كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لا يعرف لهم من الصحابة مخالف.
وأخرجه ابن أبى شيبة عن جماهير التابعين عطاء والشعبى والحسن وغيرهم.
ويؤخذ من هذا الفصل الرد على القائلين بإباحة التزويج بأكثر من أربع لان الاحاديث التى سقناها تنتهض إلى درجة الحسن الذى ينتهض حجة للعمل به، ويجاب على استدلالهم بزواج النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا مخصوص به، ويجاب عن الآية بأنه من المستساغ لغة أن تقول عن الف جاءوك: جاءني هؤلاء مثنى مثنى أو ثلاث، أو رباع إذا كان مجيئهم اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثه أو أربعة أربعة، ويؤيد ذلك كون الاصل في الفروج الحرمة، كما صرح به الخطابى، فلا يجوز الاقدام على شئ منه إلا بدليل.
وايضا هذا الخلاف مسبوق بالاجماع على عدم جواز الزيادة على الاربع كما صرح بذلك في البحر.
وقال في الفتح: اتفق العلماء على أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته من رجل على أن يزوجه ذلك ابنته أو أخته، ويكون بضع كل واحدة منهما صداقا للاخرى، لما روى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته من الرجل على أن يزوجه الآخر
ابنته وليس بينهما صداق) ولانه اشرك في البضع بينه وبين غيره فبطل العقد، كما لو زوج ابنته من رجلين.
فأما إذا قال زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك صح النكاحان، لانه لم يحصل التشريك في البضع، وإنما حصل الفساد في الصداق، وهو أنه جعل الصداق أن يزوجه ابنته فبطل الصداق وصح النكاح.
وإن قال زوجتك ابنتى بمائة على أن تزوجني ابنتك بمائة صح النكاحان ووجب مهر المثل، لان الفساد في الصداق وهو شرطه مع المائة تزويج ابنته، فأشبه المسألة قبلها.
وإن قال زوجتك ابنتى
بمائة على أن تزوجني ابنتك بمائة ويكون بضع كل واحدة منهما صداقا للاخرى ففيه وجهان
(أحدهما)
يصح لان الشغار هو الخالى من الصداق، وههنا لم يخل من الصداق
(والثانى)
لا يصح وهو المذهب، لان المبطل هو التشريك في البضع، وقد اشترك في البضع.
(الشرح) حديث ابن عمر رواه عنه نافع وأخرجه الشيخان وأصحاب السنن الاربعة وأحمد في مسنده والدارقطني، ولم يذكر الترمذي ما ورد من تفسير الشغار.
وأبو داود جعله من كلام نافع، وهو كذلك في رواية عند أحمد والشيخين وروى عن ابن عمر أيضا عند مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا شغار في الاسلام) وعند أحمد ومسلم أيضا عن أبى هريرة (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الشغار، والشغار ان يقول الرجل للرجل زوجنى ابنتك وأزوجك ابنتى أو زوجنى أختك وأزوجك أختى) وأخرج أحمد وأبو داود عن عبد الرحمن بن هرمز الاعرج (أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته.
وقد كانا جعلاه صداقا، فكتب معاوية بن ابى سفيان إلى مروان بن الحكم يأمره
بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذى نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه) وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الاسلام، ومن انتهب فليس منا) وروى مثل ذلك عن جابر عند مسلم.
وأخرج البيهقى عن جابر أيضا (نهى عن الشعار، والشغار أن تنكح هذه بهذه بغير صداق بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه) وأخرج عبد الرزاق عن أنس مرفوعا (لا شغار في الاسلام، والشغار أن يزوج الرجل الرجل أخته بأخته) وأخرج أبو الشيخ من حديث ريحانه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن المشاغرة أن يقول: زوج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهر) وأخرج الطبراني عن أبى بن كعب مرفوعا (لا شغار، قالوا يا رسول الله وما الشغار.
قال إنكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما)
وقال الشافعي في حديث ابن عمر (لا أدرى التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك.
هكذا حكى عن الشافعي البيهقى في المعرفة.
قال الخطيب: تفسير الشغار لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما هو من قول مالك.
وهكذا قال غير الخطيب، قال القرطبى: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان مرفوعا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لانه أعلم بالمقال وأقعد بالحال.
أما لغات الفصل فالشغار مادته من شغر البلد من باب قعد إذا خلا عن حافظ يمنعه، وشغر الكلب شغرا من باب نفع رفع إحدى رجليه ليبول، وشغرت رفعت رجلها للنكاح، وشغرتها فعلت بها ذلك يتعدى ويلزم وقد يتعدى بالهمز
فيقال أشغرتها.
وقال في المصباح: وشاغر الرجل الرجل شغارا من باب قتل زوج كل واحد صاحبه حريمته على أن بضع كل واحدة صداق الاخرى ولا مهر سوى ذلك وكان سائغا في الجاهلية.
قيل مأخوذ من شغر البلد، وقيل مأخوذ من شغر برجله إذا رفعها، والشغار وزان سلام: الفارغ اه.
قال ابن بطال: قال في الفائق: هو من قولهم شغرت بنى فلان من الباب إذا أخرجتهم قال: ونحن شغرنا ابني نزار كليهما
- وكلبا بطعن مرهب متقاتل ومنه قولهم: تفرقوا شغر بغر، لانهما إذا تبدلا بأختيهما فقد أخرج كل واحد منهما أخته إلى صاحبه وفارق بها إليه.
وقيل سمى شغارا لخلوه عن المهر من قولهم: شغر البلد إذا خلا عن أهله.
وقال في الشامل: وقيل سمى شغارا لقبحه تشبيها برفع الكلب رجله ليبول.
الاحكام: قال العمرانى في البيان: ولا يصح الشغار، وهو أن يقول رجل لآخر: زوجتك ابنتى أو أختى أو امرأة يلى عليها، على أن تزوجني ابنتك أو أمك فيكون بضع كل واحدة منهما صداقا للاخرى، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وقال الزهري والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يصح: ويجب مهر المثل اه دليلنا ما سقناه من الاحاديث والاخبار المستفيضة، ولانه حصل في البضع تشريك فلم يصح العقد مع ذلك، كما لو زوج ابنته من رجلين.
وبيان التشريك
أنه جعل البضع ملكا للزوج وابنته، لانه إذا قال زوجتك ابنتى فقد ملك الزوج بضعها، فإذا قال: على أن تزوجني ابنتك، فيكون بضع كل واحدة منهما مهرا للاخرى فقد شرك ابنة الزوج في ملك بضع هذه الزوجة، لان الشئ إذا جعل صداقا اقتضى تمليكه لمن جعل صداقا لها، فصار التشريك حاصلا في البضعين فلم
يصح.
إذا ثبت هذا فإنه إن قال زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك واقتصر على هذا فالنكاح صحيح لانه لم يحصل في البضع تشريك، وإنما حصل الفساد في الصداق، وهو أنه جعل مهر ابنته أن يزوجه الآخر ابنته ففسد المهر المسمى ووجب مهر المثل.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي: هل يصح النكاح؟ فيه وجهان
(أحدهما)
يصح لما ذكرناه
(والثانى)
لا يصح لانهما لم يسميا صداقا صحيحا، ولكن جعل عقد نكاح كل واحدة منهما صداقا للاخرى، لانه أخرج ذلك مخرج الصداق، والاول هو المشهور.
وان قال: زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك ويكون مهر كل واحدة منهما كذا وكذا، فيصح النكاحان ويبطل المهران المسميان، ويجب لهما مهر المثل سواء اتفق المهران أو اختلفا، لانه لم يحصل في البضعين تشريك، وانما حصلل الفساد في المهر لانه شرط مع المهر تزويج ابنته فهو كما لو قال: زوجتك ابنتى بمائة على أن تبيعني دارك، فإن النكاح صحيح والمهر باطل.
وان قال زوجتك ابنتى على أن تطلق زوجتك ويكون ذلك صداقا لابنتي صح النكاح ولا يلزمه أن يطلق زوجته ويجب للزوجة مهر المثل، لانه لم يسم لها صداقا صحيحا وان قال زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع ابنتك صداقا لابنتي صح النكاح الاول ولم يصح النكاح الثاني، لانه ملكه بضع ابنته في الابتداء من غير تشريك وشرط عليه شرطا فاسدا وهو التزويج فلم يؤثر في عقد الاولى.
والثانية هي التى حصل التشريك في بضعها.
وان قال زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع ابنتى مهرا لابنتك فالعقد على إبنة المخاطب باطل، لان التشريك حصل في بضعها، والعقد على إبنة القائل صحيح لانه لم يحصل في بضعها تشريك
وإن قال: زوجتك ابنتى على أن تزوجني ابنتك ويكون بضع كل واحدة مائة درهم صداقا للاخرى ففيه وجهان
(أحدهما)
أن النكاحين صحيحان، ويجب لها مهر المثل، لان الشغار هو الخالى عن المهر، وههنا يخل عن المهر
(والثانى)
وهو الصحيح، أن النكاحين باطلان، لان التشريك في البضع موجود مع تسمية المهر والمفسد هو التشريك.
وإن قال زوجتك ابنتى وهذا الحائط فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان حكاهما صاحب العدة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز نكاح المتعة وهو أن يقول: زوجتك ابنتى يوما أو شهرا لما روى محمد بن على رضى الله عنهما (أنه سمع أباه على بن أبى طالب كرم الله وجهه وقد لقى ابن عباس وبلغه أنه يرخص في متعة النساء، فقال له على كرم الله وجهه: إنك امرؤ تائه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر الانسية) ولانه عقد يجوز مطلقا فلم يصح مؤقتا كالبيع ولانه نكاح لا يتعلق به الطلاق والظهار والارث وعدة الوفاة فكان باطلا كسائر الانكحة الباطلة.
(فصل)
ولا يجوز نكاح المحلل وهو أن ينكحها على أنه إذا وطئها فلا نكاح بينهما وأن يتزوجها على أن يحللها للزوج الاول لما روى هزيل عن عبد الله قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم الواصلة والموصولة.
والواشمة والموشومة والمحلل والمحلل له، وآكل الربا ومطعمه) ولانه نكاح شرط انقطاعه دون غايته، فشابه نكاح المتعة.
وإن تزوجها على أنه إذا وطئها طلقها ففيه قولان
(أحدهما)
أنه باطل لما ذكرناه من العلة
(والثانى)
أنه يصح لان النكاح مطلق، وإنما شرط قطعه بالطلاق
فبطل الشرط وصح العقد، فإن تزوجها واعتقد أنه يطلقها إذا وطئها كره ذلك، لما روى أبو مرزوق التجينى (أن رجلا أتى عثمان رضى الله عنه فقال: إن جارى طلق امرأته في غضبه ولقى شدة فأردت أن أحتسب نفسي ومالى فأتزوجها ثم أبنى بها ثم أطلقها فترجع إلى زوجها الاول، فقال له عثمان رضى الله عنه: لا تنكحها إلا بنكاح رغبة) فإن تزوج على هذه النية صح النكاح لان العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد، ولهذا لو اشترى عبدا بشرط أن لا يبيعه بطل، ولو اشتراه بنية أن لا يبيعه لم يبطل.
(فصل)
وإن تزوج بشرط الخيار بطل العقد لانه عقد يبطله التوقيت فبطل بالخيار الباطل كالبيع، وان شرط أن لا يتسرى عليها أو لا ينقلها من بلدها بطل الشرط لانه يخالف مقتضى العقد ولا يبطل العقد لانه لا يمنع مقصود العقد وهو الاستمتاع، فإن شرط أن لا يطأها ليلا بطل الشرط لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حلالا) فإن كان الشرط من جهة المرأة بطل العقد، وان كان من جهة الزوج لم يبطل، لان الزوج يملك الوطئ ليلا ونهارا وله أن يترك، فإذا شرط أن لا يطأها فقد شرط ترك ماله تركه والمرأة يستحق عليها الوطئ ليلا ونهارا، فإذا شرطت أن لا يطأها فقد شرطت منع الزوج من حقه، وذلك ينافى مقصود العقد فبطل.
