المجموع شرح المهذبصفحات 365-404
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 365-404
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وأما الآية فتحتمل أن يكون المراد به الازواج، فخاطبهم بخطاب الحاضر، ثم خاطبهم بخطاب الغائب، كما قال الله عز وجل (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) فإذا قلنا ان الذى بيده عقدة النكاح هو الولى لم يصح العفو منه إلا بخمسة شروط (أحدها) أن يكون أبا أو جدا لانهما لا يتهمان فيما يريان من حظ الولد ومن سواهما منهم (والثانى) أن تكون المنكوحة بكرا، فأما الثيب فلا يجوز العفو عن مالها لانه لا يملك الولى تزويجها (والثالث) أن يكون العفو بعد الطلاق وأما قبله فلا يجوز لانه لا حظ لها في العفو قبل الطلاق، لان البضع معرض للتلف، فإذا عفا ربما دخل بها فتلفت منفعة بضعها من غير بدل (والرابع) أن يكون قبل الدخول، فأما بعد الدخول فقد أتلف بضعها فلم يجز إسقاط بدله (والخامس) أن تكون صغيرة أو مجنونة، فأما البالغة الرشيدة فلا يملك العفو عن مهرها لانه لا ولاية عليها في المال.
(الشرح) اللغات.
قوله (وقد فرضتم لهن فريضة) جملة حالية من فاعل طلقتموهن أو من مفعوله، ونفس الفرض من المبنى للفاعل أو للمفعول وان لم يفارق حالة التطليق لكن اتصاف المطلق بالفارضية فيما سبق مما لا ريب في مقارنته لها، وكذا الحال في اتصاف المطلقة بكونها مفروضا فيما سبق.
قوله (إلا أن يعفون) استثناء مفرغ من أعم الاحوال، أي فلهن نصف المفروض معينا في كل حال إلا حال عفوهن، أي المطلقات المذكورات فإنه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه، والصيغة تحتمل التذكير والتأنيث والفرق بالاعتبار، فإن الواو في التذكير ضمير والنون علامة الرفع، وفى التأنيث الواو لام الفعل والنون ضمير النسوة والفعل مبنى، ولذلك لم تؤثر فيه (أن) هنا مع أنها ناصبة لا مخففة بدليل عطف المنصوب عليه من قوله تعالى (أو يعفو الذى.
إلخ) أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولو خالعته على شئ مما عليه من المهر فما بقى فعليه نصفه.
وجملة ذلك أنه إذا خالعها على شئ مما عليه من المهر فما بقى فعليه نصفه.
وجملة ذلك أنه إذا خالعها على نصف مهر قبل الدخول نظرت

فان كان الصداق عينا فخالعها على نصفها فان قلنا ان الزوج يملك نصف الصداق بالطلاق لم يصح الخلع على نصف ما سماه في الخلع، لان الخلع بمنزلة الطلاق الذى يوقعه ابتداء فلم يصح خلعها على النصف الذى يملك الزوج، وهل يصح في نصف ما سماه في الخلع.
فيه قولان بقاء على القولين في تفريق الصفقة، وما فسد من المسمى في الخلع فهل يرجع الزوج عليها ببدله أو بمهر المثل، فيه قولان كما قلنا فيه إذا تلف الصداق قبل القبض.
وإن قلنا إن الزوج لا يملك النصف الا بالطلاق واختيار التملك صح الخلع على النصف المسمى في الخلع ورجع عليها بالنصف.
وهل يرجع عليها بجميع النصف الباقي في يدها أو بنصفه أو بنصف قيمته.
على الاقوال الثلاثة التى مضت قبلها، وإن كان الصداق ألفا في الذمة فخالعها على خمسمائة منه قبل الدخول.
قال ابن الصباغ فان قلنا انه يملك نصف الصداق بالطلاق فسدت التسميه في الخلع في نصف الخمسمائة، ولا ينصرف ذلك إلى نصيبها من الالف بعد الطلاق لان وقت التسميه هي مالكة لجميعه، فكان ما سميته من الجملة، وهل تفسد التسميه في نصف الباقي؟ على القولين.
وهل يرجع عليها ببدلها أو بمهر مثلها.
على القولين.
وان قلنا انه لا يملك النصف الا بالطلاق واختيار التملك صح الخلع على ما سمى فيه، ويسقط الباقي من ذمته باختيار التملك.
إذا ثبت هذا فقد قال الشافعي رضى الله عنه وما بقى فعليه نصفه، وظاهر هذا أن الخلع يصح بخمسمائة ويسقط عن ذمته من الخمسمائة الباقيه ما ئتان وخمسون واختلف أصحابنا في تأويل هذا، فقال أبو على بن خيران أراد الشافعي رحمه الله إذا تخالعا على خمسمائه من الالف وهما يعلمان أن الخلع لا يصح الا على مائتين وخمسين منها لان نصفها يسقط عنه بالطلاق قبل الدخول، فإذا علما بذلك فقد رضيا أن يكون عوض الخلع مائتين وخمسين لا غير، فإذا بقى على الزوج خمسمائه سقط عنه نصفها بالطلاق قبل الدخول.
ومن أصحابنا من قال من قال أراد الشافعي رحمه الله إذا قالت اخلعني بما يخصنى من خمسمائه فصرحا بذلك.
وقال أبو إسحاق تأويلها أن العقد وقع على جميع الخمسمائه لانها كانت ملكا

للزوجة، وأما ما يعود نصفها إلى الزوج بعد الطلاق فإذا تم الخلع رجع إلى الزوج نصفها فيكون هذا النصف كالتالف قبل القبض فيرجع الزوج إلى بدل هذا النصف في القول القديم وبدل الدراهم دراهم فيستحق عليها في ذمتها بدل المائتين والخمسين التى كانت تستحقها بالطلاق، وبقى عليه خمسمائة فيسقط عنه نصفها بالطلاق، ويبقى لها عليه مائتان وخمسون فيتقاصان، فيكون معنى قوله فما بقى عليه نصفه، يعنى الخمسمائة التى لم يقع بها الخلع فذكر ما بقى لها عليه، ولم يذكر ماله عليها، ولا ذكر المقاصة أيضا.
قال الشيخ أبو حامد: وهذه طريقة صالحة.
وقال القاضى أبو الطيب: إن الذى قاله الشافعي رحمه الله إنما قاله على أن الزوج لا يملك بالطلاق، وإنما يملك بالطلاق والاختيار فقد صح الخلع بالخمسمائة، ويرجع عليها بنصف الباقي وبقيمة ما خالعها به.
وإنما لم يذكر قيمة ما خالعها به.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يمكن حمل كلام الشافعي رحمه الله على هذا، لانه قال: فما بقى فعليه نصفه، ولو أراد أنه لا يملك الا بالاختيار لقال: فعليه كل ما بقى إلا أن يختار تملك نصفه قال أصحابنا: وإن أرادت الخلاص خالعته على خمسمائة في ذمتها ويسقط عنه خمسمائة من الالف ويبقى عليه لها خمسمائة فيتقاصان وتقول: اخلعني على ما يسلم لى من الالف أو على أن لا يبقى بيننا علقة ولا تبعة.
(مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه: قال الله تعالى (إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة) الآية.
وجملة ذلك أنه إذا طلق امرأته قبل الدخول جاز لها أن تعفو عن نصف المهر الذى وجب لها لقوله تعالى (إلا أن يعفون) ولا خلاف أن المراد به النساء وجاز للزوج أن يعفو عن النصف الذى له الرجوع فيه لقوله تعالى (وان تعفو أقرب للتقوى) ولا خلاف أن المراد به الازواج وفى الذى بيده عقدة النكاح قولان.
قال في القديم: المراد به ولى المرأة وبه قال ابن عباس والحسن البصري والزهرى وطاوس وربيعة ومالك وأحمد، فيكون تقدير الايه على هذا (إلا أن يعفون) يعنى الزوجات عن النصف الذى وجب لهن فيكون جميع الصداق للزوج أو يعفو الولى عن نصيب الزوجه، فيكون الجميع للزوج.
وان تعفوا أقرب للتقوى، يعنى الازواج، فيكون الجميع للزوجه، لان الله تعالى

قال (أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) وهذا ورد فيما بعد الطلاق، والذى بيده عقدة النكاح عليها هو الولى دون الزوج، ولان الكناية ترجع إلى أقرب مذكور قبله، وأقرب مذكور قبل هذا هو نصف المرأة، ولان الله تعالى ذكر العفو في الآية في ثلاثة مواضع، فإذا حمل هذا على الولى حصل لكل عفو فائدة، وإذا حمل على غير جعل أحدهما مكررا.
وقال في الجديد الذى بيده عقدة النكاح هو الزَّوْجِ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجُبَيْرُ بن مطعم وابن المسيب وسعيد بن جبير ومجاهد وشريح وأهل الكوفة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، فيكون تقدير الايه (الا أن يعفون) يعنى الزوجات أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح، يعنى الزوج وأن يعفوا أقرب للتقوى، يعنى أن عفو الازواج أفضل من عفو الزوجات، لقوله تعالى (أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) وقال العلامه صديق خان في كتابه نيل المرام (ومعنى: أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) قيل هو الزوج.
ثم ذكر جماعة من القائلين به إلى أن قال (وفى هذا القول قوة وضعف.
اما قوته فلكون الذى بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج لانه الذى إليه رفعه بالطلاق.
وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملا غير ظاهر، لان العفو لا يطلق على الزيادة.
وقيل المراد بقوله (أو يعفو الخ) هو الولى، إلى أن قال وفيه أيضا قوة وضعف، أما قوته فلكون معنى العفو فيه معقولا.
وأما ضعفه فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده.
ومما يزيد هذا القول ضعفا أنه ليس للولى أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه وقد حكى القرطبى الاجماع على أن الولى لا يملك شيئا من مالها، والمهر مالها، فالراجح ما قاله الاولون لوجهين.
الاول أن الزوج هو الذى بيده عقدة النكاح حقيقة، الثاني أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن مالك مطلق التصرف بخلاف الولى، وتسميته الزيادة عفوا وإن كان خلاف الظاهر، لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملا عند العقد، كان العفو معقولا، لانه تركه لها ولم يسترجع النصف منه، ولا يحتاج لهذا أن يقال انه من باب المشاكلة كما في الكشاف

لانه عفو حقيقي، أي ترك ما تستحق المطالبة به، إلا أن يقال إنه مشاكلة أو تغليب في توفيته المهر قبل أن يسوقه الزوج، فإذا قلنا إن الذى بيده عقدة النكاح هو الولى لم يصح إلا بالشروط الخمسة التى ساقها المصنف.
(فرع) فإذا كان الصداق دينا في ذمة الزوج وطلقها قبل الدخول، وأرادت المرأة العفو عن النصف الذى لها صح عفوها بأحد ستة ألفاظ بأن تقول أبرأتك عن كذا أو وهبته لك أو ملكتك أو تركت لك أو أسقطت عنك أو عفوت عن مالى في ذمتك، وهل يفتقر إلى قبول الزوج؟ فيه وجهان مضى ذكرهما.
المنصوص أنه لا يفتقر، فإن أراد الزوج أن يعفو عن النصف الذى رجع إليه بالطلاق، فإن قلنا انه لا يملك ذلك إلا بالطلاق واختيار التملك ولم يختر بعد، فله أن يسقط حقه، وان قلنا انه يملك النصف بالطلاق لم يصح عفوها عنه لانه قد هلك على ملكها، وفى يدها.
وإن أراد الزوج أن يعفو عنها، فان قلنا انه لا يملك النصف الا بالطلاق والاختيار صح عفوه قبل الاختيار بكل لفظ يتضمن إسقاط حقه كالعفو والاسقاط والترك كما قلنا فيمن له شفعة فأسقطها.
ولا يفتقر إلى قبولها وجها واحدا.
وان قلنا بالمنصوص وأنه يملك نصفه بالطلاق صح عفوه عنها بأحد الالفاظ الستة: الهبة والعفو والابراء والتمليك والاسقاط والترك، وهل يفتقر إلى قبولها على الوجهين.
وان كان الصداق عينا في يد الزوج وأرادت أن تعفو عن النصف الذى لها صح بلفظ الهبة أو التمليك ولا بد من قبول الزوج، ولا بد من مضى مدة القبض وهل يفتقر إلى اذنها بالقبض، فيه طريقان مضيا في الرهن، ولا يصح عفوها بلفظ الابراء والاسقاط لان ذلك انما صح عما في الذمم، وهل يصح بلفظ العفو فيه وجهان حكاهما في التعليق، الصحيح لا يصح، وان أراد الزوج ان يعفو عن النصف الذى له، فان قلنا بقول أبى اسحاق انه لا يملك الا بالطلاق والاختيار.
ولم يختر بعد صح عفوه بكل لفظ يتضمن اسقاط الخيار، وان قلنا بالمذهب أنه يملك بنفس الطلاق احتاج إلى ثلاث شرائط: الهبة من الايجاب والقبول، والاذن بالقبض، والقبض

