كتاب الوصايا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في عين يحتمل أن تكون البينة قائمة، فأمر بالسدس أو اعترف به الورثة، فإذا ثبت أنه يرجع فيه إلى بيان الورثة قبل منهم ما بينوه من قليل وكثير، فان نوزعوا أحلفوا، فلو لم يبينوا لم تخل حالهم من أن يكون عندهم بيان أو لا يكون، فان لم يكن عندهم بيان رجع إلى بيان الموصى له، فان نوزع أحلف، وان لم يكن عند الموصى له بيان فأبوا أن يبينوا ففيه وجهان من اختلاف قولين فيمن أقر بمجمل وامتنع أن يبين أحدهما يحبس الوارث حتى يبين، والثانى يرجع إلى بيان الموصى له (فرع)
إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته ولم يسمه قال الشافعي رضى الله عنه (أعطيته مثل أقلهم نصيبا) (قلت) لان الوصايا لا يستحق فيها الا اليقين والاقل، فلا تعين الزيادة على شك، فان كان سهم الزوجة أقل أعطيته مثل سهمها، وان كان سهم غيرها من
البنات أو بنات الابن أقل أعطيته مثله، واعتبار ذلك باعتبار سهام كل واحد من الورثة من أصل فريضتهم، فتجعل للموصى له مثل سهام أقلهم، وتضمه إلى أهل الفريضة، ثم يقسم المال بين الموصى له والورثة على ما اجتمع معك من العددين وقد بيناه.
ولو وصى إليه بمثل أكثرهم نصيبا اعتبرته زودته على سهام الفريضة ثم قسمت ما اجتمع من العددين على ما وصفناه، فعلى هذا لو اختلف الورثة فقال بعضهم أراد مثل أقلنا نصيبا، وقال بعضهم بل أراد مثل أكثرنا نصيبا أعطيته من نصيب كل واحد من الفريقين حصة مما اعترف بها ومثاله أن يكون الورثة ابنين وبنتين فيكون لكل ابن سهمان ولكل بنت سهم وللموصى له بمثل نصيب الذكر، ولو أراد أنثى لكان المال مقسوما على سبعة اسم فريضه ابنين وثلاثة بنات ولو ترك ابنا وبنتا وأوصى لرجل بمثل نصيب البنت فذلك ضربان
(أحدهما)
أن يريد بمثل نصيب البنت قبل دخول الوصية عليها.
فعلى هذا يكون الموصى له بمثل نصيب الابن خمس المال وللموصى له بمثل نصيب البنت ربع المال، فيصير بالوصيتين بخمس المال وربعه فيوقف على اجازتهما.
والضرب الثاني: أن يريد بمثل نصيب البنت بعد دخول الوصية عليها فعلى هذا يكون الموصى له بمثل نصيب الابن خمس المال، وللموصى له بمثل نصيب البنت سدس المال فتصير الوصيتان بخمس المال وسدسه فتوقف على اجازتهما فلو ابتدأ فوصى لرجل بمثل نصيب البنت ولآخر بمثل نصيب الابن كان للموصى له بمثل نصيب البنت ربع المال، فأما الموصى له بمثل نصيب الابن،
فان أراد قبل دخول الوصية عليه كان له ثلث المال ثم على هذا القياس.
ولو ترك بنتا وأخا وأوصى لرجل بمثل نصيب البنت فقد اختلف أصحابنا في قدر ما يستحقه الموصى له على وجهين.
(أحدهما)
له الربع نصف حصة البنت، لانه لما استحق مع البنت الواحدة الربع لانه نصف نصيبها.
(والوجه الثاني) وهو اصح، له الثلث لانه يصير مع البنت الواحدة كبنت ثانية كما يصير مع الابن الواحد كابن ثان، وللواحدة من البنتين الثلث فكذلك للموصى له مثل نصيب البنت الواحدة الثلث، وهكذا لو وصى بمثل نصيب أخت مع عم كان فيما يستحقه بالوصية وجهان.
أحدهما: الربع، والثانى الثلث وهكذا لو لم يرث مع البنت والاخت غيرهما، لان لكل واحدة منهما إذا انفردت النصف، والباقى لبيت المال، فعلى هذا لو وصى بمثل نصيب أخ لام فله في أحد الوجهين نصف السدس، وفى الاخر السدس.
وجملة ذلك أن الموصى جعل وارثه أصلا وقاعدة حمل عليها نصيب الموصى له وجعله مثلا له، وهذا يقتضى أن لا يزاد عليه، فان كان الورثة يتساوون في الميراث كالبنين مثلا فله نصيب أحدهم إذا كانت الوصية بمثل نصيب أحد ورثته فان تفاضلوا فله مثل نصيب أقلهم ميراثا يزاد على الفريضة، فان أوصى بنصيب وارث معين فله مثل نصيبه مزادا على الفريضة، وبهذا قال الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
وقال مالك وابن أبى ليلى وزفر وداود: يعطى مثل نصيب المعين أو مثل نصيب أحدهم إذا كانوا يتساوون من أصل المال غير مزيد، ويقسم الباقي بين الورثة
لان نصيب الوارث قبل الوصيه من أصل المال، فلو أوصى بمثل نصيب ابنه،
وله ابن واحد فالوصية بجميع المال، وان كان له ابنان فالوصيه بالنصف، وان كانوا ثلاثه فالوصيه بالثلث.
وقال مالك: إن كانوا يتفاضلون نظر إلى عددهم فأعطى سهما من عددهم لانه لا يمكن اعتبار أنصبائهم لتفاضلهم فاعتبر عدد رؤوسهم، وقد أوضحنا أن الموصى جعل وارثه أصلا وقاعدة، وهذا يدل على فساد ما خالفه، لان قاعدة الجمهور تقتضي أن لا يزاد أحدهما على صاحبه، ومتى أعطى من أصل المال فما أعطى نصيبه ولا حصلت له التسوية، والعبادة تقتضي التسوية، وإنما جعل مثل أقلهم نصيبا لانه اليقين، وما زاد فمشكوك فيه فلا يثبت مع الشك.
(فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: إذا اوصى بمثل نصب ابنه ولا ابن له غيره فله النصف، فإن لم يجز الابن فله الثلث.
قلت وهذا قول أبى حنيفة وصاحبه: فإن أجازها الابن وإلا ردت على الثلث وقال الك وزفر بن الهذيل وداود بن على: هي وصية بجميع المال، استدلالا بأن نصيب ابنه إذا لم يكن له غيره الجميع فاقتضى أن تكون الوصية بمثل نصيبه وصية بجميع المال، ولانه لو كان وصى له بمثل ما كان نصيب ابنه كانت وصية بجميع المال إجماعا وجب إذا وصى له بمثل نصيب ابنه ان تكون وصيته بجميع المال حجاجا، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه.
أحدها: ان نصيب الابن اصل والوصية بمثله فرع فلم يجز أن يكون الفرع رافعا لحكم الاصل.
والثانى: أنه لو جعلت الوصية بكل المال لخرج أن يكون للابن نصيب، وإذا لم يكن للابن نصيب بطلت الوصية التى هي مثله.
والثالث: أن الوصية بمثل نصيب ابنه توجب التسوية بين الموصى له وبين ابنه، فإذا وجب ذلك كانا نصفين ن وفى إعطائه اجميع إبطال للتسوية بينهما كما
قررنا، وأما قولهم.
إن نصيب الابن كل المال، فالجواب: أن له الجميع مع عدم الوصية، فأما مع الوصية فلا يستحق الجميع.
وأما قوله: وصيت لك بمثل ما كان نصيب ابني فالفرق بينهما أنه لم يجعل له مع الوصية نصيبا فلذلك كانت بكل المال.
فعلى هذا لو قال: وصيت لك بنصيب ابني فالذي عليه الجمهور من أصحابنا أن الوصية باطلة، وهو قول أبى حنيفة وأحمد لانها وصية بما لا يملك، لان نصيب الابن ملكه لا ملك أبيه.
وقال بعض أصحابنا الوصية جائزة، وهو قول مالك ويجريها مجرى قوله: بمثل نصيب ابنه فيجعلها وصيه بالنصف وعند مالك بالكل ولو أوصى بمثل نصيب ابنه ولا ابن له كانت الوصية باطلة، وكذلك لو كان له ابن كافر أو قاتل لانه لا نصيب له.
(فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال: بمثل نصيب أحد ولدى فله مع الابنين الثلث ومع الثلاثة الربع حتى يكون كأحدهم.
قلت: وإلى هذا ذهب أحمد وأصحابه.
وقال مالك: يكون له مع الاثنين النصف ومع الثلاثة الثلث ومع الاربعة الربع، وقد ذكرنا وجه فساده لما فيه من تفضيل الموصى له على ابنه.
(قلت) ولو قال: بمثل نصيب ابني وله ولدان فالوصية باطلة، لانه يوصى بنصيب ابنه الذى هو ملك للابن فلا يملك الاب الوصية به كما لو أوصى بما يملكه ولده من كسبه لا من ميراثه، ومن أصحابنا من صحح الوصية وجعلها كقوله: بمثل نصبي أحد ابني، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
(فصل)
فإن وصى بضعف نصيب أحد أولاده دفع إليه مثلا نصيب أحدهم
لان الضعف عبارة عن الشئ ومثله، ولهذا يروى أن عمر رضى الله عنه أضعف الصدقة على نصارى بنى تغلب، أي أخذ مثلى ما يوخذ من المسلمين فان وصى له بضعفي نصيب أحدهم أعطى ثلاثة أمثال نصيب أحدهم.
وقال أبو ثور يعطى أربعة أمثاله وهذا غلط، لان الضعف عبارة عن الشئ ومثله فوجب أن يكون الضعفان عبارة عن الشئ ومثليه.
(فصل) فإن وصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصفه وأجار الورثة قسم
المال بينهما على خمسة.
للموصى له بالثلث سهمان، وللموصى له النصف ثلاثة أسهم فإن لم يجيز واقسم الثلث بينهما على خمسه على ما ذكرناه لان ما قسم على التفاضل عند اتساع المال قسم على التفاضل عند ضيق المال كالمواريث، والمال بين الغرماء فان أوصى لرجل بجميع ماله ولآخر بثلثه وأجاز الورثة.
قسم المال بينهما على أربعة، للموصى له بالجميع ثلاثة أسهم، وللموصى له بالثلث سهم، لان السهام في الوصايا كالسهام في المواريث، ثم السهام في المواريث إذا زادت على قدر المال أعيلت الفريضة بالسهم الزائد، فكذلك في الوصية، فان لم يجيز واقسم الثلث بينهما على ما قسم الجميع.
(الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال: ضعف ما يصيب أكثر ولدى نصيبا أعطيته مثله مرتين، ولو قال: ضعفين، فان كان نصيبه مائة أعطيته ثلاثمائة، فأكون قد أضعفت المائة التى تصيبه بميراثه مرة فلذاك ضعفان، وهكذا إن قال ثلاثة أضعاف وأربعة، ولم أزد على أن أنظر أصل الميراث فأضعفه له مرة بعد مرة حتى يستكمل ما أوصى له به اه اللغات: إذا أوصى لرجل بمثل ضعف نصيب أحد أولاده كان الضعف مثلى النصيب، فان كان نصيب الابن مائة كان للموصى له بالضعف مائتين، وبه قال
جمهور الفقهاء.
وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام الضعف المثل، واستدل بقوله تعالى (يضاعف لها العذاب ضعفين) أي مثلين، وقوله تعالى (فآتت أكلها ضعفين) وإذا كان الضعفان مثلين فالواحد مثل.
ولنا ان الضعف مثلان بديل قوله تعالى (إذن لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) وقال (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا) ويروى عن عمر انه اضعف الزكاة على نصارى بنى تغلب فكان يأخذ من المائتين عشرة، وقال لحذيفة وعثمان بن حنيفة لعلكما حملتما الارض مالا تطيق؟ فقال عثمان لو أضعفت عليها لاحتملت، قال الازهرى الضعف المثل فما فوقه.
قال الماوردى في حاوية، والدليل عل ان الضعف مثلان هو ان اختلاف الاسماء يوجب اختلاف المسمى إلا ما خص بدليل.