(الشرح) حديث على كرم الله وجهه رواه عنه ولده محمد بن الحنفية وأخرجه أحمد والبخاري ومسلم بلفظ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية زمن خيبر) وفى رواية (ونهى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الحمر الانسيه) وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم عَنْ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كُنَّا
نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ معنا نساء، فقلنا ألا نختصى؟ فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) الآيه.
وعن أبى جمرة سألت ابن عباس عن متعة النساء فرخص فقال له مولى له: انما ذلك في الحال الشديد وفى النساء قلة، فقال نعم) وعن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: انما كانت المتعة في أول الاسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفه، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم
فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) قال ابن عباس: فكل فرج سواهما حرام) رواه الترمذي.
وفى إسناده موسى بن عبيد الربذى، وهو ضعيف، وقد روى الرجوع عن ابن عباس جماعة منهم ابن خلف القاضى المعروف بوكيع في كتابه الغرر بسنده المتصل بسعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ما تقول في المتعة، فقد أكثر فيها حتى قال فيها الشاعر.
قال: وما قال: قال: قال: قلت للشيخ لما طال محبسه
- يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس وهل ترى رخصة الاطراف آنسة
- تكون مثواك حتى مصدر الناس قال: وقد قال فيه الشاعر، قلت نعم، قال فكرهما أو نهى عنها.
ورواه الخطابى عن سعيد قال: قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيها الشعراء، وذكر البيتين فقال سبحان الله، والله ما بهذا أفتيت وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا لمضطر وروى الرجوع أيضا البيهقى وأبو عوانة في صحيحه.
وقال ابن حجر بعد أن ذكر رجوع ابن عباس.
وذكر حديث سهل بن سعد عند الترمذي بلفظ (إنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم في المتعة لغربة كانت بالناس شديدة ثم نهى عنها بعد ذلك) أما حديث هذيل عن عبد الله فقد أخرجه النسائي، أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن أبى قبس عن هزيل عن عبد الله بلفظ المصنف، وعبد الله هو ابن مسعود وفى إسناده أبو قيس وهو عبد الرحمن ثروان الاودى روى عن هذيل بن شرحبيل وغيره.
قال عبد الله بن أحمد سألت أبى عنه فقال هو كذا وكذا وحرك يده وهو يخالف في أحاديث قال الحافظ الذهبي: خرج له البخاري حديثه عن هذيل قال: أخبر بن مسعود بقول أبى موسى في ميراث ابنة وابنة ابن وأخت.
وصحح الترمذي حديثه عن هذيل عن عبد الله في لعن المحلل.
وخرج له البخاري بالاسناد: إن أهل الجاهلية كانوا يسيبون.
الحديث.
وأخرجه الترمذي بلفظ (لعن الله المحلل والمحلل له) ولم يذكر بقية الحديث من الواصلة إلى غير ما ذكرنا.
وقال الترمذي بعد ذكر الحديث: هذا حديث حسن صحيح وأبو قيس الاودى
اسمه عبد الرحمن بن ثروان، وقد روى هذا الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير وجه، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد واسحاق.
قال وسمعت الجارود بن معاذ يذكر عن وكيع أنه قال بهذا.
وقال ينبغى أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأى.
قال جارود: قال وكيع: وقال سفيان: إذا تزوج الرجل المرأة ليحللها ثم بدا له أن يمسكها فلا يحل له أن يمسكها حتى يتزوجها بنكاح جديد.
اه وقد أخرج الحديث أحمد في مسنده وأخرجه ابن ماجه والدارقطني كلها من
طريق ابن مسعود، وقد صححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري وله طريق أخرى أخرجها عبد الرزاق.
وروى عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ألا أخبركم بالتيس المستعار.
قالوا بلى يا رسول الله، قال هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له) أخرجه ابن ماجه والحاكم وأعله أبو زرعة وأبو حاتم بالارسال.
وحكى الترمذي عن البخاري أنه استنكره.
وقال أبو حاتم: ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره انكارا شديدا، وسياق اسناده في سنن ابن ماجه هكذا، حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصرى حدثنا أبى سمعت الليث بن سعد يقول.
قال لى مشرح بن عاهان قال عقبه بن عامر فذكره، ويحيى بن عثمان ضعيف وشرح قد وثقه ابن معين.
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس مثله، وفى اسناده زمعة بن صالح وهو ضعيف.
وعن أبى هريرة عند أحمد واسحاق والبيهقي والبزار وابن أبى حاتم في العلل والترمذي في العلل، وحسنه البخاري، والاحاديث المذكورة تدل على تحريم التحليل، لان اللعن انما يكون على ذنب عظيم.
قال الحافظ بن حجر استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها وبانت منه أو شرط أنه يطلقها أو نحو ذلك وحملوا الحديث على ذلك، ولا شك أن اطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها، لكن روى الحاكم
والطبراني في الاوسط عن عمر أنه جاء إليه رجل فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها أخ له عن غير مؤامرة ليحلها لاخيه، هل تحل للاول.
قال لا إلا بنكاح رغبة.
كنا نعد هذا سفاحا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: وقال ابن حزم: ليس الحديث على عمومه في كل محلل إذ لو كان كذلك لدخل فيه كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض المحللين، وهو من أحل
حراما لغيره بلا حجة، فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك، لانهم لم يختلفوا في أن للزوج إذا لم ينو تحليلها للاول ونوت هي أنه لا يدخل في اللعن فدل على أن المعتبر الشرط اه أما اللغات فقوله: المتعة ومادته من المتاع وهو كل ما ينتفع به، وأصل المتاع ما يتبلغ به من الزاد، وهو اسم من متعته إذا أعطيته ذلك، ومتعة المطلقة ستأتي ومتعة الحج مضت ونكاح المتعة هو النكاح المؤقت في العقد.
قال في العياب كان الرجل يشارط المرأة شرطا على شئ إلى أجل معلوم ويعطيها ذلك فيستحل بذلك فرجها ثم يخلى سبيلها من غير تزويج ولا طلاق، وقيل في قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) المراد نكاح المتعة، والآية محكمة والجمهور على تحريم نكاح المتعة.
وقالوا معنى قوله (فما استمتعتم) فما نكحتم على الشريطة التى في قوله تعالى (أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) أي عاقدين النكاح، واستمتعت بكذا وتمتعت به انتفعت.
وقوله (الحمر الانسية) كل حيوان إنسى ما كان أيسر، والوحشي من كل دابة الجانب الايمن.
قال الشاعر.
فمالت على شق وحشيها
- وقد ريع جانبها الايسر قال الازهرى، قال أئمة اللغة، الوحشى من جميع الحيوان غير الانسان الجانب الايمن، وهو الذى لا يركب منه الراكب ولا يحلب منه الحالب، والانسى الجانب الايسر وقد مضى له مزيد.
وقوله (انك امرؤ تائه) من التيه بكسر التاء المفازة، والتيهاء بالفتح والمد مثله.
وهى التى لا علامة فيها يهتدى بها وتاه الانسان في المفازة يتيه تيها ضل عن الطريق، وتاه يتوه توها لغة، وقد تيهته وتوهته.
ومنه يستعار لمن رام أمرا فلم يصادف الصواب، فيقال انه تائه.
وقوله (الواصلة) وصلت المرأة شعرها بشعر غيره وصلا فهى واصلة، (واستوصلت) سألت أن يفعل بها ذلك، واسم الفاعل هنا مقرونا باسم المفعول (الواصلة والموصولة) معناه التى تصل الشعر لغيرها، والموصولة اتى يفعل بها ذلك (والواشمة والموشومة) وشمت المرأة يدها من باب وعد غرزتها بإبرة ثم ذرت عليها النؤر، وهو النيلج وتسميه العامة بمصر النيلة، وهو دخان الشحم، حتى يخضر.
أما الاحكام فلا يصح عندنا نكاح المتعة، وهو أن يتزوج لمدة معلومة أو مجهولة بأن يقول زوجنى ابنتك شهرا أو أيام الموسم، وبه قال جميع الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين والفقهاء إلا ابن جريج فإنه قال يصح، وقد ورد ابن جريج خطأ في نيل الاوطار بابن جرير والصواب ما ذكرنا.
وقال ابن المنذر جاء عن الاوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحدا يجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى يخالف كتاب الله وسنة رسوله.
(قلت) ودليل المجيزين ما ثيت من اباحته صلى الله عليه وسلم لها في مواطن متعددة، منها في عمرة القضاء، كما أخرجه عبد الرزاق عن الحسن البصري وابن حبان عن سبرة، ومنها في خيبر كما في حديث ابن مسعود، ومنها عام الفتح كما في حديث سبرة أيضا.
ومنها يوم حنين رواه النسائي من حديث على.
قال في الفتح ولعله تصحيف عن خيبر، وذكره الدارقطني بلفظ حنين، ووقع في حديث سلمة في عام أوطاس.
قال السبيلى: وهو موافق لرواية من روى عام الفتح، فإنهما كانا في عام واحد، ومنها في تبوك رواه الحازمى والبيهقي عن جابر ولكنه لم يبحها لهم النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند الثنيه مما يلى الشام جاءتنا نسوة تمتعنا بهن يطفنا برجالنا، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنهن فأخبرناه، فغضب وقام فينا خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه
ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ ولم نعد، ولا نعود فيها أبدا، فلهذا سميت ثنية الوداع، قال الذهبي وهذا اسناد ضعيف، لكن عند ابن حبان من حديث أبى هريرة ما يشهد له.
قال ابن حجر.
انه لا يصح من روايات الاذن بالمتعة شئ بغير علة الا في
غزوة الفتح لان الاذن في عمرة القضاء من مراسيل الحسن وكل مراسيله ضعيفة وعلى تقدير ثبوته فلعله أراد أيام خيبر، لان القضاء وخيبر كانا في سنة واحدة، كالفتح وأوطاس، ويبعد كل البعد أن يقع في غزوة أوطاس بعد أن يقع التصريح في أيام الفتح قبلها فإنها حرمت إلى يوم القيامة (مسألة) وأما نكاح المحلل فإن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا فإنها لا تحل له إلا بعد زوج وإصابة، فإذا طلق امرأته وانقضت عدتها منه ثم تزوجت بآخر بعده ففيها ثلاث مسائل إحداهن أن يقول: زوجتك ابنتى إلى أن تطأها أو إلى أن تحللها للاول، فإذا أحللتها فلا نكاح بينكما، وهذا باطل بلا خلاف للاحاديث في لعن المحلل والمحلل له ووصفه بالتيس المستعار، ولان هذا أفسد من نكاح المتعة لانه يعقده إلى مدة مجهولة.
الثانية أن يقول: زوجتك ابنتى على أنك ان وطئتها طلقتها.
أو قال تزوجتك على أنى إذا أحللتك للاول طلقتك، وكان هذا الشرط بنفس العقد ففيه قولان.
(أحدهما)
أن النكاح باطل لقوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله المحلل والمحلل له) ولم يفرق
(والثانى)
أن النكاح صحيح، والشرط باطل لان العقد وقع مطلقا من غير توقيت، وأنه شرط على نفسه الطلاق ولم يؤثر في النكاح، وانما بطل المهر، كما لو شرط أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى عليها.
(الثالثة) ان شرط عليه قبل النكاح أنه إذا أحللها للاول طلقها أو تزوجها أو نوى بنفسه ذلك فعقد النكاح عقدا مطلقا فيكره له ذلك، فإن عقد كان العقد صحيحا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وقال مالك والثوري والليث وأحمد والحسن والنخعي وقتادة رضى الله عنهم لا يصح.