وإن كان الصداق عينا في يد الزوجة فأرادت أن تعفو عن نصفها افنقر إلى شروط الهبة، وإن أراد الزوج أن يعفو عنها، فإن قلنا: إنه يملك بنفس الطلاق فهو يهبها شيئا في يدها فلا بد فيه من الايجاب والقبول، ومضى مدة القبض.
(فرع) إذا تزوج إمرأة بمهر حرام أو مجهول وجب لها مهر مثلها، فإن أبرأته عنه وكانت تعلم قدره صحت البراءة.
وإن كانت لا تعلم قدره وأبرأته عنه لم تصح البراءة.
وقال أبو حنيفة تصح، دليلنا أنه إزالة ملك بلفظ لا يسرى فلم يصح مع الجهل به كالبيع، وفيه احتراز من العتق، وإذا ثبت أن الابراء في الكل لا يصح فهل يصح في قدر ما يتحققه؟ قال الشيخ أبو حامد: المعروف أنه لا يصح، وقال أبو إسحاق: يصح، لانا إنما منعنا صحة البراءة في كله لاجل الغرر، وهذا لا يوجد فيما يتحقق أنه لها، وان كانت تعلم أن المهر يزيد على مائة ولا يبلغ ألفا فقالت: أبرأتك من مائة إلى ألف صح، لان الغرر قد زال والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وان فوضت بضعها بأن تزوجت وسكت عن المهر أو تزوجت على أن لا مهر لها ففيه قولان (أحدهما) لا يجب لها المهر بالعقد وهو الصحيح لانه لو وجب لها المهر بالعقد لتنصف بالطلاق (والثانى) يجب لانه لو لم يجب لما استقر بالدخول ولها أن تطالب بالفرض لان اخلاء العقد عن المهر خالص لرسول الله صلى الله عليه وسلم فان قلنا يجب بالعقد فرض لها مهر المثل لان البضع كالمستهلك فضمن بقيمته كالسلعة المستهلكة في يد المشترى ببيع فاسد، وان قلنا لا يجب لها المهر بالعقد فرض لها ما يتفقان عليه لانه ابتداء ايجاب فكان اليهما كالفرض في العقد ومتى فرض لها مهر المثل أو ما يتفقان عليه صار ذلك كالمسمى في الاستقرار بالدخول والموت والتنصف بالطلاق لانه مهر مفروض فصار كالمفروض في العقد، وان لم يفرض لها حتى طلقها لم يجب لها شئ من المهر لقوله عز وجل (وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فدل على أنه إذا لم يفرض لم يجب النصف وان لم

يفرض لها حتى وطئها استقر لها مهر المثل، لان الوطئ في النكاح من غير مهر خالص لرسول الله صلى الله عليه وسلم وان ماتا أو أحدهما قبل الفرض ففيه قولان.
أحدهما: لا يجب لها المهر لانها مفوضة فارقت زوجها قبل الفرض والمسيس فلم يجب لها المهر كما لو طلقت.

(والثانى) يجب لها المهر لما روى علقمة قال أتى عبد الله في رجل تزوج إمرأة فمات عنها ولم يكن فرض لها شيئا ولم يدخل بها فقال أقول فيها برأيى لها صداق نسائها وعليها العدة ولها الميراث فقال معقل بن سنان الاشجعى قَضَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تزويج بنت واشق بمثل ما قضيت ففرح بذلك ولان الموت معنى يستقر به المسمى فاستقر به مهر المفوضة كالوطئ، وان تزوجت على أن لا مهر لها في الحال ولا في الثاني ففيه وجهان.

(أحدهما) أن النكاح باطل لان النكاح من غير مهر لم يكن إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصير كما لو نكح نكاحا ليس له.

(والثانى) يصح لانه يلغى قولها لا مهر لى في الثاني لانه شرط باطل في الصداق فسقط وبقى العقد فعلى هذا يكون حكمه حكم القسم قبله.
(الشرح) اللغات: قال في البيان: التفويض في اللغة أن يكل الرجل أمره إلى غيره.
وقال ابن بطال: المفوضة المرأة تنكح بغير صداق من قولهم فوضت الامر إلى فلان أي رددته، إلى أن قال: والتفويض أن تفوض المرأة أمرها إلى الزوج فلا تقدر معه مهرا، وقيل: التفويض الاهمال.
كأنها أهملت أمر المهر فلم قسمه ويقال المرأة مفوضة بالكسر لتفويضها لانها أذنت وبالفتح لان وليها فوضها بعقده.
وأما التفويض في الشرع فهو تفويض البضع في النكاح، يقال: امرأة مفوضة بكسر الواو إذا أضفت التفويض إليها، ومفوضه بفتح الواو إذا أسند التفويض إلى غيرها، والتفويض على ضربين، تفويض مهر وتفويض بضع، فأما تفويض المهر فمثل أن يقول تزوجتك على أي مهر شئت أو شئت أو شئنا فالنكاح صحيح، ويجب لها مهر مثلها في العقد، وأما تفويض البضع فبأن يقول

زوجتكها وتسكت عن المهر أو زوجتكها بلا مهر في الحال وكان ذلك بإذن المرأة لوليها وهى من أهل الاذن، فإن النكاح ينعقد، وأما المهر فقد قال الشيخ أبو حامد لا يجب لها مهر في العقد قولا واحدا، ولكنها قد ملكت بالعقد أن تملك مهرا لان لها المطالبة بفرضه، فهى كالشفيع ملك أن يملك الشقص أو أي مهر ملكت تملكه فيه قولان.

(أحدهما) مهر المثل والمفروض بدل عنه.

(والثانى) ما يتفقان عليه.
وقال أبو حنيفة يجب لها مهر المثل بالعقد، وحكى الشيخ أبو إسحاق أنه أحد قولينا لانه لو لم يجب بالعقد لما استحقت المطالبة به، ولما استقر بالدخول، ودليلنا على أنه لا يجب بالعقد أنه لو وجب لها المهر بالعقد ليتصف بالطلاق كالمسمى في العقد، فإذا قلنا: إنها ملكت أن تملك مهر المثل ويكون المفروض بدلا منه فلانه إذا عقد عليها النكاح فقد استهلك بضعها فوجب أن يكون لها بدله، وبدله هو مهر المثل، وإذا قلنا ملكت أن تملك مهرا ما، وانما يتقدر ذلك بالفرض.
قال أبو إسحاق وهو أقواهما ولان المهر الذى تملكه المرأة بعقد النكاح مهران مهر تملكه بالتسمية، ومهر تملكه بالفرض، ثم ثبت أن المهر الذى تملكه بالتسمية لا يقدر الا بالتسمية، فكذلك المهر الذى تملكه بالفرض لا يتقدر الا بالفرض، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصَّ عَلَى أنهما إذا فرضا لها أكثر من مهر المثل لزم لها الجميع، ولو كانت الزيادة على مهر المثل هبة لم يلزم بالفرض، وانما يلزم بالقبض.
(فرع) وللمفوضة أن تطالب بفرض المهر لان اخلاء العقد عن المهر خاص للنبى صلى الله عليه وسلم، فإن ترافعا إلى الحاكم فرض لها مهر مثلها لان زيادته على ذلك ميل على الزوج، ونقصانه عنه ميلا عليها ولا يصح فرضه الا بعد معرفته بقدر مهر مثلها لانه لا يملك الفرض الا بذلك، وان تراضى الزوجان ففرضاه بينهما فإن كانا عالمين بقدر مهر مثلها صح فرضهما، فإن فرضا مهر مثلها صح، وان فرضا أكثر منه صح ولزم، وقد سمح الزوج، وان فرضا أقل منه صح ولم يلزم الزوج أكثر منه لانها سمحت، وان كانا جاهلين بقدر مهر مثلها

أو أحدهما فإن قلنا: إنها ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل لم تصح فرضهما، لان المفروض بدل عن مهر المثل، فلا بد أن يكون المبدل معلوما عندهما، وإن قلنا: ملكت بالعقد أن تملك مهرا ما صح فرضهما، وإذا فرض لها الحاكم لم يفرض لها إلا من نقد البلد، لانه بدل بضعها التالف فهو كما لو أتلف عليها عينا من مالها، وان فرضه الزوجان بينهما جاز أن يفرضا نقدا أو عرضا مما يجوز تسميته في العقد، ولا يلزم إلا ما اتفقا عليه من ذلك، وإذا فرض لها مهر صحيح كان ذلك كالمسمى في العقد يستقر بالدخول أو بالموت وينتصف بالطلاق قبل الدخول.
وقال أبو حنيفة: إذا طلقها قبل الدخول سقط المفروض ووجب لها المتعة، دليلنا قوله تعالى (فنصف ما فرضتم) الآية.
ولانه مهر واجب قبل الطلاق فينصف بالطلاق كالمسمى لها في العقد.
(فرع) ويستحب أن لا يدخل بها حتى يفرض لها لئلا يشتبه بالموهوبة، فإن لم يفرض لها حتى وطئها استقر عليه مهر المثل، لان الوطئ في النكاح من غير مهر خالص للنبى صلى الله عليه وسلم، فإن طلقها قبل القبض والمسيس لم يجب لها المهر لقوله تعالى (نصف ما فرضتم إلا أن يعفون) الآية، وهذا لم يفرض شيئا، وإن مات أحدهما قبل القبض والمسيس توارثا ووجب عليها عدة الوفاة إن مات الزوج قبلها بلا خلاف، لان الزوجية ثابتة بينهما إلى الموت، وهل لها مهر المثل؟ فيه قولان.
أحدهما: يجب لها مهر مثلها، وبه قال ابن مسعود رضى الله عنه وابن شبرمة وابن أبى ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق إلا أن أبا حنيفة يقول: يجب لها مهر مثلها بالعقد، ووجه هذا القول ما روى عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج إمرأة ولم يسم لها مهرا فمات عنها قبل الدخول فقال عبد الله: أقول فيها برأيى، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان، لها الميراث وعليها العدة ولها مهر مثلها، لا وكس ولا شطط، فقام إليه معقل بن سنان الاشجعى وقال: أشهد لقضيت

