كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لانه يقال: انتحل فلان مذهب كذا أي دان به، فكأنه تبارك وتعالى قال (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) أي تدينا.
(والثانى)
أن المهر يشبه العطية لانه يحصل للمرأة من اللذة في الاستمتاع ما يحصل للزوج وأكثر، لانها أجلب شهوة، والزوج ينفرد ببذل المهر، فكأنها تأخذه بغير عوض.
(والثالث) أنه عطية من الله تعالى في شرعنا للنساء، لان في شرع من قبلنا كان المهر للاولياء، ولهذا قال تعالى في قصة شعيب (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) الآية.
إذا ثبت هذا: فالمستحب أن يسمى الصداق في العقد لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتزوج أحدا من نسائه عليهن السلام ولا زوج أحدا من بناته عليهن السلام إلا بصداق سماه في العقد، وحديث المرأة التى جاءت النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله قد وهبت نفسي منك فصعد النبي صلى الله عليه وسلم بصره ثم صوبه ثم قال ما لى إلى النساء من حاجة، فقام رجل فقال زوجنيها يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها، قال: إزارى، قال: إن أصدقنها إزارك جلست ولا إزار لك، التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس ولم يجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمعك شئ من القرآن، قال نعم سورة كذا وسورة كذا، فقال صلى الله عليه وسلم زوجتكها بما معك من القرآن.
ولانه إذا زوجه بالمهر كان أقطع للخصومة، فإن عقد النكاح بغير صداق انعقد النكاح لقوله تَعَالَى (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) والآية.
فأثبت الطلاق من غير فرض، والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح، وخير الرجل الذى تزوج إمرأة ولم يفرض لها صداقا فلما حضرته الوفاة أعطاها عن صداقها سهمه بخيبر، ولان المقصود في النكاح أعيان الزوجين دون المهر، ولهذا يجب ذكر الزوجين في
العقد، وانما العوض فيه تبع بخلاف البيع، فإن المقصود فيه العوض، ولهذا لا يجب ذكر لبائع والمشترى في العقد إذا وقع من وكيليهما.
(مسألة) وليس لاقل الصداق حد عندنا، بل كل ما يتمول وجاز أن يكون ثمنا لشئ أو أجرة جاز أن يكون صداقا، وبه قال عمر رضى الله عنه وابن عباس وابن المسيب والحسن وربيعة والاوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق رضى الله عنهم قال القاضى أبو القاسم الصيمري: ولا يصح أن يكون الصداق نواة أو قشرة بصلة أو قمع باذنجان أو ليطة أو حصاة.
هذا مذهبنا.
وقال مالك وأبو حنيفة: أقل الصداق ما تقطع به يد السارق، إلا أن ما تقطع به يد السارق عند مالك ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وعند أبى حنيفة دينار أو عدة دراهم، فإن أصدقها دون العشرة دراهم.
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: كملت العشرة.
وقال زفر يسقط المسمى ويجب مهر المثل، وقال ابن شبرمة أقله خمسة دراهم، وقال النخعي أقله أربعون درهما.
وقال سعيد بن جبير أقله خمسون درهما.
دليلنا قوله تعالى (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) الاية، وقوله صلى الله عليه وسلم: أدوا العلائق، ثم قال صلى الله عليه وسلم: والعلائق ما تراضوا عليه الاهلون.
وقوله صلى الله عليه وسلم التمس شيئا، التمس ولو خاتما من حديد، وهذه عمومات تقع على القليل والكثير، وروى أن عبد الرحمن بن عوف أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه علامات التزويج وقال: تزوجت إمرأة من الانصار قال صلى الله عليه وسلم: ما سقت إليها، قال: نواة من ذهب فقال صلى الله عليه وسلم أولم ولو بشاة.
والنواة خمسة دراهم.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: من استحل بدرهمين فقد استحل.
ولان كل ما جاز أن يكون ثمنا جاز أن يكون مهرا كالمجمع عليه، وأما أكثر الصداق فليس له حد، وهو إجماع لقوله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطارا) الاية فأخبر تعالى أن القنطار يجوز أن يكون صداقا.
قال ابن عباس: القنطار سبعون ألف مثقال، وقال أبو صالح: مائة رطل وقال معاذ ألف ومائتا أوقية.
وقال أبو سعيد الخدرى القنطار ملء مسك ثور ذهبا، ومسك الثور جلده.
وروى عن عمر رضى الله عنه أنه خطب الناس وقال يا معاشر الناس لا تغالوا
في صدقات النساء، فوالله لا يبلغني أحد زاد على مهر أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا جعلت الفضل في بيت المال، فعرضت له إمرأة من قريش، فقالت كتاب الله أولى أن يتبع، إن الله يعطينا ويمنعنا ابن الخطاب، فقال: أبن، قالت: قال الله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا) الاية.
فقال: فليضع الرجل ماله حيث شاء.
وفى رواية كل الناس أفقه من عمر، فرجع عن ذلك، وروى أنه رضى الله عنه تزوج أم كلثوم بنت على كرم الله وجهه وأصدقها أربعين ألف درهم.
وروى أن عبد الله بن عمر زوج بنات أخيه عبيد الله على صداق عشرة آلاف درهم، وتزوج أنس رضى الله عنه إمرأة وأصدقها عشرة آلاف درهم، وتزوج الحسن عليه السلام إمرأة وبعث إليها مائة جارية ومع كل جارية ألف درهم، ثم طلقها وتزوجها رجل من بنى تميم فأصدقها مائة ألف درهم، وتزوج مصعب ابن الزبير بعائشة بنت طلحة واصدقها مائة ألف درهم.
قال الشافعي رضى الله عنه: والاقتصاد في المهر أحب إلى من المغالاة فيه لما روت عائشة ام المؤمنين عليها السَّلَامُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اعظم
النكاح بركة اخفه مؤنة.
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خيرهن ايسرهن مهرا.
وروى سهل بن سنان إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ايما رجل اصدق صداقا ونوى انه لا يؤديه لقى الله وهو زان، وإيما رجل ادان دينارا ونوى ان لا يؤديه لقى الله وهو سارق.
والمستحب ان لا يزيد على خمسمائة درهم، وهو صداق ازواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته عليهن سلام الله ورحمته لما روي عن عائشة قالت: كان صداق أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثنا عشر اوقيه ونشأ قالت والنش نصف اوقيه، والاوقيه اربعون درهما.
(فرع)
ولو تواعدوا في السر على ان الصداق مائه، وعلى انهم يظهرون للناس انه ألف كما يشيع ذلك في زماننا هذا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي موضع: المهر مهر السر.
وقال في موضع: المهر مهر العلانية.
قال اصحابنا البغداديون ليست على قولين وإنما هي على حالين، فالموضع الذى قال المهر مهر السر، اراد إذا عقدوا النكاح اولا في العلانيه بألف ثم عقدوا ثانيا في السر بمائه
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: في المهر قولان والاول هو المشهور، فان قال الولى: زوجتك ابنتى بألف فقال الزوج: قبلت نكاحها بخمسمائة وجب لها مهر مثلها لان الايجاب والقبول لم يتفقا على مهر واحد.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
ويجوز أن يكون الصداق دينا وعينا وحالا ومؤجلا لانه عقد على المنفعة فجاز بما ذكرناه كالاجارة.
(فصل)
ويجوز أن يكون منفعه كالخدمه وتعليم القرآن وغيرهما من المنافع المباحة لقوله عز وجل (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) فجعل الرعى صداقا وزوج النبي صلى الله عليه وسلم الواهبة من الذى
خطبها بما معه من القرآن، ولا يجوز أن يكون محرما كالخمر وتعليم التوراة وتعليم القرآن للذميه، لا تتعلمه للرغبه في الاسلام، ولا ما فيه غرر كالمعدوم والمجهول ولا ما لم يتم ملكه عليه كالمبيع قبل القبض، ولا ما لا يقدر على تسليمه كالعبد الابق والطير الطائر، لانه عوض في عقد فلا يجوز بما ذكرناه كالعوض في البيع والاجارة، فإن تزوج على شئ من ذلك لم يبطل النكاح، لان فساده ليس بأكثر من عدمه، فإذا صح النكاح مع عدمه صح مع فساده، ويجب مهر المثل لانها لم ترض من غير بدل، ولم يسلم لها البدل، وتعذر رد المعوض فوجب رد بدله كما لو باع سلعه بمحرم وتلفت في يد المشترى.
(الشرح) يصح أن يكون الصداق دينا وعينا، فإذا كان دينا صح أن يكون حالا ومؤجلا، فإن أطلق كان حالا كما قلنا في الثمن، ويصح أن يكون الصداق منفعه يصح عقد الاجارة عليها كمنفعة العبيد والبهائم والارض والدور لانه عقد على المنفعة فجاز بما ذكرناه كالاجارة.
(فرع)
ويصح أن تكون منفعة الحر صداقا كالخياطه والبناء وتعليم القرآن وما أشبه ذلك مما يصح استئجاره عليه، وبه قال مالك رحمه الله إلا أنه قال: يكره ذلك.
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح.
دليلنا قوله تعالى (إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج) فذكر أن الرعى صداق في شرع من قبلنا ولم يعقبه بنكير، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة التى وهبت نفسها مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذى خطبها بما معه من القرآن، تقديره على تعليم ما معه من القرآن، لان القرآن لا يجوز أن يكون صداقا، ولان كل منفعة جاز أن يستحق بعقد الاجارة جاز أن يستحق بعقد النكاح كمنفعة العبيد والارض.
(فرع)
وما لا يصح بيعه كالكلب والخنزير والسرجين والمجهول والمعدوم وما لم يتم ملكه عليه والمنافع التى لا يصح الاستئجار عليها لا يصح أن يكون شئ من ذلك صداقا لانه عوض في عقد فلم يصح فيها ذكره، كالبيع والاجارة إذا ثبت هذا فان عقد النكاح لمهر باطل أو مجهول لم يبطل النكاح، وبه قال أبو حنيفة وأكثر أهل العلم.
وقال مالك رحمه الله لا يصح النكاح.
وحكى المسعودي أنه قول الشافعي رحمه الله في القديم، وليس بمشهور.
دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا نِكَاحَ إلَّا بولي مرشد وشاهدي عدل.
ولم يفصل بين أن يكون المهر صحيحا أو فاسدا ولانه عقد نكاح فلم يبطل بفساد المهر كما لو تزوجها على دراهم مغصوبة، فإن مالكا وافقنا على هذا، ولان النكاح إذا انعقد مع عدم ذكر المهر فلان ينعقد مع فساده أولى، فإذا عقد النكاح بمهر باطل وجب لها مهر المثل أو المسمى.
دليلنا أنها دخلت في العقد على أن يكون لها المسمى، فإذا لم يسلم وتعذر رجوعها إلى بعضها رجعت إلى قيمته، كما لو اشترى عبدا شراء فاسدا وقبضه وتلف في يده.
وإن تزوجها على شئ موصوف في ذمته لزمه تسليم ذلك على ما وصف.
وقال أبو حنيفة وأحمد: إن شاء سلم الموصوف بصفته وان شاء دفع قيمته وعن أبى حنيفة في الثوب صداقا روايتان، إحداهما كقولنا أنه يسلم الثوب الموصوف الذى في ذمته، والثانية دفع قيمته، دليلنا أن هذه تسمية صحيحه فلم يخير بين دفع المسمى وبين دفع قيمته كالمكيل والموزون
(فرع)
إذا قالت المرأة لوليها: زوجنى بلا مهر أو بأقل من مهر مثله فنقل أصحابنا البغداديون أن النكاح صحيح في جميع هذه المسائل ولها مهر مثلها.
وقال
المسعودي: هل ينعقد النكاح في جميع هذه المسائل؟ فيه قولان.
قال ومن أصحابنا من قال لا ينعقد النكاح من الوكيل قولا واحدا، لانه يزوج بالنيابة عن الولى والاصح الطريق الاول، لان النكاح لا يفسد عندنا بفساد المهر، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: إذا زوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها وكان ذلك المهر لا ينقص عن أقل المهر، وهى عشرة دراهم صح المهر.
دليلنا أن البنت إذا أذنت لعمها في العقد فزوجها بأقل من مهر مثلها بغير إذنها استحقت مهر مثلها، فكذلك الاب والجد، ولان الاب والجد لا يجوز أن يبيعا مال الصغيرة بأقل من ثمن مثله، فكذلك لا يجوز لهما تزويجها بأقل من مهر مثلها.