ولان الضعف اعم في اللغة
من المثل فلم يجز أن يسوى بينه وبين المثل، ولان انشقاق الضعف من المضاعفة والثنية من قولهم: أضعف الثوب إذا طويته بطاقين فأما الآية ففيها جوابان
(أحدهما)
ما حكاه أبو العباس عن الاثرم عن بعض المفسرين أنه جعل عذابهن إذا أتين بفاحشة ثلاثة أمثال عذاب غيرهن فلم يكن فيه دليل
(والثانى)
أن الضعف قد يستعمل في موضع المثل مجازا إذا صرفه الدليل عن حقيقته، وليست الاحكام تتعلق بالمجاز، وانما تتعلق بالحقائق فأما بيان الاحكام فإنه إذا أوصى له بضعفي نصيب ابنه فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب (أحدها) وهو مذهب مالك أن له مثلى نصيبه لانه جعل الضعف مثلا فجعل الضعفين مثلين والمذهب الثاني وهو مذهب أبى ثور أن له أربعة أمثال نصيبه، لانه لما استحق بالضعف مثلين استحق بالضعفين أربعة أمثال
والمذهب الثالث وهو مذهب الشافعي رضى الله عنه وجمهور الفقهاء أن له بالضعفين ثلاثة أمثال نصيبه، فإن كان الابن نصيبه مائة استحق بالضعفين ثلاثمائة، لانه لما أخذ بالضعف سهم الابن ومثله حتى استحق مثلين.
وجب أن يأخذ بالضعفين لسهم الابن ومثليه يستحق به ثلاثة أمثاله.
فعلى هذا لو أوصى له بثلاثة أضعاف نصيب ابنه استحق أربعة أمثاله، وبأربعة أضعاف خمسة أمثاله وكذلك فيما زاد (فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: ولو أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصفه ولآخر بربعه فقد عالت وصاياه كل ماله، فلا يخلو حال ورثته من ثلاثة أحوال: إما أن يجيزوا جميعا أو يردوا جميعا، أو يجيزوا بعضها ويردوا بعضها، فان أجازوا جميعها قسم المال بينهم على قدر وصاياهم وأصلها من إثنى عشر لاجتماع الثلث والربع ويعول بسهم، وتصح من ثلثه عشر، لصاحب النصف ستة اسهم، ولصاحب الثلث أربعة أسهم، ولصاحب الربع ثلاثة أسهم، وكان النقص ببسهم العول داخلا على جميعهم كالمواريث.
وهذا متفق عليه ولم يخالف فيه أبو حنيفة ولا غيره
(فصل) فإن قال أعطوه رأسا من رقيقي ولا رقيق له، أو قال أعطوه عبدى الحبشى وله عبد سندى أو عبدى الحبشى وسماه باسمه ووصفه صفة من بياض أو سواد وعنده حبشي يسمى بذلك الاسم ومخالف له في الصفة فالوصية باطلة لانه وصى له بما لا يملكه، فإن كان له رقيق أعطى منه واحدا، سليما كان أو معيبا لانه لا عرف في هبة الرقيق فحمل على ما يقع عليه الاسلم، فإن مات ماله من الرقيق بطلت الوصية لانه فات ما تعلقت به الوصية من غير تفريط، فإن قتلوا فإن كان قبل موت الموصى بطلت الوصية لانه جاء وقت الوجوب ولا رقيق له ن فإن قتلوا بعد موته وجبت له قيمة واحد منهم لانه يدل ما وجب له.
(فصل)
فإن وصى بعتق عبد أعتق عنه ما يقع عليه الاسم لعموم اللفظ.
ومن أصحابنا من قال: لا يجزى إلا ما يجزى في الكفارة لان العتق في الشرع له عرف وهو ما يجزى في الكفارة فحملت الوصية عليه، فإن وصى أن يعتق عنه رقبة فعجز الثلث عنها ولم تجز الورثة أعتق قدر الثلث من الرقبة لان الوصية تعلقت بجميعها، فإذا تعذر الجميع بقى في قدر الثلث، فان وصى أن يعتق عنه رقاب أعتق ثلاثة لان الرقاب جمع وأقله ثلاثة، فان عجز الثلث عن الثلاثة أعتق عنه ما أمكن، فان اتسع الثلث لرقبتين وتفضل شئ، فان لم يمكن أن يشترى بالفضل بعض الثالثة زيد في ثمن الرقبتين، وإن أمكن أن يشترى به بعض الثالثة ففيه وجهان.
(أحدهما) يزاد في ثمن الرقبتين لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أفضل الرقاب فقال (أكثرها ثمنا وأنفسها عند أهلها) (والثانى) أنه يشترى به بعض الثالثة لقوله صلى الله عليه وسلم (من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار) ولان ذلك أقرب إلى العدد الموصى به.
(فصل)
فان قال أعتقوا عبدا من عبيدى وله خنثى حكم له بأنه رجل، ففيه وجهان.
أحدهما أنه يجوز لانه محكوم بأنه عبد.
الثاني لا يجوز لان اسم العبد لا ينصرف إليه، فإن قال أعتقوا أحد رقيقي وفيهم خنثى مشكل فقد روى الربيع فيمن وصى بكتابة أحد رقيقه أنه لا يجوز الخنثى المشكل.
وروى المزني أنه يجوز
فمن أصحابنا من قال: يجوز كما نقله المزني، لانه من الرقيق، ومنهم من قال لا يجوز كما نقله الربيع لان إطلاق اسم الرقيق لا ينصرف إلى الخنثى المشكل
(فصل)
فان قال أعطوه شاة جاز أن يدفع إليه الصغير والكبير والضأن
والمعز، لان اسم الشاة يقع عليه ولا يدفع إليه تيس ولا كبش على المنصوص ومن أصحابنا من قال يجوز الذكر والانثى، لان الشاة اسم للجنس يقع على الذكر والانثى كالانسان، يقع على الرجل والمرأة فان قال أعطوه شاة من غنمي والغنم إناث لم يدفع إليه ذكر، فان كانت ذكورا لم يدفع إليه أنثى لانه أضاف إلى المال وليس في المال غيره، فان كانت غنمه ذكورا وإناثا فعلى ما ذكرنا من الخلاف فيه إذا أوصى بشاة ولم يضف إلى المال.
فان قال أعطوه ثورا لم يعط بقرة، فان قال أعطوه جملا لم يعط ناقة، فان قال أعطوه بعيرا فالمنصوص أنه لا يعطى ناقة.
ومن أصحابنا من قال يعطى لان البعير كالانسان يقع على الذكر والانثى، فان قال أعطوه رأسا من الابل أو رأسا من البقر أو رأسا من الغنم جاز الذكر والانثى، لان ذلك اسم للجنس
(فصل)
فان قال أعطوه دابة فالمنصوص أنه يعطى فرسا أو بغلا أو حمارا واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس: هذا قاله على عادة أهل مصر، فان الدواب في عرفهم الاجناس الثالثة، فان كان الموصى بمصر أعطى واحدا من الثلاثة.
وان كان في غيرها لم يعط إلا الفرس، لانه لا تطلق الدابة في سائر البلاد إلا على الفرس.
وقال أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: يعطى وحدا من الثلاثة في جميع البلاد، لان اسم الدواب يطلق على الجميع، فان قال: أعطوه دابة من دوابى، وليس عنده إلا واحد من الثلاثة أعطى منه، لانه أضاف إلى ماله وليس له غيره فان قال أعطوه دابة ليقاتل عليه العدو لم يعط إلا فرسا.
فان قال ليحمل عليه لم يعط إلا بغلا أو حمارا، فان قال لينتفع بنسله لم يعط إلا فرسا أو حمارا لان القرينة دلت على ما ذكرناه.
(الشرح) حديث (سئل عن أفضل الرقاب) رواه أحمد والبخاري ومسلم
من حديث أبى ذر رضى الله عنه، وحديث (من أعتق رقبة) رواه ثلاثتهم أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه.
أما قوله: فإن قال (أعطوه شاة من غنمي الخ) فهو كما قال الشافعي رضى الله عنه: ولو أوصى بشاة من ماله، كأن قيل للورثه أعطوه أو اشتروها له، صغيرة كانت أو كبيرة، ضأنا أو معزا.
اه قلت: ومعنى هذا أن الوصية جائزة ترك غنما أو لم يترك، لانه جعلها في ماله ويعطيه الورثة ما شاءوا، ضأنا أو معزا كبيرا أو صغيرا سمينا أو هزيلا.
وفى استحقاق الانثى وجهان
(أحدهما)
وهو الظاهر من نصر الشافعي أنه لا يعطى إلا أنثى لان الهاء موضوعة للتأنيث (والوجه الثاني) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أن للورثة الخيار في إعطئه ذكرا أو أنثى، لان الهاء من أصل الكلمة في اسم الجنس فاستوى فيه الذكر والانثى، ولكن لو قال شاة من غنمي وكانت غنمه كلها إناثا لم يعطى إلا أنثى.
وكذلك لو كانت كلها ذكورا لم يعط لا ذكرا منها.
وهكذا لو دل كلامه على المراد منها حمل عليه.
مثل قوله شاة ينتفع بدرها ونسلها لم يعط إلا كبيرة أنثى لتكون ذات در ونسل، وسواء كانت ضأنية أو معزية.
فان قال شاة ينتفع بصوفها لم يعط إلا من الضأن.
ولو قال ينتفع بشعرها لم يعط إلا من المعز، ولا يجوز إذا أوصى بشاة من ماله أن يعطى غزالا ولا ظبيا وان انطلق عليه اسم الشاة مجازا.
ولكن لو قال شاة من شياهى ولم يكن في ماله إلا ظبى ففيه وجهان
(أحدهما)
أن الوصية باطلة، لان اسم الشاة يتناول الغنم، وليس بتركته فبطت (والوجه الثاني) أنها تصح لانه لما اضاف ذلك إلى شائه وليس في ماله إلا ما ينطلق عليه مجاز الاسم دون الحقيقة حمل عليه، وانصرفت وصيته إلى
الظبى الموجود في تركته حتى لا تبطل وصيته (فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال: بعيرا أو ثورا لم يكن لهم أن يعطوه ناقة ولا بقرة ولو قال: عشر أنيق وعشر بقرات لم يكن لهم أن يعطوه ذكرا.
ولو قال عشرة أجمال أو أثوار لم يكن لهم أن يعطوه أنثى، ولو قال: عشرة من إبلى أعطوه ما شاءوا
قلت: وبهذا نعلم أنه إذا أوصى بثور لم يعط إلا ذكرا.
ولو قال بقرة لم يعط الا أنثى وكان بعض أصحابنا يخرج في البقرة وجها آخر أنه يجوز أن يعطى ذكرا أو أنثى كالشاة لان الهاء من أصل اسم الجنس ولا يجوز أن يعدل في الوصيه بالثور والبقرة إلى الجواميس بخلاف الشياء التى ينطلق عليها اسم الضأن والمعز إلا ان يكون في كلامه ما يدل عليه.
أو يقول بقرة من بقرى وليس له إلا الجواميس فتنصرف إلى الجواميس، وان كان اسم البقر يتناولها مجازا.
لان إضافة الوصية إلى التركة قد صرف الاسم عن حقيقته إلى مجازه.
ولا يجوز ان يعدل به إلى بقر الوحش، فان اضاف الوصية إلى بقره ولم يكن له الا بقر الوحش فعلى ما ذكرنا من الوجهين فأما إذا أوصى ببعين فمذهب الشافعي يانه لا يعطى إلا ذكرا، لان الاسم بالذكور أخص.
وقال بعض أصحابنا هو اسم للجنس فيعطى ما شاء الوارث من ذكر أو انثى.
فأما إذا اوصى له بحمل لم يعط الا ذكرا لاختصاص هذا الاسم بالذكور.
ولو أوصى بعشر من إبله اعطاه ما شاء الوارث من ذكور واناث، وسواء اثبت الهاء في العدد أو أسقطها.