مثل ما قَضَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بروع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك، ولان الموت سبب يستقر به المسمى فاستقر به مهر المفوضة كالدخول.
والثانى: لا يجب لها مهر، وبه قال على وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت رضى الله عنهم وأهل المدينة والزهرى وربيعة ومالك والاوزاعي من أهل الشام ولانها فرقة وردت على المفوضة قبل الفرض والمسيس فلم يجب لها مهر كالطلاق فأما خبر ابن مسعود رضى الله عنه فهو مضطرب، وروى أنه قام إليه ناس من أشجع، وروى أنه قام إليه رجل من أشجع، وروى أنه قام إليه معقل بن سنان وروى أنه قام إليه معقل بن يسار، وروى أنه قام إليه أبو سنان، ويجوز أن تكون بروع مفوضة المهر لا مفوضة البضع.
(فرع) وإن زوج الولى وليته بإذنها وهى من أهل الاذن على أن لا مهر لها في الحال ولا فيما بعد، فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يصح النكاح لانها في معنى الموهوبة، وذلك لا يصح إلا للنبى صلى الله عليه وسلم والثانى: يصح النكاح ويبطل الشرط، لان النكاح لا يخلو من مهر، فإذا شرط أن لا مهر لها بحال ألغى الشرط لبطلانه، ولا يبطل النكاح لانه لا يبطل لبطلان المهر، فعلى هذا تكون مفوضة البضع، وقد مضى حكمها، فإن زوج الاب أو الجد الصغيرة أو الكبيرة المجنونة أو البكر البالغة العاقلة وفوض بضعها أو أذنت المرأة لوليها في تزويجها ففوض بضعها بغير إذنها لم تكن مفوضة، بل يجب لها مهر مثلها، لان التفويض إنما يتصور باذنها إذا كانت من أهل الاذن، هذا هو المشهور من المذهب.
وقال أبو على بن أبى هريرة: إذا قلنا: ان الذى بيده عقدة النكاح هو الاب والحد صح تفويضه لبضع الصغيرة والمجنونة، كما يصح عفوه، والاول أصح، لانه انما يصح على أحد القولين بعد الطلاق فأما مع بقاء النكاح فلا يصح.
(فرع) قال ابن الصباغ: إذا وطئ الزوج المفوضة بعد سنين وقد تغيرت صفتها فانه يجب لها مهر المثل معتبرا بحال العقد، لان سبب وجوب ذلك انما هو بالعقد واعتبر به.

وقال القاضى أبو الطيب: يعتبر مهرها أكثر ماكان من حين العقد إلى حين الوطئ، لان لها أن تطالبه بفرض المهر في كل وقت من ذلك، وان نكح امرأة نكاحا فاسدا ووطئها اعتبر مهرها حال وطئها، وان أبرأته من مهرها قبل الفرض لم تصح البراءة، لان المهر لم يجب والبراءة من الدين قبل وجوبه لا تصح، وان أسقطت حقها من المطالبة بالمهر قال ابن الصباغ: لم يصح اسقاطه عندي لان اثبات المهر ابتداء حق لها يتعلق به حق الله تعالى، لان الشرع منعها من هبة بضعها، وانما خص به النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا لا يصح أن يطأها بغير عوض، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:

(فصل) ويعتبر مهر المثل بمهر نساء العصبات لحديث علقمة عن عبد الله وتعتبر بالاقرب فالاقرب منهن وأقربهن الاخوات وبنات الاخوة والعمات وبنات الاعمام) فان لم يكن لها نساء عصبات اعتبر بأقرب النساء إليها من الامهات والخالات لانهن أقرب إليها، فان لم يكن لها أقارب اعتبر بنساء بلدها ثم بأقرب النساء شبها بها ويعتبر بمهر من هي على صفتها في الحسن والعقل والعفة واليسار، لانه قيمة متلف فاعتبر فيها الصفات التى يختلف بها العوض والمهر يختلف بهذه الصفات ويجب من نقد البلد كقيم المتلفات.
(الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ومتى قلت لها مهر نسائها فانما أعنى نساء عصبتها وليس أمها من نسائها.
وجملة ذلك أن أصحابنا قالوا يجب لها مهر مثلها في سبعة مواضع (1) مفوضة المهر (2) مفوضة البضع إذا دخل بها الزوج قبل الفرض أو مات عنها في أحد القولين.
(3) إذا فوض الولى بضعها بغير اذنها (4) إذا نكحت المرأة بمهر فاسد أو مجهول (5) إذا نكحها نكاحا فاسدا ووطئها (6) إذا وطئ امرأة بشبهة (7) إذا أكره المرأة على الزنا، وكل موضع وجب للمرأة مهر

مثلها تعتبر بنساء عصبتها كالاخوات وبنات الاخوات والعمات وبنات الاعمام، ولا يعتبر بنساء ذوى أرحامها كأمهاتها وخالاتها، ولا بنساء بلدها.
وقال ابن أبى ليلى وأبو حنيفة: يعتبر بنساء عصباتها وبنساء ذوى أرحامها.
دليلنا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى في بروع بنت واشق أن لها مهر نساء قومها وهذا يقتضى قومها الذين تنسب إليهم، ولانه إذا لم يكن بد من اعتبارها بغيرها من النساء فاعتبارها بنساء عصباتها أولى لانها تساويهن في النسب، ويعتبر بمن هي في مثل حالها في الجمال والعقل والادب والسن والبكارة والثيوبة والدين وصراحة النسب.
وإنما اعتبر الجمال لان له تأثيرا في الاستمتاع وهو المقصود بالنكاح، والعقل والادب يعتبران، لان مهر العاقلة الاديبة أكثر من مهر من لا عقل لها ولا أدب.
وكذلك مهر الشابة والبكر أكثر من مهر العجوز والثيب ومهر العفيفة أكثر من مهر الفاسقة.
قال الشافعي وصراحتها، فمن أصحابنا من قال: أراد الفصاحة في اللسان.
وقال أكثرهم أراد صراحة النسب، لان العرب أكمل من العجم فإن كانت بين عربيين لم يعتبر بمن هي بين عربي وعجمية، لان الولد بين عربي وعجمية هجين، والولد بين عربية وعجمي مقرف ومدرع، قال الشاعر في المقرف: وما هند إلا مهرة عربية

  • سليلة أفراس تجللها بغل فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى
  • وإن يك أقرافا فما أنجب الفحل وقال في المدرع: إن المدرع لا تغنى خؤولته
  • كالبغل يعجز عن شوط المحاضير ويعتبر بالاقرب فالاقرب، فإن لم يكن في أخواتها مثلها صعد إلى بنات أخيها ثم إلى عماتها ثم إلى بنات عمها، فإن لم يكن نساء عصباتها في بلدها متفرقة، ومهور ذلك البلد تختلف اعتبرت بنساء عصباتها من أهل بلدها لانها أقرب اليهن فإن لم يكن لها عصبات أو كان لها نساء عصبة ولم يوجد فيهن مثلها اعتبرت بأقرب النساء إليها من ذوى أرحامها كأمهاتها، وخالاتها، فان لم يكن لها من يشبهها منهن اعتبرت بنساء بلدها، ثم بنساء أقرب بلد إلى بلدها.
    (فرع) فان كان من عادتهم إذا زوجوا من عشيرتهم خففوا المهر، وإذا

زوجوا من الاجانب نقلوا المهر حمل الامر على ذلك فإن كان زوجها من عشيرتها خفف المهر.
وإن كان الاجانب نقل، لان المهر يختلف بذلك.
قال ابن الصباغ: وينبغى على هذا إذا كان الزوج شريفا والعادة أن يخفف مهر الشريف لشرف الزوج أن يعتبر ذلك.
(فرع) ويجب مهر المثل حالا من نقد البلد.
وقال الصيمري: إن جرت عادتهم في ناحية بالثياب وغير ذلك قضى لها بذلك، والمنصوص هو الاول لانه بذل متلف فأشبه سائر المتلفات.
قال أبو على الطبري: وإن كان عادة نساء عصباتها التأجيل في المهر فإنه لا يجب لها المهر المؤجل بل يجب حالا: وينقص منه لاجل التأجيل، لان القيم لا تكون مؤجلة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإذا أعسر الرجل بالمهر ففيه طريقان، من أصحابنا من قال: إن كان قبل الدخول ثبت لها الخيار في فسخ النكاح، لانه معاوضة يلحقه الفسخ، فجاز فسخه بالافلاس بالعوض كالبيع، وان كان بعد الدخول لم يجز الفسخ لان البضع صار كالمستهلك بالوطئ، فلم تفسخ بالافلاس كالبيع بعد هلاك السلعة.
ومن أصحابنا من قال: إن كان قبل الدخول ثبت الفسخ، وإن كان بعد الدخول ففيه قولان (أحدهما) لا يثبت لها الفسخ لما ذكرناه (والثانى) يثبت لها الفسخ وهو الصحيح، لان البضع لا يتلف بوطئ واحد فجاز الفسخ والرجوع إليه، ولا يجوز الفسخ الا بالحاكم، لانه مختلف فيه فافتقر إلى الحاكم، كفسخ النكاح بالعيب.

(فصل) إذا زوج الرجل إبنه الصغير وهو معسر ففيه قولان، قال في القديم يجب المهر على الاب لانه لما زوجه مع العلم بوجوب المهر والاعسار كان ذلك رضا بالتزامه.
وقال في الجديد يجب على الابن وهو الصحيح، لان البضع له فكان المهر عليه.

(فصل) وان تزوج العبد بإذن المولى فإن كان مكتسبا وجب المهر والنفقة.

في كسبه لانه لا يمكن إيجاب ذلك على المولى لانه لم يضمن، ولا في رقبة العبد لانه وجب برضا من له الحق، ولا يمكن إيجابه في ذمته لانه في مقابلة الاستمتاع فلا يجوز تأخيره عنه، فلم يبق إلا الكسب فتعلق به ولا يتعلق إلا بالكسب الحادث بعد العقد، فان كان المهر مؤجلا تعلق بالكسب الحادث بعد حلوله، لان ما كسبه قبله للمولى، ويلزم المولى تمكينه من الكسب بالنهار ومن الاستمتاع بالليل، لان إذنه في النكاح يقتضى ذلك، فإن لم يكن مكتسبا وكان مأذونا له في التجارة فقد قال في الام: يتعق بما في يده، فمن أصحابنا من حمله على ظاهره، لانه دين لزمه بعقد أذن فيه المولى فقضى مما في يده كدين التجارة.
ومن أصحابنا من قال: يتعلق بما يحصل من فضل المال، لان ما في يده للمولى فلا يتعلق به كما لا يتعلق بما في يده من الكسب، وإنما يتعلق بما يحدث وحمل كلام الشافعي رحمه الله على ذلك، وإن لم يكن مكتسبا ولا مأذونا له في التجارة ففيه قولان.

(أحدهما) يتعلق المهر والنفقة بذمته يتبع به إذا أعتق، لانه دين لزمه برضا من له الحق فتعلق بذمته كدين القرض، فعلى هذا للمرأة أن تفسخ إذا أرادت (والثانى) يجب في ذمة السيد لانه لما أذن له في النكاح مع العلم بالحال صار ضامنا للمهر والنفقة، وإن تزوج بغير إذن المولى ووطئ فقد قال في الجديد يجب في ذمته يتبع به إذا أعتق، لانه حق وجب برضا من له الحق فتعلق بذمته كدين القرض.
وقال في القديم: يتعلق برقبته لان الوطئ كالجناية، وان أذن له في النكاح فنكح نكاحا فاسدا ووطئ ففيه قولان.