دليلنا ما روى الشافعي رضى الله عنه أن امرأة طلقها زوجها ثلاثا وكان مسكين أعرابي يقعد بباب المسجد، فجاءته امرأة فقالت: هل لك في امرأة تنكحها وتبيت معها ليلة فإذا أصبحت فارقتها؟ فقال نعم، قال فكان ذلك، فلما تزوجها قالت له المرأة انك إذا أصبحت فسيقولون لك طلقها فلا تفعل، فإنى لك كما ترى
واذهب إلى عمر رضى الله عنه، فلما أصبح أتوه وأتوها فقالت لهم: أنتم جئتم به فسألوه أن يطلقها فأبى، وذهب إلى عمر رضى الله عنه فأخبره، فقال له: الزم زوجتك، وإن رابوك بريب فأتني، وبعث إلى المرأة الواسطة فنكل بها.
وكان يغدو بعد ذلك ويروح على عمر رضى الله عنه في حلة، فقال له عمر رضى الله عنه الحمد لله يا ذا الرقعتين الذى رزقك حلة تغدو بها وتروح ولم ينكر أحد على عمر، فدل على أنه إجماع.
وقال أحمد: حديث ذى الرقعتين ليس له إسناد، يعنى أن ابن سيرين لم يذكر إسناده إلى عمر (قلت) ولعل ذا الرقعتين لم يقصد التحليل ولا نواه، وقد وافق ذلك ما انتوته زوجته.
(فرع)
عقد المصنف هذا الفصل وسيأتى في باب الخيار في النكاح والرد بالعيب مزيد، وجملة ما ههنا أنه ان تزوج امرأة بشرط الخيار بطل العقد لانه لا مدخل للخيار فيه فأبطله، فإن شرط في العقد أنه لا يطؤها ليلا بطل الشرط لقوله صلى الله عليه وسلم (والمؤمنون عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ
حرم حلالا) رواه أبو داود والحاكم عن أبى هريرة والحاكم عن أنس والطبراني عن عائشة ورافع بن خديج وقد مضى في البيوع، فإن كان هذا الشرط من قبل الزوج لم يبطل العقد، لان ذلك حق له، وإن كان الشرط من جهة المرأة بطل العقد لان ذلك حق عليها وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
ويجوز التعريض بخطبة المعتدة عن الوفاة والطلاق الثلاث لقوله تعالى (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خطبة النساء) ولما روت فاطمة بنت قيس (أن أبا حفص بن عمرو طلقها ثلاثا، فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبقيني بنفسك فزوجها بأسامة رضى الله عنه) ويحرم التصريح بالخطبة، لانه لما أباح التعريض دل على أن التصريح محرم ولان التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح
فتخبر بانقضاء العدة والتعريض يحتمل غير النكاح فلا يدعوها إلى الاخبار بانقضاء العدة، وان خالعها زوجها فاعتدت لم يحرم على الزوج التصريح بخطبتها، لانه يجوز له نكاحها فهو معها كالأجنبي مع الاجنبية في غير العدة، ويحرم على غيره التصريح بخطبتها لانها محرمة عليه، وهل يحرم التعريض، فيه قولان (أحدهما) يحرم لان الزوج يملك أن يستبيحها في العدة، فلم يجز لغيره التعريض بخطبتها كالرجعية.
(والثانى)
لا يحرم لانها معتدة بائن، فلم يحرم التعريض بخطبتها كالمطلقة ثلاثا، والمتوفى عنها زوجها، والمرأة في الجواب كالرجل في الخطبة فيما يحل وفيما يحرم، لان الخطبة للعقد فلا يجوز أن يختلفا في تحليله وتحريمه، والتصريح أن يقول إذا انقضت عدتك تزوجتك أو ما أشبهه، والتعريض أن يقول رب
راغب فيك.
وقال الازهرى أنت جميله وأنت مرغوب فيك، وقال مجاهد مات رجل وكانت امرأته تتبع الجنازة، فقال لها رجل لا تسبقينا بنفسك، فقالت قد سبقك غيرك، ويكره التعريض بالجماع لقوله تعالى (ولكن لا تواعدوهن سرا) وفسر الشافعي رحمه الله السر بالجماع، فسماه سرا لانه يفعل سرا، وأنشد فيه قول امرئ القيس.
ألا زعمت بسباسة اليوم أننى
- كبرت وأن لا يحسن السر أمثالى ولان ذكر الجماع دناءة وسخف (الشرح) حديث زواج فاطمة بنت قيس بأسامة مضى في الفصول الاولى من النكاح، وقد رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الخمسة وبيت امرؤ القيس من قصيدة مطلعها ألا عم صباحا أيها الطلل البالى
- وهل يعمن من كان في العصر الخالى حتى قال: ألا زعمت بسباسة اليوم اننى
- كبرت وأن لا يحسن السر أمثالى كذبت لقد أصبى على المرء عرسه
- وأمنع عرسي أن يزن به الخالى وفى بعض الروايات وأن لا يحسن اللهو أمثالى، وهى في الدواوين المطبوعة هكذا، إلا أن رواية الشافعي أضبط وهو الاديب الشاعر الذواقة القريب عهده
بامرئ القيس.
وبسباسة اسم امرأة، وقد فضح امرؤ القيس نفسه بتسجيل اتهام بسباسة له بضعف الباه، وقد حدث أن طلق أم جندب لانها انحازت لعلقمة في مقارضة بينهما في وصف الصيد فاتهمها بأنها له وامض، وقد قالت له إنى أكرهك فقال ولم؟ قالت لانك ثقيل صدرك خفيف عجزك، سريع الاراقة بطئ الافاقة فلما طلقها تزوجت بعلقمة فدعى علقمة الفحل، لانه كان أقوى على جماعها منه، وكان امرؤ القيس ملكا على كندة ثم سلب ملكه وفر إلى الروم ومات قبل البعثة
وإطلاق السر على الجماع كإطلاق الغيب على الفرج في قوله تعالى (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) أما أحكام الفصل فقد روى البخاري عن ابن عباس (فيما عرضتم به من خطبة النساء.
يقول إنى أريد التزويج ولوددت أنه يسر لى امرأة صالحه) وعن سكينة بنت حنظله قالت (استأذن على محمد بن على (وهو مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ عَلِيِّ زِيَنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الحسين) ولم تنقض عدتي من مهلكة زوجي، فقال قد عرفت قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقرابتي من على وموضعى من العرب، (قلت) غفر الله لك يا أبا جعفر، إنك رجل يؤخذ عنك، وتخطبني في عدتي؟ فقال إنما أخبرتك بقرابتي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن على.
وقد دَخَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أم سلمة وهى متأيمة من أبى سلمة، فقال لقد علمت أنى رسول الله وخيرته من خلقه وموضعى من قومي، كانت تلك خطبته) رواه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل وسكينه عمته، وهو منقطع في خبر أم سلمة، لان محمدا لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن التعريض إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لفاطمة بنت قيس لا تفوتينا بنفسك قال الزمخشري في الكشاف: التعريض أن يذكر المتكلم شيئا يدل به على شئ لم يذكره.
واعترض على الزمخشري بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز، وأجيب بأنه لم يقصد التعريف، ثم حقق التعريض بأنه ذكر شئ مقصود بلفظ حقيقي أو مجازى أو كنائى ليدل به على شئ آخر لم يذكر في الكلام، مثل أن يذكر المجئ للتسليم، ومراده التقاضى.
فالسلام مقصود والتقاضى عرض، أي أميل إليه الكلام عن عرض، أي جانب.
وامتاز عن الكنايه فلم يشتمل على جميع
أقسامها، والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان، فمثل: جئت لاسلم عليك كناية
وتعريض.
ومثل طويل النجاد، كناية لا تعريض، ومثل آذيتنى فستعرف.
خطابا لغير المؤذى تعريض بتهديد المؤذى لا كنايه والتعريض كالتلويح والتلميح والتورية قال الشافعي رضى الله عنه في الاية (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خطبة النساء) الايه، قال وبلوغ الكتاب أجله والله أعلم انقضاء العدة قال: فبين في كتاب الله تعالى أن الله فرق في الحكم بين خلقه وبين أسباب الامور وعقد الامور وبين إذ فرق الله تعالى ذكره بينهما ان ليس لاحد الجمع بينهما وأن لا يفسد أمر بفساد السبب إذا كان عقد الامر صحيحا ولا بالنية في الامر، ولا تفسد الامور إلا بفساد إن كان في عقدها لا بغيره.
ألا ترى أن الله حرم أن يعقد النكاح حتى تنقضي العدة ولم يحرم التعريض بالخطبة في العدة، ولا أن بذكرها وينوى نكاحها بالخطبة لها والذكر لها والنية في نكاحها إلى أن قال قول الله تبارك وتعالى (ولكن لا تواعدوهن سرا) يعنى والله تعالى أعلم جماعا (إلا أن تقولوا قولا معروفا) قولا حسنا لا فحش فيه.
إلى أن قال: والتعريض الذى أباح الله ما عدا التصريح من قول.
وذلك أن يقول: رب متطلع اليك وراغب فيك وحريص عليك، وإنك لبحيث تحبين، وما عليك أيمة، وإنى عليك لحريص وفيك راغب، وما كان في هذا المعنى مما خالف التصريح، والتصريح أن يقول تزوجيني إذا حللت، أو أنا أتزوجك إذا حللت، وما أشبه ذلك مما جاوز به التعريض، وكان بيانا أنه خطبة لا أنه يحتمل غير الخطبة، اه وقال المسعودي هل يجوز التعريض بخطبة البائن بالثلاث، فيه قولان.
والمشهور هو الاول لحديث فاطمة بنت قيس، ويحرم التصريح بخطبتها لان الله تعالى لما أباح التعريض بالخطبة دل على أنه لا يجوز التصريح بها، ولان التعريض يحتمل النكاح وغيره، والتصريح لا يحتمل غير النكاح فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح أن تخبر بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
وأما البائن التى تحل لزوجها فهى التى طلقها
زوجها طلقة أو طلقتين بعوض أو فسخ أحدهما النكاح بعيب فيجوز لزوجها التعريض بخطبتها والتصريح لانها تحل له بعقد النكاح.
وأما غير زوجها فلا يحل له التصريح بخطبتها كالبائن بالثلاث.
وهل يجوز التعريض بخطبتها، فيه قولان
(أحدهما) يجوز له التعريض بخطبتها لانها معتدة بائن عن زوجها، فهى كالبائن بالوفاة أو بالثلاث.
(والثانى)
لا يجوز له لانها تحل لزوجها في حال العدة فهى كالرجعية.
قال الشافعي رضى الله عنه: وكل معتدة حل للزوج التعريض بخطبتها حل لها التعريض بإجابته، وكل من لا يحل له التعريض بخطبتها والتصريح لم يحل لها إجابته بتعريض ولا بتصريح، لانه لا يحل له ما يحرم عليها ولا يحل لها ما يحرم على فتساويا.
إذا ثبت هذا فالتصريح ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: أنا أريد أن أتزوجك، أو إذا انقضت عدتك تزوجتك، والتعريض بكل كلام احتمل النكاح وغيره كأن يقول: إن الله ليسوق اليك خيرا أو رزقا كان ذلك تعريضا.
هذا مذهبنا.
وقال داود: لا تحل الخطبة سرا وإنما تحل علانية لقوله تعالى (ولكن لا تواعدوهن سرا) فهذا ليس بصحيح لان الله تعالى لم يرد بالسر ضد الجهر، وإنما أراد أن لا يعرض للمعتدة بالجماع ولا يصرح به مثل أن يقول: عندي جماع يصلح لمن جومعه، ولا يكره للرجل التعريض لزوجته بالجماع ولا التصريح به لانه لا يكره له جماعها فلان لا يكره له ذكره أولى، والاية وردت في المعتدات، فإن عرض بخطبة امرأة لا يحل له التعريض بخطبتها أو صرح بخطبتها ثم انقضت عدتها وتزوجها صح نكاحها.
وقال مالك: يبينها بطلقة واحدة.
دليلنا أن النكاح حادث بعد المعصية فلا تؤثر المعصية فيه، كما لو قال لا أتزوجها إلا بعد أن أراها متجردة، فتجردت له
ثم نكحها.