ومن اصحابنا من قال: إذا أثبت الهاء في العدد فقال عشرة من ابلى لم يعط
الا من الذكور لان عددها باثبات الهاء كما هو معروف في قواعد النحو في العدد وان اسقط الهاء في العدد فقال: عشر من ابلى لم يعط الا من الاناث، لان عددها باسقاط الهاء لقوله تعالى (سبع ليال وثمانية أيام حسوما) وقوله (سبع سموات طباقا) وقوله (سبع بقرات سمان يأكلن سبع عجاف) وكما نقول عشر نسوة وعشرة رجال.
وهذا لا وجه له لان اسم الابل إذا كان يتناول الذكور والاناث تناولا واحدا صار العدد فيها محمولا على القدر دون النوع واما إذا قال اعطوه مطية أو راحلة فذلك يتناول الذكور والاناث فيعطيه ما شاء الوارث منها.
فأما إذا قال أعطوه دابة فقال الشافعي رضى الله عنه: أعطى من الخيل والبغال والحمير ذكرا أو أنثى صحيحا صغيرا أو كبيرا، أعجف أو سمينا.
(قلت) لان اسم الدواب يطلق على كل ما دب على الارض اشتقاقا من دبيبه غير أنه في العرف مختص ببعضها، فان قال: اعطهوه دابة من دوابى فقد اختلف أصحابنا في قول الشافع: أعطى من الخيل والبغال والحمير الخ، فقال أبو العباس ابن سريج يحمل ذلك على عرف الناس بمصر حيث قال ذلك فيهم، وذكره لهم اعتبارا بعرفهم.
أما بالعراق والحجاز فلا ينطلق إلا على الخيل وحدها ولا يتناول غيرها إلا مجازا يعرف بقرينة، فإن كان الموصى بمصر خير ورثته بين الاصناف الثلاثة، وإن كان بالعراق لم يعطوه إلا من الخيل.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْن أَبِي هريرة: بل الجواب محمول على ظاهره في كل البلاد، بأن اسم الدواب ينطلق على هذه الاجناس الثلاثة، فإن شذ بعض البلاد بتخصيص بعضها بالاسم لم يعتبر به حكم العرف العام، فلو قرن ذلك بما يدل على التخصيص حمل على قرينته، كقوله: اعطوه دابة يقاتل عليها
فلا يعطى إلا من الخيل عتيقا أو هجينا ذكرا أو أنثى ولا يعطى صغيرا ولا مما لا يطيق الركوب، ولو قال: دابة يحمل عليها أعطى من البغال والحمير دون الخيل، ولو قال ينتفع بنتاجها يعطى من الخيل والحمير ولا يعطى من البغال وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(فصل)
فإن وصى بكلب ولا كلب له فالوصية باطلة، لانه ليس عنده كلب ولا يمكن أن يشترى، فبطلت الوصية، فإن قال: أعطوه كلبا من كلابي وعنده كلاب لا ينتفع بها بطلت الوصية، لان مالا منفعة فيه من الكلاب لا يحل اقتناؤه فان كان ينتفع بها اعطى واحدا منها إلا أن يقرن به قرينة من صيد أو حفظ زرع فيدفع إليه مادلت عليه القرينة، فان كان له ثلاثة كلاب ولا مال له فأوصى بجميعها ولم تجز الوثة ردت إلى الثلث وفى كيفية الرد وجهان.
(أحدهما) يدفع إليه من كل كلب ثلثه كسائر الاعيان (والثانى) يدفع إليه
أحدها وتخالف سائر الاعيان لان الاعيان تقوم وتختلف أثمانها والكلاب لا تقوم فاستوى جميها وفيما يأخذ وجهان.
(أحدهما) وهو قول أبى إسحاق أنه يأخذ واحدا منها بالقرعة.
(والثانى) يعطيه الوارث ما شاء منها فان كان له كلب واحد فوصى به ولم تجز الورثة ولم يكن له مال أعطى ثلثه، فإن كان له مال ففيه وجهان (أحدهما) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إنه يدفع الجميع إلى الموصى له لان أقل المال خير من من الكلب فأمضيت الوصية فيه كما لو أوصى له بشاة وله مال تخرج الشاة من ثلثه (والثانى) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى انه يدفع إليه ثلث الكلب لانه لا يجوز ان يحصل للموصى له شئ إلا ويحصل للورثه مثلاه ولا يمكن اعتبار الكلب من ثلث المال لانه لا قيمة له فاعتبر بنفسه.
(فصل) وان وصى له بطبل من طبوله وليس له الا طبول الحرب اعطى واحدا منها وان لم يكن له إلا طبول اللهو نظرت، فان لم يصلح وهو طبل لغير اللهو، وإن فصل لمباح لم يقع عليه اسم الطبل فالوصية باطله لانه وصية بمحرم وإن كان يصلح لمنفعة مباحه مع بقاء الاسم جازت الوصيه لانه يمكن الانتفاع به في مباح، وإن كان له طبل حرب وطبل لهو ولم يصلح طبل اللهو لغير اللهو اعطى طبل الحرب لان طبل اللهو لا تصح الوصيه به فيصير كالمعدوم، وإن كان يصلح لمنفعه مباحه اعطاه الوارث ما شاء منهما.
(فصل)
فان وصى بعود من عيدانه وعنده عود اللهو وعود القوس وعود البناء كانت الوصيه بعود اللهو، لان اطلاق الاسم ينصرف إليه، فان كان عود اللهو يصلح لمنفعه مباحه دفع إليه ولا يدفع معه الوتر والمضراب لان اسم العود يقع من غير وتر ولا مضراب، وان كان لا يصلح لغير اللهو فالوصيه باطله لانه وصيه بمحرم.
ومن أصحابنا من قال: يعطى من عود القوس والبناء لان المحرم كالمعدوم كما قلنا فيمن وصى بطبل من طبوله، وعنده طبل حرب وطبل لهو انه تجعل الوصيه في طبل الحرب ويجعل طبل اللهو كالمعدوم.
والمذهب انه لا يعطى شيئا
لان العود لا يطلع إلا على عود اللهو.
والطبل يطلق على طبل اللهو وطبل الحرب فإذا بطل في طبل اللهو حمل على طبل الحرب، فان قال أعطوه عودا من عيداني وليس عنده إلا عود القوس أو عود البناء أعطى منها لانه أضاف إلى ما عنده وليس عندها سواه.
(فصل)
فان وصى له بقوس كانت الوصية بالقوس الذى يرمى عنه النبل
والنشاب دون قوس الندف والجلاهق وهو قوس البندق، لان اطلاق الاسم ينصر إلى ما يرمى عنه ولا يعطى معه الوتر.
ومن أصحابنا من قال: يعطى معه الوتر لانه لا ينتفع به إلا مع الوتر، والصحيح أنه لا يعطى لان الاسم يقع عليه من غير وتر، فان قال: أعطهوه قوسا من قسى وليس عنده الا قوس الندف أو قوس البندق أعطى مما عنده لانه أضاف إلى ما عنده وليس عنده سواه، وان كان عنده قوس البندق وقوس الندف أعطى قوس البندق لان الاسم إليه أسبق.
(فصل) فان وصى بعتق مكاتبه أو بالابراء مما عليه من الثلث أقل الامرين من قيمته أو مال الكناية لان الابراء عتق، والعتق إبراء فاعتبر أقلهما وألغى الاخر فان احتملهما الثلث عتق وبرئ من المال، وان لم يحتمل شيئا منه لديون عليه بطلت الوصية وأخذ المكاتب بأداء جميع ما عليه فان أدى عتق وإن عجز رق وتعلق به حق الغرماء والورثة، فان احتمل الثلث بعض ذلك مثل أن يحتمل النصف من أقل الامرين عتق نصفه وبقى نصفه على الكناية فان أددى عتق وان عجز رق، وان احتمل الثلث أحدهما دون الآخر اعتبر الاقل فعتق به فان لم يكن له مال غير العبد نظر، فان كان قد حل عليه مال الكناية عتق ثلثه في الحال وبقى الباقي على الكناية ان أدى عتق وان عجز رق، وان لم يحل عليه مال الكناية ففيه وجهان.
(أحدهما) لا يتعجل عتق شئ منه لانه يحصل للموصى له الثلث ولم يحصل للورثة مثلاه وهذا لا يجوز كما لو أوصى بالثلث وله مال حاضر ومال غائب فانه لا تمضى الوصية في شئ حتى يحصل للورثة مثلاه.
(والثانى)
وهو ظاهر المذهب أنه يتعجل عتق ثلثه ويقف الثلثان على العتق
بالاداء أو الرق بالعجز لان الورثة على يقين من الثلثين اما بالاداء واما بالعجز بخلاف ما لو كان له مال حاضر ومال غائب لانه ليس على يقين من سلامة الغائب
(فصل)
فان قال: ضعوا عن مكاني أكثر ما عليه وضع عنه النصف وشئ لانه هو الاكثر، فان قال: ضعوا عنه ما شاء من كتابته فشاء الجميع فقد روى الربيع رحمه الله أنه يوضع عنه الجميع الا شيئا، وروى المزني أنه إذا قال ضعوا عنه ما شاء فشاءها كلها وضع الجميع لا شيئا، فمن أصحابنا من قال الصحيح ما رواه الربيع، لان قوله من كتابته يقتضى التبعيض وما رواه المزني خطأ في النقف والذى يقتضيه أن يوضع عنه الكل إذا شاء لان قوله ما شاء علم في الكل والبعض، وقال أبو إسحاق ما نقله الربيع صحيح على ما ذكرناه وما نقله المزني أيضا صحيح فانه يقتضى أن يبقى من الكل شئ، لانه لو أراد وضع الجميع لقال ضعوا عنه مال الكتابة فلما علقه على ما شاء دل على أنه لم يرد الكل.
فإن قال: ضعوا عنه ماقل وما كثر وضع الوارث عنه ما شاء من قليل وكثير لانه ما من قدر الا وهو قليل بالاضافة إلى ما هو أكثر وكثير بالاضافة إلى ما هو أقل منه.
فإن قال: ضعوا عنه أكثر نجومه وضع عنه أكثرها مالا لان اطلاق الاكثر ينصرف إلى كثرة المال دون طول المدة.
فإن قال ضعوا عنه أوسط النجوم واجتمع في نجومه أوسط في القدر واوسط في المدة وأوسط في العدد كان للوارث أن يضع أي الثلاثة شاء لان الوسط يقع على الثلاثة فإن استوى الجميع في المدة والقدر وضع عنه الاوسط في العدد، فان كانت النجوم ثلاثه وضع عنه الثاني، فان كانت أربعه وضع عنه الثاني والثالث، فان كانت خمسه وضع عنه الثالث وعلى هذا القياس.
(فصل) وان كاتب عبده كتابة فاسدة ثم أوصى لرجل بما في ذمته لم تصح الوصيه لانه لا شئ له في ذمته فصار كما لو وصى بماله في ذمة حر ولا شئ له في ذمته، وان وصى له بما يقبضه منه صحت الوصيه لانه أضاف إلى حال يملكه فصار كما لو وصى له برقبة مكاتب إذا عجزه وفى هذا عندي نظر لانه لا يملكه
بالقبض وانما يعتق بحكم الصفة كما يعتق بقبض الخمر إذا كاتبه عليه ثم لا يملكه، وان وصى برقبته والكتابة فاسدة نظرت فان لم يعلم بفساد الكتابة ففيه قولان، (أحدهما) أن الوصية جائزة لانها صادفت ملكه.
(والثانى) أنها باطلة لانه وصى وهو يعتقد أنه يملك الوصيه وان وصى بها وهو يعلم أن الكتابة فاسدة صحت الوصية قولا واحدا كما لو باع من رجل شيئا بيعا فاسدا ثم باعه من غيره وهو يعلم فساد البيع الاول، ومن أصحابنا من قال: القولان في الجميع ويخالف البيع فان فاسده لا يجرى مجرى الصحيح في الملك وفى الكتابة الفاسدة كالصحيح في العتق والصحيح هو الطريقة الاولى.
(فصل)
وان وصى بحج فرض من رأس المال حج عنه من الميقات لان الحج من الميقات.
وما قبله تسبب إليه فان وصى به من الثلث، فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أنه يحج عنه من بلده، فان عجز الثلث عنه تمم من رأس المال لانه يجب عليه الحج من بلده.
(والثانى) وهو قول أكثر أصحابنا أنه من الميقات لان الحج يجب بالشرع من الميقات فحملت الوصيه عليه، وان أوصى أن يجعل جميع الثلث في حج الفرض حج عنه من بلده، وان عجز الثلث عن ذلك حج عنه من حيث أمكن من طريقه، وان عجز عن الحج من الميقات تمم من رأس المال ما يحج به من الميقات لان الحج من الميقات مستحق من رأس المال وانما جعله من الثلث توفيرا على الورثة فإذا لم يف الثلث بالجميع بقى فيما لم يف من رأس المال.
(فصل) وان أوصى بحج التطوع، وقلنا انه تدخله النيابة نظرت، فان قال أحجوا بمائه من ثلثى حج عنه من حيث أمكن، وان لم يوجد من يحج بهذا القدر بطلت الوصيه وعاد المال إلى الورثة لانها تعذرت فبطلت كما لو أوصى لرجل بمال فرده، وان قال: أحجوا عنى بثلثي صرف الثلث فيما أمكن من عدد الحجج فان اتسع المال لحجة أو حجتين وفضل ما لا يكفى لحجة أخرى من بلده حج من حيث أمكن من دون بلده إلى الميقات، فان عجز الفضل عن حجة من الميقات رد الفضل إلى الورثة، وان أمكن أن يعتمر به لم يفعل لان الموصى له هو الحج
دون العمرة، فإن قال أحجوا عنى حج عنه بأجرة المثل من حيث أمكن من بلده إلى الميقات، فإن عجز الثلث عن حجة من الميقات بطلت الوصية لما ذكرناه.
(فصل)
وإن وصى أن يحج عنه رجل بمائة ويدفع ما يبقى من الثلث إلى آخر وأوصى بالثلث لثالث فقد وصى بثلثي ماله، فان كان الثلث مائة سقطت وصيته للموصى له بالباقي لان وصيته فيما يبقى بعد المائة ولم يبق شئ، فان أجاز الورثة دفع إلى الموصى له بالثلث ثلثه وهو مائه وإلى الموصى له بالمائة مائه وان لم يجيزوا قسم الثلث بين الموصى له بالثلث وبين الموصى له بالمائة نصفين لانهما اتفقا في قدر ما يستحقان وهو المائه، فان كان الثلث أكثر من مائه وأجاز الورثة دفع الثلث إلى الموصى له بالثلث ودفع مائه إلى الموصى له بالمائة ودفع ما بقى إلى الموصى له بالباقي، وإن لم يجيزوا ما زاد على الثلث ردت الوصية إلى نصفها وهو الثلث، فيدفع إلى الموصى له بالثلث نصف الثلث، وفى النصف الآخر وجهان:
(أحدهما)
يقدم فيه الموصى له بالمائة ولا يدفع إلى الموصى له بالباقي شئ حتى يأخذ الموصى له بالمائة حقه لانه وإن ككان قد اعتد به مع الموصى له بالمائة
في إحراز الثلث إلا أن حقه فيما يبقى بعد المائة فلا يأخذ شيئا قبل أن يستوفى الموصى له بالمائة حقه كما اعتد بالاخ من الاب مع الاخ من الاب والام على الجد في إحراز ثلثى المال ثم لا يأخذ شيئا مع الاخ من الاب والام، فان كان النصف مائه أو أقل أخذه الموصى له بالمائة، وان كان أكثر أخذ الموصى له بالمائة مائه وأخذ الموصى له بالباقي ما يبقى.
(والوجه الثاني) أن الموصى له بالمائة والموصى له بالباقي يقسمان النصف على قدر وصبتهما من الثلث، فان كان الثلث مائتين اقتسما المائة نصفين لكل واحد منهما خمسون وإن كان مائه وخمسين اقتسما الخمسة والسبعين اثلاثا، الموصى له بالمائة خمسون، وللموصى له بالباقي خمسة وعشرون، وعلى هذا القياس، لانه إنما أوصى له بالمائة من كل الثلث لا من بعضه فلم يجز أن يأخذ
من نصف الثلث ما كان يأخذ من جميعه، كأصحاب المواريث إذا زاحمهم من له فرض أو وصية.
(فصل)
وإن بدأ فوصى بثلث ماله لرجل ثم وصى لمن يحج عنه بمائة ووصى لآخر بما يبقى من الثلث فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أن الوصية بالباقي بعد المائة باطلة لان الوصية بالثلث تمنع من أن يبقى شئ من الثلث فعلى هذا إن أجاز الورثة نفذت الوصيتان، وإن لم يجيز واردت الوصية إلى الثلث، فإن كان الثلث مائه استوت وصيتهما فيقتسمان الثلث بينهما نصفين، وإن كان الثلث خمسمائة قسم الثلث بينهما على ستة أسهم للموصى له بالثلث خمسة أسهم وللموصى له بالمائة سهم، فإن كان الثلث ألفا قسم على أحد عشر سهما للموصى له بالثلث عشرة أسهم وللموصى له بالمائة سهم.
والوجه الثاني: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إن الحكم في هذه المسألة
كالحكم في المسألة قبلها لانه إذا أوصى بالمائة بعد الثلث علم أنه لم يرد ذلك الثلث لان الوصيه الاولى قد استوعبته وإنما أراد ثلثا ثانيا، فإذا أوصى بعد المائه بما يبقى من الثلث دل على أنه أراد ما يبقى من الثلث الثاني، فصار موصيا بثلثي ماله كالمسألة قبلها.
(فصل)
وان وصى لرجل بعبد ولآخر بما بقى من الثلث قوم العبد مع التركة بعد موت الموصى، فان خرج من الثلث دفع إلى الموصى له فان بقى من الثلث شئ دفع إلى الآخر وان لم يبق شئ بطلت الوصيه بالباقي لان وصيته فيما في، وإن أصاب العبد عيب بعد موت الموصى قوم سليما ودفع إلى الموصى له الباقي لانه وصى له بالباقي من قيمته وهو سليم.
وإن مات العبد بعد موت الموصى بطلت الوصيه فيه وقوم وقت الموت مع التركة ودفع إلى الموصى له الباقي من الثلث لانهما وصيتان فلا تبطل إحداهما ببطلان الاخرى، كما لو وصى لرجلين فرد أحدهما.
(فصل) فان وصى له بمنفعة عبد ملك الموصى له منافعه واكتسابه، فان كان
جارية ملك مهرها لانه بدل منفعتها، ولا يجوز للمالك وطؤها لانه تملك الرقبه من غير منفعه ولا الموصى له وطؤها لانه تملك المنفعة من غير الرقبه والوطئ لا يجوز إلا في ملك تام ويجوز تزويجها لاكتساب المهر وفيمن يملك العقد ثلاثة أوجه (أحدها) يملكه الموصى له بالمنفعه لان المهر له (والثانى) يملكه المالك لانه يملك رقبتها (والثالث) لا يصح العقد إلا باتفاقهما لان لكل واحد منهما حقا فلا ينفرد به أحدهما دون الاخر، فان أتت بولد مملوك ففيه وجهان (أحدهما) أنه للموصى له لانه من جملة فوائدها فصار كالكسب (والثانى) أنه كالام رقبته للمالك ومنفعته للموصى له لانه جزء من الام فكان حكمه حكم الام، فان قتل ففى قيمته وجهان (أحدهما) أنها للمالك لانها بدله فكانت له (والثانى) وهو الصحيح أنه يشترى به مثله للمالك رقبته وللموصى له منفعته لانه قائم مقام الاصل فكان حكمه حكم الاصل، فان جنى على طرفه ففى أرشه وجهان (أحدهما) أنه للمالك لانه يدل ملكه (والثانى) وهو الصحيح أن ما قابل منه ما نقص من قيمة الرقبه للمالك وما قابل منه ما نقص من المنفعة للموصى له لانه دخل النقص عليهما فقسط الارش عليهما، فان احتاج العبد إلى نفقة ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) وهو قول أبى سعيد الاصطخرى أن النفقه على الموصى له بالمنفعه لان الكسب له.
(والثانى) أنها على المالك، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لان النفقة على الرقبه فكانت على مالكها (والثالث) أنها في كسبه فان لم يف الكسب ففى بيت المال لانه لا يمكن ايجابها على المالك لانه لا يملك الانتفاع ولا على الموصى له لانه لا يملك الرقبه فلم يبق الا ما قلناه، فان احتاج البستان الموصى بثمرته إلى سقى أو الدار الموصى بمنفعتها إلى عمارة لم يجب على واحد منهما، لانه لو انفرد كل واحد منهما بملك الجميع لم يجبر على الانفاق فإذا اشتركا لم يجب (فصل) فان أراد المالك بيع الرقبه ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) أنه يجوز لانه يملكها ملكا تاما (والثانى) أنه لا يجوز لانها عين مسلوبة المنفعة فلم يجر
بيعها كالاعيان التى لا منفعه فيها (والثالث) يجوز بيعها من الموصى له لانه يمكنه الانتفاع بها ولا يجوز من غيره لانه لا يمكنه الانتفاع بها فان أراد أن يعتقه جاز لانه يملكه ملكا تاما وللموصى له أن يستوفى المنفعة بعد العتق لانه تصرف في
الرقبه فلم يبطل به حق الموصى له من المنفعة ولا يرجع العبد على المالك بأجرته كما يرجع العبد المستأجر على مولاه بعد العتق في أحد القولين لان هناك ملك المولى بدل منفعته ولم يملك المولى ههنا بدل المنفعة (الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال أعطوه كلبا من كلابي أعطاه الوارث أيها شاء وهذا كما قال، فإن الوصية بالكلب المنتفع به جائزة، لانه لما جاز إقراره في يد صاحبه، وحرم انتزاعه من يد صاحبه جاز أن يكون وصيه وميراثا فإذا أوصى له بكلب ولا كلاب له فالوصية باطلة، لانه لا يصح أن يشترى ولا يلزم أن يستوهب، وإن كان له كلاب فضربان: منتفع به وغير منتفع، فان كانت كلابه كلها غير منتفع بها فالوصية باطله لحظر اقتنائه وتحريم إمساكه، وإن كانت كلها منتفعا بها فكان له كلب حرث وكلب ماشية وكلب صيد نظرت، فان كان الموصى له صاحب حرث وماشية وصيد فالوارث بالخيار في إعطائه أي كلب شاء من حرث أو ماشية أو صيد.
وإن كان الموصى له ليس بصاحب حرث ولا ماشية ولا صيد ففى الوصية وجهان.
أحدهما الوصية باطلة اعتبارا بالموصى له وأنه غير منتفع به، وإن كان الموصى له ممن ينتفع بأخذها بأن كان صاحب حرث لا غير أو صاحب صيد لا غير فالوصية جائزة، وفيها وجهان.
أحدهما: يلزم الوارث أن يعطيه الكلب الذى يختص بالانتفاع به دون غيره اعتبارا بالموصى له.
والثانى أن للوارث الخيار في إعطائه أي الكلاب شاء اعتبارا بالموصى به.
فأما الوصية بالجرو الصغير المعد للتعليم ففى جوازها وجهان من اختلاف الوجهين في اقتنائه.
أحدهما: أن اقتناءه غير جائز والوصية به باطله لانه غير منتفع به في الحال.
والثانى أن اقتناءه جائز والوصية به جائزة لانه سينتفع به في ثانى حال، ولان تعليمه منفعة في الحال.
ولو كان لرجل ثلاثة كلاب ولم يترك شيئا سواها فأوصى بجميعها لرجل، فإن أجازها الورثة له وإلا ردت الوصيه إلى الثلث، ثم في كيفية رجوعها إلى الثلث وجهان.
أحدهما أن تستحق من كل كلب ثلثه فيحصل له ثلث الثلاثة، ولا يستحق واحدا بكماله إلا عن مراضاته، والوجه الثاني: أنه قد استحق بالوصية أحدها بخلاف الاموال، لان الاموال مقومه تختلف اثمانها، وليس كالكلاب التى لا تقوم، فاستوى فيه حكم جميعها، فعلى هذا فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ المروزى أنه يأخذ أحدها بالقرعة.
الثاني أن للورثة أن يعطوه أيها شاءوا فأما إن كان له كلب واحد ولا مال له غيره فأوصى به لرجل فهو كمن أوصى بجميع ماله، فإن أجازه الورثة وإلا كان للموصى له ثلثه وللورثه ثلثاه، ويكون بينهما على المهايأة.
وإن ملك مالا فأوصى بهذا الكلب الذى ليس له كلب سواه ففى الوصية وجهان.
أحدهما وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أن الوصيه جائزة في الكلب كله للموصى به له، لان قليل المال خير من الكلب الذى ليس بمال.
والوجه الثاني - وهو قول ابى سعيد الاصطخرى - ان للموصى له ثلث الكلب إذا منع الورثة من جميعه.
وإن كثر مال التركة لانه ممالا يمكن أن يشترى فيساويه الورثة فيما صار إليهم من المال، فاختص الكلب بحكمه وصار كأنه جميع التركة، فلو ترك ثلاثة كلاب ومالا، وأوصى بجميع كلابه الثلاثة، فعلى قول أبى على بن أبى هريرة: الوصيه بجميع الكلاب الثلاثه ممضاة وإن قل مال التركة وعلى قول أبى سعيد الاصطخرى تصح الوصيه في أحدها إذا امنع الورثة من جميعها (فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال أعطوه طبلا من طبولي وله طبلان للحرب واللهو أعطاه أيهما شاء، فإن لم يصلح الذى للهو الا للطرب لم
يكن لهم أن يعطوا إلا الذى للحرب وأصل هذه المسائل أن الوصيه بما لا منفعة فيه باطله والوصيه بما فيه منفعة مباحه ومنفعة محظورة ومنفعة مشتركة بين الحظر والاباحه ن فإن كانت المنفعة مباحه جاز بيع ذلك والوصيه به، وان كانت المنفعة محظورة لم يجز بيعه ولا الوصيه به وان كانت مشتركة جاز بيعه والوصيه به لاجل الاباحه ونهى عن استعماله في الحظر
فإذا ثبت هذا: وأوصى له بطبل من طبوله، فان لم يكن له إلا طبول الحرب فالوصية به جائزة، لان طبل الحرب مباح، ثم ينظر، فإن كان اسم الطبل يطلق عليه بغير جلد دفع إليه الطبل بغير جلد، وإن كان لا يطلق عليه الاسم الا بالجلد دفع إليه مع جلده، وإن كانت طبوله كلها طبول اللهو فإن كانت لا تصلح إلا للهو فالوصية باطله لان طبول اللهو محظورة، وإن كانت تصلح لغير اللهو في غير المنافع المباحة جازت الوصية بها.
وإن كانت طبوله نوعين طبول حرب وطبول لهو فإن كانت طبول اللهو لا تصلح لغير اللهو لم يعط إلا طبل الحرب، وان كانت طبول اللهو تصلح لغيره من المباحات كان الوارث بالخيار في اعطائه ما شاء من طبل لهو أو حرب لانطلاق الاسم عليه، إلا أن يدل كلامه على أحدهما فيحمل عليه، كقوله: أعطوه طبلا للجهاد أو الارهاب فلا يعطى إلا طبل الحرب، وإن قال: طبلا للفرح والسرور لم يعط إلا طبل اللهو.
فأما الوصية بالدف العربي فجائزة لورود الشرع باباحة الضرب به في المناكح (مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال: عودا من عيداني، وله عبدان يعزف بها وعيدان قسى وعصى وغيرها، فالعود إذا وجه به المتكلم للعود الذى يضرب به دون ما سواه مما يقع عليه اسم عود، فان كان العود يصلح لغير الضرب جازت الوصية ولم يكن عليه إلا اقل ما يقع عليه اسم عود وأصغره بلا
وتر، وان كان لا يصلح لغير الضرب بطلت عندي الوصية.
ومعنى كلام الشافعي أنه إذا قال: اعطوه عودا من عيداني فمطلق هذا الاسم يتناول عيدان الضرب والعزف واللهو دون عيدان القسى والعصى، فان كان عود الضرب لا يصلح لغير الضرب واللهو فالوصيه باطله، وان كان يصلح لغير اللهو فالوصية جائزة، ويعطاه بغير وتر لانطلاق الاسم عليه، وان لم يكن عليه وتر ينظر فان كان لا يصلح لغير اللهو الا بعد تفصيله وتخليعه فصل وخلع ثم دفع إليه، وان كان يصلح لغير اللهو لم يفصل ودفع إليه غير مفصل.
(مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه (وكذلك المزمار) يعنى أنه ان كان
لا يصلح الا للهو فالوصية باطله، وان كان يصلح لغير اللهو فالوصية به جائزة، ثم الكلام في التفصيل على ما مضى.
فأما الشبابه التى ينفخ فيها مع طبل الحرب وفى الاسفار، فالوصية بها جائزة.
وقال الشافعي رضى الله عنه: ولو قال: أعطوه قوسا من قسى وله قسى معمولة، وقسى غير معمولة أو ليس منها شئ فقال: اعطوه عودا من القسى كان عليهم أن يعطوه قوسا معمولة أي قوس شاءوا - صغيرة أو كبيرة.
عربية أو أي عمل شاءوا - إذا وقع عليه اسم قوس ترمى بالنبل أو النشاب أو الحسبان ومعنى هذا الكلام أنه إذا أوصى بقوس من القسى فمطلق القوس يتناول قوس السهام والحربة دون قوس النداف والجلاهق الذى هي منها البندق، فلا يعطى الا قوس السهام الحربية سواء أعطاه قوس نشاب وهى الفارسية، أو قوس نبل وهى العربية أو قوس حسبان، والخيار فيها إلى الوارث لاشتراك الاسم في جميعها، ولا يلزم أن يدفع الوتر معه، لانه يسمى قوسا بغير وتر، وهكذا لو أوصى له بدابة لم يعط سرجها.
فأما أن قال: أعطوه قوسا من قسى وله قوس نداف وقوس جلاهق أعطى قوس الجلاهق التى يرمى عنها لانها أخص بالاسم، فان لم يكن له الا قوس نداف دفع إليه، ولو اقترن بكلامه ما يدل على مراده عمل على ما دل عليه كلامه من القسى الثلاث.
أما بقية الفصول فقد مضى الكلام على بعضها، ومنها ما هو على وجهه من كلام المصنف، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قال المصنف رحمه الله تعالى
باب الرجوع في الوصية يجوز الرجوع في الوصية لانها عطية لم تزل الملك فجاز الرجوع فيها كالهبة قبل القبض، ويجوز الرجوع بالقول والتصرف لانه فسخ عقدا قبل تمامه فجاز بالقول والتصرف كفسخ البيع في مدة الخيار، وفسخ الهبة قبل القبض، وإن قال هو حرام عليه فهو رجوع لانه لا يجوز أن يكون وصية له وهو محرم عليه، فان قال: لوارثي فهو رجوع لانه لا يجوز أن يكون للوارث وللموصى له، وإن قال هو تركتي ففيه وجهان.
أحدهما: أنه رجوع لان التركة للورثة، والثانى: أنه ليس برجوع لان الوصية من جملة التركة.
(فصل) وإن وصى لرجل بعبد ثم وصى به لاخر لم يكن ذلك رجوعا لامكان أن يكون نسى الاول أو قصد الجمع بينهما، فان قال ما وصيت به لفلان فقد وصيت به لاخر فهو رجوع، ومن أصحابنا من قال: ليس برجوع كالمسألة قبلها والمذهب الاول لانه صرح بالرجوع.
(فصل)
وإن باعه أو وهبه وأقبض أو أعتقه أو كاتبه أو أوصى أن يباع أو يوهب ويقبض أو يعتق أو يكاتب قهو رجوع، لانه صرفه عن الموصى له، وإن عرضه للبيع أو رهنه في دين أو وهبه ولم يقبضه فهو رجوع، لان تعريضه
لزوال الملك صرف عن الموصى له.
ومن أصحابنا من قال: إنه ليس برجوع لانه لم يزل الملك، وليس بشئ، وإن وصى بثلث ماله ثم باع ماله لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية بثلث المال عند الموت لا بثلث ما باعه، فإن وصى بعبد ثم دبره - فإن قلنا: ان التدبير عتق بصفة - كان ذلك رجوعا، لانه عرضه لزوال الملك، وإن قلنا: إنه وصية وقلنا في أحد القولين: إن العتق يقدم على سائر الوصايا - كان ذلك رجوعا لانه أقوى من الوصية فأبطلها، وان قلنا: إن العتق كسائر الوصايا ففيه وجهان
(أحدهما) أنه ليس برجوع، فيكون نصفه مدبرا ونصفه موصى به، كما لو أوصى به لرجل ثم وصى به لآخر (والثانى) أنه رجوع، لان التدبير أقوى، لانه يتنجز من غير قبول، والوصية لا تتم إلا بالقبول، فقدم التدبير كما يقدم ما تنجز في حياته من التبرعات على الوصية.
(فصل)
وان وصى له بعبد ثم زوجه أو أجره أو علمه صنعة أو ختنه لم يكن ذلك رجوعا، لان هذه التصرفات لا تنافى الوصية، فإن كانت جاريه فوطئها لم يكن ذلك رجوعا لانه استيفاء منفعة فلم يكن رجوعا كالاستخدام.
وقال أبو بكر بن الحداد المصرى: ان عزل عنها لم يكن رجوعا، وان لم يعزل عنها كان رجوعا لانه قصد التسرى بها.
(فصل) وان وصى بطعام معين فخلطه بغيره كان ذلك رجوعا لانه جعله على صفة لا يمكن تسليمه، فإن وصى بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بمثلها لم يكن ذلك رجوعا، لان الوصية مختلطة بمثلها، والذى خلطه به مثله، فلم يكن رجوعا، فإن خلطه بأجود منه كان رجوعا، لانه أحدث فيه بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها، فان خلطه بما دونه ففيه وجهان.
(أحدهما) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: انه ليس برجوع، لانه نقص أحدثه فيه فلم يكن رجوعا كما لو أتلف بعضه.
(والثانى) أنه رجوع لانه يتغير بما دونه كما يتغير بما هو أجود منه، فان نقله إلى بلد أبعد من بلد الموصى له ففيه وجهان (أحدهما) أنه رجوع لانه لو لم يرد الرجوع لما أبعده عنه (والثانى) أنه ليس برجوع لانه باق على صفته.
(فصل) فان وصى بحنطة فقلاها أو بذرها كان ذلك رجوعا، لانه جعله كالمستهلك، وان وصى بحنطة فطحنها أو بدقيق فعجنه، أو بعجين فخبزه، كان ذلك رجوعا، لانه أزال عنه الاسم، ولانه جعله للاستهلاك، وان وصى له بخبز فجعله فتيتا ففيه وجهان.
(أحدهما) أنه رجوع لانه أزال عنه اطلاق اسم الخبز، فأشبه إذا ثرده.
(والثانى) ليس برجوع، لان الاسم باق عليه، لانه يقال خبز مدقوق،
وان وصى برطب فجعله تمرا ففيه وجهان.
أحدهما: أنه رجوع لانه أزال عنه اسم الرطب.
والثانى: ليس برجوع لانه أبقى له وأحفظ على الموصى له.
(الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه: وللرجل إذا أوصى بوصية تطوع بها أن ينقضها كلها أو يبدل منها ما شاء التدبير أو غيره ما لم يمت، وإن كان في وصيته إقرار بدين أو غيره أو أعتق بثاث فذلك شئ واجب عليه أوجبه على نفسه في حياته لا بعد موته، فليس له أن يرجع من ذلك في شئ.
ثم قال في باب ما يكون رجوعا في الوصية وتغييرا لها وما لا يكون رجوعا ولا تغييرا: وإذا أوصى رجل بعبد بعينه لرجل ثم أوصى بذلك العبد بعينه لرجل فالعبد بينهما نصفان، ولو قال: العبد الذى أوصيت به لفلان لفلان، أو قد أوصيت بالذى أوصيت به لفلان لفلان كان هذا ردا للوصية الاولى، وكانت وصيته
للآخر منهما، ولو أوصى لرجل بعبد ثم أوصى أن يباع ذلك العبد كان هذا دليلا على إبطال وصيته به للاول، ولو أوصى لرجل بعبد ثم باعه أو كاتبه أو دبره أو وهبه كان هذا كله ابطالا للوصية فيه.
ثم قال: ولو أوصى به لرجل ثم أذن له في التجارة أو بعثه تاجرا إلى بلد أو أجره أو علمه كتابا أو قرآنا أو علما أو صناعة أو كساه أو وهب له مالا أو زوجه لم يكن شئ من هذا رجوعا في الوصية، ولو كان الموصى به طعاما فباعه أو وهبه أو أكله أو كان حنطة فطحنها أو دقيقا فعجنه أو خبزه، أو حنطة فجعلها سويقا كان هذا كله كنقض الوصية، ولو أوصى له بما في هذا البيت من الحنطة ثم خلطها بحنطة غيرها كان هذا ابطالا للوصية، ولو أوصى له بما في البيت بمكيلة حنطة ثم خلطها بحنطة مثلها لم يكن هذا ابطالا للوصية وكانت له المكيلة التى أوصى بها له.
اه قلت: ما أورد الشافعي في هذا الكلام صور لما يمكن أن يكون رجوعا بالصرف وابطالا، أو تصرفا لا يعد رجوعا ولا يؤثر في صحتها، وبيان هذا أنه إذا أوصى لرجل بمعين من ماله ثم وصى به لاخر أو وصى بثله له ثم وصى لآخر بثلثه أو وصى بجميع ماله لرجل ثم وصى به لاخر فهو بينهما، ولا يكون ذلك رجوعا
في الوصية الاولى، وبهذا قال ربيعة ومالك والشورى والشافعي وإسحاق وأحمد ابن حنبل وابن المنذر وأصحاب الرأى.
وقال جابر بن زيد والحسن وعطاء وطاوس وداود بن على وصيته للآخر منهما، لانه وصى للثاني بما وصى به للاول فكان رجوعا، كما لو قال: ما وصيت به لبشر فهو لبكر، ولان الثانية تنافى الاولى، فإذا أتى بها كان رجوعا، كما لو قال: هذا لورثتي ولنا أنه وصى لهما فاستويا فيها، كما لو قال لهما: وصيت لكما بسيارتى، وما
قاسوا عليه صرح فيه بالرجوع عن وصيته.
وفى مسألتنا يحتمل أنه قصد التشريك فلم تبطل وصية أحدهما بالشك.
وإن قال: ما أوصيت به لبشر فهو لبكر كان ذلك رجوعا في الوصية لبشر.
وهذا قول الشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأى، وهو أيضا مذهب الحسن وعطاء وطاوس ولا نعلم فيه مخالفا، لانه صرح بالرجوع عن الاول بذكره أن ما أوصى به مردود إلى الثاني، فأشبه ما لو قال رجعت عن وصيتى لبشر وأوصيت بها لبكر بخلاف ما إذا أوصى بشئ واحد لرجلين أحدهما بعد الاخر، فانه يحتمل أنه قصد التشريك بينهما، وقد ثبتت وصية الاول يقينا فلا تزول بالشك وإن قال ما أوصيت به لفلان فنصفه أو ثلثه كان رجوعا في القدر الذى وصى به للثاني خاصة وباقيه للاول.
وأجمع أهل العلم على أن للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به وفى بعضه الا الوصية بالاعتاق،، وبعضهم على جواز الرجوع في الوصية به أيضا.
وروى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يغير الرجل ما شاء من وصيته، وبه قال عطاء وجابر بن زيد والزهرى وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال الشعبى وابن سيرين وشبرمة والنخعي: يغير منها ما شاء الا العتق، لانه اعتاق بعد الموت فلم يملك تغيير تغييره كالتدبير.
ولنا أنها وصيه فملك الرجوع عنها كغير العتق، ولانها عطيه تنجز بالموت فجاز له الرجوع عنها قبل تنجيزها، كهبة ما يفتقر إلى القبض قبل قبضه، وفارق التدبير فانه تعليق على شرط فلم يملك تغييره كتعليقه على صفه الحياة
ويحصل الرجوع بقوله: رجعت في وصيتى أو أبطلتها أو غيرتها أو ما أوصيت به لفلان فهو لفلان أو فهو لورثتي أو في ميراثي، وإن أكله أو أطعمه أو أتلفه
أو وهبه أو تصدق به أو باعه، أو كان ثوبا غير مفصل ففصله ولبسه، أو جارية فأحبلها أو ما أشبه ذلك فهو رجوع ولا يعد من الرجوع جماع الجارية بخلاف ما لو أحبلها.
قال ابن المنذر: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أنه إذا أوصى لرجل بطعام فأكله أو بشئ فأتلفه أو تصدق به أو وهبه أو بجارية فأحبلها أو أولدها أنه يكون رجوعا.
وحكى عن أصحاب الرأى أن بيعه ليس برجوع لانه أخذ بدله بخلاف الهبة، ولانه أزال ملكه عنه فكان رجوعا كما لو وهبه، وإن عرضه على البيع أو وصى ببيعه أو أوجب الهبة فلم يقبلها الموهوب له أو كاتبه أو وصى بإعتاقه أو دبره كان رجوعا، لانه يدل على اختياره للرجوع بعرضه على البيع وإيجابه للهبة ووصيته ببيعه أو إعتاقه لكونه وصى بما ينافى الوصية الاولى، والكتابة، بيع والتدبير أقوى من الوصية لانه ينجز بالموت فيسبق أخذ الموصى له وإن رهنه كان رجوعا لانه علق به حقا يجوز بيعه فكان أعظم من عرضه على البيع، وفيه وجه آخر أنه ليس برجوع، وهو وجه لاصحاب أحمد لانه لا يزيل الملك فأشبه إجارته، وكذلك الحكم في الكتابة.
(فرع)
وإن وصى بجب ثم طحنه أو بدقيق فعجبنه أو بعجين فخبزه أو بخبز ففته كان رجوعا، لانه أزال اسمه وعرضه للاستعمال، فدل على رجوعه، وبهذا قال أحمد وأصحابه.
أما تفتيته ودقه فقد قال أصحاب أحمد: يعد رجوعا ولا صحابنا فيه وجهان حكاهما المصنف.
وإن وصى بشئ معين ثم خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه كان رجوعا لانه يتعذر بذلك تسليمه.
وإن وصى بقفيز قمح من صبرة ثم خلطها بغيرها نظرت فإن كان بخير منها كان ذلك رجوعا لانه أحدث فيه زيادة ليست من الوصيه.
أما إذا خلطه بما دونه ففيه وجهان
(أحدهما)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
ان ذلك ليس رجوعا قياسا على ما إذا تلف بعضه فصار الباقي على وصته.
(والثانى) انه رجوع، وقد ذهب احمد واصحابه إلى ان الخلط بما هو خير منه أو بما دونه أو بمثله لا يعد رجوعا لانه كان مشاعا وبقى مشاعا وعندهم وجه ضعيف فيما خلط بخير منه انه يكون رجوعا، لانه لا يمكنه تسليم الموصى به إلا بتسليم خير منه، ولا يجب على الوارث تسليم خير منه فصار متعذر التسليم بخلاف ما إذا خلطه بمثله أو دونه، والله تعالى أعلم بالصواب قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن وصى بقطن فغزله أو بغزل فنسجه كان ذلك رجوعا، لانه أزال عنه الاسم، وان أوصى له بقطن فحشى به فراشا ففيه وجهان (أحدهما) انه رجوع لانه جعله للاستهلاك (والثانى) ليس برجوع لان الاسم باق عليه.
(فصل) وان أوصى له بثوب فقطعه أو بشاة فذبحها، كان رجوعا، لانه ازال عنه الاسم، ولانه جعله للاستهلاك، وان وصى له بحلم فطبخه أو شواه كان ذلك رجوعا، لانه جعله للاكل، وان قدده ففيه وجهان كما قلنا في الرطب إذا جعله تمرا.
(فصل)
وان وصى له بثوب فقطعه قميصا أو بساج فجعله بابا ففيه وجهان
(أحدهما)
انه رجوع، لانه ازال عنه اطلاق اسم الثوب والساج.
ولانه جعله للاستعمال.
(والثانى)
انه ليس برجوع، لان اسم الثوب والساج باق عليه
(فصل)
وان وصى بدار فهدمها كان رجوعا لانه تصرف ازال به الاسم فكان رجوعا، كما لو وصى بحنطة فطحنها، وان تهدمت نظرت لان لم يزل عنها
اسم الدار فالوصية باقية فيما بقى.
وأما ما انفصل عنها فالمنصوص انه خارج من الوصية لانه انفصل عن الموصى به في حياة الموصى.
وحكى القاضى أبو القاسم ابن كج رحمه الله وجهان آخر: انه للموصى له لانه تناولته الوصيه فلم يخرج منها بالانفصال، وإن زال عنها اسم الدار ففى الباقي من العرصة وجهان (احدهما) انه تبطل فيه الوصية لانه ازال عنها اسم الدار
(والثانى)
لا تبطل لانه لم يوجد من جهته ما يدل على الرجوع.
(فصل) وان وصى له بأرض فزرعها لم يكن ذلك رجوعا، لانه لا يراد للبقاء، وقد يحصل قبل الموت فلم يكن رجوعا، وإن غرسها أو بنى فيها ففيه وجهان (أحدهما) أنه رجوع لانه جعلها لمنفعة مؤبدة، فدل على الرجوع، (والثانى) ليس برجوع لانه استيفاء منفعة فهو كالزراعة، فعلى هذا في موضع الاساس وقرار الغراس وجهان.
(أحدهما) أنه لا تبطل فيه الوصية كالبياض الذى بينهما فإذا مات الغراس أو زال البناء عاد إلى الموصى له.
(والثانى) أنه تبطل الوصية فيه لانه جعله تابعا لما عليه.
(فصل)
وإن أوصى له بسكنى دار سنة فأجرها دون السنة لم يكن ذلك رجوعا، لانه قد تنقضي الاجارة قبل الموت، فان مات قبل انقضاء الاجارة ففيه وجهان
(أحدهما)
يسكن مدة الوصية بعد انقضاء الاجارة
(والثانى)
انه تبطل الوصية بقدر ما بقى من مدة الاجارة وتبقى في مدة الباقي.
(الشرح) إذا وصى بكتان أو قطن فغزله أو وصى بغزل فنسجه أو بثوب فقطعه أو بسبيكة فصاغها أو شاة فذبحها كان ذلك رجوعا، وبهذا قال اصحاب الراى والشافعي في ظاهر المذهب وهو الراجع من أحمد، واختار أبو الخطاب
من الحنابله انه ليس برجوع، وهو قول ابى ثور لانه لا يزيل الاسم.
دلينا: انه عرضة للاستعمال فصار رجوعا كالمسائل قبله، ولا يصح قوله انه لا يزيل الاسم، فان الثوب لا يسمى غزلا، والغزل لا يسمى كتابا.
(فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: ولو اوصى له بدار وقبل كانت له وما ثبت فيها من ابوابها وغيرها دون ما فيها.
قلت لان الوصيه إذا كانت بالدار دخل فيها كل ما كان من الدار ولها ولم يدخل في الوصيه كل ما كان في الدار إذا لم يكن منها، فالداخل في الوصيه حيطانها وسقوفها وابوابها المنصوبة عليها، وما كان متصلا بها من زخرفها ودرجها، ولم يخل فيها ما انفصل عنها من ابوابها ورفوفها وسلاليمها المنفصلة عنها.
وجملة ذلك ان كل ما جعلناه داخلا في البيع معها دخل في الوصيه بها، وكل
ما لم نجعله داخلا في البيع لم يدخل في الوصية، فلو كان الموصى به أرضا دخل في الوصيه نخلها وشجرها، ولم يدخل فيه زرعها، ولو كان نخلها عند الوصية مثمرا لم يدخل ثمرها في الوصية إن كان مؤبرا، وفى دخوله فيها إن كان غير مؤبر وجهان
(أحدهما)
يدخل كالبيع
(والثانى)
لا يدخل لخروجه عن الاسم، وان كان متصلا، وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في دخوله في الرهن.
إذا ثبت هذا فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولو انهدمت في حياة الموصى كانت له إلا ما انهدم منها فصار غير ثابت فيها، وصورتها في رجل أوصى لرجل بدار فانهدمت فلا يخلو انهدامها من ثلاثة أحوال.
(أحدهما) أن تنهدم في حياة الموصى.
(والثانى)
بعد موته وبعد قبول الموصى له.
(والثالث) بعد موته وقبل قبول الموصى، فان انهدمت في حياة الموصى،
فهذا على ضربين.
أحدهما: أن يزول اسم الدار عنها بالانهدام.
والثانى: أن لا يزول، فان لم يزل اسم الدار عنها لبقاء بنيان فيها تسمى دارا، فالوصية جائزة وله ما كان ثابتا فيها من بنيانها، فأما المنفصل عنها بالهدم فالذي نص عليه الشافعي ان يكون خارجا من الوصية، فذهب الجمهور من أصحابنا إلى حمل ذلك على ظاهره، وأنه خارج من الوصية، لان ما انفصل عنه لا يسمى دارا، فلم يكن للموصى له بالدار فيها حق.
وحكى أبو القاسم بن كج وجها آخر عن بعض أصحابنا أن نص الشافعي على خروج ما نهدم من الوصية محمول على انه هدمه بنفسه فصار بذلك رجوعا فيه، ولو انهدمت بسبب من السماء لا ينسب لفعل الموصى كان للموصى له باقى الدار لانه منهما وانما بان عنها بعد أن تناولته الوصية، وان كانت الدار بعد انهدامها لا تسمى دارا لانها صارت عرصة لا بناء فيها ففى بطلان الوصية وجهان.
(أحدهما) لا تبطل وهذا قول من جعل الالة بعد انفصالها ملكا للموصى له (والوجه الثاني) أن الوصية بها باطلة وهو الاصح، لانها إذا كانت عرصة لم تسم دارا، ألا ترى لو حلف لا يدخلها لم يحنث بدخول عرصتها بعد ذهاب
بنائها، وهذا قول من جعل ما انفصل عنها غير داخل في الوصية، فأما إن كان انهدامها بعد موت الموصى وبعد قبول الموصى له فالوصية بهما ممضاة، وجميع ما انفصل عنها من البناء كالمتصل يكون ملكا للموصى له لاستقرار ملكه عليها بالقبول.
فاما إن كان انهدامها بعد موت الموصى وقبل قبول الموصى له، فان لم يزل اسم الدار عنها فالوصية بحالها، فإذا قبلها الموصى له، فان قيل: ان القبول يبنى عن تقدم الملك بموت الموصى وكل ذلك ملك للموصى له المنفصل منه والمتصل
فان قيل: إن القبول هو المملك فله الدار وما اتصل بها من البناء.
وفى المنفصل وجهان (احدهما) للموصى له
(والثانى)
للورثة، وإن لم تسم الدار بعد انهدامها دارا.
(فان قلنا) إن القبول يبنى عن تقدم الملك، فالوصية جائزة وجهان واحدا وله العرصة وجميع ما فيها من منفصل أو متصل، إذا كان عند الموت متصلا، وان قيل: إن القبول هو المملك مع بطلان الوصية بانهدامها على مضى من الوجهين
(أحدهما)
باطلة
(والثانى)
جائزة وله ما اتصل بها.
وفى المنفصل وجهان: وما بقى من كلام المصنف فعلى وجهه وليس فيه أقاويل تذكر، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الأوصياء
لا تجوز الوصية الا إلى بالغ عاقل حر عدل، فأما الصبى والمجنون والعبد والفاسق فلا تجوز الوصيه إليهم، لانه لاحظ للميت ولا للطفل في نظر هؤلاء ولهذا لم تثبت لهم الولاية، واما الكافر فلا تجوز الوصية إليه في حق المسلم، لقوله عز وجل (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم) ولانه غير مأمون على المسلم، ولهذا قال الله تعالى (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمه) وفى جواز الوصية إليه في حق الكافر وجهان (احدهما) انه يجوز لانه يجوز أن يكون وليا له فجاز ان يكون وصيا له كالمسلم (والثانى) لا يجوز كما لا تقبل شهادته للكافر والمسلم.
(فصل)
وتجوز الوصية إلى المرأة لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وصى إلى ابنته حفصة في صدقته ما عاشت، فإذا ماتت فهو إلى ذوى الرأى من أهلها،
ولانها من أهل الشهادة فجازت الوصية إليها كالرجل.
واختلف أصحابنا في الاعمى فمنهم من قال: تجوز الوصية إليه لانه الشهادة فجازت الوصية إليه كالبصير، ومنهم من قال: لا تجوز الوصية لانه تفتقر الوصية إلى عقود لا تصح من الاعمى، وفضل نظر لا يدرك الا بالعين.
(الشرح) تصح الوصيه إلى الرجل العاقل المسلم الحر العدل اجماعا، ولا تصح إلى مجنون ولا طفل ولا وصية مسلم إلى كافر بغير خلاف نعلمه، لان المجنون والطفل ليسا من أهل التصرف في أموالهما، فلا يليان على غيرهما، والكافر ليس من أهل الولاية عن مسلم، لقوله تعالى (لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر) .
قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان حدثنا عيسى ابن يونس عن أبى حيان التيمى عن أبى النباع عن ابن أبى الدهقانة قال: قيل
لعمر بن الخطاب رضى الله عنه: إن ههنا غلاما من أهل الحيرة حافظ كاتب فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخدت إذن بطانة من دون المؤمنين.
فعلى هذا الاثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التى فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التى يخشى أن يفشوها إلى الاعداد من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى (لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم) وما هنا مصدرية فيكون المصدر الصريح المفعول لودوا (عنتكم) .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل حدثنا هشيم حدثنا العوام عن الازهر بن راشد قال: كانوا أنسا فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن البصري فيفسره لهم قال: فحدث ذات يوم عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا تستضئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا) فأتوا
الحسن ففسر لهم الاستضاءة: لا تستشيروا المشركين في شئونكم تصديق ذلك في كتاب الله وتلا الاية، ويقول الشافعي رضي الله عنه في الأم في باب الاوصياء ولا تجوز الوصيه الا إلى بالغ مسلم عدل.
وروى ابن اسحاق وغيره عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فانزال الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم هذه الاية، وأخرج عبد بن حميد انها نزلت في المنافقين من أهل المدينة، هي المؤمنون ان يتولوهم ومن ثم فلا تصح وصيه مسلم إليه لانه لا يلى على مسلم، ولانه ليس من أهل الشهادة ولا العدالة فلم تصح الوصيه إليه كالمجنون والفاسق، وأما وصيه الكافر إليه، فان لم يكن عدلا في دينه لم تصح الوصيه إليه، لان عدم العدالة في المسلم يمنع صحة الوصية إليه فمع الكفر أولى، وان كان عدلا في دينه ففيه وجهان.
أحدهما: تصح الوصيه إليه، وهو قول أصحاب الرأى لانه يلى بالنسب فيلى الوصية كالمسلم.
والثانى: لا تصح، وهو قول أبى ثور لانه فاسق فلم تصح الوصية إليه كفاسق المسلمين.
ولاصحاب أحمد وجهان كهذين، وأما وصية الكافر إلى المسلم الا أن تكون تركته خمرا أو خنزيزا.
أما الوصية إلى المرأة فإنها تصح في قول أكثر أهل العلم، وروى ذلك عن شريح.
وبه قال مالك الثوري والاوزاعي والحسن بن صالح واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأى وأحمد بن حنبل، ولم يجزه عطاء، لانها لا تكون قاضية فلا تكون وصية.
دليلنا أن عمر رضى الله عنه اوصى إلى حفصة، ولانها من أهل الشهادة فاشبهت الرجل، وتخالف القضاء، فان المعتبر له الكمال في الخلقة والاجتهاد
بخلاف الوصية، وتصح الوصية للاعمى في أحد الوجهين لانه من أهل الشهادة وهو قول أحمد وأصحابه، ولم يسلم القائلون بالجواز لمخالفيهم حكمهم، لانه يمكنه التوكيل فيما يحتاج إلى نظر، ثم انه من أهل الشهادة والولاية في النكاح، والولاية على أولاده الصغار، فصحت الوصية إليه كالبصير.
وعلى الوجه الاخر عند أصحابنا انه لا تصح الوصية إليه بناء على انه لا يصح بيعه ولا شراؤه فلا يوجد فيه معنى الولاية، وقد مضى في البيوع وفى السلم وفى غيرهما مزيد بيان.
أما الصبى العاقل فلا تصح الوصيه إليه لانه ليس من أهل الشهادة والاقرار، ولا يصح تصرفه الا بإذن، فلم يكن من أهل الولاية بطريق الاولى، ولانه مولى عليه، فلا يكون واليا كالطفل والمجنون وهو الصحيح من مذهب الحنابلة وليس عندهم نص عن أحمد فيه، وانما رجح أكثرهم مذهبنا في الصبى الا القاضى فقد قال: قياس المذهب صحة الوصية إليه، لان احمد قد نص على صحة وكالته وأما الفاسق فان الوصيه إليه لا تصح في قول مالك والشافعي واحمد.
وفى رواية عن احمد صحة الوصية إليه في رواية ابن منصور عنه وعند الخرقى من الحنابلة إذا كان خائنا ضم إليه أمين وقال ابن قدامه: وهذا يدل على صحة الوصية إليه ويضم الحاكم إليه امينا.
وقال أبو حنيفة تصح الوصية إليه وينفذ تصرفه وعلى الحاكم عزله لانه بالغ عاقل فصحت الوصيه إليه كالعدل، وبهذا يكون على قول أصحاب الحمد عدم جواز إفراده بالوصية.
وعند ابى حنيفة لا يجوز إقراره على الوصيه.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
واختلف أصحابنا في الوقت الذى تعتبر فيه الشروط التى تصح بها
الوصية إليه، فمنهم من قال يعتبر ذلك عند الوفاة، فإن وصى إلى صبى فبلغ أو كافر فاسلم أو فاسق فصار عدلا قبل الوفاة صحت الوصية، لان التصرف بعد الموت فاعتبرت الشروط عنده كما تعتبر عدالة الشهود عند الاداء أو الحكم دون التحمل، ومنهم من قال: تعبتر عند العقد وعند الموت، ولا تعتبر فيما بينهما، لان حال العقد حال الايجاب، وحال الموت حال التصرف فاعتبر فيهما.
ومنهم من قال: تعتبر في حال الوصية وفيما بعدها، لان كل وقت من ذلك يجوز ان يستحق فيه التصرف بان يموت، فاعتبرت الشروط في الجميع.
(فصل) وإن وصى إلى رجل فتغير حاله بعد موت الموصى - فإن كان لضعف - ضم إليه معين امين، وإن تغير بفسق أو جنون بطلت الوصيه إليه ويقيم الحاكم من يقوم مقامه.
(فصل)
ويجوز ان يوصى إلى نفسين.
لما روى أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعلت النظر في وقفها إلى على كرم الله وجهه، فإن حدث به حدث رفعه إلى ابنيها فيليانها، ويجوز ان يجعل اليهما والى كل واحد منهما لانه تصرف مستفاد بالاذن، فكان على حسب الاذن، فإن جعل إلى كل واحد منهما جاز لكل واحد منهما ان ينفرد بالتصرف، فان ضعف احدهما أو فسق أو مات جاز للآخر ان ينصرف ولا يقام مقام الاخر غيره لان الموصى رضى بنضر كل واحد منهما وحده، فان وصى اليهما لم يجز لاحدهما ان ينفرد بالتصرف لانه لم يرض بأحدهما، فان ضعف احدهما ضم إليه من يعينه، فان فسق أحدهما أو مات أقام الحاكم من يقوم مقامه لان الموصى لم يرض بنظره وحده، فان اراد الحاكم ان يفوض الجميع إلى الثاني لم يجز لانه لم يرضى الموصى باجتهاده وحده فان ماتا أو فسقا فهل للحاكم ان يفوض إلى واحد.
فيه وجهان
(أحدهما)
يجوز، لانه سقط حكم الوصية بموتهما وفسقهما فكان الامر
فيه إلى الحاكم
(والثانى)
لا يجوز لانه لم يرضى بنظر واحد، وان اختلف
الوصيان في حفظ المال جعل بينهما نصفين، فإذا بلغا إلى التصرف - فان كان التصرف إلى كل واحد منهما - تصرف كل واحد منهما في الجميع، وان كان اليهما لم يجز لاحدهما ان ينفرد بالتصرف دون الاخر.
(فصل)
ومن وصى إليه في شئ لم يصر وصيا في غيره ومن وصى إليه إلى مدة لم يصر وصيا بعد المدة لانه تصرف بالاذن فكان على حسب الاذن.
(الشرح) الشروط التى اسلفنا تقريرها هل تعتبر في الوصي حال العقد أو حال الموت أو حال العقد والموت؟ على اختلاف بين اصحابنا، والى اعتبارها حال العقد ذهب أحمد وأصحابه في أحد الوجهين عندهم، لانها شروط لعقد فتعتبر حال وجوده كسائر العقود فلا ينفع وجودها بعده، وعلى الوجه الثاني لو كانت الشروط كلها منتفية أو بعضها حال العقد ثم وجدت حالة الموت لصحت الوصية إليه، وهو الوجه الثاني عند أصحاب أحمد.
والوجه الثالث: ان تعتبر حال صدور العقد عند الوفاة، ولا تعتبر حالة فيما بينهما من الزمن كما سيأتي.
(فرع)
الوصية ولاية وامانة والفاسق ليس من اهلهما، فعلى هذا إذا كان الوصي فاسقا فحكمه حكم من لا وصى له عند أصحاب أحمد، وينظر الحاكم في ماله، وعند أحمد أن الوصية باطلة ابتداء كالذى طرا عليه فسقه بعد الوصية تزول ولايته ويقيم الحاكم مقامه امينا، وهذا هو قول الثوري والشافعي واسحاق واحمد ابن حنبل.
وعلى قول بعض الحنابلة كالخرقي تصح الوصية ويضم إليه امين ينظر معه، وروى ذلك عن الحسن وابن سيرين لانه امكن حفظ المال بالامين، تعين ازالة يد الفاسق الخائن وقطع تصرفه، لان حفظ المال على اليتيم اولى من رعاية قول الموصى الفاسد.
واما العدل الذى يعجز عن النظر لعلة أو ضعف طرا، فان الحاكم يضم إليه امينا، ولا تزول يده عن المال ولا نظره ويكون الاول هو الوصي دون الثاني، وهذا معاون له، لان ولاية الحاكم انما تكون عند عدم الوصي، وهذا قول الشافعي وابى يوسف واحمد بن حنبل ولا اعلم لهم مخالفا.
اما إذا تغير حال الوصي بجنون أو كفر أو سفه أو فسق زالت ولايته وصار كانه لم يوص إليه، ويرجع الامر إلى الحاكم فيقيم امينا ناظرا الميت في امره وامر اولاده من بعده كما لو لم يخلف وصيا اما إذا تغيرت حالته بعد الوصية وقبل الموت ثم عاد فكان عند الموت جامعا لشروط الوصية صحت الوصية إليه.
لان الشروط موجودة حال العقد والموت فصحت الوصية كما لو لم تتغير حاله.
هذا وجه ووجه آخر تبطل لان كل حالة منها حالة للقبول والرد فاعتبرت الشروط فيها.
فاما ان زالت بعد الموت وانعزل ثم عاد فكمل الشروط لم تعد وصيته لانها زالت فلا تعود الا بعقد جديد.
إذا ثبت هذا فانه يجوز للرجل الوصية إلى اثنين.
فمتى اوصى اليهما مطلقا لم يجز لواحد منهما الانفراد بالتصرف، فان مات احدهما أو جن أو وجد منه ما يوجب عزله اقام الحاكم مقامه امينا، لان الموصى لم يرض بنظر هذا الباقي منهما وحده، فان اراد الحاكم رد الباقي منهما فوجهان: احدهما: لا يجوز.
والثانى: يجوز.
لان النظر لو كان له لموت الموصى عن غير وصية كان له رده إلى واحد كذلك ههنا، فيكون ناظرا بالوصية من الموصى والامانة من جهة الحاكم.
ولنا ان الموصى لم يرض بتصرف هذا وحده فوجب ضم غيره إليه، لان الوصية مقدمة على نظر الحاكم واجتهاده.
فان كانت الوصية بالاذن لكل واحد منهما ان يتصرف منفردا، فإذا مات
احدهما أو جن أو ارتد أو فسق جاز للاخر ان يتصرف ولا يقام مقام الاخر غيره لان تصرف الباقي منهما على حسب الاذن مستفاد منه، ولانه رضى بنظر كل واحد منهما وحده، فلا سبيل إلى اقامه بديل لمن بطل عقده.
وان تغيرت حالهما جميعا بموت أو غيره فهل للحاكم ان ينصب مكانهما واحدا؟ فيه وجهان احدهما له ذلك، لانه لما عدم الوصيان صار الامر إلى الحاكم بمنزلة ما لم يوص، ولو لم يوص لاكتفى بواحد، كذا ههنا، ويفارق ما إذا كان احدهما حيا لان الموصى بين انه لا يرضى بهذا وحده بخلاف ما إذا ماتا معا
والثانى: لا يجوز ان ينصب الا اثنين لان الموصى لم يرض بواحد فلم يقتنع به كما لو كان احدهما حيا فاما ان جعل لكل واحد منهما التصرف منفردا فمات احدهما أو خرج من الوصية لم يكن للحاكم ان يقيم مقامه امينا لان الباقي منهما له النظر بالوصية فلا حاجة إلى غيره، وان ماتا معا أو خرجا عن الوصية فللحاكم ان يقيم واحدا يتصرف، وان تغيرت حال احد الوصيين تغييرا لا يزيله عن الوصية كالعجز عنها لضعف أو علة ونحو ذلك، وكان لكل واحد منهما التصرف منفردا، فليس للحاكم ان يضم اليهما امينا، لان الباقي منهما يكفى، الا ان يكون الباقي منهما يعجز عن التصرف وحده لكثرة العمل ونحوه، فله ان يقيم امينا، وان كانا ممن ليس لاحدهما التصرف على الانفراد فعلى الحاكم ان يقيم مقام من ضعف منهما عنها امينا يتصرف معه على كل حال فيصيرون ثلاثة: الوصيان والامين معهما.
وليس لواحد منهم التصرف وحده (فرع)
قوله: ومن وصى إليه في شئ لم يصر وصيا في غيره الخ.
وهذا
صحيح لانه يجوز ان يوصى إلى رجل بشئ دون شئ، مثل ان يوصى إلى انسان بتفريق وصيته دون غيرها أو بقبض معاشه أو بقضاء ديونه، أو بالنظر في امر أطفاله فحسب، فلا يكون له غير ما جعل إليه ويجوز ان يوصى إلى انسان بقبض معاشه لصغره، وبآخر للانفاق عليهم من هذا المعاش، والى آخر بقضاء ديونه، والى آخر بالانفاق على أطفاله، فلا يكون لكل واحد منهم الا ما جعل له دون غيره، ومتى اوصى إليه بشئ لم يصر وصيا في غيره.
وبهذا قال الشافعي واحمد بن حنبل وقال أبو حنيفة: يصير وصيا في كل ما يملكه الوصي، لان هذه ولاية تنقل من الاب بموته، فلا تتبعض كولاية الجد ولنا انه استفاد التصرف بالاذن من جهة انسان، فكان مقصورا على ما اذن فيه كالوكيل.
وولاية الجد ممنوعة ثم ولاية الجد استفادها بقرابته وهى لاتتبعض والاذن يتبعض فافترقا.
وكذلك إذا اوصى له إلى زمن معين موصوف، كان إذا بلغ الصبى أو قدم
المسافر، أو معين كقوله إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بعد الاف، وهو العام الذى نخط فيه هذا الشرح، فانه لا يجوز ان يتجاوزه لان الاذن موقت بالعام المذكور.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
وللوصي ان يوكل فيما لم تجربه العادة ان يتولاه بنفسه كما قلنا في الوكيل، ولايجوز ان يوصى إلى غيره، لانه يتصرف بالاذن فلم يملك الوصية كالوكيل، فان قال اوصيت اليك: فان مت فقد اوصيت إلى فلان صح، لان عمر رضى الله عنه وصى إلى حفصة، فإذا ماتت فالى ذوى الراى من اهلها،
ووصت فاطمة رضى الله عنها إلى على كرم الله وجهه، فإذا مات فالى ابنيها، ولانه علق وصية التالى على شرط، فصار كما لو قال وصيت اليك شهرا ثم قال إلى فلان، فان اوصى إليه واذن له ان يوصى إلى من يرى فقد قال في الوصايا لا يجوز.
وقال في اختلاف العراقيين يجوز.
فمن اصحابنا من قال يجوز قولا واحدا لانه ملك الوصية والتصرف في المال، فإذا جاز ان ينقل التصرف في المال إلى الوصي جاز ان ينقل الوصية إليه، وما قال في الوصايا اراد إذا اطلق الوصية ومنهم من قال فيه قولان (احدهما) يجوز لما ذكرناه
(والثانى)
لا يجوز لانه يعقد الوصية عن الموصى في حال لا ولاية له فيه.
وان وصى إليه واذن له ان يوصى بعد موته إلى رجل بعينه ففيه وجهان (احدها) يجوز لانه قطع اجتهاده فيه بالتعيين
(والثانى)
انه كالمسالة الاولى لان علة المسالتين واحدة
(فصل)
ولا تتم الوصية إليه االا بالقبون لانه وصية فلا تتم الا باقبول كالوصيه له.
وفى وقت القبول وجهان (احدهما) يصح القبول في الحال لانه اذن له في التصرف فصح القلو في الحال كالوكالة
(والثانى)
لا يصح الا بعد الموت كالقبول في الوصية له.
(فصل) وللموصى ان يعزل الوصي إذا شاء، وللوصي ان يعزل
نفسه متى شاء، لانه تصرف بالاذن فجاز لكل واحد منهم فسخه كالوكالة.
(فصل)
إذا بلغ الصبى واختلف هو والوصى في الفقه، فقال الوصي انفقت عليك، وقال الصبى لم تنفق على، فالقول قول الوصي لانه امين وتتعذر عليه إقامة البينة على النفقة، فإن اختلفا في قدر النفقة فقال: انفقت عليك في كل سنة مائة دينار.
وقال الصبى بل انفقت على خمسين دينارا، فان كان ما يدعيه
الوصي النفقة بالمعروف فالقول قوله لانه امين، وان كان اكثر من النفقة بالمعروف فعليه الضمان لانه فرط في الزيادة وان اختلفا في المدة فقال الوصي: انفقت عشر سنين، وقال الصبى خمس سنين، ففيه وجهان (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ أَنَّ القول قول الوصي، كما لو اختلفا في قد النفقة
(والثانى)
وهو قول اكثر اصحابنا ان القول قول الصبى، لانه اختلاف في مدة، الاصل عدمها
(فصل)
وان اختلفا في دفع المال إليه فادعى الوصي انه دفعه إليه وانكر الصبى، ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو المنصوص ان القول قول الصبى لانه لم ياتمنه على حفظ المال فلم يقبل قوله عليه، كالمودع إذا ادعى دفع الوديعة إلى وارث المودوع، والملتقط إذا ادعى دفع اللقطة إلى مالكها
(والثانى)
ان القول قول الوصي كما قلنا في النفقة.
(الشرح) الاحكام: إذا اوصى له في شئ لا يحسن القيام به بنفسه جاز له ان يوكل عنه من يتولاه، كان كان ما عهد إليه بالوصية فيه كثير الجوانب متعدد الجهات بحيث يحتاج الوصي إلى من يعينه على ادائه وكذلك لو كان العمل شاقا لا يقدر مثله على القيام به ويحتاج إلى شخص قوى يؤديه، أو كان اغلعمل يفتقر إلى مهارة أو فن خاص له دارسوه والمتخصصون فيه كالهندسة ونحوها جاز له