كتاب اللقيط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
التقاط المنبوذ فرض على الكفاية لقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) ولانه تخليص آدمى له حرمة من الهلاك فكان فرضا كبذل الطعام للمضطر.
قال (اخذت منبوذا على عقد عمر رضى الله عنه فذكره عريفي لعمر رضى الله عنه فارسل إلى فدعاني والعريف عنده، فملما رأني قال: عسى الغوير ابؤسا، فقال عريفي انه لا يتهم، فقال عمر: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: وجدت نفسا بمضيعة فأحببت أن يأجرني الله فيه، فقال هو حر وولاؤه لك وعلينا رضاعه.
ولان الاصل في الناس الحرية، فان كان عليه ثياب أو حلى أو تحته فراش أو في يده دارهم أو عنان فرس، أو كان في دار ليس فيها غيره فهى له، لانه حر، فكان ما في يده له كالبالغ.
وان كان على بعد منه مال مطروح أو فرس مربوط لم يكن له لانه لايد له عليه.
وان كان بالقرب منه وليس هناك غيره ففيه وجهان
(أحدهما)
ليس له لانه لا يد له عليه
(والثانى)
له لان الافسان قد يترك ماله بقربه فإذا لم يكن هناك غيره فالظاهر انه له، وان كان تحته مال مدفون لم يكن له لان البالغ لو جلس على الارض وتحته دفين لم يكن له ذلك فكذلك اللقيط.
(فصل)
وان وجد في بلد من بلاد المسلمين وفيه مسلم فهو مسلم، لانه اجمتع له حكم الدار واسلام من فيها، وان كان في بلد الكفار ولا مسلم فيه، فهو كافر، لان الظاهر انه ولد بين كافرين.
وان كان فيه مسلم ففيه وجهان.
(أحدهما)
انه كافر تغليبا لحكم الدار
(والثانى)
انه مسلم تغليبا لاسلام المسلم الذى فيه.
وان التقطه حر مسلم امين مقيم موسر أقر في يده، لما ذكرناه مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لابد من ان يكون في يد من يكفله، فكان
الملتقط أحق به لحق السبق
(الشرح) اثر عمر وسنين ابى جميلة رواه سعيد بن منصور عن سفيان عن الزهري سمع سنينا أبا جميلة بهذا.
وقال الامير ابن مأكولا في كتاب الاكمال: سنين بنونين بينهما ياء حج من النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وروى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وروى عنه الزهري.
قال أبو موسى: سنين بن فرقد.
أما غريب الخبر فقوله (قد كره عريفي) العريف رجل يكون رئيسا على نفر يعرف أمورهم ويجمعهم عند الغزو، وهو فعيل بمعنى فاعل وقوله (عسى الغوير أبؤسا) الغوير ماء لبنى كلب وهذا مثل، أول من تكلم به الزباء ملكة تدمر حين رأت الابل عليها الصناديق فاستنكرت شأن قصير إذ أخذ على غير الطريق أرادت عسى أن يأتي بذلك الطريق بشر، والابؤس جمع بأس وانتصابه بعسى على أنه خبره على ما عليه أصل القياس.
وقال الاصمعي: أصله أنه كان غار فيه ناس فانهار عليهم أو أتاهم فيه عدو فقتلهم فصار مثلا لكل شئ يخاف أن يأتي منه شر.
وقوله بمضيعه على وزن معيشة أي مهلكة من ضاع الشئ أي هلك، وقد أتى على هذا الوزن في قول قيس بن ذريح: بدار مضيعة تركتك لبنى كذلك الحين يهدى للمضاع هكذا أفاده ابن بطال في شرح غريب المهذب، وللقيط فعيل بمعنى مفعول وهو الملقوط، وهو يطلق على الطفعل المنبوذ والتقاطه واجب لقوله تعالى (تعاونوا على البر والتقوى) ولان فيه إحياء نفس فكان واجبا كاطعام المضطر وإنجائه من الغرق، وكذلك قوله تعالى (ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعا، على أن تسميته منبوذا بعد أخذه والتقاطه أو تسميته لقيطا قبل أخذه فهذا وان كان مجازا لكنه صار حقيقة شرعية فهو بعد أخذه يبقى مجازا بناء على زوال الحقيقة بزوال المعنى المشتق منه.
وحكمه شرعا فرض كفاية إذا علم به جماعة وأداه بعضهم سقط عن الباقين،
فان تركه الجمعة أثموا جميعا إذا علموا فتركوه مع إمكان أخذه.
على أن اللقيط حر في قول عامة أهل العلم الا النخعي.
قال ابن المذر: أجمع عوام أهل العلم أن اللقيط حر، روى هذا عن عمر وعلى رضى الله عنهما، وبه قال عمر بن عبد العزيز والشعبى والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأى ومن بتعهم.
وقال النخعي: إن التقطه للحبسة فهو حر، وان كان أراد أن يسترقه فذلك له، وذلك قول شذ فيه عن الخلفاء والعلماء، ولا يصح في النظر، فان الاصل في الادميين الحرية، فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا، وانما الرق للعارض فإذا لم يعلم ذلك العارض فله حكم الاصل.
واللقيط اما أن يوجد في دار الاسلام أو في دار الكفر: فالاولى ضربان، دار اختطها المسلمون وأحدثوا مبانيها ابتداء أو أعادوا بناءها بعد أن كانت لغيرهم لغلبة الاسلام عليها وأصطباغها بصبغة الاسلام فلا يوجد فيها من غير المسلمين إلا قليل فلقيط هذه البلاد يحكم باسلامه، وإن كان فيها أهل ذمة تغليبا للاسلام ولظاهر الدار، ولان الاسلام يعلو ولا يعلى، فمثل التى أنشأها المسلمون الكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والفسطاط وتونس والرباط، ومثل التى أعادها المسلمون الاسكندرية ودمشق ودمنهور والقدس صانها الله وطهرها من رجس اعدائه اليهود، وقد مضى عام بتمامه منذ غزاها اليهود إلى ساعة كتابة هذا الفصل
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(الضرب الثاني) بلاد فتحها المسلمون وبقى أهلها على دينهم فإذا وجد فيها مسلم واحد كان لقيطها مسلما تغليبا لحكم الاسلام ووجود مسلم فيها.
وأما بلد الكفار فضربان ايضا، بلد كان للمسلمين فغلب الكفار عليه كبلاد فلسطين فهذا كالضرب الذى قبله ان كان فيه مسلم حكم باسلام لقيطه: الثاني بلد لم يفتحه المسلمون من قبل أو فتحوه وغلب الكفار عليه واستأصلوا منه شأفة المسلمين كبلاد الاندلس (لهفى على قرطبه ومرسية وقشتالة وغرناطة ومجريط (مدريد) وميورقه كلهفي على ربوع المسجد الاقصى وما حوله من المباركات)
ففى لقيطها مع وجود مسلم فيها وجهان
(أحدهما)
ان يحكم بكفره تغليبا للدار.
والوجه الثاني أنه مسلم تغليبا للاسلام بوجود مسلم فيه، وهذا التفصيل كله مذهب أحمد بن حنبل أيضا.
والضرب الثاني: دار لم تكن للمسلمين أصلا كأكثر بلاد أوربا وأمريكا.
فهذه البلاد إن لم يكن فيها مسلم فلقيطها كافر قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن الطفل إذا وجد في بلاد المسلمين ميتا في أي مكان وجد وجب غسله وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين، وقد منعوا أن يدفن أطفال المشركين في مقابر المسلمين.
قال: إذا وجد لقيط في قرية ليس فيها الا مشرك فهو على ظاهر ما حكموا به انه كافر.
هذا قول الشافعي وأحمد وأصحاب الرأى.
قالوا وفى الموضع الذى حكمنا باسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرا لا يقينا، لانه يحتمل ان يكون ولد كافر، فلو أقام كافر بينة أنه ولد على فراشه حكمنا له به.
وإذا بلغ اللقيط حدا يصح فيه اسلامه وردته فوصف الاسلام فهو مسلم، سواء
ممن حكم باسلامه أو كفره، وان وصف الكفر وهو ممن حكم باسلامه فهل هو مرتد لا يقر على كفره؟ نص الشافعي في الام انه يقر على كفره ولا يكون مرتدا.
وقال أبو حنيفة هو مرتد لا يقر على كفره، وعند الحنابلة وجهان كقولي أبى حنيفة والشافعي.
دليلنا أنه وصف الكفر بقوله، وقوله اقوى من ظاهر الدار.
اللهم الا أن يقال: الاحتياط للاسلام يلغى قوله المانع له لاحتمال أن يكون كذبا.
هكذا أفاده الرملي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) فان كان له مال كانت نفقته في ماله كالبالغ، ولا يجوز للملتقط أن ينفق عليه من ماله بغير اذان الحاكم، فان أنفق عليه من غير اذنه ضمنه لانه لا ولاية له عليه الا في الكفالة فلم يملك الانفاق بنفسه كالام، وان فوض إليه الحاكم أن ينفق عليه مما وجده معه فقد قال في كتاب اللقيط يجوز.
وقال في كتاب اللقطة: إذا انفق الواحد على الضالة ليرجع به لم يجز حتى يدفع إلى الحاكم ثم يدفع الحاكم إليه ما ينفق عليه، فمن أصحابنا من نقل جواب كل واحدة من المسئلتين إلى الاخرى، وجعلهما على قولين
(أحدهما)
لا يجوز لانه لا يلى بنفسه فلم يجز ان يكون وكيلا لغيره في القبض له من نفسه، كما لو كان عليه دين ففوض إليه صاحب الدين قبض ماله عليه من نفسه
(والثانى)
يجوز لانه جعل أمينا على الطفل فجاز أن ينفق عليه مما له في يده كالوصي.
ومنهم من قال: يجوز في اللقيط ولا يجوز في الضالة، لان اللقيط لا ولى له في الظاهر، فجاز ان يجعل الواحد وليا والضالة لها مالك هو ولى عليها فلا يجوز ان يجعل الواحد وليا عليها.
وان لم يكن حاكم فانفق من غير اشهاد ضمن، وان أشهد ففيه قولان
(أحدهما)
يضمن لانه لا ولاية لفضمن، كما لو كان الحاكم موجودا
(والثانى)
لا يضمن لانه موضع ضرورة، وان لم يكن له مال وجب على السلطان القيام بنفقته لانه آدمى له حرمة يخشى هلاكه، فوجب على السلطان القيام بحفظه، كالفقير الذى لا كسب له.
ومن اين تجب النفقة؟ فيه قولان
(أحدهما)
من بيت المال، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ استشار الصحابة في نفقة اللقيط فقالوا من بيت المال، ولان من لزم حفظه الانفاق ولم يكن له مال وجبت نفقته من بيت المال، كالفقير الذى لا كسب.
فعلى هذا لا يرجع على احد بما انفق عليه، والقول الثاني لا يجب مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ لا يصرف الا فيما لا وجه له غيره واللقيط يجوز ان يكون عبدا فنفقته على مولاه، أو حرا له مال أو فقيرا له من تلزمه نفقته، فلم يلزم من بيت المال.
فعلى هذا يجب على الامام أن يقترض له ما ينفق عليه من بيت المال أو من رجل من المسلمين، فان لم يكن في بيت المال ولا وجد من يقرضه جمع الامام من له مكنة وعد نفسه فيهم وقسط عليهم نفقته، فان بان أنه عبد رجع على مولاه.
وان بان أن له أبا موسرا رجع عليه بما اقترض له، فان لم يكن له أحد وله كسب رجع في كسبه.
وان لم يكن له كسب قضى من سهم من يرى من المساكين أو الغارمين.
(فصل) واما إذا التقطه عبد فان كان باذن السيد وهو من أهل الالتقاط جاز
لان الملتقط هو السيد، والعبد نائب عنه وان كان بغير اذنه لم يقر في يده لانه لا يقدر على حضانته مع خدمة السيد، وان علم به السيد واقره في يده كان ذلك التقاطا من السيد، والعبد نائب عنه (الشرح) إذا وجد مع اللقيط شئ فهو له وينفق عليه منه، والى هذا ذهب
الشافعي وأحمد وأصحاب الرأى، وذلك الطفل يملك وله يد صحيحة، بدليل أنه يرث ويورث ويصح ان يشترى له وليه ويبيع، ومن له ملك صحيح فله يد صحيحة كالبالغ فإذا ثبت هذا: فكل ما كان متصلا به أو متعلقا بمنفعة فهو تحت يده ويثبت بذلك ملكا له في الظاهر، فمن ذلك ما كان لابسا له أو مشدودا في ملبوسه أو في يديه أو مجعولا فيه كالسرير والسفط وما فيه من فرش أو دراهم، والثياب التى تحته والتى عليه، وان كان مشدودا على دابة، أو كانت مشدودة في ثيابه أو كان في خيمة أو في دار فهى له.