(أحدهما) أن الاذن يتضمن الصحيح والفاسد، لان الفاسد كالصحيح في المهر والعدة والنسب، فعلى هذا حكمه حكم الصحيح وقد بيناه (والثانى) وهو الصحيح أنه لا يتضمن الفاسد لان الاذن يقتضى عقدا يملك به، فعلى هذا حكمه حكم ما لو تزوج بغير إذنه وقد بيناه (الشرح) إذا أعسر الرجل بالصداق فهل يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؟ فيه ثلاثة طرق حكاها ابن الصباغ، من أصحابنا من قال: إن كان بعد الدخول لم يثبت لها الخيار قولا واحدا، وان كان قبل الدخول ففيه قولان، أحدهما يثبت

لها الخيار لانه تعذر عليها تسليم العوض والمعوض باق بحاله فكان لها الرجوع إلى المعوض كما لو أفلس المشترى بالثمن والمبيع باق بحاله.
والثانى: لا يثبت لها الخيار، لان تأخير المهر ليس فيه ضرر متحقق فهو بمنزلة نفقة الخادم إذا أعسر بها الزوج.
ومنهم من قال: ان كان قبل الدخول ثبت لها الخيار قولا واحدا.
وان كان بعد الدخول ففيه قولان (أحدهما) لا يثبت لها الخيار قولا واحدا.
وإن كان بعد الدخول ففيه قولان (أحدهما) لا يثبت لها الخيار لان المعقود عليه قد تلف فهو كما لو أتلف المبيع في يد المشترى ثم أفلس (والثانى) لا يثبت لها الخيار وهو اختيار الشيخ أبى إسحاق، لان المرأة يجب عليها التمكين من الوطئ وجميعه في مقابلة الصداق، وإنما سلمت بعضه فكان لها الفسخ في الباقي فهو كما لو وجد البائع بعض المبيع في يد المفلس.
ومنهم من قال: ان كان قبل الدخول ثبت لها الخيار قولا واحدا، وان كان بعده لم يثبت لها الخيار قولا واحدا.
لان قبل الدخول لم يتلف البضع، وبعد الدخول قد تلف البضع، لان المسمى يستقر بالوطئ الاول كما يستقر الثمن بتسليم جميع المبيع، وباقى الوطئات تبع للاولة، فإذا تزوجت امرأة رجلا مع العلم بإعساره بالمهر، وقلنا لها الخيار إذا لم تعلم به فهل يثبت لها الخيار ههنا؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.

(أحدهما) لا يثبت لها الخيار لانها رضيت بتأخيره بخلاف النفقة فان النفقة لا تجب العقد ولانه قد يتمكن المعسر من النفقة بالكسب والاجتهاد بخلاف الصداق (والثانى) يثبت لها الخيار لانه يجوز أن يقدر عليه بعد العقد، فلا يكون باعساره رضا بتأخير الصداق كالنفقة، وإذا أعسر بالصداق فرضيت بالمقام معه لم يكن لها الخيار بعد ذلك، لان حق الصداق لم ينجدد بخلاف النفقة.
هذا ترتيب البغداديين.
وقال المسعودي إذا رضيت باعساره بالمهر ثم رجعت، فان كان قبل الدخول، كان لها الامتناع، وان كان بعد الدخول لم يكن لها الامتناع، وان رضيت بالمقام معه بعدما أعسر بالصداق سقط حقها من الفسخ ولا يلزمها أن تسلم نفسها بل لها أن تمتنع حتى يسلم صداقها، لان رضاها انما يؤثر في إسقاط الفسخ دون الامتناع، ولا يصح الفسخ للاعسار بالصداق إلا باذن الحاكم لانه مجتهد فيه كفسخ النكاح بالعيب.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب اختلاف الزوجين في الصداق

إذا اختلف الزوجان في قدر المهر أو في أجله تحالفا، لانه عقد معاوضة فجاز أن يثبت التخالف في قدر عوضه وأجله كالبيع، وإذا تحالفا لم ينفسخ النكاح، لان التحالف يوجب الجهل بالعوض، والنكاح لا يبطل بجهالة العوض، ويجب مهر المثل، لان المسمى سقط وتعذر الرجوع إلى المعوض فوجب بدله، كما لو تحالفا في الثمن بعد هلاك المبيع في يد المشترى.
وقال أبو على بن خيران: إن زاد مهر المثل على ما تدعيه المرأة لم تجب الزيادة لانها لا تدعيها، وقد بينا فساد قوله في البيع، وإن ماتا أو أحدهما قام الوارث مقام الميت لما ذكرناه في البيع، فإن اختلف الزوج وولى الصغيرة في قدر المهر ففيه وجهان.

(أحدهما) يحلف الزوج ويوقف يمين المنكوحة إلى أن تبلغ ولا يحلف الولى، لان الانسان لا يحلف لاثبات الحق لغيره.

(والثانى) أنه يحلف وهو الصحيح لانه باشر بالعقد فحلف كالوكيل في البيع، فإن بلغت المنكوحة قبل التحالف لم يحلف الولى، لانه لا يقبل إقراره عليها فلم يحلف، وهذا فيه نظر، لان الوكيل يحلف وإن لم يقبل إقراره وإن ادعت المرأة أنها تزوجت به يوم السبت بعشرين ويوم الاحد بثلاثين، وأنكر الزوج أحد العقدين، وأقامت المرأة البينة على العقدين وادعت المهرين قضى لها، لانه يجوز أن يكون تزوجها يوم السبت ثم خالعها، ثم تزوجها يوم الاحد، فلزمه المهران.
(الشرح) إذا اختلف الزوجان في قدر المهر بأن قال تزوجتك بمائة فقالت بل بمائتين أو في جنسه بأن قال تزوجتك على دراهم فقالت بل على دنانير، أو في عينه بأن قال: تزوجتك بهذه السيارة فقالت بل بهذه العمارة، أو في أجله بأن قال تزوجتك بمهر مؤجل فقالت بل بمهر حال ولا بينة لاحدهما تحالفا، وسواء كان اختلافهما قبل الدخول أو بعده، وبه قال الثوري

وقال مالك: إن كان الاختلاف قبل الدخول تحالفا وفسخ النكاح، وان كان بعد الدخول فالقول قول الزوج.
وقال النخعي وابن شبرمة وابن أبى ليلى وأبو يوسف: القول قول الزوج بكل حال، إلا أن أبا يوسف قال الا أن يدعى الزوح مهرا مستنكرا لا يزوح بمثله في العادة، فلا يقبل.
وقال أبو حنيفة ومحمد ان اختلفا بعد الطلاق فالقول قول الزوج، وان كان اختلافهما قبل الطلاق فالقول قول الزوجه الا أن تدعى أكثر من مهر مثلها.
فيكون القول قولها في قدر مهر مثلها، وفى الزيادة القول قول الزوج مع يمينه.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وكل واحد من الزوجين مدعى عليه فكان عليه اليمين كالذى أجمع عليه كل مخالف فيها إذا ثبت هذا فالكلام في البادئ منهما وفى صورة التحالف بالبيع، وإذا تحالفا لم ينفسخ النكاح.
وقال مالك: ينفسخ.
دليلنا: أن أكثر ما فيه أن المهر يصير مجهولا، والجهل بالمهر لا يفسد النكاح عندنا، وقد مضى الدليل عليه، ويسقط المسمى لان كل واحد منهما قد حقق بيمينه ما حلف عليه، وليس أحدهما بأولى من الآخر فسقطا وهل يسقط ظاهرا وباطنا؟ أو يسقط في الظاهر دون الباطن، على الاوجه الثلاثة في البيع وهل ينفسخ بنفس التحالف أو بالفسخ، على ما مضى في البيع، وترجع المرأة إلى مهر مثلها سواء كان ذلك أكثر مما تدعيه أو أقل.
وقال أبو على بن خيران: ان كان مهر المثل أكثر مما تدعيه لم تستحق الزيادة وقال ابن الصباغ: ينبغى أن يقال: إذا قلنا.
ينفسخ في الظاهر دون الباطن لا تستحق الا أقل الامرين من مهر المثل أو ما تدعيه، والمشهور هو الاول، ولان بالتحالف سقط اعتبار المسمى فصار الاعتبار بمهر المثل، ويبطل ما قالاه بما لو كان مهر المثل أقل مما اعترف الزوح أنه تزوجها به، فانها لا تستحق أكثر من مهر مثلها، ولا يلزم الزوج ما اعترف به من الزيادة.
(مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه: وهكذا الزوجة وأبو الصبية، وجملة ذلك أن الاب والجد إذا زوج الصغيرة أو المجنونة، واختلف الاب والجد في قدر

المهر والزوج، فهل يتحالفان؟ اختلف أصحابنا فمنهم من قال: يحلف الزوج وتوقف يمين الزوجه إلى أن تبلغ أو تفيق، ولا يحلف الولى لان النيات لا تدخل في اليمين، وحمل النص على أنه أراد به العطف على قوله، وبدأت بيمين الزوج مع الكبيرة ثم مع أبى الصغيرة، وذهب أبو العباس وأبو إسحاق وأكثر أصحابنا إلى أن الاب والجد يحلفان مع الزوج على ظاهر قول الشافعي رحمه الله وهو الصحيح، لانه عاقد فحلف كما لو وكل رجل ببيع سلعة فاختلف هو والمشترى فانه يحلف، إذا ثبت هذا فإن التحالف بينهما إنما يتصور بشرطين.

(أحدهما) إذا ادعى الاب والجد أنه زوجها بأكثر من مهر المثل، وادعى الزوج أنه انما تزوجها بمهر المثل، فأما إذا اختلفا في مهر المثل أو أقل منه فلا تحالف بينهما لانها إذا زوجها بأقل من مهر المثل ثبت لها مهر المثل.

(والثانى) إذا كانت المنكوحة عند الاختلاف صغيرة أو مجنونة، فأما إذا بلغت أو أفاقت قبل التحالف فان عامة أصحابنا قالوا: لا يحلف الولى لانه لو أقر عنها بما يدعى الزوج لم يقبل في هذه الحاله بخلاف ما قبل البلوغ والافاقة، فانه لو أقر بما يدعى الزوج من مهر المثل قبل اقراره، وقال القاضى أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق: يقبل حلف الولى، لان الوكيل يحلف وان لم يقبل اقراره فكذلك الولى ههنا.
(فرع) إذا ادعت المرأة أنه عقد عليها النكاح يوم الخميس بعشرين ثم عقد عليها يوم الجمعه بثلاثين وأقامت على ذلك بينة وطلبت المهرين.
قال الشافعي رضى الله عنه: فهما لها، لانه يجوز أن يكون تزوجها يوم الخميس بعشرين ثم خالعها بعد الدخول ثم تزوجها وطلقها قبل الدخول ثم تزوجها فيلزمه المهران، فان قال الزوج: انما عقدت يوم الجمعة تكرارا وتأكيدا فالقول قولها مع يمينها لان الظاهر لزومها.
قال المزني: للزوج أن يقول: كان الفراق قبل النكاح الثاني قبل الدخول، فلا يلزمه الا نصف الاول وجميع الثاني، لان القول قوله أنه لم يدخل في الاول قال أصحابنا: انما قصد الشافعي رحمه الله أن المهرين واجبان، فان ادعى سقوط نصف الاول بالطلاق قبل الدخول كان القول قوله، لان الاصل عدم الدخول

قال أصحابنا: وهكذا لو أقام بينة أنه باع من رجل هذا الثوب يوم الخميس بعشرة وأنه باعه يوم الجمعة بعشرين لزمه الثمنان لجواز أن يرحع إليه بعد البيع الاول أو هبته.
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وان اختلفا في قبض المهر فادعاه الزوج وأنكرت المرأة فالقول قولها، لان الاصل عدم القبض وبقاء المهر، وان كان الصداق تعليم سورة فادعى الزوج أنه علمها، وأنكرت المرأة فان كانت لا تحفظ السورة فالقول قولها لان الاصل عدم التعليم، وان كانت تحفظها ففيه وجهان.

(أحدهما) أن القول قولها، لان الاصل أنه لم يعلمها.