وإن زوج الرجل وليته بأرض أو عرض أو بغير نقد البلد فهل يصح المهر؟ لا أعلم فيه نصا، بمعنى أنها في مصر وأصدقها بالدولار أو بالاسترليني أو بالدينار العراقى أو بالليرة السورية أو بريال تريزة أو بالجنيه السعودي، فالذي يقتضى القياس إن كان الولى أبا أو جدا، أو كانت المنكوحة صغيرة أو مجنونة صح المهر إذا كان قيمة ذلك مثل مهر مثلها، كما يجوز أن ببتاع لها ذلك بمالها.
وان كان الولى غيرهما من العصبات، أو كان الولى أبا أو جدا والمنكوحة بالغة عاقلة لم يصح ذلك المهر إلا ان كان بإذنها ونطقها لانه لا ولاية له على مالها، وانما ولايته على عقد نكاحها بنقد البلد.
وإن كانت المنكوحة مجنونه وكان وليها الحاكم، ورأى أن يزوجها بشئ من العروض وقيمته قدر مهر مثلها صح ذلك لانه يجوز له التصرف بمالها.
(مسأله) إذا تزوجها وأصدقها تعليم القرآن مدة معلومة صح ذلك إذا كانت المدة متصلة بالعقد، وتطالبه بالتعليم في تلك المدة على حسب عادة التعليم، ولها أن تطالبه بتعليم ما شاءت من القرآن وإن كان الصداق تعليم شئ القرآن
فيشترط أن يذكر السورة التى يعلمها.
فان أصدقها تعليم عشرين من سورة كذا ولم تبين الاعشار ففيه وجهان (أحدهما) يصح لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ للرجل الذى خطب الواهبة (ما معك من القرآن؟ قال سورة البقرة والتى تليها، فقال صلى الله عليه وسلم: زوجتك بما معك على أن تعلمها عشرين آية) ولم يفصل.
(والثانى)
لا يصح، لان الاعشار تختلف.
وأما الخبر فانما نقل الراوى جواز تعليم القرآن في الصداق ولم ينقل غير الصداق، ولا يجوز في صفة الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعقد الصداق على مجهول.
وهل من شرطه أن يبين الحرف الذى يعلمها كحرف نافع وابن كثير وغيرهما.
فيه وجهان مضى بيانهما في الاجارة.
فان أصدقها تعليم سورة وهو لا يحفظها فان كان على أن يحصل لها تعليمها صح ذلك ويستأجر محرما لها أو امرأة تعلمها أو يتعلمها هو بنفسه ثم يعلمها وان كان على أن يعلمها هو بنفسه ففيه وجهان.
(أحدهما) يصح كما لو أصدقها ألف درهم في ذمته ولا يملك شيئا.
(والثانى)
لا يصح، كما لو أصدقها خدمة عبد لا يملكه، وإن أصدقها تعليم سورة فأتت بامرأة غيرها لتعلمها مكانها فهل يلزمه تعليمها.
فيه وجهان
(أحدهما)
يلزمه كما لو أكترت منه دابة لتركبها إلى بلد فأرادت أن تركبها مثلها
(والثانى)
لا يلزمه، لان له غرضا في تعليمها لانه أطيب له لانه يلتذ بكلام غيرها، ولانه أصدقها ايفاع منفعه في عين فلا يلزمه ايقاعها في غيرها، كما لو أصدقها خياطة ثوب بعينه فأتت بثوب غيره ليخيطه فلا يلزمه ذلك، وان لقنها
فحفظت ثم نسيت، قال الشيخ أبو حامد فينظر فيها، فان علمها دون آيه فنسينها لم يعتد له بذلك، وكم القدر الذى إذا علمها اياه خرج من عهدة التعليم، فيه وجهان
(أحدهما)
أقله آيه، لانه يطلق عليه اسم التعليم، فعلى هذا إذا علمها آيه فنسيتها لم يلزمه تعليمها اياها ثانيا
(والثانى)
أقله سورة، لان ما دونها ليس بتعليم في العادة.
وذكر ابن الصباغ أنه إذا علمها ثلاث آيات سقط عنه عهدة التعليم وجهان واحدا، وهل يسقط عنه تعليم آيه أو آيتين.
فيه وجهان
قال المصنف رحمه الله: (فصل) فان تزوج كافر بكافرة على محرم كالخمر والخنزير ثم أسلما أو تحاكما الينا قبل الاسلام نظرت فان كان قبل القبض سقط المسمى ووجب مهر المثل لانه لا يمكن اجباره على تسليم المحرم، وإن كان بعد القبض برئت ذمته منه كما لو تبايعا بيعا فاسدا وتقابضا، وإن قبض البعض برئت ذمته من المقبوض ووجب بقدر ما بقى من مهر المثل، فإن كان الصداق عشرة أزقاق خمر فقبضت منها خمسة ففيه وجهان.
(أحدهما)
بعتبر بالعدد فيبرأ من النصف ويجب لها نصف مهر المثل، لانه لا قيمة لها فكان الجميع واحدا فيها فسقط نصف الصداق، ويجب نصف مهر المثل
(والثانى)
يعتبر بالكيل لانه أحصر، وان أصدقها عشرة من الخنازير وقبضت منها خمسة ففيه وجهان.
أحدهما: يعتبر بالعدد فتبرأ من النصف ويجب لها نصف مهر المثل، لانه لا قيمة لها فكان الجميع واحدا.
والثانى: يعتبر بما له قيمة وهو الغنم فيقال: لو كانت غنما كم كانت قيمة ما قبض منها فيبرأ منه بقدره، ويجب بحصة ما بقى من مهر المثل، لانه لما لم تكن له قيمة
اعتبر بماله قيمة، كما يعتبر الحر بالعبد فيما ليس له أرش مقدر من الجنايات.
(فصل)
وإن أعتق رجل أمته على أن تتزوج به ويكون عتقها صداقها وقبلت لم يلزمها ان تتزوج به لانه سلف في عقد فلم يلزم كما لو قال لامرأة خذى هذا الالف على أن تتزوجى بى وتعتق الامة لانه اعتقها على شرط باطل فسقط الشرط وثبت العتق كما لو قال لعبده ان ضمنت لى خمرا فأنت حر فضمن ويرجع عليها بقيمتها لانه لم يرض في عتقها إلا بعوض ولم يسلم له وتعذر الرجوع إليها فوجبت قيمتها كما لو باع عبدا بعوض محرم وتلف العبد في يد المشترى، وان تزوجها بعد العتق على قيمتها وهما لا يعلمان قدرها فالمهر فاسد.
وقال أبو على بن خيران: يصح كما لو تزوجها على عبد لا يعلمان قيمته وهذا خطأ لان المهر هناك هو العبد وهو معلوم والمهر ههنا هو القيمة وهى مجهولة
فلم يجز وان أراد حيلة يقع بها العتق وتتزوج به ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو قول أبى على بن خيران أنه يمكنه ذلك بأن يقول ان كان في معلوم الله تعالى إنى إذا أعتقتك تزوجت بى فانت حرة فإذا تزوجت به علمنا أنه قد وجد شرط العتق وإن لم تتزوج به علمنا أنه لم يوجد شرط العتق
(والثانى)
وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يصح ذلك ولا يقع العتق ولا يصح النكاح لانه حال ما تتزوج به نشك أنها حرة أو أمة والنكاح مع الشك لا يصح فإذا لم يصح النكاح لم تعتق لانه لم يوجد شرط العتق، وان أعتقت إمرأة عبدا على أن يتزوج بها وقبل العبد عتق ولا يلزمه أن يتزوج بها لما ذكرناه في الامة ولا يلزمه قيمته لان النكاح حق للعبد فيصير كما لو أعتقته بشرط أن تعطيه مع العتق شيئا آخر ويخالف الامة فان نكاحها حق للمولى فإذا لم يسلم له رجع عليها بقيمتها.
وإن قال رجل لآخر أعتق عبدك عن نفسك على أن أزوجك ابنتى فأعتقه لم يلزمه التزويج لما ذكرناه، وهل تلزمه
قيمة العبد فيه وجهان بناء على القولين فيمن قال لغيره أعتق عبدك عن نفسك وعلى ألف فأعتقه، أحدهما يلزمه كما لو قال أعتق عبدك عنى على ألف، والثانى لا يلزمه لانه بذل العوض على ما لا منفعة له فيه.
(الشرح) إذا ترافع ذميان إلى حاكم المسلمين ليحكم بينهما في ابتداء العقد لم يحكم به بين المسلمين، فإن كانت المنكوحة بكرا أجبرها الاب والجد، وإن كانت ثيبا لم يصح تزويجها إلا بإذنها، وإن عضلها الولى زوجها حاكم المسلمين لانه يلى عليها بالحكم، وإن تحاكما في استدامته فإنه لا اعتبار بانعقاده على أي وجه كان، ولكن ينظر فيها، فان كانت ممن لا يجوز له ابتداء نكاحها في هذه الحال فرق بينهما، فان كانت ممن يجوز له ابتداء نكاحها أقرهما على نكاحها وان كان قد عقد لها بولي غير مرشد أو بغير شهود لانه عقد مضى في الشرك، فلا يجوز تتبعه ومراعاته، لان في ذلك إلحاق مشقة، وتنفيرا لهم عن الدخول في الطاعة، وفى هذا المعنى نزل قوله تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذروا ما بقى من الربا) فأمر بترك ما بقى في أيديهم من الربا وعفى عما قبض في الشرك،
وإن تحاكما في الصداق أو أسلما وتحاكما، فإن كان قد أصدقها صداقا صحيحا حكم بصحته، وإن أصدقها صداقا فاسدا كالخمر والخنزير، فإن كانت قد قبضت جميعه في الشرك فقد سقط عنه جميعه وبرئت ذمته من الصداق، لان ما قبض في الشرك لا يجوز نقضه لما ذكرناه من الآية، ولقوله تَعَالَى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف) الآية.
وإن كانت لم تقبض شيئا حكم الحاكم بفساد المسمى، وأوجب لها مهر مثلها من نقد البلد.
وقال أبو حنيفة: لا يحكم لها إلا بما سمى لها.
دليلنا أنه لا يمكن أن يحكم عليها بتسليم المسمى لفساده فحكم لها بمهر صحيح.
وإن قبضت
بعضه في حال الشرك وبقى البعض سقط من المهر بقسط ما قبضته من المسمى، ووجب لها مهر المثل بقسط ما تقبضه من المسمى، لانها لو قبضت الجميع لم يحكم لها بشئ، ولو لم تقبض شيئا لحكم لها بمهر مثلها، فإذا قبضت البعض وبقى البعض فيقسط مهر المثل على المقبوض وعلى ما لم تقبض.
إذا ثبت هذا فإن كان أصدقها عشرة أزقاق خمر فقبضت منها بعضها فان كانت متساوية لا يفضل بعضها على بعض قسم المهر على أعدادها، فان قبضت خمسة سقط عنه نصف المهر ووجب لها نصف مهر مثلها، وإن كانت مختلفة فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أن المهر يقسط على أعدادها، لانه لا قيمة للخمر، فاستوى الصغير والكبير.
(والثانى)
يقسط على كيلها.
قال ابن الصباغ: وهو الاقيس، لانه لا يمكن اعتبار كيلها، وإن أصدقها عشرة خنازير أو عشرة كلاب وقبضت خمسة ففيه ثلاثة أوجه.
قال أبو إسحاق يعتبر بالعدد، سواء في ذلك الصغير والكبير فيسقط نصف المهر ويجب لها نصف مهر مثلها، لان الجميع لا قيمة له، فكان الجميع واحدا
(والثانى)
يعتبر التفاوت فيها، فيضم صغيران ويجعلان بإزاء كبير أو صغير ويجعلان بإزاء وسطين، ويقسط المهر على ذلك (والثالث) وهو قول أبى العباس بن صريح أنه يقال: لو كانت هذه الخنازير أو الكلاب مما يجوز بيعها كم كانت قيمتها فيقسط المهر على ذلك، لانه لا يمكن اعتبارها بأنفسها، فاعتبرت بغيرها كما قلنا في الجناية على الحر التى لا أرش لهما
فقدر أنها تعتبر بالجناية على العبد، قال القاضى أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق: فعلى هذا تقدر لو كانت غنما، لانها أقرب إليها.