أو قالت لا أرضى نكاحه حتى يتجرد لى أو حتى يجامعنى، فتجرد لها أو جامعها ثم تزوجها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ومن خطب امرأة فصرح له بالاجابة حرم على غيره خطبتها إلا أن يأذن فيه الاول، لما روى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب الاول أو يأذن له فيخطب) وان لم يصرح له بالاجابة ولم يعرض له لم يحرم على غيره، لما روى
أن فاطمة بنت قيس قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ معاوية وأبا الجهم خطباني فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له فانكحى أسامة) وان عرض له بالاجابة ففيه قولان، قال في القديم تحرم خطبتها لحديث ابن عمر رضى الله عنه، ولان فيه إفسادا لما تقارب بينهما.
وقال في الجديد لا تحرم لانه لم يصرح له بالاجابه فأشبه إذا سكت عنه، فإن خطب على خطبة أخيه في الموضع الذى لا يجوز فتزوجها صح النكاح، لان المحرم سبق العقد فلم يفسد به العقد.
وبالله التوفيق.
(الشرح) حديث ابن عمر رواه أحمد والبخاري والنسائي.
وقد روى أحمد ومسلم عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يذر) وأخرج البخاري والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك) وفى لفظ للبخاري من حديث ابن عمر (نهى أن يبيع بعضكم على بيع بعض
أو يخطب) وفى لفظ لاحمد من حديث الحسن عن سمرة (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه) وقد استدل الجمهور على تحريم الخطبه على الخطبه بهذه الاحاديث الناهية وجزموا بالتحريم.
وحكى النووي أن النهى فيه للتحريم بالاجماع.
وقال الخطابى ان النهى ههنا للتاديب وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء، قال الحافظ ولا ملازمه بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد.
ولكنهم اختلفوا في شروطه، فقالت الشافعية والحنابلة محل التحريم إذا صرحت المخطوبة بالاجابه أو وليها الذى أذنت له.
وأما ما احتج به من حديث فاطمة بنت قيس الذى مضى تخريجه في الكفاءة أن معاوية وأبا الجهم خطباها فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليهما، بل خطبها لاسامه فليس
فيه حجة كما قال النووي لاحتمال أن يكونا خطباها معا أو لم يعلم الثاني بخطبة الاول والنبى صلى الله عليه وسلم أشار بأسامة ولم يخطب، وعلى تقدير أن ذلك كان خطبة فلعله كان بعد ظهور رغبتهما عنها، وظاهر حديث فاطمة أن أسامة خطبها مع معاوية وأبى الجهم فهى عند أحمد ومسلم وأصحاب السنن الخمسة: أبى داود والترمذي وابن ماجه والنسائي والدارقطني (قالت: وقال لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا حللت فآذنينى فأذنته فخطبها معاوية وأبوالجهم وأسامة بن زيد.
الحديث) وعن بعض المالكية لا تمتنع الخطبة إلا بعد التراضي على الصداق.
ولا دليل على ذلك.
وقال داود: إذا تزوجها الثاني فسخ النكاح قبل الدخول وبعده.
وللمالكية في ذلك قولان، فقال بعضهم يفسخ قبله لا بعده.
قال في الفتح: وحجة الجمهور أن المنهى عنه الخطبة وهى ليست شرطا في صحة النكاح فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة.
قال في الام: وإن قالت امرأة لوليها زوجنى من شئت أو ممن ترى، حل لكل أحد خطبتها لحديث فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي أبو حفص بالشام ثلاثا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأمرني أن أعتد في بيت أم مكتوم وقال: إذا حللت فآذنينى، فلما انقضت عدتي أتيته فأخبرته وقلت له إن معاويه وأبا جهم، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا معاوية فصعلوك لا مال له: وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، ولكن أدلك على من هو خير لك منهما، قلت ومن يا رسول الله؟ قال أسامة بن زيد، قلت أسامة.
قال نعم أسامة.
الخ الحديث.
قال الشافعي رضى الله عنه، ولم تكن فاطمة رضى الله عنها أذنت في نكاحها من معاوية ولا من أبى الجهم، وإنما كانت تستشير النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الرجلين إذا خطبا امرأة خطبها أحدهما بعد الاخر فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الآخير منهما ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم لثالث بعدهما فدل على جوازه وإن خطب رجل امرأة إلى وليها وكان ممن يخيرها فعرض له بالاجابة، ولم يصرح مثل أن يقول أنا أستشير في ذلك، أو أنت مرغوب فيك، أو يشترط بشرائط العقد مثل تقديم المهر وغيره، فهل يحرم على غيره خطبتها، فيه قولان،
قال في القديم يحرم على غيره خطبتها، وبه قال مالك وأبو حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه) ولم يفصل.
ولان فيه إفسادا لما يقارب بينهما.
وقال في الجديد لا يحرم على غيره خطبتها، وهو الصحيح، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطب فاطمة بنت قيس لاسامه بعد أن أخبرته أن معاويه وأبا الجهم خطباها ولم يسألها هل ركنت إلى أحدهما أو رضيت به أم لا، فدل على أن الحكم
لا يختلف بذلك، لان الظاهر من حالها أنها ما جاءت تستشيره إلا وقد رضيت بذلك وركنت إليه.
قال الصيمري فإن خطب رجل خمس نسوة جملة واحدة فأذن في نكاحه لم يحل لاحد خطبة واحدة منهن حتى يترك أو يعقد على أربع، فيحل خطبة الخامسه، وان خطب كل واحده وحدها فأذنت كل واحدة في نكاحه لم يجز لغيره خطبة الاربع الاولات، ويحل خطبة الخامسه لغيره.
إذا ثبت هذا، فإن خطب رجل امرأة في الحالة التى قلنا لا يحل له خطبتها فيه وتزوجها صح ذلك.
وقال داود لا يصح، وحكاه ابن الصباغ عن مالك رضى الله عنه.
دليلنا أن المحرم انما يفسد العقد إذا قارنه، فأما إذا تقدم عليه لم يفسده، كما لو قالت امرأة لا أتزوج فلانا حتى أراه مجردا فتجرد ثم تزوج بها.
إذا تقرر هذا فذكر أصحابنا في حديث فاطمة بنت قيس رضى الله عنها فوائد (وقد مر نصه) وقد اختلفت الروايات فيه، فروى ان زوجها طلقها بالشام فجاءها وكيله بشعير فسخطت به، فقا لها (مالك علينا شئ) فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تستفتيه فقال لها (لا نفقة لك الا أن تكوني حاملا) فإحدى فوائد الخبر انه دل على جواز الطلاق.
(الثانيه) انه يدل على جواز الطلاق الثلاث (الثالثه) ان طلاق الغائب يقع (الرابعة) انه يجوز للمرأة ان تستفتى لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عليها (الخامسه) أن كلامها ليس بعورة (السادسة) انه يجوز للمعتدة أن تخرج من منزلها لحاجة (السابعه) انه لا نفقة للمبتوته الحائل خلافا لابي حنيفه (الثامن) ان للحامل المبتوته النفقه (التاسعة) يدل على جواز نقل المعتدة
عن بيت زوجها، واختلف لاى معنى نقلها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال
ابن المسيب كانت بذيئة أو كانت تستطيل على أحمائها.
وقالت عائشة أم المؤمنين عليها السلام: كان بيت زوجها وحشا فخيف عليها فيه، وأى الروايتين صح مع الخبر دليل على جواز النقل لاجله (العاشرة) يدل على جواز التعريض بالخطبة للمعتدة (الاحدى عشرة) أنه يجوز للرجل أن يعرض المعتدة بالخطبة لغيره لان النبي صلى الله عليه وسلم عرض لها في الخطبة لاسامة بن زيد رضى الله عنهما لا لنفسه (الاثنتا عشرة) انه يجوز للمرأة أن تستشير الرجال لانها جاءت تستشير النبي صلى الله عليه وسلم (الثالثة عشرة) يدل على جواز وصف الانسان بما فيه، وإن كان يكره ذلك للحاجة، لان النبي صلى الله عليه وسلم وصف معاويه رضى الله عنه وأبا جهم رضى الله عنه بما فيهما وإن كانا يكرها ذلك (الرابعة عشر) انه يجوز أن يعبر بالاغلب عن الشئ ويذكر العموم والمراد به الخصوص لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أما معاوية فصعلوك لا مال له، ومعلوم انه لا يخلو أن يملك شيئا من المال وإن قل كثيابه وما أشبهها وإنما أراد أنه لا يملك ما يتعارفه الناس مالا، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في أبى جهم لانه لا يضع عصاه عن عاتقه، وإن كان لا يخلو أن يضعها في بعض أوقاته، والصعلوك الفقير.
قال الشاعر.
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى
- وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يضع العصا عن عاتقه ففيه تأويلان.
أحدهما إنه كثير الاسفار.
قال الشاعر فألقت عصاها واستقرت بها النوى - كما قر عينا بالاياب المسافر فعلى هذا يكون فيه دليل على جواز السفر بغير إذن زوجته (الثاني) أنه أراد أنه كان كثير الضرب لزوجته، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: لا ترفع عصاك على أهلك، أي في التأديب في الكلام أو الضرب، فعلى هذا التأويل يدل على جواز ضرب الزوج لزوجته لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يخرجه مخرج النكير
وقال بعضهم: يدل على أنه كثير الجماع.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا ترفع عصاك عن أهلك.
أراد به الكناية عن الجماع، فيكون في هذه الدلالة دلالة على جواز الكناية بالجماع، وهذا غلط في التأويل، لانه ليس من الكلام ما يدل على أنه أراد هذا.
قال الصيمري: ولو قيل انه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم هذا كثرة الجماع أي أنه كثير التزويج لكان أشبه (الثامنة عشرة) يدل على جواز خطبة الرجل، لان النبي صلى الله عليه وسلم خطبها لاسامة (التاسعة عشرة) أنه يجوز للرجل أن يخطب امرأة قد خطبها غيره إذا لم يتقدم اجابة للاول (العشرون) أنه يجوز للمستشار أن يشير على المستشير بما لم يسأله عنه لانها لم تستشر في أسامة رضى الله عنه (الاحدى والعشرون) انه لا يجب على المستشير المصير إلى ما أشار به المشير لان النبي صلى الله عليه لم يقل لها يجب عليك المصير إلى ما أشرت به، وانما أعاد ذلك عليها على سبيل المشورة.
(الثالثة والعشرون) أن الخير لا يختص بالنسب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أدلك على من هو خير منهما، ونسبهما خير من نسبه (الرابعة والعشرون) أن الكفاءة ليست بشرط في النكاح، لانها قرشية وأسامة مولى (الخامسه والعشرون) أنه يجوز أن يخطب المرأة إلى نفسها، وان كان لها ولى.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
إذا وجد الرجل امرأته مجنونه أو مجذومه أو برصاء أو رتقاء وهى التى انسد فرجها أو قرناء وهى التى في فرجها لحم يمنع الجماع، ثبت له الخيار.
وان وجدت المرأة زوجها مجنونا أو مجذوما أو ابرص أو مجبوبا أو عنينا، ثبت لها الخيار، لما روى زيد بن كعب بن عجرة قال (تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بنى غفار فرأى بكشحها بياضا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البسى ثيابك والحقى بأهلك)
فثبت الرد بالبرص بالخبر.
وثبت في سائر ما ذكرناه بالقياس على البرص، لانها في معناه في منع الاستمتاع.
وإن وجد أحدهما الآخر وله فرج الرجال وفرج النساء ففيه قولان:
(أحدهما)
يثبت له الخيار، لان النفس تعاف عن مباشرته فهو كالابرص
(والثانى)
لا خيار له، لانه يمكنه الاستمتاع به.
وإن وجدت المرأة زوجها خصيا ففيه قولان.
(أحدهما) لها الخيار، لان النفس تعافه (والثانى) لا خيار لها لانها تقدر على الاستمتاع به، وإن وجد أحدهما بالآخر عيبا وبه مثله، بأن وجده أبرص وهو أبرص ففيه وجهان.
(أحدهما)
له الخيار، لان النفس تعاف من عيب غيرها وإن كان بها مثله
(والثانى)
لا خيار له لانهما متساويان في النقص فلم يثبت لهما الخيار، كما لو تزوج عبد بأمة.
وإن حدث بعد العقد عيب يثبت به الخيار، فإن كان بالزوج، ثبت لها الخيار، لان ما ثبت به الخيار إذا كان موجودا حال العقد ثبت به الخيار إذا حدث بعد العقد كالاعسار بالمهر والنفقة.
وإن كان بالزوجة ففيه قولان.
(أحدهما) يثبت به الخيار، وهو قوله في الجديد، وهو الصحيح، لان ما ثبت به الخيار في ابتداء العقد ثبت به الخيار إذا حدث بعده كالعيب في الزوج
(والثانى)
وهو قوله في القديم أنه لا خيار له، لانه يملك أن يطلقها.
(الشرح) خبر زيد بن كعب بن عجرة رواه أحمد هكذا: حدثنا القاسم المزني قال أخبرني جميل بن زيد قال: صحبت شيخا من الانصار ذكر أنه كانت له صحبة يقال له كعب بن زيد أو زيد بن كعب، فحدثني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج امرأة من غفار فلما دخل عليها وضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضا، فانحاز عن الفراش ثم قال: خذى عليك ثيابك ولم يأخذ مما آتاها شيئا (وهذا يدور سنده على رجلين هما موضع نظر، أولهما جميل بن زيد وثانيهما زيد بن كعب أو كعب بن زيد، ونتكلم عن الثاني لشرف الصحبة فنقول:
رواية أحمد كما عرفت زيد بن كعب ولم تعرف من الصحابة سوى زيد بن كعب البهزى ثم السلمى صاحب الظبى الحاقف وكان صائده، وقد سقناه في اللقطة، ومن قبل ساقه النووي في الصيد، وليس هو الذى حدث جميلا، وإن كان كعب ابن زيد فليس عندنا مصدر يعرفنا به سوى جميل بن زيد.
ولذلك جاء التعريف به في الاستيعاب هكذا: كعب بن زيد ويقال زيد بن كعب.
روى قصة الغفارية التى وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البياض بكشحها.
روى عنه جميل بن زيد وفى الخبر اضطراب.
اه ويأتى الحاكم فيروى عن جميل هذا فيقول عن جميل بن زيد الطائى عن زيد ابن كعب بن عجرة عن أبيه، فيكون الصحابي هنا كعب بن عجرة الانصاري وهو من مشاهير الصحابة فلا يناسبه ما في رواية أحمد صحبت شيخا ذكر أنه كانت له صحبة يقال له الخ.
ويأتى اسماعيل بن زكريا فيقول: حدثنا جميل بن زيد، حدثنا ابن عمر قال تزوج النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وخلى سبيلها.
الحديث
فهو تارة يرويه عن زيد بن كعب أو كعب بن زيد شيخ ذكر أن له صحبة، وتاوة يرويه عن زيد بن كعب بن عجرة الانصاري عن أبيه، وتارة يرويه عن ابن عمر مع أن ابن حبان يقول روى عن ابن عمر ولم ير ابن عمر.
وقال ابن معين جميل بن زيد ليس بثقة.
وقال البخاري لم يصح حديثه.
وروى أبو بكر بن عياش عن جميل قال (هذه أحاديث ابن عمر، ما سمعت من ابن عمر شيئا، انما قالوا لى اكتب أحاديث بن عمر فقدمت المدينة فكتبتها.
وقال أبو القاسم البغوي في معجمه الاضطراب في حديث الغفاريه منه، يعنى تارة عن ابن عمر وتارة عن هذا وتارة عن ذاك.
قال وقدر روى أحاديث عن ابن عمر يقول فيها (سألت ابن عمر، مع أنه لم يسمع من ابن عمر شيئا) وقال أبو حاتم والبغوى (ضعيف الحديث) وقال النسائي (ليس بثقة) وقد قال العلامة السفاربنى في كتابه نفثات صدر المكمد وقوة عين الارمد لشرح ثلاثيات مسند الامام أحمد قال ابن حبان (جميل بن زيد دخل المدينة بعد موت ابن عمر رضى الله عنهما.
فجمع أحاديثه ثم رجع إلى البصرة فرواها، ورواه سعيد بن منصور في سننه عن زيد بن كعب بن عجرة ولم يشك، وكذا قال الامام ابن القيم في الهدى: زيد بن كعب بن عجرة.
اه والحاصل أن الحديث لم يثبت من طريق آخر فآفته في جميع الكتب جميل ابن زيد.
ولذلك لا نستطيع أن نجزم بواقعة زواج النبي صلى الله عليه وسلم من الغفارية.
أما أحكام الرد بالعيب في النكاح فإنها ثبتت بالقواعد الكلية في العقود والمعاوضات وغير ذلك على ما سيأتي، ولكن ابن حجر بصحح رواية الشافعي من طريق مالك وابن أبى شيبة عن أبى إدريس عن يحيى قال: ورجاله ثقات أما اللغات فقوله (أبصر بكشحها) أي خصرها أو بطنها، والكشح ما بين
الخاصرة إلى الضلع الخلف.
وفى حديث سعد: إن أميركم هذا لاهضم الكشحين أي دقيق الخصرين.
وقوله (بياضا) يحتمل أن يكون بهقا ويحتمل أن يكون برصا، وهو الاصح وإن كان كل منهما تكرهه النفس.
قوله (امرأة من غفار) قيل اسمها الغالية، وقيل أسماء بنت النعمان، قاله الحاكم، يعنى الجونية.
وقال الحافظ بن حجر.
الحق أنها غيرها.
أما الاحكام فإنه إذا وجد أحد الزوجين عيبا بالآخر ثبت له الخيار في فسخ النكاح، والعيوب التى يثبت لاجلها الخيار في النكاح خمسة، ثلاثة يشترك فيها الزوجان، وينفرد كل واحد منهما باثنين، فأما الثلاثة التى يشتركان فيها، فالجنون والجذام والبرص، وينفرد الرجل بالجب والعنة وتنفرد المرأة بالرتق والقرن، فالرتق أن يكون فرج المرأة مسدودا يمنع من دخول الذكر، والقرن قيل هو عظم يكون في فرج المرأة يمنع من الوطئ.
والمحققون يقولون هو لحم ينبت في الفرج يمنع من دخول الذكر، مثل أن يتورم الرحم وتنشأ عليه أورام سرطانية تسد مدخل فرجها، وإنما يصيب المرأة ذلك في بعض حالات الولادة، هذه العيوب يثبت بها الخيار.
هذا مذهبنا وبه قال عمر رضى الله عنه وابن عباس رضى الله عنهما ومالك وأحمد وإسحاق.
وقال على كرم الله وجهه وابن مسعود رضى الله عنه لا ينفسخ النكاح بالعيب
واليه صار النخعي والثوري وأبو حنيفة، إلا أنه قال إذا وجدت المرأة زوجها مجبوبا أو عنينا كان لها الخيار، فإن اختارت فرق بينهما الحاكم بتطليقها.
دليلنا الخبر المذكور وما قاله عمر رضى الله عنه فيما روى يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب عنه رضى الله عنه: أيما امرأة زوجت وبها جنون أو جذام
أو برص فدخل بها، ثم اطلع على ذلك فلها مهرها بمسيسه إياها، وعلى الولى الصداق بما دلس كما غره.
وكذا روى الشعبى عن على رضى الله عنه (أيما امرأة نكحت وبها برص أو جنون أو جذام أو قرن، فزوجها بالخيار ما لم يمسها، إن شاء أمسك والا طلق.
وان مسها فلها المهر بما استحل من فرجها.
ولان المجنون منهما يخاف منه على الآخر وعلى الولد، والجب والعنة والرتق والقرن يتعذر معها مقصود الوطئ والجذام والبرص تعاف النفوس من مباشرته.
قال الشافعي رضى الله عنه (ويخاف منهما العدوى للآخر والى النسل (فإن قيل فقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عدوى ولا هامة ولا صفر.
وقال صلى الله عليه وسلم (لا يعدى شئ شيئا) فقال أعرابي يا رسول الله ان الثفر قد تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الابل العظيمة فتجرب كلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما أجرب الاول.
قال أصحابنا وقد وردت أيضا أخبار بالعدوى، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم لا يوردن ذو عاهة على مصح.
وَرُوِيَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا تديموا النظر إلى المجذومين، فمن كلمه منكم فليكن بينهم وبينه قدر رمح.
وروى أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليبايعه فأخرج يده فإذا هي جذماء، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضم يدك قد بايعتك، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم المصافحة فامتنع من مصافحته لاجل الجذام، وقال صلى الله عليه وسلم (فر من المجذوم فرارك من الاسد) قال العمرانى في البيان وانما نفى النبي صلى الله عليه وسلم العدوى الذى يعتقده الملاحدة، وهو أنهما يعتقدون أن الادواء تعدى بأنفسها وطباعها.
وليس هذا بشئ وانما العدوى الذى نريده أن يقول إن الداء جرت العادة أن يخلق الداء عند ملاقاة الجسم الذى فيه الداء، كما أنه أجرى العادة أن يخلق الابيض بين
الابيضين والاسود بين الاسودين، وإن كان في قدرته أن يخلق الابيض من الاسودين لا أن هذه الادواء تعدى بنفسها.
وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا هامة ولا صفر) فإن أهل الجاهلية كانوا يقولون: إذا قتل الانسان ولم يؤخذ بثأره خرج من رأسه طائر يصرخ ويقول اسقوني دم قاتلي.
هكذا حكاه ابن الصباغ.
وأما الصفر فان أهل الجاهلية كانوا يقولون في الجوف دابة تسمى الصفر إذا تحركت جاع الانسان وهى أعداء من الجرب عند العرب، وقيل هو تأخير حرمة المحرم إلى صفر، فأبطل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ ذَلِكَ.
وقد بسط الشافعي رضى الله عنه في أحكام العيب فقال: ولو تزوج الرجل امرأة على أنها جميلة شابة موسرة تامة بكر فوجدها عجوزا قبيحة معدمة قطعاء ثيبا أو عمياء أو بها ضر ما كان الضر غير الاربع التى سمينا فيها الخيار يعنى الجذماء والبرصاء والرتقاء والمجنونة فلا خيار له، وقد ظلم من شرط هذا نفسه.
إلى أن قال: وليس النكاح كالبيع فلا خيار في النكاح من عيب يخص المرأة في بدنها ولا خيار في النكاح عندنا إلا من أربع.
أن يكون حلق فرجها عظما لا يوصل إلى جماعها بحال، وهذا مانع للجماع الذى له عامة ما نكحها، فان كانت رتقاء فكان يقدر على جماعها بحال فلا خيار له، أو عالجت نفسها حتى تصير إلى أن يوصل إليها فلا خيار للزوج، وإن لم تعالج نفسها فله الخيار إذا لم يصل إلى الجماع بحال.
وإن سألها أن يشقه هو بحديدة أو ما شابهها ويجبرها على ذلك، لم أجعل له أن يفعل وجعلت له الخيار.
وإن فعلته هي فوصل إلى جماعها قبل أن أخيره لم أجعل له خيارا، ولكن لو كان القرن مانعا للجماع كان كالرتق أو تكون جذماء أو برصاء أو مجنونة، ولا خيار في الجذام حتى يكون بينا، فأما الزعر في
الحاجب أو علامات ترى أنها تكون جذماء ولا تكون فلا خيار فيه بينهما.
وقال الجنون ضربان، فضرب خنق وله الخيار بقليله وكثيره، وضرب غلبة على عقله من غير حادث مرض فله الخيار في الحالين معا.
وهذا أكثر من الذى يخنق ويفيق.
اه وذهب بعض الحنابلة إلى ما ذهب إليه أصحابنا، إلا أنهم جعلوا خيار العيوب
على التراخي، لا يسقط الا أن يوجد منه دلالة على الرضى من قول أو وطئ أو تمكين مع العلم بالعيب أو يأتي بصريح الرضا، فان ادعى الجهل بالخيار ومثله يجهله فالاظهر ثبوت الفسخ، هكذا أفاده ابن تيمية.