(والثانى) أن القول قوله، لان الظاهر أنه يعلمها لم غيره وان دفع إليها شيئا وادعى أنه دفعه عن الصداق وادعت المرأة أنه هدية، فان اتفقا على أنه لم يتلفظ بشئ، فالقول قوله من غير يمين لان الهدية لا تصح بغير قول، وان اختلفا في اللفظ فادعى الزوج أنه قال هذا عن صداقك، وادعت المرأة أنه قال: هو هدية فالقول قول الزوج، لان الملك له، فإذا اختلفا في انتقاله كان القول في الانتقال قوله كما لو دفع إلى رجل ثوبا فادعى أنه باعه، وادعى القابض أنه وهبه له.

(فصل) وان اختلفا في الوطئ فادعته المرأة وأنكر الزوج فالقول قوله، لان الاصل عدم الوطئ فان أتت بولد يلحقه نسبه ففى المهر قولان (أحدهما) يجب لان الحاق النسب يقتضى وجود الوطئ (والثانى) لا يجب لان الولد يلحق بالامكان والمهر لا يجب إلا بالوطئ والاصل عدم الوطئ.

(فصل) وإن أسلم الزوجان قبل الدخول فادعت المرأة أنه سبقها بالاسلام فعليه نصف المهر وادعى الزوج أنها سبقته فلا مهر لها فالقول قول المرأة لان الاصل بقاء المهر، وإن اتفقا على أنه أحدهما سبق ولا يعلم عين السابق منهما، فإن كان المهر في يد الزوج لم يجز للمرأة أن تأخذ منه شيئا لانها تشك في الاستحقاق وإن كان في يد الزوجة رجع الزوج بنصفه لانه يتيقن استحقاقه ولا يأخذ من النصف الآخر شيئا، لانه شك في استحقاقه.

(الشرح) إذا ادعى الزوج أنه دفع الصداق إلى زوجته وأنكرت ولا بينة له فالقول قول الزوجة مع يمينها، وبه قال الشعبى وسعيد بن جبير وأهل الكوفة وابن شبرمة وابن أبى ليلى وأبو حنيفة وأصحابه، وقال مالك والاوزاعي: ان كان الاختلاف قبل الدخول فالقول قول الزوجة، وان كان بعد الدخول فالقول قول الزوج، وقال الفقهاء السبعة من أهل المدينة ان كان الاختلاف قبل الزفاف فالقول قولها، وان كان بعد الزفاف فالقول قوله، دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم البينه على المدعى واليمين على المدعى عليه، والمرأة مدعى عليها في جميع الحالات فكان القول قولها.
(فرع) وان أصدقها تعليم سورة وادعى أنه قد علمها اياها وأنكرت، فإن كانت لا تحفظها فالقول قولها مع يمينها، لان الاصل عدم التعليم، وان كانت تحفظها ففيه وجهان، أحدهما: القول قولها لما ذكرناه، والثانى: القول قوله، لان الظاهر أنه قد علمها.
(فرع) وان أصدقها ألف درهم فدفع إليها ألف درهم فقال دفعتها عن الصداق وقالت.
بل دفعتها هدية أو هبة، فإن اتفقا أنه لم يتلفظ بشئ فالقول قوله من غير يمين، لان الهدية والهبة لا تصح بغير قول، وان اختلفا في قوله فقال قلت هذا عن الصداق، وقالت بل قلت، هذا هدية فالقول قوله لانه أعلم بقوله قال الشافعي ولو تصادقا أن الصداق ألف فدفع إليها ألفين فقال، ألف صداق، وألف وديعة، وقالت ألف صداق وألف هدية فالقول قوله مع يمينه، وله عندها ألف وديعة، وإذا أقرت أن قبضت منه شيئا فقد أقرت بمال له وادعت ملكه فالقول قوله في ماله.
(مسألة) وان ادعت المرأة أنه خلا بها وأصابها أو أصابها من غير خلوة فأنكر الزوج فالقول قوله مع يمينه لان الاصل عدم الخلوة والاصابة وان صادقها على الخلوة والتمكن فيها من الاصابة وأنكر الاصابة فان قلنا انها ليست كالاصابة، فهل القول قوله أو قولها؟ فيه قولان، قال في القديم القول قولها لان الظاهر معها، وقال في الجديد القول قوله وهو الاصح، لان الاصل عدم الاصابة وما بقى من الفصول فهى ماضية على وجهها.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان أصدقها عينا ثم طلقها قبل الدخول، وقد حدث بالصداق عيب فقال الزوج: حدث بعد ما عاد إلى فعليك أرشه، وقالت المرأة: بل حدث قبل عوده اليك فلا يلزمنى أرشه فالقول قول المرأة، لان الزوج يدعى وقوع الطلاق قبل النقص والاصل عدم الطلاق والمرأة تدعى حدوث النقص قبل الطلاق والاصل عدم النقص فتقابل الامران فسقطا والاصل براءة ذمتها.

(فصل) وإذا وطئ امرأة بشبهة أو في نكاح فاسد لزمه المهر لِحَدِيثِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) فان مسها فلها المهر بما استحل من فرجها، فان أكرهما على الزنا وجب عليه المهر لانه وطئ سقط فيه الحد عن الموطوءة بشبهة، والواطئ من أهل الضمان في حقها، فوجب عليه المهر كما لو وطئها في نكاح فاسد فان طاوعته على الزنا نظرت فان كانت حرة لم يجب لها المهر، لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ البغى وحلوان الكاهن) وان كانت أمة لم يجب لها المهر على المنصوص للخبر، ومن أصحابنا من قال: يجب لان المهر حق للسيد فلم يسقط باذنها كأرش الجناية.

(فصل) وان وطئ امرأة وادعت المرأة أنه استكرهها وادعى الواطئ أنها طاوعته ففيه قولان.
أحدهما: القول قول الواطئ لان الاصل براءة ذمته.
والثانى: القول قول الموطوءة، لان الواطئ متلف ويشبه أن يكون القولان مثبتين على القولين في اختلاف رب الدابة وراكبها ورب الارض وزارعها.

(فصل) وان وطئ المرتهن الجارية المرهونة باذن الراهن وهو جاهل بالتحريم ففيه قولان.

(أحدهما) لا يجب المهر لان البضع للسيد وقد أذن له في اتلافه فسقط بدله

كما لو أذن له في قطع عضو منها (والثانى) يجب لانه وطئ سقط عنه الحد للشبهة فوجب عليه المهر كما لو وطئ في نكاح فاسد، فإن أتت منه بولد ففيه طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ كالمهر لانه متولد من مأذون فيه، فإذا كان في بدل المأذون فيه قولان كذلك وجب أن يكون في بدل ما تولد منه قولان.
وقال أبو إسحاق تجب قيمة الولد يوم سقط قولا واحدا لانها تجب بالاحبال ولم يوجد الاذن في الاحبال، والطريق الاول أظهر لانه وإن لم يأذن في الاحبال الا أنه اذن في سببه.
(الشرح) حديث عائشة رواه أبو داود والسجستاني وأبو داود الطيالسي وابن ماجه والدارقطني والترمذي، وكذلك رواه الشافعي ومن طريق سليمان ابن موسى عن الزهري عن عروة عنها، وقد مضى الكلام على طرقه في ولاية النكاح.
أما حديث أبى مسعود البدرى وهو عقبة بن عمرو رضى الله عنه فقد أخرجه أصحاب الكتب الستة وأحمد والدارقطني، وقد ذكره في البيوع وغيرها من المجموع.
وأولى بالكلام من هذه الفصول أنه إذا أصدقها عينا وقبضتها ثم طلقها قبل الدخول ووجد في العين نقص فقد ذكرنا أن هذا النقص لا يلزمها أرشه، وان حدث بعد الطلاق فعليها أرشه، فاختلف الزوجان في وقت حدوثه، فقال الزوج حدث في يدك بعد عود النصف إلى إما بالطلاق على المنصوص أو بالطلاق واختيار التملك على قول ابى اسحاق، وقالت الزوجة بل حدث قبل ذلك فالقول قول الزوجة مع يمينها، لان الزوج يدعى وقوع الطلاق قبل حدوث القبض وهى تنكر ذلك، والاصل عدم الطلاق، والزوجة تدعى حدوث النقص قبل الطلاق والاصل عدم حدوث النقص، فتعارض هذان الاصلان وسقطا، وبقى أصل براءة ذمتها من الضمان، فكذلك كان القول قولها وبالله التوفيق.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب المتعة

إذا طلقت المرأة لم يخل إما أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول نظرت، فإن لم يفرض لها مهر وجب لها المتعة لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن) ولانه لحقها بالنكاح ابتذال، وقلت الرغبة فيها بالطلاق، فوجب لها المتعة، وإن فرض لها المهر لم تجب لها المتعة، لانه لما أوجب بالايه لمن لم يفرض لها دل على أنه لا يجب لمن فرض لها، ولانه حصل لها في مقابلة الابتذال نصف المسمى، فقام ذلك مقام المتعة.
وإن كان بعد الدخول ففيه قولان، قال في القديم: لا تجب لها المتعة، لانها مطلقة من نكاح لم يخل من عوض، فلم تجب لها المتعة كالمسمى لها قبل الدخول.
وقال في الجديد: تجب لقوله تعالى (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) وكان ذلك في نساء دخل بهن، ولان ما حصل من المهر لها بدل عن الوطئ، وبقى الابتذال بغير بدل، فوجب لها المتعة كالمفوضة قبل الدخول، وإن وقعت الفرقة بغير الطلاق نظرت فإن كانت بالموت لم تجب لها المتعة لان النكاح قد تم بالموت وبلغ منتهاه فلم تجب لها متعة.
وإن كانت بسبب من جهة أجنبي كالرضاع فحكمه حكم الطلاق في الاقسام الثلاثة، لانها بمنزلة الطلاق في تنصيف المهر فكانت كالطلاق في المتعة.
وإن كانت بسبب من جهة الزوج كالاسلام والردة واللعان فحكمه حكمم الطلاق في الاقسام الثلاثه، لانها فرقة حصلت من جهته فأشبهت الطلاق، وإن كانت بسبب من جهة الزوجة كالاسلام والردة والرضاع والفسخ بالاعسار والعيب بالزوجين جميعا لم تجب لها المتعة، لان المتعة وجبت لها لما يلحقها من الابتذال بالعقد وقلة الرغبة فيها بالطلاق، وقد حصل ذلك بسبب من جهتها فلم تجب.
وإن كانت بسبب منهما نظرت فإن كانت بخلع أو جعل الطلاق إليها فطلقت

كان حكمها حكم المطلقة في الاقسام الثلاثة، لان المغلب فيها جهة الزوج، لانه يمكنه أن يخالعها مع غيرها ويجعل الطلاق إلى غيرها فجعل كالمنفرد به.
وان كانت الزوجة أمة فاشتراها الزوج فقد قال في موضع لا متعة لها، وقال في موضع لها المتعة، فمن أصحابنا من قال هي على قولين.

(أحدهما) لا متعة لها لان المغلب جهة السيد، لانه يمكنه أن يبيعها من غيره فكان حكمه في سقوط المتعة حكم الزوج في الخلع في وجوب المتعة، ولانه يملك بيعها من غير الزوج فصار اختياره للزوج اختيارا للفرقه.