قالل ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح لان الغنم ليست من جنس الخنازير
والكلاب، فتعتبر بها بخلاف الحر والعبد، وينبغى على هذا أن تقوم بما يتبايعونها بينهم ليقدر ذلك، لان لها قيمة في الشرح كما يقدر أن لو جاز بيعها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويثبت في الصداق خيار الرد بالعيب، لان إطلاق العقد يقتضى السلامة من العيب، فثبت فيه خيار الرد كالعوض في البيع، ولا يثبت فيه خيار الشرط ولا خيار المجلس، لانه أحد عوضي النكاح فلم يثبت فيه خيار الشرط وخيار المجلس كالبضع، ولان خيار الشرط وخيار المجلس جعلا لدفع الغين، والصداق لم يبن على المغابنة، فإن شرط فيه خيار الشرط فقد قال الشافعي رحمه الله: يبطل النكاح، فمن أصحابنا من جعله قولا لانه أحد عوضي النكاح فبطل النكاح بشرط الخيار فيه كالبضع.
ومنهم من قال لا يبطل وهو الصحيح.
كما لا يبطل إذا جعل المهر خمرا أو خنزيرا، وما قال الشافعي رحمه الله محمول على ما إذا شرط في المهر والنكاح، ويجب مهر المثل لان شرط الخيار لا يكون الا بزيادة.
جزء أو نقصان جزء، فإذا سقط الشرط وجب اسقاط ما في مقابلته، فيصير الباقي مجهولا فوجب مهر المثل.
وان تزوجها بألف على أن لا يتسرى عليها أو لا يتزوج عليها بطل الصداق لانه شرط باطل أضيف إلى الصداق فأبطله، ويجب مهر المثل لما ذكرناه في شرط الخيار.
(الشرح) قال الشافعي رضى الله عنه (إذا كان النكاح بألف على أن لابيها ألفا فالمهر فاسد) وجملة ذلك أنه إذا تزوج امرأة بألف على أن لابيها أو لعمها ألفا أخرى فالنكاح صحيح والمهر فاسد ولها مهر مثلها.
وانما صح النكاح لانه لا تفتقر صحته إلى صحة المهر، وانما فسد المهر لان قوله على ان لابيها ألفا ان أراد أن ذلك جميع الالفين صداقا فالصداق لا تستحقه غير الزوجة،
فإذا فسد الشرط سقط المهر وقد نقصت المرأة من صداقها جبرا لاجل الشرط وإذا سقط الشرط وجب أن يرد إلى المهر الجزء الذى نقصته لاجل الشَّرْطِ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَالْمَجْهُولُ إذَا أُضِيفَ إلَى معلوم صار الجميع مجهولا، ولو أصدقها صداقا مجهولا لم يصح ووجب لها مهر مثلها بالغا ما بلغ.
وقال الشافعي في القديم: إذا تزوجها على ألف على أن لابيها ألفا ولامها ألفا صح النكاح واستحقت الثلاثة الاف، وبه قال مالك.
قال أبو على بن أبى هريرة فيجئ على هذا أن الالفين في الاولة للزوجة وهذا مخالف لما نقله المزني، وذكره الشافعي في الام في التى قبلها، والاول أصح لانه إنما أصدقها ألفا لا غير، وما شرطه وأمها لا يستحقانه ولا تستحقه الزوجة لما قدمناه في التى قبلها.
إذا ثبت هذا فذكر المزني بعد الاولة، ولو نكح امرأة على ألف وعلى أن يعطى أباها ألفا كان جائزا ولها منعه وأخذها منه لانها هبة لم تقبض أو وكالة.
قال أصحابنا: أخطأ المزني في النقل، لا فرق بين هذه والاولة، ويكون المهر فاسدا، وانما نقل المزني جواب مسألة ثالثه، ذكرها الشافعي رضى الله عنه في الام، وهو إذا تزوجها بألفين على أن تعطى أباها منها ألفا فيكون المهر جائزا لانها قد ملكت الالفين بالعقد وما شرطه عليها من دفعها لابيها ألفا لا يلزمها لانه ان كان هبة منها فلا يلزم عليها قبل القبض أو على سبيل الوكالة منها لابيها بالقبض، وذلك لا يلزم عليها، وإذا لم يلزمها سقط ولا يؤثر ذلك في المهر.
لان المرأة لم ينقص من مهرها شئ لاجل هذا الشرط ولا الزوج زاد في مهرها لكى تعطى أباها، لانه لا منفعة له في ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: وكذلك إذا أصدقها ألفين على أن يعطى الزوج منها ألفا لابيها لم يؤثر ذلك: لان ذلك هبة منها أو توكيل في قبضها والتصرف لها
لا حق للزوج في ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: ومعنى هذا عندي أنه لم يرد به الشرط، وانما أراد به أنه تزوجها على ألفين على أن لها أن تعطى أباها ألفا ويعطى هو أباها ألفا فالحكم ما ذكرنا، فأما إذا أخرج ذلك مخرج الشرط فينبغي ان يفسد المهر، لانه لم يملكها المهر ملكا تاما فيبطل.
وقد حكى الصيمري هذا عن بعض أصحابنا،
ثم قال الصيمري هو قياس التحقيق لو كان من عقود المعاوضات وما الغرض فيه العتق.
فأما ما هو خلاف ذلك فلا.
(فرع)
إذا تزوج امرأة بألف على أن يطأها ليلا ونهارا، أو على أن ينفق عليها ويكسوها ويسافر بها على أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه صح ذلك ولم يؤثر في الصداق، لان ذلك من مقتضى العقد، وإن شرط على أن له أن يتزوج عليها أو يتسرى صح ولم يؤثر لانه لا ينافى مقتضاه وإن تزوجها بمائة على أن لا يتزوج أو لا يتسرى عليها، أو على أن لا يسافر بها أو على أن لا يكلم أباها وأمها أو على أن لا يكسوها ولا ينفق عليها أو على أن لها أن تخرج من بيتها متى شاءت فالنكاح صحيح والشرط والمهر فاسدان، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال أحمد: الشرط صحيح ومتى لم يف لها به ثبت لها الخيار في فسخ النكاح وروى ذلك عن عمر رضى الله عنه ومعاوية وعمر بن عبد العزيز وشريح وأبى الشعثاء رضى الله عنهم.
دليلنا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل، وهذا الشرط ليس في كتاب الله، ويجب لها مهر مثلها، لانها تركت لاجل الشرط جزءا من المهر، فإذا سقط الشرط وجب رد الجزء وهو مجهول، وإذا صار الصداق مجهولا وجب لها مهر مثلها.
وقال أبو على بن خيران: يجب لها أقل الامرين من المسمى أو مهر المثل والمذهب الاول، لان المسمى قد سقط اعتباره، وإنما الاعتبار بمهر المثل، وإن تزوجها على ألف ان لم يخرجها من بلدها وعلى ألفين إن أخرجها فالمهر فاسد ويجب لها مهر مثلها.
وقال أبو حنيفة: إن وفى لها بالشرط الاول كان لها الالف وان لم يف لها كان لها مهر مثلها.
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان.
دليلنا انه دخل في العقد على التخيير بين عوضين فكان العوض فاسدا كما لو قال: بعتك بألف نقدا وبألفين نسيئة.
(فرع)
إذا اشترطت المرأة على الزوج حال العقد أن لا يطأها أو على أن يطأها في الليل دون النهار، أو على أن لا يدخل عليها سنة بطل النكاح لان ذلك
شرط ينافى مقتضى العقد وان شرط الزوج ذلك عليها في العقد لم يبطل النكاح لان ذلك حق له يجوز له تركه فلم يؤثر شرطه ولا يلزمه الوفاء بالشرط لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ باطل.
وليس هذا في كتاب الله فكان باطلا.
(فرع)
إذا تزوج امرأة بمهر وشرط خيار المجلس أو خيار الثلاث في عقد النكاح فسد النكاح، لان النكاح لا يقع إلا لازما، فإذا شرط فيه الخيار نافى ذلك مقتضاه فأبطله.
وإن شرط الخيار في الصداق فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: كان المهر فاسدا.
وظاهر هذا أن النكاح صحيح.
وقال في الاملاء ان المهر والنكاح باطلان.
واختلف أصحابنا فيها فمنهم من قال هي على حالين، فحيث قال يبطلان أراد إذا شرط الخيار في النكاح والمهر أو في النكاح وحده، وحيث قال لا يبطل النكاح أراد إذا شرط الخيار في المهر وحده، فهل يصح
النكاح.
فيه قولان.
(أحدهما)
لا يصح لانه أحد عوض النكاح فبطل النكاح بشرط الخيار فيه كما لو شرطه في البضع
(والثانى)
يصح النكاح وهو الصحيح لانه لو جعل الصداق خمرا أو خنزيرا لم يبطل النكاح، فلان لا يفسد إذا شرط الخيار في المهر أولى، فإذا قلنا بهذا ففى المهر والخيار ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد (أحدها) أن المهر والخيار صحيحان، لان المهر كالثمن في البيع، فلما ثبت جواز الخيار في الثمن ثبت جوازه في المهر
(والثانى)
أن المهر صحيح والخيار باطل، لان المقصود هو الصداق والخيار تابع، فثبت المقصود وبطل التابع (والثالث) أن المهر والخيار باطلان وهو المنصوص في الام لان الخيار لما لم يثبت في العوض وهو البضع لم يثبت في المعوض، وإذا سقط الخيار فقد ترك لاجله جزء من المهر فيجب رده وذلك مجهول.
وإذا كان المهر مجهولا وجب مهر المثل.
قال الشيخ أبو حامد: الوجهان الاولان لا يساويان استماعهما.
(فرع)
ويثبت في الصداق خيار الرد بالعيب الفاحش واليسير وما يعد عيبا في مثله.
وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف: يرد بالفاحش دون اليسير.
دليلنا أن إطلاق العقد يقتضى سلامة المهر من العيب، فإذا رد بالفاحش رد باليسير كالمبيع
قال المصنف رحمه الله: (فصل) وتملك المرأة المسمى بالعقد ان كان صحيحا، ومهر المثل إن كان فاسدا، لانه عقد يملك المعوض فيه بالعقد فملك العوض فيه بالعقد كالبيع، وان كانت المنكوحة صغيرة أو غير رشيدة سلم المهر إلى من ينظر في مالها، وان كانت بالغة رشيدة وجب تسليمه إليها، ومن أصحابنا من خرج في البكر البالغة قولا آخر أنه يجوز أن يدفع إليها أو إلى أبيها وجدها، لانه يجوز إجبارها على النكاح فجاز للولى قبض صداقها بغير إذنها كالصغيرة، فان قال الزوج لا أسلم الصداق حتى تسلم نفسها، فقالت المرأة: لا أسلم نفسي حتى أقبض الصداق ففيه قولان.
(أحدهما) لا يجبر واحد منهما بل يقال: من سلم منكما أجبرنا الاخر.
(والثانى)
يؤمر الزوج بتسليم الصداق إلى عدل وتؤمر المرأة بتسليم نفسها فإذا سلمت نفسها أمر العدل بدفع الصداق إليها كالقولين فيمن باع سلعه بثمن معين، وقد بينا وجه القولين في البيوع، فان قلنا: بالقول الاول لم تجب لها النفقة في حال امتناعها، لانها ممتنعه بغير حق، وان قلنا بالقول الثاني وجبت لها النفقة لانها ممتنعة بحق وان تبرعت وسلمت نفسها ووطئها الزوج أجبر على دفع الصداق وسقط حقها من الامتناع، لان بالوطئ استقر لها جميع البدل فسقط حق المنع كالبائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن.
(الشرح) الاحكام: تملك المرأة جميع المهر المسمى لها بنفس العقد إن كان ما سماه صحيحا، وان كان باطلا ملكت مهر المثل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رضى الله عنه وقال مالك رضى الله عنه: تملك نصف المسمى بالعقد والنصف الباقي أمانة في يدها للزوج فإن دخل بها استقر ملكها على الجميع.
دليلنا قوله تعالى (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) فلولا أنهن ملكنه لما أمر بتسليمه اليهن، ولانه عوض عن مقابلة معوض فملك في الوقت التى تملك به المعوض كالاثمان في البيع، وان كانت المنكوحة صغيرة أو كبيرة.
مجنونة أو سفيهة فللاب والجد أن يقبض صداقها لان له ولاية على مالها، وإن كانت بالغة
عاقلة رشيدة سلم المهر إليها أو إلى وكيلها، وليس لوليها قبضه بغير إذنها.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا ان الذى بيده عقدة النكاح هو الاب والجد جاز له أن يقبض المهر بغير إذنها لانه إذا جاز له العفو عنه فلان يجوز له قبضه أولى،
والاول أصح، لانه إنما يجوز له العفو على هذا القول عن مهر الصغيرة أو المجنونة فأما الكبيرة العاقلة فليس له العفو عن مهرها بلا خلاف، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة ان كانت المنكوحة ثيبا لم يكن له قبض صداقها بغير اذنها، وان كانت بكرا فله قبض صداقها بغير اذنها الا أن تنهاه عن قبضه.
