كتاب الوكالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(الشرح) الاحكام: إذا أذن له في الشراء بالنقد فاشترى بالنسيئة، فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يعين له الثمن الذى يشترى به، فالشراء غير لازم للموكل لانه إذا اشترى بغير العين كان مخالفا ولزم الوكيل، وإن اشترى بالعين إلى أجل كان باطلا، ولم يلزم الموكل ولا الوكيل، وبهذا قال أحمد.
(والضرب الثاني) أن لا يعين له الذى يشترى به فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يشتريه نسئا بما يساوى ثمنه نقدا أو بأقل من ثمن النساء، فمذهب الشافعي وأحمد رضى الله عنهما أن الشراء لازم للموكل، لانه قد حصل له غرضه في استصلاح مع تعجيل الثمن، ومن أصحابنا من قال: الشراء غير لازم للموكل لمخالفته، وبقاء الثمن في ذمته، وهو قول من زعم أن الوكيل في بيع النساء لا يجوز بيعه نقدا.
(والثانى)
أن يشتريه بما يساوى نسئا وبأكثر مما يساوى نقدا، فالشراء غير لازم للموكل لما فيه من التزام فعل النساء والشراء لازم للوكيل إن لم يذكر اسم موكله، وإن ذكره فعلى وجهين.
أحدهما باطل، والثانى لازم للوكيل.
أما إذا أذن له في الشراء بالنسيئة فاشترى بالنقد فالشراء غير لازم للموكل لا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه سواء اشتراه بما يساوى نقدا أو نسئا لما فيه من التزامه التعجيل بما لم يأذن به.
وهكذا لو أذن له أن يشتريه إلى أجل فاشتراه إلى أجل هو أقرب لم يلزم الموكل ولو اشتراه إلى أجل هو أبعد كان حكمه للوكيل حكمه في النقد إذا اشترى بالنساء فيكون لازما للموكل.
قال الماوردى: وهذا على مذهب الشافعي رضى الله عنه وعلى مذهب بعض أصحابه غير لازم.
(فرع)
إذا دفع الموكل إلى وكيله ليشترى له به سيارة فهذا على ثلاثة أقسام أحدها: أن يأمره أن يشترى بعين المال سيارة فوجب على الوكيل أن يشترى بعين مال موكله، فان اشتراه في ذمته لم يلزم الموكل، وكان الشراء لازما للوكيل.
وقال أبو حنيفة: الوكيل بالخيار بين أن يشترى الشئ بعين المال وبين أن
يشتريه في ذمته، وهو في كلا الحالين لازم للموكل، وبنى ذلك على أصله: أن الدراهم والدنانير لا يتعينان عنده.
قال الماوردى: وهذا خطأ لتعين الدراهم والدنانير عندنا في العقود كما يتعين في الغصوب، وقد دللنا على ذلك في كتاب البيوع، ولان يد الوكيل كيد المودع، ومال الوديعة متعين وكذا ما بيد الوكيل متعين، وإذا تعين ما بيده لموكله حتى لا يجوز أن يرد عليه غير ماله، وجب أن يكون الشراء محمولا على موجب اذنه.
والقسم الثاني: أن يأمره أن يشترى في ذمته وينقد المال في ثمنه، فان اشتراه في الذمة صح وكان لازما للموكل، وان اشتراه بعين المال ففيه وجهان: أحدهما وهو قول أبى على الطبري ذكره في افصاحه أن الشراء جائز، وهو للموكل لازم لان العقد على المعين أحوط.
والوجه الثاني وهو اختيار أبى حامد الاسفرايينى: أن الشراء باطل لا يلزم الوكيل لانه غير مالك للعين، فلا يلزم الموكل، لان الموكل قد فوت عليه بالمخالفة غرضا، لان العقد في الذمة لا يبطل بتلف الثمن، والعقد على العين يبطل بتلف الثمن.
فصار فعل الوكيل مخالفا لامر الموكل، فلو امتثل الوكيل أمر موكله أو اشترى السيارة بثمن في ذمته ثم نقد الثمن من عنده، برئ الوكيل والموكل منه، ولم يكن للوكيل أن يرجع على الموكل لان أمره بنقد هذا المال في
الثمن يتضمن نهيا عن نقده من غيره.
والقسم الثالث: أن يطلق الاذن في الشراء عند دفع المال فيقول: خذ هذا المال فاشتر لى به سيارة فقد اختلف أصحابنا هل يكون اطلاقه مقتضيا للتعيين أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ أبى على الطبري: أنه يقتضيه لان تقديم الثمن على السيارة شاهد فيه، فعلى هذا ان اشترى في ذمته كان الشراء لازما للوكيل دون الموكل، والوجه الثاني - وهو قول بعض البصريين: انه لا يقتضى التعيين، لان الاطلاق على العموم، فعلى هذا يكون الوكيل مخيرا بين العقد على العين أو في الذمة، ومذهب أحمد في هذا كله كنحو مذهبنا.
فإذا تقرر ما أوضحنا فصورة مسألة الكتاب في رجل دفع إلى رجل مالا ليشترى له به طعاما فتسلف المال قرضا ثم اشترى له بمثله من ماله طعاما فالشراء غير لازم للموكل سواء كان الموكل قد أذن في الشراء بعين المال أو في الذمة.
وقال أبو حنيفة: الشراء لازم للموكل سواء كان الاذن بالعين أو في الذمة وهذا خطأ لان الوكالة بتلف المال أو استهلاكه باطلة لانعقاد بقائه، فإذا بطلت الوكالة وانعزل الوكيل فعقده لازم لنفسه دون موكله، فلو أن الوكيل لم يستهلك ولكن تعدى فيه تعديا صار له ضامنا فقد اختلف أصحابنا هل ينعزل بتعديه عن الوكالة أم لا، على وجهين:
(أحدهما)
ينعزل عن الوكالة بالتعدي لانه مؤتمن كالمودع الذى ينعزل بالتعدي عن الوديعة، فعلى هذا يكون الشراء لازما للوكيل دون موكله.
(والوجه الثاني) وهو قول أبى على الطبري أنه على الوكالة لا ينعزل عنها بالتعدي مع بقاء الملك كالمرتهن لا يبطل الرهن بتعديه، وإن كان مؤتمنا فعلى هذا
يكون الشراء لازما للموكل وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى .
(فصل) فإن وكله في الشراء ولم يدفع إليه الثمن فاشتراه، ففى الثمن ثلاثة أوجه (أحدها) أنه على الموكل والوكيل ضامن، لان المبيع للموكل فكان الثمن عليه، والوكيل تولى العقد والتزم الثمن فضمنه، فعلى هذا يجوز للبائع أن يطالب الوكيل والموكل، لان أحدهما ضامن والآخر مضمون عنه، فان وزن الوكيل الثمن رجع على الموكل، وإن وزن الموكل لم يرجع على الوكيل.
(والثانى) أن الثمن على الوكيل دون الموكل، لان الذى التزم هو الوكيل فكان الثمن عليه، فعلى هذا يجوز للبائع مطالبة الوكيل، لان الثمن عليه، ولا يجوز له مطالبة الموكل لانه لا شئ عليه، فان وزن الوكيل رجع على الموكل لانه التزم باذنه، وإن لم يزن لم يرجع كما نقول فيمن أحال بدين عليه على رجل لا دين له عليه: إنه إذا وزن رجع، وإذا لم يزن لم يرجع، وإن أبرأ البائع الوكيل سقط الثمن وحصلت السلعة للموكل من غير ثمن.
(والثالث) أن الثمن على الوكيل، وللوكيل في ذمة الموكل مثل الثمن، فيجوز للبائع مطالبة الوكيل دون الموكل، وللوكيل مطالبة الموكل بالثمن وإن لم يطالبه البائع.
(الشرح) الاحكام: قال الماوردى في الحاوى: فإذا ثبت أن الملك يكون واقعا بالعقد للموكل دون الوكيل فللوكيل حالتان: (إحداهما) أن يذكر اسم موكله في العقد فيقول: قد اشتريت هذا الشئ لفلان بأمره، فيكون الثمن واجبا على الموكل، وهل يكون الوكيل ضامنا أم لا على وجهين، حكاهما ابن سريج
(أحدهما)
عليه ضمانه لانه عاقد
(والثانى)
لا يلزمه ضمانه لانه غير مالك.
(والحال الثانية) أن لا يذكر الوكيل اسم موكله في العقد، ولكن ينوى قبله أن الشراء لموكله، فعلى الوكيل ضمان الثمن بالعقد.
وهل يصير الثمن واجبا على الموكل بالعقد؟ أم لا؟ على وجهين حكاهما ابن سريج.
أحدهما: أنه يكون الثمن واجبا عليه بالعقد لوقوع الملك له بالعقد، فعلى هذا يكون البائع بالخيار بين مطالبة الوكيل به أو الموكل، فإذا أخذه من أحدهما برئا معا.
والوجه الثاني: أن الثمن غير واجب على الموكل بالعقد، وإنما يلزم الوكيل وحده لتفرده بالعقد، فعلى هذا يطالب الوكيل وحده بالثمن دون الموكل.
وهل يستحق الوكيل الثمن على الموكل قبل أدائه عنه أم لا؟ على وجهين حكاهما ابن سريج.
أحدهما: أنه لا يستحقه عليه إلا بعد أدائه عنه، فإن أداه الوكيل عنه رجع به عليه حينئذ، وإن أبرأه البائع منه لم يرجع به على الموكل، فصار الموكل مالكا للمبيع بغير بدل.
والوجه الثاني: أن الوكيل قد استحق الثمن على الموكل بما وجب على الوكيل من ضمانه بالعقد وله مطالبة الموكل به قبل أدائه، وإن أبرأ الوكيل منه رجع به على الموكل، ولو دفع بالثمن عرضا رجع على الموكل بالثمن دون قيمة العرض وعلى الوجه الاول إذا دفع الوكيل بالثمن عرضا رجع على الموكل بأقل الامرين
من الثمن أو قيمة العرض، فلو أراد الوكيل أن يمنع الموكل من المبيع إلا بعد قبض ثمنه لم يكن له ذلك على الوجهين معا، لان البائع لم يبعه منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى .
(فصل)
ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع بثمن مؤجل من غير إذن،
لان الاصل في البيع النقد، وإنما يدخل التأجيل لكساد أو فساد، فإذا أطلق حمل على الاصل، فإن أذن له في بيع مؤجل وقدر الاجل لم يبع إلى أجل أكثر منه، لانه لم يرض بما زاد على المقدر، فبقى على الاصل في المنع، إن أطلق الاجل ففيه وجهان.
أحدهما: لا يصح التوكيل، لان الآجال تختلف فيكثر الغرر فيه فلم يصح، والثانى: يصح ويحمل على العرف في مثله، لان مطلق الوكالة يحمل على المتعارف وإن لم يكن فيه عرف باع بأنفع ما يقدر عليه، لانه مأمور بالنصح لموكله، ومن أصحابنا من قال: يجوز القليل والكثير لان اللفظ مطلق، ومنهم من قال: يجوز إلى سنة، لان الديون المؤجلة في الشرع مقدرة بالسنة، وهى الدية والجزية، والصحيح هو الاول.
وقول القائل الثاني: إن اللفظ مطلق لا يصح، لان العرف يخصه، ونصح الموكل يخصه وقول القائل الثالث: لا يصح لان الدية والجزية وجبت بالشرع فحمل على تأجيل الشرع، وهذا وجب باذن الموكل فحمل على المتعارف، وان أذن له في البيع إلى أجل فباع بالنقد نظرت، فان باع بدون ما يساوى نسيئة لم يصح لان الاذن في البيع نسيئة يقتضى البيع بما يساوى نسيئة فإذا باع بما دونه لم يصح، وان باع نقدا بما يساوى نسيئة، فان كان في وقت لا يأمن أن ينهب أو يسرق لم يصح، لانه ضرر لم يرض به فلم يلزمه، وان كان في وقت مأمون، ففيه وجهان.
أحدهما: لا يصح، لانه قد يكون له غرض في كون الثمن في ذمة ملى ففوت عليه ذلك فلم يصح.