(والثانى) أن لها المتعة لانه لا مزية لاحدهما على الآخر في العقد، فسقط حكمها كما لو وقعت الفرقه من جهة أجنبي.
وقال أبو إسحاق: ان كان مولاها طلب البيع لم تجب لانه هو الذى اختار الفرقه.
وإن كان الزوج طلب وجبت، لانه هو الذى اختار الفرقه، وحمل القولين على هذين الحالين.
(الشرح) المناع في اللغة كل ما ينتفع به كالطعام والثياب وأثاث البيت، وأصل المتاع ما يتبلغ به من الزاد، وهو اسم من متعته بالتثقبل ادا أعطيته، والجمع أمتعة، ومتعة الطلاق من ذلك، ومتعت المطلقة بكذا إذا أعطيتها إياه لانها تنتفع به وتتمتع به.
قال الشافعي رضى الله عنه: لا متعة للمطلقات الا لواحدة، وهى التى تزوجها وسمى لها مهرا.
أو تزوجها مفوضة وفرض لها المهر ثم طلقها قبل الدخول فلا متعة لها.
وجملة ذلك أن المطلقات ثلاث.
مطلقه لها المتعة قولا واحدا.
ومطلقه لا متعة لها قولا واحدا.
ومطلقه هل لها متعه.
على قولين.
فأما التى لها المتعة قولا واحدا فهى التى تزوجها مفوضه ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل الفرض والمسيس لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن) ولانه قد لحقها بالعقد والطلاق قبل الدخول ابتذال فكان لها المتعة بدلا عن الابتذال.
وأما التى لا متعة لها قولا واحدا فهى التى تزوجها وسمى لها مهرا في العقد

أو تزوجها مفوضه وفرض لها مهرا ثم طلقها قبل الدخول، لان الله تعالى علق وجوب المتعة بشرطين.
وهو أن يكون الطلاق قبل الفرض والمسيس، وههنا أحد الشرطين غير موجود، وقد جعلنا لها المتعة لكيلا يعرى العقد من بدل.
وههنا قد جعل لها نصف المهر.
وأما المطلقة التى في المتعة لها قولان، فهى التى تزوجها وسمى لها مهرا في العقد ودخل بها أو تزوجها مفوضة وفرض لها مهرا ودخل بها أو لم يفرض لها مهرا أو دخل بها، ففى هذه الثلاث قولان.
قال في القديم: لا متعة لها.
وبه قال أبو حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن) فعلق المتعة بشرطين، وهو أن يكون الطلاق قبل الفرض وقبل المسيس، ولم يوجد الشرطان ههنا.
وقوله تعالى (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن) فجعل لهن المتعة قبل المسيس وقد وجد المسيس ههنا، ولانها مطلقة لم يخل نكاحها عن بدل فلم يكن لها المتعة، كما لو سمى لها مهرا ثم طلقها قبل الدخول.
وقال في الجديد: لها المتعة، وبه قال عمر وعلى والحسن بن على وابن عمر ولا مخالف لهم في الصحابة.
قال المحاملى وهو الاصح لقوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف) فجعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة، إلا ما خصه الدليل، ولقوله تعالى (يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن) وهذا في نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتى دخل بهن وقد كان سمى لهن المهر بدليل حديث عائشة رضى الله عنها: كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم اثنى عشر أوقيه ونشا ولان المتعة إنما جعلت لما لحقها من الابتذال بالعقد والطلاق، والمهر في مقابلة الوطئ، والابتذال موجود فكان لها المتعة.
إذا ثبت هذا فإن المتعة واجبة عندنا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقال مالك رضى عنه: هي مستحبه غير واجبه.
دليلنا قوله تعالى (ومتعوهن) وهذا أمر، والامر يقتضى الوجوب.
وقوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين) و (حقا) يدل على الوجوب.
(مسألة أخرى) كل موضع قلنا تجب المتعة لا فرق بين أن يكون الزوجان حرين أو مملوكين، أو أحدهما حرا والآخر مملوكا.
وخالف الاوزاعي فجعلهما لحرين دليلنا قوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف) الآية.
وهذا عام لا تفرقة فيه.
(فرع) إذا وقعت الفرقه بغير طلاق في الموضع الذى تجب فيه المتعة نظرت فإن كان بالموت لم تجب المتعة، لان النكاح قد بلغ منتهاه ولم يلحقها بذلك ابتذال وان وقعت بغير الموت نظرت، فإن كان بسبب من جهة أجنبي فهى كالطلاق لانها كالطلاق في تنصيف المهر قبل الدخول فكذلك في المتعة، وان كان من جهة الزوج كالاسلام قبل الدخول والردة واللعان فحكمه حكم الطلاق.
قال القاضى أبو الطيب وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن معه واختار أربعا منهن وجب للباقى المتعة.
وإن كانت الفرقه من جهتها كالاسلام والردة وإرضاعه أو الفسخ للاعسار بالمهر والنفقه أو فسخ أحدهما النكاح لعيب فلا متعة لها، لان الفرقة جاءت من جهتها ولهذا إذا وقع ذلك قبل الدخول سقط جميع المهر.
وان كان بسبب منهما، فان كان بالخلع، فهو كالطلاق، هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي (لا متعة لها) وإن كان رده منهما في حالة واحدة ففيه وجهان مضى بيانهما في الصداق.
(فرع) روى المزني أن الشافعي رحمه الله قال (وأما امرأة العنين فلو شاءت أقامت معه ولها المتعة عندي) قال المزني هذا غلط عندي، وقياس قوله لا متعه لان الفرقة من قبلها.
قال أصحابنا (اعتراض المزني صحيح، إلا أنه أخطأ في النقل) وقد ذكرها الشافعي في الام، وقال ليس لها المتعة، لانها لو شاءت أقامت معه، وإنما أسقط المزني (ليس)

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) والمستحب أن تكون المتعة خادما أو مقنعة أو ثلاثين درهما، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنه قال (يستحب أن يمتعها بخادم) ، فإن لم يفعل فبثياب.
وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه قال (يمتعها بثلاثين درهما) وروى عنه قال (يمتعها بجارية) وفى الوجوب وجهان (أحدهما) ما يقع عليه اسم المال (والثانى) وهو المذهب أنه يقدرها الحاكم لقوله تعالى (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المفتر قدره) وهل يعتبر بالزوج أو بالزوجة، فيه وجهان (أحدهما) يعتبر بحال الزوج للآيه (والثانى) يعتبر بحالها لانه بدل عن المهر فاعتبر بها.
(الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه (ولا وقت فيها وأستحسن تقدير ثلاثين درهما.
وجملة ذلك أن الكلام في القدر المستحب في المتعة وفى القدر الواجب.
فأما المستحب فقد قال في القديم (يمتعها بقدر ثلاثين درهما) وقال في المختصر استحسن قدر ثلاثين درهما، وقال في بعض كتبه أستحسن أن يمتعها خادما، فإن لم يكن فمقنعة فان لم يكن فثلاثين درهما.
قال بعض أصحابنا أراد المقنعه التى قيمتها أكثر من ثلاثين درهما وأقل المستحب في المتعة ثلاثون درهما لما روى عن ابن عمر أنه قال يمتعها بثلاثين درهما، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس قال متعة الطلاق اعلاها الخادم ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسوة) وأما القدر الذى هو واجب ففيه وجهان: من أصحابنا من قال ما يقع عليه الاسم كما يجرى ذلك في الصداق، والثانى وهو المذهب أنه لا يجرى ما يقع عليه الاسم بل ذلك إلى الحاكم وتقديره باجتهاده لقوله تعالى (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) فلو كان الواجب ما يقع عليه الاسم لما خالف بينهما ويخالف الصداق فان ذلك يثبت بتراضيهما، وهل الاعتبار بحال الزوج أو حال الزوجة؟ فيه وجهان (أحدهما) الاعتبار بحال الزوجه، لان المتعة بدل عن المهر بدليل أنه لو كان هناك مهر لم تجب لها متعة والمهر معتبر بحالها فكذلك المتعة (والثانى) الاعتبار بحال الزوج لقوله تعالى (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) فاعتبر فيه حاله دون حالها.
هذا مذهبنا والله أعلم بالصواب.

قال المصنف رحمه الله تعالى:

باب الوليمة والنثر

الطعام الذى يدعى إليه الناس ستة: الوليمة للعرس، والخرس للولادة، والاعذار للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر، والمأدبة لغير سبب ويستحب ما سوى الوليمة لما فيها من إظهار نعم الله والشكر عليها، واكتساب الاجر والمحبة، ولا تجب، لان الايجاب بالشرع ولم يرد الشرع بإيجابه.
وأما وليمة العرس فقد اختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال: هي واجبة وهو المنصوص لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (تزوج عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: أولم ولو بشاة) ومنهم من قال: هي مستحبة لانه طعام لحادث سرور، فلم تجب كسائر الولائم، ويكره النثر لان التقاطه دناءة وسخف، ولانه يأخذه قوم دون قوم ويأخده من غيره أحب.
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الاربعة والدارقطني ونصه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال ما هذا؟ قال: تزوجت إمرأة على وزن نواة من ذهب قال: بارك الله لك أولم ولو بشاة) ولم يقل أبو داود (بارك الله لك) وقد روى أحمد والشيخان من حديث أنس قال (ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شئ من نسائه ما أولم على زينب.
أولم بشاة) وَعَنْ أَنَسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولم على صفية بتمر وسويق) اخرجه اصحاب السنن إلا النسائي، واخرجه ابن حبان، واخرج البخاري مرسلا عن صفية بنت شيبة (أولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بمدين من شعير) وعن أنس في قصة صفية أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (جَعَلَ وليمتها التمر والاقط والسمن) أخرجه الشيخان، وفى رواية عندهما ومسند أحمد (أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى بصفيه فيدعون المسلمين إلى وليمته ما كان فيها خبز

ولا لحم وما كان فيها إلا أن أمر بالانطاع فبسطت فألقى عليها التمر والاقط والسمن، فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهى إحدى أمهات المؤمنين وإن لم يحجبها فهى مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب.
أما اللغات: فإن الوليمة مشتقة من الولم وهو الجمع، لان الزوجين يجتمعان هكذا قال الازهرى، وقال ابن الاعرابي: اصلها تمام الشئ واجتماعه وتقع على كل طعام يتخذ لسرور وتستعمل في وليمة الاعراس بلا تقييد وفى غيرها مع التقييد فيقال مثلا وليمة مأدبة هكذا قال بعض الفقهاء وحكاه في الفتح عن الشافعي وأصحابه وحكى المصنف وابن عبد البر عن أهل اللغة وهو المنقول عن الخليل وثعلب، وبه جزم الجوهرى وابن الاثير أن الوليمة هي الطعام في العرس خاصة، قال ابن رسلان: وقول أهل اللغة أقوى، لانهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة وأعرف بلسان العرب والخرس وزان قفل طعام يصنع للولادة، والعذر والاعذار لغة فيه يقال عذرت الغلام والجارية من باب ضرب أي ختنته وقد يكون الاعذار خاص بالطعام في الختان وعذرة الجارية بكارتها، والوكيرة مأخوذة من وكر الطائر وهو عشه ووكر الطائر يكر من باب وعد اتخذ وكرا، ووكر صنع الوكيرة والنقيعة طعام يتخذ للقادم من السفر، وقد أطلقت النقيعة على ما يصنع عند الاملاك وهو التزويج.
وقال ابن بطال: النقيعة مأخوذة من النقع وهو النحر يقال نقع الجزور إذا نحرها، ونقع حبيبه شقه قال المرار: نقعن جيوبهن على حيا

  • وأعددن المراثى والعويلا وفى خبر تزويج خديجة بالنبي صلى الله عليه وسلم قال أبو خديجة وقد ذبحوا بقرة عند ذلك، ما هذه النقيعه، وقد جمع الشاعر هذه الاطعمه المذكورة حيث قال.
    كل الطعام تشتهى ربيعه
  • الخرس والاعذار والنقيعه وقال آخر: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم
  • ضرب القدار نقيعة القدام والقدار الجزار والطعام الذى يتخذ يوم سابع الولادة يسمى العقيقة،