دليلنا أنها بالغة رشيدة فلم يكن له قبض صداقها بغير اذنها كالبنت.
(فرع)
إذا كان الصداق حالا فطالبته الزوجة بتسليمه فقال الزوج: لا، وطلب امهاله إلى أن يجمعه، وطالب بتسليم الزوجة إليه لم يجبر الزوجة على تسليم نفسها إليه إلى أن يجمع صداقها ويسلمه إليها لان المهر في مقابلة البضع وعوض عنه، فإذا امتنع الزوج من تسليم العوض لم تجبر المرأة على تسليم المعوض كما لا يجبر البائع على تسليم المبيع إذا امتنع المشترى من تسليم الثمن، وان قال الزوج لا أسلم الصداق حتى تسلم نفسها.
وقالت الزوجة لا أسلم نفسي حتى يسلم إلى الصداق فقد ذكر المصنف فيمن اشترى سلعة بثمن في ذمته، فقال البائع لا أسلم السلعة حتى أقبض الثَّمَنَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي لَا أُسَلِّمُ الثَّمَنَ حَتَّى أقبض السلعة ثلاثة اقوال مشهورة أتى عليها الامام تقى الدين السبكى في شرح المهذب في شروعه في تكملة المجموع.
(أحدها) لا يجبر واحد منهما على التسليم، بل أيهما تطوع بالتسليم.
أجبر الآخر.
(والثانى)
أنهما يجبران معا، فيجبر البائع على تسليم السلعه إلى عدل، بجبر المشترى على تسليم الثمن إلى عدل، ثم يسلم السلعه إلى المشترى والثمن إلى البائع، وبأيهما بدأ جاز.
(والثالث) أن البائع يجبر على تسليم السلعة إلى المشترى ثم يجبر المشترى على تسليم الثمن إلى البائع.
وأما الصداق فلا يجئ فيه الا القولان الاولان.
(أحدهما) لا يجبر واحد منهما على التسليم بل يقال لهما: أيكما تطوع بالتسليم
أجبر الآخر على التسليم
(والثانى)
يجبر الزوج على تسليم الصداق إلى عدل، فإذا حصل الصداق في يد عدل أجبرت الزوجة على تسليم نفسها إلى الزوج، ولا يجئ في هذا القول أن تسلم المرأة نفسها إلى عدل كما قلنا في البائع، لان معنى قولنا: تسلم نفسها نعنى به يطؤها الزوج، وهذا لا يحصل بتسليمها نفسها إلى العدل، ويسقط ههنا القول الثالث في البيع وهو قولنا: يجبر البائع على تسليم السلعه أولا إلى المشترى لانا إذا أجبرنا البائع على هذا التسليم تسلم السلعه وأخذ الثمن من المشترى ان كان حاضرا، وان كان غائبا حجرنا على المشترى في السلعه في جميع أمواله إلى أن يسلم الثمن، والزوجه ههنا بمعنى البائع، فلو أجبرناها على تسليم نفسها وهو تمكينها الزوج من وطئها ربما أتلف ماله بعد وطئها أو أفلس، وقد أتلف بضعها لانه لا يتأتى فيه ما ذكرناه في السلعه، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي: بل في الصداق ثلاثة أقوال أيضا (أحدها) لا يجبران
(والثانى)
يجبران بأن يوضع الصداق على يد عدل، وتجبر المرأة على التمكين.
(والثالث) يجبر الزوج، والاول هو المشهور.
فإذا قلنا لا يجبران لم يجب لها نفقه في حال امتناعها، لان الزوج لا يختص بالامتناع.
وان قلنا يجبر الزوج أولا فلها النفقه في حال امتناعها قبل تسليم الزوج بالمهر، لان المنع من جهته وان تبرعت المرأة وسلمت نفسها إليه ووطئها الزوج لم يكن لها أن تمتنع بعد ذلك حتى تقبض صداقها.
دليلنا أن التسليم الاول تسليم استقر به المسمى برضاها فلم يكن لها الامتناع بعد ذلك، كما لو سلم البائع سلعه قبل قبض الثمن ثم أراد أخذها، وان أكرهها الزوج فوطئها فهل لها أن تمتنع بعد ذلك إلى ان تقبض المهر؟ فيه وجهان
حكاهما في الابانه.
(أحدهما) لها ان تمتنع كما لو قبض المشترى العين المبيعة واكره البائع على ذلك قبل قبض الثمن.
(والثانى) ليس لها ان تمتنع لان المهر قد تقرر بذلك والبائع إذا استرد
المبيع ارتفع التقرير، وإن كان الصداق مؤجلا فطلب الزوج تسليمه إليه قبل حلول الاجل لم يكن لها أن تمتنع، فإن امتنعت أجبرت لانها رضيت بتأخير حقها إلى الاجل فلم يكن لها الامتناع من التسليم كما لو باع سلعة بثمن مؤجل فليس له الامتناع من تسليمها قبل حلول الاجل، فإن تأخر تسليمها لنفسها حتى حل الاجل فهل لها الامتناع من تسليمها إلى أن تقبض الصداق؟ فيه وجهان، قال الشيخ أبو حامد: ليس لها أن تمتنع لان التسليم مستحق عليها قبل المحل فلم يسقط ما وجب عليها بحلول دينها.
وقال القاضى أبو الطيب: لها أن تمتنع، وقد ذكر المزني في المنثور أنه إذا باع سلعه بثمن مؤجل فلم يقبض السلعة حتى حل الاجل فإن للبائع الامتناع من تسليم السلعة حتى يقبض الثمن، ووجهه أن لها المطالبة بالمهر فكان لها الامتناع كما لو كانت حالا، وإن كان بعض الصداق مؤجلا وبعضه حالا فلها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض المؤجل كما لو كان جميعه مؤجلا.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
فان كان الصداق عينا لم تملك التصرف فيه قبل القبض كالمبيع، وإن كان دينا فعلى القولين في الثمن، وإن كان عينا فهلكت قبل القبض هلك من ضمان الزوج كما يهلك المبيع قبل القبض من ضمان البائع، وهل ترجع إلى مهر المثل، أو إلى بدل العين، فيه قولان.
قال في القديم: ترجع إلى بدل العين لانه عين يجب تسليمها لا يسقط الحق بتلفها، فوجب الرجوع إلى بدلها كالمغصوب، فعلى هذا ان كان مما له مثل وجب مثله وان لم يكن له مثل وجبت قيمته أكثر ما كانت من حين العقد إلى أن تلف كالمغصوب، ومن أصحابنا من قال: تجب قيمته يوم التلف، لانه وقت الفوات والصحيح هو الاول، لان هذا يبطل بالمغصوب.
وقال في الجديد: ترجع إلى مهر المثل لانه عوض معين تلف قبل القبض وتعذر الرجوع إلى المعوض، فوجب الرجوع إلى بدل المعوض كما لو اشترى ثوبا بعبد فقبض الثوب ولم يسلم العبد وتلف عنده، فانه يجب قيمة الثوب،
وان قبضت الصداق ووجدت به عيبا فردته أو خرج مستحقا رجعت في قوله القديم إلى بدله، وفى قوله الجديد إلى مهر المثل، وان كان الصداق تعليم سورة من القرآن فتعلمت من غيره أو لم تتعلم لسوء حفظها فهو كالعين إذا تلفت فترجع في قوله القديم إلى أجرة المثل: وفى قوله الجديد إلى مهر المثل.
(الشرح) الاحكام: إذا كان الصداق عينا فأرادت الزوجة أن تتصرف فيها بالبيع والهبة وما اشبههما قبل القبض لم يصح، وقال بعض الناس: يصح هكذا أفاده العمرانى.
دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن بيع ما لم يقبض، وهذا لم يقبض وان كان الصداق دينا في الذمة فهل يصح لها بيعه قبل قبضه، فيه قولان كالثمن في الذمة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي: إذا أرادت بيع الصداق قبل أن تقبضه فهل يصح بيعها له فيه قولان ان قلنا: انه مضمون في يد الزوج ضمان العقد لم يصح، وان قلنا ضمان اليد صح وأراد بذلك إذا كان الصداق عينا.
(مسألة) إذا أصدق الرجل امرأته عينا معينة اما حيوانا أو ثوبا أو سيارة فانها تكون مضمونة على الزوج ما لم تقبضها الزوجة، لانها مضمونة عليه بعقد معاوضة فكانت مضمونة كالمبيع، فان قبضتها الزوجة سقط الضمان عنه وصار ضمانها على الزوجة، فان هلكت العين في يد الزوج قبل أن تقبضها الزوجة سقط حقها من العين لانها قد تلفت ولا يبطل النكاح، لان النكاح ينعقد بغير مهر فلا يبطل بتلف الصداق، ويجب على الزوج ضمان الصداق للزوجة لانا قد تبينا أنه مضمون عليه إلى أن تقبضه الزوجة، وفيما يضمنه قولان.
قال في الجديد: ترجع عليه بمهر مثلها وهو اختيار المزني وأبى اسحاق المروزى والقاضى أبى الطيب، لانه عوض معين تلف قبل القبض وتعذر الرجوع إلى المعوض فوجب الرجوع إلى بدل المعوض لا إلى بدل العوض كما لو اشترى فرسا بثوب وقبض الفرس وتلف الفرس والثوب عنده، فانه يجب عليه قيمة الفرس لا قيمة الثوب، فقولنا: عوض معين احتراز من العوض في الذمة، وقولنا:
تعذر الرجوع إلى المعوض لان الشرع قد منع الزوجة من الرجوع إلى بضعها بتلف الصداق فرجعت إلى بذله.
وفيه احتراز من المبيع إذا تلف قبل القبض والثمن باق.
وقال في القديم: ترجع عليه ببدل العين التالفة، وهو قول أبى حنيفة وأحمد رضى الله عنهما واختيار الشيخ أبى حامد وابن الصباغ لان كل عين يجب تسليمها فلا يسقط ضمانها بتلفها، فإذا تلف ضمنت ببدلها كالعين المغصوبة.
فقولنا عين يجب تسليمها احتراز مما لا يجب تسليمه كالعين المبيعة والثمن قبل البيع.
وقولنا لا يسقط ضمانها بتلفها احتراز من العين المبيعة والثمن إذا تلفا قبل القبض، فإذا قلنا بقوله الجديد إن تلفت العين بآفة سماوية أو بفعل الزوج وجب لها مهر مثلها
سواء سلمت نفسها إلى الزوج وطالبته بها قمنعها أو لم تطالبه بها ولم يمنعها.
وان أتلفتها الزوجة كان قبضا لها، وان أتلفها أجنبي فظاهر قول الشافعي رضى الله عنه أنها بالخيار بين أن ترجع على الزوج بمهر المثل ويرجع الزوج على الأجنبي ببدل الصداق الذى اتلف.
وإن نقص الصداق في يد الزوج بآفة سماويه أو بفعل الزوج وجب لها مهر مثلها سواء سلمت نفسها إلى الزوج وطالبته بها فمنعها أو لم تطالبه بها ولم يمنعها، وان أتلفتها الزوجة كان قبضا لها، وان أتلفها أجنبي فظاهر قول الشافعي رضى الله عنه أنها بالخيار بين أن ترجع على الزوج بمهر المثل ويرجع الزوج على الأجنبي ببدل الصداق الذى أتلف وبين أن ترجع الزوجة على الأجنبي ببدل ما أتلف.
وإن نقص الصداق في يد الزوج بآفة سماوية أو بفعل الزوج فهى بالخيار بين أن تأخذ الصداق ناقصا ولا شئ لها وبين أن ترجع على الزوج بمهر مثلها.
وان نقص بفعل أجنبي فهى بالخيار بين أن ترجع على الزوج بمهر مثلها ويأخذ الزوج من الأجنبي الارش، وبين أن تأخذ الصداق والارش من الأجنبي وان نقص الصداق بفعل الزوجة أخذته ناقصا ولا شئ لها.
وان قلنا بقوله القديم فحكمه في يد الزوج حكم المغصوب إلا أنه لا يأثم إذا لم يمنعها من أخذه فإذا تلف في يد الزوج بآفة سماويه أو بفعل الزوج رجعت عليه بمثله إن كان له مثل، وبقيمته ان لم يكن له مثل، ومتى تعتبر قيمته؟ من أصحابنا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ
ومنهم من قال: هما وجهان، المنصوص أنه تعتبر قيمته أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين التلف لانه مضمون على الزوج في جميع هذه الاحوال فهو كالمغصوب.
والثانى يرجع عليه بقيمته يوم التلف، والاول أصح وإن نقص في يد الزوج نظرت فان كان بآفة سماوية كانت بالخيار بين أن
ترد الصداق لاجل النقص وترجع ببدله عليه، وبين أن تأخذه ناقصا وتأخذ منه أرش النقص لانه كالغاصب.
وإن نقص بفعل الزوج فان اختارت رده وأخذ بدله كان لها، وان اختارت أخذه فان لم يكن للجناية أرش مقدر أخذت الصداق وما نقص من قيمته، وان كان لها أرش مقدر بأن كانت إبلا جبت أسنمتها أو عبدا قطعت يده رجعت عليه بأكثر الامرين من نصف قيمة العين أو ما نقص من قيمتها بذلك، لانه اجتمع فيه ضمان اليد والاسنمة والجناية، فان نقص بفعل أجنبي فاختارت رده على الزوج وأخذ بدله منه كان لها ذلك لاجل النقص ورجع الزوج على الأجنبي بالارش، فان اختارت أخذه أخذته، فان كان الارش غير مقدر فان كان مثل أرش النقص أو أكثر من أرش النقص رجعت به على من شاءت منهما.
وان كان الارش المقدر أقل من أرش النقص كانت بالخيار بين ان ترجع بأرش النقص على الزوج وبين ان ترجع على الأجنبي بالارش المقدر وترجع على الزوج بتمام أرش النقص.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
ويستقر الصداق بالوطئ في الفرج لقوله عزوجل: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) وفسر الانقضاء بالجماع، وهل يستقر بالوطئ في الدبر؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يستقر لانه موضع يجب بالايلاج فيه الحد، فأشبه الفرج
(والثانى)
لا يستقر لان المهر في مقابلة ما يملك بالعقد، والوطئ في الدبر غير مملوك فلم يستقر به المهر ويستقر بالموت قبل الدخول، وقال أبو سعيد الاصطخر: إن كانت أمة لم يستقر بموتها لانها كالسلعة تباع وتبتاع، والسلعة المبيعة إذا تلفت قبل التسليم سقط الثمن.
فكذلك إذا ماتت
الامة وجب ان يسقط المهر، والمذهب انه يستقر، لان النكاح إلى الموت، فإذا ماتت انتهى النكاح فاستقر البدل كالاجارة إذا انقضت مدتها.
واختلف قوله في الخلوة فقال في القديم: تقرر المهر، لانه عقد على المنفعة فكان التمكين فيه كالاستيفاء في تقرر البدل كالاجارة.
وقال في الجديد: لا تقرر لانه خلوة فلا تقرر للمهر كالخلوة في غير النكاح.
(الشرح) الاحكام: يستقر المهر المسمى للزوجة بالوطئ في الفرج لقوله تعالى (وان طلقتموهن من قبل ان تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) الآيه.
فلما اثبت له الرجوع بنصف الصداق بالطلاق قبل المسيس دل على انه لا يرجع عليها بشئ منه بعد المسيس.
وقال في آية اخرى (وكيف تأخذونه وقد افضى بعضكم إلى بعض) ففسر الافضاء بالجماع.
وان وطئها في دبرها فهل يستقر به المسمى، فيه وجهان.
ومن أصحابنا من قال لا يستقر لها لان المهر في مقابلة ما يملك بالعقد والوطئ في الدبر غير مملوك في العقد فلم يستقر به المهر.
والثانى وهو المذهب انه يستقر به المسمى، وبه قطع صاحب المهذب، ووجهه ان الوطئ في الدبر لا يختلف عن المجامعة فيما يتضمن تكميلا كالاحصان والتحليل، أو يوجب تخفيفا مثل الخروج عن موجب العنة والايلاء.
ووجه انه ذلك يتضمن تغليظا في إلحاقه بالوطئ كما نقول في وجوب الغسل دون الانزال وافساد العبادات، والحكم بتقرير المهر اثبات تغلبظ على الرجل حتى لو انه جامع امرأة في دبرها بالشبهة وجب المهر لانه موضع يجب بالايلاج فيه الحد فاستقر به المهر كالفرج.
قال اصحابنا: وجميع الاحكام التى تتعلق بالوطئ في الدبر اربعة احكام: الاحلال للزوج الاول، والاحصان، وايفاء المولى، والخروج من العنة.
وان
وطئ اجنبية في دبرها وجب لها مهر المثل، وان حلف ان لا يطأ امرأة فوطئها في دبرها حنث في يمينه، قال الصيمري: فان إلى امرأته اكثر من اربعة اشهر فوطئها في دبرها لم يسقط بذلك حقها، وينبغى ان يحنث في يمينه،
وإن أتت امرأته بولد يلحقه بالامكان ولم يقر بوطئها فهل يستقر عليه المهر المسمى.
فيه قولان
(أحدهما)
يستقر، لان إلحاق النسب به يقتضى وجود الوطئ
(والثانى)
لا يستقر عليه لان الولد يلحق بالامكان، والمهر لا يستقر إلا بالوطئ والاصل عدم الوطئ.
(فرع)
وإن مات أحد الزوجين قبل الدخول استقر لها المهر، وهو المذهب لان النكاح إلى الموت فاستقر به المهر كالاجارة إذا انقضت مدتها.
(فرع)
وان خلا الزوج بها ولم يجامعها فهل حكم الخلوة حكم الوطئ في تقرير المهر ووجوب العدة، اختلف العلماء فيها، فذهب الشافعي في الجديد إلى أنه لا تأثير للخلوة في تقرير المهر ولا في وجوب العدة.
وبه قال ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهم.
ومن التابعين الشعبى وابن سيرين وطاوس، ومن الفقهاء أبو ثور.
وذهبت طائفة إلى أن الخلوة كالوطئ في تقرير المهر ووجوب العدة، وذهب إليه ابن عمر وعلى بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قال الزهري والاوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: ان خلا بها خلوة تامة بأن يخلو بها في بيته دون بيت أبيها أو أمها رجح بها قول من يدعى الاصابة منهما عند اختلافهما بها، ولا تكون الخلوة كالوطئ في تقرير المهر ووجوب العدة.
وقال الشافعي في القديم: للخلوة تأثير.
وقال الخرقى من الحنابلة: إذا خلا بها بعد العقد فقال: لم أطأها وصدقته لم يلتفت إلى قولهما وكان حكمها حكم الدخول في جميع أمورهما الا في الرجوع إلى زوج
طلقها ثلاثا أو في الزنا فانهما يجلدان ولا يرجمان.
اه وقال ابن قدامه: إذا خلا بامرأته بعد العقد الصحيح استقر عليه مهرها ووجبت عليها العدة وان لم يطأ، روى ذلك عن الخلفاء الراشدين وزيد وابن عمر، وبه قال على ابن الحسين وعروة وعطاء والزهرى والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأى، وهو قديم قولى الشافعي، وقال شريح والشعبى وطاوس وابن سيرين والشافعي في الجديد: لا يستقر الا بالوطئ، وحكى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وروى نحو ذلك عن أحمد، وروى عنه يعقوب بن بختان أنه قال: إذا صدقت المرأة أنه لم يطأها لم يكمل لها الصداق وعليها العدة، وذلك
لقوله تعالى (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) وهذه قد طلقها قبل أن يمسها، وقال تعالى (وكيف تأخذونه وند أفضى بعضكم إلى بعض) ثم قال: ولنا إجماع الصحابة رضى الله عنهم.
روى الامام أحمد والاثرم بإسنادهما عن زرارة بن أبى أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا أو أرخى سترا فقد وجب المهر ووجبت العدة.
ورواه أيضا عن الاحنف عن عمر وعلى وعن سعيد بن المسيب وعن زيد بن ثابت: عليها العدة ولها الصداق كاملا، وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفهم أحد في عصرهم فكان إجماعا.
وما رووه عن ابن عباس لا يصح.
قال أحمد: يرويه ليث وليس بالقوى، وقد رواه حنظلة خلاف ما رواه ليث، وحنظلة أقوى من ليث، وحديث ابن مسعود منقطع.
قاله ابن المنذر اه قلت: لما كان الشافعي رضى الله عنه قولاه القديم والجديد، فإن من أصحابنا من قال: مذهب الشافعي في القديم في الخلوة كقول مالك في أنه يرجح بها قول من ادعى الاصابة لا غير، إلا أنه لا فرق عندنا على هذا بين أن يخلو بها
في بيته أو في بيت أبيها أو أمها.
ومنهم من قال: مذهب الشافعي في الجديد كقول أبى حنيفة وهو المنصوص في القديم فإذا قلنا بهذا فوجهه مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (من كشف عن قناع امرأة فقد وجب عليه المهر) وروى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذا أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجب المهر.
ما ذنبهن ان جاء العجز من قبلكم، ولانه عقد على المنفعة فكان التمكين منها كالاستيفاء في تقرير البدل كالاجارة وإذا قلنا بقوله الجديد قال العمرانى وأكثر الاصحاب، وهو الاصح، فوجهه قوله تعالى (وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) ولم يفرق بين أن يخلو بها أو لا يخلو بها، ولان الخلوة لو كانت كالاصابة في تقرير المهر ووجوب العدة لكانت كالاصابة في وجوب مهر المثل في الشبهة.
وأما الخبر فمحمول على أنه كنى عن الجماع بكشف النقاب، وما روى عن أمير المؤمنين عمر رضى الله عنه فقد روينا عن ابن عباس وابن مسعود خلاف ذلك، فإذا قلنا بقوله الجديد فوطئها فيما دون الفرج فسق الماء إلى فرجها وجبت عليها العدة وجها واحدا، لان رحمها قد صار مشغولا بمائه، وإن أتت من ذلك بولد لحقه نسبه، وهل يستقر بذلك صداقها، فيه وجهان.
(أحدهما) يستقر، لان رحمها قد صار مشغولا بمائه فهو كما لو وطئها.
(والثانى)
لا يستقر به المهر لانه لم يوجد الجماع التام فهو كما لو لم يسبق إلى فرجها ماؤه، ولو استدخلت المرأة ماء غير ماء زوجها وظنته ماء زوجها لم يثبت له حكم من الاحكام لان الشبهة تعتبر في الرجل.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
وإن وقعت فرقة بعد الدخول لم يسقط من الصداق شئ لانه استقر فلم يسقط، فإن أصدقها سورة من القرآن وطلقها بعد الدخول وقبل أن يعلمها ففيه وجهان.
(أحدهما) يعلمها من وراء حجاب كما يستمع منها حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَالثَّانِي) لا يجوز أن يعلمها لانه لا يؤمن الافتتان بها ويخالف الحديث، فإنه ليس له بدل، فلو منعناه من سماعه منها أدى إلى إضاعته، وفى الصداق لا يؤدى إلى ابطاله، لان في قوله الجديد ترجع إلى مهر المثل، وفى قوله القديم ترجع إلى أجرة التعليم، وإن وقعت الفرقة قبل الدخول نظرت فإن كانت بسبب من جهة المرأة، بأن أسلمت أو ارتدت أو أرضعت من ينفسخ النكاح برضاعه سقط مهرها لانها أتلفت المعوض قبل التسليم، فسقط البدل كالبائع إذا أتلف المبيع قبل التسليم، وإن كانت بسبب من جهته نظرت فإن كان بطلاق سقط نصف المسمى لقوله تعالى (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) وان كان باسلامه أو بردته سقط نصفه، لانه فرقة انفرد الزوج بسببها قبل الدخول، فتنصف بها المهر
كالطلاق، وان كان بسبب منهما نطرت فان كان بخلع سقط نصفه، لان المغلب في الخلع جهة الزوج، بدليل أنه يصح الخلع به دونها وهو إذا خالع مع أجنبي فصار كما لو انفرد به، وان كان بردة منهما ففيه وجهان.
(أحدهما) يسقط نصفه، لان حال الزوج في النكاح أقوى فسقط نصفه كما لو ارتد وحده.
(والثانى)
يسقط الجميع لان المغلب في المهر جهة المرأة، لان المهر لها فسقط جميعه كما لو انفردت بالردة فان اشترت المرأة زوجها قبل الدخول ففيه وجهان: أحدهما: يسقط النصف، لان البيع تم بالزوجة والسيد وهو قائم مقام الزوج، فصار كالفرقة الواقعة بالخلع.
والثانى: يسقط جميع المهر لان البيع تم بها دون الزوج فسقط جميع المهر كما لو أرضعت من ينفسخ النكاح برضاعه
(فصل)
وان قتلت المرأة نفسها فالمنصوص أنه لا يسقط مهرها، وقال في الامة: إذا قتلت نفسها أو قتلها مولاها أنه يسقط مهرها، فنقل أبو العباس جوابه في كل واحدة منهما إلى الاخرى وجعلهما على قولين.
(أحدهما) يسقط المهر لانها فرقة حصلت من جهتها قبل الدخول فسقط بها المهر، كما لو أرتدت.
(والثانى)
لا يسقط وهو اختيار المزني وهو الصحيح، لانها فرقة حصلت بانقضاء الاجل وانتهاء النكاح فلا يسقط بها المهر كما لو ماتت.
وقال أبو إسحاق لا يسقط في الحرة ويسقط في الامة على ما نص عليه، لان الحرة كالمسلمة نفسها بالعقد، ولهذا يملك منعها من السفر، والامة لا تصير كالمسلمة نفسها بالعقد ولهذا لا يملك منعها من السفر مع المولى: وان قتلها الزوج استقر مهرها لان اتلاف الزوج كالقبض كما أن اتلاف المشترى للمبيع في يد البائع كالقبض في تقرير الثمن.
(الشرح) الاحكام: إذا تزوج رجل امرأة ودخل بها ثم افترقا لم ترجع إلى الزوج بشئ من المهر سواء كانت الفرقة من جهة الزوج أو من جهة الزوجة أو من جهتهما أو من جهة أجنبي، لان المهر قد استقر بالدخول فلم تؤثر الفرقه
وهذا لا خلاف فيه، وان أصدقها تعليم سورة من القرآن ودخل بها ثم طلقها قبل أن يعلمها فإن كان الصداق تحصيل التعليم لم يتعذر ذلك بسبب الطلاق بل يستأجر لها إمرأة أو محرما لها ليعلمها، وإن كان الصداق على أن يعلمها بنفسه ففيه وجهان.
(أحدهما) أن التعليم لا يتعذر بذلك، بل يعلمها من وراء حجاب كما يجوز أن يسمع أخبار رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ وراء حجاب، وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الاجانب عنهن من وراء حجاب وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب وكان يسألها عن أخص أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حتى في جماعه وكانت رضى الله عنها تخجل حتى ليحمر وجهها كما يقول عروة ابن أختها، وهى تقول: سل يا إبناه ومن هؤلاء الراويات أمة الواحد بنت يامين والدة يحيى بن بشير وأمية بنت عبد الله وبهسة الفزارية وحميدة راوية أم سلمة وخيرة أم الحسن البصري وزينب بنت معاوية زوج ابن مسعود وراويته والعالية بنت سويد وثقها العجلى وعمرة بنت قيس عن عائشة روى عنها جعفر بن كيسان في صحيح ابن خزيمه، وأم القلوص عن عائشة وعنها المتوكل بن الفضل في الدارقطني وهن لا يحصين.
(والثانى) أن تعليمه لها قد تعذر لانه يخاف عليهما الافتتان، ويخالف سماع الاخبار لانا لو لم نجز ذلك لضاع ما عندها من الاخبار، فإذا قلنا بهذا كان كما لو تلف الصداق قبل القبض فيرجع في قوله الجديد إلى مهر مثلها، وفى قوله القديم إلى أجرة التعليم، وان وقعت الفرقه بينهما قبل الدخول نظرت، فان كانت بسبب من جهتها بأن أسلمت أو ارتدت أو أرضعته أو أرضعت زوجة له صغيرة أو وجد أحدهما بالآخر عيبا ففسخ النكاح سقط جميع المهر لان والبضع تلف قبل الدخول بسبب من جهتها، فسقط ما نقابله كالمبيع إذا تلف قبل القبض، وان كان بسبب من جهة الزوج بأن طلقها سقط عنه نصف المسمى أن كانت لم تقبضه، ووجب عليها رد نصفه ان كانت قبضته لقوله تعالى (وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضه فنصف ما فرضتم)
وهكذا إن أسلم أو ارتد فحكمه حكم الطلاق، لان الفرقة من جهته فهو كالطلاق وإن كانت الفرقة بسبب منهما نظرت فإن كانت بخلع فحكمه حكم الطلاق لان المغلب فيه جهة الزوج بدليل أنه يصح خلعه مع الأجنبي، وإن كان بردة منهما بأن ارتدا معا في حالة واحدة ففيه وجهان.
(أحدهما)
حكمه حكم الطلاق لان حال الزوج في النكاح إذا خالع زوجته بعد الدخول بها ثم تزوجها ثانيا في العدة ثم طلقها قبل أن يدخل بها يتنصف المسمى.
وقال أبو حنيفة: لا يتنصف بل يبقى حقها في الجميع كما كان.
دليلنا ظاهر الآية (فنصف ما فرضتم) ولان الوطئ الموجود في النكاح الاول يقابله المهر الاول، فلو قلنا: لا يتنصف المهر في النكاح الثاني لصار ذلك الوطئ مؤثرا أقوى في تقربر المهرين، والتسليم الواحد لا يقابل بدلين وعلى هذا الخلاف لو وطئ إمرأة بالشبهة أو أعتق أم ولده ونكحها ثم طلقها ينصف المهر عندنا، وعند أبى حنيفة لا ينصف ويجعل دوام شغل الرحم كالوطئ في تقرير المهر كله وتخالف هذه المسألة المخالعة حيث غلبنا جانب الزوج لان الزوج يتصور منه أن ينفرد بالمخالعة عنها بأن تخالع مع أجنبي والمرأة لا يتصور منها الانفراد بالمخالعة عن الزوج فيترجح جانب الزوج، وههنا في المبايعة سواء رجحنا أحد الجانبين بالاستدعاء كما في الحرة إذا قتلت نفسها أو قتلت وليها قبل الدخول أنه لا يسقط شئ من المهر.
واختلف أصحابنا فيهما فذهب أبو العباس بن سريج وبعض أصحابنا إلى أن فيهما قولين
(أحدهما)
يسقط مهرها، لان النكاح انفسخ بسبب من جهتها،
فهو كما لو ارتدت
(والثانى)
لا يسقط وهو الاصح لانها فرقة حصلت بانقضاء أجلها فهو كما لو ماتت، وذهب أبو إسحاق المروزى وبعض أصحابنا إلى أنها على قولين على ظاهرهما، ففى الامة يسقط، وفى الحرة لا يسقط، لان الحرة مسلمة لنفسها في العقد، ولهذا لا يجوز لها السفر بغير إذن الزوج، والامة غير مسلمة لنفسها ولهذا يجوز السفر بها بغير إذن زوجها، لان الزوج للحرة يغنم ميراثها فجاز أن يغرم مهرها، وزوج الامة لا يغنم ميراثها فلم يغرم مهرها، فإذا قلنا: يسقط
المهر بذلك فان الحرة لا يسقط مهرها إلا إذا قتلت نفسها قبل الدخول، وإن قتلها وليها أو زوجها أو أجنبي لم يسقط مهرها.
وأما الامة فان قتلت نفسها قبل الدخول سقط مهرها، وإن قتلها سيدها سقط مهرها لان المهر له، وإن قتلها زوجها أو أجنبي قبل الدخول لم يسقط المهر، خلافا لابي سعيد الاصطخرى الذى قال: إذا قتلها أجنبي قبل الدخول يسقط مهرها لانها كالسلعة المبيعة إذا أتلفها أجنبي قبل القبض انفسخ البيع وسقط الثمن، والمذهب الاول، لانها انما تكون كالسلعة إذا بيعت أما في النكاح فهى كالحرة كما قررنا في غير موضع.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
ومتى ثبت الرجوع في النصف لم يخل اما أن يكون الصداق تالفا أو باقيا، فان كان تالفا فان كان مما له مثل رجع بنصف مثله، وان لم يكن له مثل رجع بقيمة نصفه أقل ما كانت من يوم العقد إلى يوم القبض، لانه ان كانت قيمته يوم العقد أقل ثم زادت، كانت الزيادة في ملكها فلم يرجع بنصفها وان كانت قيمته يوم العقد أكثر ثم نقص، كان النقصان مضمونا عليه، فلم يرجع بما هو مضمون عليه، وان كان باقيا لم يخل اما أن يكون باقيا على حالته
أَوْ زَائِدًا أَوْ نَاقِصًا أَوْ زَائِدًا مِنْ وجه ناقصا من وجه فان كان على حالته رجع في نصفه، ومتى يملك؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
(أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: أنه لا يملك الا باختيار التملك، لان الانسان لا يملك شيئا بغير اختياره الا الميراث، فعلى هذا ان حدثت منه زيادة قبل الاختيار كانت لها.
(والثانى) وهو المنصوص أنه يملك بنفس الفرقة لقوله عز وجل (وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فعلق استحقاق النصف بالطلاق، فعلى هذا أن حدثت منه زيادة كانت بينهما، وان طلقها والصداق زائد نظرت فان كانت زيادة متميزة كالثمرة والنتاج واللبن رجع بنصف الاصل، وكانت الزيادة لها لانها زيادة متميزة حدثت في ملكها،
فلم تتبع الاصل في الرد، كما قلنا في الرد بالعيب في البيع، وان كانت الزيادة غير متميزة كالسمن وتعليم الصنعة فالمرأة بالخيار بين أن تدفع النصف بزيادته وبين أن تدفع قيمة النصف، فإن دفعت النصف أجبر الزوج على أخذه لانه نصف المفروض مع زيادة لا تتميز، وان دفعت قيمة النصف أجبر على أخدها لان حقه في نصف المفروض والزائد غير المفروض فوجب أخذ البدل، وان كانت المرأة مفلسه فَفِيهِ وَجْهَانِ.
(أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: أنه يجوز للزوج أن يرجع بنصف العين مع الزيادة، لانه لا يصل إلى حقه من البدل، فرجع بالعين مع الزيادة كما يرجع البائع في المبيع مع الزيادة عند افلاس المشترى.
(والثانى)
وهو قول أكثر أصحابنا أنه لا يرجع لانه ليس من جهة المرأة تفريط فلا يؤخذ منها ما زاد في ملكها بغير رضاها، ويخالف إذا أفلس المشترى
فإن المشترى فرط في حبس الثمن إلى أن أفلس فرجع البائع في العين مع الزيادة.
فإن كان الصداق نخلا وعليها طلع غير مؤبر فبذلت المرأة نصفها مع الطلع، ففيه وجهان:
(أحدهما)
لا يجبر الزوج على أخذها لانها هبة فلا يجبر على قبولها.
(والثانى)
يجبر وهو المنصوص لانه نماء غير متميز فأجبر على أخذها كالسمن وإن بذلت نصف النخل دون الثمرة لم يجبر الزوج على أخذها.
وقال المزني: يلزمه ان يرجع فيه وعليه ترك الثمرة إلى أوان الجذاذ كما يلزم المشترى ترك الثمرة إلى أوان الجذاذ، وهذا خطأ، لانه قد صار حقه في القيمة فلا يجبر على أخذ العين، ولان عليه ضررا في ترك الثمرة على نخله فلم يجبر، ويخالف المشترى فإنه دخل في العقد عن تراض فأقرا على ما تراضيا عليه، فان طلب الزوج الرجوع بنصف النخل وترك الثمرة إلى أوان الجذاذ ففيه وجهان.
(أحدهما) لا تجبر المرأة لانه صار حقه في القيمه.
(والثانى)
تجبر عليه لان الضرر زال عنها ورضى الزوج بما يدخل عليه من الضرر.
وان طلقها والصداق ناقص بأن كان عبدا فعمى أو مرض، فالزوج بالخيار بين أن يرجع بنصفه ناقصا وبين أن يأخذ قيمة النصف، فان رجع في
النصف أجبرت المرأة على دفعه لانه رضى بأخذ حقه ناقصا، وإن طلب القيمة أجبرت على الدفع، لان الناقص دون حقه.
وإن طلقها والصداق زائد من وجه ناقص من وجه بأن كان عبدا فتعلم صنعة ومرض، فان تراضيا على أخذ نصفه جاز لان الحق لهما، وإن امتنع الزوج من أخذه لم يجبر عليه لنقصانه، وإن امتنعت المرأة من دفعه لم تجبر عليه لزيادته، وان كان الصداق جارية فحبلت فهى كالعبد إذا تعلم صنعة ومرض، لان الحمل زيادة من وجه ونقصان من وجه آخر
لانه يخاف منه عليها فكان حكمه حكم العبد.
وان كان بهيمة فحملت ففيه وجهان
(أحدهما)
أن المرأة بالخيار بين أن تسلم النصف مع الحمل، وبين أن تدفع القيمة لانه زيادة من غير نقص، لان الحمل لا يخاف منه على البهيمة
(والثانى)
وهو ظاهر النص أنه كالجارية لانه زيادة من وجه ونقصان من وجه، فانه ينقص به اللحم فيما يؤكل، ويمنع من الحمل عليه فيما يحمل فكان كالجاريه.
وان باعته ثم رجع إليها ثم طلقها الزوج رجع بنصفه لانه يمكن الرجوع إلى عين ماله فلم يرجع إلى القيمة، وان وصت به أو وهبته ولم يقبض ثم طلقها رجع بنصفه، لانه باق على ملكها وتصرفها.
وان كاتبته أو وهبته وأقبضته ثم طلقها رجع بقيمة النصف، لانه تعلق به حق لازم لغيرها، فان كان عبدا فدبرته ثم طلقها فقد روى المزني أنه يرجع، فمن أصحابنا من قال يرجع لانه باق على ملكها ومنهم من قال لا يرجع لانه لا يملك نقض تصرفها، ومنهم من قال فيه قولان، ان قلنا ان التدبير وصية فله الرجوع، وان قلنا انه عتق بصفة رجع بنصف قيمته (الشرح) الاحكام: إذا طلق الرجل امرأة قبل الدخول وقد قبضت الصداق فقد ذكرنا أن الزوج يرجع عليها بنصفه، فان كان قد تلف بيدها فان كان له مثل رجع عليها بنصف مثله لانه أقرب، وان كان لا مثل له رجع عليها بنصف قيمته، لان ما لا مثل له يضمن بالقيمة، فان اختلفت قيمته من حين العقد إلى حين قبضه رجع بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، لان قيمته ان كانت حين العقد أقل ثم ازدادت، فان الزيادة حدثت في ملكها
فلا يلزمها ضمانها، وإن كانت قيمته وقت العقد أكثر ثم نقصت فالنقص مضمون على الزوج لها فلا تضمنه الزوجة له، وإن كان الصداق باقيا في يدها فلا يخلو من
أربعة أحوال: إما أن يكون باقيا على حاله من حين القبض إلى حين الطلاق، أو يكون ناقصا من جميع الوجوه عن حالته التى قبضته عليها أو يكون زائدا على حالته التى قبضته عليها من جميع الوجوه، أو يكون زائدا من وجه ناقصا من وجه فإن كان باقيا على حالته رجع بنصفه لقوله تعالى (فنصف ما فرضتم) وإن كان ناقصا من جميع الوجوه بأن كانت جارية سمينة فهزلت أو مرضت أو ما أشبه ذلك فالزوج بالخيار بين أن يرجع بنصف الصداق ناقصا ولا شئ له غير ذلك، وبين أن يرجع عليها بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض لان الله تعالى قال (فنصف ما فرضتم) وإن كان ناقصا من جميع الوجوه بأن كانت بهيمة سمينة فهزلت أو مرضت فالزوج بالخيار بين أن يرجع بنصف الصداق ناقصا ولا شئ له غير ذلك، وبين أن يرجع عليها بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، لان الله تعالى قال (فنصف ما فرضتم) وإذا كان ناقصا فليس هو المفروض.
وان كان الصداق زائدا من جميع الوجوه فلا تخلو الزيادة إما أن تكون متميزة أو غير متميزة، فإن كانت متميزة بأن أصدقها بهيمة حائلا فحملت وولدت ثم طلقها.
أو شجره لا ثمرة عليها فأثمرت وجدت، ثم طلقها رجع عليها بنصف الصداق دون النماء لانه نماء حدث في ملكها وتميز فلم يكن له فيه حق كما قلنا في المشترى إذا حدث في ملكه نماء مميز ثم وجد بالمبيع عيبا فرده.
وإن كانت الزيادة غير متميزة كالسمن وتعليم القرآن والعلم والصنعة، فان اختارت الزوجة تسليم نصفه أجبر الزوج على أخذه لانه يرجع أكمل ما دفع إليها وان لم يختر تسليم نصفه لم يجبر عليه، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
وقال محمد بن الحسن: يجبر على تسليم نصفه مع زيادته المتصلة.
دليلنا أن هذه زيادة حدثت في ملكها فلم يلزمها تسليمها كما لو كانت الزيادة
متميزة، ويلزمها نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، فان كان على الزوجة ديون فأفلست وحجر عليها فهل للزوج أن يرجع في نصف
الصداق مع زيادته المتصلة به؟ فيه وجهان.
قال أبو إسحاق يرجع بنصف الصداق مع زيادته المتصلة به لانا إنما لا نوجب الرجوع إلى نصف الصداق مع زيادته إذا كانت غير مفلسة لان ذمتها عامرة فيتوصل الزوج إلى استيفاء حقه من القيمة، وإذا كانت مفلسة فذمتها خربة فلا يمكنه الوصول إلى استيفاء حقه بالقيمة فليس له الرجوع إلى نصفه.
وقال أكثر أصحابنا: لا يرجع الزوج إلى نصف الصداق مع زيادته المتصلة، لقوله تعالى (فنصف ما فرضتم) والزائد غير مفروض.
ولم يفرق بين المفلسة وغير المفلسة.
وإن كان الصداق زائدا من وجه ناقصا من وجه، بأن كان عبدا فتعلم صنعة ومرض فإن اتفقا على أن يأخذ الزوج نصفه جاز لان الحق لهما وإن طلب الزوج نصفه فامتنعت الزوجة من ذلك لم يجبر على ذلك لزيادته، وان بذلت المرأة نصفه وامتنع الزوج من أخذه لم يجبر على ذلك لنقصانه ويرجع إلى نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، وان طلقها قبل الدخول والصداق في يدها فان كان الصداق بحاله لم يزد ولم ينقص كان لها النصف، وان كان ناقصا من جميع الوجوه بأن مرض في يده أو عمى، فالزوجة بالخيار بين أن تأخذ نصفه ناقصا ولا شئ لها كالمبيع إذا نقص في يد البائع.
وبين أن يفسخ الصداق لاجل نقصه، فإذا فسخت الصداق لم ينفسخ النكاح وإلام يرجع، فيه قولان كما لو تلف قبل القبض.
قوله الجديد يرجع إلى نصف مهر المثل.
وقوله القديم يرجع إلى بدل نصف الصداق.
وإن كان الصداق زائدا نظرت فان كانت زيادة متميزة كالولد واللبن
والثمرة كان لها نصف أصل الصداق وجميع الزيادة.
وحكى المسعودي أن أبا حنيفة رحمه الله قال للزوج نصف الزيادة المنفصلة الحادثة في يده.
دليلنا أنها زيادة حدثت في ملكها فلم يكن للزوج فيها حق كما لو حدثت في يدها، وان كانت الزيادة غير متميزة كالسمن والصبغة فالمرأة بالخيار بين أن تأخذ نصف الصداق وتدفع إلى الزوج نصفه مع زيادته فيجبر على قبوله، وبين أن تأخذ جميع الصداق وتدفع للزوج نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض،
وإن كان الصداق زائدا من وجه ناقصا من وجه بأن كانت جارية تعلمت صنعة ونسيت أخرى فهى بالخيار بين أن تأخذ نصفه وتسلم إلى الزوج نصفه، فيجبر الزوج على ذلك، لان النقص في يده مضمون عليه، وبين أن تفسخ الصداق لاجل النقص، فإذا فسخت رجعت عليه في قوله الجديد بنصف مهر المثل وفى قوله القديم بنصف بدل الصداق.
(فرع)
كل موضع قلنا يرجع إلى الزوج نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول، فمتى يملك الزوج ذلك النصف، فيه وجهان: قال أبو إسحاق لا يملكه إلا بالطلاق واختيار التملك، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله لان الملك من غير اختيار لا يقع إلا بالارث، وهذا ليس بإرث.
(والثانى)
وبه قال زفر، وهو المنصوص أنه يملك بنفس الطلاق، وإن لم يختر التملك لقوله (وإن طلقتموهن) ولم يفرق بين أن يختار التملك أو لا يختار وما ذكره الاول أن الانسان لا يملك شيئا غير الميراث إلا باختيار التملك غير مسلم، فان الانسان لو أخذ صيدا لينظر إليه لا ليتملكه لملكه بالاخذ من غير اختيار التملك، وان زاد الصداق بعد الطلاق وقبل اختيار التملك، فان قلنا بقول أبى إسحاق كانت الزيادة للزوجة وحدها، وان قلنا بالمنصوص كانت الزيادة
بينهما، وان نقص في يدها بعد الطلاق وقبل الاختيار، فان قلنا بقول أبى إسحق لم يلزمها ضمان النقص.
وان قلنا بالمنصوص لزمها ضمان النقص.
إذا ثبت هذا فان الشافعي رضى الله عنه قال وهذا كله ما لم يقض القاضى بنصفه فتكون هي حينئذ ضامنة لما أصابه في يدها، فقال الصيمري هل يشترط قضاء القاضى في تملك الزوج نصف الصداق.
فيه وجهان ظاهر كلام الشافعي أن ذلك شرط.
والثانى وهو الاصح أن ذلك ليس بشرط، وسائر أصحابنا قالوا لا خلاف في أن قضاء القاضى ليس بشرط لان الرجوع بنصف الصداق ثبت له بنص الكتاب والاجماع، فلم يشترط قضاء القاضى فيه، فعلى هذا اختلف أصحابنا في تأويل كلام الشافعي، فمنهم من قال أراد إذا اختلفا في وقت ملك الزوج بأن قال الزوج ملكته من شهرين ثم نقص بعد ما ملكته فعليك ضمان النقص.
وقالت بل ملكته من شهر ونقص قبل أن أملكه فلا يلزمنى ضمان النقص فانهما
يرافعان إلى القاضى، فإذا قضى له القاضى بملكه من وقت.
كانت ضامنة لما حدث بعد من النقص،.
وقال أبو إسحق وأكثر أصحابنا عطف الشافعي رحمه الله بهذا الكلام عليه إذا طلقها قبل الدخول وقبل النقص في يدها في جميع الوجوه فان الزوج بالخيار بين أن يرجع في نصفه ناقصا ولا أرش له وبين أن يرجع بقيمة نصفه، ومتى يملك نصفه، على قول أبى اسحق يملكه بالطلاق واختيار التملك، وعلى المنصوص يملكه بالطلاق ولا يفتقر إلى قضاء القاضى.
وانما عبر الشافعي رحمه الله عن وقت الملك بقضاء القاضى لانه أوضح ما يعلم به عود نصف الصداق فمتى علم وقت عوده إليه ثم نقص بعد ذلك وجب عليها ضمان النقص لانها قبضت الصداق بعقد المعاوضة، وقد انفسخت المعاوضة فكان عليها ضمان ما نقص في يدها، كما لو اشترى سلعة فوجد بها عيبا ففسخ البيع ثم نقصت في يده فانه يجب
عليه ضمان النقص.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ إذَا طلقها قبل الدخول والصداق في يدها فمنعته إياه كان عليها ضمان ما يحدث فيه من النقص، فمن أصحابنا من قال بظاهر هذا وأنها إذا لم تمنعه لا يلزمها ضمان ما نقص، بل هو أمانة في يدها، لانه حصل في يدها من غير تفريط ومنهم من قال يجب عليها ضمان ما نقص في يدها، سواء منعته أو لم تمنعه وهو الاصح كما قلنا فيمن اشترى عينا فوجد بها عيبا ففسخ البيع ثم نقصت في يده فان عليه ضمان النقص بكل حال وتأولوا كلام الشافعي رضى الله عنه في الام على أنه أراد ضمان الغصب، لان ضمان الغصب يطرأ على ما هو مضمون بالقيمة كالعارية إذا منعها صاحبها.
وقال أبو العباس بل عطف الشافعي رحمه الله بهذا إذا زاد الصداق في يد الزوجة من جميع الوجوه، فقد قلنا ان الزيادة كلها لها، فقال الشافعي رحمه الله ما لم يقض القاضى بنصفه، يعنى ما لم يقض له قاضى مالكى بنصفه مع زيادته، لان مالكا رحمه الله يقول نصف الصداق باق على ملك الزوج إلى أن يدخل بها، فإذا قضى له مالكى بنصفه مع زيادته كان بينها، ولا ينقص حكمه لانه موضع اجتهاد.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا تأويل حسن الا أن الشافعي رحمه الله قال بعده فتكون حينئذ ضامنة لما أصابه في يدها، ولا يمكن حمله على مذهب مالك رحمه الله لانه يقول: هو أمانة في يدها لا يلزمها ضمان النصف ولا زيادته.
(مسألة) إذا أصدقها نخلا لا ثمرة فيه فأثمرت في يدها ثم طلقها قبل الدخول ففيها ست مسائل: 1 إذا أراد الزوج أن يرجع في نصف النخل بنصف ثمرتها فامتنعت
الزوجة من ذلك فإنها لا تجبر على ذلك لان الثمرة ان كانت غير مؤبرة فهى زيادة متصلة بالنخل، وان كانت مؤبرة فهى كالزيادة المنفصلة، وقد تبينا أن الجميع لها.
2 إذا بذلت نصف النخل مع نصف الثمرة فهل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان أحدهما، لا يجبر على قبوله، لان هذه الزيادة ملك لها فلا يجبر على قبولها كما لو وهبت له شيئا فإنه لا يجبر على قبوله.
والثانى وهو المذهب أنه يجبر لانها زيادة متصلة بالصداق فأجبر الزوج على قبولها.
قال الشيخ أبو حامد: الوجهان انما هما في الثمرة المؤبرة، فأما غير المؤبرة فيجبر الزوج على قبولها وجها واحدا، وذكر المصنف أن الوجهين في غير المؤبرة، ولم يذكر المؤبرة، فإذا قلنا: يجبر على القبول فانه يجبر الا أن يطول النخل وتكون قحاما وهو الذى قل سعفه ودق أصله فلا يجبر الزوج على قبولها لما فيها من النقص بذلك.
3 إذا قال لها الزوج: اقطعي الثمرة لارجع في نصف النخل بلا ثمرة فلا تجبر المرأة على ذلك، لان في قطع الثمرة قبل أوان قطعها اضرارا بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم.
ليس لعرق ظالم حق.
وهذه ليست بظالمة.
4 أن تقول المرأة للزوج اصبر عن الرجوع حتى تدرك الثمرة فتجد ثم ترجع في نصف النخل فلا يجبر الزوج على ذلك، لان حقه متعجل، وقد تعجل بالقيمة فلا يجبر على التأخير، ولانه لا يأمن أن يتلف النخل فلا يمكنه الرجوع فيها، فان صبر باختياره إلى أن جدت الثمرة أو قطعت المرأة الثمرة قبل أوان جدادها لم يكن للزوج الا نصف النخل الا أن يحدث بها نقص فلا يجبر على نصفها.
5 أن يقول الزوج: أنا أصبر إلى أن تدرك الثمرة فتجد ثم أرجع في نصف
النخل، فإن المرأة لا تجبر على ذلك بعد أن رجع إليه نصفها فيكون في ضمانها فيلزمها الضرر بدخوله في ضمانها، ولان النخل تزيد فإذا رجع في نصفها بعد ذلك رجع في نصفها ونصف زيادتها المتصلة، ولان النخل تزيد فإذا رجع في نصفها بعد ذلك رجع في نصفها وفى نصف زيادتها المتصلة الحادثة في يدها، ولان حقه قد تعلق بالقيمة فلا ينتقل إلى النخل إلا برضا المرأة.
6 إذا قال الزوج: أنا أرجع في نصف النخل في الحال مشاعا وأترك الثمرة لها إلى أن تجد ففيه وجهان.
قال أبو إسحاق: له ذلك وتجبر المرأة على ذلك لانه لا ضرر على المرأة بذلك، ومن أصحابنا من قال: لا تجبر المرأة على ذلك لان حقه قد صار بالقيمة فلا يجبر على تسليم نصف النخل.
(فرع)
إذا أصدقها أرضا فحرثتها ثم طلقها قبل الدخول، فإن بذلت له نصفها أجبر على قبولها، لان الحرث زيادة من نقصان، وان امتنعت من بذلها نصفها لم تجبر على ذلك وكان له نصف قيمتها لانها قد زادت في يدها وإن زرعت أو غرستها وطلقها قبل الدخول والزرع والغرس فيها، فإن بذلت له نصف الارض ونصف الزرع ونصف الغرس، وكانت قيمة الارض قبل الزرع والغرس كقيمتها بعد الزرع والغرس.
قال الشيخ أبو حامد: أجبر على قبول ذلك على المذهب كما قلنا في النخل والثمرة وفى الارض المحروثة.
وقال ابن الصباغ: لا يجبر لان الثمرة لا ينقص بها النخل، والزرع تنقص به الارض وتضعف، ولان الثمرة متولدة من النخل فهى تابعة لها والزرع والغرس ملك لها أودعته في الارض فلا يجبر على قبوله، وإن نقصت قيمة الارض بالزرع والغرس لم يجبر على قبول نصفها، فان طلقها وقد استحصد الزرع ولم يحصده بعد فقالت: أنا أحصده وأسلم نصف الارض فارغة أجبر على قبول ذلك
إلا أن يحدث بالارض نقص، وإن حصدت الزرع ثم طلقها أو طلقها ثم حصدت
الزرع كان له الرجوع في نصف الارض إلا أن تكون قد نقصت بالزرع فلا يجبر على قبولها لان المانع من الرجوع الزرع وقد زال.
(مسألة) إذا أصدقها خشبة فصنعتها أبوابا فزادت قيمتها بذلك ثم طلقها قبل الدخول لم تجبر المرأة على تسليم نصفها لزيادة قيمتها بذلك، وإن بذلت له نصفها بزيادته لم يجبر الزوج على قبوله لانها كانت تصلح وهى خشب لما لا تصلح له الآن، وإن أصدقها فضة أو ذهبا فصاغتها آنية فزادت قيمتها بذلك ثم طلقها قبل الدخول لم تجبر المرأة على تسليم نصفها لزيادته، فان بذلت النصف بزيادته أجبر على القبول لانه يصلح وهو مصوغ لجميع ما كان يصلح له قبل ذلك، هكذا ذكر الطبري في العدة، وعندي إذا قلنا: لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة أن المرأة تجبر على تسليم نصفها، وإن كانت قيمتها زائدة لان صنعتها لا قيمة لها.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
وإن كان الصداق عينا فوهبته من الزوج ثم طلقها قبل الدخول ففيه قولان
(أحدهما)
لا يرجع عليها، وهو اختيار المزني، لان النصف تعجل له بالهبة
(والثانى)
يرجع وهو الصحيح، لانه عاد إليه بغير الطلاق فلم يسقط حقه من النصف بالطلاق، كما لو وهبته لاجنبي ثم وهبه الأجنبي منه، وان كان دينا فأبرأته منه ثم طلقها قبل الدخول فان قلنا: انه لا يرجع في الهبة لم يرجع في الابراء، وان قلنا يرجع في الهبة ففى الابراء وجهان.
(أحدهما) يرجع كما يرجع في الهبة.
(والثانى) لا يرجع لان الابراء اسقاط لا يفتقر إلى القبول، والهبة تمليك تفتقر إلى القبول، فان أصدقها عينا فوهبتها منه ثم ارتدت قبل الدخول فهل يرجع بالجميع؟ فيه قولان، لان الرجوع بالجميع في الردة كالرجوع بالنصف في الطلاق، وان اشترى سلعة بثمن وسلم الثمن ووهب البائع الثمن منه ثم وجد بالسلعة عيبا ففى ردها والرجوع بالثمن وجهان، بناء على القولين، فان وجد به عيبا وحدث به عنده عيب آخر فهل يرجع بالارش؟ فيه وجهان بناء على القولين
وان اشترى سلعة ووهبها من البائع ثم أفلس المشترى، فللبائع أن يضرب مع الغرماء بالثمن قولا واحدا لان حقه في الثمن، ولم يرجع إليه الثمن.
(الشرح) الاحكام: قال الشافعي رضى الله عنه: ولو وهبت له صداقها قبل أو بعده ثم طلقها قبل أن يمسها ففيه قولان.
وجملة ذلك أنه إذا اصدقها عينا ثم وهبتها من الزوج وأقبضته إياها ثم طلقها قبل الدخول ففيه قولان.
أحدهما: لا يرجع عليها بشئ لانه قد تعجل له ما كان يستحقه بالطلاق قبل محله فلا يستحقه عند محله كما لو تعجل دينه المؤجل قبل محله ثم جاء وقت محله والثانى: يرجع عليها بنصف مثله إن كان له مثل أو بنصف قيمته إن لم يكن له مثل وهو الاصح، لانه عاد إليه بعقد، فلا يمنع ذلك رجوعه ببدل نصفه كما لو اشتراه منها أو وهبته لاجنبي ثم وهبه الأجنبي منه.
قال المحامل وابن الصباغ: وسواء قبضت الصداق أو لم تقبضه،، وان كان الصداق دينا فإن عينه الزوج في شئ وأقبضه اياها ثم وهبته منه فهى كالاولة، وان أبرأته منه ثم طلقها قبل الدخول فان قلنا: لا يرجع عليها إذا كان عينا فوهبتها منه فههنا أولى أن لا يرجع عليها، وان قلنا: يرجع عليها في العين فهل يرجع عليها في الدين؟ فيه قولان، ومنهم من يقول: هما وجهان.
(أحدهما) يرجع عليها بنصفه لانها قد ملكت الصداق بالعقد فهو كالعين.
(والثانى)
لا يرجع عليها بشئء، وهو الصحيح، والفرق بينهما أن الصداق
إذا كان عينا فقد ضمنته بالقبض، وفى الدين لم تضمنه بالقبض فلم يرجع عليها بشئ، ألا ترى أن الصداق لو نقص في يده ثم طلقها قبل الدخول فان قلنا: يرجع عليها إذا وهبت جميع الصداق رجع عليها ههنا بالنصف أيضا، وان قلنا لا يرجع عليها في العين ففى الدين قولان، والفرق بينهما أن هناك عاد إليه بعقد جديد بخلاف هذا، وان قبضت نصف الصداق ثم وهبته النصف الباقي ثم طلقها قبل الدخول فان قلنا: يرجع عليها إذا وهبت جميع الصداق رجع عليها ههنا بالنصف أيضا، وان قلنا هناك: لا يرجع عليها بشئء فههنا قولان.
قال في الام: لا يرجع عليها بشئ لانه انما يرجع عليها، وقد تعجل له ذلك
النصف فلم يرجع عليها بشئ.
وقال في الاملاء: يرجع عليها لانها لو وهبته جميعه لم يرجع عليها بشئ فإذا وهبته نصفه كان ذلك في حقها وحقه، لان حقهما شائع في الجميع، فإذا قلنا بهذا ففى كيفية رجوعه ثلاثة أقوال.
(أحدها) يرجع عليها بالنصف الباقي لانه يستحق عليها النصف وقد وجده
(والثانى)
يرجع عليها بنصف النصف الباقي وقيمته نصف الموهوب، لان حقهما شائع في الجميع فصار الموهوب كالتالف.
(والثالث) أنه بالخيار بين أن يرجع بالنصف الباقي وبين أن يرجع بنصف النصف الباقي ونصف قيمة الموهوب لانه تبعض عليه حقه.
(فرع)
وإن وهبته إمرأته الصداق أو أبرأته منه ثم ارتدت قبل الدخول فحكم الرجوع عليها بجميع الصداق كالحكم في رجوعه عليها بالنصف عند الطلاق لانه يستحق عليها الرجوع بالجميع عند ردتها كما يستحق عليها الرجوع بالنصف عند الطلاق.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
إذا طلقت المرأة قبل الدخول ووجب لها نصف المهر جاز للذى بيده عقدة النكاح أن يعفو عن النصف، لقوله عز وجل (وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) وفيمن بيده عقدة النكاح قولان.
قال في القديم: هو الولى فيعفو عن النصف الذى لها، لان الله تعالى خاطب الازواج فقال سبحانه وتعالى (وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم الا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح) ولو كان هو الزوج لقال الا أن يعفون أو تعفوا لانه تقدم ذكر الازواج وخاطبهم بخطاب الحاضر، فلما عدل عن خطابهم دل على أن الذى بيده عقدة النكاح غير الزوج، فوجب أن يكون هو الولى، وقال في الجديد: هو الزوج فيعفو عن النصف الذى وجب له بالطلاق، فأما الولى فلا يملك العفو لانه حق لها فلا يملك الولى العفو عنه كسائر ديونها،