والثانى: يصح، لانه زاده بالتعجيل خيرا، وان وكله أن يشترى عبدا بألف فاشتراه بألف مؤجل ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يصح الشراء
للموكل لانه قصد أن لا يكون عليه دين وأن لا يشترى إلا بما معه (والثانى) أنه يصح لانه حصل له العبد وزاده بالتأجيل خيرا.
(فصل) ولا يجوز للوكيل في البيع أن يشترط الخيار للمشترى ولا للوكيل في الشراء أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ لانه شرط لا حظ فيه للموكل، فلا يجوز من غير إذن كالاجل، وهل يجوز أن يشترط لنفسه أو للموكل، فيه وجهان.
(أَحَدُهُمَا)
لَا يَجُوزُ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي البيع من غير شرط
(والثانى)
يجوز لانه احتاط للموكل بشرط الخيار.
(الشرح) الاحكام: ان بيعه بالثمن المؤجل من غير اذن موكله لا يجوز، ودليلنا أن الاجل في البيوع يدخل تارة في المثمن فيكون سلما، وتارة في الثمن فيكون دينا، فلما لم يجز للوكيل أن يدخل الاجل في الثمن فيجعله دينا، وتحريره أنه تأجيل أحد العوضين فوجب أن لا يصح من الوكيل مع اطلاق الاذن قياسا على تأجيل المثمن، ولان الاجل لما لم يلزم المالك في عقده، ولا شرط صريح لم يلزم الموكل الا بإذن صريح، لان اطلاق كل واحد من العقدين معتبر بالآخر وسواء طال الاجل أو قصر.
فأما الجواب عن الاستدلال بأن اطلاق الاذن يقتضى العموم فهو أنه خطأ في القول، بل الاطلاق في الاذن يقتضى العرف بدليل أن اطلاق الاذن بالشراء لا يقتضى عموم الاشرية كذلك اطلاق الاذن بالبيع لا يقتضى عموم البيوع.
وأما قياسه على نقد البلد فالمعنى فيه أن المعهود يقتضيه، وأما قياسه في الاجل على خيار الثلاث فلاصحابنا في جوازه للوكيل وجهان سيأتي بيانهما، والقياس منتقض بالاجل في المثمن، ثم المعنى في خيار الثلاث أنه لما ملكه الوكيل في الشراء ملكه في البيع، ولاصحابنا في جوازه للوكيل وجهان.
أحدهما: لا يصح من الوكيل، فعلى هذا سقط الدليل.
والثانى: يصح منه والقياس عليه منتقض بالاجل في المثمن، فهذا حكم العقد مع اطلاق اذن الموكل، وما يلزم من الشروط في عقد التوكيل.
وأما حالة التقييد مثل أن يكون إذن الموكل في البيع مقيدا بشرط، فإن كان الشرط مبطلا للعقد كالاجل المجهول، وهو كما يقول المصنف باطل على أحد الوجهين، لان الآجال تختلف فيكثر فيها الغرر، وكالخيار أكثر من ثلاث إلى ما جرى هذا المجرى الذى يبطل معه العقد على وجه من الوجوه، فقد صار الموكل بها آذنا لوكيله بالبيع الفاسد، فإن باع الوكيل ذلك على الشرط الذى أذن فيه الموكل كان فاسدا، وإن رضى المالك بفساده، فإذا أذن له في الاجل وأطلق الاجل فإن الصحيح بطلانه كما قلنا.
والثانى وهو وجه عند أصحابنا وبه قال أبو حنيفة: يصح.
ويحمل على العرف في مثله، لان المطلق يحمل على المقيد نصا أو عرفا، فإن لم يكن ثم عرف اجتهد في البيع بأحظ وأنفع ما يقدر عليه لموكله، لانه مؤتمن له ومن خصاله النصح له ومن أصحابنا من أجاز بيعه على أي نحو ولو لم يتحر الانفع لموكله ومنهم من قيد الاطلاق الاجل بسنة قمرية، لان الله تعالى جعل عدة الشهور إثنى عشر شهرا، ولان الجزية والدية والزكوات لانها ديون شرعية في ذمة المكلفين بها مقدرة بالسنه، فإذا أطلق الموكل حملنا إطلاقه على القيد الشرعي في الديون الشرعية، والقول الاول هو الذى جعله الماوردى في الحاوى قولا واحدا للمذهب ولم يحك غيره، أما المصنف رحمه الله فقد ساق الاقوال كلها ثم رجح الاول.
ثم هو إذا خشى تلف المال أو سطو غاصب عليه أو كساده مما يلحق الضرر
بموكله جاز له أن يبيع ولو لم يأذن له الموكل إذا لم يجد مشتريا نقدا فإذا قدر الموكل له الاجل لم يصح أن يؤجل أكثر منه (فرع)
إذا باع نقدا ما هو مأذون فيه بأجل نظرت فان تساوى ثمن المبيع نقدا مع ما قدره الموكل للثمن نسئا، فعلى وجهين
(أحدهما)
يصح لانه زاد خيرا بتعجيل الثمن.
(والثانى) لا يصح لانه قد يكون له غرض في جعل الثمن في ذمة ملئ كأنه وديعة في صورة دين ففوت عليه هذا القصد فلم يصح
(فرع)
لا يجوز أن يشترط الوكيل الخيار للمشترى ولا لوكيله، كما لا يجوز له أن يقبل شرط الخيار من غير اذن موكله في البيع أو في الشراء، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ أَوْ لموكله؟ وجهان
(أحدهما)
لا يجوز لانه قيد المطلق بشرط ليس مأذونا فيه.
والوجه الثاني: إذا رأى أن هذا الشرط أنفع لموكله للاحتياط ولضمان مصلحته فانه يصح وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (فصل) ولا يجوز للوكيل في البيع أن يبيع بدون ثمن المثل بما لا يتغابن به من غير إذن، ولا للوكيل في الشراء أن يشترى بأكثر من ثمن المثل بمالا يتغابن الناس به من غير إذن، لانه منهى عن الاضرار بالموكل مأمور بالنصح له وفى النقصان عن ثمن المثل في البيع، والزيادة على ثمن المثل في الشراء اضرار، وترك النصح، ولان العرف في البيع ثمن المثل، فحمل إطلاق الاذن عليه، فان حضر من يطلب بالزيادة على ثمن المثل لم يجز أن يبيع بثمن المثل لانه مأمور بالنصح والنظر للموكل، ولا نصح ولا نظر للموكل في ترك الزيادة وإن باع بثمن المثل ثم حضر من يزيد في حال الخيار ففيه وجهان (أحدهما) لا يلزمه فسخ البيع، لان المزايد قد لا يثبت على الزيادة فلا يلزمه الفسخ بالشك.
(والثانى)
يلزمه الفسخ وهو الصحيح، لان حال الخيار كحال العقد.
ولو حضر في حال العقد من يزيد وجب البيع منه، فكذلك إذا حضر في حال الخيار وقول القائل الاول: إنه قد لا يثبت على الزيادة فيكون الفسخ بالشك، لا يصح لان الظاهر أنه يثبت فلا يكون الفسخ بالشك، وإن باع بنقصان يتغابن الناس بمثله، بأن باع ما يساوى عشرة بتسعة صح البيع.
وإن اشترى بزيادة يتغابن الناس بمثلها بأن ابتاع ما يساوى عشرة بأحد عشرة صح الشراء ولزم الموكل، لان ما يتغابن الناس بمثله يعد ثمن المثل، ولانه لا يمكن الاحتراز منه فعفى عنه
وإن اشترى بزيادة لا تتغابن الناس بمثلها بأن ابتاع ما يساوى عشرة بإثنى عشر فان كان بعين مال الموكل بطل الشراء، لانه عقد على ماله عقدا لم يأذن فيه، وإن كان في الذمة لزم الوكيل لانه اشترى في الذمة بغير إذن فوقع الملك له.
وإن باع بنقصان لا يتغابن الناس بمثله بأن باع ما يساوى عشرة بثمانية لم يصح البيع لانه بيع غير مأذون فيه، فإن كان المبيع باقيا رد، وإن كان تالفا وجب ضمانه وللموكل أن يضمن الوكيل لانه سلم ما لم يكن له تسليمه، وله أن يضمن المشترى لانه قبض ما لم يكن له قبضه، فان اختار تضمين المشترى ضمن جميع القيمة، وهو عشرة، لانه ضمن المبيع بالقبض فضمنه بكمال البدل، وإن اختار تضمين الوكيل ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنه يضمنه جميع القيمة، لانه لزمه رد المبيع فضمن جميع بدله
(والثانى)
يضمنه تسعة لانه لو باعه بتسعة جاز، فلا يضمن ما زاد ويضمن
المشترى تمام القيمة وهو درهم.
(والثالث) يضمنه درهما لانه لم يفرط إلا بدرهم، فلا يضمن غيره ويضمن المشترى تمام القيمة وهو تسعة، وما يضمنه الوكيل يرجع به على المشترى، وما يضمنه المشترى لا يرجع به على الوكيل، لان المبيع تلف في يده فاستقر الضمان عليه.
وإن قدر الثمن فقال: بع بألف درهم، لم يجز أن يبيع بما دونها، لان الاذن في الالف ليس بإذن فيما دونها، وإن باع بألفين نظرت، فان كان قد عين من يبيع منه لم يجز، لانه قصد تمليكه بألف فلا يجوز أن يفوت عليه غرضه، وإن لم يعين من يبيع منه جاز.
لان الاذن في الالف إذن فيما زاد من جهة العرف.
لان من رضى بألف رضى بألفين وإن قال بع بألف ولا تبع بما زاد لم يجز أن يبيع بما زاد، لانه صرح بالنهي فدل على غرض قصده فلم يجز مخالفته وإن قال بع بألف فباع بألف وثوب ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يصح لانه حصل له الالف وزيادة، فصار كما لو باع بألفى درهم
(والثانى)
أنه لا يصح، لان الدراهم والثوب تتقسط على السلعة فيكون ما يقابل الثوب من السلعة مبيعا بالثوب.
وذلك خلاف ما يقتضيه الاذن: فان
الاذن يقتضى البيع بالنقد.
فعلى هذا هل يبطل العقد في الدراهم؟ فيه قولان بناء على تفريق الصفقة وإن وكله في بيع عبد بألف فباع نصفه بألف جاز، لانه مأذون له فيه من جهة العرف، لان من يرضى ببيع العبد بألف يرضى ببيع نصفه بالالف، فان باع نصفه بما دون الالف لم يصح، لانه ربما لم يمكنه الباقي بتمام الالف.
وإن وكله في بيع ثلاثة أعبد بألف فباع عبدا بدون الالف لم يصح، لانه قد
لا يشترى الباقي بما بقى من الالف، وإن باع أحد الثلاثة بألف جاز، لان من رضى ببيع ثلاثة بألف رضى ببيع أحدهم بألف وهل له أن يبيع الآخرين فيه وجهان
(أحدهما)
لا يملك لانه قد حصل المقصود وهو الالف
(والثانى)
أنه يجوز لانه أذن له في بيع الجميع فلا يسقط الامر ببيع واحد منهم، كما لو لم يقدر الثمن.
وإن وكله في شراء عبد بعينه بمائة فاشتراه بخمسين لزم الموكل لانه مأذون فيه من جهة العرف.
لان من رضى أن يشترى عبدا بمائة رضى أن يشتريه بخمسين، وإن قال اشتر بمائة ولا تشتر بخمسين جاز أن يشترى بمائة، لانه مأذون فيه، ولا يشترى بخمسين لانه منهى عنه، ويجوز أن يشترى بما بين الخمسين والمائة، لانه لما أذن في الشراء بالمائة دل على أنه رضى بالشراء بما دونها، ثم خرج الخمسون بالنهي وبقى فيما زاد على مادل عليه المأمور به وهل يجوز أن يشترى بأقل من الخمسين؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يجوز لانه لما نص على المائة دل على أن ما دونها أولى إلا فيما أخرجه النهى
(والثانى)
لا يجوز لانه لما نهى عن الخمسين دل على أن ما دونها أولى بالمنع.
وإن قال اشتر هذا العبد بمائة فاشتراه بمائة وعشرة لم يلزم الموكل.