وقال في شرح الثلاثيات العلامة السفارينى الحنبلى: لابد لصحة فسخ النكاح بأحد العيوب لذكورة من حكم حاكم خلافا لشيخ الاسلام ابن تيميه.
وقال داود الظاهرى وابن حزم ومن وافقهما: لا يفسخ النكاح بعيب البنة، قال السفارينى، وقال الامام ابن القيم من علمائنا بسوغ الفسخ بكل عيب ترد به الجارية في البيع من العمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو أحدهما أو كون الرجل كذلك، لان هذه الامور من أعظم المنفرات والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش وهو مناف للدين، والا طلاق ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا.
قال والقياس أن كل عيب ينفر أحد الزوجين منه ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من شروط البيع اه (فرع)
إن وجد كل واحد من الزوجين بصاحبه عيبا فان كان العيبان من جنسين بأن كان أحدهما أجذم والاخر أبرص ثبت لكل واحد منهما الخيار لان نفس الانسان تعاف من داء غيره.
وإن كانا من جنس واحد بأن كان كل واحد
منهما أجذم أو أبرص ففيه وجهان.
(أحدهما)
لا يثبت لواحد منهما الخيار لانهما متساويان في النقص فهو كما لو تزوج عبد امرأة فكانت أمة
(والثانى)
يثبت لكل واحد منهما الخيار لان نفس الانسان تعاف من عيب غيره وان كان به مثله.
وان أصاب الرجل امرأته قرناء أو رتقاء وأصابنه عنينا أو مجبوبا ففيه وجهان.
أحدهما يثبت لكل واحد منهما الخيار لوجود النقص الذى يثبت لاجله الخيار.
والثانى لا خيار لواحد منهما، لان الرتق والقرن يمنع الاستمتاع والمجبوب والعنين لا يمكنه الاستمتاع فلم يثبت الخيار.
هذا الكلام في العيوب الموجودة حال العقد التى لم يعلم بها الاخر.
فأما إذا حدث شئ من هذه العيوب بأحد الزوجين بعد العقد نظرت، فان كان ذلك
بالزوج ويتصور فيه حدوث العيوب كلها إلا العنة فانه لا يتصور أن يكون غير عنين قبله ثم يكون عنينا بعده، فإذا حدث فيه أحد العيوب الاربعة ثبت للزوجة الخيار، لان كل عيب ثبت لاجله الخيار إذا كان موجودا حال العقد ثبت لاجله الخيار إذا حدث بعد العقد كالاعسار بالفقة والمهر.
وإن كان ذلك حادثا في الزوجة فإنه يتصور بها جميع العيوب الخمسة، فإذا حدث منها شئ فهل يثبت للزوج فسخ النكاح؟ فيه قولان.
قال في القديم: لا يثبت له الفسخ.
وبه قال مالك رضى الله عنه لانها لم تدلس عليه، ولانه يمكن التخلص من ذلك بالطلاق.
وقال في الجديد: يثبت له الخيار في الفسخ، وهو الصحيح، وقد استدل أصحابنا لصحة هذا بخبر زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالغفاريه وردها لما وجد في كشحها بياضا.
ولان كل عيب يثبت لاجله الفسخ إذا كان موجوا حال العقد
يثبت لاجله الفسخ إذا حدث كالعيب بالزوج، والقول الاول يمكنه أن يطلق يبطل بالعيب الموجود حال العقد فإنه يمكنه أن يطلق ومع هذا فثبت له الفسخ.
(فرع)
قال في الاملاء: إذا علم بالعيب حال العقد فلا خيار له لانه عيب رضى به فلم يكن له الفسخ لاجله، كما لو اشترى شيئا معيبا مع العلم بعيبه.
فإن أصاب أحد الزوجين بالآخر عيبا فرضى به سقط حقه من الفسخ لاجله، فإن وجد عيبا غيره بعد ذلك ثبت له الفسخ لاجله لانه لم يرض به، وإن زاد العيب الذى رآه ورضى به نظرت، فإن حدث في موضع آخر بأن رأى البرص والجذام في موضع من البدن فرضى به، ثم حدث البرص في موضع آخر من البدن كان له الخيار في الفسخ، لان هذا غير الذى رضى به، وإن اتسع ذلك الموضع الذى رضى به لم يثبت له الخيار لاجله، لان رضاه به رضاه بما تولد منه
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
والخيار في هذه العيوب على الفور، لانه خيار ثبت بالعيب فكان على الفور، كخيار العيب في البيع، ولا يجوز الفسخ إلا عند الحاكم لانه مختلف فيه.
(فصل)
وإن فسخ قبل الدخول سقط المهر، لانه إن كانت المرأة فسخت كانت الفرقة من جهتها فسقط مهرها، وإن كان الرجل هو الذى فسخ إلا أنه فسخ لمعنى من جهة المرأة وهو التدنيس بالعيب فصار كأنها اختارت الفسخ، وإن كان الفسخ بعد الدخول سقط المسمى ووجب مهر المثل، لانه يستند الفسخ إلى سبب قبل العقد فيصير الوطئ كالحاصل في نكاح فاسد فوجب مهر المثل، وهل يرجع به على من غره؟ فيه قولان.
قال في القديم: يرجع لانه غره حتى دخل في العقد.
وقال في الجديد: لا يرجع لانه حصل له في مقابلته الوطئ، فإن قلنا يرجع فإن كان الرجوع على الولى رجع بجميعه، وان كان على المرأة ففيه وجهان.
(أحدهما)
يرجع بجميعه كالولي
(والثانى)
يبقى منه شيئا حتى لا يعرى الوطئ عن بدل.
وإن طلقها قبل الدخول ثم علم أن كان بها عيب لم يرجع بالنصف، لانه رضى بإزالة الملك والتزام نصف المهر فلم يرجع به
(فصل)
ولا يجوز لولى المرأة الحرة ولا لسيد الامة ولا لولى الطفل تزويج المولى عليه ممن به هذه العيوب، لان في ذلك إضرارا بالمولى عليه، فإن خالف وزوج فعلى ما ذكرناه فيمن زوج المرأة من غير كفء، وإن دعت المرأة الولى أن يزوجها بمجنون لم يلزمه تزويجها لان عليه في ذلك عارا، وان دعت إلى نكاح مجبوب أو عنين، لم يكن له أن يمتنع، لانه لا ضرر عليه في ذلك، وان دعت إلى نكاح مجذوم أو أبرص ففيه وجهان.
(أحدهما) له أن يمتنع لان عليه في ذلك عارا (والثانى) ليس له أن يمتنع لان الضرر عليها دونه.
(فصل) وإن حدث العيب بالزوج ورضيت به المرأة لم يجبرها الولى على الفسخ، لان حق الولى في ابتداء العقد دون الاستدامة، ولهذا لو دعت المرأة إلى نكاح عبد كان للولى أن يمتنع، ولو أعتقت تحت عبد فاختارت المقام معه لم يكن للولى اجبارها على الفسخ.
(الشرح) كل موضع قلنا لاحد الزوجين أن يفسخ النكاح بالعيب فإن ذلك الخيار يثبت له على الفور لا على التراخي لانه خيار عيب لا يحتاج إلى نظر وتأمل فكان على الفور، كما لو اشترى عينا فوجد بها عيبا، فقولنا خيار عيب
احتراز من خيار الاب في رجوعه بهبته لابنه ومن خيار الولى في القصاص والعفو.
وقولنا (لا يحتاج إلى نظر وتأمل) احتراز من المعتقة تحت عبد إذا قلنا يثبت لها الخيار على التراخي ولسنا نريد الفسخ يكون على الفور بل نريد المطالبة وهو أن أحد الزوجين إذا علم بالآخر عيبا فإنه يرفع ذلك إلى الحاكم، فيستدعى الحاكم الاخر ويسأله، فإن اقر به أو كان ظاهرا انفسخ النكاح بينهما، وان أنكر وكان خفيا فعلى المدعى البينة، فإذا أقام البينة فسخ النكاح بينهما وقال أصحاب أحمد: إن خيار العيب ثابت على التراخي لا يسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى به من القول والاستمتاع من الزوج أو التمكين من المرأة أفاده الخرقى في ظاهر كلامه، وذكر القاضى من الحنابلة أنه على الفور، كما أن ظاهر مذهب الحنابلة أن الفسخ يحتاج إلى الحاكم لانه مجتهد فيه، وذهب السفارينى من الحنابلة إلى أن الفسخ لا يحتاج إلى الحاكم كالرد بالعيب في البيع.
ويرى ابن تيمية فسخه بالحاكم كما في الفتاوى له.
وقد رأيت في البيان للعمراني من الشافعية (مخطوطة دار الكتب العربية) بهامش الجزء السابع ما يأتي: وفيه وجه أنه ينفرد كل واحد من الزوجين بالفسخ من غير مرافعة الحاكم، كفسخ البيع بالعيب ينفرد به كل واحد من المتبايعين اه وقال قاضيخان من أصحاب أبى حنيفة: إذا كان الزوج عنينا والمرأة رتقاء لم يكن لها حق الفرقة لوجود المانع من جهتها.
كذا في حاشية جلبى وفى ملتقى الابحر أنه لو أقر أنه عنين يؤجله الحاكم سنه قمريه ولا يحتسب منها مدة مرضه ومرضها، ويحتسب منها رمضان وأيام حيضها.
اه قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز لاحد الزوجين أن يتولى الفسخ بنفسه بحال، وقال ابن الصباغ: إذا رفعت الامر إلى الحاكم فالحاكم أولى به، وهو بالخيار ان شاء فسخ بنفسه وان شاء أمرها بالفسخ.
وقال القفال: إذا رفعت الامر إلى
لحاكم وأثبتت العيب عنده خيرت بين أن تفسخ بنفسها وبين أن يفسخ الحاكم بمسألتها
(مسألة) وإذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيبا ففسخ النكاح نظرت، فإن كان الفسخ قبل الدخول سقط جميع المهر لان المرأة ان كانت هي التى فسخت بالفرقة جاءت من جهتها، وان كان الزوج الذى فسخ فهو بمعنى من جهتها وهو تدنيسها بالعيب، فصار كما لو فسخت بنفسها، وان كان الفسخ بعد الدخول فإن كان الفسخ لعيب كان موجودا حال العقد فالمشهور من المذهب أنه يلزم الزوج مهر المثل سواء كان العيب بالزوج أو بالزوجة، لان الفسخ مستند إلى العيب الموجود حال العقد فصار كما لو كان النكاح فاسدا.
وحكى المسعودي قولا آخر مخرجا أنه يجب المسمى، لان الفسخ رفع العقد في حالة لا من أصله وليس بشئ، وان كان الفسخ بعيب حدث بعد العقد بالزوج أو بالزوجة على القول الجديد فيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) يجب لها المسمى؟ لانه قد وجب المسمى بالعقد فلا يتغير بما يحدث بعده بالعيب
(والثانى)
لها مهر المثل، وان حدث بعد الوطئ وجب لها المسمى لانه إذا حدث قبل الوطئ فقد حدث قبل استقرار المسمى، فإذا فسخ العقد ارتفع من أصله فصار كما لو وطئها بشبهة، وإذا حدث العيب بعد الوطئ فقد حدث بعد استقرار المسمى بالدخول فلا يتغير بما طرأ بعده.
(فرع)
فإن تزوج رجل امرأة وبها عيب فلم تعلم به حتى وطئها ثم علم به فسخ النكاح، وقد قلنا: انه يجب لها مهر المثل، وهل للزوج أن يرجع به على الولى، فيه قولان، قال في القديم: يرجع عليه، وبه قال مالك رضى الله عنه لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال (أيما رجل تزوج بإمرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها الصداق ولزوجها غرم على وليها (ولان الولى هو الذى أتلف
على الزوج المهر لانه أدخله في العقد حتى لزمه مهر المثل فوجب أن يلزمه الضمان كالشهود إذا شهدوا عليه بقتل أو غيره ثم رجعوا.
وقال في الجديد " لا يرجع عليه، وبه قال على كرم الله وجهه، وهو قول أبى حنيفه وهو الاصح لانه ضمن ما استوفى بدله وهو الوطئ فلا يرجع به على غيره كما لو كان المبيع معيبا فأتلفه، فإذا قلنا بهذا فلا تفريع عليه، وإذا قلنا بالاول فإن كان الولى ممن يجوز له
النظر إلى وليته كالاب والجد والعم رجع الزوج عليه سواء علم الولى بالعيب أو لم يعلم، لانه فرط بترك الاستعلام بالعيب، ولان الظاهر أنه يعلم ذلك، وإن كان الولى ممن لا يجوز له النظر إليها كان العم والحاكم فإن علم الولى بعيبها رجع عليه الزوج، وإن لم يعلم الولى بالعيب لم يرجع عليه الزوج، ويرجع الزوج على المرأة لانها هي التى عرفت، فإن ادعى الزوج على الولى أنه علم بالعيب فأنكر فإن أقام الزوج بينة على إقرار الولى بالعيب رجع عليه، وإن لم يقم عليه بينة حلف الولى أنه لم يعلم بالعيب، ورجع الزوج على الزوجة، وإن كان لها جماعة أولياء في درجة واحدة ممن لهم النظر إليها، رجع الزوج عليهم إذا علموا فإن كان بعضهم عالما بالعيب، وبعضهم جاهلا ففيه وجهان، حكاهما الطبري في العدة.
أحدهما: يرجع على العالم لانه هو الذى غره.
والثانى: يرجع على الجميع لان ضمان الاحوال لا يختلف بالخطأ والعمد، هكذا نقل البغداديون.
وقال المسعودي: إذا كان الولى غير محرم لها فهل يرجع عليه الزوج؟ فيه قولان، وكل موضع قلنا: يرجع الزوج على الولى، فانه يرجع عليه بجميع مهر المثل، وكل موضع قلنا: يرجع الزوج على الزوجة، فبكم يرجع عليها؟ فيه قولان، ومنهم من قال: هما وجهان.
(أحدهما) لا يرجع عليها بجميع مهر المثل، وإنما يبقى قدرا إذ يمكن أن يكون صادقا لئلا يعرى الوطئ عن بدل.
(والثانى)
يرجع عليها بالجميع، لانه قد حصل لها بدل الوطئ وهو المهر، وإنما رجع إليه بسبب آخر فهو كما لو وهبته منه، والاول أصح.
وحكى المسعودي أن القولين في الولى.
والمشهور أنه يرجع عليه بالجميع قولا واحدا.
(فرع)
قال في الام: إذا تزوج إمراة ثم طلقها قبل الدخول، وعلم بعد ذلك أنه كان بها عيب يثبت به خيار الفسخ لزمه نصف المهر لانه رضى بازالة الملك والتزام نصف الصداق بالطلاق فلم يرجع إليه.
(فرع)
وإن دعت المرأة وليها لتزويجها إلى مجنون كان له الامتناع من ذلك لان عليه عار أن تكون وليته تحت مجنون، لانه لا يشهد ولا يحضر الجمعة
والجماعة، وان دعا الولى وليته إلى تزويجها بمجنون أو خصى فلها أن تمتنع لان عليها ضررا به وعارا يلحقها.
وإن دعت المرأة وليها إلى أن يزوجها بمجذوم أو أبرص فهل له أن يمتنع؟ فيه وجهان، أحدهما: ليس له أن يمتنع لان الخيار إنما يثبت لها في النكاح لان النفس تعاف من مباشرتهم، وذلك نقص عليها دون الولى فهو كالمجبوب والخصى والثانى: له أن يمتنع لان على الولى عارا في ذلك، وربما أعداها أو أعدى ولدها فيلتحق العار بأهل نسبها وإن دعاها الولى إلى تزويجها بمجذوم أو أبرص كان لها أن تمتنع لان عليها في ذلك عارا ونقصا، وإن تزوجت إمرأة برجل سليم لا عيب فيه ثم حدث فيه عيب يثبت لاجله الخيار، فإن فسخت النكاح لم يعترض عليها وليها بذلك، فإن اختارت المقام معه على ذلك جاز ولا اعتراض للولى عليها بذلك لان حق الولى إنما هو في ابتداء العقد دون استدامته، ولهذا لو دعت الحرة وليها إلى تزويجها بعبد لم يلزمه اجابتها، ولو اعتقت تحت عبد واختارت المقام معه لم
يجبر على الفسخ والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله:
(فصل)
إذا ادعت المرأة على الزوج أنه عنين وأنكر الزوج، فالقول قوله مع يمينه، فان نكل ردت اليمين على المرأة، وقال أبو سعيد الاصطخرى: يقضى عليه بنكوله.
ولا تحلف المرأة، لانه أمر لا تعلمه، والمذهب الاول، لانه حق نكل فيه المدعى عليه عن اليمين فردت على المدعى كسائر الحقوق، وقوله: انها لا تعلمه يبطل باليمين في كناية الطلاق وكناية القذف، فإذا حلفت الرأة أو اعترف الزوج أجله الحاكم سنة، لما روى سعيد بن المسيب (أن عمر رضى الله عنه قضى في العنين أن يؤجل سنه (وعن علي عليه السلام وعبد الله والمغيرة بن شعبة رضى الله عنهم نحوه، ولان العجز عن الوطئ قد يكون بالتعنين، وقد يكون لعارض من حرارة أو برودة أو رطوبة أويبوسة، فإذا مضت عليه الفصول الاربعة، واختلفت عليه
الاهوبة ولم يزل، دل على أنه خلقة، ولا تثبت المدة إلا بالحاكم، لانه يختلف فيها بخلاف مدة الايلاء، فان جامعها في الفرج سقطت المدة، وأدناه أن يغيب الحشفة في الفرج، لان أحكام الوطئ تتعلق به ولا تتعلق بما دونه، فان كان بعض الذكر مقطوعا لم يخرج من التعنين إلا بتغييب جميع ما بقى.
ومن أصحابنا من قال: إذا غيب من الباقي بقدر الحشفة خرج من حكم التعنين لان الباقي قائم مقام الذكر، والمذهب الاول، لانه إذا كان الذكر سليما فهناك حد يمكن اعتباره وهو الحشفة، وإذا كان مقطوعا فليس هناك حد يمكن اعتباره فاعتبر الجميع، وان وطئها في الدبر لم يخرج من حمكم التعنين لانه ليس بمحل للوطئ ولهذا لا يحصل به الاحلال للزوج الاول، وان وطئ في الفرج وهى حائض
سقطت المدة لانه محل للوطئ، وان ادعى أنه وطئها فان كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه، لانه لا يمكن اثباته بالبينة، وان كانت بكرا فالقول قولها لان الظاهر أنه لم يطأها، فان قال الزوج: وطئت ولكن عادت البكارة حلفت لجواز أن يكون قد ذهبت البكارة ثم عادت.
(فصل)
وان اختارت المقام معه قبل انقضاء الاجل ففيه وجهان.
أحدهما يسقط خيارها لانها رضيت بالعيب مع العلم.
والثانى: لا يسقط خيارها، لانه اسقاط حق قبل ثبوته فلم يصح، كالعفو عن الشفعة قبل البيع، وان اختارت المقام بعد انقضاء الاجل سقط حقها لانه اسقاط حق بعد ثبوته، وان أرادت بعد ذلك أن ترجع وتطالب بالفسخ لم يكن لها، لانه خيار ثبت بعيب وقد أسقطنه فلم يجز أن ترجع فيه، فان لم يجامعها حتى انقضى الاجل وطالبت بالفرقة فرق الحاكم بينهما، لانه مختلف فيه، وتكون الفرقة فسخا لانه فرقة لا تقف على ايقاع الزوج ولا من ينوب عنه: فكانت فسخا كفرقة الرضاع، وان تزوج امرأة ووطئها ثم عن منها لم تضرب المدة، لان القدرة يقين فلا تترك بالاجتهاد (الشرح) خبر عمر رضى الله عنه رواه الدارقطني باسناده عن عمر ورواه عن ابن مسعود والمغيرة بن شعبة ولا مخالف لهم، ورواه أبو حفص عن علي كرم الله وجهه، أما العنين فهو الرجل العاجز عن الجماع، وربما يشتهى الجماع
ولا يناله، واشتقاقه من عن الشئ إذا اعترض من أحد الجانبين والعنه بفتح العين وضمها الاعتراض بالفضول، وعن عن الشئ من باب ضرب إذا أعرض عنه وانصرف، وعنان الفرس جمعه أعنة وقد مضى بعض هذه المادة في الشركة حيث شركة العنان، وهو هنا من عن ذكره إذا اعترض عن يمين الفرج وشماله فلا يقصده، وقيل مشتق من عنان الدابة أي أنه يشبهه في اللين.
إذا ثبت هذا
فالعنة في الرجل عيب يثبت الخيار لزوجته في فسخ النكاح لاجلها على ما نبينه وبه قال عامة أهل العلم.
وقال الحكم بن عيينة وداود وأهل الظاهر ليست بعيب.
دليلنا قوله تعالى (الطلاق مرتان، فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) فخير الله الازواج بين أن يمسكوا النساء بمعروف أو يسرحوهن باحسان، والامساك بمعروف لا يكون بغير وطئ، لانه هو المقصود بالنكاح، فإذا تعذر عليه الامساك بمعروف من هذا الوجه تعين عليه التسريح باحسان، لان من خير بين شيئين إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْآخَرُ، وقد أجمع الصحابة رضى الله عنهم على تأجيل العنين سنة، فان جامعها والا فرق بينهما روينا ذلك عمن ذكرنا من الصحابة ولا مخالف لهم، ولان الله تعالى أوجب على المؤلى أن يقر أو يطلق لما يلحقها بامتناعه من الوطئ، والضرر الذى يلحق امرأة العنين أعظم من امرأة المؤلى لان المؤلى ربما وطئها، فإذا ثبت الفسخ لامرأة المؤلى، فلان يثبت لامرأة العنين أولى.
إذا ثبت هذا: فان المرأة إذا جاءت إلى الحاكم وادعت على زوجها أنه عنين أو أنه عاجز عن وطئها استدعاه الحاكم وسأله، فان أقر أنه عنين أو أنه عاجز عن وطئها ثبت أنه عنين، وان أنكر وقال: لست بعنين فان كان مع المرأة بينة على اقراره تقول: انه عنين وأقامتها ثبت أنه عنين، وان لم يكن معها بينة فالقول قوله مع يمينه أنه ليس بعنين، فإذا حلف سقطت دعواها، وإذا ثبت أنه قادر على وطئها فهل يجبره الحاكم على وطئها ليتقرر مهرها؟ فيه وجهان حكاهما المسعوى.
وان نكل عن اليمين حلفت أنه عنين، ولا يقضى عليه بنكوله من غير يمين.
وحكى الشيخ أبو إسحاق عن أبى سعيد الاصطخرى أنه يقضى عليه بنكوله من غير أن تحلف، لانه أمر لا تعلمه وليس بشئ، لانه حق نكل فيه المدعى عليه عن اليمين فحلف المدعى كسائر الحقوق.
وقوله: أمر لا تعلمه يبطل بكنايات الطلاق والقذف، فإذا ثبت أنه عنين باقراره أو بيمينها بعد نكوله فإن الحاكم يؤجله سنة سواء كان الزوج حرا أو عبدا.
وحكى عن مالك أنه قال: يؤجل العبد نصف سنة.
دليلنا ما رويناه عن الصحابة عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة وعلي، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار والنخعي وقتادة وحماد بن أبى سليمان، وعليه فتوى فقهاء الامصار منهم أبو حنيفة وأصحابه والثوري والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو عبيد ولم يفرق هؤلاء بين العبد والحر.