وأما المنفصل عنه فان كان بعيدا منه فليس في يده، وان كان قريبا منه كثوب موضوع إلى جانبه ففيه وجهان.
أحدهما: ليس هو له لانه منفصل عنه فهو كالبعيد.
والثانى: هو له، وهو أصح لان الظاهر انه ترك له فهو بمنزلة ما هو تحته، ولا القريب من البالغ يكون في يده، الا ترى ان البائع الجائل يقعد في السوق ومتاعه بقربه ويحكم بأنه في يده؟ والحمال إذا جلس لاستراحة ترك حمله قريبا منه فاما المدفون تحته فقد قال بعض الفقهاء: ان كان الحفر طريا فهو له، والا فلا، لان الظاهر أنه إذا كان طريا فواضع اللقيط حفره، وإذا لم يكن طريا كان مدفونا قبل وضعه، وقيل: ليس هو له بحال، لانه بموضع لا يستحقه إذا لم يكن الحفر طريا، فلم يكن له إذا كان طريا كالبعيد منه، ولان الظاهر انه لو كان له لشده واضعه في ثيابه ليعلم به، ولم يتركه في مكان لا يطلع عليه، وكل ما حكمنا بانه ليس له فحكمه حكم اللقطة، وما هو له انفق عليه منه، فان كان كفايته لم بجب نفقته على أحد لانه ذو مال فاشبه غيره من الناس.
فإذا ثبت هذا: فان لملتقطه الانفاق عليه بإذن الحاكم، وقال أصحاب أحمد: ينفق عليه بغير اذن الحاكم ذكره أبو عبد الله بن حامد من الحنابلة.
قال ابن قدامة: لانه ولى له فلم يعتبر في الانفاق عليه في حقه إذن الحاكم كوصي اليتيم، ولان هذا من الامر بالمعروف فاستوى فيه الامام وغيره كتبديد الخمر.
وروى أبو الحارث عن احمد رضى الله عنه في رجل أودع رجلا مالا وغاب وطالت غيبته وله ولد ولا نفقة له، هل ينفق عليهم؟ فلم يجعل له الانفاق عليهم من غير إذن الحاكم، فقال بعض أصحاب أحمد: هذا مثله.
وقال بعضهم وهو الصحيح عندهم: إن هذا مخالف بناء على ان الملتقط له ولاية على اللقيط عندهم فيكون له ولاية أخذه وحفظه.
ولنا أن اللقيط ينبغى أن يتولى الحاكم أمره فقد يعين له من هو أوفر خبرة وأكثر صيانة والحاكم مجتهد له بصره النافذ ورأيه الصائب وهو ولى من لا ولى له فإذا أنفق عليه الملتقط من ماله الذى وجده ضمنه لانه لا حق له في الانفاق إلا بإذن الحاكم فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رواية الربيع بن سليمان في المنبوذ هو حر ولا ولاء له، وانما يرثه المسلمون بأنهم خولوا كل مال لا مالك له، ألا ترى أنهم يأخذون مال لنصراني ولا وارث له؟ ولو كانوا أعتقوه لم يأخذوا ماله بالولاء، ولكنهم خولوا مالا مالك له من الاموال اه.
وقال في اللقطة ما يفيد عدم جواز الانفاق على الضاله بقصد الرجوع به على ربها الا باذن الحاكم، ثم يدفع الحاكم إليه ما ينفق عليه، ففى النص الاول جعل للمسلمين جميعا حق الولاية والارث على اللقيط وماله، وفى النص الثاني جعل ذلك باذن الحاكم، فمن أصحابنا من نقل جواب كل مسألة إلى الاخرى فجعل في اللقطة قولين وفى اللقيط قولين، فالقول بجواز اللقطه يمنعه في اللقيط، والقول بجوازه في اللقيط يمنعه في اللقطه.
فإذا لم يجد الحاكم فأشهد رجلين أو رجلا وامرأتين أو أربع نسوة ففى ضمانه قولان.
أما إذا لم يكن له مال لم يلزم الملتقط الانفاق عليه قى قول عامة أهل العلم قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبه على الملتقط كوجوب نفقة الولد، وذلك لان أسباب وجوب النفقه من
القرابة والزوجية والملك والولاء منتفية، والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك، وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك نفقة كما لو فعله بغير اللقيط، فإذا عرف هذا وكان نسمة يجب تعهدها بالتربية والانفاق انصرف هذا الواجب إلى بيت مال المسلمين، لقول عمر رضى الله عنه: هو حر لك ولاؤه وعلينا نفقته، وذلك لانه كالفقير الذى لا كسب فان نفقته واجبة له في بيت مال المسلمين، وذلك لان بيت المال وارثه، وماله مصروف إليه فتكون نفقته عليه كقرابته وموالاته.
فان تعذر الانفاق عليه لعدم وجود مال في بيت المال أو كان اللقيط في مكان لا تقوم فيه حكومه تنفذ شريعة الله وترعى العجزة والفقراء واللقطاء فعلى من علم حاله أن يتولى الانفاق عليه.
ويحتمل أن يقال: إنه لا يجب الانفاق عليه من بيت المال ولو كان موجودا وفيه مال، لان بيت المال إنما ينفق منه في الوجوه التى توفر على الانفاق عليها، وقد تكون أهم من هذا، واللقيط يحتمل أن يكون غنيا، ويحتمل أن يكون له أب موسر، ويحتمل أن له سيد تجب عليه نفقته.
فإذا قلنا: إنه لا يجب الانفاق عليه من بيت المال وجب على الامام أن ينظم جماعة يكون هو أحد أفرادها تتولى الانفاق عليه على سبيل الاقراض، حتى إذا ظهر له مال أو ولى شرعى موسر، أو استطاع الكسب أمكن رد ما أنفق عليه، فان لم يكن يستطع الكسب ولم يكن له ولى موسر قضى من سهم المساكين أو الغارمين، ويجرى هذا كله على اللقيط ولو حكم بكفره.
قال في النهاية: خلافا
لما في الكفاية تبعا للماوردى.
فإذا امتنع أهل القرية أو البلدة عن أن ينفقوا على اللقيط وجب على الامام قتالهم، ويفرق هنا بين كونها قرضا وفى بيت المال مجانا، بأن وضع بيت المال الانفاق على المحتاجين فلهم فيه حق مؤكد دون مال المياسير، وإذا لزمهم وزعها الامام على مياسير بلده، فان شق ذلك فعلى من يراه الامام منهم، فان استووا في نظره تخير، وهذا إن لم يبلغ اللقيط، فان بلغ فمن سهم الفقراء أو المساكين أو الغارمين كما قررنا، فان ظهر له سيد أو قريب رجع عليه وقد ضعف هذا النووي في الروضة وخالفه الشمس الرملي في النهايه.
وجملة هذا أن من أنفق متبرعا فلا شئ له سواء كان الملتقط أو غيره، وإن تبرع بالانفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف، وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأى وان أنفق بغير أمر الحاكم محتسبا بالرجوع عليه فقد قال الشافعي ومالك والثوري والاوزاعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشعبى وابن المنذر: هو متبرع.
وقال أحمد بن حنبل: تؤدى النفقة من بيت المال، وقال شريح والنخعي يرجع عليه بالنفقة إذا أشهد عليه.
وقال بن عبد العزيز: يحلف ما أنفق احتسابا، فإن حلف استسعى والاصل عند القائلين بالرجوع أنه أدى ما وجب على غيره فكان له الرجوع على من كان الوجوب عليه كالضامن إذا قضى عن المضمون عنه.
هذا وما بقى من كلام المصنف فعلى وجهه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان التقطه كافر نظرت، فإن كان اللقيط محكوما بإسلامه لم يقر في يده، لان الكفالة ولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، ولانه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه، وان كان محكوما بكفره أقر في يده لانه على دينه، وان التقطه فاسق لم يقر في يده، لانه لا يؤمن أن يسترقه، وأن يسئ في تربيته، ولان الكفالة ولاية والفاسق ليس من أهل الولاية
(فصل)
وان التقطه ظاعن يريد أن يسافر به نظرت، فان لم تختبر أمانته في الباطن، يقر في يده، لانه لا يؤمن أن يسترقه إذا غاب، وان اختبرت أمانته في الباطن، فان كان اللقيط في الحضر والملتقط من أهل البدو ويريد أن يخرج به إلى البدو منع منه، لانه ينقله من العيش في الرخاء إلى العيش في الشقاء، ومن طيب المنشأ إلى موضع الجفاء.
وفى الخبر (من بدا فقد جفا) وان أراد أن يخرج به إلى بلد آخر ففيه وجهان
(أحدهما)
يجوز، وهو ظاهر النص، لان البلد كالبلد
(والثانى)
لا يجوز، لان البلد الذى وجد فيه أرجى لظهور نسبه فيه.
وإن كان الملتقط في بدو، فإن كان الملتقط من أهل الحضر وأراد أن يخرج به إلى الحضر جاز، لان الحضر أرفق به وأنفع له، وإن كان من البادية فإن كانت حلته في مكان لا ينتقل عنه أقر في يده، لان الحلة كالقرية، وإن كان يظعن في طلب الماء والكلا ففيه وجهان (أحدهما) يقر في يده لانه أرجى لظهور نسبه.
(والثانى) لا يقر في يده لانه يشقى بالتنقل في البدو.
(فصل)
وإن التقطه فقير ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يقر في يده لانه لا يقدر على القيام بحضانته، وفى ذلك إضرار باللقيط
(والثانى)
يقر في يده لان الله تعالى يقوم بكفاية الجميع.
(الشرح) حديث (من بدا فقد جفا) رواه أحمد في المسند عن البراء بن عازب
بلفظ (من بدا جفا) ورواه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود بلفظ (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) وإسناد أحمد صحيح، وفى إسناد الطبراني نظر أما اللغات فقوله: ظاعن فاعل ظعن وبابه نفع، أي ارتحل ويتعدى بالهمزة وبالحرف، فيقال أظعنته وظعنت به، فهو ظاعن للفاعل ومظعون للمفعول، والاصل مظعون به ولكن حذفت الصله لكثرة الاستعمال، وباسم المفعول سمى الرجل، ويقال للمرأة ظعينة فعيلة بمعنى مفعولة، لان زوجها يظعن بها، ويقال الظعينة الهودج، وسواء كان فيه امرأة أم لا، والجمع ظعائن وظعن بضمتين.
ويقال الضعينة في الاصل وصف المرأة في هودجها، سميت بهذا الاسم وإن كانت في بيتها.
قال تعالى (ويوم ظعنكم ويوم إقامتكم) قوله: ومن طيب المنشأ إلى موضع الجفاء.
المنشأ بالهمز مقصور، وهو موضع النشوء وزمان الحداثة، يقال نشأت في بنى فلان إذا شببت فيهم، مأخوذ من أنشاء الله له، أي ابتداء خلقه.
وقوله صلى الله عليه وسلم (من بدأ جفا) أي من نزل البادية صار فيه جفاء الاعراب، والجفاء ممدود وهو ضد البر، يقال جفوت الرجل أجفوه، ولا يقال جفيت.
وهو مأخوذ من جفاء السيل، وهو ما نفاه السيل، والحلة المنزل ينزله القوم وحيث يحلون.
أما الاحكام فإنه ليس لكافر التقاط مسلم لانه لا ولاية لكافر على مسلم، ولانه لا يؤمن أن يفتنه ويلقنه الكفر، بل الظاهر أنه يربيه على ملته وينشأ على ذلك كولده، فإن التقطه فلا يقر في يده، وإن كان الطفل محكوما بكفره فله التقاطه لان الذين كفروا بعضهم أولياء بعض.
أما إذا التقطه من هو مستور الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة
أقر اللقيط في يديه، لان حكمه حكم العدل في لقطة المال والولاية في النكاح والشهادة فيه وفى أكثر الاحكام، ولان الاصل في المسلم العدالة، ولذلك قال عمر رضى الله عنه: المسلمون عدول بعضهم على بعض، فان أراد أن يسافر بلقطته فانه لا يقر في يديه، وهذا هو مذهبنا، لانه لم تتحقق أمانته فلم تؤمن خيانته، وهذا أحد الوجهين عند الحنابله.
والوجه الثاني عندهم يقر فأما من عرفت عدالته واتضحت أمانته، فيقر اللقيط في يده في سفره وحضره لانه مأمون عليه إذا كان سفره لغير النقلة، فإذا كان سفر الامين باللقيط إلى مكان يقيم به نظرت فان كان التقطه من الحضر فأراد النقل به إلى البادية لم يقر في يده لوجهين:
(أحدهما)
أن مقامه في الحضر أصلح له في دينه ودنياه وأرفه له
(والثانى)
أنه إذا وجد في الحضر فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فيه أرجى لكشف نسبه وظهور أهله واعترافهم به، النقلة به من بلد الحضر ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو المنصوص، وهو أحد الوجهين عند الحنابله: يقر في يده لان ولايته ثابتة، والبلد الثاني كالبلد الاول في الرفاهية فيقر في يده، كما لو انتقل من أحد أقسام البلد إلى قسم آخر، وفارق المنتقل به إلى البادية لانه يضر به بتفويت الرفاهية عليه وان التقطه من البادية فله نقله إلى الحضر لانه ينقله من أرض البؤس والشقاء إلى الرفاهية والدعة والدين (الثاني) لا يقر في يده، ولان بقاءه في بلده أرجى لكشف نسبه فلم يقر في يد المنتقل عنه قياسا على المنتقل به إلى الباديه، وان أقام به في حلة يستوطنها، فله ذلك، وان كان ينتقل به إلى المواضع أحتمل أن يقر في يديه، لان الظاهر
أنه أبن بدويين وإقراره في يدى ملتقطه أرجى لكشف نسبه، ويحتمل أن يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب قرية لانه أرفه له وأخف عليه وكل موضع قلنا ينزع من ملتقطه فإنما يكون ذلك إذا وجد من يدفع إليه ممن هو أولى به، فإن لم يوجد من يقوم به أقر في يدى ملتقطه، لان إقراره في يديه مع قصوره أولى من إهلاكه، وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه فملتقطه أولى به.
إذ لا فائدة في نزعه من يده، ودفعه إلى مثله.
(فرع)
إذا التقطه فقير فإن قلنا إنه لا يقدر على حضانته من حيث ضعف الامكانيات اللازمة لحياة الطفل من الامور التى تخرج من الانفاق، إذ أن الانفاق لا يلزم الملتقط كما قررنا قبل، كأن كان مسكنه غير صحي لا تتوفر فيه وسائل التهوية ولا أسباب الوقاية والنظافة، فعلى هذا الوجه لا يقر في يده، وإن قلنا بأن الامور تجرى بضمان الله وكفالته، وأن الله تعالى تكفل بحفظه إذا شاء، وأن الاسباب الضرورية للحياة التى ينشأ عليها ابناء الفقراء مألوفة عندهم ويشبون عليها وتبنى فيها أجسامهم كأقوى ما تبنى الاجسام، وقد رأينا بالحس والمشاهدة ما يتمتع به أبناء الفقراء من مناعة ضد الامراض مع الكفاف في العيش، وذلك من رعاية الله تعالى لخلقه، فعلى هذا الوجه يقر في يده وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
وإن تنازع في كفالته نفسان من أهل الكفالة قبل أن يأخذاه، أخذه السلطان وجعله في يد من يرى منهما أو من غيرهما، لانه لا حق لهما قبل الاخذ ولا مزية لهما على غيرهما، فكان الامر فيه إلى السلطان.
وإن التقطاه وتشاحا أقرع بينهما، فمن خرجت عليه القرعة أقر في يده.
وقال أبو على بن خيران: لا يقرع بينهما، بل يجتهد الحاكم فيقره في يد من هو أحظ له، والمنصوص هو الاول لقوله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون
أقلامهم أيهم يكفل مريم) ولانه لا يمكن أن يجعل في أيديهما، لانه لا يمكن أجتماعهما على الحضانة، ولا يمكن أن يجعل بينهما مهايأة، لانه تختلف عليه الاخلاق والاغذية فيستضر، ولا يمكن أن يقدم أحدهما لانهما متساويان في
سبب الاستحقاق، ولا يمكن أن يسلم إلى غيرهما، لانه قد ثبت لهما حق الالتقاط فلا يجوز اخراجه عنهما فأقرع بينهما.
كما لو أراد أن يسافر بإحدى نسائه، وان ترك أحدهما حقه من الحضانة ففيه وجهان
(أحدهما)
يدفع إلى السلطان فيقره في يد من يرى، لان الملتقط لا يملك غير الحفظ.
فأما إقرار اللقيط في يد غيره فليس ذلك إليه، ولهذا لو انفرد بالالتقاط لم يملك أن ينقله إلى غيره.
(والثانى) وهو المذهب أنه يقر في يد الآخر من غير اذن السلطان، لان الحضانة بحكم الالتقاط لا تفتقر إلى اذن السلطان، ولهذا لو انفرد كل واحد منهما بالالتقاط ثبت له الحضانة من غير اذن، فإذا اجتمعا وترك أحدهما حقه ثبت للآخر كالشفعة بين شفيعين.
(فصل)
فاما إذا اختلفا في الالتقاط فادعى كل واحد منهما انه الملتقط ولم تكن بينة، فان لم يكن لاحدهما عليه يد أقره السلطان في يد من يرى منهما أو من غيرهما، لانه لاحق لهما، وان كان في يد احدهما فالقول قوله مع يمينه لان اليد تشهد له.
وان كان في يدهما تحالفا، فان حلفا أو نكلا صارا كالملتقطين يقرع بينهما على المذهب، وعلى قول أبى على بن خيران يقره الحاكم في يد من هو أحظ له، فان كان لاحدهما بينة قضى له، لان البينة اقوى من اليد والدعوى، وان كان لكل واحد منهما بينة، فان كانت بينة أحدهما اقدم تاريخا قضى له، لانه قد
ثبت له السبق إلى الالتقاط، وان لم تكن بينة أحدهما أقدم تاريخا فقد تعارضت البينتان، ففى أحد القولين تسقطان فيصيران كما لو لم تكن بينة، وقد بيناه، وفى القول الثاني تستعملان، وفى الاستعمال ثلاثة أقوال (أحدها) القسمة
(والثانى)
القرعة (والثالث) الوقف.
ولا يجئ ههنا الا القرعة لانه لا يمكن قسمة اللقيط بينهما.
ولا يمكن الوقف، لان فيه اضرارا باللقيط فوجبت القرعة.
(الشرح) الاحكام: إذا تنازع كفالته اثنان من غير أهل الكفالة لفسقهما أو رقهما مع كونهما غير مأذونين من سيديهما فانه لا يقر في يدى واحد منهما: وينزع منهما ويسلم إلى غيرهما: فإذا كانا من أهل الكفالة، وان كل واحد منهما ممن يقر في يده لو انفرد، الا أن أحدهما احظ للقيط من الاخر، مثل أن يكون احدهما موسرا والاخر معسرا فالموسر أحق لان ذلك أحظ للطفل، وان التقط مسلم وكافر طفلا محكوما بكفره، فقد قال أصحابنا وأصحاب أحمد: هما سواء، لان للكافر ولاية على الكافر، ويقر في يده إذا انفرد بالتقاطه، فساوى المسلم في ذلك، ولابن قدامة الحنبلى رأى في مخالفته مذهبه بقوله: ان دفعه إلى المسلم احظ له، لانه يصير مسلما فيسعد في الدنيا والاخرة، وينجو من النار، ويتخلص من الجزية والصغار، فالترجيح بهذا أولى من الترجيح باليسار الذى انما يتعلق به توسعة عليه في الانفاق، وقد يكون الموسر بخيلا فلا تحصل التوسعة، فان تعارض الترجيحان فكان المسلم فقيرا والكافر موسرا فالمسلم أولى، لان النفع الحاصل له باسلامه أعظم من النفع الحاصل بيساره مع كفره.
قال: وعلى قياس قولهم في تقديم الموسر ينبغى أن يقدم الجواد على البخيل، لان حظ الطفل عنده اكثر من الجهة التى يحصل له الحظ فيها باليسار، وربما تخلق باخلاقه
وتعلم من جوده.
فإذا تساويا في كونهما مسلمين عدلين حرين مقيمين فهما سواء فيه فان ضى احدهما باسقاط حقه وتسليمه إلى صاحبه جاز، لان الحق له فلا يمنع من الايثار به، وان تشاحا أقرع بينهما لقول الله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) ولانه لا يمكن كونه عندهما، لانه لا يمكن ان يكون عندهما في حاله واحدة، وان تهايأة فجعل عندكل واحد يوما أو اكثر من ذلك اضر بالطفل لانه تختلف عليه الاغذية والانس والالف، ولا يمكن دفعه إلى احدهما دون الاخر بغير قرعة لان حقهما متساو، فتعيين أحدهما بالتحكم لا يجوز فتعين الاقراع بينهما، كما يقرع بين الشركاء في تعيين السهام في القسمة وبين النساء في البداية بالقسمة وبين العبيد في الاعناق، والرجل مقدم على المرأة عندنا على الاصح
وهما سواء عند احمد وأصحابه، ولا ترجح المرأة هنا كما ترجح في حضانة ولدها على ابيه لانها رجحت هناك لشفقتها على ولدها وتوليها لحضانته بنفسها، والاب يحضنه باجنبية، فكانت أمه أحظ له وأرفق به، أما ههنا فانها أجنبية من اللقيط والرجل يحضنه بأجنبية فاستويا على القول بالتساوى، أو رحج الرجل على الاصح فان كان احدهما مستور الحال والاخر ظاهر العدالة رجح السلطان العدل على المستور، لان المانع من الالتقاط منتف في حقه والاخر مشكوك فيه، فيكون الحظ للطفل في تسليمه إليه أثم، ويحتمل أن يساوى السلطان بينهما بالقرعة لان احتمال وجود المانع لا يؤثر في المنع فلا يؤثر في الترجيح، والامر متروك إلى اجتهاد الحاكم الذى ليس له أن يسلم إلى ثالث لم يثبت له حق الالقاط.
وقال أبو على بن خيران: يجتهد الحاكم في اختيار الاحظ للطفل والاجدى عليه والاحفظ وليس له أن يقرع بينهما وليس هذا بالمذهب بل المذهب الاقراع
(فرع)
وان رأياه جميعا فسبق أحدهما فأخذه أو وضع يده عليه فهو أحق به لقوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) وان رآه أحدهما قبل صاحبه فسبق إلى أخذه الآخر، فالسابق إلى أخذه أحق، لان الالتقاط هو الاخذ لا الرؤية، ولو قال أحدهما لصاحبه: ناولنيه، فأخذه الآخر نظرت إلى نيته، فان نوى أخذه لنفسه فهو أحق به، كما لو لم يأمره الاخر بمناولته أياه، وان نوى مناولته فهو للآمر لانه فعل ذلك بنية النيابة عنه، فأشبه ما لو توكل له في تحصيل مباح.
فان اختلفا فقال كل واحد منهما: أنا التقطته ولا بينة لاحدهما، وكان في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه أنه التقطه، وهذا هو المذهب عند أصحاب أحمد كما ذكره أبو الخطاب، وقد خالفه القاضى وجعل قياس مذهب أحمد أنه لا يحلف كما في الطلاق والنكاح.
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم، فان كان في يديهما تحالفا فان حلفا أو نكلا صارا كالملتقطين ويقرع السلطان بينهما على المذهب.
وقال أبو على بن خيران مقالته في الفرع قبله لا قرعة بينهما بل يجتهد الحاكم في اختيار أحدهما ممن هو أحظ للطفل، فإن كان لاحدهما بينة قضى له، وإن كان لكل منهما بينة نظرت في أقدم البينتين تاريخا وقضيت لصاحبها، فإذا استوى تاريخهما أو أطلقتا معا، أو أرخت إحداهما وأطلقت الاخرى فقد تعارضتا، وهل تسقطان؟ أو تستعملان؟ فيه قولان عندنا وجهان عند أصحاب أحمد، (أحدهما) تسقطان فيصيران كمن لا بينة لهما فيقرع بينهما.
(والثانى)
تستعملان، وفى الاستعمال ثلاثة أقوال.
أحدها: القسمة
واستعمال القسمة بين المتداعيين إذا جاز في المال فلا سبيل إليه ههنا.
والثانى: الاقراع بينهما.
والثالث: الوقف وفى الوقف إضرار باللقيط، وليس اللقيط مما يجوز وقفه فلا مناص من الاقراع فوجبت القرعة بينهما، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
(فصل)
وإن ادعى حر مسلم نسبه لحق به وتبعه في الاسلام، لانه يقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل كما لو أقر له بمال، وله أن يأخذه من الملتقط لان الوالد أحق بكفالة الولد من الملتقط، وإن كان الذى أقر بالنسب هو الملتقط فالمستحق أن يقال له: من أين صار ابنك؟ لانه ربما اعتقد أنه بالالتقاط صار أباله، وإن ادعى نسبه عبد لحق به ن لان العبد كالحر في السبب الذى يلحق به النسب، ولا يدفع إليه لانه لا يقدر على حضانته لاشتغاله بخدمة مولاه، وان ادعى نسبه كافر لحق به، لان الكافر كالمسلم في سبب النسب، وهل يصير اللقيط كافرا؟ قال في اللقيط: أحببت أن أجعله مسلما.
وقال في الدعوى والبينات: أجعله مسلما، فمن أصحابنا من قال: إن أقام البينة حكم بكفره قولان واحدا، وإن لم تقم البينة ففيه قولان.
(أحدهما)
يحكم بكفره لانا لما حكمنا بثبوت نسبه فقد حكما بأنه ولد على فراشه (والقول الثاني) يحكم بإسلامه لانه محكوم بإسلامه بالدار فلا يحكم بكفره يقول كافر.
وقال أبو إسحاق: الذى قال في اللقيط أراد به إذا ادعاه وأقام البينه
عليه، لانه قد ثبت بالبينه أنه ولد على فراش كافر، والذى قال في الدعوى والبينات أراد إذا ادعاه من غير بينه لانه محكوم باسلامه بظاهر الدار، فلا يصير كافرا بدعوى الكافر، وهذا الطريق هو الصحيح لانه نص عليه في الاملاء.
وإذا قلنا انه يتبع الاب في الكفر فالمستحق أن يسلم إلى مسلم إلى أن يبلغ احتياطا
للاسلام، فان بلغ ووصف الكفر أقررناه على كفره، وان وصف الاسلام حكمنا باسلامه من وقته.
(فصل)
وان ادعت امرأة نسبه ففيه ثلاثة أوجه.
أحدها: يقبل لانها أحد الابوين، فقيل اقرارها بالنسب كالاب.
والثانى: لا يقبل وهو الظاهر النص لانه يمكن اقامة البينه على ولادتها من طريق المشاهدة، فلا يحكم فيها بالدعوى بخلاف الاب، فانه لا يمكن اقامة البينه على ولادته من طريق المشاهدة، فقبلت فيه دعواه، ولهذا قلنا: انه إذا قال لامرأته: ان دخلت الدار فأنت طالق، لم يقبل قولها في دخول الدار الا ببينه، ولو قال لها: ان حضت فأنت طالق، قبل قولها في الحيض من غير بينه، لما ذكرناه من الفرق، فكذلك ههنا.
والثالث: ان كانت فراشا لرجل لم يقبل قولها، لان اقرارها يتضمن الحاق النسب بالرجل وان لم تكن فراشا قيل لانه لا يتضمن الحاق النسب بغيرها.
(الشرح) اللغه: الدعوى، ودعواه ودعواها كلها بكسر الدال.
قال الازهرى: الدعوة بالكسر ادعاء الولد الدعى غير أبيه، يقال: الدعى بين الدعوة بالتكسر إذا كان يدعى إلى غير أبيه أو يدعيه غير أبيه فهو بمعنى فاعل من الاول وبمعنى مفعول من الثاني.
وعن الكسائي: لى في القوم دعوة أي قرابه واخاه، والدعوة بالفتح في الطعام اسم من دعوت الناس إذا طلبتهم ليأكلوا عندك، يقال: نحن في دعوة فلان ومدعاته ودعائه بمعنى.
قال أبو عبيد: وهذا كلام أكثر العرب الا عدى الرباب فانهم يعكسون ويجعلون الفتح في النسب والكسر في الطعام، ودعوى فلان كذا أي قوله: وادعيت الشئ تمنيته، وادعيته طلبته لنفسي والاسم الدعوى.
أما الاحكام: فانه إذا ادعى نسبه فلا تخلو دعوى النسب من قسمين.
أحدهما: أن يدعيه واحد ينفرد بدعواه فينظر، فإن كان المدعى رجلا مسلما حرا لحق نسبه به بغير خلاف بين أهل العلم إذا أمكن ان يكون منه، لان الاقرار محض نفع للطفل لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فقبل كما لو أقر له بمال ثم إن كان المقر به ملتطة أقر في يده، إلا أن المستحق أن يناقش كيف صار ابنك لانه قد يعتقد أنه بالالتقاط يصير أبا له، والله يقول (فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) .
(فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه.
وإذا التقط مسلم لقيطا فهو حر مسلم ما لم يعلم لابويه دين غير دين الاسلام، فإذا أقر به نصراني ألحقناه به وجعلناه مسلما لان اقراره به ليس يعلم منا أنه كما قال، فلا نغير الاسلام إذا لم نعلم الكفر.
اه من الدعوى والبينات من الام.
وقال في كتاب اللقيط من الام.
سئل أبو حنيفة رحمه الله عن الصبى يسبى وأبوه كافر وقعا في سهم رجل ثم مات أبوه وهو كافر ثم مات الغلام قبل أن يتكلم بالاسلام فقال لا يصلى عليه، وهو على دين أبيه لانه لا يقر بالاسلام.
وقال الاوزاعي: مولاه أولى من أبيه يصلى عليه.
وقال لو لم يكن معه أبوه ن وخرج أبوه مستأمنا لكان لمولاه أن يبيعه من أبيه.
وقال أبو يوسف إذا لم يسب معه أبوه صار مسلما، ليس لمولاه أن يبيعه من أبيه إذا دخل بأمان، وهو ينقض قول الاوزاعي: انه لا بأس أن يبتاع السبى ويرد إلى دار الحرب في مسألة قبل هذا، فالقول في هذا ما قال أبو حنيفة إذا كان معه أبواه أو أحدهما فهو مسلم اه.
(قلت) إذا ادعى نسبه اثنان فصاعدا نظرت، فإذا ادعاه مسلم وكافر أو حر وعبد فهما سواء، وهذا هو مذهب الشافعي وأحمد رضى الله عنهما.
وقال أبو حنيفة المسلم أولى من الذمي والحر أولى من العبد، لان على اللقيط ضررا إذا
ألحق بالعبد والذمى، فكان الحاقه بالحر المسلم أولى، كما لو تنازعوا في الحضانة.
ولنا أن كل واحد لو انفرد صحت دعواه، فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالاحرار المسلمين، وما ذكروه من الضرر لا يتحقق، فاننا لا نحكم برقه
ولا كفره، ولا يشبه النسب الحضانة، بدليل أننا نقدم في الحضانة الموسر والحضرى ولا نقدمهما في دعوى النسب.
وجعل الامام الشافعي رضى الله عنه التسليم للنصراني بدعواه بنوة اللقيط لا يعد تسليما للقيط بالكفر، بل نجعله مسلما حتى نعلم الكفر.
وهذا احد قوليه فمن أصحابنا من قال: إن اقام الذمي البينة حكمنا بكفره قولا واحدا، كقوله في الاخذ بقول أبى حنيفة مما سقناه عنه.
وإن لم تقم بينة ففيه قولان
(أحدهما)
إن الحكم بثبوت النسب من الكافر حكم بكفره على طريق التبع والضمن، لانه ولد على فراشه.
(والثانى)
لان غلبة دار الاسلام أقوى من دعوى النسب التى يدعيها الكافر وكل لقيط في دار الاسلام هو مسلم، فلا يحكم بكفره بقول كافر.
وذهب أبو إسحاق المروزى في قولى الشافعي إلى تخريجهما وجهين للمسألة لا قولين، بأن الكفر بكفره يتبع البينة للذى ادعاه من الكفار، فإذا ثبت أنه ولد على فراش الكفر قضينا بكفره والحقناه بصاحب البينة، وأنه إذا لم يقيم بينة حكمنا بإسلامه وهذا هو توجيه ما في الدعوى والبينات من الام، وفى هذا التخريج ما يؤيده من قوله في الاملاء قال النووي في المنهاج: ومن حكم بإسلامه بالدار فأقام ذمى بينة بنسبه لحقه وتبعه في الكفر.
وقال الزركشي: وكذلك المعاهد والمؤمن.
وقال الرملي: فارتفع ما ظنناه من إسلامه، لان الدار حكم باليد، والبينة أقوى من اليد المجردة
وتصور علوقه من مسلم بوطئ شبهة أمر نادر لا يعول عليه مع البينة.
قال وإن اقتصر الكافر على الدعوى بأنه ابنه ولا حجة له فالمذهب أنه لا يتبعه في الكفر وان لحقه في النسب، لانا حكمنا بإسلامه فلا نغيره بدعوى كافر مع إمكان تلك الشبهة النادرة.
والطريق الثاني: فيه قولان ثانيهما يتبعه في الكفر كالنسب، وجعل الماوردى محل الخلاف ما إذا استلحقه قبل أن يصدر منه صلاة أو صوم، فإن صدر منه ذلك لم يغير عن حكم الاسلام قطعا، وسواء اقلنا بتبعيته في الكفر أم لا يحال بينهما كما يحال بين أبوى مميز وصف الاسلام وبينه
قال في الكفاية وقضية اطلاقهم وجوب الحيلولة بينهما إن قلنا بعدم تبعيته له في الكفر، لكن في المهذب انه يستحق تسلميه لمسلم، فإذا بلغ ووصف الكفر، فان قلنا بالتبعية قرر لكن هذا التقرير يهدده لعله يسلم ن وإلا ففى تقريره ما سبق من الخلاف.
(فرع)
إذا كان المدعى امرأة ففيه ثلاثة أوجه (أحدها) وهو أحد الروايات عن أحمد رضى الله عنه أن دعواها تقبل ويلحقها نسبه لانها أحد الابوين، فيثبت النسب بدعواها كالاب، ولانه يمكن أن يكون منها كما يكون ولد الرجل بل أكثر، لانها تأتى به من زوج ووطئ بشبهة ويلحقها ولدها من الزنا دون الرجل، ولان في قصة داود وسليمان في المرأتين كان لهما بنان فذهب الذئب بأحدهما فادعت كل واحدة منهما أن الباقي ابنها وأن الذى أخذه الذئب ابن الاخرى فحكم به داود للكبرى وحكم به سليمان للاخرى بمجرد الدعوى منهما فعلى هذا الوجه يلحق بها دون زوجها، لانه لا يجوز أن يلحقه نسب ولد لم يقر به، وكذلك إذا ادعى الرجل نسبه لم يلحق بزوجته.
فان قيل الرجل يمكن
أن يكون له ولد من امرأة أخرى أو من أمته، والمرأة لا يحل لها نكاح غير زوجها ولا يحل وطؤها لغيره، قلنا يمكن أن تلد من وطئ شبهة أو غيره، وإن كان الولد يحتمل أن يكون موجودا قبل أن يتزوجها هذا الزوج أمكن أن يكون من زوج آخر.
فان قيل إنما قبل الاقرار بالنسب من الزوج لما فيه من المصلحة بدفع العار عن الصبى وصيانته عن النسبة إلى كونه ولد زنا، ولا يحصل هذا بالحاق نسبه بالمرأة، بل الحاقه بها دون زوجها تطرق للعار إليه واليها.
قلنا بل قبلنا دعواه لانه يدعى حقا لا منازع له فيه، ولا مضرة على أحد فيه فقبل قوله فيه كدعوى المال، وهذا متحقق في دعوى المرأة.
والوجه الثاني وهو رواية ثانيه عن أحمد رضى الله عنه نقلها الكوسج عنه في امرأة ادعت ولدا، ان كان لها اخوة أو نسب معروف لا تصدق الا ببينه وان لم يكن لها دافع لم يحل بينها وبينه، لانه إذا كان لها أهل وتسب معروف لم تخف ولادتها عليهم، يتضررون بالحاق النسب بها لما في من تعييرهم
بولادتها من غير زوجها، وليس كذلك إذا لم يكن لها أهل، ويحتمل أن لا يثبت النسب بدعواها بحال، وهذا قول الثوري والشافعي وأبى ثور وأصحاب الرأى.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن النسب لا يثبت بدعوى المرأة، لانها يمكنها إقامة البينة على الولادة، فلا يقبل قولها بجرده، كما لو علق زوجها طلاقها بولادتها.
أما كيف تكون البينة؟ فقد قال الشافعي رضى الله عنه: لا يجوز على الولادة ولا شئ مما تجوز فيه شهادة النساء مما يغيب عن الرجال إلا أربع نسوة عدول من قبل أن الله عز وجل حيث أجاز الشهادة انتهى بأقلها إلى شاهدين أو
شاهد وامرأتين، فأقام الثنتين من النساء مقام رجل حيث أجازهما، فإذا أجاز المسلمون شهادة النساء فيما يغيب عن الرجال لم يجز والله أعلم ان يجيزوا إلا على أصل حكم الله عز وجل في الشهادات، فيجعلون كل امرأتين يقومان مقام رجل، وإذا فعلوا لم يجز إلا أربع.
وهكذا المعنى في كتاب الله عز وجل وما أجمع عليه المسلمون.
أخبرنا مسلم عن ابن جريح عن عطاء أنه قال في شهادة النساء على الشئ من أمر النساء لا يجوز فيه أقل من أربع.
وقد قال غيرنا تجوز فيه واحدة لانه من موضع الاخبار كما تجوز الواحدة في الخبر، لا أنه من موضع الشهادة، ولو كان من موضع الشهادات ما جاز عدد من النساء وإن كثرن على شئ إلى أن قال قال: فإنا روينا عن على رضى الله عنه أنه أجاز شهادة القابلة وحدها.
قلت: لو ثبت هذا عن على صرنا إليه إن شاء الله تعالى، ولكنه لا يثبت عندكم ولا عندنا عنه.
وهذا لا من جهة ما قلنا من القياس على حكم الله ولا من جهة قبول خبر المرأة، ولا أعرف له معنى.
قلت إذا ثبت هذا في وجب البينة لما يمكن أن تقوم عليه بينة كالولادة للقيط المدعى أو للمعلق طلاقها على دخول الدار في المجئ ببينة على دخول الدار، وفارق الحيض فإنه من الاعراض الخفية التى يقبل فيها الاقرار ولا يطالب فيها بالبينة لنعذرها أو استحالتها.
والوجه الثالث وهو الرواية الثالثة عن أحمد رضى الله عنه أنها ان كان لها زوج لم يثبت النسب بدعواها لافضائه إلى إلحاق النسب بزوجها
بغير إقراره ولا رضاه، أو إلى أن امرأته وطئت بزنا أو شبهة وفى ذلك ضرر عليه فلا يقبل قولها فيما يلحق الضرر به، وان لم يكن لها زوج قبلت دعواها لعدم هذا الضرر.
والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن تداعى نسبه رجلان لم يجز إلحاقه بهما، لان الولد لا ينعقد من اثنين، والدليل عليه قوله تعالى (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) فإن لم يكن لواحد منهما بينة عرض الولد على القافة، وهم قوم من بنى مدلج من كنانة، فإن ألحقته بإحدهما لحق به لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعرف السرور في وجهه فقال: ألم ترى إلى مجزز المدلجى نظر إلى أسامة وزيد وقد غطيا رؤسهما، وقد بدت أقدامهما فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض) فلو لم يكن ذلك حقا لما سر بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَلْ يجوز أن يكون من غير بنى مدلج؟ فيه وجهان.
(أحدهما)
لا يجوز لان ذلك ثبت بالشرع، ولم يرد الشرع إلا في بنى مدلج
(والثانى)
أنه يجوز وهو الصحيح، لانه علم يتعلم ويتعاطى، فلم تختص به قبيلة كالعلم بالاحكام، وهل يجوز أن يكون واحدا؟ فيه وجهان.
أحدهما: أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم سر بقول مجزز المدلجى وحده ولانه بمنزلة الحاكم لانه يجتهد ويحكم كما يجتهد الحاكم ثم يحكم.
والثانى: لا يجوز أقل من اثنين لانه حكم بالشبه في الخلقة فلم يقبل من واحد كالحكم في المثل في جزاء الصيد.
ولا يجوز أن يكون امرأة ولا عبدا كما لا يجوز أن يكون الحاكم إمرأة ولا عبدا ولا يقبل الا قول من جرب وعرف بالقيافة حذقه كما لا يقبل في الفتيا الا قول من عرف في العلم حذقه، وان ألحقته بهما أو نفته عنهما أو أشكل الامر عليها أو لم تكن قافه ترك حتى يبلغ، ويؤخذان بالنفقة عليه، لان كل واحد منهما يقول: أنا الاب وعلى نفقته، فإذا بلغ أمرناه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ للغلام الذى ألحقته القافة بهما: وال أيهما شئت، ولان الولد يجد لوالده مالا يجد لغيره، فإذا تعذر العمل بقول
القافة رجع إلى اختيار الولد، وهل يصح أن ينتسب إذا صار مميزا ولم يبلغ؟ فيه وجهان
(أحدهما) يصح كما يصح أن يختار الكون مع أحد الابوين إذا صار مميزا.
(والثانى)
لا يصح لانه قول يتعين به النسب ويلزم الاحكام به، فلا يقبل من الصبى، ويخالف اختيار الكون مع أحد الابوين، لان ذلك غير لازم، ولهذا لم اختار أحدهما ثم انتقل إلى الاخر جاز، ولا يجوز ذلك في النسب، وان كان لاحدهما بينه قدمت على القافة، لان البينة تخبر عن سماع أو مشاهدة والقافة تخبر عن اجتهاد، فان كان لكل واحد منهما بينه فهما متعارضتان لانه لا يجوز أن يكون الولد من اثنين، ففى أحد القولين يسقطان ويكون كما لو لم تكن بينة، وقد بيناه، وفى الثاني تستعملان، فعلى هذا هل يقرع بينهما، فيه وجهان.
أحدهما: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قضى له، لانه لا يمكن قسمة الولد بينهما، ولا يمكن الوقف، لان فيه اضرارا باللقيط فوجبت القرعة.
والثانى: لا يقرع، لان معنا ما هو أقوى من القرعة وهو القافة، فعلى هذا يصير كما لو لم يكن لهما بينة، وليس في موضع تسقط الاقوال الثلاثة في استعمال البينتين الا في هذا الموضع على هذا المذهب.
وان تداعت امرأتان نسبه وقلنا: انه يصح دعوى المرأة ولم تكن بينة، فهل يعرض على القافة، فيه وجهان
(أحدهما)
يعرض، لان الولد يأخذ الشبه من الام كما يأخذ من الاب، فإذا جاز الرجوع إلى القافة في تمييز الاب من غيره بالشبه جاز في تمييز الام من غيرها
(والثانى)
لا يعرض لان الولد يمكن معرفة أمه يقينا فلم يرجع فيه إلى القافة بخلاف الاب فانه لا يمكن معرفته الا ظنا فجاز أن يرجع فيه إلى الشبه.
(فصل)
وان ادعى رجل رق اللقيط لم يقبل الا ببينه، لان الاصل هو
الحرية فان شهدت له البينه نظرت، فان شهدت له بأنه ولدته أمته فقد قال في اللقيط: جعلته له.
وقال في الدعوى والبينات: أن شهدت له بأنه ولدته أمته في في ملكه جعلته له، فمن أصحابنا من قال يجعل له قولا واحدا، وان لم تقل ولدته في ملكه، وما قال في الدعوى والبينات ذكره تأكيدا لا شرطا لان ما تأتى به أمته من غيره لا يكون الا مملوكا له.
ومنهم من قال: فيه قولان
(أحدهما)
يجعل له لما بيناه
(والثانى)
لا يجعل له لانه يحتمل أن تكون الامة ولدته قبل أن يملكها ثم ملكها فلم يملك ولدها وان شهدت له البينة بالملك ولم تذكر سبب الملك، ففيه قولان.
أحدهما: يحكم له كما يحكم له إذا شهدت له بملك مال، وإن لم نذكر سببه.
والثانى: لا يحكم لان البينة قد تراه في يده فتشهد بأنه عبده بثبوت يده عليه بالالتقاط أو غيره، وإن شهدت البينة له باليد، فإن كان المدعى هو الملتقط لم يحكم له لانه قد عرف سبب يده وهو الالتقاط، ويد الالتقاط لا تدل على الملك.
فلم يكن للشهادة تأثير.
وان كان المدعى غيره، ففيه قولان.
(أحدهما)
يحكم له مع اليمين لان اليد قد ثبتت، فإذا حلف حكم له كما لو كان في يده مال فحلف عليه
(والثانى)
لا يحكم له لان ثبوت اليد على اللقيط لا تدل على الملك لان الظاهر الحرية.
(الشرح) حديث عائشة رضى الله عنها متفق عليه بلفظ (دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم ترى إلى مجزز المدلجى نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامه بن زيد فقال: هذه الاقدام بعضها من بعض) وفى رواية للبخاري (ألم ترى أن مجززا المدلجى دخل فرأى أسامه وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤسهما ومدت أقدامهما فقال: ان هذه
الاقدام بعضها من بعض) ومجزر بضم الميم وفتح الجيم ثم زاى مشددة مكسورة ثم زاى أخرى اسم فاعل لانه كان في الجاهلية إذا أسر أسيرا جز ناصيته وأطلقه وقد كان الكفار يقدحون في نسب أسامه لكونه كان أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض كذا قاله أبو داود.
وأم أيمن هي أم أيمن بركة الحبشيه مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورثها عن أبيه حيث كانت وصيفته، ويقال: كانت من سبى الحبشه الذين قدموا زمن الفيل فصارت لعبد المطلب فوهبها لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوجت قبل زيد عبيدا الحبشى فولدت له أيمن فكنيت به والقافة جمع قائف كقادة جمع قائد وسادة جمع سائد، والقائف هو الذى يتتبع الاثر ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه.
أما الاحكام: فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدعوى والبينات من الام وإذا تداعى الحر والعبد المسلمان والذمى الحر والعبد مولودا وجد لقيطا فلا فرق بين أحد منهم كما لا يكون بينهم فرق فيما تداعوا فيه مما يملكون: فتراه القافه، فإن ألحقوه بأحدهم فهو ابنه ليس له أن ينفيه ولا للمولود أن ينتفى منه بحال أبدا وان ألحقته القافه باثنين فأكثر أو لم تكن قافه، أو كانت فلم تعرف، لم يكن ابن واحد منهم حتى يبلغ فينتسب إلى أيهم شاء، فإذا فعل ذلك انقطعت دعوى الآخرين، ولم يكن للذى انتسب إليه أن ينفيه وهو حر في كل حالاته بأيهم لحق لان اللقيط حر، وانما جعلناه حرا إذا غاب عنا معناه، لان أصل الناس الحريه حتى يعلم أنهم غير أحرار ولو أن أحدهم قال: هو ابني من أمة نكحتها لم يكن بهذا رقيقا لرب الامة حتى يعلم أن الامة ولدته، ولا يجعل اقرار غيره لازما له، ويكفى القائف الواحد لان هذا موضع حكم بعلم لا موضع شهادة، ولو كان، انما حكمه حكم الشهادات
ما أجزنا غير اثنين ولا أجزنا شهادة اثنين يشهدان على ما لم يحضرا ولم يريا، ولكنه كاجتهاد العالم ينفذه هذا، ولا يحتاج معه إلى ثان ولا يقبل القائف الواحد حتى يكون أمينا ولا أكثر منه حتى يكونوا أمناء أو بعضهم، فإذا أحضرنا القائف والمتداعيين للولد أو ذوى أرحامهم ان كان المدعون له موتى أو كان بعض المدعين له ميتا، فأحضرنا ذوى رحمه أحضرنا احتياطا أقرب الناس نسبا وشبها في الخلق والسن والبلد والمدعين له، ثم فرقنا بين المتداعيين منهم، ثم أمرنا القائف يلحقه بأبيه أو أقرب الناس بأبيه ان لم يكن له أب.
وان كانت معه أم أحضرنا لها نسبا في القرب منها كما وصفت ثم بدأنا فأمرنا القائف أن يلحقه بأمه لان للقائف في الام معنى، ولكى يستدل به على صوابه في الاب ان أصاب فيها ويستدل على غيره ان أخطأ فيها، فخالفنا بعض الناس في القافه فقال القافه باطل، فذكرنا لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ مجززا المدلجى ونظر إلى أقدام أسامه وأبيه زيد وقد غطيا وجوههما فقال: ان هذه الاقدام بعضها من بعض فحكى ذلك النبي صلى الله عيله وسلم لعائشه مسرورا به، فقال:
ليس في هذا حكم.
فقنا انه وان لم يكن فيه حكم فإن فيه دلالة عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضيه ورآه علما، لانه لو كان مما لا يجوز أن يكون حكما ما سره ما سمع منه ان شاء الله تعالى، ولنهاه أن يعود له.
فقال انك وان أصبت في هذا فقد تخطئ في غيره.
فقال فهل في هذا غيره؟ قلنا نعم، أخبرنا ابن علية عن حميد عن أنس أنه شك في ابن له فدعا القافة.
أخبرنا أنس بن عياض عن هشام عن أبيه عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أن رجلين تداعيا ولدا، فدعا له عمر القافة، فقالوا قد اشتركا فيه، فقال له عمر وال أيهما شئت.
أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن عمر مثل معناه، أخبرنا مُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عن عروة عن عمر بن الخطاب مثل معناه قال فإنا لا نقول بهذا ونزعم أن عمر قال هو ابنكما ترثانه ويرثكما، وهو للباقى منكما.
قلت فقد رويت عن عمر أنه دعا القافة، فزعمت أنك لا تدعو القافة، فلو لم يكن في هذا حجة عليك في شئ مما وصفنا، الا أنك رويت عن عمر شيئا فخالفته فيه كانت عليك قال، قد رويت عنه أنه ابنهما، وهذا خلاف ما رويتم، قلنا وأنت تخالف أيضا هذا، قال فكيف لم تصيروا إلى القول به؟ قلنا هو لا يثبت عن عمر لان اسناد حديثن هشام متصل، والمتصل أثبت عندنا وعندك من المنقطع، وانما هذا حديث منقطع وسليمان بن يسار وعروة أحسن مرسلا عن عمر ممن رويت عنه، قال فأنت تخالف عمر فيما قضى به من أن يكون ابن اثنين؟ قلت فإنك رعمت أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قضى به إذ كان في أيديهما قضاء الاموال قال كذلك قلت اه قلت ووجه دلالته ما علم من أن التقرير منه صلى الله عليه وسلم حجة، لانه أحد أقسام السنة، وحقيقة التقرير أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم فعلا من أحد أو يسمع قوله أو يعلم به وكان ذلك الفعل من الافعال التى لا يعلم تقدم انكاره لها، دل ذلك على جوازه، فان اسبتشر به فأوضح كما في هذه القصه، والحكم بالقافة إذا لم تكن بينة أو تعارضت به بينتان وسقطتا إذا ألحقوه، فنلحقه بمن ألحقوه
وهذا قول أنس وعطاء ويزيد بن عبد الملك والاوزاعي والليث وأبى ثور والشافعي ومالك وأحمد بن حنبل.
وقال أصحاب الرأى: لا حكم للقافة، ويلحق بالمدعيين جميعا تعويل على
مجرد الشبه والظن والتخمين، فإن الشبه يوجد بين الاجانب، وينتفى بين الاقارب ولهذا روى الشيخان أن رجلا أتى النبي فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال: هل لك من ابل، قال نعم، قال: فما ألوانها، قال حمر.
قال: فهل فيها من أورق، قال نعم، قال أنى أتاها ذلك، قال لعل عرقا نزع، قال: وهذا لعل عرقا نزع) قالوا ولو كان الشبه كافيا لاكتفى به في ولد الملاعنة، وفيما إذا أقر أحد الورثة بأخ فأنكره الباقون.
ودلينا عليهم غير حديث مجزز قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ولد الملاعنة (انظروها فان جاءت به أحمش الساقين كأنه وجرة فلا أراه الا قد كذب عليها وان جاءت به أكحل جعدا جماليا سابغ الاليتين خدلج الساقين فهو للذى رميت به، فأتت به على النعت المكروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا الايمان لكان لى ولها شأن (فقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم للذى أشبهه منهما، وقوله لولا الايمان لكان لى ولها شأن، يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه الا الايمان فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه.
وكذلك قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابن زمعة حين رأى به شبها بينا بعتبه بن أبى وقاص (احتجبي منه يا سودة) فعمل بالشبه في حجب سودة عنه.
فان قيل: فالحديثان حجة عليكم إذ لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه فيهما بل ألحق الولد بزمعة، وقال لعبد بن زمعه هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر.
ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في اقامة الحد عليها لشبه بالمقذوف، قلنا انما لم يعمل في ابن زمعه لان الفراش أقوى، وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منه لا يوجب الاعراض عنه، إذا خلت عن المعارض وكذلك ترك اقامة الحد عليها من أجل أيمانها على ضعف الشبه عن اقامة الحد لا يوجب ضعفه عن الحاق النسب، فان الحد في الزنا لا يثبت الا بأقوى البينات
وأكثرها عددا وأقوى الاقرار حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات، ويدرأ الشبه عن نفى النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته، فإن النسب يحتاط لاثباته، ويثبت بأدنى دليل، وأنه لا ينتفى إلا بأقوى الادلة، كما أن الحد لما انتفى بالشبه لم يثبت إلا بأقوى دليل، فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور أن لا يثبت به النسب في مسألتنا.
والقافة قوم يعرفون الانسان بالشبه.
ولا يختص ذلك بقبيلة معينة على الصحيح من المذهب، وبه قال أحمد رضى الله عنه وأصحابه، بل هو علم يتعلم بقواعده وأصوله التى كانت عند العرب، وكان أكثر ما يكون في بنى مدلج رهط مجزز الذى رأى أسامة وأباه زيدا، وان إياس بن معاوية المزني قائفا.
وكذلك قيل في شريح.
ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون عدلا مجربا في الاصابة، حرا لان قوله حكم.
وقد كان بعض العرب يستدل من اختلاف أحد الابناء عن إخوته على أسباب الشك التى تساوره، فقد عاد أحدهم إلى امرأته من سفر فوجدها قد ولدت له ولدا، فقال لها: لا تمشطي رأسي ولا تفليني
- وحاذري ذا الريق في يمينى واقتربى منى أخبريني
- ما له أسود كالهجين خالف ألوان بنى الجون على أن أسباب المعرفة في زماننا هذا قد اتسعت آفاقها واستقرت قواعدها على أسباب أدق ومبادئ أضبط، وإن كانت غير قطعية في أكثر أحوالها، وقد يأخذ العلم الحديث بالقيافة حيث يعجز التحليل الطبى، والقيافة أحد فروع الطب الشرعي أو هي الاساس الفعلى للطب الشرعي، ومن قرأ كتب الطب الشرعي
العربية أو الاجنبية يتضح له صحة هذا الحكم.
وقد حاء في كتاب الطب الشرعي الجنائى للدكاترة شريف وسيف النصر ومشالى أن فصائل الدم تنقسم في جميع الشعوب إلى أربعة أقسام، قسمان كبيران ويمكن إطلاق معنى السائدة عليهما ويرمز اليهما بألف وباء، ونوع يتكون منهما
ويرمز إليه بألف باء، ونوع نادر ويسمى (أو) فإذا كان الرجل من فصيلة (أ) والمرأة من فصيلة (ب) أمكن أن يكون الولد أأو ب أو (اب) ويلاحظ أن قيافة الدم هنا وإن كانت قائمة على أساس علمي إلا أنها سلبية وليست إيجابية، فهى تقول بأن هذا ليس أبا ولا تستطيع أن تقول هذا أب، لانه قد يكون الاب شخصا له فصيلة المدعى، ولكن يمكن أن ينفى فيقول إذا كانت فصيلة دم الابن أو كانت فصيلة الاب المدعى اب والام ب حكموا بالقطع بأن هذا ليس أباه، ولكن لو كانت فصيلته من فصيلة الطفل قالوا يحتمل أن يكون أباه ويحتمل أن يكون أبوه غيره، على أن أحسن القيافة التعرف عن طريق الاطراف كالايدى والارجل وملامح الوجه.
وهل يقبل قول واحد أو لا يقبل الا قول اثنين وجهان
(أحدهما)
أنه حكم بالاجتهاد فيصح من واحد.
(والثانى)
لا يجوز بأقل من اثنين كالحكم بالمثل في جزاء الصيد في قوله تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم) ولانه حكم بالشبه في الخلقة فأشبه الحكم في المثل في جزاء الصيد (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وبهذا الوجه قال أحمد رضى الله عنه في ظاهر رواية الاثرم عنه أنه قيل له: إذا قال أحد القافة هو لهذا، وقال الآخر هو لهذا.
قال لا يقبل واحد منهما حتى يجتمع اثنان فيكونان شاهدين، فإذا شهد إثنان من القافة أنه لهذا فهو لهذا، لانه قول يثبت به النسب فأشبه الشهادة.
وقال القاضى من الحنابلة، يقبل قول الواحد لانه حكم، ويقبل في الحكم قول واحد.
وحمل كلام أحمد على ما إذا تعارض قول القائفين فقال (إذا خالف القائف غيره تعارضا وسقطا، فان قال إثنان قولا وخالفهما واحد فقولهما أولى لانهما شاهدان فقولهما أولى لانه أقوى من قول واحد.
وان عارض قول اثنين قول اثنين سقط قول الجميع.
وان عارض قول الاثنين قول ثلاثة أو أكثر لم يرجح وسقط الجميع، فأما إن ألحقته القافة بواحد ثم جاءت قافة أخرى فألحقته بآخر كان لاحقا بالاول، لان القائف جرى مجرى حكم الحاكم، ومتى حكم الحاكم حكما لم ينقض بمخالفة وغيره له، وإن ألحقته القافة بكافر أو رقيق لم يحكم
بكفره ولا رقه لان الحرية والاسلام ثبتا له بظاهر الدار فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد.
ولو ادعى نسب اللفيط إنسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الاول لانه حكم له به فلم يزل بمجرد الدعوى، فإن ألحقته به القافة لحق به وانقطع عن الاول، لانها بينة في إلحاق النسب، ويزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى كالشهادة.
(فرع)
إذا ادعاه إثنان فألحقته القافة بهما لحق بهما في النفقة.
وكان أحمد رضى الله عنه يقول: إنه ابنهما يرثهما ميراث ابن ويرثانه جميعا ميراث أب واحد وهذا يروى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضى الله عنهما وهو قول أبى ثور.
وقال أصحاب الرأى يلحق بهما بمجرد الدعوى.
وقال الشافعي لا يلحق بأكثر من واحد، فإذا ألحقته بهما سقط قولهما ولم يحكم لهما، واحتج برواية عمر رضى الله عنه أن القافه قالت (قد اشتركا فيه، فقال عمر وال أيهما شئت) ولانه لا يتصور كونه من رجلين، فإذا الحقته القافلة بهما تبينا كذبهما فسقط
قولهما كما لو الحقته بامين، ولان المدعيين لو اتفقا على ذلك لم يثبت، ولو ادعاه كل واحد منهما وأقام بينة سقطتا، ولو جاز أن يلحق بهما لثبت باتفاقهما وألحق بهما عند تعارض بينتهما، هذا وما لم نتناول من مسائل الفصل فعلى وجهه من تقرير المصنف.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(فصل)
ومن حكم بإسلامه أو بأحد أبويه أو بالسابي فحكمه قبل البلوغ حكم سائر المسلمين في الغسل والصلاة والميراث والقصاص والدية.
لان السبب الذى أوجب الحكم بإسلامه لم يزل فأشبه من أسلم بنفسه وبقى على إسلامه، فان بلغ ووصف الكفر فالمنصوص أنه مرتد، فان تاب وإلا قتل لانه محكوم باسلامه قطعا فأشبه من أسلم بنفسه ثم ارتد.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ
(أَحَدُهُمَا)
ما ذكرناه
(والثانى)
أنه يقر على الكفر لانه لما بلغ زال حكم التتبع فاعتبر بنفسه، فان بلغ ولم يصف الاسلام ولا الكفر فقتله قاتل المنصوص أنه لا قود على قاتله.
ومن أصحابنا من قال: يجب القود لانه محكوم بإسلامه فأشبه ما قبل البلوغ، وهذا خطأ لانه يحتمل أن يكون غير راض بالاسلام، والقصاص يسقط بالشبهة فسقط، ويخالف ما قبل البلوغ فإن إسلامه قائم قطعا وبعد البلوغ لا نعلم بقاء الاسلام، فأما من حكم بإسلامه بالدار فانه قبل البلوغ كالمحكوم بإسلامه بأبويه أو بالسابي، فإن بلغ ووصف الكفر فإنه يفزع ويهدد على الكفر احتياطا، فإن أقام على الكفر أقر عليه.
ومن أصحابنا من قال: هو كالمحكوم باسلامه بأبويه لانه محكوم باسلامه بغيره فصار كالمسلم بأبويه، ولمنصوص أنه يقر على الكفر لانه محكوم باسلامه من جهة
الظاهر، ولهذا لو ادعاه ذمى وأقام البينة حكم بكفره.
(فصل)
وإن بلغ اللقيط وقذفه رجل وادعى أنه عبد.
وقال اللقيط: بل أنا حر ففيه قولان
(أحدهما)
أن القول قول اللقيط لان الظاهر من حاله الحرية
(والثانى)
أن القول قول القاذف لانه يحتمل أن يكون عبدا، والاصل براءة ذمة القاذف من الحد وان قطع حر طرفه وادعى انه عبد.
وقال اللقيط: بل أنا حر فالمنصوص أن القول قول اللقيط، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان كالقذف، ومنهم من قال: ان القول قول اللقيط قولا واحدا وفرق بينه وبين القذف بأن القصاص قد وجب في الظاهر ووجوب القيمة مشكوك فيه فإذا أسقطنا القصاص انتقلنا من الظاهر إلى الشك فلم يجز وفى القذف قد وجب الحد في الظاهر ووجوب التعزير يقين لانه بعض الحد، فإذا أسقطنا الحد انتقلنا من الظاهر إلى اليقين فجاز.
(فصل) إذا بلغ اللقيط ووهب وأقبض وباع وابتاع ونكح وأصدق وجنى، وجنى عليه ثم قامت البينة على رقة كان حكمه في التصرفات كلها حكم العبد القن يمضى ما يمضى من تصرفه، وينقض ما ينقض من تصرفه فيما يضره ويضر غيره، لانه قد ثبت بالبينة أنه مملوك فكان حكمه حكم المملوك، فان أقر على نفسه بالرق لرجل فصدقه نظرت، فان كان قد تقدم منه إقرار بحريته لم يقبل إقراره بالرق، لانه باقراره بالحرية أحكام الاحرار في العبادات والمعاملات لم يقبل
إقراره في إسقاطها، وإن لم يتقدم منه إقرار بالحرية ففيه طَرِيقَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
(أَحَدُهُمَا) لَا يقبل إقراره بالرق، لانه محكوم بحريته فلم يقبل إقراره بالرق كما لو أقر بالحرية، ثم أقر بالرق.
(والثانى)
يقبل لانا حكمنا بحريته في الظاهر، وما ثبت بالظاهر يجوز إبطاله بالاقرار، ولهذا لو ثبت إسلامه بظاهر الدار وبلغ وأقر بالكفر قبل منه، فكذلك ههنا، ومنهم من قال: يقبل إقراره بالرق قولا واحدا لما ذكرناه، ويكون حكمه في المستقبل حكم الرقيق، فأما تصرفه بعد البلوغ وقبل الحكم برقه فعلى قولين
(أحدهما)
يقبل إقراره في جميعه، لان الرق هو الاصل وقد ثبت فوجب أن تثبت أحكامه كما لو ثبت بالبينة
(والثانى)
يقبل فيما يضره ولا يقبل فيما يضر غيره، لان اقراره يتضمن ما يضره ويضر غيره فقبل فيما يضره، ولم يقبل فيما يضر غيره، كما لو أقر بمال عليه وعلى غيره، وهذا الطريق هو الصحيح وعليه التفريع فان باع واشترى فان قلنا: يقبل إقراره في الجميع، وقلنا: ان عقود العبد من غير إذن المولى لا تصح كانت عقودة فاسدة فان كانت الاعيان باقية وجب ردها، وان كانت تالفة وجب بدلها في ذمته يتبع به إذا عتق.
وان قلنا: يقبل فيما يضره، ولا يقبل فيما يضر غيره، لم يقبل قوله في افساد العقود، ويلزمه اعواضها، فان كان في يده مال استوفى منه، فان فضل في يده شئ كان لمولاه.
وان كان اللقيط جارية فزوجها الحاكم ثم أقرت بالرق فان قلنا: يقبل اقرارها في الجميع فالنكاح باطل، لانه عقد بغير اذن المولى، فان كان قبل الدخول لم يجب على الزوج شئ، وان كان بعد الدخول وجب عليه مهر المثل لانه وطئ في نكاح فاسد، وان أتت بولد فهو حر لانه دخل على أنه حر وعليه قيمته ويجب عليها عدة أمة وهى قرءآن.
وان قلنا: لا يقبل فيما يضر غيره لم يبطل النكاح، لان فيه اضرارا بالزوج ولكنه في حق الزوج في حكم الصحيح، وفى حقها في حكم الفاسد، فان كان قبل الدخول لم يجب لها مهر، لانها لا تدعيه، وان كان بعد الدخول وجب لها أقل
الامرين من مهر المثل أو المسمى، لانه إن كان المهر أقل لم يجب ما زاد لان فيه إضرارا بالزوج، وإن أتت منه بولد فهو حر ولا قيمة عليه لانا لا نقبل قولها فيما يضره، وتقول للزوج قد ثبت أن زوجتك أمة، فإن اخترت إمساكها كان ما تلده مملوكا للسيد لانك تطؤها على علم أنهات أمة، وإن طلقها اعتدت عدة حرة وهو ثلاثة أقراء وله فيها الرجعة لانا لا نقبل قولها عليه فيما يضره، وإن مات عنها لزمتها عدة أمة وهى شهران وخمس ليال.
لان عدة الوفاة تجب لحق الله تعالى لا حق له فيها، ولهذا تجب من غير وطئ.
وقول اللقيط يقبل فيما يسقط حق الله تعالى من العبادات، وان كان اللقيط غلاما فتزوج ثم أقر بالرق.
فإن قلنا: يقبل اقراره في الجميع: بطل النكاح من أصله لانه بغير اذن المولى فإن لم يدخل بها لم يلزمه شئ، وان دخل بها لزمه أقل الامرين من المسمى أو مهر المثل.
لانه ان كان المسمى أقل لم يجب ما زاد لانها لا تدعيه، وان كان مهر المثل أقل لم يجب ما زاد لان قوله مقبول، وان ضر غيره.
وان قلنا: لا يقبل قوله فيما يضر غيره لم يقبل قوله: ان النكاح باطل، لانه يضرها، ولكن يحكم بانفساخه في الحال لانه أقر بتحريمها، فإن كان قبل الدخول نصف المسمى وان دخل بها لزمه جميعه لانه لا يقبل قوله في اسقاط المسمى.
(الشرح) من حكم باسلامه أو باسلام أحد أبويه، وان علا وقت العلوق ولو أنثى غير وارثه، ولو كان حدوث الولد بعد موت أصله فهو مسلم بالاجماع بشرط نسبته إليه نسبة تقتضي التوارث فلا يرد آدم أبو البشر عليه السلام، ولو ارتد بعد البلوغ بأن وصف كفرا أي أعرب به عن نفسه فمرتد لانه مسلم ظاهرا وباطنا، ولو علق بين كافرين ثم أسلم أحدهما، وان علا قبل بلوغه ولو بعد تمييزه حكم باسلامه اجماعا كما في اسلام الاب والخبر (الاسلام يعلو ولا يعلى عليه) ولو
أمكن احتلامه فادعاه قبل اسلامه أصله فظاهر اطلاقهم قبول قوله فيه لزمن امكانه قال الرملي: وما بحثه الولى العراقى من عدم قبول قوله الا أن ينبت على عانته شعر خشن، غير ظاهر اللهم الا أن يقال: الاحتياط للاسلام يلغى قوله المانع له لاحتمال كذبه، ولاصل بقاء الصغر، فان بلغ ووصف كفرا فمرتد لسبق الحكم
بإسلامه ظاهرا وباطنا، وفى قول كافر أصلى، لان تبعيته أزالت الحكم بكفره، وقد زالت باستقلاله فعاد لما كان عليه أولا، وبنى عليه أنه يلزمه التلفظ بالاسلام بعد البلوغ بخلافه على الاول، ومن ثم لو مات قبل التلفظ جهز كمسلم.
بل قال امام الحرمين وصوبه في الروضه هو كذلك على الثاني أيضا لان هذا الامور مبنية على الظاهر، وظاهره الاسلام.
وما ذكره بعضهم من أن المسلم باسلام أحد أبويه لا يغنى عنه اسلامه شيئا ما لم يسلم بنفسه فغريب أو سبق قلم على ما قرره الاذرعى أو مفرع على وجوب التلفظ ولو تلفظ ثم ارتد فمرتد قطعا، ولا ينقض ما جرى عليه من أحكام الاسلام قبل ردته على الاصح.
ولو سبى مسلم طفلا تبع هذا الطفل سابيه في الاسلام ظاهرا وباطنا ان لم يكن معه أحد أبويه بالاجماع، ولا اعتبار بمن شذ، ولانه صار تحت ولايته كالابوين، وقضية الحكم باسلامه باطنا أنه لو بلغ ووصف الكفر كان مرتدا أما إذا كان معه أحد أبويه وان علا بأن كان في جيش واحد وغنيمة واحدة، وان لم يتحد المالك وقد سبيا معا وان أطلق القاضى في تعليقه أنه إذا سبق سبى أحدهما سبى الآخر تبع السابى، فلا يحكم باسلامه، لان تبعيتهما أقوى من تبعية السابى وان ماتا بعد، لان التبعية انما تثبت في ابتداء السبى، ولو سباه ذمى قاطن ببلادنا على حد قول امام الحرمين أو دخل به دارنا كما قال البغوي، أو
سباه في جيشنا، وكل ذلك انما هو قبل للخلاف في قولهم: لم يحكم بالامه في الاصح.
والثانى: يحكم باسلامه تبعا للدار والاوجه أنه لو سبى أبواه ثم أسلما صار مسلما بإسلامهما خلافا للحليمي ومن تبعه، ولو سباه مسلم وذمى حكم باسلامه تغليبا لحكم الاسلام، ولو سبى الذمي صبيا أو مجنونا وباعه لمسلم أو باعه المسلم السابى له مع أحد أبويه في جيش واحد ولو دون أبويه من مسلم لم يتبع المشترى لفوات وقت التبعية، لانها انما تثبت ابتداء وما جاء من قتله فسيأتي في الاقضية ان شاء الله تعالى.
(فرع)
إذا ادعى رق اللقيط مدع بعد بلوغه كلف اجابته، فان أنكر ولا بينة
لم تقبل دعواه، وإن كانت له بينة حكم له بها، فإن كان اللقيط قد تصرف قبل ذلك ببيع أو شراء نقضت تصرفاته لتصرفه بغير إذن، وان لم تكن بينة فأقر بالرق نظرنا، فان كان اعترف لنفسه بالحرية قبل ذلك لم يقبل إقراره بالرق لانه اعترف بالحرية وهى حق الله تعالى فلا يبطل برجوعه.
فإن قلنا: يقبل إقراره كأحد الوجهين عند الشافعي صارت أحكامه أحكام العبيد فيما عليه دون ماله، وبهذا قال أبو حنيفة ولمزني وأحمد، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لانه أقر بما يوجب حقا له وحقا عليه، فوجب أن يثبت ما عليه دون ماله كما لو قال: لفلان على ألف درهم ولى عنده رهن.
ويحتمل أن يقبل إقراره في الجميع، وهو القول الثاني للشافعي لانه ثبت ما عليه فيثبت ماله كالبينة، فإن قبلنا إقراره بالرق لم يخل من أن يكون ذكرا أو أنثى.
فإن كان اللقيط أنثى فالنكاح صحيح في حقها، فان كان قبل الدخول فلا جهر لها، وان كان دخل بها لم يسقط مهرها وأما أولادها فأحرار ولا يثبت الرق في حق أولادها باقرارها فأما بقاء النكاح فيقال للزوج: قد ثبت أنها أمة، فإن اخترت المقام على ذلك
فأقم، وإن شئت ففارقها، وسواء كان ممن يجوز له نكاحا الاماء أو لم يكن لاننا لو اعتبرنا ذلك وأفسدنا نكاحه لكان إفسادا للعقد جميعه بقولها، لان شروط نكاح الامه لا تعتبر في استدامة العقد انما تعتبر في ابتدائه.
فإن قيل: قد قبلتم قولها لى أنها أمة في المستقبل وفيه ضرر على الزوج.
قلنا لم يقبل قولها في إيجاب حق لم يدخل في العقد عليه، فأما الحكم في المستقبل فيمكن إيفاء حقه وحق من يثبت له الرق عليها بأن يطلقها فلا يلزمه ما لم يدخل عليها أو يقم على نكاحها فلا يسقط حق سيدها، فان طلقها اعتدت عدة الحرة، لان عدة الطلاق حق للزوج عند أحمد والشافعي ثلاثة قروء، وان مات اعتدت عدة الامة وهى شهران وخمس ليال لانه وطئ في نكاح فاسد، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وان جنى عمدا على عبد ثم أقر بالرق وجب عليه القصاص على
القولين وان جنى خطأ وجب الارش في رقبته على القولين لان وجوب القصاص ووجوب الارش في رقبته يضره ولا يضر غيره فقبل قوله فيه، وإن جنى عليه حر عمدا لم يجب القود على الجاني لان ذلك مما يضره ولا يضر غيره فقبل قوله فيه، وان جنى عليه خطأ بأن قعع يده، فإن الجاني يقر بنصف الدية واللقيط يدعى نصف القيمة، فإن كان نصف القيمة أكثر من نصف الدية وجب نصف القيمة، لان ما زاد عليه لا يدعيه.
وإن كان أكثر من نصف الدية فعلى القولين إن قلنا يقبل قوله في الجميع وجب على الجاني نصف القيمة، وإن قلنا لا يقبل فيما يضر غيره وجب نصف الدية لان فيما زاد إضرارا بالجاني
(فصل)
وإن أقر اللقيط أنه عبد لرجل وكذبه الرجل سقط إقراره، كما
لو أقر له بدار فكذبه، وإن أقر اللقيط بعد التكذيب بالرق لآخر لم يقبل.
وقال أبو العباس يقبل كما لو أقر لرجل بدار فكذبه ثم أقر بها لآخر، والمذهب الاول لان بإقراره الاول قد أخبر أنه لم يملكه غيره، فإذا كذبه المقر له رجع إلى الاصل، وهو انه حر فلم يقبل اقراره بالرق بعده، ويخالف الدار لانه إذا كذبه الاول رجع إلى الاصل وهى مملوكة فقبل الاقرار بها لغيره.
(فصل)
وإن بلغ اللقيط فادعى عليه رجل أنه عبده فأنكره فالقول قوله لان الاصل الحرية، وإن طلب المدعى يمينه فهل يحلف؟ يبنى على القولين في إقراره بالرق، فان قلنا يقبل حلف لانه ربما خاف من اليمين فأقر له بالرق، وإن قلنا لا يقبل لم يحلف، لان اليمين انما تعرض ليخاف فيقر، ولو أقر لم يقبل فلم يكن في عرض اليمين فائدة وبالله التوفيق.
(الشرح) إذا جنى جناية موجبة للقصاص فعليه القود حرا كان المجني عليه أو عبدا، لان اقراره بالرق يقتضى وجوب القود عليه فيما إذا كان المجني عليه عبدا أو حرا فقبل اقراره فيه.
وان كانت الجناية خطأ تعلق أرشها برقبته، لان ذلك مضر به، فان كان أرشها أكثر من قيمته وكان في يده مال استوفى منه وان كان مما تحمله العاقلة لم يقبل قوله في اسقاط الزيادة، لان ذلك يضر بالمجنى عليه فلا يقبل قوله فيه.
وقيل تجب الزيادة في بيت المال لان ذلك كان واجبا للمجني عليه فلا يقبل قوله في اسقاطه.
وان جنى عليه جناية موجبة للقود وكان الجاني حرا سقط، لان الحر لا يقاد منه للعبد، وقد أقر المجني عليه بما يسقط القصاص، وإذا ادعى رق اللقيط مدع سمعت دعواه لانها ممكنة وان كانت مخالفة لظاهر الدار، فان لم يكن له بينة فلا
شئ له، أما إذا ادعاه بعد بلوغه فأنكر اللقيط فالقول قوله لاستصحاب الاصل وهو الحرية، وهى حق لله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب
قال المصنف رحمه الله تعالى
كتاب الوقف الوقف قربة مندوب إليها لما روى عبد الله بن عمر أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وكان قد ملك مائة سهم من خيبر، فقال: قد أصبت مالا لم أصب مثله، وقد أردت أن أتقرب به إلى الله تعالى، فقال: حبس الاصل وسبل الثمرة)
(فصل)
ويجوز وقف كل عين ينتفع بها على الدوام كالعقار والحيوان والاثاث والسلاح، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أنه ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم أنه مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ بن عبد المطلب يعنى الصدقة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما نقم ابن جميل الا أنه كان فقيرا فأعناه الله ورسوله.
فأما خالد فانكم تظلمون خالدا، ان خالدا قد حبس أدرعه وأعتده معا في سبيل الله) ولانه لما أمر عمر رضى الله عنه بتحبيس الاصل وتسبيل الثمرة، دل ذلك على جواز وقف كل ما يبقى وينتفع به.
وأما مالا ينتفع به على الدوام كالطعام وما يشم من الريحان وما تحطم وتكسر من الحيوان فلا يجوز وقفه لانه لا يمكن الانتفاع به على الدوام، ويجوز وقف الصغير من الرقيق والحيوان، لانه يرجى الانتفاع به على الدوام، ولا يجوز وقف الحمل لانه تمليك منجز فلم يصح في الحمل وحده كالبيع
(فصل)
واختلف أصحابنا في الدراهم والدنانير، فمن أجاز إجارتها أجاز وقفها، ومن لم يجز إجارتها لم يجز وقفها، واختلفوا في الكلب فمنهم من قال
لا يجوز وقفه لان الوقف تمليك والكلب لا يملك.
ومنهم من قال يجوز الوقف لان القصد من الوقف المنفعة وفى الكلب منفعة فجاز وقفه، واختلفوا في أم الولد فمنهم من قال يجوز وقفها لانه ينتفع بها على الدوام فهى كالامة القنة، ومنهم من قال لا يجوز لانها لا تملك
(فصل)
ولا يصح الوقف إلا في عين معينة، فإن وقف عبدا غير معين أو فرسا غير معين فالوقف باطل لانه إزالة ملك على وجه القربة فلم يصح في عين في الذمة كالعتق والصدقة.
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ (أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أنفس عندي منه فما تأمرني؟ فقال: إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوى القربى والرقاب والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول) وفى لفظ (غير متأثل مالا) وفى حديث عمرو بن دينار عند البخاري قال في صدقة عمر (ليس على الولى جناح أن يأكل صديقا له غير متأثل) قال (وكان ابن عمر هو يلى صدقة عمر ويهدى لناس من أهل مكة كان ينزل عليهم) وللحديث روايات للبيهقي والطحاوى والدارقطني.
وروى النسائي وابن ماجه والشافعي عن ابن عمر، وهو متفق عليه مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ عمر للنبى صلى الله عليه وسلم (إن المائة سهم التى لى بخيبر لم أصب مالا قط أعجب إلى منها، وقد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احبس أصلها وسبل ثمرتها)
وأما حديث أبى هريرة فقد رواه أحمد ومسلم بلفظ (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمر عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بن الوليد وعباس عم النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدْ احْتَبَسَ أدراعه وأعتاده في سبيل الله تعالى، وأما العباس فهى عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا.
ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ) وأخرجه البخاري وليس فيه ذكر عمر ولا ما قيل له في العباس.
وأخرجه أبو داود الطيالسي من حديث أبى رافع وفيه إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لعمر (إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الاول) وأخرجه الطبراني والبزار وفى اسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف.
ورواه البزار من حديث موسى بن طلحة عن أبيه نحوه.
وفى إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك.
ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وفى إسناده مندل بن على والعرزمى وهما ضعيفان.
أما اللغات فالوقف مصدر وقف يقف، ووقفته أنا يتعدى ويلزم، ووقفت الدار حبستها في سبيل الله، وشئ موقوف ووقف تسمية بالمصدر، والجمع أوقاف، كثوب وأثواب، ولا يقال أوقفت إلا في الكلام، فتقول فأوقفت عن الكلام.
وقوله (حبس الاصل وسبل الثمرة) الحبس ضد الاطلاق، أي اجعله محبوسا لا يباع ولا يوهب.
وسبل الثمرة، أي اجعل لها سبيلا، أي طريقا لمصرفها، والاثاث متاع البيت، قال الله تعالى (أثاثا ومتاعا إلى حين) وقوله (ما تقم ابن جميل) نقم من باب ضرب نقما ونقوما، وفى لغة من باب
تعب، ومعناه كره الشئ وعابه أشد العيب، وفى التنزيل (وما تنقم منا) على اللغة الاولى، أي وما تطعن فينا وتقدح، وقيل ليس لك عندنا ذنب ولا ركبنا مكروها.
والاعتدة جمع عتاد وهو أهبة الحرب من السلاح والذخيرة وغيرهما يقال: أخذ للامر عدته وعتاده أي أهبته وآلته.
أما الاحكام: فقد استدل المصنف بحديث ابن عمر علب صحة وقف المشاع وهو مذهب الشافعي وأبى يوسف ومالك، لان عمر وقف مائة سهم بخيبر ولم تكن مقسومة، وقد عارض وقف المشاع بعض الفقهاء وأوضح ما احتجوا به أن كل جزء من المشترك محكوم عليه بالمملوكية للشريكين فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن عليه بحكمين مختلفين متضادين مثل صحة البيع بالنسبة إلى كونه مملوكا وعدم الصحة بالنسبة إلى كونه موقوفا، فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها وأجيب عن هذا بأبه نظير العتق المشاع كحديث الستة الاعبد كما صح هنا، وإذا صح من جهة الشارع بطل هذا الاستدلال.
وقد استدل البخاري على صحة وقف المشارع بحديث أنس في قصة بناء المسجد وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ثامنونى حائطكم، قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عزوجل) وهذا ظاهر في جواز وقف المشارع ولو كان غير جائز لانكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قولهم هذا وبين لهم الحكم.
على أن الوقف عند أكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحتة قال جابر رضى الله عنه لم يكن أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذو مقدرة إلا وقف ولم ير شريح الوقف وقال: لا حبس عن فرائض الله، وقال أحمد: وهذا مذهب أهل الكوفة، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده،
وللواقف الرجوع فيه إلا أن يوص به بعد موته فيلزم أو يحكم بلزومه حاكم، وحكاه بعضهم عن على وابن مسعود وابن عباس، وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم.
واحتج بعضهم بما روى أن عبد الله بن زيد صاحب الاذان جعل حائطه صدقة وجعله إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء أبواه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده النبي صلى الله عليه وسلم ثم ماتا فورثهما.
رواه المحاملى في أماليه، ولانه أخرج ماله على وجه القربة