وقال أبو العباس يلزم الموكل بمائة ويضمن الوكيل ما زاد على المائة لانه تبرع بالتزام الزيادة، والمذهب الاول، لانه زاد على الثمن المأذون فلم يلزم الموكل.
كما لو قال اشتر لى عبدا فاشتراه بأكثر من ثمن المثل، ولانه لو قال: بع هذا العبد بمائة فباعه بمائة إلا عشرة لم يصح، ثم يضمن الوكيل ما نقص من المائة، فكذلك
إذا قال اشتر هذا العبد بمائة فاشتراه بمائة وعشرة.
لم يلزم الموكل، ثم يضمن الوكيل ما زاد على المائه.
وإن وكله في شراء عبد بمائة فاشترى عبدا بمائتين وهو يساوى المائتين، لم يلزم الموكل، لانه غير مأذون فيه من جهة النطق ولا من جهة العرف، لان رضاه بعبد بمائة لا يدل على الرضا بعبد بمائتين، وإن دفع إليه دينارا وأمره أن يشترى شاة فاشترى شاتين، فإن لم تساو كل واحدة منهما دينارا لم يلزم الموكل لانه لا يطلب بدينار مالا يساوى دينارا، وإن كان كل واحدة منهما تساوى دينارا نظرت، فان اشترى في الذمة ففيه قولان.
(أحدهما)
أن الجميع للموكل، لان النبي صلى الله عليه وسلم " دفع إلى عروة البارقى دينارا ليشترى له شاة فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار فدعا له بالبركة " ولان الاذن في شاة بدينار إذن في شاتين بدينار، لان من رضى شاة بدينار رضى شاتين بدينار
(والثانى)
أن للموكل شاة لانه أذن فيه، والاخرى للوكيل لانه لم يأذن فيه الموكل، فوقع الشراء للوكيل فان قلنا ان الجميع للموكل فباع إحداهما فقد خرج أبو العباس فيه وجهين
(أحدهما)
أنه لا يصح لانه باع مال الموكل بغير إذنه فلم يصح
(والثانى)
أنه يصح لحديث عروة البارقى، والمذهب الاول، والحديث يتأول وإن قلنا إن للوكيل شاة استرجع الموكل منه نصف دينار، وإن اشترى الشاتين بعين الدينار، فإن قلنا فيما اشترى في الذمة: إن الجميع للموكل كان الجميع ههنا للموكل.
وإن قلنا: إن إحداهما للوكيل والاخرى للموكل صح الابتياع للموكل في إحداهما ويبطل في الاخرى، لانه لا يجوز أن يحصل الابتياع له بمال الموكل فبطل.
(الشرح) حديث عروة البارقى مر في غير موضع الكلام عليه في البيع والربا وأول الوكالة، وقد أوفيناه حقه من البحث فليراجع.
أما الاحكام فقد قال المزني: ومن باع بمالا يتغابن الناس بمثله فبيعه مردود.
لانه تلف على صاحبه، فهذا قول الشافعي ومعناه.
وهذا صحيح.
قال الماوردى للموكل فيما أذن له ببيعه حالتان: حالة إطلاق.
وحالة تقييد فأما حالة الاطلاق فهو أن يأذن لوكيله في البيع إذنا مطلقا من غير أن يقيده بشرط، أو على صفة، فعلى الوكيل في بيعه ثلاثة شروط: (أحدها) أن يبيعه بغالب نقد البلد، فان عدل إلى غيره لم يجز والشرط الثاني: أن يبيعه بثمن مثله، فان باعه بمالا يتغابن الناس بمثله وإلى أجل، كان بيعه نافذا، ولموكله نافذا استدلالا بأن إطلاق الاذن يشتمل على عموم البيع، وتخصيص المطلق لا يكون إلا بدليل، كالمطلق من عموم الكتاب والسنة، فلما كان اسم البيع ينطبق على المبيع بغير نقد البلد وبما لا يتغابن الناس به وعلى المؤجل، وجب أن يصح لانه عقد مأذون فيه، كما لو باعه بنقد البلد وبثمن المثل وبالمعجل.
ثم استدل على جواز البيع بغير نقد البلد بأنه بيع بجنس الاثمان فصح كالمبيع بنقد البلد واستدل على جوازه إلى أجل بأن الاجل مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يملكها الوكيل قياسا على خيار الثلاث، وهذا كله خطأ.
والدليل على ما قلنا على الشرط الاول وهو أن بيعه بغير نقد البلد لا يجوز هو أنه لما لم يصح من الوكيل في الشراء أن يشترى بغير نقد البلد لم يصح من الوكيل في البيع أن يبيع بغير نقد البلد.
وتحريره أنه عقد معاوضة بوكالة مطلقة فوجب ألا يصح بغير نقد البلد، قياسا على الشراء، أو لان كل جنس لا يجوز للوكيل أن يبتاع به لم يجز للوكيل أن يبيع به قياسا على البيع بغير جنس الاثمان وبالمحرمات والدليل على الشرط الثاني، وهو أن بيعه بمالا يتغابن الناس بمثله لا يجوز
هو أنه عقد معاوضه عن وكالة مطلقة فوجب أن لا يصح بأكثر من ثمن المثل قياسا على الشراء ولان من لم يملك الهبة في مال لم يملك المحاباة فيه كالوصي والعبد المأذون له في التجارة، ولان المحاباة كالهبة لاعتبارها من الثلث، فلما لم يصح من الوكيل في البيع هبة المال أو بعضه لم تصح منه المحاباة فيه.
وتحريره أنه عقد استهلك به شيئا من مال موكله بغير إذنه فوجب أن يكون باطلا كالهبة، فإذا ثبت ما ذكرنا وأن المثل معتبر، وأن البيع بمالا يتغابن الناس
بمثله، فالاعتبار بالغبن عرف الناس في مثل المبيع، وليس له حد مقدر.
وقال مالك: حد الغبن في البيوع الثلث فصاعدا لقوله صلى الله عليه وسلم " الثلث والثلث كثير " وقال أبو حنيفة: حد الغبن من العشر فصاعدا لانه أقل ما يجب في زكوات الزروع والثمار.
قال الماوردى: وكلا المذهبين فاسد، لان عرف الناس فيما يكون غبنا كثيرا يختلف باختلاف الاجناس، فمن الاجناس ما يكون ربع العشر فيه غبنا كثيرا، وهو الحنطة والشعير والذهب والورق.
ومنها ما يكون نصف العشر فيه غبنا يسيرا، كالرقيق والجوهر، فلم يجز أن يحد ذلك بقدر مع اختلافه في عرفهم.
ووجب الرجوع فيه إليهم.
فإذا باع الوكيل بمالا يتغابن الناس بمثله كان بيعه باطلا ولا ضمان عليه ما لم يسلم المبيع، فان سلمه كان ضامنا ولزمه استرجاع المبيع إن كان باقيا، فان هلك في يد المشترى كان كل واحد من الوكيل والمشترى ضامنا.
أما المشترى فضامن بجميع القيمة، لانه فائض عن عقد بيع فاسد.
وأما الوكيل ففى قدر ما يضمنه قولان ذكرهما الشافعي في كتاب الرهن الصغير
(أحدهما)
أنه يضمن جميع القيمة
(والثانى)
أنه يضمن ما غبن به من قدر المحاباة، لان به فسد العقد ولزم الضمان وقد مضى من التفريع في كتاب الرهن ما يقنع.
والدليل على الشرط الثالث وأن بيعه بالثمن المؤجل لا يجوز هو أن الاجل في البيوع يدخل تارة في المثمن فيصير سلما، وتارة في الثمن فيكون دينا، فلما لم يجز للوكيل أن يدخل الاجل في الثمن لم يجز أن يدخل الاجل في المثمن على ما مضى في الفصل قبله (فرع)
قال الماوردى رحمه الله تعالى: " وأما المختص بقدر الثمن وصورته أن يقول: بع بمائة درهم، فلا يجوز أن يبيعه بأقل منها ولو بقيراط، فان فعل كان البيع باطلا، ولو باعه بأكثر من مائه درهم كان البيع جائزا لحصول المائة التى أرادها، والزيادة عليها زيادة حظ له،
إلا أن يكون قد أمره أن يبيعه بالمائة على رجل بعينه، فلا يجوز أن يبيعه عليه بأكثر من مائة، كما لا يجوز أن يبيعه على غيره، لانه لما نص على القدر صار مسامحا له بالزيادة عليه.
فلو باع نصف العبد بمائة درهم صح البيع، لان بقاء نصف العبد مع حصول المائة التى أرادها أحظ، فلو باع نصف العبد بأقل من مائة درهم ولو بقيراط لم يجز لتفويت ما أراده من كمال الثمن وتفريق الصفقة.
فلو وكله ببيع عبيد فباع كل عبد في عقد، فإن لم يذكر له قدر الثمن جاز.
لان العادة في بيع العبيد جارية بإفرادهم في العقود.
ولو ذكر له قدر الثمن فقال: بع هؤلاء العبيد الثلاثة بألف درهم.
فإن باع أول صفقة من العبيد بأقل من ألف درهم لم يجز لانه قد لا يشترى العبدان الآخران بما بقى من تكملة الالف وإن باع أول صفقة بأكثر من ألف درهم جاز.
وهل يجوز بيع الاثنين الآخرين بعد حصول الالف؟ على وجهين
أحدهما: لا يجوز، لان مقصوده بالبيع حصول الالف من ثمنه، فصارت الوكالة مقصورة عليها وباطلة فيما سواها والوجه الثاني: أنه يجوز له بيع من بقى منهم لانعقاد الوكالة يبيعهم.
ولا يكون حصول الثمن بكماله من بعضهم مانعا من بيع باقيهم.
كما لو باع أحدهم بأكثر من ألف.
ولم يلزمه أن يبيع منه بقدر الالف، ويكون عن بيع باقيه بالزيادة على الالف.
فأما العدد من الثياب إذا وكله في بيعها وأمكن أن يبتاع صفقة وتفاريق.
فعلى الوكيل أن يعمل على أحظ الامرين لموكله في بيع جميعها صفقة أو أفرادا كل واحد منها بعقد.
فان عدل عن أحظهما لم يجز ما لم يكن من الموكل تصريح به " اه (قلت) وكلام المصنف في المهذب يفيد أن البيع يصح وينفذ في كل حالة نقص فيها الثمن عن القدر الذى أذن فيه وضمنه الوكيل أعنى ضمن - الفرق الذى ينقص عن القدر المأذون فيه - كأن أذن له في البيع بمائة فباع بتسعين كان على الوكيل ضمان النقص وهو العشرة، ونتيجة هذا أن البيع ينفذ بحصول الموكل على الثمن الذى حدده بكماله، وذلك بضمان مقدار النقص على الوكيل
ومثل ما ذكر في البيع يكون في الشراء فلو أمره أن يشترى شاة بعشرة فاشتراها بأحد عشرة كان عليه ضمان الفرق ولا يلزم الموكل سوى عشرة، وهذا هو تخريج أبى العباس بن سريج رحمه الله تعالى.
هذا وبقية ما ورد في هذا الفصل مضى بيانه في شرح الفصول السابقة: لان المصنف في هذا الفصل ضمنه ما ورد في بعض الفصول السابقة، وقد شرحناها والله المستعان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) إذا اشترى الوكيل ما أذن فيه الموكل انتقل الملك إلى الموكل لان العقد له فوقع الملك له كما لو عقده بنفسه وان اشترى ما لم يأذن فيه، فإن كان قد اشتراه بعين مال الموكل، فالعقد باطل، لانه عقد على مال لم يؤذن في العقد عليه، فبطل كما لو باع مال غيره بغير إذنه، وإن اشتراه بثمن في الذمة نظرت، فإن لم يذكر الموكل في العقد لزمه ما اشترى، لانه اشترى لغيره في الذمة ما لم يأذن فيه فانعقد الشراء له كما لو اشتراه من غير وكالة، وإن ذكر الموكل في العقد ففيه وجهان (أحدهما) أن العقد باطل، لانه عقد على أنه للموكل والموكل لم يأذن فيه فبطل (والثانى) أنه يصح العقد ويلزم الوكيل ما اشتراه، وهو قول أبى إسحاق، وهو الصحيح، لانه اشترى في الذمة ولم يصح في حق الموكل فانعقد في حقه كما لو لم يذكر الموكل.
