كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يتعاملون به غالبا كالتي عليها صورة الْإِخْلَاصِ وَضَرْبٌ يَتَدَاوَلُونَهُ كَثِيرًا فَالْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ وَفِي الثَّانِي الْوَجْهَانِ وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ إطْلَاقُ الْوَجْهَيْنِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْمُتَدَاوَلِ وَغَيْرِهِ فَالْفَرْقُ غَرِيبٌ نَقْلًا ضَعِيفٌ دَلِيلًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَيَجُوزُ مَسُّ خَاتَمٍ نُقِشَ بِآيَاتٍ وَحَمْلُهُ 1 وَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا فَهُوَ كَالدَّرَاهِمِ وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فَإِنْ أَصَابَ الْمُصْحَفَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ أَصَابَهُ بِغَيْرِهِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ يَحْرُمُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ الْمُتَوَلِّي إذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ
- وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الْمُصْحَفِ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ وَالْمُعَلِّمِ تَكْلِيفُهُ الطَّهَارَةَ لِحَمْلِ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ وَمَسِّهِمَا فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يَجِبُ لِلْمَشَقَّةِ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي بِهِ فِي اللَّوْحِ وَذَكَرَ الوجهين في المصحف وقطع الجرجاني بانه لايمنع مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ فِي الْمُكْتَبِ وَالْمَشْهُورُ طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا فِي الْمُكْتَبِ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَلْ يَجُوزُ لَلصِّبْيَانِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي يَجُوزُ وَقَدْ قَالَ مِثْلَهُ الْفُورَانِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ وَهُوَ تَسَاهُلٌ فَإِنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مُكَلَّفًا فَكَيْفَ يُقَالُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ وَجْهَانِ وَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ إحْدَاهَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ وَالْأَفْضَلُ أَنَّهُ يَتَطَهَّرُ لَهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَلَا نَقُولُ قِرَاءَةُ الْمُحْدِثِ مَكْرُوهَةٌ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ مَعَ الْحَدَثِ
- (الثَّانِيَةُ) كِتَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ إنْ كَانَ الْقُرْآنُ فِيهِ أَكْثَرَ كَبَعْضِ كُتُبِ غَرِيبِ الْقُرْآنِ حُرِّمَ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا كَذَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَإِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا لَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُصْحَفٍ وَبِهَذَا قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ وَالثَّانِي يَحْرُمُ لِتَضْمِينِهِ قُرْآنًا كَثِيرًا وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ الْقُرْآنُ مُتَمَيِّزًا عَنْ التَّفْسِيرِ بِخَطٍّ غَلِيظٍ حُمْرَةً أَوْ صُفْرَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُمْ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَإِذَا لَمْ يَحْرُمْ كُرِهَ وَأَمَّا كُتُبُ الْقِرَاءَاتِ فَجَعَلَهَا الشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَقَطَعَ هُوَ بِجَوَازِهَا وَأَمَّا كُتُبُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ جَوَازَ مَسِّهَا وَحَمْلِهَا مَعَ الْحَدَثِ
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ يُكْرَهُ وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ آخرون انه ان لم يكن فيها شئ مِنْ الْقُرْآنِ جَازَ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُفْعَلَ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَإِنْ كَانَ فِيهَا قُرْآنٌ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي كُتُبِ الْفِقْه (الثَّالِثَةُ) يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مس التوراة والانجيل وحملهما كذا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ وجهين أحدهما لا يجوز والثاني قَالَا وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ مُبَدَّلٍ كُرِهَ مَسُّهُ وَلَا يَحْرُمُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَحُكْمُ الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ مِنْ الْقُرْآنِ حُكْمُ التَّوْرَاةِ (الرَّابِعَةُ) إذَا كَتَبَ الْمُحْدِثُ أو الجنب مصحفا نظران حَمَلَهُ أَوْ مَسَّهُ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ حَرُمَ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ وَلَا مَاسٍّ وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ 1 أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ دُونَ الْمُحْدِثِ: (الْخَامِسَةُ) إذَا كَتَبَ الْقُرْآنَ فِي لَوْحٍ فَلَهُ حُكْمُ الْمُصْحَفِ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ عَلَى الْبَالِغِ الْمُحْدِث هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّهُ لا يحرم لانه لايراد لِلدَّوَامِ بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فَيَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ عَلَى اللَّوْحِ آيَةٌ أَوْ بَعْضُ آيَةٍ كُتِبَ لِلدِّرَاسَةِ حَرُمَ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ: (السَّادِسَةُ) لَا يَجُوزُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ بشئ نَجِسٍ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ نَقْشُ الْحِيطَانِ وَالثِّيَابِ بِالْقُرْآنِ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَإِذَا كَتَبَ قُرْآنًا عَلَى حَلْوَى وَطَعَامٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ قَالَ الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ عَلَى خَشَبَةٍ كُرِهَ إحْرَاقُهَا 2 (السَّابِعَةُ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ لَا يَجُوزُ تَوَسُّدُ الْمُصْحَفِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ قَالَ الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ السَّرِقَةَ فَيَجُوزُ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ مَنْعُهُ فِي الْمُصْحَفِ وَإِنْ خَافَ السَّرِقَةَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَا يُمَكَّنُ الصِّبْيَانُ مِنْ مَحْوِ الْأَلْوَاحِ بِالْأَقْدَامِ وَلَا يُمَكَّنُ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ مِنْ حَمْلِ الْمُصْحَفِ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ: (الثَّامِنَةُ) لَوْ خَافَ الْمُحْدِثُ عَلَى الْمُصْحَفِ مِنْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ وُقُوعِ نَجَاسَةٍ عَلَيْهِ أَوْ وُقُوعِهِ بِيَدِ كَافِرٍ جَازَ أَخْذُهُ مَعَ الْحَدَثِ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْمُصْحَفِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُودِعُهُ الْمُصْحَفَ وَعَجَزَ عَنْ الْوُضُوءِ فَلَهُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْحَدَثَ فَيُبِيحُ الصَّلَاةَ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلَهُ: (التَّاسِعَةُ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ يُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ حَمْلُ التَّعَاوِيذِ يَعْنُونَ الْحُرُوزَ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي الْفَتَاوَى كِتَابَةُ الْحُرُوزِ وَاسْتِعْمَالُهَا مَكْرُوهٌ وَتَرْكُ تَعْلِيقِهَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَقَالَ فِي فَتْوَى أُخْرَى يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُرُوزِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ عَلَى النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ وَالرِّجَالِ وَيُجْعَلُ عَلَيْهَا شَمْعٌ وَنَحْوُهُ وَيُسْتَوْثَقُ مِنْ النِّسَاءِ وَشِبْهِهِنَّ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ دُخُولِ الْخَلَاءِ بِهَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا جُعِلَ عَلَيْهِ شَمْعٌ وَنَحْوُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ نَحْوَ هَذَا فَقَالَ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِمَا يُعَلَّقُ عَلَى النِّسَاءِ الْحُيَّضِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ الْقُرْآنِ إذَا جُعِلَ فِي كِنٍّ كَقَصَبَةِ حَدِيدٍ أو جلد يخرز عليه وقد يستدل للاباحة بحديث عمر وبن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنْ الْفَزَعِ كَلِمَاتٍ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ أن يَحْضُرُونَ) قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ عَقَلَ مِنْ بَنِيهِ وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ كَتَبَهُ فَأَعْلَقَهُ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ: (الْعَاشِرَةُ) إذَا تَيَمَّمَ الْمُحْدِثُ تَيَمُّمًا صَحِيحًا فَلَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ وَكَذَا إذَا تَوَضَّأَ مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْمُسْتَحَاضَةِ فَلَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَيُصَلِّي عَلَى حَالِهِ لِلضَّرُورَةِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ: (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُسَافَرَةُ بِالْمُصْحَفِ إلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إذَا خِيفَ وُقُوعُهُ فِي أَيْدِيهِمْ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ إلَيْهِمْ الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ وَشِبْهُهُمَا فِي أَثْنَاءِ كِتَابٍ لِحَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ كِتَابًا فِيهِ (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الآية (الثانية عشرة) قال أصحابنا لايمنع الكافر سماع القرآن ويمنع من الْمُصْحَفِ وَهَلْ يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ الْقُرْآنَ يُنْظَرُ إنْ لَمْ يُرْجَ إسْلَامُهُ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ رُجِيَ جَازَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ الْمُصْحَفَ وَإِنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَحَيْثُ رَآهُ مُعَانِدًا لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ بِحَالٍ وَهَلْ يُمْنَعُ التَّعْلِيمَ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَصَحُّهُمَا يُمْنَعُ (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ صِيَانَةِ الْمُصْحَفِ وَاحْتِرَامِهِ فَلَوْ أَلْقَاهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فِي قَاذُورَةٍ كَفَرَ وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَتَحْسِينِ كِتَابَتِهِ وَتَبْيِينِهَا وَإِيضَاحِهَا وَإِيضَاحِ الْخَطِّ دُونَ مَشَقَّةٍ وَتَعْلِيقِهِ وَيُسْتَحَبُّ نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَشَكْلُهُ لِأَنَّهُ صِيَانَةٌ لَهُ مِنْ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ وَفِي تَذْهِيبِهِ وَتَفْضِيضِهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي بَابِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: وَبَيْعُ الْمُصْحَفِ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَفِي كَرَاهَةِ بَيْعِهِ وَجْهَانِ الْمَنْصُوصُ يُكْرَهُ وَفِيهِ مَذَاهِبُ لِلسَّلَفِ سَنُوَضِّحُهَا حَيْثُ ذكره الصنف فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبَيْعُهُ لِلْكُفَّارِ حَرَامٌ وَفِي انْعِقَادِهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَنْعَقِدُ وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ فُرُوعِهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا آدَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَفْضِيلُهَا عَلَى التَّسْبِيحِ وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَسَأَذْكُرُهُ مُوَضَّحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَهُوَ أَلْيَقُ بِهِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ مَذْهَبُنَا تَحْرِيمُهُمَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
- وَعَنْ الْحَكَمِ 1 وَحَمَّادٍ وَدَاوُد يَجُوزُ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ جَوَازُ مَسِّهِ بِظَهْرِ الْكَفِّ دُونَ بَطْنِهِ
- وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ كِتَابًا فِيهِ قُرْآنٌ وَهِرَقْلُ محدث يسمه وَأَصْحَابُهُ وَلِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَحْمِلُونَ الْأَلْوَاحَ مُحْدِثِينَ بِلَا انكار ولانه إذ لَمْ تَحْرُمْ الْقِرَاءَةُ فَالْمَسُّ أَوْلَى وَقَاسُوا حَمْلَهُ عَلَى حَمْلِهِ فِي مَتَاعٍ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ الله تعالى (انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العالمين) فَوَصَفَهُ بِالتَّنْزِيلِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي عِنْدَنَا فَإِنْ قَالُوا الْمُرَادُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُطَهَّرُونَ وَلِهَذَا قَالَ يَمَسُّهُ بِضَمِّ السِّينِ عَلَى الْخَبَرِ وَلَوْ كَانَ الْمُصْحَفَ لَقَالَ يَمَسَّهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى النَّهْيِ فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى تَنْزِيلٌ ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ الْمُصْحَفِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ صحيح صريح وأما رفع السين فهو نهى بلفظ الخبر كقوله (لاتضار والدة بولدها) عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ قَالُوا لَوْ أُرِيدَ مَا قُلْتُمْ لَقَالَ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُتَطَهِّرُونَ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْمُتَوَضِّئِ مُطَهَّرٌ وَمُتَطَهِّرٌ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَبِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ هِرَقْلَ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كَانَ فِيهِ آيَةٌ وَلَا يُسَمَّى مُصْحَفًا وَأُبِيحَ حَمْلُ الصِّبْيَانِ الْأَلْوَاحَ لِلضَّرُورَةِ وَأُبِيحَتْ الْقِرَاءَةُ لِلْحَاجَةِ وَعُسْرِ الْوُضُوءِ لَهَا كُلَّ وَقْتٍ وَحَمْلُهُ فِي الْمَتَاعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
باب الاستطابة
)
الِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ عِبَارَاتٌ عَنْ إزَالَةِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ فَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ يَكُونَانِ تَارَةً بِالْمَاءِ وَتَارَةً بِالْأَحْجَارِ وَالِاسْتِجْمَارُ يَخْتَصُّ بِالْأَحْجَارِ مَأْخُوذًا مِنْ الْجِمَارِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ وَأَمَّا الِاسْتِطَابَةُ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُطَيِّبُ نَفْسَهُ بِإِزَالَةِ الْخَبَثِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ يُقَالُ اسْتَطَابَ يَسْتَطِيبُ فَهُوَ مُسْتَطِيبٌ وَأَطَابَ يُطِيبُ فَهُوَ مُطَيِّبٌ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ شِمْرٌ هو مأخوذ من نجوت الشجرة وَأَنْجَيْتُهَا إذَا قَطَعْتُهَا كَأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا يَرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَسَتَّرَ بِنَجْوَةٍ قَالَ الازهرى قول شمر أصح والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [إذا أراد دخول الخلاء ومعه شئ عليه ذكر الله تعالى فالمستحب أن ينحيه لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وضع خاتمه) وانما وضعه لانه كان عليه محمد رسول الله]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا مَشْهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي اللِّبَاسِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُنْكَرٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَخَالَفَهُمْ التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ: وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا وَضَعَهُ إلَى آخِرِهِ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) وَيُقَالُ خَاتِمٌ وَخَاتَمٌ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَخَاتَامٌ وَخَيْتَامٌ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَالْخَلَاءُ بِالْمَدِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي وَقَوْلُهُ كَانَ إذَا دخل الخلاء أي أراد الدخول: أم حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَنْحِيَةِ مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إرَادَةِ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَلَا تَجِبُ التَّنْحِيَةُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ الِانْتِخَابِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْكَافِي وَآخَرُونَ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وغيرهما لافرق فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا أَوْ خَاتَمًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ عُوذَةٌ وَهِيَ الْحُرُوزُ الْمَعْرُوفَةُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُنَحِّيَهُ
صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَأَلْحَقَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْوَسِيطِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى اسْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَسْتَصْحِبُ شَيْئًا عَلَيْهِ اسْمٌ مُعَظَّمٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْأَدَبِ بِالْبُنْيَانِ وَجْهَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ يَخْتَصُّ وَقَطَعَ الجمهور بانه يشترك فيه البنيان وَالصَّحْرَاءُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِذَا كَانَ مَعَهُ خَاتَمٌ فَقَدْ قُلْنَا يَنْزِعُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَوْ لَمْ يَنْزِعْهُ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا وَدَخَلَ فَقِيلَ يَضُمُّ عَلَيْهِ كَفَّهُ لِئَلَّا يَظْهَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ لَمْ يَنْزِعْهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ التَّرْخِيصَ في استصحابه والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ بِاسْمِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سِتْرُ مابين عورات امتى واعين الجن باسم الله) ]
- [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَالسِّتْرُ بِكَسْرِ السِّينِ الْحِجَابُ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ يُقَال مَا دُونَ ذَلِكَ الْأَمْرِ سِتْرٌ وَمَا دُونَهُ حِجَابٌ وَمَا دُونَهُ وَجَاحٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْوَجَاحُ بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَوْلُهُ بِاسْمِ اللَّهِ هَكَذَا يُكْتَبُ بِاسْمِ بِالْأَلِفِ وَإِنَّمَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِكَثْرَةِ تكررها كَذَا عَلَّلَهُ أَهْلُ الْأَدَبِ وَالْمُصَنِّفُونَ فِي الْخَطِّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ إذَا دَخَلَ أَيْ أَرَادَ الدُّخُولَ وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّحْرَاءُ وَالْبُنْيَانُ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَالْأَصْحَابُ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ ذَلِكَ]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْخُبُثُ بِضَمِّ الْبَاءِ جَمَاعَةُ الْخَبِيثِ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ الْخَبِيثَةِ يُرِيدُ ذُكُورَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ قَالَ وَعَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَ خُبْثٌ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ الضَّمُّ وَهَذَا الَّذِي غَلَّطَهُمْ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ لَيْسَ بِغَلَطٍ بَلْ إنْكَارُ تَسْكِينِ الْبَاءِ وَشِبْهِهِ غلط فان
التَّسْكِينَ فِي هَذَا وَشِبْهِهِ جَائِزٌ تَخْفِيفًا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَهُوَ بَابٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ فَمِنْ ذَلِكَ كُتُبٌ وَرُسُلٌ وَعُنُقٌ وَأَشْبَاهُهَا مِمَّا هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مَضْمُومُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنًا فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يُرِدْ إنْكَارَ الْإِسْكَانِ تَخْفِيفًا وَلَكِنَّ عِبَارَتَهُ مُوهِمَةٌ وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ هَذَا الْفَنِّ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنُ سَلَامٍ إمَامُ هَذَا الْفَنِّ وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَوَوْهُ سَاكِنَ الْبَاءِ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ الْخُبْثُ الشَّرُّ وَقِيلَ الْكُفْرُ وَقِيلَ الشَّيْطَانُ وَالْخَبَائِثُ الْمَعَاصِي قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْخُبْثُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَكْرُوهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِلَلِ فَهُوَ الْكُفْرُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فَهُوَ الْحَرَامُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ: وَقَوْلُهُ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَيْ إذَا أَرَادَ دُخُولَهُ وَكَذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَهَذَا الذِّكْرُ مَجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَسَوَاءٌ فيه البناء والصحراء وقول المصنف يقول اسم اللَّهِ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ التَّسْمِيَةَ وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا (بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ) وَيُخَالِفُ هَذَا التَّعَوُّذَ فِي الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى البسملة لان التعوذ هناك للقراء وَالْبَسْمَلَةُ مِنْ الْقُرْآنِ فَقُدِّمَ التَّعَوُّذُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ هذا: والله أعلم * قال المصنف رحمه الله * [وَيَقُولُ إذَا خَرَجَ غُفْرَانَكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَلَاءِ إلَّا قَالَ (غُفْرَانَكَ) ] [الشرح] الحديث أَبِي ذَرٍّ هَذَا ضَعِيفٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ عَمَلُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طُرُقٍ بَعْضُهَا مَرْفُوعٌ وَبَعْضُهَا مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ وَإِسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ غَيْرُ قَوِيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ ضعيف قال الترمذي لايعرف فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ
حَسَنٌ وَلَفْظُ رِوَايَتِهِمْ كُلِّهِمْ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ (غُفْرَانَكَ) وَبَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ تَفَاوُتٌ لَا يَخْفَى لَكِنَّ الْمَقْصُودَ يحصل: وجاء فِي الَّذِي يُقَالُ عَقِبَ الْخُرُوجِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ليس فيها شئ ثَابِتٌ إلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ وَهَذَا مُرَادُ الترمذي بقوله لايعرف فِي الْبَابِ إلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَغُفْرَانَكَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ أَوْ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ وَالْوَجْهَانِ مَقُولَانِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (غفرانك ربنا) وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقِيلَ فِي سَبَبِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الذِّكْرَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَ لَبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ لا يهجر ذكر الله تعال إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ ثُمَّ هَضَّمَهُ ثُمَّ سَهَّلَ خُرُوجَهُ فَرَأَى شُكْرَهُ قَاصِرًا عَنْ بُلُوغِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَقَوْلُهَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ أَيْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَغَوَّطُ فِيهِ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُ الْغَائِطِ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ كَانُوا يَأْتُونَهُ لِلْحَاجَةِ فَكَنَوْا بِهِ عَنْ نَفْسِ الْحَدَثِ كَرَاهَةً لِاسْمِهِ وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ التَّعَفُّفُ فِي أَلْفَاظِهَا وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَاتِ فِي كَلَامِهَا وَصَوْنُ الْأَلْسُنِ مِمَّا تُصَانُ الْأَبْصَارُ وَالْأَسْمَاعُ عَنْهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَالصَّحْرَاءُ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَبُو ذَرٍّ اسْمُهُ جُنْدَبُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّهَا ابْنُ جُنَادَةَ بِالضَّمِّ وَقِيلَ فِي اسْمِهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَقِيلَ خَامِسُ خَمْسَةٍ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَزُهْدُهُ مِنْ الْمَشْهُورَاتِ تُوُفِّيَ بِالرَّبْذَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقَدْ بَسَطْتُ أَحْوَالَهُ فِي تَهْذِيبِ الاسماء رضى الله عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ
- [وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ فِي الدُّخُولِ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَفِي الْخُرُوجِ الْيُمْنَى لِأَنَّ الْيَسَارَ لِلْأَذَى وَالْيُمْنَى لما سواه]
(الشَّرْحُ) الْيَسَارُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ الْفَتْحُ أَفْصَحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَهُمْ ابْنُ دُرَيْدٍ وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ التَّكْرِيمِ بُدِئَ فِيهِ بِالْيُمْنَى وَخِلَافُهُ بِالْيَسَارِ وَقَدْ قَدَّمْتُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِأَمْثِلَتِهَا وَدَلَائِلِهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدِ وَفِي اخْتِصَاصِ هَذَا الْأَدَبِ بِالْبُنْيَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَخْتَصُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَثِيرِينَ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَخْتَصُّ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ قَالَ فَيُقَدِّمُ فِي الصَّحْرَاءِ رِجْلَهُ الْيُسْرَى إذَا بَلَغَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ وَإِذَا فرغ قدم اليمنى في انصرافه * قال المصنف رحمه الله
- [وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ أَبْعَدَ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ إذَا ذَهَبَ إلَى الغائط ابعد) ويستتر عن العيون بشئ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ به]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ الْمُغِيرَةِ أَيْضًا قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ يَا مُغِيرَةُ خُذْ الْإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ يَسِيرٌ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْحَائِشُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْحَائِطُ وَالْكَثِيبُ بالثاء المثلثة قطعة من الرمل مستطيلة محدودبة تُشْبِهُ الرَّبْوَةَ وَهَذَانِ الْأَدَبَانِ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا وَجَاءَ فِيهِمَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جَمَعْتُهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَحْصُلُ هَذَا التَّسَتُّرُ بِأَنْ يَكُونَ فِي بِنَاءٍ مُسَقَّفٍ أَوْ مُحَوَّطٍ يُمْكِنُ سَقْفُهُ أَوْ يَجْلِسَ قَرِيبًا مِنْ جِدَارٍ وَشِبْهِهِ وَلْيَكُنْ السَّاتِرُ قَرِيبًا مِنْ
آخِرَةِ الرَّحْلِ وَلْيَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ وَلَوْ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَتَسَتَّرَ بِهَا أَوْ جَلَسَ فِي وَهْدَةٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ أَرْخَى ذيله حصل هذا الغرض والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا لِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ) وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوِّلُوا بِمَقْعَدَتِي إلَى الْقِبْلَةِ) وَلِأَنَّ فِي الصَّحْرَاءِ خَلْقًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ يُصَلُّونَ فيستقبلهم بفرجه وليس ذلك في البنيان]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَفِي الْأُمِّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ دُونَ قَوْلِهِ لِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوب وَوَقَعَ في المذهب لِغَائِطٍ بِاللَّامِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ لِغَائِطٍ وَبِغَائِطٍ بِاللَّامِ وَبِالْبَاءِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَكِنْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ إلَى أَنَّ فِيهِ عِلَّةً وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (أو قد فَعَلُوهَا) هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهِيَ وَاوُ الْعَطْفِ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي تفسير قول الله تعالى (أو لو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) إنَّمَا جَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ لِلتَّوْبِيخِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِقْرَارَ بِمَا الْإِقْرَارُ بِهِ فَضِيحَةٌ كَمَا يَقْتَضِي الِاسْتِفْهَامُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ وَالْمَقْعَدَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وهى موضع العقود لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا سَأَذْكُرُهُ فِي فُرُوعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ صَاحِبُ الشَّامِلِ إنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ فِي الْبُنْيَانِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ وَنَحْوِهِ ثَلَاثُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا وَيَكُونَ الْجِدَارُ وَنَحْوُهُ مُرْتَفِعًا قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فان
زَادَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِ أَذْرُعٍ أَوْ قَصُرَ الْحَائِلُ عَنْ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي بَيْتٍ بُنِيَ لِذَلِكَ فَلَا حَرَجَ فِيهِ قَالُوا وَلَوْ كَانَ فِي الصحراء وتستر بشئ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشَّرْطَيْنِ زَالَ التَّحْرِيمُ فَالِاعْتِبَارُ بِالسَّاتِرِ وَعَدَمِهِ فَحَيْثُ وُجِدَ السَّاتِرُ بِالشَّرْطَيْنِ حَلَّ فِي الْبِنَاءِ وَالصَّحْرَاءِ وَحَيْثُ فُقِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ حَرُمَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يَحِلُّ فِي الْبِنَاءِ مُطْلَقًا بِلَا شَرْطٍ وَيَحْرُمُ فِي الصَّحْرَاءِ مُطْلَقًا وَإِنْ قَرُبَ مِنْ السَّاتِرِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا فَرْقَ فِي السَّاتِرِ بَيْنَ الْجِدَارِ وَالدَّابَّةِ وَالْوَهْدَةِ 1 وَكَثِيبِ الرَّمْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: وَلَوْ أَرْخَى ذَيْلَهُ فِي قُبَالَةِ الْقِبْلَةِ فَهَلْ يَحْصُلُ بِهِ السَّتْرُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا لَا يَحْصُلُ لِأَنَّهُ لَا يعد ساتر أو أصحهما يَحْصُلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ وَلَا يستدير بسوءته وَهَذَا الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِالذَّيْلِ وَبِهَذَا الثَّانِي قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَآخَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَحَيْثُ جَوَّزْنَا الِاسْتِقْبَالَ قَالَ الْمُتَوَلِّي يُكْرَهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا كَانَ فِي بَيْتٍ يُعَدُّ مِثْلُهُ سَاتِرًا لَمْ يَحْرُمْ الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ لَكِنَّ الادب ان يتوقاهما ويهيئ مجلسه مائلا عَنْهُمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْجُمْهُورُ لِلْكَرَاهَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُتَوَلِّي وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ الْأَدَبَ وَالْأَفْضَلَ الْمَيْلُ عَنْ الْقِبْلَةِ إذَا أَمْكَنَ بِلَا مشقة والله أعلم *
(فَرْعٌ) إذَا تَجَنَّبَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارَهَا حَالَ خُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ثُمَّ أَرَادَ اسْتِقْبَالَهَا حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وَإِطْلَاقُ أَصْحَابِنَا جَوَازَهُ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِي اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ فِي الحلية جوزاه عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ يَحْتَمِلُهُ مَذْهَبُنَا وَلَا كَرَاهَةَ أَيْضًا فِي إخْرَاجِ الرِّيحِ إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي كِتَابِهِ الْكِفَايَةِ يَجُوزُ عِنْدَنَا الْجِمَاعُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَمُسْتَدْبِرَهَا فِي الْبِنَاءِ وَالصَّحْرَاءِ قَالَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَجَوَّزَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَرِهَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَقَلَ غَيْرُ العبدرى من اصحابنا ايضا انه لاكراهة فِيهِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَا اسْتِدْبَارُهُ لَا فِي الْبِنَاءِ وَلَا فِي الصَّحْرَاءِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ قِبْلَةً: وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلي عليه وسلم أن يستقبل الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فَأَجَابَ عَنْهُ أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ لِمُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَيْثُ كَانَ قِبْلَةً ثُمَّ نَهَى عَنْ الْكَعْبَةِ حِينَ صَارَتْ قِبْلَةً فَجَمَعَهُمَا الرَّاوِي قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا تَأْوِيلُ أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ اسْتَقْبَلَهَا وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِهِمَا النَّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذَا تَأْوِيلٌ
عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَهَذَانِ تَأْوِيلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْأَصْحَابِ وَلَكِنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَعْفٌ وَالظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ عَامٌّ لِكِلْتَيْهِمَا فِي كُلِّ مَكَان وَلَكِنَّهُ فِي الْكَعْبَةِ نَهْيُ تَحْرِيمٍ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا سَبَقَ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَهْيُ تَنْزِيهٍ وَلَا يَمْتَنِعُ جَمْعُهُمَا فِي النَّهْيِ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُ وَسَبَبُ النَّهْيِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَوْنُهُ كَانَ قِبْلَةً فَبَقِيَتْ لَهُ حُرْمَةُ الْكَعْبَةِ وَقَدْ اخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ فَإِنْ قِيلَ لِمَ حَمَلْتُمُوهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى التَّنْزِيهِ قُلْنَا لِلْإِجْمَاعِ فَلَا نَعْلَمُ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ خرمه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ هِيَ أربعة مذاهب أحدها مذهب الشافع أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ فِي الصَّحْرَاءِ جَائِزٌ فِي الْبُنْيَانِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهَذَا قَوْلُ الْعَبَّاسِ ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَمَالِكٍ وَإِسْحَاقَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
- وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ
- وَالثَّالِثُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ وَالصَّحْرَاءِ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَرَبِيعَةَ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ
- وَالرَّابِعُ يَحْرُمُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ وَيَحِلُّ الِاسْتِدْبَارُ فِيهِمَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ
- وَاحْتَجَّ لِمَنْ حَرَّمَ مُطْلَقًا بِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَةٍ فَلَا يَسْتَقْبِلَنَّ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بول قَالُوا وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْبِنَاءِ كَالصَّحْرَاءِ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَفَى الْحَائِلُ لَجَازَ فِي الصَّحْرَاءِ فَإِنَّ
بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ أَوْدِيَةً وَجِبَالًا وَأَبْنِيَةً
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وبحدث ابن عمر رضى لله عَنْهُمَا قَالَ (رَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرًا الْكَعْبَةَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا فَقُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا قَالَ بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شئ يسترك فلا بأس) رواه أبو داود والدارقطني وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلِأَنَّهُ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي اجْتِنَابِ الْقِبْلَةِ فِي الْبِنَاءِ دُونَ الصَّحْرَاءِ فَإِنْ قَالُوا خَصُّوا الْجَوَازَ بِمَنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ قُلْنَا الرُّخْصَةُ تَرِدُ لِسَبَبٍ ثُمَّ تَعُمُّ كَالْقَصْرِ وَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ فِي المنع والجواز فوجب الجمع بينها ويحصل الجمع بينها بِمَا قُلْنَاهُ فَإِنَّهَا جَاءَتْ عَلَى فِقْهٍ وَلَا تَكَادُ تَحْصُلُ بِغَيْرِهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَهُوَ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ كَانَ بِالصَّحْرَاءِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ: وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا انه شك في عموم النهي فاحتاط الاستغفار وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا مَذْهَبُهُ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرِيحًا وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا سَبَقَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمَنْعُ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ وَمَا بَعْدَهُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْفَرْقِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قِيَاسٍ وَمَعْنًى يُخَالِفُهُ: وَمَعَ هَذَا فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ فِي الْبِنَاءِ دُونَ الصَّحْرَاءِ
- وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ مُطْلَقًا بِحَدِيثَيْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ قَالُوا وَهُمَا نَاسِخَانِ لِلنَّهْيِ قَالُوا وَلِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَعَارَضَتْ فَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ السَّابِقَةَ صَحِيحَةٌ فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهَا بَلْ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا
فَجَمَعْنَا بَيْنَهَا وَاسْتَعْمَلْنَاهَا وَلَمْ نُعَطِّلْ شَيْئًا مِنْهَا: واما قولهم ناسخان فخطأ لان السنخ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَلَمْ يَتَعَذَّرْ هُنَا وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ الِاسْتِدْبَارَ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ فَمَحْجُوجٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ فِي الصَّحْرَاءِ خَلْقًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ يُصَلُّونَ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَاعْتَمَدُوهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ التَّابِعِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَوْ قَعَدَ قَرِيبًا مِنْ حَائِطٍ وَاسْتَقْبَلَهُ وَوَرَاءَهُ فَضَاءٌ وَاسِعٌ جَازَ بلا شك صرح به امام الحرمين والبغوى وَغَيْرُهُمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَبَالَ إلَيْهَا فَهَذَا يُبْطِلُ هَذَا التَّعْلِيلَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يَجُزْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُ مُسْتَدْبِرٌ الْفَضَاءَ الَّذِي فِيهِ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنَّ التَّعْلِيلَ الصَّحِيحَ أَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مُعَظَّمَةٌ فَوَجَبَ صِيَانَتُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَرُخِّصَ فِيهَا فِي الْبِنَاءِ لِلْمَشَقَّةِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ اعْتَمَدَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الارض] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ
- وَهَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ 1 وَمَعْنَاهُ إذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ لِلْحَاجَةِ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ عَنْ عَوْرَتِهِ فِي حَالِ قِيَامِهِ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يُسْبِلَ ثَوْبِهِ إذَا فَرَغَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ تَنَجُّسَ ثَوْبِهِ فَإِنْ خَافَهُ رَفَعَ قَدْرَ جاجته والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَيَرْتَادُ مَوْضِعًا لِلْبَوْلِ فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الْأَصْلِيَّةُ دَقَّهَا بِعُودٍ أَوْ حَجَرٍ حَتَّى لَا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى وَقَوْلُهُ فَلْيَرْتَدْ أَيْ يَطْلُبُ مَوْضِعًا لَيِّنًا وَأَبُو مُوسَى هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَشْعَرِ جَدِّ الْقَبِيلَةِ تُوُفِّيَ أَبُو مُوسَى بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وهو ابن
ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمَنَاقِبُهُ مَشْهُورَةٌ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّهْذِيبِ
- وَهَذَا الْأَدَبُ مُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَطْلُبُ أَرْضًا لَيِّنَةً تُرَابًا أَوْ رَمْلًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَرْضًا صُلْبَةً دَقَّهَا بِحَجَرٍ وَنَحْوِهِ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
- [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ قَائِمًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (مابلت) قائما منذ أسلمت ولانه لا يؤمن ان يترشش عليه ولايكره ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا لعلة بمنبضيه] [الشَّرْحُ] أَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ تَعْلِيقًا لَا مُسْنَدًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ يَا عُمَرُ لَا تَبُلْ قَائِمًا فَمَا بُلْت بَعْدُ قَائِمًا لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضَعِيفٌ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ يَبُولَ الرَّجُلُ قَائِمًا) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُغْنِي عَنْ هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا قَاعِدًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَتَى سباطة قوم فبال قائما) فصحيح روه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا وَأَمَّا قَوْلُهُ لِعِلَّةٍ بمأبضيه رواه الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ قَالَ لا تثبت هذه الزبادة وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سَبَبِ بَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا أَوْجُهًا أَحَدُهَا قَالَا وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أن العرب كانت تشتشفى بِالْبَوْلِ قَائِمًا لِوَجَعِ الصُّلْبِ فَنَرَى أَنَّهُ كَانَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ ذَاكَ وَجَعُ الصُّلْبِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَارَ هَذَا عَادَةً لِأَهْلِ هَرَاةَ يَبُولُونَ قِيَامًا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً إحْيَاءً لِتِلْكَ السُّنَّةِ: وَالثَّانِي أَنَّهُ لِعَلَّةٍ بِمَأْبِضَيْهِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَصْلُحُ لِلْقُعُودِ فَاحْتَاجَ إلَى الْقِيَامِ إذَا كَانَ الطَّرَفُ الَّذِي يَلِيه عَالِيًا مُرْتَفِعًا
وَيَجُوزُ وَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ: وَأَمَّا السُّبَاطَةُ فَبِضَمِّ السِّينِ وَهِيَ مَلْقَى التُّرَابِ وَالْكُنَاسَةِ وَنَحْوِهَا تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مِرْفَقًا لِلْقَوْمِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ سَهْلًا لَيِّنًا مُنْثَالًا يُخَدُّ فِيهِ الْبَوْلُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى البائل وأما المئبض فَبِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْمِيم ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْهَمْزَةِ بقلبها ألفا كما في رأس واشباهه والمئبض بَاطِنُ الرُّكْبَةِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ وَجَمْعُهُ مَآبِضُ بِالْمَدِّ كَمَسْجِدٍ وَمَسَاجِدَ وَأَمَّا بَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُبَاطَةِ الْقَوْمِ فَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا أَظْهَرُهَا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَهَا يَرْضَوْنَ ذَلِكَ وَلَا يَكْرَهُونَهُ وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ جَازَ الْبَوْلُ فِي أَرْضِهِ: (الثَّانِي) أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُخْتَصَّةً بِهِمْ بَلْ كَانَتْ بِفِنَاءِ دُورِهِمْ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِقُرْبِهَا مِنْهُمْ (الثَّالِثُ) أَنَّهُمْ أَذِنُوا لِمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِيهَا بِصَرِيحِ الْإِذْنِ أَوْ بِمَعْنَاهُ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا بِلَا عُذْرٍ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَلَا يُكْرَهُ لِلْعُذْرِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اخْتَلَفُوا فِي الْبَوْلِ قائما فثبت عن عمربن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمروسهل ابن سعد انهم بَالُوا قِيَامًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وأبي هريرة وفعله ابن سرين وَعُرْوَةُ وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ بَالَ قَائِمًا قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ ان كان في مكان لا يتطاير إليه من البول شئ فمكروه وان تطاير فَلَا كَرَاهَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْبَوْلُ جَالِسًا أَحَبُّ إلَيَّ وَقَائِمًا مُبَاحٌ وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ * قال المصنف رحمه الله
- [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي ثُقْبٍ أَوْ سَرَبٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي جُحْرٍ) وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَلَيْهِ مَا يَلْسَعُهُ أَوْ يَرُدُّ عليه البول]
- [الشرح] حديث ابن سرجى صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ وَفِي رِوَايَاتِهِمْ زِيَادَةٌ قَالُوا لِقَتَادَةَ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ سَرْجِسَ مَا تَكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي جُحْرٍ فَقَالَ كَانَ يُقَالُ إنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ وَالثَّقْبُ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ تقدمتا في باب صفقة الْوُضُوءِ فِي فَصْلِ
غَسْلِ الْيَدِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَالسَّرَبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ: فَالثَّقْبُ مَا اسْتَدَارَ وَهُوَ الْجُحْرُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَالسَّرَبُ مَا كَانَ مُسْتَطِيلًا: وعبد الله بن سرجس من بنى بَصْرِيٌّ وَأَبُوهُ سَرْجِسُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ سِينٌ أُخْرَى لَا يَنْصَرِفُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وهي كراهة تنزيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى
- [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ وَالْمَوَارِدِ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ الْبِرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ والظل] [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ سَلَّ سَخِيمَتَهُ عَلَى طَرِيقٍ عَامِرٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) رَوَاهُ البيهقى والسخيمة بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الْغَائِطُ وَالْمَلَاعِنُ مَوَاضِعُ اللَّعْنِ جَمْعُ مَلْعَنَةٍ كَمَقْبَرَةٍ وَمَجْزَرَةٍ مَوْضِعُ الْقَبْرِ وَالْجَزْرِ وَأَمَّا اللَّعَّانَانِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَهُمَا صَاحِبَا اللَّعْنِ أَيْ الَّذِي يَلْعَنُهُمَا النَّاسُ كَثِيرًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد اللَّاعِنَانِ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرَانِ الْجَالِبَانِ لِلَّعْنِ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا لَعَنْهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ فَلَمَّا صَارَا سَبَبًا لِلَّعْنِ أُضِيفَ الْفِعْلُ إلَيْهِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَكُونُ اللَّاعِنُ بِمَعْنَى الْمَلْعُونِ فَالتَّقْدِيرُ اتَّقُوا الْمَلْعُونَ فَاعِلُهُمَا: وَأَمَّا الْمَوَارِدُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ هِيَ طُرُقُ الْمَاءِ وَاحِدُهَا مَوْرِدٌ قَالُوا وَالْمُرَادُ بِالظِّلِّ مُسْتَظَلُّ النَّاسِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مَقِيلًا وَمُنَاخًا يَنْزِلُونَهُ أَوْ يَقْعُدُونَ تَحْتَهُ قَالُوا وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَمْنَعُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ تَحْتَهُ فَقَدْ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ حَائِشِ النَّخْلِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وللحائش ظل بلاشك: وَأَمَّا الْبَرَازُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ هُنَا بِفَتْحِ الباء وهو الفضاء الواسع من الارض كنوابه عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَمَا كَنَّوْا عَنْهُ بِالْخَلَاءِ وَيُقَالُ تَبَرَّزَ الرَّجُلُ إذَا تَغَوَّطَ كَمَا يُقَالُ تَخَلَّى قَالَ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَهُ الْبِرَازَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ غيره
الصَّوَابُ الْبِرَازُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الْغَائِطُ نَفْسُهُ كَذَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِذَا كَانَ الْبِرَازُ بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْغَائِطُ وَقَدْ اعْتَرَفَ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الرُّوَاةَ نَقَلُوهُ بِالْكَسْرِ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ فَحَصَلَ أَنَّ الْمُخْتَارَ كَسْرُ الْبَاءِ وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَأَمَّا قَارِعَةُ الطَّرِيقِ فَأَعْلَاهُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ صَدْرُهُ وَقِيلَ مَا بَرَزَ مِنْهُ وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ تقدم بيانهما وأما معاذ الرواى فَهُوَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَمِنْ أَعْلَمِهِمْ بِالْأَحْكَامِ شَهِدَ بَدْرًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ وَأَسْلَمَ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ شَهِيدًا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْأُرْدُنِّ مِنْ الشَّامِ وَقَبْرُهُ بِغَوْرِ بَيْسَانَ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
- وَهَذَا الْأَدَبُ وَهُوَ اتِّقَاءُ الْمَلَاعِنِ الثَّلَاثِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ فِعْلَ هَذِهِ الْمَلَاعِنِ أَوْ بَعْضِهَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ 1 إشَارَةٌ إلى تحريمه
- والله أعلم قال المصنف رحمه الله
- [وَيُكْرَهُ أَنْ يَبُولَ فِي مَسَاقِطِ الثِّمَارِ لِأَنَّهُ يقع عليه فينجس]
- [الشَّرْحُ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّجَرِ الْمُبَاحِ وَاَلَّذِي يَمْلِكُهُ وَلَا بَيْنَ وَقْتِ الثَّمَرِ وَغَيْرِ وَقْتِهِ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ يصير نحسا فَمَتَى وَقَعَ الثَّمَرُ تَنَجَّسَ وَسَوَاءٌ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْبَوْلِ اخْتِصَارًا وَتَنْبِيهًا لِلْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَإِنَّمَا لَمْ يَقُولُوا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِأَنَّ تَنَجُّسَ الثِّمَارِ بِهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ * قال المصنف رحمه الله
- [وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ الله تبارك وتعالى يمقت علي ذلك]
[الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةٍ للحاكم قال أبوسيعد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فِي الْمُتَغَوِّطَيْنِ أَنْ يَتَحَدَّثَا فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذلك) ومعني يضربان الغائط باتيانه قل أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَال ضَرَبْتُ الْأَرْضَ إذَا أَتَيْتُ الْخَلَاءَ وَضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ إذَا سَافَرْتُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاشِفَيْنِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي الْمُهَذَّبِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخٍ الْمُهَذَّبِ كَاشِفَانِ بِالْأَلِفِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهُمَا كَاشِفَانِ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَالْمَقْتُ الْبُغْضُ وَقِيلَ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَقِيلَ تَعَيُّبُ فَاعِلِ ذَلِكَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي آخِرِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ الْكَلَامِ عَلَى قَضَاء الْحَاجَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَسْتَوِي فِي الْكَرَاهَةِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ وَيُسْتَثْنَى مَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ بِأَنْ رَأَى ضَرِيرًا يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ رَأَى حَيَّةً أَوْ غَيْرَهَا تَقْصِدُ إنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُحْتَرَمَاتِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَلْ يَجِبُ فِي أَكْثَرِهَا فَإِنْ قِيلَ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِمَا ادَّعَاهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ الذَّمَّ لِمَنْ جَمَعَ كُلَّ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ قلنا ما كان بعض موجبات المقت لاشك فِي كَرَاهَتِهِ وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا عَنْ الحاكم والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَيُكْرَهُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ أَوْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى إذَا عَطَسَ أَوْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طهر) ]
- [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَفَوَّتَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ وَمَوْضِعَ الدَّلَالَةِ رَوَى الْمُهَاجِرُ بْنُ قُنْفُذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيَّ فَقَالَ إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا عَلَى طُهْرٍ) أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَفِي رِوَايَةِ
الْبَيْهَقِيّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ قَرِيبَةٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ) هَذِهِ الْكَرَاهَةُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْأَوْلَى لَا كَرَاهَةِ تَنْزِيهٍ وَاحْتَجَّ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ (أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ فَإِنَّك إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْك) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَرَاهَةِ رَدِّ السَّلَامِ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَكَذَا التَّسْبِيحُ وَسَائِرُ الْأَذْكَارِ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فَإِنْ عَطَسَ عَلَى الْخَلَاءِ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ قَالَهُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ الْبَغَوِيّ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ هُنَا وَفِي حَالِ الْجِمَاعِ ثُمَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ بِالِاتِّفَاقِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْكَرَاهَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعِكْرِمَةَ: وَعَنْ النَّخَعِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ قَالَا لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَتَرْكُ الذِّكْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَلَا أُؤَثِّمُ من ذكر والله اعلم * قال المصنف رحمه الله
- [والمستحب أن يتكأ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِمَا رَوَى سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَتَيْنَا الْخَلَاءَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى) وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ في قضاء الحاجة]
- [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُرَاقَةَ قَالَ (عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ أَحَدُنَا الْخَلَاءَ أَنْ يَعْتَمِدَ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ الْيُمْنَى) وَسُرَاقَةُ هُوَ أَبُو سُفْيَانَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا الْمُدْلِجِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ يَتَّكِئُ وَيَتَوَكَّأُ بِهَمْزِ آخِرِهِمَا وَهَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا
- وَاحْتَجُّوا فِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فيبقى المعنى ويستأنس بالحديث والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
(وَلَا يُطِيلُ الْقُعُودَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ طُولُ الْقُعُودِ عَلَى الْحَاجَةِ تَتَّجِعُ مِنْهُ الْكَبِدُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْبَاسُورَ فاقعد هو ينا واخرج] [الشَّرْحُ] هَذَا الْأَدَبُ مُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ وَلُقْمَانُ هُوَ الْحَكِيمُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ (وَلَقَدْ آتينا لقمان الحكمة) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إلَّا عِكْرِمَةَ فَانْفَرَدَ وَقَالَ كَانَ نَبِيًّا وَقَوْلُهُ تتجع أَوَّلُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقُ وَيَجُوزُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَالْجِيمُ مَفْتُوحَةٌ يُقَالُ تَجِعَتْ تَتَّجِعُ كَمَرِضَتْ تَمْرَضُ وَالْكَبِدُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الْبَاءِ مَعَ فَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ وَالْبَاسُورُ ضَبَطْنَاهُ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْبَاءِ وَالسِّينِ وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ ذَكَرَهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بَاسُورٌ بِالْبَاءِ وَالسِّينِ وَنَاسُورٌ بِالنُّونِ وَنَاصُورٌ بِالنُّونِ وَالصَّادِ وَهِيَ عِلَّةٌ فِي مَقْعَدَةِ الْإِنْسَانِ وَقَوْلُهُ هُوَيْنَا هُوَ مَقْصُورٌ غَيْرُ مُنَوَّنٍ تَصْغِيرُ هَوْنَى كَحُبْلَى تَأْنِيثُ الْأَهْوَنِ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْهُوْنَا كَالدُّنْيَا وَقَدْ قِيلَ هُوْنَا كَمَا قد قيل دنيا والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَإِذَا بَالَ تَنَحْنَحَ حَتَّى يَخْرُجَ إنْ كَانَ هناك شئ وَيَمْسَحُ ذَكَرَهُ مَعَ مَجَامِعِ الْعُرُوقِ ثُمَّ يَنْتُرُهُ]
- [الشَّرْحُ] قَوْلُهُ يَنْتُرُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ وَالنَّتْرُ جَذْبٌ بِجَفَاءٍ كَذَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ واستنتر إذَا جَذَبَ بَقِيَّةَ بَوْلِهِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ يَسْتَبْرِئُ الْبَائِلُ مِنْ الْبَوْلِ لِئَلَّا يَقْطُرَ عَلَيْهِ قَالَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقِيمَ سَاعَةً قَبْلَ الْوُضُوءِ وَيَنْتُرَ ذَكَرَهُ هَذَا لَفْظُ نَصِّهِ 1 وَكَذَا قَالَ جَمَاعَاتٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصْبِرَ سَاعَةً يَعْنُونَ لَحْظَةً لَطِيفَةً (2) وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتُرَ ثَلَاثًا مَعَ التَّنَحْنُحِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الرُّويَانِيُّ وَيَمْشِي بَعْدَهُ خُطْوَةً أَوْ خُطُوَاتٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيَهْتَمُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ فَيَمْكُثُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ وَيَتَنَحْنَحُ قَالَ وَكُلٌّ أَعْرَفُ بِطَبْعِهِ قَالَ وَالنَّتْرُ ما ورد به الخبر وهوأن يُمِرَّ أُصْبُعًا لِيُخْرِجَ بَقِيَّةً إنْ كَانَتْ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ شئ يُخَافُ خُرُوجُهُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ هذا
- الْمَقْصُودُ بِأَدْنَى عَصْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَنَحْنُحٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى مَشْيِ خُطُوَاتٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى صَبْرِ لَحْظَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يحتاج إلى شئ مِنْ هَذَا وَيَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ إلَى حَدِّ الْوَسْوَسَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْأَدَبُ وَهُوَ النَّتْرُ وَالتَّنَحْنُحُ وَنَحْوُهُمَا مُسْتَحَبٌّ فَلَوْ تَرَكَهُ فَلَمْ يَنْتُرْ وَلَمْ يَعْصِرْ الذَّكَرَ وَاسْتَنْجَى عقيب انقطاع البول ثم توضأ فاستئجاءه صَحِيحٌ وَوُضُوءُهُ كَامِلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خُرُوجِ شئ آخَرَ قَالُوا وَالِاسْتِنْجَاءُ يَقْطَعُ الْبَوْلَ فَلَا يَبْطُلُ استنجاءه ووضوءه الا أن يتيقن خروج شئ
- وَاحْتَجَّ جَمَاعَةٌ فِي هَذَا الْأَدَبِ بِمَا رَوَى يزداذ وقيل ازداذ بن فسأة قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ضَعِيفٌ وقال الاكثرون هو مرسل ولا صحبة ليزداذ وممن نص علي أنه لاصحبة لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو دَاوُد وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ معين وغيره لا نعرف يزداذ فالتعويل على المعنى الذى ذكره الاصحاب ويزداذ بِزَايٍ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفُسَاءَةُ بِالْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَبِالْمَدِّ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ حَشْوُ الذَّكَرِ بقطنة ونحوها صرح بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ الاصحاب والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لايبولن أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَإِنَّ عامة الوسواس منه] [الشَّرْحُ] هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُسْتَحَمُّ الْمُغْتَسَلُ سمى مستحما
مُشْتَقًّا مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ بِغَيْنٍ معجمة مفتوحة ثم فاء مشددة مفتوحة كنية عبد الله أَبُو سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو زِيَادٍ وَهُوَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
- وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يترشش عليه وهذا في غير الا خلية الْمُتَّخَذَةِ لِذَلِكَ
- أَمَّا الْمُتَّخَذُ لِذَلِكَ كَالْمِرْحَاضِ فَلَا بَأْسَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَشَّشُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ مَشَقَّةً وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ فِي مَوْضِعِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ فَإِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْ مَوْضِعِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِآدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: إحْدَاهَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَا بَأْسَ بِالْبَوْلِ فِي إنَاءٍ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (يَقُولُونَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى إلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه لقد دعي بالطست يبول فيها فانحبس فَمَاتَ وَمَا أَشْعُرُ بِهِ) هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنَهُمْ والترمذي في كتاب الشمايل هَكَذَا وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِمَعْنَاهُ: قالا قالت فدعى بِالطَّسْتِ وَلَمْ تَقُلْ لِيَبُولَ فِيهَا وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي الْبَوْلِ وَالطَّسْتُ بالسين المهملة وهى مؤنثة وعن أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفُوهُ وَأُمَيْمَةُ وَرُقَيْقَةُ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَرُقَيْقَةُ بِقَافَيْنِ وَقَوْلُهَا مِنْ عَيْدَانٍ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ النخل الطوال المتجردة الواحدة عيد انه: (الثَّانِيَةُ) يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ: وَأَمَّا فِي الْإِنَاءِ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِابْنِ الصَّبَّاغِ ذَكَرَهُمَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ فِي إنَاءٍ: وَالثَّانِي التَّحْرِيمُ لِأَنَّ الْبَوْلَ مُسْتَقْبَحٌ فَنُزِّهَ الْمَسْجِدُ مِنْهُ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ: (الثَّالِثَةُ) يَحْرُمُ الْبَوْلُ عَلَى الْقَبْرِ وَيُكْرَهُ البول
بِقُرْبِهِ: (الرَّابِعَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِحَدِيثِ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَمَّا الْجَارِي فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يُكْرَهُ هَكَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّمَ الْبَوْلُ فِي الْقَلِيلِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيُتْلِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَأَمَّا الْكَثِيرُ الْجَارِي فَلَا يُحَرَّمُ لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ وَمِمَّا يُنْهَى عَنْهُ التَّغَوُّطُ بِقُرْبِ الْمَاءِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ وَالْكَافِي وَهُوَ وَاضِحٌ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَوَارِدِ (الْخَامِسَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الرِّيحِ بِالْبَوْلِ لِئَلَّا يَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَيَتَنَجَّسَ بَلْ يَسْتَدْبِرُهَا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي كَرَاهَتِهِ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ الْبَوْلَ فِي الْهَوَاءِ فَضَعِيفٌ بَلْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ إنَّهُ مَوْضُوعٌ وَجَاءَ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ التَّابِعِيِّ قَالَ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبُولَ فِي هَوَاءٍ وَأَنْ يَتَغَوَّطَ عَلَى رَأْسِ جبل (السادسة) قال أصحابنا يستحب أن يهئ أَحْجَارَ الِاسْتِنْجَاءِ قَبْلَ جُلُوسِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني وَغَيْرُهُمْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ حَدِيثِ (اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ وَأَعِدُّوا النَّبْلَ) فَلَيْسَ بِثَابِتٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالنُّبَلُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأَحْجَارُ الصِّغَارُ (السَّابِعَةُ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَبُولَ عَلَى مَا مُنِعَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ لِحُرْمَتِهِ كَالْعَظْمِ وَسَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ
- (الثَّامِنَةُ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يستحب أن لايدخل الْخَلَاءَ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَضَعَ كُمَّهُ عَلَى رَأْسِهِ ويستحب أن لايدخل الْخَلَاءَ حَافِيًا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ الْأَقْسَامِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثًا مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دخل الخلاء1
غَطَّى رَأْسَهُ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ فِي تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ: (قُلْت) وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَوْقُوفَ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَهَذَا مِنْهَا: (التَّاسِعَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ هُوَ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ ولا إلى ما يخرج مِنْهُ وَلَا إلَى السَّمَاءِ وَلَا يَعْبَثُ بِيَدِهِ: (الْعَاشِرَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَكَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَلَا الْقَمَرَ وَاسْتَأْنَسُوا فِيهِ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنَّ دَلِيلَ الْقِبْلَةِ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ وَدَلِيلَ هَذَا ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا كَثِيرُونَ وَلَا الشَّافِعِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِحْبَابِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ: الثَّانِي يُفَرَّقُ فِي الْقِبْلَةِ بَيْنَ الصَّحْرَاءِ وَالْبِنَاءِ كَمَا سَبَقَ وَلَا فَرْقَ هُنَا صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ: الثَّالِثُ النَّهْيُ فِي الْقِبْلَةِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُنَا لِلتَّنْزِيهِ الرَّابِعُ أَنَّهُ فِي الْقِبْلَةِ يَسْتَوِي الِاسْتِقْبَالُ وَالِاسْتِدْبَارُ وَهُنَا لَا بَأْسَ بِالِاسْتِدْبَارِ وَإِنَّمَا كَرِهُوا الِاسْتِقْبَالَ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الشافي يكره الاستدبار أيضا والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [والاستنجاء واجب من البول والغائط لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (وليستنج بثلاثة أحجار) ولانها نجاسة لا تلحق المشقة في ازالها غالبا فلا تصح الصلاة معها كسائر النجاسات]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَسَأَذْكُرُهُ بِكَمَالِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- قَوْلُهُ وَلْيَسْتَنْجِ هُوَ هَكَذَا بِالْوَاوِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا سَأَذْكُرُهُ بِكَمَالِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي إزَالَتِهَا احْتِرَازٌ مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَحْوِهِ وَقَوْلُهُ فَلَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَهَا عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ فَإِنَّهُ لَوْ قال فوجب ازالتها لا تنتقض بِنَجَاسَةٍ عَلَى ثَوْبٍ
لَا يُصَلَّى فِيهِ وَالْغَائِطُ مَعْرُوفٌ وَتَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ بَيَانُ أَصْلِهِ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَكُلُّ خَارِجٍ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ نَجِسٌ مُلَوَّثٌ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ سُنَّةٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصباغ والعبد رى وَغَيْرُهُمْ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا أَصْلًا لِلنَّجَاسَاتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا قَدْرَ دِرْهَمٍ بَغْلِيٍّ عُفِيَ عَنْهُ وَإِنْ زَادَ فَلَا وَكَذَا عِنْدَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ إنْ زَادَ الْخَارِجُ عَلَى دِرْهَمٍ وَجَبَ وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ وَلَا يَجْزِيهِ الْحَجَرُ وَلَا يَجِبُ عِنْدَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ
- وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ولانها نجاسة لا تجب ازالة أثرها فكذلك عَيْنُهَا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَلِأَنَّهُ لَا تَجِبُ إزَالَتُهَا بالماء فلم يجب غيره قال الْمُزَنِيّ وَلِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ مَسْحِهَا بِالْحَجَرِ فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهَا كَالْمَنِيِّ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَنَهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ أبو داود والنسائي وابن اماجه فِي سُنَنِهِمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ هُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ وَعَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ فَإِنَّهَا تَجْزِي عَنْهُ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَقَالَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ
- وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يستنزه من بوله) وروى (لا يستبرى) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ
- وَاحْتَجُّوا مِنْ الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجَوَابُ عن حديثهم أنه لاخرج فِي تَرْكِ الْإِيتَارِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِيتَارِ الزَّائِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لِحَدِيثِ سَلْمَانَ وَغَيْرِهِ: وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى دَمِ الْبَرَاغِيثِ أَنَّ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ بِخِلَافِ أَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ وَلِهَذَا تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْجَاءِ وَلَمْ يَرِدْ خَبَرٌ فِي الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَقِيَاسُ الْمُزَنِيِّ عَلَى الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ والبول نجس والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وان خرجت منه حصاة أو دودة لا رطوبة معها ففيه قولان أحدهما يجب الاستنجاء لانها لا تخلو من رطوبة والثاني لا يجب وهو الاصح لانه خارج من غير رطوبة فأشبه الريح]
- [الشَّرْحُ] هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَحَكَاهُمَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَخَالَفَ الْغَزَالِيُّ وَشَيْخُهُ وَشَيْخُ شيخه الاصحاب فنقلوهما وجهين نقله وَالصَّوَابُ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْأَصَحُّ الْوُجُوبُ وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَادُ يَابِسًا كَبَعْرَةٍ لَا رُطُوبَةَ مَعَهَا فَهِيَ كَالْحَصَاةِ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَاتٌ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ الْأَقْسَامِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَأَشْبَهَ الرِّيحَ كَذَا قَاسَهُ الْأَصْحَابُ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَالنَّوْمِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَالذَّكَرِ وَحَكَى عَنْ قَوْمٍ مِنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الِانْتِخَابِ ان استنجى لشئ مِنْ هَذَا فَهُوَ بِدْعَةٌ وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ يُكْرَهُ الاستنجاء من الريح والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
[ويستنجى قبل ان يتوضأ فان توضأ ثم استنجي صح الوضوء وان تيمم ثم استنجي لم يصح التيم وقال الربيع فيه قول آخر انه يصح: قال أبو اسحاق هذا من كيسه: والاول هو المنصوص عليه في الام ووجهه ان التيمم لا يرفع الحدث وانما تستباح به الصلاة من نجاسة النجو فلا تستباح مع بقاء المانع ويخالف الوضوء فانه يرفع الحدث فجاز أن يرفع الحدث والمانع قائم وان تيمم وعلى بدنه نجاسة في غير موضع الاستنجاء: ففيه وجهان أحدهما أنه كنجاسة النحو والثاني أنه يصح التيمم لان التيمم لاتستباح به الصلاة من هذه النجاسة فصح فعله مع وجودها بخلاف نجاسة النجو] * [الشَّرْحُ] إذَا تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ ثُمَّ اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ لَافًّا عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً أَوْ نَحْوَهَا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ فَرْجَهُ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا قَوْلَيْنِ وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاصِّ أَنَّهُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَفِي التَّيَمُّم قَوْلَانِ وَنَقَلَ الرَّبِيعُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَالَ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالثَّانِي لَا يَصِحَّانِ وَالثَّالِثُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ غَلِطَ مَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْوُضُوءِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَقْلُ الْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَوْلَا أَنَّ الْمُزَنِيَّ نَقَلَهُ فِي الْمَنْثُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَمَا عَدَدْتُهُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّبِيعُ في صحة التيمم ليس بمذهب للشافعي وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ غَلَّطَ أَصْحَابُنَا الرَّبِيعَ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا مِنْ كِيسِ الرَّبِيعِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ مَعْنَاهُ لَيْسَ هَذَا مَنْصُوصًا لِلشَّافِعِيِّ بَلْ الرَّبِيعُ خَرَّجَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ: وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْإِبَانَةِ الْأَصَحُّ صِحَّةُ التَّيَمُّمِ فَغَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلْأَصْحَابِ وَنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلِ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى موضع من بدنه نجاسة في غير مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ فَتَيَمَّمَ قَبْلَ إزَالَتِهَا فَفِي صِحَّةِ التيمم
الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَهُمَا مَشْهُورَانِ وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُزِيلَهَا وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ فَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ بُطْلَانَ التَّيَمُّمِ وَصَحَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ صِحَّتَهُ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَدَلِيلُهُ مَا ذكره المصنف قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا التَّيَمُّمُ لَا يَسْتَعْقِبُ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ نَحْوَ هَذَا: وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدَاهُ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ إشْكَالٌ قَوِيٌّ: وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ أَخَفُّ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْعُرْيِ بِلَا إعَادَةٍ بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ مع هذا التميمم مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ كَذَا صَوَّرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ: وَتُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِيمَنْ تَيَمَّمَ لِجِرَاحَةٍ أَوْ مَرَضٍ بِحَيْثُ لَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْحَدَثِ وَيَجِبُ فِي النَّجَسِ لِقِلَّتِهِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ النَّجَاسَةَ فَأَمَّا مَنْ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِلنَّجَاسَةِ فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ قَبْلَ إزَالَتِهَا وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ
- وَلَوْ تَيَمَّمَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ ثُمَّ حَدَثَتْ نَجَاسَةٌ وَقُلْنَا النَّجَاسَةُ الْمُقَارِنَةُ تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّيَمُّمِ فَفِي الْحَادِثَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ قَالَ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ كَالرِّدَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ تَيَمَّمَ عَالِمًا بِالنَّجَاسَةِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لِأَنَّ طَلَبَهُ الْمَاءَ لِلتَّيَمُّمِ يَكْفِيه لَهُ وَلِلنَّجَاسَةِ: وَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَعْلَمُهَا أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّهُ يجب طلب الماء لازالتها والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [واذ أراد الاستنجاء نظرت فان كانت النجاسة بولا أو غائطا ولم تجاوز الموضع المعتاد جاز بالماء والحجر والافضل أن يجمع بينهما لان الله تعالى اثنى على اهل قباء فقال سبحانه وتعالى (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عما يصنعون فقالوا نتبع الحجارة الماء: فان أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ ابلغ في الانقاء وان أراد الاقتصار على الحجر جاز
لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (بال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عمر خلفه بكوز من ماء فقال ما هذا يا عمر فقال ماء تتوضأ به فقال ما أمرت كلما بلت ان اتوضأ ولو فعلت لكان سنة) ولانه قد يبتلى بالخارج في مواضع لا يلحق الماء فيها فسقط وجوبه] [الشَّرْحُ] أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمْ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ 1 وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَقَوْلُهُ لَكَانَ سُنَّةً أَيْ وَاجِبًا لَازِمًا وَمَعْنَاهُ لَوْ وَاظَبْت عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ لَصَارَ طَرِيقَةً لِي يَجِبُ اتِّبَاعُهَا
- وَأَمَّا حَدِيثُ أَهْلِ قُبَاءَ فَرُوِيَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يتطهروا) وَكَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد لَكِنَّ إسْنَادَهُ ضعيف فيه يونس بن الحرث قد ضعفه الا كثرون وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ وَفِيهِ جَهَالَةٌ وَعَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ قَالُوا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنْ الْيَهُودِ يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا) رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَعَنْ جَابِرٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا نَزَلَتْ هَذِهِ الآية (فيه رجال يحبون ان يتطهروا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي الطُّهُورِ فَمَا طُهُورُكُمْ قَالُوا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ فَقَالَ هُوَ ذَلِكَ فَعَلَيْكُمُوهُ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وفي رواية البيهقى (فَمَا طُهُورُكُمْ قَالُوا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فهل مع ذلك غيره قالوا لاغير أَنَّ أَحَدَنَا إذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ قَالَ هُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ) : وَإِسْنَادُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ إسْنَادٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَوْثِيقِهِ فَوَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ ضَعَّفَهُ سَبَبَ ضَعْفِهِ وَالْجَرْحُ لَا يُقْبَلُ إلَّا مُفَسَّرًا فَيَظْهَرُ الِاحْتِجَاجُ بهذه الرواية فهذا
الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْأَحْجَارِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالُوا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ فَكَذَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ إنَّ أَصْحَابَنَا رَوَوْهُ قَالَ وَلَا أَعْرِفُهُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِنْبَاطِ لِأَنَّ الاسنتجاء بالحجر كان معلوما عندهم يغعله جَمِيعُهُمْ: وَأَمَّا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ فَهُوَ الَّذِي انْفَرَدُوا بِهِ فَلِهَذَا ذُكِرَ وَلَمْ يُذْكَرْ الْحَجَرُ لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَلِكَوْنِهِ مَعْلُومًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ فَضْلِهِمْ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عليهم بسببه ويويد هذا قولهم إذا اخرج أَحَدُنَا مِنْ الْغَائِطِ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِنْجَاءَهُمْ بِالْمَاءِ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْخَلَاءِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْخَلَاءِ إلَّا بَعْدَ التَّمَسُّحِ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ: وَهَكَذَا الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْحَجَرِ فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَيُؤَخِّرَ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَقُبَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَفِيهِ لغات الْمَدُّ وَالْقَصْرُ قَالَ الْخَلِيلُ مَقْصُورٌ وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مَمْدُودٌ وَيَجُوزُ فِيهَا أَيْضًا الصَّرْفُ وَتَرْكُهُ وَالْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ مَدُّهُ وَتَذْكِيرُهُ وَصَرْفُهُ وَهُوَ قَرْيَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ أَصْلُهُ اسْمُ بِئْرٍ هُنَاكَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَزُورُ قُبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى الْمَاءِ وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَحْجَارِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَسْتَعْمِلُ الْأَحْجَارَ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فَتَقْدِيمُ الْأَحْجَارِ لِتَقِلَّ مُبَاشَرَةُ النَّجَاسَةِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ لِيُطَهِّرَ الْمَحَلَّ طَهَارَةً كَامِلَةً فَلَوْ اسْتَنْجَى أَوَّلًا بِالْمَاءِ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْأَحْجَارَ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ: صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ وَاضِحٌ وَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحِلَّ وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحْجَارِ بَيْنَ وُجُودِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ وَلَا بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَحُذَيْفَةَ
وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا النِّسَاءُ وَقَالَ عَطَاءٌ غَسْلُ الدُّبُرِ مُحْدَثٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ قَالَتْ الزَّيْدِيَّةُ وَالْقَاسِمِيَّةُ مِنْ الشِّيعَةِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ: فَأَمَّا سَعِيدٌ وَمُوَافِقُوهُ فَكَلَامُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لَا يَجِبُ أَوْ أَنَّ الْأَحْجَارَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ: وَأَمَّا الشِّيعَةُ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَمَعَ هَذَا فَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَأَذِنَ فِيهِ وَفَعَلَهُ وَقَدْ سَبَقَتْ جُمْلَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَسَنَذْكُرُ الْبَاقِيَ فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ بِالْمَاءِ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَأْتِي الْخَلَاءَ فَأَتْبَعُهُ أَنَا وَغُلَامٌ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِهَا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِنِسْوَةٍ (مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِالْمَاءِ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ باناء آخر فتوضأ) رواه
لاحمد وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَلَا غَيْرُهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمَاءَ مَطْعُومٌ فَلِهَذَا كَرِهَ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِ سَعْدٌ وَمُوَافِقُوهُ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُنَابِذٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْحَجَرِ لَزِمَهُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَاصِقٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انه علمكم نبيكم كل شئ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ (أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نَجْتَزِئَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فَإِنْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَدُ المسحات وقد وجد ذلك] [الشَّرْحُ] حَدِيثُ سَلْمَانَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ (نَهَانَا أَنْ نَجْتَزِئَ) وَاَلَّذِي فِي مُسْلِمٍ نَسْتَنْجِيَ بَدَلَ نَجْتَزِئَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ (وَلَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) وَقَوْلُهُ الْخِرَاءَةُ هِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَبِالْمَدِّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ أَدَبُ التَّخَلِّي وَالْقُعُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَسَلْمَانُ الرَّاوِي هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ الْأَصْبَهَانِيُّ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَزُهَّادِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ وَمَنَاقِبُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَهُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ بِالْمَدَائِنِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ سَبْعٍ وَعَمَّرَ عُمْرًا طَوِيلًا جِدًّا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا فَقِيلَ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ والله أعلم: اما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ لَزِمَهُ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُزِيلَ الْعَيْنَ حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَاصِقٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ إلَّا الصَّيْمَرِيَّ وَصَاحِبَهُ صَاحِبَ
الحاوى فقال إذا بقى مالا يزول بالحجر ويزول بصغار الخزف وبالخرق فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ تَجِبُ إزَالَتُهُ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ بِغَيْرِ الْمَاءِ: وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِزَالَةُ بِالْأَحْجَارِ وَقَدْ أَزَالَ مَا يَزُولُ بِالْأَحْجَارِ وَرَجَّحَ الرُّويَانِيُّ هَذَا الثَّانِيَ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُكَلِّفْهُ غَيْرَ الْأَحْجَارِ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِإِجْزَاءِ الْأَحْجَارِ (الثَّانِي) أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ وَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِمَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ في كل الطرق وحكي الحناطي بالحاء المهلمة وَالنُّونِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا حصل الانقاء بحجرين أو حجر كَفَاهُ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ وُجُوبُ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ مُطْلَقًا ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَسْحِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ رَمَى الْجِمَارَ فِي الْحَجِّ بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ إلَّا حَجَرٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ عَدَدُ الرَّمْيِ وَالْمَقْصُودُ هُنَا عَدَدُ الْمَسَحَاتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَالْمَسْحُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَفْضَلُ مِنْ أَحْرُفِ حَجَرٍ لِلْحَدِيثِ (وليستنج بثلاثة احجار) : قال الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ بَالَ وَتَغَوَّطَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ بِسِتَّةِ أَحْجَارٍ فَإِنْ مَسَحَهُمَا بِحَجَرٍ لَهُ سِتَّةُ أَحْرُفٍ سِتَّ مَسَحَاتٍ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْمَسَحَاتِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ وَكَذَا الْخِرْقَةُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي إذَا مَسَحَ بِأَحَدِ وَجْهَيْهَا لَا يَصِلُ الْبَلَلُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ بِوَجْهَيْهَا وَيُحْسَبُ مَسْحَتَيْنِ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَجَرٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ وَأَظُنُّهُ أَرَادَ بِابْنِ جَابِرٍ إبْرَاهِيمَ بْنَ جَابِرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ وَجْهًا شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ احمد ابن حَنْبَلٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِلْحَدِيثِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وإذا حصل الانقاء بثلاثة احجار فلا زِيَادَةٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِثَلَاثَةٍ وَجَبَ رَابِعٌ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ اُسْتُحِبَّ خَامِسٌ وَلَا يَجِبُ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَجَبَ خَامِسٌ فَإِنْ حَصَلَ به فلا زيادة والاوجب سَادِسٌ فَإِنْ حَصَلَ بِهِ اُسْتُحِبَّ سَابِعٌ وَلَا يجب والاوجب وَهَكَذَا أَبَدًا مَتَى حَصَلَ بِثَلَاثَةٍ فَمَا فَوْقَهَا لَمْ تَجِبْ زِيَادَةٌ: وَأَمَّا الِاسْتِحْبَابُ
فَإِنْ كَانَ حُصُولُ الْإِنْقَاءِ بِوِتْرٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ الْإِيتَارُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَجْهًا أَنَّ الْإِيتَارَ بِخَامِسٍ وَاجِبٌ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالْإِيتَارِ وَهَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَارِ بَعْدَ الثَّلَاثِ لِلِاسْتِحْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَدِ الْأَحْجَارِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ وَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ فَإِنْ حَصَلَ بِحَجَرٍ أَجْزَأَهُ وَهُوَ وَجْهٌ لَنَا كَمَا سَبَقَ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ حَيْثُ أَوْجَبَ الِاسْتِنْجَاءَ
- وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ) قَالُوا ولان المقصود الانقاء ولانه لَوْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَدٌ فَكَذَا الْحَجَرُ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ سَلْمَانَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الثَّلَاثِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) وَهُمَا صَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فانها تجرئ عَنْهُ) وَهُوَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَسْأَلَةِ وُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ: الرِّمَّةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْعَظْمُ الْبَالِي وَبِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ (بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد وَلَا غَيْرُهُ وَبِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ إنَّهَا رِكْسٌ) رواه البخاري هكذا ورواه أحمد والدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ زِيَادَةٌ فَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ ائْتِنِي بِحَجَرٍ يَعْنِي ثَالِثًا وَفِي بَعْضِهَا ائْتِنِي بِغَيْرِهَا وَبِحَدِيثِ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ) رواه مسلم وفى رواية
لاحمد والبيهقي (إذا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيتَارِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ
- وَاحْتَجُّوا مِنْ الْقِيَاسِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قِيَاسُ الْقَاضِيَيْنِ أَبِي الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٍ فِي تَعْلِيقَيْهِمَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَحْجَارِ يَسْتَوِي فِيهَا الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ فَكَانَ لِلْعَدَدِ فِيهَا اعْتِبَارٌ قِيَاسًا عَلَى رَمْيِ الْجِمَارِ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ قَوْلُنَا يَسْتَوِي فِيهَا الثَّيِّبُ وَالْأَبْكَارُ احْتِرَازٌ مِنْ الرَّجْمِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَقْيِسَةِ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ (أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) فِي هَذَا الْبَيَان الْوَاضِحُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَا يَجُوزُ وَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِهَا وَلَوْ كَفَى الْإِنْقَاءُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ مَعْنًى فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْقَاءَ قَدْ يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمَاءِ إذَا أَنْقَى كَفَى لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ فَدَلَالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِظْهَارِ بِالْعَدَدِ: وَأَمَّا الْحَجَرُ فَلَا يُزِيلُ الْأَثَرَ وَإِنَّمَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ ظاهرا لاقطعا فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ لَمَّا كَانَتْ دَلَالَتُهَا ظَنًّا اُشْتُرِطَ فِيهَا الْعَدَدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحْصُلُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِقُرْءٍ وَلِهَذَا اُكْتُفِيَ بِقُرْءٍ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ لَمْ يُشْتَرَطْ الْعَدَدُ لِأَنَّ دَلَالَتَهَا قَطْعِيَّةٌ هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ: فَإِنْ قِيلَ التَّقْيِيدُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهَا غَالِبًا فَخَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ قُلْنَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا لِأَنَّ الانقاء شرط بالاتفاق فكيف يخل بِهِ وَيُذْكَرُ مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ مَعَ كَوْنِهِ مُوهِمًا لِلِاشْتِرَاطِ: فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْإِنْقَاءِ قُلْنَا ذَلِكَ مِنْ الْمَعْلُومِ الَّذِي يُسْتَغْنَى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد فانه لايعرف إلَّا بِتَوْقِيفٍ فَنَصَّ عَلَى مَا يَخْفَى وَتَرَكَ مالا يَخْفَى وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالُوهُ لَكَانَ إخْلَالًا بِالشَّرْطَيْنِ مَعًا وَتَعَرُّضًا لِمَا لَا فَائِدَةَ فيه بل فيه إيهام: وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ أَنَّ الْوِتْرَ الَّذِي لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهِ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى ثَلَاثَةٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ: وَالْجَوَابُ عَنْ الدَّلِيلَيْنِ الْآخَرَيْنِ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ مَسَحَ ذكره مرتين أو ثلاثا ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الثَّلَاثِ * قال المصنف رحمه الله
[وَفِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يضع حجرا على مقدم صفحته اليمنى وبمره إلى آخرها ثم يدبر الْحَجَرَ إلَى الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى فَيُمِرُّهُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَيَأْخُذُ الثَّانِيَ فَيُمِرُّهُ عَلَى الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى وَيُمِرُّهُ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ يُدِيرُهُ إلَى صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى فيمره عليها من أولها لي أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَيَأْخُذُ الثَّالِثَ فَيُمِرُّهُ عَلَى الْمَسْرُبَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يُقْبِلُ بِوَاحِدٍ وَيُدْبِرُ بِآخَرَ وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ يُمِرُّ حَجَرًا على الصفحة اليميني وَحَجَرًا عَلَى الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى وَحَجَرًا عَلَى الْمَسْرُبَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرُبَةِ) وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُمِرُّ كُلَّ حَجَرٍ عَلَى المواضع الثلاثة]
- [الشَّرْحُ] أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِيهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ: أَمَّا الثاني فحديث حسن عن سهل ابن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ (أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة) رواه الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا إسْنَادُهُ حَسَنٌ: وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ الْحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ فَغَلَطٌ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ حَجَرَيْنِ وَحَجَرًا بِالنَّصْبِ: وَفِي الْمُهَذَّبِ حَجَرَانِ وَحَجَرٌ بِالرَّفْعِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَالْأَوَّلُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ ثَلَاثَةَ: وَالثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاءِ: وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالْوَجْهَيْنِ: فَالْبَدَلُ فِي مَوَاضِعَ كثيرة
كَقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صحف ابراهيم) والابتداء قَوْله تَعَالَى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَقَوْلُهُ وَيُحَلِّقُ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُدِيرُهُ كَالْحَلْقَةِ وَالْمَسْرُبَةُ هُنَا مَجْرَى الْغَائِطِ وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَقِيلَ يَجُوزُ فَتْحُهَا وَلِلْمَسْرُبَةِ مَعْنًى آخَرُ فِي اللُّغَةِ وَهِيَ الشَّعْرُ المستدق من السرة الي العانة: وجماء ذكرها في الحديث وليست مرادة هنا: أما حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا يُمِرُّ حَجَرًا مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى وَيُدِيرُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ثُمَّ يُمِرُّ الْحَجَرَ الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِ الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى إلَى آخِرِهَا ثُمَّ عَلَى الْيُمْنَى حَتَّى يَصِلَ مَوْضِعَ ابْتِدَائِهِ ثم يمر الثالث عَلَى الْمَسْرُبَةِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: الثاني يَمْسَحَ بِحَجَرٍ الصَّفْحَةَ الْيُمْنَى وَحْدَهَا ثُمَّ بِحَجَرٍ الْيُسْرَى وَحْدَهَا وَبِالثَّالِثِ الْمَسْرُبَةَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَالثَّالِثُ يَضَعُ حَجَرًا عَلَى مُقَدَّمِ الْمَسْرُبَةِ وَيُمِرُّهُ إلَى آخِرِهَا ثُمَّ حَجَرًا عَلَى مؤخر الْمَسْرُبَةِ وَيُمِرُّهُ إلَى أَوَّلِهَا ثُمَّ يُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَهُوَ غَرِيبٌ: وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمَحِلَّ بِكُلِّ حَجَرٍ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ غَلَّطُوا أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْكَبِيرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ تَأَوَّلُوهُ وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ مَعْنَاهُ كُلُّ حَجَرٍ لِلصَّفْحَتَيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْخِلَافِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْأَفْضَلِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ جَائِزٌ: وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْوُجُوبِ فَصَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يُجِيزُ الْكَيْفِيَّةَ الثَّانِيَةَ وَصَاحِبُ الثَّانِي لَا يُجِيزُ الْأُولَى وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ: وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي دَرْسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ لَا يُجِيزُ الثاني ومن قال بالثاني يُجِيزُ الْأَوَّلَ 1 قَالَ الْمُتَوَلِّي فَإِنْ احْتَاجَ إلَى استعمال
حَجَرٍ رَابِعٍ وَخَامِسٍ فَصِفَةُ اسْتِعْمَالِهِ كَصِفَةِ الثَّالِثِ لِأَنَّا أَمَرْنَاهُ فِي الثَّالِثِ بِمَسْحِ الْجَمِيعِ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ بِالْحَجَرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْمَحِلِّ إلَّا أَثَرٌ فَلَا يُخْشَى انْبِسَاطُهُ (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ الْحَجَرَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ بِقُرْبِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَضَعُهُ عَلَى نَفْسِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ إذَا وَضَعَهُ عَلَيْهَا بقى شَيْئًا مِنْهَا وَنَشَرَهَا وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ ثُمَّ إذَا انْتَهَى إلَى النَّجَاسَةِ أَدَارَ الْحَجَرَ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَرْفَعَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْحَجَرِ جزا مِنْ النَّجَاسَةِ فَلَوْ أَمَرَّ الْحَجَرَ مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ وَنَقَلَ النَّجَاسَةَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ تَعَيَّنَ الْمَاءُ وَإِنْ أَمَرَّ وَلَمْ يَنْقُلْ فَهَلْ يجزئه فيه وجهان: الصحيح يجزيه هَكَذَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعِرَاقِيُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ تَضْيِيقٌ لِلرُّخْصَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ إلَّا فِي نَادِرٍ مِنْ النَّاسِ مَعَ عُسْرٍ شَدِيدٍ وَلَيْسَ لِهَذَا الِاشْتِرَاطِ أَصْلٌ فِي السنة والله أعلم * قال المصنف رحمه الله * [وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِيَمِينِهِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى) فَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي بِغَيْرِ الْمَاءِ أَخَذَ ذَكَرَهُ بِيَسَارِهِ وَمَسَحَهُ عَلَى مَا يَسْتَنْجِي بِهِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَجَرٍ فَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ صَغِيرًا غَمَزَ عَقِبَهُ عَلَيْهِ وَأَمْسَكَهُ بين ابهامى رجليته؟ ؟ وَمَسَحَ ذَكَرَهُ عَلَيْهِ بِيَسَارِهِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ صَبَّ الْمَاءَ بِيَمِينِهِ وَمَسَحَهُ بِيَسَارِهِ فَإِنْ خَالَفَ وَاسْتَنْجَى بِيَمِينِهِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ يَقَعُ بِمَا فِي الْيَدِ لَا بِالْيَدِ فَلَمْ تُمْنَعْ صحته]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ عَائِشَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ: فَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ نَسْتَنْجِيَ باليمين)