ولان العجز عن الوطئ قد يكون من أصل الخلقة، وقد يكون لعارض، فإذا مضت عليه سنة اختلفت الاهوية (جمع هواء) فان كان ذلك قد أصابه من الحرارة انحل في الشتاء، وان أصابه من الرطوبة انحل في الصيف وشدة الحر، وان كان طبعه يميل إلى هواء معتدل أمكنه ذلك في الفصلين الآخرين، فان مضت عليه سنة ولم يقدر على الوطئ علم أن عجزه من أصل الخلقة، ولان بعضهم قال: الداء لا يستكن في البدن أكثر من سنة ثم يظهر ولا يضرب المدة له الا الحاكم، لان عمر رضى الله عنه أجل العنين سنه ولان من الناس من قال يؤجل.
ومنهم من قال: لا يؤجل، وكل حكم مختلف فيه فلا يثبت الا بالحاكم كالفسخ بالعيوب والاعسار بالنفقه، ولا يضرب الحاكم له المدة الا من حين ترافعا إليه بعد ثبوت العنه، فأما إذا أفر الزوج بالعنه وأقاما على ذلك زمانا فلا يحكم عليه بالتأجيل لان عمر رضى الله عنه أجل العنين سنه والظاهر أنه انما ضرب له المدة من حين ترافعا إليه.
(فرع)
فإذا ضرب للعنين المدة ثم جامع امرأته قبل انقضاء السنه أو بعدها وقبل الفسخ سقط حقها من الفسخ، لانه قد ثبتت قدرته على الوطئ، وان كان ذكره سليما خرج من العنه بتغييب الحشفه (والحشفة ما فوق الختان) في فرجها ولا يخرج بما دون ذلك، ولا يلزمه أكثر من ذلك لان احكام الوطئ من وجوب
الغسل والحد والعدة واستقرار المهر يتعلق بذلك: وإن كان بعض ذكره مقطوعا وبقى منه ما يمكنه به الجماع، فإن غيب جميعه في فرجها خرج من العنة، وإن غيب منه أقل من الحشفة لم يخرج من العنة بذلك لانه لو كان ذكره سليما فغيب منه هذا القدر خرج من العنة، وكذلك لم يخرج من العنة بذلك، وكذلك إذا كان بعضه مقطوعا، والثانى - وهو ظاهر النص - أنه لا يخرج من العنة إلا يتغييب جميع ما بقى من الذكر في الفرج، ولانه إذا كان سليما فهنالك حد يمكن اعتباره وهو الحشفة، فإذا كان بعضه مقطوعا فليس هناك حد يمكن اعتباره، فاعتبر كله، وعندي أن الغسل وسائر أحكام الوطئ على هذين الوجهين.
وإن وطئها في الموضع المكروه لم يخرج من العنة، لانه ليس محل الوطئ في الشرع ولهذا لا يجعل به الاحلال للزوج الاول، وإن أصابها بالفرج وهى حائض أو نفساء أو صائمة عن فرض أو محرمه خرج من العنة، لانه محل للوطئ في الشرع وإنما حرم الوطئ لعارض.
(فرع)
وان ادعى الزوج أنه وطئها أنكرت فان كانت ثيبا فالقول قول الزوج مع يمينه، لانه لا يمكن اثباته بالبينه، وان كانت بكرا عرضت على أربع من القوابل، فان قلن: ان بكارتها قد زالت فالقول قول الزوج مع يمينه، لان الظاهر أن البكارة لا تزول الا بالوطئ، وان قلن: ان البكارة باقيه، فان قال الزوج: اننى قد أصبتها وهى ثيب لم يلتفت إلى قوله، لان ذلك طعن على
البينه، فثبت عجزه، وان قال: صدقت كنت قد أصبتها وزالت بكارتها ثم عادت فالقول قول الزوجه، لان الظاهر أن البكارة لا تعود.
قال الشافعي رضى الله عنه: وتحلف المرأة على ذلك، لان ما يدعيه الزوج ممكن لانه قد قال أهل الخبرة: ان الرجل إذا وطئ البكر ولم يبالغ، فان البكارة ربما زالت ثم عادت، فحلفت عليه، هذا مذهبنا.
وقال الاوزاعي: يترك الزوج معها، ويكون هناك امرأتان جالستين خلف ستر قريب منهما، فإذا قام الرجل عن جماعها بادرتا فنظرتا إلى فرجها، فان رأتا فيه الماء علمتا أنه أصابها، وان لم تريا فيه الماء علمتا أنه لم يصبها.
وقال مالك: يفعل ذلك ولكن يقتصر على إمراة واحدة، وحكى أن إمرأة ادعت على زوجها العنة، فكتب سمرة بن جندب رضى الله عنه بذلك إلى معاوية رضى الله عنه فكتب إليه أن يزوج الرجل إمرأة ذات حسن وجمال يذكر عنها الصلاح ويساق إليها صداقها من بيت المال لتختبر حاله، فإن أصابها فقد كذبت يعنى زوجته المدعية وإن لم يصبها فقد صدقت ففعل ذلك ثم سألها عنه فقالت: ما عندي شئ، فقال سمرة رضى الله عنه ما دنا ولا انتشر عليه؟ فقالت بلى دنا وانتشر عليه، ولكن جاءه سره أي أنزل قبل أن يولج هذه رواية الشيخ أبى حامد وسائر أصحابنا.
وأما أبو عبيد فذكر أن معاوية رضى الله عنه كتب إليه أن اشتر له جارية من بيت المال وأدخلها معه ليلة، ثم اسألها عنه، ففعل سمرة رضى الله عنه فلما أصبح قال.
ما صنعت؟ فقال فعلت حتى حصحص فيه، فسأل الجارية فقالت لم يصنع شيئا فقال.
خل سبيلها ما محصحص، والحصحصة الحركة في الشئ حتى يستقر، وما ذكره الاوزاعي ومالك غير صحيح، لان العنين قد ينزل من غير
ايلاج وقد يولج من غير انزال، وما ذكره معاوية غير صحيح، لان الرجل قد يعن عن إمرأة ولا يعن عن غيرها.
(مسألة) وإذا انقضت السنة ولم يقدر على وطئها كانت بالخيار بين الاقامة والفسخ، فإن اختارت الاقامة سقط حقها من الفسخ لانها أسقطت ما ثبت لها من الفسخ، فإن أرادت بعد ذلك أن ترجع فتطالب بالفسخ لم يكن لها ذلك لانه عيب رضيت به، فهو كما لو وجدته مجذوما أو أبرص فرضيت به ثم أرادت أن تفسخ بعد ذلك فإن اختارت الفسخ - لم يصح الا بالحاكم لانه مجتهد فيه.
قال ابن الصباغ ويفسخ الحاكم النكاح، ويجعله إليها فتفسخ.
قال الشيخ أبو حامد لا تفسخه المرأة بنفسها لان الصحابة رضى الله عنهم، قالوا فان جامعها والا فرق بينهما، فأخبر أنها لا تنولاه، ويكون ذلك فسخا لا طلاقا.
وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضى الله عنهم تكون طلقة بائنة.
دليلنا أنه فسخ بعيب كفسخ المشترى لاجل العيب في المبيع، وكالامة إذا أعتقت
تحت عبد فاختارت الفسخ، فان رضيت بالمقام معه قبل أن يضرب له المدة وفى اثباتها فيه وجهان وحكاهما ابن الصباغ قولين.
(أحدهما)
يسقط حقها من الفسخ لانها رضيت بعيبه فهو كما لو رضيت به بعد انقضاء المدة
(والثانى)
لا يسقط حقها من الفسخ وهو الاصح، لانها أسقطت حقها من الفسخ.
قبل جوازه فلم يسقط كالشفيع إذا أسقط حقه من الشفعة قبل الشراء.
(فرع)
إذا تزوج رجل امرأة فوطئها ثم عجز عن وطئها لم يثبت لها الخيار ولا يحكم لها عليه بالعنة.
وقال أبو ثور: يضرب لها المدة، ويثبت لها الخيار كما لو وطئها ثم جب ذكره.
دليلنا أن العنة يتوصل إليها بالاستدلال والاجتهاد
فإذا تحققنا قدرته على الوطئ في هذا النكاح لم يرجع فيه إلى الاستدلال، ومضى الزمان لانه رجوع من اليقين إلى الظن، ويخالف إذا وطئها ثم جب، لان الجب أمر مشاهد متحقق فجاز أن تدفع قدرته على الوطئ بالامر المتحقق، فان تزوج امرأة ثم وطئها ثم طلقها فبانت منه ثم تزوجها فادعت عليه بالعنة سمعت دعواها عليه، فان أقر بذلك ضربت له المدة لان كل نكاح له حكم نفسه، ويجوز أن يثبت في نكاح دون نكاح، كما يثبت من امرأة دون امرأة.
(فرع)
وان تزوج رجل امرأة مع علمها أنه عنين بأن أخبرها أنه عنين أو تزوجها فأصابته عنينا فسخت النكاح ثم تزوجها ثانيا.
فيه قولان.
قال في الام: لا يثبت لها الخيار لانها تزوجته مع العلم بحاله فلم يثبت لها الفسخ كما لو اشترى سلعه مع العلم بعيبها.
وقال في الجديد: يثبت لها الفسخ لان كل نكاح له حكم نفسه، ولانها انما تحققت عنته في النكاح الاول، ويجوز أن يكون عنينا في نكاح دون نكاح.
(مسألة) قال الشافعي رضى الله عنه: فان فارقها بعد ذلك ثم راجعها ثم سألت أن يؤجل لها لم يكن لها ذلك، وجملة ذلك أن امرأة إذا أصابت زوجها عنينا فضربت له المدة ورضيت بالمقام معه ثم طلقها وعادت إليه نظرت، فان طلقها طلاقا رجعيا ثم راجعها وأرادت أن تضرب له المدة ثانيا لم يكن لها ذلك لان الرجعيه استصلاح النكاح الاول وليس بتجديد عقد النكاح، وقد رضيت
بمقامها معه في هذا النكاح فلم يكن لها أن تطالب بضرب المدة، فاعترض المزني على الشافعي وقال: لا تجتمع الرجعية مع العنة، لانه إن كان قد وطئها في هذا النكاح، فإنه لا تضرب له مدة العنة لانه وإن لم يصبها فيه فلا عدة عليها له ولا رجعة، قال أصحابنا: يحتمل أن يكون الشافعي رضى الله عنه بنى هذا على
القول القديم أن الخلوة تثبت العدة، فكأنه فرضها فيمن خلا بإمرأته ولم يطأها فأصابته عنينا فضربت له المدة ثم اختارت المقام معه ثم طلقها ولم يبنها، فإن له الرجعة عليها لان الخلوة كالدخول في استقرار المهر بوجوب العدة والرجعة على هذا ويحتمل أنه بناها على القول الجديد وهو إذا وطئها ولم يغيب الحشفة في الفرج وأنزل واستدخلت ماءه من غير جماع، فإنه يجب عليها العدة وله عليها الرجعة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أصح، لان الشافعي رحمه الله ذكرها في الام، وقوله في الام: إن الخلوة لا تقر المهر، ولا توجب العدة.
وقال المسعودي: يحتمل أن يكون الشافعي رحمه الله أراد إذا وطئها في دبرها وإن كان الطلاق بائنا ثم تزوجها بعده فقد تزوجته مع العلم بعيبه، وهل لها الخيار؟ فيه قولان مضى بيانهما.
(فرع)
فرع إذا تزوج إمرأتين فعن عد إحداهما دون الاخرى ضربت له المدة التى عن عنها لان لكل واحدة حكم بعنتتها فاعتبر حكمها بانفرادها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن وجدت المرأة زوجها مجبوبا ثبت لها الخيار في الحال، لان عجزه متحقق، فإن كان بعضه مجبوبا وبقى ما يمكن الجماع به فقالت المرأة: لا يتمكن من الجماع به.
وقال الزوج: أتمكن، ففيه وجهان.
(أحدهما)
أن القول قوله، لان له ما يمكن الجماع بمثله، فقبل قوله.
كما لو اختلفا وله ذكر قصير.
(والثانى) وهو قول أبى إسحاق: أن القول قول المرأة، لان الظاهر معها، فإن الذكر إذا قطع بعضه ضعف، وإن اختلفا في القدر الباقي هل يمكن الجماع به فالقول قول المرأة، لان الاصل عدم الامكان،