(فصل) وإن وكله في قضاء دين لزمه أن يشهد على القضاء، لانه مأمور بالنظر والاحتياط للموكل، ومن النظر أن يشهد عليه لئلا يرجع عليه، فإن ادعى الوكيل أنه قضاه وأنكر الغريم لم يقبل قول الوكيل على الغريم، لان الغريم لم يأتمنه على المال، فلا يقبل قوله عليه في الدفع، كالوصي إذا ادعى دفع المال إلى الصبى، وهل يضمن المال للموكل؟ ينظر فيه فإن كان في غيبة الموكل وأشهد شاهدين ثم مات الشهود أو فسقوا لم يضمن، لانه لم يفرط، وان لم يشهد ضمن لانه فرط.
وأن أشهد شاهدا واحدا ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يضمن، لان الشاهد مع اليمين بينة
(والثانى)
يضمن لانه فرط حيث إنه اقتصر على بينة مختلف فيها وان كان بمحضر الموكل وأشهد لم يضمن، وإن لم يشهد ففيه وجهان.
أحدهما: لا يضمن، لان المفرط هو الموكل، فإنه حضر وترك الاشهاد.
والثانى: أنه يضمن لان ترك الاشهاد يثبت الضمان فلا يسقط حكمه بحضور الموكل، كما لو أتلف ماله وهو حاضر، وان وكله في إيداع ماله عند رجل فهل يلزمه الاشهاد؟ ففيه وجهان.
أحدهما: يلزمه لانه لا يأمن أن يجحد فيشهد عليه الشهود.
والثانى: لا يلزمه، لان القول قول المودع في الرد والهلاك، فلا فائدة في الاشهاد، وإن وكله في الايداع فادعى أنه أودع وأنكر المودع لم يقبل قول الوكيل عليه، لانه لم يأتمنه المودع فلا يقبل قوله عليه، كالوصي إذا ادعى دفع المال إلى اليتيم، وهل يضمن الوكيل؟ ينظر فيه، فإن أشهد ثم مات الشهود أو فسقوا لم يضمن، لانه لم يفرط، وإن لم يشهد - فإن قلنا: إنه يجب الاشهاد ضمن لانه فرط، وإن قلنا: لا يجب لم يضمن لانه لم يفرط.
(الشرح) الاحكام: قال المزني رحمه الله تعالى: لو دفع إليه مالا اشترى به طعاما فيسلفه، ثم اشترى له بمثله طعاما فهو ضامن للمال والطعام، لانه خرج من وكالته بالتعدي، واشترى بغير ما أمره به اعلم أن لهذه المسألة مقدمة لا يستغنى عن شرحها وتقدير المذهب فيها ليكون الجواب في المسألة مبنيا عليها، وهو أن الرجل إذا وكل رجلا في ابتياع متاع له فلا يخلو حاله من أحد أمرين، إما أن يدفع إليه ثمنه أم لا، فإن لم يدفع الثمن إليه جاز للوكيل أن يشتريه بثمن في ذمته ناويا به أنه لموكله، فيكون بالعقد واقعا للموكل دون الوكيل.
وقال أبو حنيفة: يقع الملك بالعقد للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل استدلالا بأن ما ملكه الانسان بعقد غيره وقع الملك للعاقد، ثم انتقل عنه إلى متملكه كالشفعة يقع الملك إلى المشترى ثم ينتقل عنه إلى الشفيع، ولان الوكيل يلزمه
الثمن بعقده فوجب أن يقع له الملك بعقده، لان الثمن في مقابلة المثمن، ولانه لما كان شروط العقد والافتراق معتبرا بالعاقدين اقتضى أن يكون موجبه من الملك واقعا للعاقدين.
ودليلنا أن كل ما عقده الوكيل للموكل اقتضى وقوع الملك بالعقد للموكل كالنكاح، ولان كل من ناب في العقد عن غيره وقع الملك به للمعقود له دون عاقده قياسا على ولى اليتيم.
(فرع)
قال المزني: ولو أمر الموكل الوكيل بدفع مال إلى رجل فادعى أنه دفعه إليه لم يقبل منه الا ببينة اه قلت: وصورة ذلك تتضح في رجل أمر وكيله بدفع مال إلى رجل فادعى الوكيل الدفع وأنكر المدفوع إليه القبض، فلا يخلو حال ذلك المال من أربعة أقسام.
أحدها: أن يكون دينا في ذمة الموكل، فقول الوكيل في الدفع غير مقبول على المدفوع إليه، لان الموكل لو ادعى دفع الدين لم تقبل دعواه، فوكيله في دفعه أولى أن لا تقبل دعواه، ويكون صاحب الدين على حقه في مطالبة الموكل بدينه، وليس له مطالبة الوكيل به فأما قبول قول الوكيل على الموكل فلا يخلو حال الموكل من أن يصدقه على الدفع أو يكذبه فإن كذبه على ما ادعاه من الدفع لم يقبل قوله عليه، وكان ضامنا له لانه، وان كان أمينا له بقوله - غير مقبول في الدفع إلى غيره.
ألا ترى أن الوصي أمين للموصى، ولا يقبل قوله على اليتيم في دفع ماله إليه، لانه يدعى دفعا إلى غير من ائتمنه.
وكذلك أمره الله تعالى بالاشهاد على اليتيم في دفع ماله إليه بقوله " فإذا دفعتم الهم أموالهم فأشهدوا عليهم " لان غير الايتام قد ائتمنوهم.
وقال في غير الاوصيا " فان أمن بعضكم بعضا.
فليؤد الذى اؤتمن أمانته "
فأمره بأداء الامانة إلى من ائتمنه من غير اشهاد.
لان قوله في الدفع مقبول.
وأمر الاوصياء بالاشهاد.
لان قولهم في الدفع غير مقبول فإذا ثبت أن قول الوصي غير مقبول في دفع مال اليتيم إليه.
وان كان مؤتمنا لان الائتمان من جهة غيره فكذا قول الوكيل غير مقبول في دفع المال إلى غير موكله، وان كان مؤتمنا
لانه دفع إلى غير مؤتمنه، أو لا فرق بين أن يكون المؤتمن موصيا مات، أو موكلا باقيا.
فأما إن صدق الموكل وكيله في الدفع فلا يخلو حال الموكل من أن يكون حاضرا للدفع أو غائبا عنه، فإن كان غائبا عنه فالوكيل ضامن مع تصديق الموكل، كما كان ضامنا مع تكذيبه، لانه وإن صدقة على الدفع فقد فرط بترك الاشهاد، لان أمره بالدفع يقتضى دفعا بيديه من المطالبة، ولا يكون ذلك مع جواز الجحود إلا بالاشهاد، فصار الاشهاد من مقومات الدفع، وكما نقول في الاشهاد نقول في التوثيق والاشهار وكتابة الصكوك مع توقيع المدفوع إليه، لان العرف في زماننا هذا وفشو الفساد واستحلال المحرمات، وصعوبة الاثبات بغير الوثائق المكتوبة صار من مقومات الدفع اعتبار هذه العناصر من البينات، وعدم التفريط فيها.
فصار الوكيل بترك الاشهاد مفرطا فيضمن به كما يضمن بالجناية وإن كان الوكيل حاضرا لدفع الوكيل ففى وجوب الضمان على الوكيل وجهان
(أحدهما)
لا ضمان عليه، والاشهاد غير لازم له، لان الموكل إذا حضر كان هو المستوفى لنفسه الاشهاد، لان ما كان من شروط الدفع مع غيبة الموكل كان من شروطه مع حضوره، وليس ما اتفق من حضور الموكل بمسقط لحق الاستيثاق عن الوكيل.
والقسم الثاني: أن يكون المدفوع عينا مضمونة في يد الموكل كالعوارى
والغصوب، فيدعى الوكيل المأمور بالدفع أنه قد دفعها إلى ربها، وينكر ربها ذلك فالقول قوله مع يمينه، وقول الوكيل غير مقبول على واحد منهما في الدفع، ولصاحب العارية والمال المغصوب أن يرجع على من شاء من الموكل والوكيل بخلاف الدين الذى لا يرجع صاحبه به على الوكيل، لان الوكيل في قضاء الدين لم تثبت له يد على عين مال لرب الدين، وقد ثبت للوكيل في العارية والغصب فكانت يد الوكيل في وجوب الضمان كالموكل، فإن رجع رب العارية بالغرم على الموكل رجع الموكل به على الوكيل إن لم يصدقه على الدفع وإن صدقه على الدفع وكان غائبا عن الدفع رجع به ايضا، وإن كان حاضرا فعلى ما ذكرنا من الوجهين، وإن رجع رب العارية بالغرم على الوكيل لم يرجع
الوكيل به على الموكل إن كذبه ولا إن صدقه وكان غائبا، وهل يرجع به إن كان حاضرا معه على الوجهين.
والقسم الثالث: أن يكون ذلك وديعة في يد الموكل، فلا يخلو حال رب الوديعة من أحد أمرين: إما أن يكون قد أذن للمودع أن يوكل في ردها أم لا، فإن لم يأذن له في التوكيل في رد الوديعة عليه فقول الوكيل غير مقبول في الرد والمودع ضامن للوديعة، وهل يكون الوكيل ضامنا لها أم لا؟ على وجهين.
وإن أذن له ان يوكل في ردها فهذا على ضربين
(أحدهما)
أن يصدقه على التوكيل.
فيكون قول الوكيل في هذا مقبولا على رب الوديعة في ردها عليه، لانه قد صار وكيلا له، وقول الوكيل مقبول على موكله والضرب الثاني: أن يكذبه في التوكيل مع اعترافه بالاذن فيه.
فهل يقبل قول المودع في الوكالة أم لا.
على وجهين
(أحدهما)
يقبل قوله، لان التوكيل من جهته، فعلى هذا يصح وكالة الوكيل عن رب الوديعة، ويصير قول الوكيل
مقبولا عليه في الرد.
والوجه الثاني: أن قول المودع غير مقبول في الوكالة لانه يدعى عقد توكيل على غيره، فعلى هذا لا يقبل بقبول الوكيل في الرد، ويصير المودع ضامنا، وليس له إذا غرم الوديعة أن يرجع بها على الوكيل، لان المودع مفرط بترك الاشهاد في التوكيل، فصار ضامنا لتفريطه.
فلم يجز أن يرجع به على غيره.
والقسم الرابع: أن يكون ذلك وديعه للموكل ويأمر وكيله بإيداعها عند رجل فيدعى الوكيل تسليمها إليه فيكذب في دعواه فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام.
أحدها أن يكذبه المالك الموكل في الدفع ويكذبه المودع في القبض، ففيه وجهان من اختلافهم في وجوب الاشهاد عليه عند الدفع
(أحدهما)
يجب عليه الاشهاد، كما يجب عليه في قضاء الدين، فعلى هذا يكون الوكيل بترك الاشهاد مفرطا.
وقوله في الدفع بعد ضمانه بالتفريط غير مقبول.
والوجه الثاني: أن الاشهاد لا يجب عليه في دفع الوديعة.
لان المودع عنده لو ادعى تلفها بعد الاشهاد عليه كان مقبول القول فيه.
فعلى هذا لا يكون مفرطا.
وقوله في الدفع مقبول
القسم الثاني: أن يصدقه المالك الموكل ويكذبه المودع، فلا ضمان على الوكيل وقوله بتصديق الموكل مقبول عليه في سقوط الضمان عنه، وغير مقبول على المودع.
فإذا حلف المودع: ما تسلم منه الوديعة برئ من الدعوى القسم الثالث: أن يصدقه المودع على قبضها منه ويدعى تلفها وتكذيب المالك الموكل لقول الوكيل مقبول.
وهو من ضمانها برئ لان إقرار المودع بالقبض أقوى من الاشهاد عليه فلما برئ من الاشهاد عليه فأولى ان يبرأ بالاقرار وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
وإن كان عليه حق لرجل فجاء رجل وادعى أنه وكيل صاحب
الحق في قبضه وصدقه، جاز أن يدفع إليه، ولا يجب الدفع إليه.
وقال المزني: يجب الدفع إليه، لانه أقر له بحق القبض، وهذا لا يصح لانه دفع غير مبرئ فلم يجبر عليه، كما لو كان عليه دين بشهادة فطولب به من غير إشهاد.
فان دفع إليه ثم حضر الموكل وأنكر التوكيل فالقول قوله مع يمينه: أنه ما وكل، لان الاصل عدم التوكيل، فإذا حلف نظرت.
فان كان الحق عينا أخذها إن كانت باقية ورجع ببدلها إن كانت تالفة، وله أن يطالب الدافع والقابض.
لان الدافع سلم إلى من لم يأذن له الموكل.
والقابض أخذ ما لم يكن له أخذه.
فان ضمن الدافع لم يرجع على القابض.
وان ضمن القابض لم يرجع على الدافع.
لان كل واحد منهما يقول: إن ما يأخذه المالك ظلم فلا يرجع به على غيره.
وإن كان الحق دينا فله أن يطالب به الدافع.
لان حقه في ذمته لم ينتقل.
وهل له أن يطالب القابض؟ فيه وجهان
(أحدهما)
له أن يطالب.
وهو قول أبى اسحاق لانه يقر بأنه قبض حقه فرجع عليه كما لو كان الحق عينا
(والثانى)
ليس له.
وهو قول أكثر أصحابنا.
لان دينه في ذمة الدافع لم يتعين فيما صار في يد القابض فلم يجز أن يطالب به.
وان جاء رجل إلى من عليه الحق وادعى أنه وارث صاحب الحق فصدقه وجب الدفع إليه لانه اعترف بأنه لا مالك له غيره وأن دفعه إليه دفع مبرئ فلزمه.
وان جاء رجل فقال: أحالني عليك صاحب الحق فصدقه.
ففيه وجهان
(أحدهما)
يلزمه الدفع إليه، لانه أقر له أنه انتقل الحق إليه فصار كالوارث
(والثانى)
أنه لا يلزمه لان الدفع غير مبرئ لانه ربما يجئ صاحب الحق فينكر الحوالة فيضمنه، وإن كذبه لم يلزمه الدفع إليه في المسائل كلها وهل يحلف إن قلنا: إنه إن صدقه لزمه الدفع إليه حلف، لانه قد يخاف اليمين فيصدقه فيلزمه
الدفع إليه.
وإن قلنا لا يلزمه الدفع إليه إذا صدقه لم يحلف لان اليمين يعرض ليخاف فيصدق، ولو صدق لم يلزمه الدفع فلا معنى لعرض اليمين.
(الشرح) الاحكام: قال المزني: ولو كان لرجل على رجل حق، فقال له رجل: وكلنى فلان بقبضه منك فصدقه ودفعه إليه فتلف وأنكر رب الحق أن يكون وكله فله الخيار، فإن أغرم الدافع على القابض لانه يعلم أنه وكيل برئ، وان اغرم القابض لم يكن له الرجوع على الدافع لانه يعلم أنه مظلوم وبرئ.
وصورتها فيمن غاب وله مال على رجل أو في يده، فحضر رجل ادعى وكالة الغائب في قبض ماله، فان أقام على ما ادعاه من الوكالة بينة عادلة حكم بها والبينة شاهدان عدلان، فان كان فيهما ابن مدعى الوكالة لم تقبل شهادته، لانه يشهد لابيه، وكذا لو كان فيهما ابن من عليه الحق لم يقبل، لانه يشهد لابيه بالبراءة من صاحب الحق بهذا الدفع، ولكن لو كان فيهما ابن صاحب الحق قبلت شهادته لانه يشهد على أبيه لا له، فإذا قامت البينة بالوكالة أجبر الحاكم من عليه المال على دفعه إلى الوكيل، لان لصاحب الحق أن يستوفيه بنفسه ان شاء، وتوكيله ان شاء، وليس لمن هو عليه أن يمتنع من تسليمه إلى وكيل مالكه، وان لم يكن لمدعى الوكالة بينة يثبت بها الوكالة لم يلزم من عليه الحق أن يدفعه إلى مدعى الوكالة، سواء صدقه على الوكالة أو كذبه، وقال أبو حنيفة وكذا قال المزني: ان صدقه على الوكالة لزمه دفع المال إليه كالمصدق لمدعى سداد رب المال يلزمه دفع المال إليه.
وهذا خطأ من وجهين.
أحدهما وهو تعليل أبى اسحاق: انه دفع لا يبرئه من حق الوكيل عند انكار الوكالة ومن لم يبرأ بالدفع عند انكاره لم يجبر.
ألا ترى أن من عليه حق توثيقه فله الامتناع من الدفع الا باشهاد صاحب الحق على نفسه
ولو لم تكن عليه وثيقة ففى جواز امتناعه لاجل الشهادة وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: له أن يمتنع لانه لا يتوجه يمين عند ادعائه بعد دفعه
(والثانى)
ليس له أن يمتنع ولا يلزم صاحب الحق الاشهاد، لانه إذا أنكر الحق بعد أدائه حلف بارا.
والتعليل الثاني - وهو تعليل أبى على بن أبى هريرة - أنه مقر في ملك غيره، ومدع عقد وكاله لغيره، فلم تقبل دعواه، ولم يلزم إقراره، ألا ترى أن من عليه الحق لو أقر بموت صاحب الحق، وأن هذا الحاضر وصيه في قبض دينه لم يلزم دفع المال إليه، وان اقر باستحقاق قبضه، فكذا الوكيل، فأما اعترافه للوارث بموت صاحب الحق فيلزمه دفع المال إليه، والفرق بينه وبين الوكيل أنه مقر للوارث بالملك، فيلزمه الدفع لانه بين أنه من الحق، ولا يصير الوكيل مالكا، ولا يبرأ بقبضه من الحق.
فأما ان أقر من عليه المال بأن صاحبه قد أحال هذا الحاضر به، فهل يلزمه دفع المال إليه باقراره؟ أم لا؟ على وجهين
(أحدهما)
يلزمه لانه مقر له بالملك فصار كإقراره للوارث
(والثانى)
لا يلزمه لانه لا يبرأ بالدفع عند الجحود، فصار كإقراره بالتوكيل.
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حال من عليه الحق من أن يصدق الوكيل أو يكذبه فان كذبه على الوكالة وأنكره فلا يمين عليه، وعليه عند أبى حنيفة والمزنى اليمين لوجوب الدفع عندهما مع التصديق، ولا يجوز مع تكذيبه للوكيل أن يدفع إليه المال، وان صدقه على الوكالة لم يلزمه دفع المال إليه لما ذكرنا، لكن يجوز له في الحكم أن يدفعه إليه، فان دفعه إليه، وقدم صاحب الحق فلا يخلو حاله من أحد أمرين اما أن يعترف بالوكالة أو ينكرها، فان اعترف بها برئ من عليه الحق بالدفع سواء وصل الموكل إلى حقه من وكيله أو لم يصل إليه بتلفه.
فان أنكر الوكالة فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف فله المطالبة، ثم لا يخلو حال حقه من أحد أمرين، اما أن يكون عينا أو دينا، فان كان حقه عينا قائمة كالغصوب والعوارى والودائع فكل واحد من الدافع والقابض ضامن لها،
أما الدافع فلتعديه بالدفع.
وأما القابض فليده عند إنكار توكيله، ويكون ربها بالخيار في مطالبة من شاء بها من الدافع والقابض، سواء كانت باقية أو تالفة، إلا أنها إن كانت باقية فله مطالبة أيهما شاء بالقيمة: فان طالب بها الدافع وأغرمه برئا ولم يرجع الدافع على القابض بغرمها لانه مقر أن القابض وكيل برئ منها وأنه هو المظلوم بها.
وإن طالب القابض فأغرمه برئا، ولم يرجع القابض على الدافع بغرمها: لانه مقر ببراءته منها، وأنه هو المظلوم بها، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
ويجوز للموكل أن يعزل الوكيل إذا شاء، ويجوز للوكيل أن يعزل نفسه متى شاء، لانه أذن في التصرف في ماله فجاز لكل واحد منهما ابطاله كالاذن في أكل طعامه، وان رهن عند رجل شيئا وجعلاه على يد عدل واتفقا على أنه يبيعه إذا حل الدين ثم عزله الراهن عن البيع انعزل لانه وكيله في البيع فانعزل بعزله كالوكيل في بيع غير الرهن.
وان عزله المرتهن ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه ينعزل، وهو ظاهر النص لانه يبيع الرهن لحقه، فانعزل بعزله كالراهن
(والثانى)
لا ينعزل، وهو قول أبى اسحاق لانه ليس بوكيل له في البيع، فلم ينعزل بعزله، وان وكل رجلا في تصرف وأذن له في توكيل غيره نظرت، فان أذن له في التوكيل عن الموكل فهما وكيلان للموكل، فان بطلت وكالة أحدهما لم تبطل وكالة الآخر، وان أذن له في
توكيله عن نفسه فان الثاني وكيل الوكيل، فان عزله الموكل انعزل لانه يتصرف له فملك عزله كالوكيل، وان عزله الوكيل انعزل، لانه وكيله فانعزل بعزله، وان بطلت وكالة الوكيل بطلت وكالته، لانه فرع له، فإذا بطلت وكالة الاصل بطلت وكالة الفرع.
وان وكل رجلا في أمر ثم خرج عن أن يكون من أهل التصرف في ذلك الامر بالموت أو الجنون أو الاغماء أو الحجر أو الفسق بطلت الوكالة، لانه
لا يملك التصرف فلا يملك غيره من جهته، وإن أمر عبده بعقد ثم أعتقه أو باعه ففيه وجهان.
(أحدهما) لا ينعزل كما لو أمر زوجته بعقد ثم طلقها.
(والثانى)
أنه ينعزل، لان ذلك ليس بتوكيل في الحقيقة، وإنما هو أمر ولهذا يلزم امثاله، وبالعتق والبيع سقط أمره عنه، وإن وكل في بيع عين فتعدى فيها بأن كان ثوبا فلبسه، أو دابة فركبها، فهل تبطل الوكالة أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: تبطل فلا يجوز له البيع، لانه عقد أمانة فتبطل بالخيانة كالوديعة.
والثانى: أنها لا تبطل، لان العقد يتضمن أمانة وتصرفا، فإذا تعدى فيه بطلت الامانة وبقى التصرف، كالرهن يتضمن أمانة ووثيقة، فإذا تعدى فيه بطلت الامانة وبقيت الوثيقة.
وان وكل رجلا في تصرف ثم عزله ولم يعلم الوكيل بالعزل، ففيه قولان.
(أحدهما)
لا ينعزل، فان تصرف صح تصرفه، لانه أمر فلا يسقط حكمه قبل العلم بالنهي كأمر صاحب الشرع
(والثانى)
أنه ينعزل، فان تصرف لم ينفذ تصرفه لانه قطع عقد لا يفتقر إلى رضاه فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق.
(الشرح) الاحكام: لما كانت الوكالة عقدا جائزا من الطرفين فللموكل
عزل وكيله متى شاء، وللوكيل عزل نفسه، لانه أذن في التصرف، فكان لكل واحد منهما ابطاله، كما لو أذن في أكل طعامه، وتبطل أيضا بموت أحدهما أيهما كان وجنونه المطبق، ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم، فمتى تصرف الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته فهو باطل إذا علم ذلك، فان لم يعلم الوكيل بالعزل ولا موت الموكل فعن أحمد فيه روايتان، وللشافعي فيه قولان، وظاهر النص أنه ينعزل علم أو لم يعلم، ومتى تصرف فبان أن تصرفه بعد عزله أو موت موكله فتصرفه باطل، لانه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلا يفتقر إلى علمه كالطلاق والعتاق والى هذا ذهب الخرقى من الحنابلة.
والقول الثاني وهى الرواية الثانية عن أحمد: لا ينعزل قبل علمه بموت الموكل وعزله، نص عليه في رواية جعفر بن محمد امام العترة، لانه لو انعزل قبل علمه
كان فيه ضرر، لانه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة، وربما باع الطعام فيأكله المشترى أو غير ذلك من اطلاق يد المشترى ويجب ضمانه.
فيتضرر المشترى والوكيل.
ولانه يتصرف بأمر الموكل ولا يثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه بالفسخ.
فعلى هذا لو تصرف قبل العلم نفذ تصرفه.
وعن أبى حنيفة أنه ان عزله الموكل فلا ينعزل قبل علمه لما ذكرنا، وان عزل الوكيل نفسه لم ينعزل الا بحضرة الموكل، لانه متصرف بأمر الموكل، فلا يصح رد أمره بغير حضرته كالمودع في رد الوديعة.
ولنا ما تقدم، فأما الفسخ ففيه وجهان كالروايتين ثم هما مفترقان، فان أمر الشارع يتضمن المعصية بتركه: ولا يكون عاصيا من غير علمه، وهذا يتضمن العزل عنه ابطال التصرف، فلا يمنع منه عدم العلم.
ومتى خرج أحدهما عن أن يكون من أهل التصرف مثل أن يجن أو يحجر عليه
لسفه فحكمه حكم الموت.
لانه لا يملك التصرف فلا يملكه غيره من جهته.
فإذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل.
وان حجر على الوكيل لفلس فالوكالة بحالها، لانه لم يخرج عن كونه أهلا للتصرف.
وان حجر على الموكل وكانت الوكالة في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه في أعيان ماله.
وان كانت في الخصومة أو الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص فالوكالة بحالها، لان الموكل أهل لذلك.
وله أن يستنيب فيه ابتداء فلا تنقطع الاستدامة، وان فسق الوكيل لم ينعزل.
لانه من أهل التصرف.
الا أن تكون الوكالة فيما ينافيه الفسق كالايجاب في عقد النكاح فانه ينعزل بفسقه أو فسق موكله بخروجه عن أهلية التصرف.
فان كان وكيلا في القبول للموكل لم ينعزل بفسق موكله لانه لا ينافى جواز قبوله.
وهل ينعزل بفسق نفسه؟ فيه وجهان.
وان كان وكيلا فيما تشترط فيه الامانه كوكيل اليتيم وولى الوقف على المساكين ونحو هذا انعزل بفسقه وفسق موكله بخروجهما بذلك عن أهلية التصرف وان كان وكيلا لوكيل من يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه.
لان الوكيل
ليس له توكيل فاسق.
ولا ينعزل بفسق موكله.
لان موكله وكيل لرب المال، ولا ينافيه الفسق ولا تبطل الوكالة بالنوم والسكر والاغماء، لان ذلك لا يخرجه عن أهلية التصرف، ولا تثبت عليه ولاية إلا أن يحصل الفسق بالسكر فيكون فيه من التفصيل ما أسلفنا (فرع)
إذا تعدى فيما وكل فيه، مثل أن يلبس الثوب أو يركب الدابة فهل تبطل الوكالة.
وجهان
(أحدهما)
تبطل الوكالة لانها عقد أمانة فتبطل بالتعدي كالوديعة (الثاني) لا تبطل الوكالة بالتعدي فيما وكل فيه، وبهذا الوجه قال أحمد
وأصحابه.
لانه إذا تصرف فإنما يتصرف في نطاق إذن موكله فكان كما لو لم يتعد فصح ويفارق الوديعة من جهة أنها أمانة مجردة فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة إذن في التصرف تضمنت الامانة، فإذا انتفت الامانة بالتعدي بقى الاذن بحاله.
فعلى هذا لو وكله في بيع ثوب فلبسه صار ضامنا، فإذا باعه صح بيعه وبرئ من ضمانه لدخوله في ملك المشترى وضمانه، فإذا قبض الثمن كان أمانة في يده غير مضمون عليه، لانه قبضه باذن الموكل ولم يتعد فيه.
وإذا دفع إليه مالا ووكله في شراء شئ فتعدى في الثمن فصار ضامنا له، فإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض أمانة.
وإن وجد بالمبيع عيبا فرد عليه، أو وجد هو بما اشترى عيبا فرده وقبض الثمن كان مضمونا عليه، لان العقد المزيل للضمان زال فعاد ما زال عنه.
(فرع)
إذا وكل أمرأته في بيع أو شراء أو غيره ثم طلقها لم تنفسخ الوكالة لان زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة فلا يقطع استدامتها.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
والوكيل أمين فيما في يده من مال الموكل، فان تلف في يده من غير تفريط لم يضمن، لانه نائب عن الموكل في اليد والتصرف، فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد الموكل فلم يضمن.
وإن وكله في بيع سلعة وقبض ثمنها فباعها وقبض ثمنها.
وتلف الثمن واستحق
المبيع رجع المشترى بالثمن على الموكل لان البيع له فكان الرجوع بالعهدة عليه.
كما لو باع بنفسه.
(الشرح) الاحكام: اليد في أموال الغير على ثلاثة أقسام، يد ضامنة ويد أمينة، ويد اختلف الشافعي هل هي ضامنة أو أمينة، فالاولى كيد الغاصب
والمستعير والمساوم والمشترى والمستقرض، وكل هؤلاء يلزمهم ضمان ما هلك بأيديهم، وإن كان هلاكه من غير تعديهم، لانهم أصلا بين متعد أو معاوض.
والثانية كيد الوكيل والمضارب والشريك والمودع والمستأجر والمرتهن، فهؤلاء كلهم لا ضمان عليهم ما لم يتعدوا ويفرطوا، لانه ليس فيهم متعد بيده ولا معاوض.
وأما اليد المختلف فيها فيد الاجير المشترك إذا هلك بيده ما استؤجر على عمله من غير تفريط فيه ولا تعد عليه، ففيها قولان
(أحدهما)
أنها كيد المستعير عليها الضمان، والثانى أنها كيد المودع لا ضمان عليها فيما هلك فإذا تقرر هذا فإن الوكيل أمين فيما بيده لموكله، ولا ضمان عليه إن هلك لامرين
(أحدهما)
أن الموكل قد أقامه فيه مقام نفسه، وهو لا يلزم لنفسه ضمان ما بيده، فكذلك الوكيل الذى هو بمثابته
(والثانى)
أن الوكيل له عقد ارفاق ومعونة، وفى تعلق الضمان بها ما يخرج عن مقصود الارفاق والمعونة فيها: وسواء كانت الوكالة بعوض أو بغير عوض فكان أبو على الطبري رحمه الله يقول: إذا كانت بعوض جرت مجرى الاجير المشترك فيكون وجوب الضمان على قولين.
وهذا ليس بصحيح.
لانها إذا خرجت عن حكم الاجارة في اللزوم خرجت عن حكمها في الضمان (فرع)
قال المزني: فإن طلب منه الثمن فمنعه فقد ضمنه الا في حال لا يمكنه فيه دفعه.
قال الماوردى في حاويه " وهذا كما قال: إذا كان مع الوكيل ثمن ما باع الموكل فطلب منه فمنعه، فلا يخلو حال منعه من أحد أمرين.
اما أن يكون بعذر أو بغير عذر.
فان كان لعذر لحدوث مرض أو خوف منع من الوصول إلى موضع الثمن.
أو لخوف فوات فرض من جمعة أو مكتوبة قد ضاق وقتها.
أو لضياع مفتاح أو لملازمة غريم له إلى ما جرى مجرى ذلك فهذا عذر في تأخير الدفع ولا ضمان عليه ان تلف قبل الدفع.
وان منعه لغير عذر صار ضامنا له.
فان تلف كان عليه غرمه.
فلو منعه من دفعه حتى يشهد على نفسه بقبضه فقد اختلف أصحابنا الخ " (قلت) سيأتي مزيد ايضاح لهذا الفصل في آخر فصل في هذا الباب لتعلقها به هناك.
أما بقية الكلام على أحكام هذا الفصل فنقول: ان تلفت العين التى وكل في التصرف فيها فقد بطلت الوكالة.
لان محلها ذهب فذهبت الوكالة كما لو وكله في بيع بقرة فماتت.
ولو دفع إليه دينارا ووكله في الشراء به فهلك الدينار أو ضاع.
أو استقرضه الوكيل وتصرف فيه بطلت الوكالة.
سواء وكله في الشراء بعينه أو مطلقا: ويجرى عليه من الضمان ما أسلفنا ايضاحه من حيث التعدي والتفريط أو عكسهما وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
.
(فصل)
إذا ادعى رجل على رجل أنه وكله في تصرف فأنكر المدعى عليه فالقول قوله لانه ينكر عقدا الاصل عدمه فكان القول قوله.
وان اتفقا على الوكالة واختلفا في صفتها.
بأن قال الوكيل: وكلتني في بيع ثوب.
وقال الموكل: بل وكلتك في عبد، أو قال الوكيل: وكلتني في البيع بألف وقال: بل وكلتك في البيع بألفين.
أو قال الوكيل: وكلتني في البيع بثمن مؤجل وقال الموكل: بل وكلتك في البيع بثمن حال فالقول قول الموكل لانه ينكر اذنا والاصل عدمه، ولان من جعل القول قوله في أصل التصرف كان القول قوله في كيفيته كالزوج في الطلاق
(فصل)
وان اختلفا في التصرف فادعى الوكيل أنه باع المال وأنكر الموكل أو اتفقا على البيع واختلفا في قبض الثمن فادعى الوكيل أنه قبض الثمن
وتلف وأنكر الموكل ففيه قولان
(أحدهما)
أن القول قول الوكيل لانه يملك العقد والقبض.
ومن ملك تصرفا ملك الاقرار به.
كالاب في تزويج البكر.
(والثانى)
أنه لا يقبل قوله، لانه إقرار على الموكل بالبيع وقبض الثمن، فلم يقبل كما لو أقر عليه أنه باع ماله من رجل وقبض ثمنه، وإن وكله في ابتياع جارية فابتاعها ثم اختلفا، فقال الوكيل: ابتعتها بإذنك بعشرين.
وقال الموكل: بل أذنت لك في ابتياعها بعشرة، فالقول قول الموكل لما بيناه.
فإن حلف الموكل صارت الجارية للوكيل في الظاهر، لانه قد ثبت أنه ابتاعها بغير الاذن، فإن كان الوكيل كاذبا كانت الجارية له في الظاهر والباطن، وإن كان صادقا كانت الجارية للموكل في الباطن، وللوكيل في الظاهر قال المزني: ويستحب الشافعي رحمه الله في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالموكل فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فبعه إياها بعشرين، فان قال له: بعتك هذه الجارية بعشرين صارت الجارية للوكيل في الظاهر والباطن وإن قال كما قال المزني: إن كنت أذنت لك في ابتياعها بعشرين فقد بعتكها بعشرين، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لا يصح، لانه بيع معلق على شرط فلم يصح، وجعل ما قاله المزني من كلام الحاكم لا من كلام الموكل.
ومنهم من قال يصح، لان هذا الشرط يقتضيه العقد لانه لا يصح أن يبيعها إلا أن يكون قد أذن له في الابتياع بعشرين، وما يقتضيه العقد لا يبطل العقد بشرطه فان امتنع الموكل من البيع قال المزني: يبيعها الوكيل ويأخذ حقه من ثمنها.
وقال أبو سعيد الاصطخرى فيه وجهان
(أحدهما)
ما قال المزني.
(والثانى)
أنه يملكها ظاهرا وباطنا بناء على القولين فيمن ادعى على رجل
أنه اشترى منه دارا وأنكر المشترى، وحلف أن المستحب للمشترى أن يقول للبائع: إن كنت اشتريتها منك فقد فسخت البيع، وإن لم يفعل المشترى ذلك ففيه قولان
(أحدهما)
أن البائع يبيع الدار ويأخذ ثمنها
(والثانى)
أن البائع يملك الدار لان المشترى صار كالمفلس بالثمن لتعذر الثمن من جهته، فيكون البائع أحق بعين ماله.
وقال أبو إسحاق: لا يملك الوكيل الجارية قولا واحدا، وتخالف الدار لانها كانت للبائع، فإذا تعذر الثمن انفسخ البيع وعاد المبيع إليه كما يعود إذا
تحالف المتبايعان والجارية لم تكن للوكيل، فتعود إليه عند التعذر، فان قلنا يملكها ظاهرا وباطنا تصرف فيها بالوطئ وغيره.
وان قلنا انها للموكل في الباطن كان كمن له على رجل دين لا يصل إليه.
ووجد له مالا من غير جنس حقه.
(الشرح) الاحكام: قال المزني رحمه الله تعالى: فان كان وكله ببيع متاعه فباعه فقال الوكيل قد دفعت اليك الثمن فالقول قوله مع يمينه.
وقال الماوردى في حاويه: اعلم أن ما يدعيه الوكيل على موكله ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يقبل فيه قول الوكيل.
وقسم لا يقبل فيه قوله.
وقسم اختلف قوله في قبول قوله 1 فيه.
فأما القسم الاول وهو ما قبل فيه قول الوكيل على الموكل فهو في رد ما قد ائتمنه عليه.
وجملة الايدى التى لا يتعلق بها ضمان أنها على ثلاثة أقسام (أحدها) ما يقبل فيه (قول 2) صاحبها في رد ما كان معه، وهو من ائتمنه المالك على ماله في حق نفسه من غير نفع يعود (عليه) في أمانته كالمودع، فقوله في رد ما بيده من الوديعة على ربها مقبول، لانه لما أقامه مقام نفسه وجب أن يكون قوله عليه (مقبولا) كقوله على نفسه
(والثانى)
من لا يقبل قوله وان كان أمينا في رد ما بيده وهو من يده لحق
نفسه كالمرتهن فلا يقبل قوله في الرهن على راهنه، لانه ليس بنائب عنه، فلم يقبل قوله عليه (والثالث) من اختلف أصحابنا في قبول (قوله) وهو من كان نائبا عن المالك لكن لنفع يعود عليه (من) نيابته، كالعامل في القراض، والاجير المشترك، ففى قبول قولهم وجهان
(أحدهما)
أن قولهم مقبول في رد ما بأيديهم لنيابتهم عن المالك، وهذا أظهر القولين (الوجهين) وهو قول الجمهور
(والثانى)
وهو قول أبى على الطبري: أن قولهم غير مقبول في رد ما بأيديهم لان عود النفع إليهم يجعلهم كالمتصرفين في حق أنفسهم فلم يقبل قولهم كالمرتهن فإذا تقرر هذا للاصل فالوكيل إن كان متطوعا، فقوله في رد ما بيده مقبول على موكله، وإن كان بأجرة ففى قبول قوله وجهان، فهذا ما يتعلق بالقسم الاول مما يقبل فيه قول الوكيل على الموكل.
وأما القسم الثاني: وهو مالا يقبل فيه قول الوكيل على الموكل، فهو أن يدعى إذنا في تصرف لقول الوكيل: أمرتنى ببيع كذا، أو بإعطاء زيد كذا فينكر الموكل ذلك، فالقول قول الموكل دون الوكيل، لانه في هذه الدعوى بمثابة مدعى عقد الوكالة، ومدعى الوكالة لا يقبل قوله في ادعائها، لذلك مدعى الاذن لا يقبل قوله في ادعائه، وكذلك إذا اتفقا على الاذن، واختلفا في صفته كقول الوكيل أمرتنى بإعطاء زيد ألفا فقال: بل أمرتك بإعطائه ثوبا، وكقوله
أمرتنى ببيع عبدك بألف، فقال: بل أمرتك بألفين، فالقول فيه قول الموكل، فلا يقبل فيه دعوى الوكيل إلا ببينه يقيمها على ادعاءه، والبينة شاهدان عدلان لا غير، لانها بينة في إثبات الوكالة.
وأما القسم الثالث: وهو ما اختلف قوله في قبول (قول) الوكيل فيه على موكله، فهو أن يوكل في عمل فيدعى الوكيل إيقاعه على الوجه المأذون فيه، وينكره الموكل، كتوكيله في بيع أو نكاح أو هبة أو عتق أو طلاق أو إقباض مال، فينكر الموكل ذلك مع تصديق البائع والمنكوحة والموهوبة له والمطلقة والقابض والمقبض، ففيه قولان محكيان عن الشافعي، ووجهان ذكرهما ابن سريج، فأحد قولى الشافعي أن القول في جميع ذلك قول الموكل إلا أن يقيم الوكيل بينة على ما ادعاه، والبينة عليه معتبرة في كونه مالا أو غير مال، وإنما كان القول قول الموكل لانها عقود فلم يلزم بمجرد الدعوى.
والقول الثاني: أن القول في جميع ذلك قول الوكيل، لان الموكل أقامه مقام نفسه، بعد قوله عليه.
فهذان قولا الشافعي المحكيان عنه.
وأما وجها أبى العباس بن سريج فإنه ذكر في كتاب الوكالة بعد حكاية قول
الشافعي وجهين ذكر احتمالهما، ونص توجيههما، أحد الوجهين أنه إن كان ما أقر به الوكيل يتم به وحده كالعتق والطلاق والابراء كان قوله مقبولا فيه، لانه لما كان يصح من الوكيل في الحال صح إقراره به في تلك الحال، وما كان بخلافه لم يقبل إقراره به.
والوجه الثاني: وهو الذى عول عليه واعتمد على نصرته: إن؟ ن الاقرار به كإيقاع (طلاق) قبل قوله فيه، وما كان بخلافه لم يقبل قوله فيه، وهذان الوجهان إنما يكون للقول بها وجه إذا كان الوكيل عند الاختلاف باقيا على
الوكالة، فأما منع عزله عنها فلا وجه لتخريجها لما يقتضيه تعليل كل واحد منهما والله تعالى أعلم.
(فرع)
إذا أمر الموكل وكيله ببيع متاعه وقبض ثمنه، فادعى الوكيل البيع وقبض الثمن وتسليمه إلى الموكل، فإن صدقه على البيع وقبض الثمن وتسليمه إلى الموكل، فإن صدقه على البيع وقبض الثمن وأنكر أن يكون قبضه منه كان قول الوكيل مقبولا عليه، لكن مع يمينه، لانه اختلاف في الدفع، ولو صدقه على البيع وأنكر قبض الوكيل الثمن من المشترى فهو على قولين، لان الوكيل يدعى عملا ينكره الموكل، وإن كذبه في البيع وقبض الثمن، فهو على قولين أيضا لما ذكرنا.
(فرع)
إذا أمر الرجل وكيله أن يشترى سيارة، فقال الوكيل: اشتريتها بألف، قال الموكل: اشتريتها بخمسمائة فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه اشترى السيارة بألف - وثمة قول بأنه إذا كانت السيارة ليست بيده فالقول قول الموكل - وهذا ليس بصحيح، بل قول الوكيل أولى في الحالين لقبول قوله في أصل الشراء وكذا يقبل قوله في قدر أصل ثمنه.
(فرع)
قال المزني: ولو قال أمرتك أن تشترى هذه الجارية بعشرة فاشتريتها بعشرين.
وقال الوكيل: بل أمرتنى بعشرين فالقول قول الآمر مع يمينه وتكون الجارية في الحكم للموكل، والشافعي يستحب في مثل هذا أن يرفق الحاكم بالآمر فيقول: إن كنت أمرته أن يشتريها بعشرين فقد بعته إياها بعشرين، ويقول للآخر: قد قبلت، ليحل له الفرج ولمن يبتاعها منه.
وقد أثارت هذه العبارة من المزني كلاما لدى الاصحاب، لانه إن قبل فبيع الموكل معقود بشرط وهو قوله: ان كنت أمرتك أن تشتريها بعشرين فقد بعتها
عليك بعشرين، وهذا شرط يفسد معه البيع، فاختلف أصحابنا فيما ذكره المزني من ذلك على وجهين.
أحدهما: أن المزني انما اختار للحاكم أن يقول ذلك لهما تنبيها على معنى هذا العقد، والسبب المقصود به من غير أن يذكراه في نفس العقد، فإذا ذكراه فيه لم يصح، بل يعقد له مطلقا من هذا الشرط، وهذا قول أكثر البصريين.
والوجه الثاني: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وجمهور البغداديين أنه يجوز لهما أن يعقداه كذلك لانه هكذا يكون في الحكم فجائز أن يكون ملفوظا به في العقد.
(فرع)
إذا ثبت ما أسلفنا فللموكل حالتان: احداهما: أن يجيب إلى بيعها على الوكيل ان كان صادقا فيصير الوكيل مالكا لها ظاهرا وباطنا.
ويجوز له امساكها والاستمتاع بها وبيعها وأخذ الفضل من ثمنها والحال الثانية: أن لا يجيب إلى بيعها فلا يجبر عليه لانه ليس بمالك، ولو كان مالكا لم يجبر على بيع ملكه، وهل يكون الوكيل مالكا لها أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أبى سعيد الاصطخرى انه قد ملكها ملكا تاما ظاهرا وباطنا لان الملك قد انتقل عن الموكل بثمنه فاقتضى أن ينتقل إلى الوكيل بعقده، فعلى هذا يجوز للوكيل أن يمسكها، وان باعها ملك الفضل في ثمنها.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: انه لا يصير مالكا لها، وانما له أن يأخذ من ثمنها ما غرم فيه، لانه مقر بأنها ملك لموكله، فعلى هذا لا يجوز أن يستمتع بها، وان كان في ثمنها فضل لم يملكه، وهل يجوز أن ينفرد ببيعها أم لا؟ على وجهين.
(أحدهما)
يبيعها بنفسه
(والثانى)
يتولاه الحاكم، فإن كان الثمن بقدر ما دفع فقد استوفاه، وان كان أقل فلا رجوع له ينافيه، وان كان أكثر فلا
حق له في الزيادة.
وهل يجوز اقرارها في يده؟ أم ينزعها الحاكم منه؟ على وجهين، أحدهما:
يقرها في يده لانه لا خصم له فيها، والوجه الثاني: ينزعها منه لانه مال قد جهل مستحقه فصار كأموال العيب - التى ترد بالعيب ويختلف فيها المتبايعان ويضع الحاكم يده عليها حتى يفصل في النزاع - أم يكون مشترى الجارية مالكها، على الوجهين جميعا، ولا يكون عدم ملك البائع لها بمانع من استقرار ملك المشترى من وكيل في بيعها والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
وإن اختلفا في تلف المال فادعى الوكيل أنه تلف وأنكر الموكل فالقول قول الوكيل، لان التلف يتعذر إقامة البينة عليه فجعل القول قوله.
(فصل) وإن اختلفا في رد المال فقال الوكيل: رددت عليك المال وأنكر الموكل نظرت، فان كانت الوكالة بغير جعل فالقول قول الوكيل مع يمينه: لانه قبض العين لمنفعة المالك، فكان القول في الرد قوله كالمودع، وإن كانت الوكالة بجعل ففيه وجهان.
(أحدهما) لا يقبل قوله لانه قبض العين لمنفعة نفسه، فلم يقبل قوله في الرد كالمستأجر والمرتهن (والثانى) أنه يقبل قوله لان انتفاعه بالعمل في العين، فأما العين فلا منفعة له فيها، فقبل قوله في ردها كالمودع في الوديعة.
(فصل) إذا كان لرجل على رجل آخر حق فطالبه به فقال: لا أعطيك حتى تشهد على نفسك بالقبض نظرت، فإن كان مضمونا عليه كالغصب والعارية فان كان عليه فيه بينة فله أن يمتنع حتى يشهد عليه بالقبض، لانه لا يأمن أن يقبض ثم يجحد، ويقيم عليه البينة فيغرمه، وإن كان أمانة كالوديعة أو ما في يد الوكيل والشريك أو مضمونا لا بينة عليه فيه، ففيه وجهان.
(أحدهما) أن له أن يمتنع حتى يشهد بالقبض، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لانه لا يأمن أن يقبض ثم يجحد، فيحتاج أن يحلف أنه لا يستحق عليه، وفى الناس من يكره أن يحلف (والثانى) أنه ليس له أن يمتنع، لانه إذا جحد كان القول قوله أنه لا يستحق عليه شيئا، وليس عليه في اليمين على الحق ضرر فلم يجز له أن يمتنع والله أعلم.
