كتاب الطلاق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(فرع)
وان قال: أنت طالق نصف طلقه ثلث طلقه سدس طلقه لم يقع عليها الا طلقه أجزاء الطلقه، وان قال أنت طالق نصف طلقه وثلث طلقه وسدس طلقه وقعت ثلاثا لانه عطف جزءا من طلقه على جزء من طلقه فظاهره يقتضى طلقات متغايرة.
قال ابن الصباغ في الشامل: وان قال أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقه طلقت طلقه، لان هذه أجزاء طلقه.
وان قال أنت نصف وثلث وسدس طلقت طلقه ويرجع إليه في النصف والثلث والسدس، فإن نوى نصفا من طلقه وثلثا من طلقه وسدسا من طلقه وقع عليها الثلاث، وان لم ينو شيئا فلا شئ عليه وان قال أنت نصف طلقه ففيه وجهان كما لو قال أنت طالق
(أحدهما)
انه صريح فيقع عليها طلقه
(والثانى)
أنه كنايه فلا يقع عليها شئ الا بالنيه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان كان له أربع نسوة فقال: أوقعت عليكن أو بينكن طلقه طلقت كل واحدة منهن طلقه، لانه يخص كل واحدة منهن ربع طلقه وتكمل
بالسرايه.
وان قال أوقعت عليكن أو بينكن طلقتين أو ثلاثا أو أربعا وقع على كل واحدة طلقه، لانه إذا قسم بينهن لم يزد نصيب كل واحدة منهن على طلقه، وان قال أردت أن يقع على كل واحدة من الطلقتين وقع على كل واحدة طلقتان وان قال أردت أن يقع على كل واحدة من الثلاث الطلقات، وقع على كل واحدة ثلاث طلقات، لانه مقر على نفسه بما فيه تغليظ، واللفظ محتمل له.
وان قال أوقعت عليكن خمسا وقع على كل واحدة طلقتان.
لانه يصيب كل واحدة طلقه وربع، وكذلك ان قال أوقعت عليكن سنا أو سبعا أو ثمانيا.
وان قال أوقعت عليكن تسعا طلقت كل واحدة ثلاثا.
وان قال أوقعت بينكن نصف طلقه وثلث طلقه وسدس طلقه، طلقت كل واحدة ثلاثا، لانه لما عطف وجب أن يقسم كل جزء من ذلك بينهن، ثم يكمل
(فصل)
وان قال أنت طالق ملء الدنيا، أو أنت طالق أطول الطلاق،
أو أعرضه.
وقعت طلقه لان شيئا من ذلك لا يقتضى العدد، وقد تتصف الطلقة الواحدة بذلك كله.
(فصل)
وإن قال أنت طالق أشد الطلاق وأغلظه وقعت طلقه لانه قد تكون الطلقة أشد وأغلظ عليه لنعجلها أو لحبه لها أو لحبها له، فلم يقع ما زاد بالشك.
وان قال أنت طالق كل الطلاق أو أكثره وقع الثلاث لانه كل الطلاق وأكثره.
(فصل)
وإن قال للمدخول بها أنت طالق طلقه بعدها طلقه طلقت طلقتين لان الجميع يصادف الزوجية، وإن قال أردت بعدها طلقة أوقعها لم يقبل في الحكم لان الظاهر انه طلاق ناجز ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لانه يحتمل ما يدعيه.
وإن قال انت طالق طلقة قبلها طلقة وقعت طلقتان، وفى كيفية وقوع
ما قبلها وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يقع مع التى أوقعها لان أيقاعها فيما قبلها أيقاع طلاق في زمان ماض فلم يعتبر كما لو قال أنت طالق أمس.
وقال ابو إسحاق يقع قبلها اعتبارا بموجب لفظه، كما لو قال أنت طالق قبل موتى بشهر ثم مات بعد شهر، ويخالف قوله انت طالق أمس لانا لو أوقعناه في أمس تقدم الوقوع على الايقاع وههنا يقع الطلاقان بعد الايقاع.
وان قال أردت بقولى قبلها طلقة في نكاح قبله، فإن كان لما قاله أصل قبل منه لانه يحتمل ما يدعيه وإن لم يكن له أصل لم يقبل منه لانه يحتمل ما يدعيه
(فصل)
وإن قال لها: أنت طالق طلقه قبلها طلقه وبعدها طلقه طلقت ثلاثا على ما ذكرناه.
وإن قال لها: أنت طالق طلقه وبعدها طلقه طلقت ثلاثا لانه يقع بقوله أنت طالق طلقه ويقع قبلها نصف طلقه وبعدها نصف طلقه ثم يكمل النصفان فيصير الجميع ثلاثا.
(الشرح) الاحكام: إن قال لاربع نسوة له: أوقعت بينكن طلقه، طلقت كل واحد منهن طلقة، لانه يخص كل واحدة ربع طلقه ويكمل بالسراية وإن قال لهن أوقعت بينكن طلقتين وقع على كل واحدة طلقه.
لان ما يخص كل واحدة لا يزيد على طلقه إلا أن يقول: أردت ان تقسم كل طلقه منهما عليهن
فيقع على كل واحدة طلقتان وإن قال أوقعت بينكن ثلاث طلقات أو أربع طلقات وقع على كل واحدة طلقة إلا أن يريد قسمة كل طلقه منهن فيقع على كل واحدة منهن ثلاث هذا هو المشهور الذى أفاده العمرانى في البيان وابن الصباغ في الشامل والماردي في الحاوى وابن القاص في التلخيص.
وقال صاحب الفروع: ويحتمل أن يقع على كل واحدة ثلاث، لان بعض كل طلقه يكمل في حق كل واحدة منهن
وإن قال أوقعت بينكن خمس طلقات ولم يرد قسمة كل واحدة منهن وقع على كل واحدة طلقتان، لانه يخص كل واحدة طلقه وربع، فيكمل الربع.
وكذلك إذا قال أوقعت بينكن ستا أو سبعا أو ثمانيا.
وإن قال: أوقعت بينكن بتسع طلقات طلقت كل واحدة منهن ثلاثا، لانه يخص كل واحدة طلقتان وربع ويكمل الربع.
وإن قال أوقعت بينكن نصف طلقه وسدس طلقه وقع على كل واحدة ثلاث طلقات.
لانه لما عطف قسم كل جزء بينهن وكمل (مسألة) قوله: وإن قال أنت طالق ملء الدنيا إلخ فهو كما قال، فإنه إذا قال أنت طالق ملء الدنيا أو ملء مكة والمدينة وقعت عليها طلقه، لان الطلاق حكم والاحكام لا تشغل الامكنه، فعلم أنه أراد الدنيا أو مكة ذكرا وانتشارا وشوعا وتكون رجعيه.
وقال أبو حنيفة يقع بائنه دليلنا أنه طلاق صادف مدخولا بها من غير عوض ولا استيفاء عدد فكان رجعيا كقوله أنت طالق وإن قال: أنت طالق أشد الطلاق أو أكثر الطلاق بالثاء المعجمه بثلاث نقط وقعت عليها ثلاث طلقات، لان ذلك كل الطلاق وأكثره.
وان قال أنت طالق أكمل الطلاق أو أتم الطلاق أو أكبر الطلاق بالباء المعجمه الموحدة التحتيه وقعت عليها طلقه سنيه، لان أكمل الطلاق وأتمه طلاق السنه.
وقال صاحب الفروع: ويحتمل أن يقع عليها ثلاث طلقات في قوله: أكمل الطلاق وأتمه، لانه هو الاكمل والاتم، والمشهور هو الاول وتكون رجعيه
وقال ابو حنيفة: تقع في قوله أكثر الطلاق واحدة بائنه، دليلنا عليه ما ذكرناه في قوله: ملء مكة
(مسألة) قوله: وإن قال للمدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقه الخ.
وهذا كما قال.
وكذلك إذا قال للمدخول بها أنت طالق طلقه معها طلقه وقع عليها طلقتان في الحال.
وان قال أنت طالق طلقه بعدها طلقه وقع عليها طلقتان لان الجميع صادف الزوجية.
وإن قال أردت بقولى بعدها طلقه اوقعها فيما بعد لم يقبل في الحكم لانه يريد تأخير طلاق واقع في الظاهر.
ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لاحتمال ما يدعيه وإن قال أنت طالق طلقه قبلها طلقه.
قال الشافعي وقع عليها طلقتان.
واختلف أصحابنا في كيفية وقوعها، فحكى الشيخ أبو إسحاق هنا في المهذب والمحاملى أن أبا إسحاق المروزى قال.
يقع عليها طلقتان (إحداهما) بقوله أنت طالق والاخرى قبلها بالمباشرة، لان الانسان يملك أن يعلق بالصفة طلاقا فيقع قبل الصفه.
كقوله أنت طالق قبل موتى بشهر ثم يموت بعد شهر.
وحكى الشيخ أبو حامد في التعليق أن أبا إسحاق قال يقع عليها طلقه بالمباشرة بقوله أنت طالق، وطلقه بالاخبار أنه طلقها.
وقال أبو على بن ابى هريرة: يقع عليها طلقتان معا، لانه لا يتقدم الوقوع على الايقاع.
هكذا حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عنه وسائر أصحابنا حكوا عنه انه قال: يقع عليها طلقه بقوله أنت طالق طلقه بعدها.
وقوله قبلها طلقه فعلى ما حكاه الشيخ أبو حامد عن أبى اسحاق المروزى يحكم عليه بوقوع الطلقه التى باشرها ظاهرا وباطنا وان قال: أردت بقولى قبلها طلقه في نكاح كنت نكحتها قبل هذا النكاح وطلقتها فيه، فإن كان لما قاله أصل قبل منه، وان لم يكن له أصل لم يقبل منه ويدين فيما بينه وبين الله تعالى وان قال أنت طالق طلقه قبلها وبعدها طلقه وقع عليها ثلاث طلقات، لان كل واحدة من النصفين يسرى، وحكى المحاملى من اصحابنا من قال: لا يقع عليها
الا طلقتان.
وليس بشئ
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
وإن قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقة لم تقع الثانية لانها بائن بالاولى فلم تقع الثانية.
وإن قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تطلق لان وقوع طلقه قبلها ووقوع طلقه عليها يوجب وقوع ما قبلها يمنع وقوعها فتمانعا بالدور وسقطا
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنها تطلق طلقه ليس قبلها شئ، لان وقوع ما قبلها يوجب إسقاطها وإسقاط ما قبلها فوجب إثباتها وإسقاط ما قبلها.
وان قال أنت طالق طلقه معها طلقه، ففيه وجهان
(أحدهما)
انها تطلق واحدة، وهو قول المزني لانه أفردها فجاز، كما لو قال أنت طالق واحدة بعدها واحدة.
والوجه الثاني: أنها تطلق طلقتين لانهما يجتمعان في الوقوع فلا تتقدم إحداهما على الاخرى، فهو كما لو قال: أنت طالق طلقتين.
وان قال أنت طالق طلقتين ونصفا طلقت طلقتين، لانه جمع بين الطلقتين في الايقاع فبانت بهما ثم أوقع النصف بعدما بانت فلم يقع
(فصل)
إذا قال لامرأته أنت طالق طلقه لا تقع عليك طلقت لانه أوقع الطلاق ثم أراد رفعه، والطلاق إذا وقع لم يرتفع.
وان قال أنت طالق أولا لم تطلق لانه ليس بإيقاع (الشرح) الاحكام: إذا قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة بعدها طلقه وقعت الاولة وبانت بها ولم تقع الثانية.
وان قال: أنت طالق طلقة قبلها طلقة ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو إسحاق
(أحدهما)
لا يقع عليها الطلاق لان وقوع
طلقة قبلها يقع وقوعها.
وما أدى ثبوته لسقوطه سقط
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه يقع عليها طلقه ليس قبلها شئ، لان وقوع ما قبلها يوجب اسقاطها، ووقوعها يوجب اسقاط ما قبلها فوجب اثباتها واسقاط ما قبلها وسببه أن يكون الاول انما هو على ما حكاه المصنف عن أبى اسحاق المروزى في المدخول بها.
فأما على ما حكاه في التعليق عنه أنه إخبار، فإنه يقع عليها الطلقة التى أخبر بوقوعها أولا لا غير.
وان قال لغير المدخول بها أنت طالق طلقة معها طلقه ففيه وجهان:
(أحدهما)
يقع عليها طلقة لا غير، لانه أفردها فبانت بها ولم يقع ما بعدها كما لو قال طلقة بعدها طلقة
(والثانى)
يقع عليها طلقتان لانهما يجتمعان في الوقوع، وإن قال لها أنت طالق طلقتين ونصفا وقع عليها طلقتان لا غير، لانه جمع بينهما فوقعتا وبانت بهما فلم يقع ما بعدهما.
(مسألة) قوله: وإذا قال لامرأته أنت طالق طلقه لا تقع عليك طلقت الخ فهذا صحيح إذا قال لامرأته أنت طالق طلقه لا تقع عليك وقع عليها طلقه لانه رفع لجميع ما أوقعه وذلك لا يصح.
وإن قال لها أنت طالق طلقه لا طلقتين عليك إحداهما، وقعت عليها واحدة لان ذلك استثناء.
وان قال لها أنت طالق طلقه لا قال ابو العباس بن سريج وقعت عليها طلقه، لان ذلك رفع لها فلم ترتفع.
وان قال لها أنت طالق طلقتين لا طلقه، فعلى قياس الاولة لا يقع عليها إلا طلقه، وان قال لها أنت طالق أو لا لم يقع عليها طلاق، لان ذلك استفهام لا طلاق.
وان قال لها أنت طالق واحدة أو لا شئ - قال ابن الصباغ فالذي يقتضيه قياس
قوله أن لا يقع شئ.
وبذلك قال أبو حنيفة وابو يوسف واحمد.
وقال محمد: تقع واحدة، والاول أصح، لان الواحدة صفة للفظة الموقعة فما اتصل بها يرجع إليها، فصار كقوله أنت طالق أو لا شئ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويصح الاستثناء في الطلاق لانه لغة العرب، ونزل به القرآن وحروفه: الا.
وغير.
وسوى.
وخلا.
وعدا، وحاشا.
فإذا قال أنت طالق ثلاثا الا طلقه، وقعت طلقتان.
وان قال أنت طالق ثلاثا الا طلقتين وقعت طلقه، وان قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا طلقت ثلاثا، لان الاستثناء يرفع المستثنى منه فيسقط وبقى الثلاث
وان قال أنت طالق ثلاثا الا طلقتين وطلقه ففيه وجهان أحدهما يقع الثلاث لانه استثنى ثلاثا من ثلاث
(والثانى)
تقع طلقه لان الاستثناء الثاني هو الباطل فسقط وبقى الاستثناء الاول.
وان قال أنت طالق ثلاثا الا نصف طلقه، طلقت ثلاثا لانه يبقى طلقتان ونصف ثم يسرى النصف إلى الباقي فيصير ثلاثا.
وان قال أنت طالق ثلاثا الا طلقة وطلقه وقعت طلقه.
لان المعطوف على الاستثناء مضموم إلى الاستثناء، ولهذا إذا قال: له على مائه الا خمسة وعشرين ضمت الخمسة إلى العشرين في الاستثناء ولزمه ما بقى.
وان قال أنت طالق طلقه وطلقه الا طلقه ففيه وجهان
(أحدهما)
تطلق طلقه لان الواو في الاسمين المنفردين كالثنيه فيصير كما لو قال أنت طالق طلقتين الا طلقه
(والثانى)
وهو المنصوص انها تطلق طلقتين لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلقه، واستثناء طلقه من طلقه باطل فسقط وبقى طلقتان، وان قدم
الاستثناء على المستثنى منه بأن قال أنت الا واحدة طالق ثلاثا، فقد قال بعض أصحابنا انه لا يصح الاستثناء فيقع الثلاث، لان الاستثناء جعل لاستدراك ما تقدم من كلامه، ويحتمل عندي انه يصح الاستثناء فيقع طلقتان، لان التقديم والتأخير في ذلك لغة العرب قال الفرزدق يمدح هشام بن ابراهيم بن المغيرة خال هشام بن عبد الملك: وما مثله في الناس الا مملكا
- أبو أمه حى أبوه يقاربه تقديره وما مثله في الناس حى يقاربه الا مملكا أبو أمه أبو الممدوح (الشرح) بيت الفرزدق الذى ساقه المصنف من قصيدة من الطويل يمدح بها ابراهيم بن هشام بن اسماعيل المخزومى خال هشام بن عبد الملك بن مروان، ويستعمل هذا البيت عند البلاغيين شاهدا في أساليب التعقيد، وهو أن لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد، اما لخلل في نظم الكلام فلا يتوصل منه إلى معناه، أو لانتقال الذهن من المعنى الاول إلى المعنى الثاني الذى هو لازمه، والمراد به ظاهرا، والاول هو الشاهد في البيت.
والمعنى فيه: وما مثله يعنى
الممدوح في الناس حى يقاربه أي أحد يشبهه في الفضائل إلا مملكا، أي ملكا.
يعنى هشاما، أبو أمه أي أبو أم هشام أبوه، أي ابو الممدوح، فالضمير في أمه للملك وفى أبوه للممدوح، ففصل بين ابو أمه وهو مبتدأ وأبوه وهو خبره بأجنبى وهو حى، وكذا فصل بين حى ويقاربه وهو نعته، بأجنبى وهو ابوه، وقدم المستثنى على المستثنى منه.
فهو كما تراه في غاية التعقيد، وكان من حق الناظم أن يقول وما مثله في الناس أحد يقاربه إلا مملك ابو أمه أبوه أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال انت طالق ثلاثا الا اثنتين فهى واحدة، وجملة ذلك أن الاستثناء جائز في الجملة لان القرآن ورد به
قال الله تعالى " فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما " والاستثناء ضد المستثنى منه، فان استثنى من اثبات كان المستثنى نفيا.
وان استثنى من نفى كان المستثنى اثباتا، وسواء استثنى أقل العدد أو أكثر فإنه يصح وقال بعض اهل اللغة: لا يصح استثناء أكثر العدد، وبه قال احمد.
دليلنا قوله تعالى حاكيا عن إبليس " لاغوينهم أجمعين، الا عبادك منهم المخلصين " ثم قال " ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين " فاستثنى العباد من الغاوين، واستثنى الغاوين من العباد، وأيهما كان أكثر فقد استثنى من الآخر، ولا يصح أن يستثنى جميع العدد، لانه غير مستعمل في الشرع، ولا في اللغة.
إذا ثبت هذا فقال لامرأته أنت طالق ثلاثا الا اثنتين طلقت واحدة، لانه أثبت ثلاثا ثم نفى منها اثنتين فبقيت واحدة.
وان قال: أنت طالق ثلاثا الا واحدة طلقت اثنتين وان قال أنت طالق ثلاثا الا اثنتين وواحدة، أو انت طالق ثلاثا الا واحدة وواحدة وواحدة.
ففيه وجهان (احدهما) يقع عليها الثلاث.
وبه قال ابو حنيفة لانه استثناء من ثلاث
(والثانى)
يقع عليها واحدة.
وبه قال ابو يوسف ومحمد، لانه لو لم يعطف بالواحدة لصح فكان العطف بها هو الباطل فسقط
وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة طلقت ثلاثا، ومن أصحابنا من قال: يقع عليها طلقتان لانه لا يؤدى إلى استثناء صحيح، وليس بشئ، لانه لا يبطل الاستثناء: وإنما بقى طلقتان ونصف فسرى النصف وإن قال لها: أنت طالق طلقتين ونصفا إلا واحدة وقع عليها ثلاث طلقات، واختلف
أصحابنا فيه، فقال ابن الحداد: لان النصف يسرى واحدة، واستثناء واحدة من واحدة لا يصح.
وقال القاضى أبو الطيب: لانه استثناء واحدة من نصف، لان الاعتبار بالمنطوق به في العدد لا ينافى الشرع، وان قال: أنت طالق طلقه وطلقة الا طلقة ففيه وجهان، حكاهما المصنف.
(أحدهما) تطلق طلقة، لان الواو في الاسمين المنفردين كالتثنية، فصار كما لو قال: أنت طالق طلقتين الا طلقة.
(والثانى)
وهو المنصوص في الام: أنها تطلق طلقتين لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلقة: واستثناء طلقة من طلقة لا يصح.
قال الشيخ أبو حامد وان قال: أنت طالق ثم طالق بل طالق الا طلقة، أو أنت طالق فطالق ثم طالق الا طلقة، أو أنت طالق وطالق وطالق الا طلقة وقع عليها في هذه المسائل ثلاث طلقات، لانه إذا غاير بين الالفاظ وقع بكل لفظ طلقة واستثناء طلقة من طلقة لا يصح.
وان قال: أنت طالق خمسا الا ثلاثا ففيه وجهان.
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وأبى على الطبري: أنه يقع عليها ثلاث، لان الاستثناء يرجع إلى ما يملك من الطلقات، والذى يملك هو الثلاث فلم يقع من الخمس الا ثلاث، واستثناء ثلاث من ثلاث لا يصح.
وقال أكثر أصحابنا: انه يقع عليها طلقتان، لان الاستثناء يرجع في العدد المنوطوق به، ويكون بالمستثنى منه مع الاستثناء مما بقى، فإذا استثنى ثلاثا من خمس بقى طلقتان.
وقد نص الشافعي في البويطى على أنه إذا قال: أنت طالق ستا الا أربعا وقع عليها طلقتان، وهذا يرد قول أبى على، وان قال لها: أنت طالق خمسا الا اثنتين وقع عليها طلقة الا على قول أبى على وعلى قول سائر أصحابنا
يقع عليها الثلاث، لان الاستثناء جعل لاستدراك ما تقدم، فلا يتقدم على المستثنى منه.
وقال الشيخ أبو إسحاق: تقع عليها طلقتان، لان الاستثناء يجوز أن يتقدم على المستثنى منه.
قال الشاعر: وما لى إلا آل أحمد شيعة
- ومالى إلا مشعب الحق مشعب
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويصح الاستثناء من الاستثناء لقوله عز وجل " إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط لمنجوهم أجمعين إلا امرأته " فاستثنى آل لوط من المجرمين واستثنى من آل لوط امرأته.
وإذا قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين إلا طلقة طلقت طلقتين لان تقديره أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين فلا يقعان إلا طلقة فتقع.
وإن قال أنت طالق خمسا إلا ثلاثا ففيه وجهان (أحدهما) أنها تطلق ثلاثا لانه لا يقع من الخمس إلا ثلاث، فصار كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا (والثانى) أنها تطلق طلقتين، لانه لما وصل بالاستثناء علم أنه قصد الحساب.
وإن قال أنت طالق خمسا إلا اثنتين، طلقت على الوجه الاول طلقه، وعلى الوجه الثاني تطلق ثلاثا.
وإن قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا اثنتين، ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) يقع الثلاث لان الاستثناء الاول يرفع المستثنى منه فيبطل، والاستثناء الثاني فرع عليه فسقط وبقى الثلاث (والثانى) تطلق طلقتين لانه لما وصله بالاستثناء صار كأنه أثبت ثلاثا ونفى ثلاثا أثبت اثنتين (والثالث) تقع طلقه لان الاستثناء الاول لا يصح فسقط وبقى الاستثناء الثاني فيصير كما لو قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقتين (الشرح) هذا الفصل يمكن أن تشد يدك في مسائله بما ذكرناه في شرح الفصل قبله، ونزيدك من مسائله أحكاما فنقول وبالله التوفيق: يصح الاستثناء من الاستثناء لقوله تعالى " انا أرسلنا إلى قوم مجرمين، الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين الا امرأته " فإذا قال أنت طالق ثلاثا الا اثنتين الا واحدة طلقت
طلقتين لانه أثبت ثلاثا ثم نفى اثنتين فبقيت واحدة، ثم أثبت من الطلقات الثلاث نفى واحدة فصار مثبتا لاثنتين فوقعتا وإن قال أنت طالق ثلاثا الا ثلاثا الا اثنتين ففيه ثلاثة أوجه (أحدهما) يقع عليه ثلاث طلقات لان الاستثناء الاول باطل فسقط والثانى عائد إليه وتابع له فسقطا (والثانى) من الاوجه الثلاثة يقع عليها طلقه، لان الاستثناء الاول باطل فسقط وبقى الثاني، فكان عائدا إلى الاثبات، فكأنه قال: ثلاثا الا طلقين (والثالث) يقع عليها طلقتان، لان استثناء الثلاث من الثلاث إنما لا يصح إذا اقتصر عليه، فأما إذا أثبته استثناء آخر بنى عليه فكأنه أثبت ثلاثا ونفى ثلاثا، ثم أثبت اثنتين فوقعتا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان قال أنت طالق ثلاثا الا أن يشاء أبوك واحدة.
وقال أبوها شئت واحدة، لم تطلق، لان الاستثناء من الاثبات نفى، فيصير تقديره أنت طالق ثلاثا الا أن يشاء أبوك واحدة، فلا يقع طلاق
(فصل)
وإن قال امرأتي طالق أو عبدى حر، أو لله على كذا، أو والله لافعلن كذا إن شاء الله، أو بمشيئة الله، أو ما لم يشأ الله، لم يصح شئ من ذلك لما روى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ حلف على يمين ثم قال ان شاء الله كان له ثنيا " وروى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: من حلف فقال ان شاء الله لم يحنث " ولانه علق هذه الاشياء على مشيئة الله تعالى، ومشيئته لا تعلم، فلم يلزم بالشك
شئ.
وان قال أنت طالق الا أن يشاء الله ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تطلق لانه مقيد بمشيئة الله تعالى، فأشبه إذا قال أنت طالق ان شاء الله
(والثانى)
وهو المذهب انها تطلق لانه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة الله تعالى، ومشيئة الله لا تعلم فسقط حكم رفعه وبقى حكم ثبوته، ويخالف إذا قال: أنت طالق ان شاء الله، فإنه علق الوقوع على مشيئة الله تعالى
(فصل) ولا يصح الاستثناء في جميع ما ذكرناه الا أن يكون متصلا بالكلام، فإن انفصل عن الكلام من غير عذر لم يصح لان العرف في الاستثناء أن يتصل بالكلام، فإن انفصل لضيق النفس صح الاستثناء لانه كالمتصل في العرف ولا يصح الا أن يقصد إليه، فأما إذا كانت عادته في كلامه أن يقول: ان شاء الله، فقال ان شاء الله على عادته لم يكن استثناء، لانه لم يقصده، واختلف أصحابنا في وقت نية الاستثناء فمنهم من قال: لا يصح الا أن يكون ينوى ذلك من ابتداء الكلام، ومنهم من قال إذا نوى قبل الفراغ من الكلام جاز.
(فصل) إذا قال: يا زانية أنت طالق ان شاء الله، أو أنت طالق يا زانية ان شاء الله رجع الاستثناء إلى الطلاق، ولا يرجع إلى قوله يا زانية لان الطلاق ايقاع فجاز تعليقه بالمشيئة، وقوله يا زانية صفة فلا يصح تعليقها بالمشيئة، ولهذا يصح أن يقول أنت طالق ان شاء الله ولا يصح أن يقول أنت زانية ان شاء الله وان كانت له امرأتان حفصة وعمرة، فقال حفصة وعمرة طالقان انشاء الله لم تطلق واحدة منهما، وان قال حفصة طالق وعمرة طالق ان شاء الله فقد قال بعض أصحابنا تطلق حفصة ولا تطلق عمرة، لان الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو طلاق عمرة، ويحتمل عندي أن لا تطلق واحدة منهما، لان المجموع بالواو كالجملة الواحدة.
(فصل)
وان طلق بلسانه واستثنى بقلبه نظرت فإن قال أنت طالق ونوى بقلبه ان شاء الله لم يصح الاستثناء ولم يقبل في الحكم ولا يدين فيه، لان اللفظ أقوى من النية لان اللفظ يقع به الطلاق من غير نية، والنية لا يقع بها الطلاق من غير لفظ، فلو أعملنا النية لرفعنا القوى بالضعيف، وذلك لا يجوز، كنسخ الكتاب بالسنة وترك النص بالقياس.
وان قال نسائى طوالق واسستثنى بالنية بعضهن دين فيه لانه لا يسقط اللفظ بل يستعمله في بعض ما يقتضيه بعمومه، وذلك يحتمل فدين فيه، ولا يقبل في الحكم.
وقال أبو حفص الباب بشامي: يقبل في الحكم لان اللفظ يحتمل العموم والخصوص، وهذا غير صحيح لانه وان احتمل الخصوص الا أن الظاهر العموم فلا يقبل في الحكم دعوى الخصوص، فإن قال امرأتي طالق ثلاثا واستثنى بقلبه
الا طلقه أو طلقتين لم يقبل في الحكم لانه يدعى خلاف ما يقتضيه اللفظ.
وهل يدين؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يدين لانه لا يسقط حكم اللفظ، وانما يخرج بعض ما يقتضيه فدين فيه، كما لو قال نسائى طوالق واستثنى بالنيه بعضهن
(والثانى)
لا يدين وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفراينى رحمه الله، لانه يسقط ما يقتضيه اللفظ بصريحه بما دونه من النية، وان قال لاربع نسوة: أربعكن طالق واستثنى بعضهن بالنيه لم يقبل في الحكم، وهل يدين؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يدين
(والثانى)
لا يدين ووجههما ما ذكرناه في المسألة قبلها (الشرح) حديث ابن عمر أخرجه مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
ورجاله عندهم رجال الصحيح، ولفظه عند أكثرهم " من حلف على يمين فقال ان شاء الله فلا حنث عليه " ولفظ " كان له ثنيا " سيأتي في رواية أبى هريرة.
أما حديث أبى هريرة فقد أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال " فله ثنياه " والنسائي وقال " فقد استثنى " وأخرجه أيضا ابن حبان وهو من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة.
قال البخاري: أخطأ فيه عبد الرزاق واختصره عن معمر من حديث " أن سليمان بن داود عليه السلام قال لاطوفن الليله على سبعين امرأة الخ الحديث وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قال ان شاء الله لم يحنث " رواه الترمذي عن البخاري.
وللحديث طرق رواها الشافعي وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر.
قال الترمذي لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختيانى.
وقال ابن عليه كان أيوب تارة يرفعه وتارة لا يرفعه.
قال ورواه مالك وعبيد الله بن عمر وغير واحد موقوفا.
قال الحافظ بن حجر: هو في الموطأ كما قال البيهقى.
وقال لا يصح رفعه الا عن أيوب مع أنه شك فيه وتابعه على لفظه العمرى عبد الله وموسى بن عقبه وكثير ابن فرقد وأيوب بن موسى، وقد صححه ابن حببان وقد وردت معنى هذين الحديثين عن عكرمه عن ابن عباس عند أبى داود من فعله صلى الله عليه وسلم " أنه صلى الله عليه وسلم قال: والله لاغزون قريشا، ثم قال ان شاء الله، ثم قال والله لاغزون قريشا، ثم قال ان شاء الله، ثم قال والله لاغزون قريشا ثم سكت ثم قال
ان شاء الله، ثم لم يغزهم.
قال أبو داود: وقد أسنده غير واحد عن عكرمة عن ابن عباس، وقد رواه البيهقى موصولا ومرسلا.
قال ابن أبى حاتم في العلل: الاشبه الارسال، وقال ابن حبان في الضعفاء: رواه مسعر، وشريك أرسله مرة ووصله أخرى.
أما الاحكام: فإنه إذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا أن يشاء أبوك واحدة فقال أبوها: شئت واحدة لم يقع عليها طلاق، لانه أوقع الطلاق بشرط أن
يشاء أبوها واحدة، فإذا شاء أبوها واحدة لم يوجد الشرط فلم يقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق إلا أن تدخلي الدار أو إن لم تدخلي الدار، فدخلت الدار فإنها لا تطلق.
قال العمرانى: ولا أعلم نصا في اعتبار وقت المشيئة، والذى يقتضى القياس أن المشيئة تعتبر أن تكون عقيب إيقاع الزوج، كما لو علق إيقاع الطلاق على مشيئة الاب.
(مسأله) قوله: وان قال إمرأتى طالق الخ، فهذا كما قال، إذ لو قال لامرأته أنت طالق ان شاء الله.
أو قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ أو على كذا وكذا أو والله لافعلن كذا أو على لفلان كذا ان شاء الله، لم يلزمه شئ من ذلك، وبه قال طاوس والحكم وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك والليث: يدخل الاستثناء في الايمان دون الطلاق والعتق والنذر والاقرار، وقال الاوزاعي وابن أبى ليلى: يدخل الاستثناء في اليمين والطلاق دون غيره، وقال أحمد: يدخل الاستثناء في الطلاق دون العتق.
دليلنا حديث ابن عمر حيث لم يفرق بين أن يحلف بالله أو يحلف بالطلاق، ولانه علق الطلاق بمشيئة من له مشيئه فلم تقع قبل العلم بمشيئته كما لو علق بمشيئة زيد، وفى كتاب الايمان مزيد ان شاء الله.
فإذا ثبت هذا: فقال لامرأته: أنت طالق ان شاء الله أو إذا شاء الله أو متى شاء الله أو بمشيئة الله لم يقع الطلاق لانه علق وقوع الطلاق بمشيئة الله، ومشيئته بذلك لا تعلم، فإن قال: أنت طالق ان لم يشأ الله أو ما لم يشأ الله لم يقع الطلاق، لانه لا نعلم أنه لم يشأ، كما لا يعلم أنه شاء.
وحكى صاحب الفروع وجها آخر أنه يقع عليها الطلاق، وانما علق دفعه
بمشيئة الله ونحن لا نعلمها، والمشهور هو الاول وان قال: أنت طالق الا أن يشاء الله ففيه وجهان.
(أحدهما) لا يقع عليها الطلاق، لانه علق الطلاق بمشئية الله فلم يقع، كما لو قال: ان شاء الله.
(والثانى)
وهو المذهب: أنه يقع الطلاق، لانه أوقع الطلاق، وانما علق رفعه بمشيئة الله، ومشيئة الله لا تعلم فثبت الايقاع وبطل الرفع.
(فرع)
ولا يصح الاستثناء الا ان كان متصلا بالكلام لان هذا هو العرف في الاستثناء، فان انفصل لضيق نفس كان كالمتصل لان انفصاله لعذر، ولا يصح الا ان قصد بالنيه، والتقييد بمشيئة الله مانع من الوقوع، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، وادعى عليه ابن العربي الاجماع قال: أجمع المسلمون على أن قوله: ان شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلا، قال: ولو جاز منفصلا كما روى بعض السلف لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا في الاتصال، فقال مالك والاوزاعي والشافعي والجمهور: هو أن يكون قوله: ان شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضر سكتة النفس.
وعن طاوس والحسن وجماعة من التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم.
وقال عطاء: قدر حلبة ناقه.
وقال سعيد بن جبير: يصح بعد أربعة أشهر، وعن ابن عباس: له الاستثناء أبدا، ولا فرق بين الحلف بالطلاق والحلف بالله أو الحلف بالعتاق، واستثنى أحمد رضى الله عنه العتاق قال: لحديث " إذا قال: أنت طالق ان شاء الله لم تطلق، وان قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فإنه حر " وقد تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول كما قال البيهقى، وذهب الهادويه إلى أن التقييد بالمشيئة يعتبر فيه مشيئة الله في تلك الحال باعتبار ما يظهر من الشريعة، فإن كان ذلك الامر الذى حلف على تركه وقيد الحلف بالمشيئة محبوبا لله فعله لم يحنث بالفعل، وان كان محبوبا لله تركه لم
يحنث بالترك، فإذا قال: والله ليتصدقن ان شاء الله حنث بترك الصدقة، لان الله يشاء التصدق في الحال، وان حلف ليقطعن رحمه ان شاء الله لم يحنث بترك القطع لان الله تعالى يشاء ذلك الترك.
قوله: وإن طلق بلسانه واستثنى بقلبه الخ.
وهذا يدل بمفهومه على أنه إذا استثنى بلسانه صح ولم يقع ما استثناه بقلبه، وهو قول جماعة أهل العلم.
وقال الخرقى من الحنابله " إذا طلقها بلسانه واستثنى شيئا بقلبه وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء.
وجملة ذلك أن ما يتصل باللفظ من قرينة أو استثناء منه مالا يصح نطقا ولا نية، مثل أن يرفع حكم اللفظ كله، وهذا قد مضى بيانه.
ومنها ما يقبل لفظا ولا يقبل نية في الحكم، وهل يقبل فيما بينه وبين الله تعالى؟ وجهان
(أحدهما)
لا يقبل فيما بينه وبين الله تعالى، وبه قال أحمد وأكثر أصحاب الشافعي.
وهذا استثناء الاقل، فإنه لا يصح إلا لفظا لانه من لسان العرب، ولا يصح بالنية لان العدد نص فيما تناوله لا يحتمل غيره، فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ، فإن اللفظ أقوى من النية، فلو نوى بالثلاث اثنتين كان مستعملا للفظ في غير ما يصلح له فوقع مقتضى اللفظ ولغت نيته وقال بعض أصحابنا: انه يقبل فيما بينه وبين الله تعالى، كما لو قال: نسائى طوالق واستثنى بقلبه الا فلانة، والفرق بينهما أن نسائى اسم عام يجوز التعبير به عن بعض ما وضع له، وقد استعمل العموم بإزاء الخصوص كثيرا.
فإذا أراد به البعض صح.
وقوله " ثلاثا " اسم عدد للثلاث لا يجوز التعبير به عن عدد غيرها، ولا يحتمل سواها بوجه من الوجوه، فإذا أراد بذلك اثنتين فقد أراد باللفظ ما لا يحتمله.
وإنما تعمل النية في صرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته.
فأما ما لا يحتمل فلا، فإنا لو عملنا به فيما لا يحتمل كان عملا بمجرد النية، ومجرد النية لا يعمل في نكاح ولا طلاق ولا بيع.
ولو قال: نسائى الاربع طوالق، أو قال لهن: أربعتكن طوالق، واستثنى بعضهن بالنية لم يقبل على قياس ما ذكرناه، ولا يدين فيه، لانه عنى باللفظ مالا يحتمل.
ومنها ما يصح نطقا إذا نواه دين فيما بينه وبين الله تعالى، مثل تخصيص اللفظ العام أو استعمال اللفظ في مجازه مثل قوله: نسائى طوالق، يريد بعضهن
أو ينوى بقوله طالق، أي من وثاق، فهذا يقبل كما قررنا من قبل إذا كان لفظا وجها واحد لانه وصل كلامه بما بين مراده وإن كان بنيته قبل فيما بينه وبين الله تعالى لانه أراد تخصيص اللفظ العام واستعماله في الخصوص.
وهذا سائغ في الكلام فلا يمنع من استعماله والتكلم به، ويكون اللفظ بنيته منصرفا إلى ما أراده دون ما لم يرده، وهل يقبل ذلك في الحكم.
مذهبنا أنه لا يقبل في الحكم لانه خلاف الظاهر.
ومن شرط هذا أن تكون النية مقارنة للفظ.
وهو أن يقول: نسائى طوالق، يقصد بهذا اللفظ بعضهن، فأما ان كانت النية متأخرة عن اللفظ فقال نسائى طوالق ثم بعد فراغه نوى بقلبه بعضهن لم تنفعه النية ووقع الطلاق بجميعهن، وكذلك لو طلق نساءه ونوى بعد طلاقهن أي من وثاق لزمه الطلاق لانه مقتضى اللفظ.
والقاعدة في ذلك كله (أولا) ارادة الخاص بالعام شائع في اللغة ومستساغ (ثانيا) ارادة الشرط من غير ذكره غير سائغ فهو كالاستثناء.
واللفظ العام الذى لم يرد به غير مقتضاه وجب العمل بعمومه، والعمل بعموم اللفظ أولى من خصوص السبب، لان دليل الحكم هو اللفظ، فيجب اتباعه والعمل بمقتضاه
في خصوصه وعمومه، ولذلك لو كان أخص من السبب لوجب قصره على خصوصه واتباع صفة اللفظ دون صفة السبب.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله:
باب الشرط في الطلاق
إذا علق الطلاق بشرط لا يستحيل كدخول الدار ومجئ الشهر تعلق به.
فإذا وجد الشرط وقع، وإذا لم يوجد لم يقع.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " المؤمنون عند شروطهم " ولان الطلاق كالعتق لان لكل واحدة منهما قوة وسراية.
ثم العتق إذا علق على شرط وقع بوجوده ولم يقع قبل وجوده فكذلك الطلاق.
فإن علق الطلاق على شرط ثم قال: عجلت ما كنت علقت على الشرط لم تطلق في الحال لانه تعلق بالشرط ولا يتغير.
وإذا وجد الشرط طلقت.
وإن قال أنت طالق ثم قال: أردت إذا دخلت الدار، أو إذا جاء رأس الشهر لم يقبل في الحكم، لانه يدعى خلاف ما يقتضيه اللفظ بظاهره.
ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يدعى صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله فدين فيه كما لو قال أنت طاق وادعى انه أراد طلاقا من وثاق فإن قال أنت طالق ان دخلت الدار وقال أردت الطلاق في الحال.
ولكن سبق لساني إلى الشرط لزمه الطلاق في الحال، لانه أقر على نفسه بما يوجب التغليظ من غير تهمة.
(فصل)
والالفاظ التى تستعمل في الشرط في الطلاق: من.
وان.
وإذا ومتى.
واى وقت.
وكلما.
وليس في هذه الالفاظ ما يقتضى التكرار الا قوله كلما فإنه يقتضى التكرار.
فإذا قال من دخلت الدار فهى طالق، أو قال لامرأته ان دخلت الدار أو إذا دخلت الدار، أو متى دخلت الدار أو أي وقت دخلت الدار فأنت طالق، فوجد الدخول وقع الطلاق.
وإن تكرر الدخول لم يتكرر
الطلاق لان اللفظ لا يقتضى التكرار.
وإن قال كلما دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت طلقت.
وان تكرر الدخول تكرر الطلاق لان اللفظ يقتضى التكرار (الشرح) حديث " المؤمنون عند شروطهم " مضى تخريجه في غير موضع من المجموع وتكملتيه أما الاحكام فإنه إذا علق طلاق امرأته بشرط غير مستحيل لم يقع الطلاق قبل وجود الشرط.
سواء كان الشرط يوجد لا محالة، كقوله إذا طلعت الشمس فأنت طالق، أو كان الشرط قد يوجد وقد لا يوجد.
كقوله إذا قدم القطار من الاسكندرية فأنت طالق، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وقال الزهري وابن المسيب والحسن البصري ومالك: إذا علق الطلاق بشرط يوجد لا محالة كمجئ الليل والنهار والشمس والقمر وما أشبههما وقع عليها الطلاق في الحال قبل وجود الشرط.
دليلنا قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " ولانه علق على شرط غير مستحيل فلم يقع الطلاق قبل وقوع الشرط، كما لو علقه على قدوم
القطار.
وقولنا " على شرط غير مستحيل " احتراز مما إذا علقه على صعود السماء بدون طائرة أو أجهزة للصعود كالصواريخ والاقمار الصناعية وما إليها من وسائل معروفة في عصرنا هذا، وكذلك احتراز مما إذا علقه على شرب جميع البحر وإن علق طلاقها على شرط ثم قال قبل وجود الشرط: عجلت ما كنت علقت على الشرط، لم تطلق في الحال، لانه تعلق بالشرط فلا يتعجل بلفظ التعجيل كالدين المؤجل.
وإن قال أنت طالق ثم قال: أردت إذا دخلت الدار لم يقبل في الحكم لانه
يدعى خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لانه يحتمل ما يدعيه.
وان قال أنت طالق ان دخلت الدار، ثم قال: أردت به الطلاق في الحال وانما سبق لسان إلى الشرط قبل قوله لان في ذلك تغليظا عليه قوله " من وان وإذا ومتى وأى وقت وكلما " ومن هذه تستعمل للشرط وللصلة وان للشرط وللنفي وتأتى زائدة ومخففة من ان " وان نظنك لمن الكاذبين " و " إذا " تأتى للشرط وللمفاجأة، ولربط الجواب بالشرط نحو " وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " والاشهر أنها ظروف و " متى " للزمان، ومثلهان أيان نحوا لا فقها و " كلما " تقتضي التكرار لجواب شرطها ولا ينبغى جواب الشرط كما يفعل أكثر أهل هذا الزمان من المتعالمين فإنه يكثر في استعمالهم تكرار كلما في الجملة، فيقولون مثلا: كلما استقمت، كلما رضى الله عنك " وهو خطأ فادح، أو كلما أسأت إلى كلما ازددت حلما.
فكلما الثانية في الجملة مقحمة بغير مسوغ.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان كانت له امرأة لا سنة في طلاقها ولا بدعة، وهى الصغيرة التى لم تحض أو الكبيرة التى يئست من الحيض أو الحامل أو التى لم يدخل بها، فقال لها أنت طالق لا للسنة ولا للبدعة، طلقت لوجود الصفة.
وان قال أنت طالق للسنة أو للبدعة، أو أنت طالق للسنة والبدعة، طلقت لانه وصفها صفة لا تتصف بها، فلغت الصفة وبقى الطلاق فوقع، فإن قال للصغيرة أو الحامل
أو التى لم يدخل بها أنت طالق للسنة أو أنت طالق للبدعه، وقال أردت به إذا صارت من أهل سنة الطلاق أو بدعته طلقت في الحال، ولم يقبل ما يدعيه في الحكم، لان اللفظ يقتضى طلاقا ناجزا ويدين فيما بينه وبين الله عزوجل، لانه
يحتمل ما يدعيه.
وان كانت له امرأة لها سنة وبدعة في الطلاق وهى المدخول بها إذا كانت من ذوات الاقراء، فقال لها أنت طالق للسنة - فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه - طلقت في الحال لوجود الصفة.
وان كانت في حيض أو في طهر جامعها فيه لم تطلق في الحال لعدم الصفة، وإذا طهرت من غير جماع طلقت لوجود الصفة وإن قال أنت طالق للبدعة - فان كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه - طلقت في الحال لوجود الصفة، وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه لم تطلق في الحال لفقد الصفة، فإذا جامعها أو حاضت طلقت لوجود الصفة وإن قال أنت طالق للسنة إن كنت في هذه الحالة ممن يقع عليها طلاق السنة - فان كانت في طهر لم يجامعها فيه - طلقت لوجود الصفة، وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه لم تطلق في الحال لعدم الصفة وان صارت في طهر لم تجامع فيه لم تطلق أيضا لانه شرط أن تكون للسنة وأن تكون في تلك الحال.
وذلك لا يوجد بعد انقضاء الحال وإن قال لها أنت طالق للسنة وللبدعة، أو أنت طالق طلقة حسنة قبيحة، طلقت في الحال طلقة، لانه لا يمكن إيقاع طلقة على هاتين الصفتين، فسقطت الصفتان وبقى الطلاق فوقع وإن قال أنت طالق طلقتين طلقة للسنة وطلقة للبدعة طلقت في الحال طلقة فإذا صارت في الحالة الثانية طلقت طلقة.
وان قال أنت طالق طلقتين للسنة وللبدعة ففيه وجهان.
(أحدهما) يقع طلقة في حال السنه وطلقه في حال البدعه، لانه يمكن إيقاعها على الصفتين فلم يجز إسقاطهما (والثانى) يقع في الحال طلقتان، لان الظاهر عود الصفتين إلى كل واحدة من الطلقتين وإيقاع كل واحدة منهما على الصفتين لا يمكن فلغت الصفتان
ووقعت الطلقتان.
وإن قال أنت طالق ثلاثا للسنة وقع الثلاث في طهر لم يجامعها فيه، لان ذلك طلاق للسنة: وإن قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة وقع في الحال طلقتان لان إضافة الطلاق اليهما يقتضى التسوية.
فيقع في الحال طلقة ونصف ثم يكمل فيصير طلقتين، ويقع الباقي في الحالة الاخرى.
وإن قال أردت بالبعض طلقة في هذه الحال وطلقتين في الحالة الاخرى ففيه وجهان
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، إنه لا يقبل قوله في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل، لانه يدعى ما يتأخر به الطلاق فصار كما لو قال أنت طالق وادعى أنه أراد إذا دخلت الدار
(والثانى)
وهو المذهب أنه يقبل في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لان البعض يقع على القليل والكثير حقيقة، ويخالف دعوى دخول الدار، فإن الظاهر إنجاز الطلاق فلم تقبل في الحكم دعوى التأخير.
(الشرح) النساء على ضربين: ضرب لا سنة في طلاقهن ولا بدعة وهن أربع [^fn564] التى لم يدخل بها (2) والصغيرة (3) والآيسة من الحيض (4) والتى استبان حملها.
وضرب في طلاقهن سنة وبدعة وهى المدخول بها إذا كانت من ذوات الاقراء.
إذا ثبت هذا فقال لمن لا سنة في طلاقها ولا بدعة: أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال لانه علق الطلاق بصفة لا تتصف بها المرأة، فألغيت الصفه وصار كما لو قال أنت طالق.
وان قال أنت طالق لا للسنه ولا للبدعه طلقت في الحال لوجود الصفه.
وان قال للصغيرة المدخول بها أو الحامل أنت طالق للسنه أو للبدعه ثم قال: أردت بها إذا صارت من أهل سنة الطلاق وبدعته لم يقبل في الحكم، لانه يريد تأخير الطلاق من أول وقت يقتضيه فلم يقبل، كما لو قال أنت طالق ثم قال أردت إذا دخلت الدار، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، فيقال أمسك امرأتك فيما بينك وبين الله تعالى إلى أن تحيض الصغيرة وتلد الحامل ان علقه على البدعه،
والى أن تطهر إن علقه على السنه، ولا يجئ هذا في الآيسه، وهل يجئ هذا في التى لم يدخل بها؟ اختلف الشيخان فيهما، فذكر أبو حامد أنه لا يجئ فيها.
وذكر أبو إسحاق المروزى أنه يجئ فيها هذا.
(فرع)
وان قال لمن لا سنه في طلاقها ولا بدعه: أنت طالق للسنه ان كنت في هذا الحال ممن يقع عليها طلاق السنه، أو أنت طالق للبدعه ان كنت الان ممن يقع عليها طلاق البدعه.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ: وقع عليها الطلاق في الحال فحكى ابن الصباغ أن القاضى أبا الطيب قال: فيه نظر، وأن الشيخ أبا حامد قال: لا يقع الطلاق لان الشرط لم يوجد، كقوله ان كنت علويه فأنت طالق وليست بعلويه، ويخالف الصفه لانها تلغى إذا لم تتصف بها قال ابن الصباغ: وكما قال الشافعي عندي وجه آخر، وهو أن قوله: أنت طالق للسنه ان كان عليك طلاق السنه، يقتضى طلاقا مضافا إلى السنه وهو يقع عليها.
وقوله: وصفها بصفة محال يريد إذا قال أنت طالق للسنه فإنه تلغو الصفه هكذا أفاده العمرانى في البيان (مسأله) قوله وان كانت له امرأة لها سنة وبدعه في الطلاق الخ فهو كما قال، إذ لو قال لها أنت طالق للسنه - فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه طلقت لوجود السنه، وان كانت في طهر جامعها أو في حيض لم تطلق لعدم الصفه، فإذا
طهرت من الحيض طلقت لوجود الصفه - وان كانت في طهر جامعها فيه أو في حيض لم تطلق لعدم الصفه، فإذا طهرت من الحيض طلقت بأول جزء من الطهر وقال أبو حنيفة: ان طهرت لاكثر الحيض طلقت بأول جزء من الطهر، وان طهرت لدون أكثر الحيض لم تطلق حتى تغتسل.
دليلنا أن كل طهر لو صادف غسلا وقع فيه الطلاق وجب أن يقع فيه الطلاق وان لم يصادف الغسل، كما لو طهرت لاكثر الحيض وان جامعها في آخر الحيض وانقطع الدم في حال الجماع لم يقع عليها طلاق، لانه طهر صادفه الجماع، وان وطئها في أثناء الحيض وطهرت بعده فإن القفال قال: لا يطلق بالطهر إذا علقه بالسنه لاحتمال أن تكون قد علقت منه، ووجود بقية الحيض لا يدل على براءة رحمها، كما لا يكون بعض الحيض استبراء في الامة
وإن قال أنت طالق للبدعة، فإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه وقع عليها الطلاق لوجود الصفة.
وهكذا إن كانت في طهر لم يجامعها فيه، ولكنها اسند خلت ماء الزوج، وقع عليها الطلاق لاحتمال أن تكون علقت منه، وان وطئها في الدبر أو فيما دون الفرج ولم يتحقق وصول الماء إلى رحمها فليس بطلاق توقعه.
وإن كانت العدة واجبة عليها لان العدة تجب مرة لبراءة الرحم ومرة للتعبد.
وان كانت في طهر لم يجامعها فيه لم يقع عليها الطلاق، فإذا طعنت في الحيض أو غيب الحشفة في الفرج بعد ذلك وقع عليها الطلاق لوجود الصفة (فرع)
إذا تزوج امرأة حاملا من الزنا فهل يجوز له وطؤها قبل وضعها؟ فيه وجهان المشهور أنه يجوز.
إذا ثبت هذا ودخل بها ثم قال لها: أنت طالق للسنة لم تطلق حتى تلد وتطهر من النفاس، لان هذا الحمل لا حكم له فكان وجوده كعدمه
ونخلص إلى فرع آخر ذكره الشافعي في الام: إذا قال لمن لها سنة وبدعة في طلاق: أنت طالق للسنة ان كنت ممن يقع عليها طلاق السنة، فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه وقع عليها الطلاق لوجود الصفه وان كانت في طهر جامعها فيه أو حائضا لم يقع عليها الطلاق لعدم الصفه، فان طلقت بعد ذلك في الطهر لم يقع عليها الطلاق لانه شرط أن يكون حال عقد الطلاق ممن يقع عليها طلاق السنه ولم توجد الصفه.
وان قال لها: أنت طالق للبدعه ان كنت الا ممن يقع عليها طلاق البدعه، فان كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه، وقع عليها الطلاق لوجود الصفة، وان كانت في طهر لم يجامعها فيه لم يقع عليها الطلاق، فإن جامعها أو حاضت لم يقع عليها الطلاق، لانه شرط أن يكون حال عقد الطلاق ولم يوجد الشرط، وان كانت في طهر لم يجامعها فيه فقال: أنت طالق للبدعه فقد قلنا: لا يقع عليها الطلاق في الحال، فان قال أن أردت طلاق السنه، وإنما سبق لساني في البدعه، وقع عليها الطلاق، لان فيه تغليظا عليه ونستطرد إلى فرع آخر في المسأله هذه: إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا للسنه وكانت في طهر لم يجامعها فيه وقع عليها الثلاث، لان السنه والبدعه للوصف
عندنا دون العدد، فإن قال أردت السنة على مذهب مالك وأبى حنيفة أنه يقع في كل هذه طلقه لم يقبل في الحكم، لانه تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه، ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يحتمل ما يدعيه، بدليل أنه لو صرح به في الطلاق حمل عليه، فيقع عليها في الحال طلقه، فان لم يراجعها فإنها إذا حاضت ثم طهرت طلقت أخرى.
ثم إذا حاضت وطهرت طلقت الثالثة وبانت وان راجعها بعد الاولة ووطئها فانها إذا حاضت وطهرت طلقت الثانية وبأول الطهر
فإذا راجعها ثانيا ووطئها ثم حاضت وطهرت طلقت الثالثة وبانت واستأنفت العدة.
وان راجعها ولم يطأها حتى حاضت ثم طهرت طلقت الثانية بأول الطهر الثاني، فإن راجعها ثانيا ولم يطأها حتى حاضت وطهرت وقعت الثالثة وبانت.
وهل تبنى على عدتها أو تستأنف؟ على القولين اللذين يأتي ذكرهما.
قال الشافعي رضى الله عنه: ويسعه أن يطأها وعليها الهرب وله الطلب، لانه يعتقدها زوجته وهى تعتقد أنها غير زوجته.
وثم فرع آخر وهو: إن قال لمن لها سنة وبدعة في الطلاق: أنت طالق للسنة وأنت طالق للبدعه، وقع عليها في الحال طلقه وفى الحالة الثانية طلقة اخرى.
وإن قال أنت طالق طللقتين للسنة والبدعه ففيه وجهان
(أحدهما)
يقع عليها في الحال طلقتان لان الظاهر عود الصفتين إلى كل واحدة من الطلقتين، وإيقاع كل واحدة من الطلقتين على الصفتين لا يمكن، فسقطت الصفتان وبقيت الطلقتان فوقعتا.
(والثانى)
يقع عليها في الحال طلقه، فإذا صارت في الحالة الثانيه وقعت عليها الثانيه: لان الظاهر أنها تعود إلى غير الانقاص وإن قال لها أنت طالق ثلاثا للسنه وثلاثا للبدعه وقع عليها في الحال ثلاث لانها في إحدى الحالتين وبانت بها.
وإن قال لها أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنه وبعضهن للبدعه وأطلق ذلك ولم يقيده بلفظ ولا نيه وقع عليها في الحال طلقتان.
وإذا صارت إلى الحالة الاخرى وقع عليها الطلقه الثالثه وقال المزني: يقع عليها في الحال الطلقه وفى الحال الثانيه طلقتان، لان
البعض يقع على الاقل والاكثر فأوقعنا الواحدة لانها بيقين، وما زاد مشكوك
فيه، فالمذهب الاول لانه أضاف الثلاث إلى الحالتين وساوى بينهما في الاضافة فالظاهر أنه أراد التسويه بينهما في الثلاث، كما لو قال بعض هذه الدار لزيد وبعضها لعمرو فإنها تكون بينهما نصفين، وإذا كان كذلك كان للحالة الاولة طلقه ونصف فسرى هذا النصف فوقع طلقتان فإن قيل هلا قلتم يقع في الحال ثلاث طلقات لانه يقتضى أن تكون بعض كل طلقه من الثلاث للسنه وبعضها للبدعه، فيخص كل طلقه ثلاثة أبعاض من الثلاث طلقات فنكمل الابعاض فالجواب أنا لا نقول هذا، لان كل عدد أمكن قسمته قسمه صحيحه من غير كسر لم يجز قسمته على الكسر.
وفى مسألتنا يمكن قسم طلقتين من الثلاث جبرا على الحالين فلم يتبعضا.
وإن قيد ذلك باللفظ بأن قال أنت طالق ثلاثا نصفها للسنه ونصفها للبدعه وقع طلقتان وفى الحال الثانيه طلقه لما ذكرناه.
وان قال واحدة للسنه واثنتين للبدعه، أو قال اثنتين للسنه وواحدة للبدعه حمل على ما قيده بقوله وان لم يقيده باللفظ بل قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنه وبعضهن للبدعه، ثم قال أنا أردت نصفهن للسنه ونصفهن للبدعه.
أو أردت في الحاله الاولى طلقتين وفى الثانيه طلقه حمله على ذلك، لانه لو لم ينو ذلك لحمل اطلاقه عليه فكذلك إذا نواه.
وان قال أردت في الحالة الاولى طلقه وفى الحاله الثانيه طلقتين، فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو على بن أبى هريرة: لا يقبل في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لان الظاهر أنه أراد التسويه فلا يقبل قوله فيما يخالف الظاهر ومنهم من قال في الحكم وهو الصحيح، لان البعض يقع على الاقل والاكثر.
فإذا أخبر أنه نوى ذلك قبل منه كما لو قيده باللفظ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وإن قال ان قدم فلان فأنت طالق، فقدم وهى في طهر لم يجامع فيه وقع طلاق سنه، وان قدم وهى حائض أو في طهر جامعها فيه وقع طلاق بدعه
إلا أنه لا يأثم لانه لم يقصد، كما إذا رمى صيدا فأصاب آدميا فقتله، فإن القتل صادف محرما لكنه لم يأثم لعدم القصد.
وان قال ان قدم فلان فأنت طالق للسنة فقدم وهى في حال السنة طلقت.
وان قدم وهى في حال البدعة لم تطلق حتى تصير إلى السنة، لانه علقه بعد القدوم بالسنة
(فصل)
وان قال أنت طالق أحسن الطلاق وأكمله وأعدله، وما أشبهها من الصفات الحميدة، طلقت للسنة لانه أحسن الطلاق وأكمله وأعدله، وإن قال أردت به طلاق البدعة، واعتقدت أن الاعدل والاكمل في حقها لسوء عشرتها أن تطلق للبدعة نظرت، فإن كان ما يدعيه من ذلك أغلظ عليه، بأن تكون في الحال حائضا أو في طهر جامعها فيه، وقع طلاق بدعة، لان ما ادعاه أغلظ عليه واللفظ يحتمله فقبل منه.
وان كان أخف عليه بأن كانت في طهر لم يجامع فيه دين فيما بينه وبين الله عزوجل، لانه يحتمل ما يدعيه ولا يقبل في الحكم، لانه مخالف للظاهر.
فإن قال أنت طالق أقبح الطلاق وأسمجه وما أشبههما من صفات الذم طلقت في حال البدعة لانه أقبح الطلاق وأسمجه.
وان قال أردت طلاق السنة واعتقدت أن طلاقها أقبح الطلاق وأسمجه لحسن دينها وعشرتها، فان كان ذلك أغلظ عليه لما فيه من تعجيل الطلاق، قبل منه لانه أغلظ عليه واللفظ يحتمله، وان كان أخف عليه لما فيه من تأخير الطلاق دين فيما بينه وبين الله عزوجل، لانه يحتمل ولا يقبل في الحكم لانه مخالف للظاهر.
وان قال أنت طالق طلاق الحرج طلقت للبدعة، لان الحرج فيما خالف السنة وأثم به.
(الشرح) إذا قال: قدم فلان فأنت طالق، فقدم وهى في حال السنة، طلقت طلاق السنة، وان قدم وهى في حال البدعة طلقت طلاق البدعة الا أنه لا يأثم لانه لم يقصد إليه وان قال أنت طالق إذا قدم فلان للسنه - فان قدم وهى في حال السنه - طلقت لوجود الصفه وان كانت في حال البدعه لم تطلق لعدم الصفه، فإذا صارت
بعد ذلك إلى حال السنة وقع عليها الطلاق، لان الشرطين قد وجدا.
قال صاحب الفروع: ويحتمل أن لا يقع عليها الطلاق حينئذ أيضا، لان ظاهر الشرطين أن يكونا معتبرين حالة القدوم، والمنصوص هو الاول.
وإن قال أنت طالق رأس الشهر للسنة.
قال في الام: فان كانت رأس الشهر في طهر لم يجامعها فيه طلقت.
وإن كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه رأس الشهر لم تطلق، فإذا طهرت بعد ذلك من غير جماع وقع عليها الطلاق.
وعلى الوجه الذى خرجه صاحب الفروع في التى قبلها يحتمل ان لا يقع عليها الطلاق ههنا بالطهر بعد رأس الشهر، إلا أن المنصوص الاول.
(فرع)
قال في الام: إذا قال لامرأته وهى ممن تحيض قبل الدخول: أنت طالق إذا قدم فلان للسنة، فدخل بها قبل أن يقدم فلان ثم قدم وهى طاهر غير مجامعة وقع عليها الطلاق، وإن قدم وهى حائض أو في طهر جامعها فيه - قال أصحابنا: فالذي يجئ على قول الشافعي أنها لا تطلق حتى تصير إلى زمان السنه، لانه يعتبر صفتها حين قدومه لا حين عقد الصفه، فلو لم يدخل بها وقدم فلان طلقت لانه ليس في طلاقها سنه ولا بدعه - فان دخل بها الزوج وقال ما أردت بقولى طلاق سنة الزمان، وإنما أردت سنة طلاقها قبل الدخول، وقع عليها الطلاق بقدوم فلان، سواء كانت في زمان السنه أو في زمان البدعه
(مسألة) قوله " وإن قال أنت طالق أحسن الطلاق الخ " وهذا صحيح.
فانه إذا قال أنت طالق أعدل الطلاق أو أحسنه أو أكمله أو افضله أو أتمه - ولم يكن له نيه - طلقت للسنه لانه أعدل الطلاق وأحسنه، فان كانت في طهر لم يجامعها فيه وقع عليها الطلاق.
وإن كانت له نيه - فان كانت نيته موافقة لظاهر قوله - كانت تأكيدا، وان خالفت ظاهر قوله بأن قال: أردت به طلاق البدعه واعتقدت أنه الاعدل والاحسن في طلاقها لسوء عشرتها.
وهذا مثل تأويله لقوله تعالى " ادفع بالتى هي أحسن " حين يقول: رأيت أن التى هي أحسن أن أضرب أو أصفع من يرتكب المخالفة أو ما إلى ذلك، لانني لو عاملته باللين لسدر في غوايته وأمعن في ضلالته، ففى الشدة الحسنى وفى اللين السوءى
في بعض الاحوال، فان كانت حال العقد في حال البدعه وقع عليها الطلاق، لان في ذلك تغليظا عليه فقبل، وإن كانت في حال عقد الطلاق في حال السنه لم يقبل قوله في الحكم لانه يريد تأخير الطلاق عن أول وقت يقتضيه فلم يقبل ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، لانه يحتمل ما يدعيه، ولهذا لو صرح به حال عقد الطلاق قبل.
وإن قال أنت طالق أقبح الطلاق وأسمجه، والسماجه ضد الملاحة.
ولبن سمج لا طعم له.
أو قال أفحشه أو ما أشبه ذلك كان من صفات الذم.
فان لم يكن له نية طلقت للبدعه، فان كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه طلقت لان ذلك أقبح الطلاق وأفحشه.
وان كانت في طهر لم يجامعها فيه لم تطلق.
فإذا طلقت في الحيض أو جامعها طلقت.
وان كانت له نيه.
فان وافقت نيته ظاهر قوله.
وهو أن ينوى طلاق البدعه قبل منه وكانت نيته تأكيدا، وان خالفت ظاهر قوله بأن قال: نويت طلاق السنه واعتقدت أن الافبح في حقها طلاق السنة لحسن عشرتها.
فان كانت حال
عقد الطلاق في طهر لم يجامعها فيه وقع عليها الطلاق لان فيه تغليظا عليه.
وان كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه لم يقبل في الحكم لانه يدعى خلاف الطهر.
ويدين فيما بينه وبين الله تعالى لاحتمال ما يدعيه وان قالت أنت طالق أكمل الطلاق اجتنابا.
قال الصيمري طلقت ثلاثا لانه أكمل الطلاق اجتنابا.
وان قال أنت طالق طلقه حسنه قبيحه وقع عليها في الحال طلقه، واختلف أصحابنا في علته، فمنهم من قال لانه وصفها بصفتين لا يمكن وجودهما معا وقد وجدت إحداهما فوقع بها الطلاق، ومنهم من قال لانه وصفها بصفتين متضادتين فسقطتا وبقى مجرد الطلاق فوقع قال ابن الصباغ: وهذا أقيس.
لان وقوع الطلقه باحدى الصفتين ليس بأولى من الاخرى (فرع)
وإن قال لامرأته، أنت طالق طلاق الحرج وقع عليها طلقه رجعيه وقال على بن أبى طالب: يقع عليها الثلاث في الحال، دليلنا أن الحرج الضيق والاثم، ولا يأثم إلا بطلاق البدعه
وان قال: أنت طالق طلاق الحرج والسنه وقع عليها في الحال طلقه، لانه وصفها بصفتين متضادتين فسقطتا وبقى الطلاق مجردا فوقع وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وإن قال لها وهى حائض: إذا طهرت فأنت طالق، طلقت بانقطاع الدم لوجود الصفة، وإن قال لها ذلك وهى طاهر لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر، لان " إذا " اسم للزمان المستقبل فاقتضى فعلا مستأنفا، ولهذا لو قال لرجل حاضر: إذا جئتني فلك دينار لم يستحق بهذا الحضور حتى يغيب ثم يجيئه وإن قال لها وهى طاهر: إن حضت فأنت طالق، طلقت برؤية الدم، وإن قال
لها ذلك وهى حائض لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض لما ذكرناه في الطهر.
فإن قال لها وهى حائض: إن طهرت طهرا فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض، لانه لا يوجد طهر كامل إلا أن تطعن في الحيض الثاني وإن قال لها ذلك وهى طاهر لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض، لان الطهر الكامل لا يوجد إلا بما ذكرناه.
وإن قال: إن حضت حيضة فأنت طالق، فإن كانت طاهرا لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر، وان كانت حائضا لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، لما ذكرناه في الطهر.
(فصل) وإن قال أنت طالق ثلاثا في كل قرء طلقه نظرت، فإن كانت لها سنة وبدعة في طلاقها نظرت، فان كانت طاهرا طلقت طلقة لان ما بقى من الطهر قرء، وان كانت حائضا لم تطلق حتى تطهر ثم يقع في كل طهر طلقة، وان لم يكن لها سنة ولا بدعة - نظرت فان كانت حاملا - طلقت في الحال طلقة، لان الحمل قرء يعتد به، وإن كانت تحيض على الحمل لم تطلق في أطهارها لانها ليست بأقراء، ولهذا لا يعتد بها، فإن راجعها قبل الوضع وطهرت في النفاس وقعت طلقة أخرى، فإذا حاضت وطهرت وقعت الثالثه، وإن كانت غير مدخول بها وقعت عليها طلقه وبانت، فإن كان صغيرة مدخولا بها طلقت في
الحال طلقه، فان لم يراجعها حتى مضت ثلاثة أشهر بانت، وان راجعها لم تطلق في الطهر بعد الرجعة لانه هو الطهر الذى وقع فيه الطلاق.
(الشرح) إذا قال لامرأته وهى طاهر: إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم في زمان امكانه وقع الطلاق عليها ويكون بدعيا، فإن استمر بها الدم يوما وليلة استقر الطلاق.
وان انقطع لدون اليوم والليلة واتصل بعده طهر صحيح حكمنا
بان الطلاق لم يقع.
وان قال لها وهى حائض: إذا حضت فأنت طالق - فاختلف أصحابنا فيه - فقال الشيخ أبو إسحاق الاسفرايينى والقاضى أبو القاسم الصيمري: لا يقع الطلاق حتى تطهر من هذا الحيض ثم تطعن في الحيضة الثانية، وبه قال أبو يوسف، لان قوله، إذا حضت أو ان حضت، يقتضى الاستقبال.
وقال ابن الصباغ يقع عليها الطلاق بما يتجدد من حيضها، لانه قد وجد منها الحيض فوقع الطلاق لوجود صفته كما لو قال للصحيحه: إذا صححت فأنت طالق، فإنه يقع عليها الطلاق في الحال.
وان قال لامرأته كلما حضت فانت طالق، فإذا رأت الدم طلقت برؤيته فإذا انقطع الدم وطهرت طهرا كاملا ثم رأت الدم طلقت طلقه ثانيه، فإذا طهرت ثم رأت الدم طلقت ثالثه، لان " كلما " تقتضي التكرار وتكون الطلقات كلها بدعيه.
(فرع)
وان قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق - فإن كان طاهرا - لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر لانه قال حيضه.
وذلك لا يوجد الا بطهرها من الحيض، وان كانت حائضا لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ويكون الطلاق سببا لانه يقع بأول الطهر وان قال: كلما حضت حيضة فأنت طالق، فإذا حاضت حيضة كاملة بعد عقد الصفه، وقع عليها طلقه بأول جزء من الظهر بعد الحيض، ثم إذا حاضت الثانية وطهرت منه طلقت ثانية بأول جزء من الطهر، ثم إذا حاضت الثالثه وطهرت منه طلقت الثالثة بأول جزء من الطهر، لان " كلما " تقتضي التكرار، وتكون الطلقات للسنة،
وإن قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت حيضتين فأنت
طالق، فإنها إذا حاضت حيضة وقع عليها طلقة بانقطاع الدم لوجود الحيضة، فإذا حاضت حيضة ثانية وقع عليها حيضة ثانية بإنقطاع دمها من الحيضة الثانية لانها مع الاولة حيضتان.
وإن قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، ثم إذا حضت حيضتين فأنت طالق، فإذا انقطع دمها من الحيضة الاولة وقع عليها طلقة لوجود الصفة، وان حاضت بعدها حيضة ثانية لم تطلق حتى تطهر من الحيضة الثالثه لان ثم للترتيب والواو للجمع.
(فرع)
وإن قال لامرأته وهى حائض: إذا طهرت فأنت طالق، طلقت بانقطاع الدم لوجود الشرط ويكون الطلاق سببا، لانه يقع في الطهر، وان قال لها كذلك وهى طاهر، قال الشيخ أبو إسحاق هنا: لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر لان " إذا " اسم لزمان مستقبل، وعلى قياس قول ابن الصباغ في الحيض تطلق عقيب قوله.
وان قال لها: إذا طهرت طهرا فأنت طالق - فان كانت حال عقد الصفة حائضا لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض، وان كانت طاهرا لم تطلق حتى تحيض ثم تطهر ثم تحيض، لانه لا يوجد الطهر الكامل الا بذلك، ويكون الطلاق بدعيا، لانه يقع بأول جزء من الحيض ويأثم به.
وان قال لها: أنت طالق في كل طهر طلقة - فإن كانت طاهرا - طلقت طلقه وان رأت الدم وانقطع طلقت الثانية، وإذا رأت الدم ثانيا وانقطع طلقت الثالثة وان كانت حال العقد حائضا لم تطلق حتى ينقطع الدم فتطلق، ثم بانقطاع الحيض الثاني تطلق ثانية، ثم بانقطاع الحيض الثالث تطلق الثالثة، وان رأت الدم على الحمل - فإن قلنا: انه حيض - طلقت بانقطاعه، ويتكرر عليها الطلاق في الحمل بانقطاع كل دم على هذا القول.
قوله " في كل قرء " قال ابن بطال: القرء الحيض والقرء أيضا الطهر وهو
من الاضداد.
وفيه لغتان قرء بالفتح وقرء بالضم وجميعه قروء وأقراء.
قال الشاعر: مورثة مالا وفى الحى رفعة
- لما ضاع فيها من قروء نسائكا
وهو الوقت فقيل للحيض والطهر قرء، لانهما يرجعان لوقت معلوم.
وأصله الجمع، وكل شئ قرأته قد جمعته اه.
وقال في المصباح في غريب الشرح الكبير للرافعي: والقرء فيه لغتان الفتح وجمعه قروء وأقروء مثل فلس وفلوس وأفلس والضم ويجمع على أقراء مثل قفل وأقفال.
قال أئمة اللغة: ويطلق على الطهر والحيض، وحكاه ابن فارس أيضا ثم قال: ويقال: انه للطهر، وذلك أن المرأة الطاهر كأن الدم اجتمع في بدنها وامتسك.
ويقال: انه للحيض، ويقال: أقرأت إذا حاضت، وأقرأت إذا طهرت فهى مقرئ، وأما ثلاثة قروءه، فقال الاصمعي: هذه الاضافة على غير قياس، والقياس ثلاثة أقراء، لانه جمع قلة مثل ثلاثة أفلس، وثلاثة رجلة، ولا يقال: ثلاثة فلوس ولا ثلاثة رجال.
وقال النحويون: هو على التأويل والتقدير ثلاثة من قروء، لان العدد يضاف إلى مميزه وهن من ثلاثة إلى عشرة قليل، والمميز هو المميز، فلا يميز القليل بالكثير.
قال: ويحتمل عندي أنه قد وضع أحد الجمعين في موضع الاخر اتساعا لفهم المعنى، هذا ما نقل عنه، وذهب بعضهم إلى أن مميز الثلاثه إلى العشرة يجوز أن يكون جمع كثرة من غير تأويل، فيقال: خمسه كلاب وستة عبيد، ولا يجب عند هذا القائل أن يقال: خمسة أكلب ولا ستة أعبد، وقرأت أم الكتاب في كل قومة وبأم الكتاب يتعدى بنفسه وبالباء قراءة وقرءآنا ثم استعمل القرآن اسما مثل الشكران والكفران.
وإذا أطلق انصرف شرعا إلى المعنى
القائم بالنفس ولغة إلى الحروف المقطعة لانها هي التى تقرأ نحو كتبت القرآن ومسسته، والفاعل قارئ، وقرأة وقراء.
وقارئون مثل كافر وكفرة وكفار وكافرون.
وقرأت على زيد السلام أقرؤه عليه قراءة أما الاحكام: فإنه ان قال لها: أنت طالق ثلاثا في كل قرء طلقه.
فان كانت حاملا طاهرا وقع عليها في الحال طلقه.
وان كانت حاملا حائضا - فإن قلنا: ان الدم على الحمل ليس بحيض - وقع عليها طلقه.
وان قلنا: انه حيض فاختلف أصحابنا فيه.
فقال الشيخان أبو إسحاق المروزى وأبو حامد الاسفرايينى
يقع عليها الطلاق: لان زمان الحمل كله قرء واحد بدليل أن العدة لا تنقضي إلا بالوضع.
وقال المسعودي والقاضى أبو الطيب: لا يقع عليها الطلاق حتى تطهر لان الاقراء عندنا الاطهار، وهذا حيض فلم يقع عليها الطلاق، وبه قال المسعودي، وهل يتكرر الطلاق في كل طهر على الحمل؟ فيه وجهان.
(أحدهما) لا يتكرر، لان العدة لا تنقضي بثلاثة منها.
(والثانى) يتكرر وهو الاقيس، لانه طهر من حيض، وإذا وقع على الحامل طلقة نظرت - فان لم يراجعها حتى وضعت - انقضت عدتها وبانت منه ولا يلحقها بعد ذلك طلاق، وإن استرجعها قبل أن تضع لم تطلق حتى تطهر من النفاس، ثم إذا طهرت من الحيض بعد النفاس وقعت عليها الثالثة، وان كانت حاملا مدخولا بها نظرت - فإن كانت حائضا - لم يقع عليها الطلاق في الحال، لان الحيض ليس بقرء، فإذا انقطع دمها وقعت عليها طلقة، فإذا حاضت وانقطع دمها وقعت عليها الثانية بأول جزء من الطهر، فإذا حاضت الثالثة وانقطع دمها بأول جزء من الطهر - ولا فرق في هذا بين أن يراجعها أو لا يراجعها - فإن كانت طاهرا حين عقد الطلاق وقع عليها طلقة، لان بقية الطهر قرء إن كان قد جامعها في هذا الطهر - وقعت الطلقة بدعية، وإن لم يجامعها فيه وقعت سنية فإذا حاضت ثم طهرت طلقت الثانية بأول جزء من الطهر ثم إذا حاضت وطهرت طلقت الثانية بأول جزء من الطهر، ولا فرق في هذا أيضا بين أن يراجعها أو لا يراجعها، وان كانت غير مدخول بها، فان كانت طاهرا وقعت عليها طلقة ولا تقع عليها الثالثة والثانية بالطهر الثاني والثالث، لانها تبين بالاولة فلم يلحقها ما بعدها، وان كانت حال العقد حائضا ففيه وجهان حكاهما ابن الصباغ.
(أحدهما) تقع عليها طلقة وتبين بها لانها ليست من أهل سنة الطلاق وبدعته (والثانى) وهو قول القاضى أبى الطيب: أنه لا يقع عليها طلاق حتى تطهر من حيضها، لان الاقراء هي الاطهار، فإذا طهرت وقعت عليها طلقة بانت بها، وان كانت صغيرة مدخولا بها وقع عليها في الحال طلقة، فإذا مضت ثلاثة أشهر ولم يراجعها بانت ولم تلحقها الثانية ولا الثالثة، وإن راجعها قبل
انقضاء عدتها لم تطلق حتى ترى الحيض ثم تطهر فتقع عليها في الحال طلقة وبانت بها ولا تلحقها الثانية والثالثة، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي: هل يقع على الصغيرة طلقة في الحال؟ على وجهين بناء على أنها إذا حاضت فهل يحتسب على فيها؟ على قولين، وإن كانت آيسة غير مدخول بها وقعت عليها طلقة وبانت ولا تلحقها الثانية والثالثة، وإن كانت مدخولا بها وقعت عليها طلقة، فان لم يراجعها حتى انقضت ثلاثة أشهر بانت ولم تلحقها الثانية والثالثة، وان راجعها قبل انقضاء الثلاثة لم تلحقها الثانية والثالثة إلا إن عاودها الدم، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي: هل يلحقها في الحال طلقة؟ على وجهين، فان عاودها الدم علمنا أنه وقع عليها طلقة حال عقد الطلاق وجها واحدا والله تعالى أعلم بالصواب
وهو حسبى ونعم الوكيل.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن قال: ان حضت فأنت طالق فقالت: حضت فصدقها طلقت وان كذبها فالقول قولها مع يمينها لانه لا يعرف الحيض الا من جهتها، وان قال لها قد حضت فأنكرت طلقت باقراره، وان قال: ان حضت فضرتك طالق فقالت: حضت، فان صدقها طلقت ضرتها، وان كذبها لم تطلق، لان قولها يقبل على الزوج في حقها ولا يقبل على غيرها الا بتصديق الزوج كالمودع يقبل قوله في رد الوديعة على المودع، ولا يقبل في الرد على غيره.
وان قال: إذا حضت فأنت وضرتك طالقان، فقالت: حضت، فان صدقها طلقتا، وان كذبها وحلفت طلقت هي ولم تطلق ضرتها.
وان صدقتها الضرة على حيضها لم يؤثر تصديقها، ولكن لها أن تحلف الزوج على تكذيبها، وان قال إذا حضتما فانتما طالقان، فان قالتا: حضنا فصدقهما طلقتا، وان كذبهما لم تطلق واحدة منهما، لان طلاق كل واحدة منهما معلق على شرطين.
حيضها وحيض صاحبتها، ولا يقبل قول كل واحدة منهما الا في حيضها في حقها نفسها دون صاحبتها، ولم يوجد الشرطان.
وان صدق احداهما وكذب الاخرى طلقت
المكذبة لانها غير مقبولة القول على صاحبتها ومقبولة القول في حق نفسها، وقد صدق الزوج صاحبتها فوجد الشرطان في طلاقها، فطلقت، والمصدقة مقبولة القول في حيضها في حق نفسها، وقد صدقها الزوج، وقول صاحبتها غير مقبول في حيضها في طلاقها ولم يوجد الشرطان في حقها فلم تطلق (الشرح) الاحكام: إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق، فقالت حضت فان صدقها الزوج وقع عليها الطلاق لانه اعترف بوجود شرط الطلاق، وان
كذبها فالقول قولها مع يمينها، لان الحيض تستر به المرأة ولا يمكنها اقامه البينة عليه فكان القول قولها.
وان قال لها ان حضت فضرتك طالق، فقالت حضت، فان صدقها وقع على ضرتها الطلاق، وان كذبها لم يقع الطلاق على ضرتها، والفرق بينهما ان في الاولة الحق لها فحلفت على اثبات حق نفسها.
وههنا الحق لضرتها، والانسان لا يحلف لاثبات الحق لغيره فتبقى الخصومه بين الزوج والضرة، فان قالت الضرة قد حاضت، وقال الزوج لم تحض فالقول قول الزوج مع يمينه، لانه يساوى الضرة في الجهل بحيض الاخرى وللزوج ميزته عليها، لان الاصل بقاء الزوجية فكان القول قوله، والذى يقتضى المذهب أنه يحلف: ما يعلم أنها حاضت، لانه يحلف على نفى فعل غيره.
وان قال لها: ان حضت فأنت وضرتك طالقان، فقالت حضت، فان صدقها طلقتا، وان كذبها حلفت ولم تطلق ضرتها لانها تحلف على اثبات حق نفسها ولا تحلف لاثبات حق ضرتها.
وان ادعت عليه الضرة حلف لها على ما مضى، وان قال لهما: ان حضتما فأنتما طالقان، فان قالتا حضنا فصدقهما طاقتا، وان كذبهما لم تطلق واحدة منهما، لان طلاق كل واحدة معلق بحيضها وحيض صاحبتها، وقول كل واحدة منهما لا تقبل في حق غيرها فحلف لهما.
وان صدق احداهما وكذب الاخرى طلقت المكذبه إذا حلفت دون المصدقة لانه قد اعترف بحيض المصدقه، والقول قول المكذبة مع يمينها في حيضتها في حق نفسها، فوجد الشرط في طلاقها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن قال لامرأتين إن حضتما حيضة فأنتما طالقان، ففيه وجهان
(أحدهما)
ان هذا الصفة لا تنعقد لانه يستحيل اجتماعهما في حيضة فبطل
(والثانى)
أنهما إذا حاضتا وقع الطلاق، لان الذى يستحيل هو قوله حيضه فيلغى لاستحالتها، ويبقى قوله إن حضتما، فيصير كما لو قال: إن حضتما فأنتما طالقتان، وقد بينا حكمه
(فصل)
وان قال لاربع نسوة: إن حضتن فأنتن طوالق، فقد علق طلاق كل واحدة منهن بأربع شرائط، وهى حيض الاربع.
فإن قلن حضنا وصدقهن طلقن، لانه قد وجد حيض الاربع، وإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن، لانه لم يثبت حيض الاربع، لان قول كل واحدة منهن لا يقبل إلا في حقها، وان صدق واحدة أو اثنتين لم تطلق واحدة منهن لانه لم يوجد الشرط، وإن صدق ثلاثا وكذب واحدة طلقت المكذبة.
لان قولها مقبول في حيضها في حق نفسها وقد صدق الزوج صواحبها فوجد حيض الاربع في حقها فطلقت.
ولا تطلق المصدقات لان قول كل واحدة منهن مقبول في حيضها في حقها، غير مقبول في حق صواحبها وقد بقيت واحدة منهن مكذبة فلم تطلق لاجلها.
(فصل)
وإن قال لهن: كلما حاضت واحدة منكن فصواحبها طوالق فقد جعل حيض كل واحدة منهن صفة اطلاق البواقى، فإن قلن حضنا فصدقهن طلقت كل واحدة منهن ثلاثا، لان لكل واحدة منهن ثلاث صواحب تطلق بحيض كل صاحبة طلقة، فطلقت كل واحدة منهن ثلاثا.
وإن كذبن لم تطلق واحدة منهن، لان كل واحدة منهن - وإن قبل قولها في حقها - إلا أنه لا يقبل في حق غيرها.
وان صدق واحدة منهن وقع على كل واحدة منهن طلقه، لان لكل واحدة منهن صاحبه ثبت حيضها، ولا يقع على المصدقه طلاق لانه ليس لها صاحبه ثبت حيضها.
وان صدق اثنتين وقع على كل واحدة منهما طلقه، لان لكل واحدة منهما
صاحبه ثبت حيضها، ويقع على كل واحدة من المكذبتين طلقتان، لان لكل
واحدة منهما صاحبتين ثبت حيضهما، فإن صدق ثلاثا وقع على كل واحدة منهن طلقتان، لان لكل واحدة منهن صاحبتين ثبت حيضهما ووقع على المكذبة ثلاث تطليقات لان لها ثلاث صواحب ثبت حيضهن.
(الشرح) إن قال لامرأتين: إن حضتما حيضه فأنتما طالقتان ففيه وجهان
(أحدهما)
لا تنعقد هذه الصفه، لانه يستحيل اشتراكهما في حيضه
(والثانى)
ينعقد وهو الاصح، وإذا حاضتا طلقتا، لان الذى يستحيل هو قوله حيضه فسقط وصار كما لو قال: ان حضتما فأنتما طالقتان، هكذا ذكر أصحابنا وذكر الشيخ أبو حامد الاسفرايينى في التعليق أنه يقع عليهما الطلاق في الحال لانه علق الطلاق بشرط يستحيل وجوده، فألغى وقوع الطلاق في الحال كما لو قال لمن لا سنة في طلاقها ولا بدعه: أنت طالق للسنه أو للبدعه، فإنها تطلق في الحال.
(فرع)
وإن كان له أربع زوجات فقال لهن، ان حضتن فانتن طوالق، فقلن حضنا وصدقهن طلقن لوجود الصفة في حقهن.
وإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن لانه علق طلاق كل واحدة بحيضهن، ولم توجد الصفه.
وان صدق واحدة أو اثنتين لم تطلق واحد منهن، وان صدق ثلاثا وكذب واحدة طلقت المكذبة إذا حلفت دون المصدقات لانه قد وجد حيض الاربعة في حقها، لانه قد صدق الثلاث، وقولها مقبول مع يمينها في حيضها في حق نفسها، ولا يطلقن لان حيض المكذبه لم يوجد في حقهن بل يحلف الزوج لهن.
(فرع)
وان كان له أربع زوجات فقال لهن: أيتكن حاضت فصواحبها طوالق، فقد علق طلاق كل واحدة بحيض صاحبتها: فإن قلن حضنا، فإن كذبهن
حلف لهن ولم تطلق واحدة منهن، لان كل واحدة منهن لا تحلف لاثبات حق صاحبتها، إن صدقهن وقع على كل واحدة من المصدقات طلقه لانه ما ثبت لكل واحدة منهما الا صاحبة حاضت، ووقع على كل واحدة من المكذبات طلقتان، لان لها صاحبتين ثبت حيضهما.
وان صدق ثلاثا وكذب واحدة طلقت المكذبه لان لها ثلاث صواحب ثبت حيضهن وطلق كل واحدة من المصدقات كل واحدة
طلقتين، لان لكل واحدة منهن صاحبتين ثبت حيضهما، وإن كان له ثلاث نسوة فقال: أيتكن حاضت فصاحبتاها طالقتان، فإن قلنا حضنا فصدقهن طلقت كل واحدة طلقتين، وإن كذبهن لم تطلق واحدة منهن.
وإن صدق واحدة وكذب اثنتين لم تطلق المصدقة وطلقت المكذبتان طلقه طلقه، وإن صدق اثنتين وكذب واحدة طلقت المكذبة طلقتين وطلقت المصدقتان طلقه طلقه لما ذكرناه في الاولة (فرع)
قال أبو القاسم الصيمري: إذا قال لها إذا حضت يوم الجمعة فأنت طالق فابتدأها الحيض قبل الفجر، ثم أصبحت يوم الجمعة حائضا لم يقع عليها الطلاق.
ولو بدأها الحيض بعد الفجر أو عند طلوع الشمس طلقت.
ولو قالت لا أعلم أبدأ قبل الفجر أم بعده وقع الطلاق في الظاهر لانا على يقين من حصوله فإن قال لها: إذا حضت في نهار يوم الجمعة فأنت طالق، فحاضت بعد طلوع الشمس يوم الجمعة وقع عليها الطلاق.
وإن حاضت بعد الفجر وقبل طلوع الشمس ففيه وجهان حكاهما الصيمري وإن قال: إذا رأيت دما فأنت طالق فحاضت أو استحيضت أو نفست وقع الطلاق.
فإن قال: أنا أردت دما غير هذا الذى رأيته لا يقبل منه في الحكم لانه يدعى خلاف الظاهر ودين فيما بينه وبين الله تعالى.
لانه يحتمل ما يدعيه، فلو رعفت أو حكت جرحا فخرج منه دم: قال الصيمري: الظاهر أن لا يقع عليها
الطلاق، لان إطلاق الدم لا ينصرف الا إلى الحيض أو الاستحاضة والنفاس، قال وفيه احتمال.
وإن قال لصغيرة: إذا حضت فأنت طالق لم تطلق حتى تحيض.
وان قال لها ان طهرت فأنت طالق لم تطلق حتى ترى النقاء بعد الحيض.
لان حقيقة الطهر في الاطلاق، هذا وإن قال للآيسة إذا حضت فأنت طالق لم تطلق لان الصفة لا توجد.
وأن قال لها: إن طهرت فأنت طالق.
قال الصيمري لم تطلق، لان حقيقة ذلك أن تدخل في طهر بعد حيض، وهذا لا يوجد في حقها (مسألة) كل ما قررنا في الفروع من هذه متفق عليها بين الفقهاء إلا ما كان من تعليق طلاقه على حيضها، إذ لو بان أن الدم ليس بحيض لانقطاعه لدون أقل الحيض بان أن الطلاق لم يقع، وبهذا قال الثوري وأحمد وأصحاب الرأى
قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال غير ذلك إلا مالكا فإن ابن القاسم روى عنه أنه يحنث حين تكلم به، وكذلك ما كان من قوله للحائض: إذا طهرت فأنت طالق طلقت بأول الطهر، أعنى بانقطاع دم الحيض قبل الغسل، ونص على ذلك أحمد في رواية ابراهيم الحربى، إلا أن أبا بكر من أصحاب أحمد في كتابه التنبيه قال: انها لا تطلق حتى تغتسل بناء على أن العدة لا تنقضي بانقطاع الدم حتى تغتسل.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان قال لامرأته: ان لم تكوني حاملا فأنت طالق، لم يجز وطؤها قبل الاستبراء، لان الاصل عدم الحمل ووقوع الطلاق، فإن لم يكن بها حمل طلقت.
وان وضعت حملا لاقل من ستة أشهر من وقت عقد الطلاق لم تطلق لانا تيقنا أنها كانت حاملا عند العقد.
وان وضعته لاكثر من أربع سنين طلقت
طلقه لانا تيقنا أنها لم تكن حاملا عند العقد وان وضعته لما بين ستة أشهر وأربع سنين نظرت فإن لم يطأها الزوج في هذه المدة لم يقع الطلاق لانا حكمنا بأنها كانت حاملا عند العقد.
وان كان وطئها نظرت.
فإن وضعته لاقل من ستة أشهر من وقت والوطئ ولاكثر من ستة أشهر من وقت العقد لم يقع الطلاق لانا حكمنا أنها كانت حاملا وقت العقد وان وضعته لاكثر من ستة أشهر من وقت العقد والوطئ جميعا، فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنها تطلق لانه يجوز أن يكون قبل الوطئ.
ويجوز أن يكون حدث من الوطئ.
والظاهر أنه حدث من الوطئ.
لان الاصل فيما قبل الوطئ لعدم.
(وَالثَّانِي)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنها لم تطلق لانه يحتمل أن يكون موجودا عند العقد، ويحتمل أن يكون حادثا من الوطئ بعده والاصل بقاء النكاح.
وإن قال لها ان كنت حاملا فأنت طالق يحرم وطؤها قبل الاستبراء فيه وجهان
(أحدهما)
لا يحرم لان الاصل عدم الحمل وثبوت الاباحة
(والثانى)
يحرم لانه يجوز أن تكون حاملا فيحرم وطؤها، ويجوز أن
لا تكون حاملا فيحل وطؤها فغلب التحريم، فإن استبرأها ولم يظهر الحمل فهى على الزوجية، وان ظهر الحمل نظر، فإن وضعت لاقل من ستة أشهر من وقت عقد الطلاق حكم بوقوع الطلاق، لانا تيقنا أنها كانت حاملا وقت العقد.
وان وضعته لاكثر من أربع سنين من وقت العقد لم تطلق، لانا علمنا أنها لم تكن حاملا، وان وضعته لاكثر من ستة أشهر ودون أربع سنين نظرت فان كان الزوج لم يطأها طلقت لانا حكمنا أنها كانت حاملا وقت العقد.
وان وطئها نظرت فإن وضعته لدون ستة أشهر من وقت الوطئ وفع الطلاق.
لانا حكمنا
انها كانت حاملا وقت العقد.
وان وضعته بعد ستة أشهر من بعد وطئه لم يقع الطلاق وجها واحدا لانه يجوز أن يكون موجودا وقت العقد ويجوز أن يكون حدث بعده فلا يجوز أن يوقع الطلاق بالشك واختلف أصحابنا في صفة الاستبراء ووقته وقدره، فذكر الشيخ أبو حامد الاسفراينى رحمه الله في الاستبراء في المسئلتين ثلاثة أوجه: أحدهما ثلاثة أقراء وهى أطهار، لانه استبراء حرة فكان بثلاثة أطهار.
والثانى بطهر لان القصد براءة الرحم فلا يزاد على قرء.
واستبراء الحرة لا يجوز الا بالطهر، فوجب أن يكون طهرا.
والثالث أنه بحيضه لان القصد من هذا الاستبراء معرفة براءة الرحم.
والذى يعرف به براءة الرحم الحيض.
وهل يعتد بالاستبراء قبل عقد الطلاق؟ فيه وجهان
(أحدهما)
لا يعتد لان الاستبراء لا يجوز أن يتقدم على سببه
(والثانى)
يعتد به لان القصد معرفة براءة الرحم.
وذلك يحصل وان تقدم ومن أصحابنا من قال في المسألة الثانيه الاستبراء على ما ذكرناه.
لان الاستبراء لاستباحة الوطئ.
فأما في المسألة الاولى فلا يجوز الاستبراء بدون ثلاثة أطهار ولا يعتد بما وجد منه قبل الطلاق لانه استبراء حرة للطلاق فلا يجوز بما دون ثلاثة أطهار.
ولا بما تقدم على الطلاق كالاستبراء في سائر المطلقات (الشرح) إذا قال لامرأته: ان لم تكوني حاملا فأنت طالق.
وان كنت حاملا فأنت طالق حرم عليه وطؤها قبل أن يستبرئها.
لان الاصل عدم الحمل