ويسمى الطعام الذى يتخذ لسبب ومن غير سبب مأدبة بضم الدال، وبفتحها التأديب، وفى الاثر الجوع مأدبة الله في أرضة، إذا ثبت هذا فقد أخذ بالوجوب المالكيه نقله القرطبى عن مذهبه ثم قال، ومشهور المذهب أنها مندوبه، وروى ابن التين الوجوب عن مذهب أحمد لكن الذى في المغنى أنها سنه، وكذلك حكى الوجوب الرويانى في البحر عن أحد قولى الشافعي وحكاه ابن حزم عن أهل الظاهر، وقال سليم الرازي إنه نص الام.
وحكى المصنف الوجوب عن نص الام، وحكاه في فتح الباري عن بعض الشافعية، وبهذا يظهر ثبوت الخلاف في الوجوب، وقد قال ابن بطال لا أعلم أحدا أو جبها وليس هذا صحيحا، وكذا قال ابن قدامه، ومن جملة أدلة من أوجبها ما أخرجه الطبراني من حديث وحشى بن حرب مرفوعا (الوليمة حق وسنه فمن دعى إليها فلم يجب فقد عصى) وأخرج أحمد من حديث بريدة قال (لما خطب على فاطمة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنه لا بد للعروس من وليمه) قال الحافظ وسنده لا بأس به، وفى صحيح مسلم (شر الطعام طعام الوليمة ثم قال وهو حق) قال في الفتح، وقد اختلف السلف في وقتها هل هو عند العقد أو عقبه، أو عند الدخول أو عقبه، وسيأتى بيان ذلك.
وحكى الشيخ أبو حامد في التعليق في الوليمة قولين وأكثر أصحابنا حكاهما وجهين، أحدهما واجبه لحديث (أولم ولو بشاة) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولم على صفيه بسويق وتمر.
ولانه لما كانت الاجابة إليه واجبه كان فعلها واجبا.
والثانى أنها تستحب ولا تجب لقوله صلى الله عليه وسلم (ليس في المال حق سوى الزكاة) ولانه طعام عند حادث سرور فلم يكن واجبا كسائر الاطعمه وأما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وأما ما ذكره من الاجابة فيبطل بالسلام فانه لا يجب، وإجابته واجبه، وقد حكى الصيمري وجها ثالثا أن الوليمة فرض على الكفايه، فإذا فعلها واحد أو اثنان في الناحية والقبيلة وشاع في الناس وظهر سقط الفرض عن الباقين، وظاهر النص هو الاول، واقل المستحب في الوليمة للمتمكن شاة لحديث (أولم ولو بشاة) فان نقص عن ذلك جاز لوليمة صفيه والسويق والتمر أقل من شاه في العادة.

وأما كراهة النثر فقد عقد في منتقى الاخبار له بابا دعاه (باب حجة من كره النثار والانتهاب منه) وساق حديث زيد بن خالد أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينهى عن النهبة والخلسة، رواه أحمد وأحاديث في معناه عن عبد الله بن يزيد الانصاري وأنس بن مالك وعمران بن الحصين وحاصل ذلك أن النهى عن النهبى يقتضى النهى عن انتهاب النثار، وقد أورد الجوينى والغزالي والقاضى حسين حديثا عَنْ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حضر في إملاك فأتى بأطباق فيها جوز ولوز فنثرت فقبضنا أيدينا فقال: ما لكم لا تأخذون، فقالوا: إنك نهيت عن النهبى فقال: إنما نهيتكم عن نهبى العساكر خذوا على اسم الله فتجاذبناه) ولو صح هذا الحديث لكان مخصصا لعموم النهى ولكنه لم يصح عند المحدثين حتى قال الحافظ ابن حجر: إنه لا يوجد ضعيفا فضلا عن صحيح والجويني وإن كان من أكابر العلماء فليس هو من علماء الحديث وكذلك الغزالي والقاضى حسين، وإنما هم من الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة واطلاع على مؤلفات هؤلاء.
قلت: قد روى هذا الحديث البيهقى من معاذ بإسناد ضعيف منقطع، ورواه الطبراني من حديث عائشة عن معاذ وفيه بشر بن إبراهيم المفلوح، قال ابن عدى هو عندي ممن يضع الحديث وساقه العقيلى من طريقه ثم قال: لا يثبت في الباب شئ وأورده ابن الجوزى في الموضوعات، ورواه أيضا من حديث أنس وفى إسناده خالد بن إسماعيل.
قال ابن عدى: يضع الحديث، وقال غيره: كذاب، وقد روى ابن أبى شيبه في مصنفه عن الحسن والشعبى أنهما لا يريان به بأسا، وأخرج كراهيته عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي وعكرمه، قال في البحر: والنثار بضم النون وكسرها ما ينثر في النكاح أو غيره وهو مباح، إذ مانثره إلا إباحة له، وانما يكره لمنافاته المروءة والوقار.
وقد قال الشافعي في نثر السكر واللوز والجوز لو ترك كان أحب إلى لانه يؤخذ بحبسه ونهبه، ولا يتبين لى أنه حرام.
وجملة ذلك أن نثر السكر واللوز

والجوز والزبيب والدراهم والدنانير وغير ذلك يكره، وروى أن أبا مسعود الانصاري رضى الله عنه كان إذا نثر للصبيان يمنع صبيانه عن التقاطه، وبه قال عطاء وعكرمة وابن سيرين وابن أبى ليلى.
وقال أبو حنيفة والحسن البصري وأبو عبيد وابن المنذر، لا يكره، وقال القاضى أبو القاسم الصيمري: يكره التقاطه، وأما النثر نفسه فمستحب، وقد جرت العادة للسلف به، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زوج عليا رضى الله عنه فاطمة عليها السلام نثر عليهما، والاول هو المشهور، والدليل عليه أن النثار يؤخذ نهبة ويزاحم عليه، وربما أخذه من يكرهه صاحبه، وفى ذلك دناءة وسقوط مروءة، وما ذكره الصيمري غير صحيح لانه لا فائدة في نثاره إذا كان يكره التقاطه، فإن خالف ونثر فالتقط رجل فهل للذى نثره أن يسترجعه، فيه وجهان حكاهما الداركى.

(أحدهما) أن يسترجعه لانه لم يوجد منه لفظ يملك به.

(والثانى) ليس له أن يسترجعه وهو اختيار المسعودي لانه نثر للتملك بحكم العادة.
قال المسعودي لو وقع في حجر رجل كان أحق به، فلو التقطه آخر من حجره أو قام فسقط من حجره فهل يملكه الملتقط، الصحيح أنه لا يملكه، قال الشيخ أبو حامد، وحكى أن أعرابيا تزوج فنثر على رأسه زبيبا فأنشا يقول: ولما رأيت السكر العام قد غلا

  • وأيقنت أنى لا محالة ناكح نثرت على رأسي الزبيب لصحبتي
  • وقلت: كلوا كل الحلاوة صالح قال أبو العباس بن سريج: ولا يكره للمسافرين أن يخلطوا زادهم فيأكلوا، وإن أكل بعضهم أكثر من بعض بخلاف النثار يؤخذ بقتال وازدحام بخلاف الزاد، قال القاضى أبو الطيب الكتب التى يكتبها الناس بعضهم إلى بعض، قال أصحابنا لا يملكها المحمولة إليهم ولكن لهم الانتفاع بها بحكم العادة، لان العادة جرت بإباحة ذلك والله أعلم.
    قال المصنف رحمه الله: (فصل) ومن دعى إلى وليمة وجب عليه الاجابة لما روى ابن عمر (رض)

إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها) ومن أصحابنا من قال هي فرض على الكفاية، لان القصد إظهارها، وذلك يحصل بحضور البعض، وإن دعى مسلم إلى وليمة ذمى ففيه وجهان (أحدهما) تجب الاجابة للخبر (والثانى) لا تجب، لان الاجابة للتواصل، واختلاف الدين يمنع التواصل وإن كانت الوليمة ثلاثة أيام أجاب في اليوم الاول والثانى وتكره الاجابة في اليوم الثالث، لما روى أن سعيد بن المسيب رحمه الله دعى مرتين فأجاب ثم دعى الثالثة فحصب الرسول.
وعن الحسن رحمه الله أنه قال (الدعوة أول يوم حسن، والثانى حسن، والثالث رياء وسمعة) وإن دعاه إثنان ولم يمكنه الجمع بينهما أجاب أسبقهما لحق السبق، فإن استويا في السبق أجاب أقربهما رحما، فإن استويا في الرحم أجاب أقربهما دارا لانه من أبواب البر فكان التقديم فيه على ما ذكرناه كصدقة التطوع فان استويا في ذلك أقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر فقدم بالقرعة.
(الشرح) حديث ابن عمر أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وَلَفْظُهُ (إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها، وكان ابن عمر يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم) وفى رواية (إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها) ورواه أبو داود وزاد (فان كان مفطرا فليطعم، وان كان صائما فليدع) وفى رواية (من دعى فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا) رواه أبو داود.
وفى رواية عند أحمد ومسلم وأبى داود (إذا دعا أحدكم أخاه فليجب) وفى لفظ (من دعى إلى عرس أو نحوه فليجب) وفى لفظ (إذا دعى أحدكم إلى وليمة عرس فليجب) رواهما مسلم وأبو داود.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (إذا دعى أحدكم فليجب، فان كان صائما فليصل وان كان مفطرا فليطعم) رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وفى لفظ (إذا دعى أحدكم إلى الطعام وهو صائم فليقل إنى صائم) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الا النسائي.
وقد أخرج مسلم من حديث

أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ.
قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم (شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) أما الاحكام فهل تجب الاجابة على من دعى إلى وليمة عرس؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يجب عليه الاجابة وبه قال مالك وأحمد، لان الشافعي قال (ولو أن رجلا أتى رجلا وقال: إن فلانا اتخذ دعوة وأمرني أن أدعو من شئت، وقد شئت أن أدعوك لا يلزمه أن يجيب (والثانى) وهو المذهب أنه يلزمه أن يجيب لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (من دعى إلى وليمة ولم يجب فقد عصى أبا القاسم) قال العمرانى وما احتج القائل به من كلام الشافعي رحمه الله فلا حجة فيه، لان صاحب الطعام لم يدعه.
إذا ثبت أن الاجابة واجبة فهل تجب على كل من دعى أو هي فرض على الكفاية؟ فيه وجهان (أحدهما) أنها فرض على الكفاية، فإذا أجابه بعض الناس سقط الفرض عن الباقين، لان القصد أن يعلم ذلك ويظهر وذلك يحصل بإجابة البعض (والثانى) يجب على كل من دعى لعموم قوله صلى الله عليه وسلم (من دعى فلم يجب فقد عصى أبا القاسم.
وكذلك عموم سائر الاخبار وأما إذا ادعى إلى وليمة غير العرص فذكر ابن الصباغ أن الاجابة لا تجب عليه قولا واحدا، لان وليمة العرس أكد.
ولهذا اختلف في وجوبها فوجبت الاجابة إليها وغيرها لا تجب بالاجماع فلم تجب الاجابة إليها.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ وَالْمَحَامِلِيُّ أنها كوليمة العرس في الاجابة إليها وهو الاظهر لحديث (من دعى فلم يجب فقد عصى أبا القاسم) وهذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي إذا دعى لقوى لم تجب الاجابة، وان دعى إلى حفل بأن فتح الباب لكل من يدخل فلا يلزمه، وان خصه بالدعوة مع أهل حرفته فيلزمه، ولو لم يجب فهل يعصى؟ فيه وجهان.
(فرع) إذا دعى إلى وليمة كتابي وقلنا تجب عليه الاجابة إلى وليمة المسلم فهل تجب عليه الاجابة إلى وليمة الكتابى فيه وجهان (أحدهما) تجب عليه الاجابة لعموم الاخبار (والثانى) لا تجب عليه الاجابة لان النفس تعاف