(الشرح) الاحكام: هذا الفصل قد أسلفنا الكلام على بعضه ومجمل القول: إذا اختلف الموكل والوكيل لم يخل من ستة أحوال: الاول: إذا اختلفا في التلف، فقال الوكيل تلف مالك في يدى، أو الثمن الذى قبضته ثمن متاعك تلف في يدى فيكذبه الموكل، فالقول قول الوكيل مع يمينه لانه أمين.
وهذا مما يتعذر إقامة البينة عليه، فلا يكلف ذلك كالمودع.
وكذلك كل من كان في يده شئ على سبيل الامانة، كالاب والوصى وأمين الحاكم والمودع والشريك والمضارب والمرتهن والمستأجر والاجير المشترك على اختلاف فيه، إلا أن يدعى التلف بأمر ظاهر كالحريق والنهب وشبههما فعليه إقامة البينة على وجود ذلك في ناحيته، ثم يكون القول قوله في تلفها، وهذا هو مذهبنا ومذهب أحمد.
لان وجود الامر الظاهر مما لا يخفى، فلا تتعذر إقامة البينة عليه الثاني: أن يختلفا في تعدى الوكيل أو تفريطه في الحفظ ومخالفته أمر موكله مثل أن يدعى عليه أنه حمل على الدابة فوق طاقتها، أو حمل عليها شيئا لنفسه، أو فرط في حفظها أو لبس الثوب، أو أمره برد المال فلم يفعل، ونحو ذلك فالقول قول الوكيل مع يمينه، لانه أمين ولانه منكر لما يدعى عليه.
والقول قول المنكر.
الثالث: أن يختلفا في التصرف فيقول الوكيل: بعت الثوب، وقبضت الثمن فتلف، فيقول الموكل: لم تبع ولم تقبض شيئا، فالقول قول الوكيل مع يمينه إن كان بغير جعل، لانه إن كان يجعل كان أجيرا ويده ضامنة (فرع)
قال المزني: ولو قال لصاحب له قد طلبته منك فمنعتني وأنت ضامن فهو مدع ان الامانة تحولت مضمونة وعليه البينة، وعلى المنكر اليمين.
وهذا كما قال، إذا منعه من دفع الثمن إليه حتى هلك، ثم اختلفا فقال الوكيل: منعتك معذورا فلا ضمان على.
وقال الموكل منعتني غير معذور فعليك الضمان، فالقول قول الوكيل مع يمينه إذا كان ما قاله ممكنا، ولا ضمان عليه لانه على أصل أمانته فلا تقبل دعوى الموكل عليه في انتقاله عن الامانة إلى الضمان (فرع)
قال المزني: ولو قال وكلتك ببيع متاعى فقبضته منى وأنكر ثم أقر،
أو قامت عليه البينة ضمن - أي انتقل من حال الامين إلى حال الضامن - لانه خرج بالجحود من الامانة، وهذا صحيح، وصورة ذلك في رجل ادعى على رجل أنه وكله ببيع متاعه وأقبضه إياه فأنكر المدعى عليه الوكالة وقبض المتاع فالقول قوله مع يمينه لانه منكر، فإن أقام المدعى بينة بالوكالة وقبض المتاع صار ضامنا وخرج بالجحود عن الامانة فصار كجاحد الوديعة، فلو ادعى بعد قيام البينة عليه تلفها أو ردها على مالكها لم تقبل دعواه، لانه ضمن مالا يقبل قوله في ادعاء البراءة منه، ولانه صار بالانكار الاول مكذبا لهذه الدعوى منه، وهكذا لو عاد بعد إنكاره فأقر بقبض المتاع فادعى تلفه أو رده لم يقبل منه، وكان ضامنا له كقيام البينة عليه بقبضه.
فلو أقام البينة برده على موكله أو بتلف ذلك في يده قبل جحوده ففيه وجهان أحدهما وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنها بينة مردودة، لانه قد أكذبها
بسابق إنكاره.
والوجه الثاني وهو قول أبى القاسم الصيمري، وحكاه أبو حامد الاسفرايينى إن بينته مقبوله، يقدم ما شهدت به على الجحود الموجب للضمان.
قال الماوردى والوجه الاول أصح.
(فرع)
قال المزني: ولو قال: وكلتك في بيع متاعى فبعته، وقال: مالك عندي شئ، فأقام عليه البينة فقال: صدق أو قد دفعت إلى أهله ثمنه فهو مصدق لان من دفع شيئا إلى أهله فليس هو عنده، ولم يكذب نفسه فهو على أصل أمانته وتصديقه.
وهذا صحيح، إذا ادعى أنه وكله في متاع أقبضه إياه ليبيعه فقال الوكيل: مالك عندي شئ أو ليس لك في يدى حق فهذا جواب مقنع في الدعوى والقول فيه قوله مع يمينه، لانه منكر.
وكل من ادعى عليه مال في يديه وذكر المدعى سبب استحقاقه كالوديعة والغصب فالمدعى عليه إذا كان منكرا له أن يجيب بأحد جوابين، إما أن يقول: ما أخذت منك هذه الوديعة، ولا غصبتك هذا المال، وإما أن يقول: مالك قبلى حق، فكلا الجوابين مقنع في إنكار الدعوى وعليه اليمين.
وصفة إحلافه وتحليفه بحسب اختلاف الجواب، فإن كان جوابه مطلقا
بأن قال: ليس عندي لك حق، أحلف على ما أجاب بالله أن ماله قبله حق، ولا يجوز للحاكم أن يحلفه: ما أخذ وديعة، أو ما غصبه، لانه قد يجوز أن يكون قد ملكه عليه بعد الوديعة والغصب، بهبة أو بيع استوفى ثمنه، فلا يكون قبله حق، وبحيث إن حلف ما استودع ولا غصب بر وإن كان جوابه أن قال: ما غصبتك، أو قال: ما أخذت وديعتك، فقد اختلف أصحابنا في صفة إحلافه على وجهين
(أحدهما)
أنه يحلف بالله ماله قبله
حق احترازا مما ذكرنا (والوجه الثاني) أنه يحلف على ما أجاب بالله ما غصبه، ولا أخذ وديعته لان تركه الاحتراز في جوابه ينفى التوهم عنه فيما ذكرنا.
فإذا ثبت أن جوابه بما ذكرنا مقنع فحلف ثم قامت البينة عليه بقبض المال أو عاد فأقر به ثم ادعى تلفه أو رد ثمنه لم يضمن وكان قوله مقبولا فيه لامرين أحدهما: أن ما ادعاه في الثاني مطابق لما أجاب به في الاول، لان من يرد الشئ على مالكه فليس له شئ في يده.
والثانى: أنه ليس له في جوابه الاول تكذيب الشهود، وبهذين المعنيين فرقنا بين المسألتين، فلو قامت عليه البينة في هذه المسأله بأن المتاع كان في يده بعد أن أجاب بأن لا شئ لك عندي صار ضامنا ولم يقبل قوله في الرد أو التلف لان هذا الجواب منه مع بقاء الشئ في يده كذب وجحود فصار ضامنا: (فرع)
قال المزني: ولو جعل للوكيل فيما وكله جعلا، فقال للموكل جعلى قبلك، وقد دفعت إليك مالك، فقال: بل خنتني فالجعل مضمون لا تبرئه منه الجناية عليه.
وقد ذكرنا أن الوكالة تجوز بجعل وبغير جعل، ولا يصح الجعل إلا أن يكون معلوما، فلو قال: قد وكلتك في بيع هذا الثوب على أن جعلك عشر ثمنه أو من كل مائة درهم من ثمنه درهم لم يصح للجهل بمبلغ الثمن وله أجرة مثله، فلو وكله في بيع كتاب بأجر معلوم فباعه بيعا فاسدا فلا جعل له، لان مطلق الاذن بالبيع يقتضى ما صح منه، فصار الفاسد غير مأذون فيه فلم يستحق جعلا عليه، فلو باعه بيعا صحيحا وقبض ثمنه، وتلف الثمن في يده فله الاجرة لوجود العمل، وهذا بخلاف الصانع إذا استؤجر عليه حياكة ثوب أو تجليد كتاب
فتلف الثوب أو الكتاب في يده بعد عمله، فلا أجرة له إن كان مشتركا، والفرق
الذى تلف الثمن في يده والذى تلف الثوب أو الكتاب في يده أن المقصود من الاجير تسليم العلم المستحق في مقابلة العوض، فما لم يحصل التسليم لم يجب ما في مقابلته من العوض، والمقصود من الوكيل وجود العمل المأذون فيه، فلو باع الوكيل الثوب فتلف الثوب في يده قبل تسليمه إلى مستحقه بطل البيع، ولم يبطل جعل الوكيل، لان بطلانه بمعنى حادث بعد صحته، فصار بالعمل مأجورا فيه، وكان بخلاف وقوع البيع فاسدا، فلو سلم الثوب إلى مشتريه وقبض ثمنه فتلف في يده، ثم استحق الثوب من يد المشترى كان البيع فاسدا وللوكيل جعله لان بطلانه ليس من جهة الوكيل فصار مقصوده بالاذن مجرد العمل على وجه الصحة دون الصحه، وقد وجد من الوكيل ذلك العمل.
فأما رجوع المشترى بالثمن، فإن لم يعلم بالوكالة فله الرجوع على الوكيل ويرجع الوكيل به على الموكل، وإن علم بالوكاله ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أبى حامد المروزى ذكره في جامعه أن يرجع على الموكل دون الوكيل، لانه مبيع عليه كالمبيع على المفلس
(والثانى)
يرجع على من شاء منهما، لان لكل واحد منهما في العقد تأثيرا فإذا ثبت ما وصفنا من جواز الوكالة بجعل واستحقاقه بعد العمل، فطالب الوكيل الموكل بجعله، وادعى أنه قد باع ما وكل في بيعه، وأنه قد رد ثمنه على موكله فللموكل حالتان، حالة ينكر العمل الذى ادعاه من البيع وقبض الثمن، وحالة يعترف به، فإن انكر الموكل ذلك فالقول قوله مع يمينه، ولا جعل للوكيل إلا ببينة يقيمها على البيع، سواء قبل قوله في البيع؟ أم لا، لانه يدعى عملا يستحق به جعلا فلم يقبل قوله في دعواه، وإن صدقه الموكل على ذلك وادعى دفع الجعل إليه فالقول قول الوكيل مع يمينه وله الجعل، لان الموكل مدع براءة الذمة من جعل تعلق بها، فلو قال الموكل له بعد تصديقه على البيع،
إنك خنتني في عملك بقدر جعلك فبرئت منه بخيانتك، وأنكر الوكيل الخيانة، فالقول قول الوكيل مع يمينه أنه لم يخن وله المطالبة بجعله.
(فرع)
إذا تلف الثمن قبل دفعه للموكل، فإن كان لعذر في تأخير الدفع فلا ضمان، فلو منعه من دفعه حتى يشهد على نفسه بقبضه فقد اختلف أصحابنا هل له ذلك ويلزم الموكل الاشهاد على نفسه بالقبض أم لا؟ على ثلاثة أوجه.
أحدها وهو الصحيح: أن ليس له ذلك ولا يلزم الموكل بالاشهاد على نفسه بالقبض، لان قول الوكيل مقبول في الدفع، فعلى هذا يصير بالمنع ضامنا، وعليه الغرم إن تلف.
والوجه الثاني: له الامتناع بالدفع إلا بالاشهاد ليسلم من اليمين مع الاكذاب فعلى هذا لا يصير بالمنع ضامنا ولا غرم عليه إن تلف.
والوجه الثالث وهو مذهب مالك: أنه إذا قبض المال بالاشهاد لم يلزم دفعه إلا بالاشهاد، وإن قبضه بغير إشهاد لزمه الدفع بغير إشهاد، فأما من كان غير مقبول القول في الدفع فلا يلزمه الدفع إلا بالاشهاد سواء كان ضامنا كالغاصب والمستعير أو غير ضامن كالمرتهن.
فأما المضارب والاجير المشترك - فإن قلنا بأحد الوجهين: إن قوله في الدفع غير مقبول لم يلزمهم الدفع الا بالاشهاد، وان قلنا بالصحيح من المذهب: ان قولهم في الدفع مقبول ففى وجوب الاشهاد لهم ثلاثة أوجه على ما أسلفنا والله تعالى الموفق للصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال المصنف رحمه الله: