لَا يَخْلُو النَّاسُ فِي الْحَرَكَاتِ عَنْ انْكِشَافِ الْعَوْرَاتِ فَيَقَعُ عَلَيْهَا الْبَصَرُ وَأَنْ لَا يُعَجِّلَ بِدُخُولِ الْبَيْتِ الْحَارِّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْأَوَّلِ وَأَلَّا يُكْثِرَ صَبَّ الْمَاءِ بَلْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَهُوَ الْمَأْذُونُ فِيهِ وَأَنْ يَذْكُرَ بِحَرَارَتِهِ حَرَارَةَ نار جهنم لشبهه بهار وَأَلَّا يُكْثِرَ الْكَلَامَ وَيَكْرَهُ دُخُولُهُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقَرِيبًا مِنْ الْغُرُوبِ وَأَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إذَا فَرَغَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَهِيَ النظافة ويكره من جهة الطلب صَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الرَّأْسِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ وَشُرْبُهُ وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ عَافَاك اللَّهُ وَلَا بِالْمُصَافَحَةِ وَلَا بِأَنْ يُدَلِّكَهُ غَيْرُهُ يَعْنِي فِي غَيْرِ الْعَوْرَةِ هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ فِي النِّسَاءِ كَلَامًا حَذَفْته لِكَوْنِ كَلَامِ السَّمْعَانِيِّ أَصْوَبَ مِنْهُ قَالَ وَإِذَا دَخَلَتْ الْمَرْأَةُ لِضَرُورَةٍ فَلَا تَدْخُلْ إلَّا بِمِئْزَرٍ سَابِغٍ قَالَ وَلَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إلَّا سِرًّا وَلَا يُسَلِّمُ إذَا دَخَلَ فَقَدْ اتَّفَقَ هُوَ وَالسَّمْعَانِيُّ عَلَى تَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَالسَّلَامِ فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أنها لا تكره ولعل مرادهما الاولى تركها لا أنها مَكْرُوهَةٌ: وَأَمَّا تَرْكُ السَّلَامِ فَقَدْ وَافَقَهُمَا عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَقَالَ لَا يُسْتَحَبُّ السَّلَامُ لِدَاخِلِهِ عَلَى مَنْ فِيهِ لِأَنَّهُ بَيْتُ الشَّيْطَانِ وَلِأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُشْتَغِلِينَ بِالتَّنَظُّفِ وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُمْ: والحمام مذكر لا مؤنث كذا نقه الْأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَةِ عَنْ الْعَرَبِ: وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ وَجَمْعُهُ حَمَّامَاتٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الماء الحار والله أعلم وبه التوفيق
- [باب التيمم] قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّيَمُّمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْقَصْدُ يُقَالُ تَيَمَّمْت فُلَانًا وَيَمَّمْتُهُ وَتَأَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ أَيْ قَصَدْته وَالتَّيَمُّمُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَهُوَ رُخْصَةٌ وَفَضِيلَةٌ اخْتَصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا مِنْ الْأُمَمِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ مُخْتَصٌّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ عَنْ كُلِّ الْأَعْضَاءِ أَوْ بَعْضِهَا: قال المصنف رحمه الله
- [يجوز التيمم عن الحدث الاصغر لقوله تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صعيدا طيبا) وَيَجُوزُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ الْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ لما روى عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال أجنبت فتمعكت في التراب فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هكذا وضرب يديه على الارض ومسح وجهه وكفيه) ولانه طهارة عن حدث فناب عنها التيمم كالوضوء ولا يجوز ذلك عن ازالة النجاسة لانها طهارة فلا يؤمر بها للنجاسة في غير محل النجاسة كالغسل]
- [الشَّرْحُ] أَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وقَوْله تَعَالَى (صَعِيدًا طيبا) قِيلَ حَلَالًا وَقِيلَ طَاهِرًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْأَشْهَرُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا: وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَمُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَوْلُهُ تَمَعَّكْت أَيْ تَدَلَّكْت وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ تَمَرَّغْت وَهُوَ بِمَعْنَى تَدَلَّكْت: وَرَاوِي الْحَدِيثِ عَمَّارٌ تَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِهِ فِي آخِرِ السِّوَاكِ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْعِبَارَةِ عَنْ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَقَدْ نَبَّهْت عَلَى مِثْلِهِ مَرَّاتٍ وَذَكَرْته فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ: وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ احْتِرَازٌ مِنْ طَهَارَةِ النَّجَسِ: أَمَّا الْأَحْكَامُ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ الْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَكَذَا الْوِلَادَةُ إذَا قُلْنَا تُوجِبُ الْغُسْلَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَنَا وَلَا يَجُوزُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفُ هُنَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ وَقَوْلُهُ فِي التَّنْبِيهِ يَجِبُ فَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَهُوَ وَاجِبٌ فِي حَالٍ جَائِزٌ فِي حَالٍ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَضَاقَ الْوَقْتُ وَجَبَ وَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ جَازَ التَّيَمُّمُ وَلَا يَجِبُ بَلْ لَوْ اشْتَرَاهُ وَتَوَضَّأَ كَانَ أَفْضَلَ وَكَذَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ وَأَرَادَ نَافِلَةً أَوْ فَرِيضَةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ جَازَ التَّيَمُّمُ وَلَمْ يَجِبْ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ جَائِزٌ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً مِنْ
الصحابة والتابعين ومن بعدهم الا عمربن الْخَطَّابِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ التَّابِعِيَّ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوهُ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ إنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ رَجَعَا
- وَاحْتَجَّ لمن منعه بأن الآية فيها إبَاحَتِهِ لِلْمُحْدِثِ فَقَطْ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) إلَى قَوْله تَعَالَى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وَهُوَ عَائِدٌ إلَى الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ جَمِيعًا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَوْ أَنَّ جُنُبًا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا لَا يَتَيَمَّمُ قَالَ أَبُو مُوسَى لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ بهذه الآية (فلم تجدوا ماء فتيمموا) فقال عبد الله لو رخص لهم لا وشكو إذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ وَاحْتَجُّوا مِنْ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ السَّابِقِ وَهُوَ فِي الصحيحين وبحديث عمر ان بْنِ الْحُصَيْنِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى ثُمَّ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا فُلَانُ مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ فَقَالَ عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيَك فَلَمَّا حَضَرَ الْمَاءُ أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّجُلَ إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَقَالَ اغْتَسِلْ بِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَعْزُبُ فِي الْإِبِلِ وَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ فَأَخْبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْته: وَمِنْ الْقِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلِأَنَّ مَا كَانَ طَهُورًا فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَانَ فِي الْأَكْبَرِ كَالْمَاءِ وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَيْسَ فِيهَا مَنْعُ التَّيَمُّمِ عَنْ الْجَنَابَةِ بَلْ فِيهَا جَوَازُهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بَيَانُهُ فَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ
- (فَرْعٌ) إذَا تَيَمَّمَ الْجُنُبُ وَاَلَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَنِفَاسُهَا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَزِمَهُ الْغُسْلُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّابِعِيَّ فَقَالَ لَا يَلْزَمُهُ وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ عِمْرَانَ وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ السَّابِقَانِ
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمُعْزِبِ فِي الْإِبِلِ أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ وَإِنْ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ وَيَغْسِلُ فَرْجَهُ وَيَتَيَمَّمُ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الْجِمَاعِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَالُوا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ فَرْجِهِ فَغَسَلَهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ فَرْجَهُ لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إنْ قُلْنَا رُطُوبَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَلَا إعَادَةً هَذَا بَيَانُ مَذْهَبِنَا: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ جَوَازَ الْجِمَاعِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ بْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَ امْرَأَتَهُ إلَّا وَمَعَهُ مَاءٌ وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ ثَلَاثَ لَيَالٍ لَمْ يُصِبْهَا وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ جَازَ وَعَنْ أَحْمَدَ فِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ: دَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الْجِمَاعَ مُبَاحٌ فَلَا نَمْنَعُهُ وَلَا نَكْرَهُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الدَّلَالَةِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَغِيبُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ أَيُجَامِعُ أَهْلَهُ قَالَ (نَعَمْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْن أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ التَّيَمُّمَ عَنْ النَّجَاسَةِ لَا يَجُوزُ وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ عَلَى بَعْضِ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَتَيَمَّمَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ لَا يَصِحُّ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَوَّزَهُ أَحْمَدُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِ إعَادَةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولُونَ يَمْسَحُ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِتُرَابٍ وَيُصَلِّي قَالَ وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَالْمَعْرُوفُ من قول الشافعي بمصران التَّيَمُّمَ لَا يُجْزِئُ عَنْ نَجَاسَةٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا لِلنَّجَاسَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِطَهَارَتِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ: وَقَوْلُهُ كَالْغَسْلِ هُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَعْنَاهُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْغَسْلِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَهُوَ الْحَدَثُ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
[والتيمم مسح الوجه واليدين مع المرفقين بضربتين أو أكثر والدليل عليه ما روى أبو أمامة وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى المرفقين) وحكي بعض أصحابنا عن الشافعي رحمه الله أنه قال في القديم التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للكفين ووجهه في حديث عمار: وانكر الشيخ أبو حامد ذلك وقال المنصوص في القديم والجديد هو الاول: ووجهه أنه عضو في التيمم فوجب استيعابه كالوجه وحديث عمار ويتأل علي انه مسح كفيه إلى المرفقين بدليل حديث أبي امامة وابن عمر]
- [الشَّرْحُ] أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَمُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الياء بن عَجْلَانَ الْبَاهِلِيُّ مِنْ بَنِي بَاهِلَةَ سَكَنَ حِمْصَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنُ عُمَرَ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْآنِيَةِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَالْعُضْوِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا: وَقَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ فِي التَّيَمُّمِ احْتَرَزَ بِعُضْوٍ عَنْ مَسْحِ الخف وبالتيمم عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ
- وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ فَإِنْ حَصَلَ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالضَّرْبَتَيْنِ وَإِلَّا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ حَتَّى يَحْصُلَ الِاسْتِيعَابُ وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَأَنْكَرَ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا الْقَوْلَ وَقَالُوا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَهَذَا الْإِنْكَارُ فَاسِدٌ فَإِنَّ أَبَا ثَوْرٍ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَثِقَاتِهِمْ وَأَئِمَّتِهِمْ فَنَقْلُهُ عَنْهُ مَقْبُولٌ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْقَدِيمِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ مُشَافَهَةً وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا مَرْجُوحًا عِنْدَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ الْقَوِيُّ فِي الدَّلِيلِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ لَا يُشْتَرَطُ ضَرْبَتَانِ بَلْ الْوَاجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ سَوَاءٌ حَصَلَ بِضَرْبَتَيْنِ أَوْ ضَرْبَةٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي وَاجِبَاتِ التَّيَمُّمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وُجُوبَ الضَّرْبَتَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بن أبي طالب وابن عمروالحسن الْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَسَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمَالِكٍ والليث
وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا ثَلَاثُ ضَرْبَاتٍ ضَرْبَةٌ لِوَجْهِهِ وَضَرْبَةٌ لِكَفَّيْهِ وَضَرْبَةٌ لِذِرَاعَيْهِ: وَقَالَ آخَرُونَ الْوَاجِبُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ وَبِهِ: قَالَ دَاوُد وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: وَأَمَّا قَدْرُ الْوَاجِبِ مِنْ الْيَدَيْنِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ كَمَا سَبَقَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَمَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ إلَى الْكَفَّيْنِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُهُمَا إلَى الْإِبِطَيْنِ وَمَا أَظُنُّ هَذَا يَصِحُّ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا وَرَاءَ الْمِرْفَقَيْنِ: وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ أَجْنَبْت فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْت فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ فَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ لَا يَظْهَرُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا فَتَرَكْتهَا وَأَقْرَبُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْيَدِ إلَى الْمِرْفَقِ فِي الْوُضُوءِ وَقَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَوْصُوفَةُ أَوَّلًا وَهِيَ الْمِرْفَقُ وهذا المطلق محمول على ذلك المقيد لاسيما وهى آية واحدة وذكر الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الدَّلِيلَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَقَالَ كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ طَهَارَةَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْوُضُوءِ فِي أَوَّلِ الآية ثم أسقط منها عضوين في الآية فِي آخِرِ الْآيَةِ فَبَقِيَ الْعُضْوَانِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى مَا ذُكِرَا فِي الْوُضُوءِ إذْ لَوْ اخْتَلَفَا لَبَيَّنَهُمَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ يُسْتَوْعَبُ فِي التَّيَمُّمِ 1 كَالْوُضُوءِ فَكَذَا الْيَدَانِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا مَنَعَنَا أَنْ نأخذ برواية عَمَّارٍ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ثُبُوتُ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَأَنَّ هَذَا أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْقِيَاسُ
وفى ان البدل من الشئ يكون قال البيهقى حديث عمار ثبت مِنْ مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ إلَّا أَنَّ حَدِيثَ الذِّرَاعَيْنِ جيد بشواهده ورواه عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) وَعَنْ أَبِي جُهَيْمٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ (أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ إلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا مُسْنَدًا وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ تَعْلِيقًا وَهُوَ مُجْمَلٌ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِكَّةٍ مِنْ السِّكَكِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَ الرَّجُلُ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ (إنِّي لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك السَّلَامَ إلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ) هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ حَدِيثَهُ هَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَنْ الْعَبْدِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَهُمْ قَالَ وَأَنْكَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْعَبْدِيِّ رَفْعَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَفْعُهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ فَقَدْ صَحَّ رفعه من جهة الضحاك ابن عُثْمَانَ وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ وَإِنَّمَا انْفَرَدَ الْعَبْدِيُّ فِيهِ بِذِكْرِ الذِّرَاعَيْنِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَقَوْلُهُ وَفِعْلُهُ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ رِوَايَةِ الْعَبْدِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَخَذْنَا بِحَدِيثِ مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلِلْقِيَاسِ وَأَحْوَطُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْكَفَّيْنِ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ وَوُجُوبُ الذِّرَاعَيْنِ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ وَأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [ولا يجوز التيمم الا بالتراب لما روى حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قال (فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الارض مسجد أو جعل ترابها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكه) فعلق الصلاة على الارض ثم نزل في التيمم إلى التراب فلو جاز التيمم بجميع الارض لما نزل عن عن الارض إلى التراب ولانه طهارة عن حدث فاختص بجنس واحد كالوضوء]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ حُذَيْفَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ فِيهِ جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا لَمْ تُبَحْ لَهُمْ الصَّلَاةُ إلَّا فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَالتُّرَابُ مَعْرُوفٌ وَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ اسْمًا ذَكَرْتهَا مُفَصَّلَةً فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ثُمَّ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ إلَّا إذَا اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ وَنَقَلَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ عَنْ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ جَمْعٌ وَاحِدُهُ تُرَابَةٌ: وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ احْتِرَازٌ مِنْ الدِّبَاغِ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَّاطِيِّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ أَنَّهُ حَكَى فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالذَّرِيرَةِ وَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْأَحْجَارِ الْمَدْقُوقَةِ وَالْقَوَارِيرِ الْمَسْحُوقَةِ وَأَشْبَاهِهَا قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَهَذَا نَقْلٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ شَاذٌّ مَرْدُودٌ انما أَذْكُرُهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِتُرَابٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَجُوزُ بِكُلِّ أجزاء الارض حتى بصخرة مغسولة وقال بعص أَصْحَابِ مَالِكٍ يَجُوزُ بِكُلِّ مَا اتَّصَلَ بِالْأَرْضِ كَالْخَشَبِ وَالثَّلْجِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي الْمِلْحِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَصْحَابِ: مَالِكٍ أَحَدُهَا: يَجُوزُ: وَالثَّانِي لَا: وَالثَّالِثُ وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَشْهَرُهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ مَصْنُوعًا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ يَجُوزُ بِالثَّلْجِ وَكُلُّ مَا عَلَى الْأَرْضِ
- وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا) وَالصَّعِيدُ مَا عَلَى الْأَرْضِ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِحَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ السَّابِقِ فِي التَّيَمُّمِ بِالْجِدَارِ وَبِحَدِيثِ عَمَّارٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ نَفَضَهُمَا ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وفى رواية
لِمُسْلِمٍ (إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْك الْأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَك وَكَفَّيْك) قَالُوا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِتُرَابٍ ذِي غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْعُضْوِ كَمَا قُلْتُمْ قَالُوا لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِجَامِدٍ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِجِنْسٍ 1 كالدباغ
- واحتج أصحابنا بقول الله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وهذا يقتضى أن يمسح بماله غُبَارٌ يَعْلَقُ بَعْضُهُ بِالْعُضْوِ وَبِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (الصَّعِيدُ الْحَرْثُ حَرْثُ الْأَرْضِ) وَبِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الصَّعِيدُ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلَا نُسَلِّمُ اخْتِصَاصَهُ بِهِ بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَعَلَى التُّرَابِ وَعَلَى الطَّرِيقِ كَذَا نَقَلَهُ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْعَرَبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُخَصَّ بِأَحَدِ الْأَنْوَاعِ إلَّا بدليل ومعنى حَدِيثُ حُذَيْفَةَ وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ بِتَخْصِيصِ التُّرَابِ: وَأَمَّا حَدِيثُ (جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَمُخْتَصَرٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: وَأَمَّا التَّيَمُّمُ بِالْجِدَارِ فَمَحْمُولٌ عَلَى جِدَارٍ عَلَيْهِ غُبَارٌ لِأَنَّ جُدْرَانَهُمْ مِنْ الطِّينِ فَالظَّاهِرُ حُصُولُ الْغُبَارِ مِنْهَا وَحَدِيثُ النَّفْخِ فِي الْيَدَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَلِقَ بِالْيَدِ غُبَارٌ كَثِيرٌ فَخَفَّفَهُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِاسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِهِ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ ثُمَّ يَنْفُخُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا عَلِقَ بِهِمَا غُبَارٌ كَثِيرٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِزَالَةِ جَمِيعِ الْغُبَارِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالدِّبَاغِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّبَاغِ تَنْشِيفُ فُضُولِ الْجِلْدِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَنْوَاعٍ فَلَمْ يَخْتَصَّ وَالتَّيَمُّمُ طَهَارَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ فَاخْتَصَّتْ بِمَا جَاءَتْ به السنة كالوضوء والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [فأما الرمل فقد قال آخر في القديم والاملاء يجوز التيمم به وقال في الام لا يجوز فمن اصحابنا من قال لا يجوز قولا واحدا وما قاله في القديم والاملاء محمول على رمل يخالطه التراب ومنهم من قال على قولين أحدهما يجوز لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (انا بأرض الرمل وفينا الجنب والحائض ونبقى أربعة أشهر لانجد الماء فقال صلى الله عليه وسلم (عليكم بالارض) والثاني لا يجوز لانه ليس بتراب فأشبه الجص]
[الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ وَبَيَّنَ ضَعْفَهُ وَجَاءَ فِي بَعْضِهَا عَلَيْكُمْ بِالتُّرَابِ وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ الَّتِي ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهَا الطَّرِيقَيْنِ فِي رَمْلٍ خَالِصٍ لَا يُخَالِطُهُ تُرَابٌ وَهَذَانِ الطَّرِيقَانِ مَشْهُورَانِ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى ان الصحيح طريقة التفصيل وهو انه خَالَطَهُ تُرَابٌ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَحَمَلُوا الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ قَالُوا وَغَلِطَ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ 1 قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَرِيقَةُ الْقَوْلَيْنِ هِيَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ فَإِنْ خَالَطَهُ جَصٌّ أَوْ رَمْلٌ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى رَمْلٍ دَقِيقٍ يَلْصَقُ بِالْعُضْوِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ هُوَ فِي رَمْلٍ خَشِنٍ لَا يَلْصَقُ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا خَالَطَهُ دَقِيقٌ وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّهُ يَلْصَقُ بِالْعُضْوِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْجَصَّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ مُعَرَّبٌ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وان أحرق الطين وتيمم بمدقوقه ففيه وجهان أحدهما لا يجوز التيمم به كما لا يجوز بالخزف المدقوق: والثاني يجوز لان احراقه لم يزل اسم الطين والتراب عن مدقوقه بخلاف الخزف ولا يجوز الا بتراب له غبار يعلق بالعضو فان تيمم بطين رطب أو تراب ند لا يعلق غباره لم يجز لقوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وهذا يقتضى أنه يمسح بجزء من الصعيد ولانه طهارة فوجب ايصال الطهور فيها الي محل الطهارة كمسح الرأس ولا يجوز بتراب نجس لانه طهارة فلا تجرز بالنجس كالوضوء: ولا يجوز بما خالطه جص أو دقيق لانه ربما حصل علي العضو فمنع وصول التراب إليه ولا يجوز بما استعمل في العضو فأما ما تناثر من أعضاء المتيمم ففيه وجهان أحدها لا يجوز التيمم به كما لا يجوز الوضوء بما تساقط من أعضاء المتوضئ: والثاني يجوز لان المستعمل منه ما بقى علي العضو وما تناثر غير مستعمل فجاز التيمم به ويخالف الماء لانه لا يدفع بعضه بعضا والتراب يدفع بعضه بعضا فدفع ما أدى به الغرض في العضو ما تناثر منه]
[الشَّرْحُ] فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا إذَا أَحْرَقَ الطِّينَ وَتَيَمَّمَ بِمَدْقُوقِهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والبغوى وَالْأَصَحُّ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبِ الْبَحْرِ وَالْمُحَقِّقِينَ الْجَوَازُ وَهَذَا أَظْهَرُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَلَطٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إنْ احْتَرَقَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ احْتَرَقَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَفِيهِ وَفِي الطِّينِ الْخُرَاسَانِيِّ إذَا دُقَّ وَجْهَانِ والاظهر الجواز مطلقا اما ذا أَصَابَتْهُ نَارٌ فَاسْوَدَّ وَلَمْ يَحْتَرِقْ فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تُرَابٌ وَلَا يُشْبِهُ الْخَزَفَ بِحَالٍ وَلَوْ احْتَرَقَ فَصَارَ رَمَادًا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ كَالْخَزَفِ: نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الثَّانِيَةُ) يُشْتَرَطُ كَوْنُ التُّرَابِ لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْعُضْوِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُشْتَرَطُ الْغُبَارُ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ بدلائلها: وقوله تراب ندهو بِتَنْوِينِ الدَّالِ مِثْلُ شَجٍ: (الثَّالِثَةُ) لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابٍ نَجِسٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فَإِنَّهُ جَوَّزَهُ بِتُرَابِ الْمَقَابِرِ قَالَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ تَكُنْ مَنْبُوشَةً فَيُوَافِقُنَا
- وَاحْتَجَّ المحاملي وغيره بقوله تعالى (صعيدا طيبا) قَالُوا وَالْمُرَادُ طَاهِرًا وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي مَعْنَى الطَّيِّبِ فِي الْآيَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ: وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ لِيَحْتَرِزَ عَنْ الدِّبَاغِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِالنَّجِسِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا سَبَقَ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ كَانَ التُّرَابُ الَّذِي خَالَطَتْهُ النَّجَاسَةُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ لِأَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ وذكره أَصْحَابُنَا هُنَا تُرَابَ الْمَقَابِرِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ نَبْشَهَا فَتُرَابُهَا نَجِسٌ وَإِنْ تَيَقَّنَ عَدَمَ نَبْشِهَا فَتُرَابُهَا طَاهِرٌ وَإِنْ شَكَّ فَطَاهِرٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ فَحَيْثُ قُلْنَا طَاهِرٌ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنَّهَا إذَا لَمْ تُنْبَشْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ لِكَوْنِهَا مَدْفِنَ النَّجَاسَةِ وَلَا يُكْرَهُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فَهُوَ كَغَيْرِهِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ حَسَنٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَلَوْ وَقَعَ الْمَطَرُ عَلَى الْمَقْبَرَةِ لَمْ
يَصِحَّ التَّيَمُّمُ بِهَا لِأَنَّ صَدِيدَ الْمَيِّتِ قَائِمٌ فِيهَا لَا يُذْهِبُهُ الْمَطَرُ كَمَا لَا يُذْهِبُ التُّرَابَ قَالَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا اخْتَلَطَ مِنْ الْأَنْجَاسِ بِالتُّرَابِ مِمَّا يَصِيرُ كَالتُّرَابِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ هُنَا التَّيَمُّمَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ ذَائِبَةٌ فَزَالَ أَثَرُهَا بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ وَفِيهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ الْجَدِيدُ أَنَّهَا لَا تُطَهِّرُ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا وَالْقَدِيمُ أَنَّهَا تُطَهِّرُ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ إذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَفِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِتُرَابِهَا قَوْلَانِ قَالَ وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَجَعَلَهُ طَاهِرًا فِي حُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ هَذَا كَلَامُ الْقَفَّالِ وَهُوَ شَاذٌّ وَمَنْعُ بَيْعِ الْمَدْبُوغِ لَيْسَ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الرَّابِعَةُ) لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِتُرَابٍ خَالَطَهُ جَصٌّ أَوْ دَقِيقٌ أَوْ زَعْفَرَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ الَّتِي تَعْلَقُ بِالْعُضْوِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَلِيطُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا مُسْتَهْلَكًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَحَكَى الْأَصْحَابُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ الْخَلِيطُ مُسْتَهْلَكًا كَمَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي اُسْتُهْلِكَ فِيهِ مَائِعٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ يَجْرِي بطبعه فإذا أصاب المائع موضع جَرَى الْمَاءُ بَعْدَهُ وَأَمَّا الْخَلِيطُ فَرُبَّمَا عَلِقَ بِالْعُضْوِ فَمَنَعَ التُّرَابَ مِنْ الْعُلُوقِ وَلِأَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةَ التَّطْهِيرِ وَلِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ إذَا كَانَ كَثِيرًا بِخِلَافِ التُّرَابِ وَأَمَّا إذَا اخْتَلَطَ بِالتُّرَابِ فُتَاتُ الْأَوْرَاقِ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالزَّعْفَرَانِ يَعْنِي فَيَكُونُ فِيهِ التَّفْصِيلُ وَالْخِلَافُ وَقِيلَ يُعْفَى عَنْهُ كَمَا فِي الْمَاءِ فَإِنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مُخَالَطَةِ الدَّقِيقِ وَنَحْوِهِ وَمُخَالَطَةِ الرَّمْلِ حَيْثُ جَازَ فِي الرَّمْلِ دُونَ الدَّقِيقِ قُلْنَا الدَّقِيقُ يَعْلَقُ بِالْيَدِ كَمَا يَعْلَقُ التُّرَابِ فَيَمْنَعُ التُّرَابَ وَالرَّمْلُ لَا يَعْلَقُ أَمَّا إذَا خَالَطَ التُّرَابَ مَائِعٌ طَاهِرٌ مِنْ طِيبٍ أَوْ خَلٍّ أَوْ لَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ تَغَيَّرَ بِهِ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِلَّا جَازَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الْبَحْرِ إنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ ثُمَّ جَفَّ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ بِالْجَفَافِ ذَهَبَ مَاءُ الْوَرْدِ وَبَقِيَتْ رائحته المجاورة *
(فَرْعٌ)
هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْجَصَّ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي طُرُقِ الْأَصْحَابِ وَشَذَّ وَأَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَيْضَاوِيُّ فَحَكَى فِي كِتَابِهِ شَرْحِ التَّبْصِرَةِ لَهُ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالْجَصِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يَجُوزُ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ مُحَرَّقًا لَمْ يَجُزْ والا جاز وبهذا الثلث قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ.
(الْخَامِسَةُ) التُّرَابُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ صُوَرٌ إحْدَاهَا أَنْ يَلْصَقَ بِالْعُضْوِ ثُمَّ يُؤْخَذَ مِنْهُ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا هَذَا وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِخِلَافِ الْمَاءِ وَاخْتَارَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيسِهِ (1) أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَلْتَفِتُ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمَاءِ هُوَ انْتِقَالُ الْمَنْعِ أَمْ تَأَدِّي الْعِبَادَةِ (الثَّانِيَةُ) أَنْ يُصِيبَ الْعُضْوَ ثُمَّ يَتَنَاثَرَ مِنْهُ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ لا يجوز التيمم صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ والفوراني وامام الحرمين وابن الصباغ والبغوى وصاحب العمدة وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْوَجْهُ الْآخَرُ غَلَطٌ (الثَّالِثَةُ) أَنْ يَتَسَاقَطَ عَنْ الْعُضْوِ وَلَمْ يَكُنْ لَصِقَ بِهِ وَلَا مَسَّهُ بَلْ لَاقَى مَا لَصِقَ بِالْعُضْوِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ كَالْبَاقِي عَلَى الْأَرْضِ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَقِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ وَلَا مَعْنَى لِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْفَصْلِ (إحْدَاهَا) قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التُّرَابِ مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَعْفَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ التُّرَابُ الْمَأْكُولُ وَغَيْرُهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَفِي الْبَيَانِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالتُّرَابِ الْأَرْمَنِيِّ وَلَا بِالْمَأْكُولِ وليس بشئ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالصَّعِيدُ التُّرَابُ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ سَبَخِهَا وَمَدَرِهَا وَبَطْحَائِهَا وَغَيْرِهَا وَقَالَ فِي الْأُمِّ وَلَا يُتَيَمَّمُ بِبَطْحَاءَ رَقِيقَةً كَانَتْ أَوْ غَلِيظَةً قَالَ أَصْحَابُنَا السَّبْخَةُ التُّرَابُ الَّذِي فِيهِ مُلُوحَةٌ وَلَا يُنْبِتُ فَالتَّيَمُّمُ به جائز وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُمَا مَنَعَاهُ لقول تعالى (صعيدا طيبا) ودلينا أن النبي صلي الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ سَبِخَةٌ وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يُتَطَهَّرُ بِهِ فَاسْتَوَى مِلْحُهُ وَعَذْبُهُ كَالْمَاءِ وَأَمَّا الطَّيِّبُ فِي الْآيَةِ فَمَعْنَاهُ الطَّاهِرُ وَقِيلَ الْحَلَال كَمَا سَبَقَ وَأَمَّا الْمَدَرُ فَهُوَ التُّرَابُ الَّذِي يُصِيبُهُ الْمَاءُ فَيَجِفُّ وَيَصْلُبُ وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ إذَا دُقَّ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ غُبَارٌ وَأَمَّا الْبَطْحَاءُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِالْمَدِّ ويقال فِيهِ الْأَبْطَحُ ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ فَالصَّحِيحُ الْأَوْضَحُ مَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ التُّرَابُ اللَّيِّنُ فِي مَسِيلِ الْمَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هُوَ مَجْرَى السَّيْلِ إذَا جَفَّ وَاسْتَحْجَرَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا الْقَاعُ وَالثَّانِي الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ لَا يَجُوزُ بِالْبَطْحَاءِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ يَجُوزُ فَقَالَ الْأَصْحَابُ لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَقَوْلُهُ لَا يَجُوزُ أَرَادَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تُرَابٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ وَقَالَ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَّا الْحَمْأَةُ الْمُتَغَيِّرَةُ إذَا جَفَّتْ وَسُحِقَتْ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا لِأَنَّهَا طِينٌ خُلِقَ مُنْتِنًا فَهِيَ كَالْمَاءِ الَّذِي خُلِقَ مُنْتِنًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بمدقوق الكذان وهو جر؟ ؟ ؟ رَخْوٌ يَصِيرُ بِالدَّقِّ كَالتُّرَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ الْجَمَاعَةُ من موضع واحد كما يتوضؤن مِنْ إنَاءٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ الْوَاحِدُ مِنْ تُرَابٍ يَسِيرٍ يَسْتَصْحِبُهُ مَعَهُ فِي خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا مَرَّاتٍ كَمَا يَتَوَضَّأُ مِنْ إنَاءٍ مَرَّاتٍ: (الثَّالِثَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ مِنْ غُبَارِ تُرَابٍ عَلَى مِخَدَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ أَدَاةٍ وَنَحْوِهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ فِيهِ غُبَارٌ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَحْرِ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الصَّعِيدَ وَهَذَا الوجه ليس بشئ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَبَقَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (تَيَمَّمَ بِالْجِدَارِ) وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الصَّعِيدَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى غَيْرِهَا: (الرَّابِعَةُ) الْأَرَضَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَهِيَ دُوَيْبَّةٌ تَأْكُلُ الْخَشَبَ وَالْكُتُبَ وَنَحْوَهَا إذَا اسْتَخْرَجَتْ تُرَابًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ اسْتَخْرَجَتْهُ مِنْ مَدَرٍ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهُ بِلُعَابِهَا فَإِنَّهُ طَاهِرٌ فَصَارَ كتراب عجن بخل أو ماء وزد وَإِنْ اسْتَخْرَجَتْ شَيْئًا مِنْ الْخَشَبِ لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ التُّرَابِ: (الْخَامِسَةُ) لَوْ تَيَمَّمَ بِتُرَابٍ عَلَى ظَهْرِ حَيَوَانٍ إنْ كَانَ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا نَظَرَ إنْ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ التراب في
حَالِ رُطُوبَتِهِ أَوْ أَصَابَهُ عَرَقُهُ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ طَاهِرٌ لِعِلْمِهِ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ وَالرَّافِعِيُّ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي تَقَابُلِ الْأَصْلِ والظاهر قال صاحب البحر والاصح الجواز هذا الَّذِي ذَكَرُوهُ مُشْكِلٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ التَّيَمُّمُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَصْلِ وَلَيْسَ هُنَا ظَاهِرٌ يُعَارِضُهُ وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا آخَرَ جَازَ بِلَا خِلَافٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَفِيهَا تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ يَأْتِي قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
- [ولا يصح التيمم الا بالنية لما ذكرناه في الوضوء وينوى بالتيمم استباحة الصلاة فان نوى رفع الحدث ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه لا يرفع الحدث والثاني يصح لان نية رفع الحدث تتضمن استباحة الصلاة]
- [الشَّرْحُ] النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا بِدَلَائِلِهَا وَفُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا صِفَةُ نِيَّةِ التَّيَمُّمِ فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ اسْتِبَاحَةَ مالا يُبَاحُ إلَّا بِالطَّهَارَةِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ نَوَى مُقْتَضَاهُ وَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ بُنِيَ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَمْ لَا وَفِيهِ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ 1 يَرْفَعُ فِي حَقِّ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِالِاغْتِسَالِ حِينَ وَجَدَ الْمَاءَ وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ السَّابِقُ أَيْضًا (الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ فا اوَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ العاص حين تيمم فقال النبي صلى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ) وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْحَدَثَ مَا ارْتَفَعَ إذْ لَوْ ارْتَفَعَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاغْتِسَالِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ ضَعِيفٌ مَعْدُودٌ مِنْ الْغَلَطَاتِ فَإِنَّ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا نَوَى الْمُتَيَمِّمُ رَفْعَ الْحَدَثِ إنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ صَحَّ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطيب وجماعات: والثاني يصح (2) ونقله بن خيران قولا
وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَلَوْ تَيَمَّمَ الْجُنُبُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ فَكَمُحْدِثٍ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَوْ نويا الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَمُتَابِعُوهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ دَاوُد وَالْكَرْخِيُّ الْحَنَفِيُّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يَرْفَعُهُ دَلِيلُنَا ما سبق * قال المصنف رحمه الله
- وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَإِنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةً مُطْلَقَةً أَوْ صَلَاةً نَافِلَةً لَمْ يَسْتَبِحْ الْفَرِيضَةَ وَحَكَى شَيْخُنَا أَبُو حَاتِمٍ القزويني أن أبا يعقوب الابيوردي عن الاملاء قولا آخر انه يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ طَهَارَةٌ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةِ الْفَرْضِ كَالْوُضُوءِ وَاَلَّذِي يَعْرِفُهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَشَيْخِنَا القاضى أبى الطيب أنه لا يستبيح الْفَرْضَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ حَتَّى يَنْوِيَهُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَاسْتَبَاحَ بِهِ الْجَمِيعَ وَهَلْ يُفْتَقَرُ إلَى تَعْيِينِ الْفَرِيضَةِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُفْتَقَرُ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ افْتَقَرَ إلَى نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ افْتَقَرَ إلَى تَعْيِينِهَا كَأَدَاءِ الصَّلَاةِ: وَالثَّانِي لَا يُحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِهَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ]
- [الشَّرْحُ] ينبغى المتيمم لِفَرِيضَةٍ أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ بِعَيْنِهَا فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ فوجهان مشهوران في طريقة العراقيين أصحهما بجزئه وَيَسْتَبِيحُ أَيَّ فَرِيضَةٍ أَرَادَ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ طُرُقِ الْمَرَاوِزَةِ عَلَيْهِ قَالَ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ حَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَهُوَ مُطْرَحٌ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْ الطَّرِيقَتَيْنِ بِأَنَّ اشْتِرَاطَ تَعْيِينِ الْفَرِيضَةِ غَلَطٌ وَالْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ هُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ وَاخْتَارَهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالْجِيمِ حَكَاهُ عَنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَالْمَذْكُورُ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ إذَا نَوَى فَرِيضَتَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إحْدَاهُمَا وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا فَلَوْ وَجَبَ التَّعْيِينُ لم يستبح واحدة منهما وَلِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا النَّصِّ وَيَقُولَ إنَّمَا جَوَّزَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إحْدَاهُمَا لِأَنَّهُ نَوَاهَا وَعَيَّنَهَا وَنَوَى مَعَهَا غَيْرَهَا فَلُغِيَ الزَّائِدُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا
قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ أَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَنَوَى اسْتِبَاحَةَ الظُّهْرِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فَرِيضَةً أُخْرَى وَإِذَا نَوَى الْحَاضِرَةَ صَلَّى الْفَائِتَةَ وَكَذَا عَكْسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ الْفَرِيضَةَ بَلْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ النَّافِلَةَ أَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ
- الصَّحِيحُ مِنْهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ فِي الصُّورَتَيْنِ (وَالثَّانِي) فِي اسْتِبَاحَتِهِ قَوْلَانِ وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ الاستباحة و (الثالث) إنْ نَوَى النَّفَلَ فَفِي اسْتِبَاحَةِ الْفَرْضِ الْقَوْلَانِ وَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ فَقَطْ اسْتَبَاحَ الْفَرْضَ قَوْلًا وَاحِدًا وَهَذَا الطَّرِيقُ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ قَالَ الْإِمَامُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ اسْمُ جِنْسٍ تَتَنَاوَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَيُخَالِفُ مَا لَوْ نَوَى الْمُصَلِّي الصَّلَاةَ فَإِنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا نَفْلًا لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ فِيهَا بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فَحُمِلَ عَلَى الْأَقَلِّ وَهُوَ النَّفَلُ وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ فِي نِيَّتِهِ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ فَحُمِلَتْ الصَّلَاةُ فِي نِيَّتِهِ عَلَى الْجِنْسِ ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فِي الصُّورَتَيْنِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ النَّفَلَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ فِي التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ النَّفَلَ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَسْتَبِيحُ النَّفَلَ الا تَابِعًا لِلْفَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- هَذَا تَفْرِيعُ مَذْهَبِنَا وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ كَالْوُضُوءِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ بِنِيَّةِ النَّفْلِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْآنِيَةِ وَأَمَّا أَبُو يَعْقُوبَ الابيوردى ففتح الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مَنْسُوبٌ إلَى أَبِيوَرْدَ بَلْدَةٌ بِخُرَاسَانَ قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ وَيُنْسَبُ إلَيْهَا أَيْضًا الْبَاوَرْدِيُّ قال والنسبة الاولى هي الصحيحة * قال المصنف رحمه الله
- [فان تيمم للنفل كان له أن يصلى على الجنازة نص عليه في البويطى لان صلاة الجنازة كالنفل وان تيمم لصلاة الفرض استباح النفل لان النفل تابع للفرض فإذا استباح المتبوع استباح التابع كما إذا أعتق الام عتق الحمل] [الشَّرْحُ] هُنَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا نَوَى بِتَيَمُّمِهِ اسْتِبَاحَةَ نَافِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُطْلَقَةٍ فَالصَّحِيحُ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تَيَمُّمَهُ صَحِيحٌ وَحَكَى
جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِلنَّفْلِ مُفْرَدًا وَإِنَّمَا يَصِحُّ تَبَعًا لِلْفَرْضِ قَالُوا لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إنَّمَا جوز للضرورة ولا ضرورة إلى النفل 1 قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَعْضُوبُ إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَرْضًا جَازَ وَفِي النَّفْلِ قَوْلَانِ قَالَ الْقَاضِي وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ لَوْ تَوَضَّأَتْ لِلنَّفْلِ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بها الي النفل وهذا الوجه غلط لاشك فِيهِ وَمُخَالِفٌ لِمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ وَقَدْ جُوِّزْت النَّافِلَةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لِلْحَاجَةِ وَالتَّخْفِيفِ فَالتَّيَمُّمُ أَوْلَى فَإِنَّهُ بَدَلٌ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّمَا التَّفْرِيعُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَإِذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ نَافِلَةٍ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ حنس النَّوَافِلِ مَا شَاءَ إلَى أَنْ يُحْدِثَ وَلَهُ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا اسْتَبَاحَا الْقِرَاءَةَ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلَّ وَطْؤُهَا لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَلَهُ أن يصلى على جائز سَوَاءٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِيهِ وَجْهٌ أنه لا يَسْتَبِيحُهَا لِأَنَّهَا فَرْضٌ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ إنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَسْتَبِحْهَا بِتَيَمُّمِ النَّافِلَةِ وَإِلَّا اسْتَبَاحَهَا وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ بِأَدِلَّتِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ هَذَا الْبَابِ أَمَّا إذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ نَوَى الْجُنُبُ أَوْ الْمُنْقَطِعُ حَيْضُهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَاللُّبْثَ فِي المسجد أو نوت استباحة الوطئ فَإِنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ مَا نَوَوْا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ الوجه السابق في التيمم للنافلة الْمُجَرَّدَةَ وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ وَهَلْ يَسْتَبِيحُونَ صَلَاةَ النَّفْلِ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَعَكْسِهِ وَأَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ مَذْكُورٌ فِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ إلَّا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ بِأَنْ كَانَ مُسَافِرًا وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَوَجْهٌ فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُ مُنْقَطِعَةِ الْحَيْضِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الوطئ وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي الْغُسْلِ وَوَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ ضَعِيفَةٌ فَإِذَا قُلْنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَسْتَبِيحُ النَّافِلَةَ فَفِي اسْتِبَاحَتِهِ الْفَرْضَ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُهُ وَلَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ
الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ النَّفْلِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ فِي الْبَحْرِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ النَّفَلَ لَا يَصِحُّ اسْتِبَاحَتُهُ مُنْفَرِدًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يَسْتَبِيحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الطَّوَافَ وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجِنَازَةِ اسْتَبَاحَهَا وَهَلْ هُوَ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ أَمْ لِلْفَرْضِ فِيهِ وَجْهَانِ فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ أَصَحُّهُمَا 1 كَالنَّافِلَةِ صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهَا وَإِنْ تَعَيَّنَتْ فَهِيَ كَالنَّفْلِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرِيضَةٍ مَكْتُوبَةٍ اسْتَبَاحَهَا وَيَسْتَبِيحُ النَّفَلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ وبعد هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ النَّفَلَ مُطْلَقًا وَوَجْهًا أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهُ مَا دَامَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ بَاقِيًا وَلَا يَسْتَبِيحُهُ بَعْدَهُ وَوَافَقَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَحَامِلِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ نَقْلِ الْعِرَاقِيِّينَ وَلَنَا قَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ النَّفَلَ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَيَسْتَبِيحُهُ بَعْدَهَا وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ أَمَّا إذَا نَوَى الْفَرِيضَةَ وَالنَّافِلَةَ مَعًا فستبيحهما جَمِيعًا بِلَا خِلَافٍ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتَّفَقَتْ الطُّرُقُ عَلَى هَذَا وَحِينَئِذٍ لَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ الفرض وبعده في الوقت وَبَعْدَهُ وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْمُخَالِفُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وطرد الرافعي فيه الوجه بالمنع من النفل بعد خروج الوقت وليس بشئ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ: لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهَا وَصَلَّاهَا ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ سُنَّةِ الظُّهْرِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَقَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ تَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ: قَالَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَنْ نَسِيَ الْعِشَاءَ فَذَكَرَهَا وَقْتَ الظُّهْرِ قَضَاهَا وَقَضَى الْوِتْرَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي قَضَاءِ الْوِتْرِ إذَا فَعَلَ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْوِتْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا أَعْلَمُ مَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ إحْدَاهَا فِي ضَبْطِ مَا تَقَدَّمَ مُخْتَصَرًا فَإِذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ وَجْهٌ وَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ نَافِلَةٍ اسْتَبَاحَهَا وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ دُونَ الْفَرْضِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَفِي وَجْهٍ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَفِي قَوْلٍ يُبَاحُ الْفَرْضُ أَيْضًا وَلَوْ نَوَى الْفَرْضَ بِلَا تَعْيِينٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُبَاحُ أَيُّ فَرْضٍ أَرَادَ وَفِي وجه لا يصح
تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ الْفَرْضَ وَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ فَلَهُ النَّفَلُ وَحْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ الْفَرْضُ أَيْضًا وَقِيلَ تَيَمُّمُهُ بَاطِلٌ وَلَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَحْدَهُ اسْتَبَاحَهُ وَالنَّفَلَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ وَفِي وَجْهٍ لَا يُبَاحُ النَّفَلُ وَفِي وَجْهٍ يُبَاحُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ وَفِي قَوْلٍ يُبَاحُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَا قَبْلَهُ وَلَوْ نَوَاهُمَا أُبِيحَا كَيْفَ شَاءَ وَفِي وَجْهٍ لَا يُبَاحُ النَّفَلُ بَعْدَ الْوَقْتِ 1 (الثَّانِيَةُ) نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرِيضَتَيْنِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الدَّارِمِيُّ أَصَحُّهُمَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ كَمَا سَبَقَ لِأَنَّهُ نَوَاهَا وَغَيْرَهَا فَلَغَا الزَّائِدَ: وَالثَّانِي لَا يصح لانه نوى مالا يُبَاحُ فَلَغَتْ نِيَّتُهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ الْجُمْهُورُ يُصَلِّي أَيَّتَهُمَا شَاءَ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَشَذَّ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ يُصَلِّي الْأُولَى فَخَصَّهُ بِالْأُولَى وليس بشئ (2) (الثَّالِثَةُ) لَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ للخراسانيين أحدهما يَصِحُّ كَمَا لَوْ نَوَى الْمُتَوَضِّئُ فَرْضَ الْوُضُوءِ قَالَ الرُّويَانِيُّ فَعَلَى هَذَا هُوَ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّ تَجْدِيدُهُ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ نَوَى إقَامَةَ التَّيَمُّمِ الْمَفْرُوضِ فَهُوَ كَنِيَّةِ فَرْضِ التَّيَمُّمِ فَلَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ نَوَى فَرْضَ الطَّهَارَةِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْأَصَحُّ لَا يَصِحُّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ نَوَى التَّيَمُّمَ وَحْدَهُ أَوْ الطَّهَارَةَ وَحْدَهَا لَمْ يَصِحَّ وَقَدْ سَبَقَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (الرَّابِعَةُ) لَوْ تَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ غَالِطًا ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ الْأَصْغَرُ فَكَانَ جُنُبًا أَوْ عَكْسَهُ صَحَّ تَيَمُّمُهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَاحْتَجَّ الْمُزَنِيّ وَالْأَصْحَابُ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُمَا وَاحِدٌ فَلَا أَثَرَ لِلْغَلَطِ وَأَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ وَقَالَ هَذِهِ الْعِلَّةُ مُنْتَقَضَةٌ بِمَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ ظَنَّهَا الظُّهْرَ فَقَضَاهَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَلَا تُجْزِئُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُمَا وَاحِدًا قَالَ وَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْجُنُبَ يَنْوِي بِتَيَمُّمِهِ مَا يَنْوِيه الْمُحْدِثُ وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ فَلَا فَرْقَ
- وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَيَجِبُ تَعْيِينُهَا فَإِذَا نَوَى الظُّهْرَ فقد نوى غير ما عليه
وَالْمُتَيَمِّمُ نَوَى مَا عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى الْمُزَنِيِّ هَذِهِ الْعِلَّةَ وَقَالُوا الصَّوَابُ التَّعْلِيلُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ 1 وَهَذَا الْإِنْكَارُ عَلَى الْمُزَنِيِّ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كَلَامَهُ صَحِيحٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ ظَاهِرٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ غَالِطًا فَإِنْ تَعَمَّدَ فَنَوَى الْأَكْبَرَ وَعَلَيْهِ الْأَصْغَرُ أَوْ عَكْسُهُ مَعَ عِلْمِهِ فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي سَبَقَ مِثْلُهُمَا فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالْأَصَحُّ الْبُطْلَانُ لِتَلَاعُبِهِ وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ وَنَسِيَ جَنَابَتَهُ وَكَانَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَيَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِهِ ثُمَّ ذَكَرَ جَنَابَتَهُ لَزِمَهُ إعَادَةُ صَلَوَاتِ الْوُضُوءِ، دُونَ صَلَوَاتِ التَّيَمُّمِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَا سَبَقَ (الْخَامِسَةُ) تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ظَنَّهَا عَلَيْهِ فَبَانَ أَنْ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ تيممه بخلاف مالو توضأ لفائتة ظنها فبان ان لافائتة فَإِنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ظَنَّهَا الظُّهْرَ فَبَانَتْ الْعَصْرَ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ تَوَضَّأَ لِفَائِتَةٍ ظَنَّهَا الظُّهْرَ فَبَانَتْ الْعَصْرَ صَحَّ وَالْفَرْقُ مَا فَرَّقَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُبِيحُ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَنِيَّتُهُ صَادَفَتْ اسْتِبَاحَةَ مالا يُسْتَبَاحُ وَالْوُضُوءُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِذَا ارْتَفَعَ اسْتَبَاحَ مَا شَاءَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْهَا فَتَيَمَّمَ لَهَا ثُمَّ تَذَكَّرَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ لِأَنَّ وَقْتَ الْفَائِتَةِ بِالتَّذَكُّرِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّيَمُّمِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ وَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْهَا لَا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهَا وَهَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ فَإِنَّ فِعْلَهَا مُبَاحٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الشَّاشِيُّ هَذَا فَحَكَاهُ ثُمَّ قَالَ (2) وَعِنْدِي فِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالتَّيَمُّمِ لَهَا لِتَوَهُّمِ بَقَائِهَا عَلَيْهِ فَإِذَا تحقق بقاءها عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ هَذَا كَلَامُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ مُحْتَاطًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ وقد يفرق بضعف التيمم والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وإذا أراد التيمم فالمستحب أن يسمى الله عز وجل لانه طهارة عن حدث فاستحب اسم الله تعالى عليه كالوضوء ثم ينوى ويضرب بيديه على التراب ويفرق أصابعه فان كان التراب ناعما فترك الضرب ووضع اليدين جاز ويسمح بهما وجهه وَيُوصِلُ التُّرَابَ إلَى جَمِيعِ الْبَشَرَةِ الظَّاهِرَةِ مِنْ
الوجه والى ما ظهر من الشعور ولا يَجِبُ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَا تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ والشاربين والعذارين والعنفقة ومن أصحابنا من قال يجب ذلك كما يجب ايصال الماء إليه في الوضوء والمذهب الْأَوَّلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصف التيمم واقتصر على ضربتين ومسح وجهه باحداهما ومسح اليدين بالاخرى وبذلك لا يصل التراب إلى باطن هذه الشعور ويخالف الوضوء لانه لا مشقة في ايصال الماء إلى ما تحت هذه الشعور وعليه مشقة في ايصال التراب فسقط وجوبه ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ يده اليسرى على ظهور أصابع يده اليمني ويمرها على ظهر الكف فإذا بلغ الكوع جعل أطراف أصابعه على حرف الذراع ثم يمر ذلك إلى المرفق ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمره عليه ويرفع ابهامه فإذا بلغ الكوع أمر ابهام يده اليسرى علي ابهام يده اليمني ثم يمسح بكفه اليمني يده اليسرى مثل ذلك ثم يمسح احدى الراحتين بالاخرى ويخلل أصابعهما لما روى أسلع رضى الله عنه قَالَ قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (أنا جنب فنزلت آية التيمم فقال (يكفيك هكذا فضرب بكفيه الارض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه ثم أمرهما علي لحيته ثم أعادهما إلى الارض فمسح بهما الارض ثم ذلك احداهما بالاخرى ثم مسح ذراعيه ظاهرهما وباطنهما) والغرض مما ذكرناه النية ومسح الوجه ومسح اليدين بضربتين أو اكثر وتقديم الوجه على اليد وسننه التسمية وتقديم اليمنى على اليسرى] [الشَّرْحُ] هَذِهِ الْقِطْعَةُ يَجْمَعُ شَرْحُهَا مَسَائِلَ (إحْدَاهَا) حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ التَّيَمُّمَ بِضَرْبَتَيْنِ صَحِيحٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَحَدِيثُ أَسْلَعَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْمُهَذِّبِ فِي اللَّفْظِ وَبَعْضِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَسْلَعُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالسِّينِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ عَلَى وَزْنِ أَحْمَدَ وَهُوَ الْأَسْلَعُ بْنُ شَرِيكِ بْنِ عَوْفٍ التَّمِيمِيُّ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُ راحلته والكف مؤنثة سميت بذلك لِأَنَّهَا تَكُفُّ عَنْ الْبَدَنِ أَيْ تَمْنَعُ مَا يَقْصِدُهُ مِنْ ضَرْبَةٍ وَنَحْوِهَا وَالْكُوعُ بِضَمِّ الْكَافِ وَهُوَ طَرَفُ الْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ وَالرُّسْغُ هو
مفصل الكف وله طرفان وهما عظمان (الَّذِي يَلِي الْإِبْهَام كُوعٌ وَاَلَّذِي يَلِي الْخِنْصِرَ كُرْسُوعٌ) وَيُقَالُ فِي الْكُوعِ كَاعَ كَبُوعٍ وَبَاعَ وَالذِّرَاعُ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ وَالْإِبْهَامُ مُؤَنَّثَةٌ وَقَدْ تُذَكَّرُ وَسَبَقَ بَيَانُهَا فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ والراحة معروفة وجمعها راح (المسألة الثَّانِيَةُ) يُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِ التَّيَمُّمِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ احْتِرَازٌ مِنْ الدِّبَاغِ وَغَيْرِهِ مِنْ إزَالَاتِ النَّجَاسَاتِ وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُضُوءِ أَنَّ أَحَدًا خَالَفَ فِي التَّيَمُّمِ وَوَافَقَ فِي الْوُضُوءِ فَأَلْزَمَهُ مَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْوُضُوءِ فَأَلْحَقْنَا التَّيَمُّمَ بِهِ وَتَقَدَّمَتْ صِفَةُ التَّسْمِيَةِ وَفُرُوعِهَا فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ لِكُلِّ مُتَيَمِّمٍ سَوَاءٌ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ أَمْ أَكْبَرَ كَمَا سَبَقَ فِي الْغُسْلِ (الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ ثُمَّ يَنْوِي وَيَضْرِبُ يَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ هَكَذَا عِبَارَةُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْعُمْدَةِ يَنْوِي عِنْدَ مَسْحِ وَجْهِهِ وَاقْتَصَرُوا عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ قَبْلَهُ كَمَا فِي الوضوء وقال الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ مَعَ ضَرْبِ الْيَدِ عَلَى التُّرَابِ وَيَسْتَدِيمَ النِّيَّةَ إلَى مَسْحِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ قَالَا فَلَوْ ابْتَدَأَ النِّيَّةَ بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ أَوْ نَوَى مَعَ الضَّرْبِ ثم عزبت نيته قبل مسح شئ مِنْ الْوَجْهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَى التُّرَابِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَلَيْسَ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ نَقْلُ التُّرَابِ فَمَسْحُ الْوَجْهِ هُوَ الْمَقْصُودُ فَتَجِبُ النِّيَّةُ عِنْدَهُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا قَارَنَتْ النِّيَّةُ نَقْلَ التُّرَابِ وَعَزَبَتْ قبل مسح شئ مِنْ الْوَجْهِ وَجْهًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيَضْرِبُ يَدَيْهِ عَلَى التُّرَابِ فَإِنْ كَانَ نَاعِمًا فَتَرَكَ الضَّرْبَ وَوَضَعَ الْيَدَيْنِ جَازَ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى الضَّرْبِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ إذَا لَمْ يَعْلَقْ الْغُبَارُ إلَّا بِالضَّرْبِ أَوْ أَرَادَ التَّمْثِيلَ لَا الِاشْتِرَاطَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُشْتَرَطُ الْيَدُ بَلْ الْمَطْلُوبُ نَقْلُ التُّرَابِ سَوَاءٌ حَصَلَ بِيَدٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَالَ فِي الْأُمِّ وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيُفَرِّقُ أَصَابِعَهُ فِي ضَرْبَةِ مَسْحِ الْوَجْهِ فَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