من أكل طعامهم، ولانهم يستحلون الربا، ولان الاجابة إنما جعلت لتنأكد الاخوة والموالاة، وهذا لا يوجد في أهل الذمة (فرع) إذا جاءه الداعي فقال: أمرنى فلان أن أدعوك فأجب لزمه الاجابة وإن قال أمرنى فلان أن أدعو من شئت أو من لقيت فاحضر لم تلزمه الاجابة.
قال الشافعي رحمه الله: بل أستحب له أن يحضر إلا من عذر، والاعذار التى يسقط معها فرض الاجابة أن يكون مريضا أو قيما بمريض أو بميت، وبإطفاء حريق أو يخاف ضياع ماله أو له في طريقه من يؤذيه، لان هذه الاسباب أعذار في حضور الجماعة وفى صلاة الجمعة، ففى هذا أولى.
(فرع) وان كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعى في اليوم الاول وجب عليه الاجابة، وإن كان دعا في اليوم الثاني لم تجب عليه الاجابة ولكن يستحب له أن يجيب، وان دعى في اليوم الثالث لم يستحب له أن يجيب بل يكره له لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الوليمة في اليوم الاول حق، وفى الثاني معروف، وفى اليوم الثالث رياء وسمعه، رواه أحمد وأبو داود عن قتادة عن الحسن عن عبد الله بن عثمان الثقفى عن رجل من ثقيف يقال: ان له معروفا وأثنى عليه، ورواه الترمذي من حديث ابن مسعود وابن ماجه من حديث أبى هريرة.
وروى أن سعيد بن المسيب دعى مرتين فأجاب ودعى في اليوم الثالث فحصب الرسو ل. (فرع) إذا دعاه اثنان إلى وليمتين فان سبق أحدهما قدم إجابته، وان لم يسبق أحدهما أجاب أقربهما إليه دارا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما اليك بابا، فان أقربهما بابا أقربهما جوارا، فان سبق أحدهما فأجب الذى سبق) هكذا ذكر المحاملى وابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو إسحاق أنهما إذا تساويا في السبق أجاب أقربهما رحما، فان استويا في الرحم أجاب أقربهما دارا، وإذا ثبت الخبر فأقربهما دارا أولى، لانه لم يفرق بين أن يكون أقربهما رحما أو أبعد، فإن استويا في ذلك أقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على الآخر قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان دعى إلى موضع فيه دف أجاب، لان الدف يجوز في الوليمة

لما روى محمد حاطب قَالَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (فصل ما بين الحلال والحرام الدف) فان دعى إلى موضع فيه منكر من زمر أو خمر فان قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الاجابة ولازالة المنكر، وان لم يقدر على إزالته لم يحضر لما رُوِيَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يجلس على مائدة تدار فيها الخمر) وروى نافع قال (كنت أسير مع عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فسمع زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول يا نافع أتسمع؟ حتى قلت لا فأخرج أصبعيه عن أذنيه ثم رجع إلى الطريق ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صنع) وان حضر في موضع فيه تماثيل فان كانت كالشجر جلس، وان كانت على صورة حيوان فان كانت على بساط يداس أو مخدة يتكأ عليها جلس.
وان كانت على حائط أو ستر معلق لم يجلس، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أتانى جبريل صلى الله عليه وسلم فقال أتيتك البارحة فلم يمنعنى أن أكون دخلت الا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمره برأس التماثيل، التى كانت في باب البيت يقطع فتصير كهيئة الشجرة، ومرة بالستر فليقطع منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك) ولان ما كان كالشجر فهو كالكتابة والنقوش، وما كان على صورة الحيوان على حائط أو ستر فهو كالصنم، وما يوطأ فليس كالصنم لانه غير معظم.
(الشرح) حديث محمد بن حاطب رواه أصحاب السنن الا أبا داود وقد حسنه الترمذي.
قال ومحمد قَدْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صغير، وأخرجه الحاكم.
وأما حديث النهى عن الجلوس على مائدة الخمر فقد أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر بلفظ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر وأن يأكل وهو منبطح) وأخرجه النسائي والحاكم وهو من رواية جعفر بن برقان عن الزهري ولم يسمع منه، ومن ثم فقد أعله أبو داود والنسائي وأبو حاتم بذلك.
ولكن أحمد والترمذي والحاكم رووا عن جابر مرفوعا (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ

بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر) وأخرجه أيضا الترمذي من طريق ليث بن أبى سليم عن طاوس عن جابر.
وقال الحافظ بن حجر إسناده جيد.
وأخرج نحوه البزار من حديث أبى سعيد والطبراني من حديث ابن عباس وعمران بن حصين.
وأخرج أحمد في مسنده عن عُمَرَ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار.
ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام) ورواه الترمذي بمعناه عن جابر وقال: حسن غريب.
أما حديث أبى هريرة فقد أخرجه أحمدو وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي بلفظ (أتانى جبريل فقال: إنى كنت أتيتك الليلة فلم يمنعنى أن أدخل البيت الذى أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال رجل وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب فمر برأس التمثال الذى في باب البيت يقطع يصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين منتبذتين توطآن، وأمر بالكلب يخرج ففعل رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا الكلب جرو، وكان للحسن والحسين تحت نضد لهم) ويوافق هذا الحديث ما أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبى طلحة الانصاري قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل) وزاد أبو داود والنسائي عن على مرفوعا ((ولا جنب) . أما اللغات: فالدف لعله من دف الطائر يدف، وبابه ضرب حرك جناحيه الطيرانه، أي ضرب دفيه وهما جنباه، فالدف بضم الدال وفتحها الذى يلعب به والجمع دفوف والدف عند العرب على شكل غربال خلا أنه بغير ثقوب وقطره إلى أربعة أشبار.
والزمارة هي آلة الزمر، وزمر زمرا من باب ضرب وزميرا أيضا، ويزمر بالضم لغة حكاها أبو زيد، ورجل زمار، قالوا ولا يقال زامر.
وامرأة زامرة ولا يقال زمارة، والزمارة بالكسر هو صوت النعام، وقد زمر النعام يزمر، والقرام ككتاب، الستر الرقيق، وبعضهم يزيد: وفيه رقم ونقوش والتمثال تفعال من المماثلة وهى المشابهة كالصور المشبهة بالحيوان وغيرها.

أما الاحكام فإنه يجوز ضرب الدف في العرس لحديث: فصل ما بين الحلال والحرام الدف.
وأقل ما يفيده هذا الحديث هو الندب، ويؤيد ذلك ما في حديث المازنى عمرو بن يحيى عن جده أبى الحسن (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يكره نكاح السر حتى يضرب بدف ويقال: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم) رواه ابن ماجه.
قال في الفتح: في رواية شريك: فقال: فهل بعثتم جارية تضرب بالدف وتغنى.
قلت ماذا، قال تقول: أتيناكم أتيناكم

  • فحيانا وحياكم ولولا الذهب الاحمر ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم فإذا دعى إلى وليمة فيها دف أجاب، وان دعى إلى وليمة فيها منكر من خمر أو مزامير فضلا عن الراقصات والمغنيات وما أشبه ذلك، فان علم بذلك قبل الحضور، فان كان قادرا على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الاجابة وإزالة المنكر، وان كان غير قادر على إزالته لم يلزمه الاجابة ولم يستحب له الحضور.
    بل ترك الحضور أولى، فان حضر ولم يشارك في المنكر لم يأثم، وان لم يعلم به حتى حضر فوجده، فان قدر على إزالته وجب عليه الازالة، لانه أمر بمعروف ونهى عن منكر.
    وإن لم يقدر على إزالته فالاولى له أن ينصرف لحديث النهى عن أن يجلس على مائدة تدار عليها الخمر.
    فان لم ينصرف فان قصد إلى سماع المنكر أثم بذلك وان لم يقصد إلى استماعه بل سمعه من غير قصد لم يأثم بذلك لخبر نافع وابن عمر حتى قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صنع: فموضع الدليل أن ابن عمر لم ينكر على نافع سماعه.
    ولان رجلا لو كان له جار في داره منكر ولا يقدر على ازالته فإنه لا يلزمه التحول من داره لاجل المنكر.

فإن دعى إلى موضع فيه تصاوير فإن كان صور ما لا روح فيها كالشمس والقمر والاشجار جلس سواء كانت معلقة أو مبسوطة، لان ذلك يجرى مجرى النقوش، وإن كان صور حيوان فإن كان على بساط أو مخاد توطأ أو يتكأ عليها فلا بأس أن يحضر، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى سترا معلقا في بيت عائشة أم المؤمنين عليه صور حيوان فقال صلى الله عليه وسلم: اقطعيه مخادا، ولانه يبتذل ويهان، وإن كان على ستور معلقة فقد قال عامة أصحابنا: لا يجوز له الدخول إليها لما روى على قال: أحدثت طعاما فدعوت النبي صلى الله عليه وسلم فلما أتى الباب رجع ولم يدخل، وقال: لا أدخل بيتا فيه صور، فإن الملائكه لا تدخل بيتا فيه صور، وقيل إن أصل عبادة الاوثان كانت الصور.
قال في البيان: وذلك أن آدم صلوات الله عليه لما مات جعل في تابوت فكان بنوه يعظمونه: ثم افترقوا فحصل قوم منهم في ذروة جبل وقوم منهم في أسفله وحصل التابوت مع أهل الذروة فلم يقدر من في أسفله على الصعود إليهم فاشتد عليهم ذلك فصوروا مثاله من حجارة وعظموه، فلما طال الزمان ونشا من بعدهم رأوا آباءهم يعظمون تلك الصور فظنوا أنهم كانوا يعبدونها من دون الله فعبدوها وإذا كان هذا هو السبب وجب أن يكون محرما.
وقال ابن الصباغ هذا عندي لا يكون أكثر من المنكر مثل الخمر والملاهي وقد جوزوا له الدخول إلى الموضع التى هي فيه، سواء قدر على إزالتها أو لم يقدر وما رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يدل على التحريم، بل يدل على الكراهة، وما روى عن الملائكه يحتمل أن يكون في ذلك الزمان، لان الاصنام كانت تعظم فيه والتماثيل، وأما الزمان الذى لا يعتقد فيه شئ من ذلك فلا يجرى مجراه.
اه وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ: فإن كانت المنازل مسترة فلا بأس أن يدخلها، ليس فيه شئ أكرهه سوى السرف، لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قال لا نستر الجدر، ولان في ذلك سرفا فكره لمن فعله دون من يدخل إليه.

قال المصنف رحمه الله: (فصل) ومن حضر الطعام فإن كان مفطرا ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه أن يأكل، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل) (والثانى) لا يجب لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك) وان دعى وهو صائم لم تسقط عنه الاجابة للخبر، ولان القصد التكثير والتبرك بحضوره، وذلك يحصل مع الصوم، فإن كان الصوم فرضا لم يفطر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (وان كان صائما فليصل) وان كان تطوعا فالمستحب أن يفطر، لانه يدخل السرور على من دعاه، وان لم يفطر جاز لانه قربة فلم يلزمه تركها، والمستحب لمن فرغ من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام.
لما روى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال (أفطر رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ سعد ابن معاذ رضى الله عنه، فقال: أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكه وأكل طعامكم الابرار) . (الشرح) حديث أبى هريرة رواه أحمد ومسلم وأبو داود بلفظ (إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وان كان مفطرا فليطعم) وقد مضى وحديث جابر أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وقال فيه (وهو صائم) أما حديث افطار الرسول الله صلى الله عليه وسلم عند سعد بن معاذ فقد رواه ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وروينا في سنن أبى داود وغيره عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم جاء إلى سعد بن عبادة رضى الله عنه بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الابرار، وصلت عليكم الملائكه.
قال النووي في الاذكار: قلت: فهما قضيتان جرتا لسعد بن عباده وسعد ابن معاذ، وروينا في سنن أبى داود عن رجل عن جابر قال صنع أبو الهيثم بن

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل