كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَمِنْ شَرَابِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) سُؤْرُ الْهِرَّةِ والبغل والحمار والسباع والفار وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا طَاهِرٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ عِنْدَنَا فَإِذَا وَلَغَ فِي طَعَامٍ جَازَ أَكْلُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَإِذَا شَرِبَ مِنْ مَاءٍ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَسَبَقَ هُنَاكَ الْأَوْجُهُ فِي الْهِرَّةِ إذَا أَكَلَتْ نَجَاسَةً ثُمَّ وَلَغَتْ فِي ماء أو مائع والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- [ويجزئ في بول الصبي الذى لم يطعم الطعام النضح وهو أن يبله بالماء وان لم ينزل عنه ولا يجزى في بول الصبية الا الغسل لِمَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي بول الرضيع (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام) ]
- [الشَّرْحُ] فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَأْكُلَا غَيْرَ اللَّبَنِ مِنْ الطَّعَامِ لِلتَّغَذِّي ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُجْزِئُ النَّضْحُ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالثَّانِي يَكْفِي النَّضْحُ فِيهِمَا حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَالثَّالِثُ يَجِبُ الْغَسْلُ فِيهِمَا حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَبَوْلُ الْخُنْثَى كَبَوْلِ الْأُنْثَى مِنْ أَيِّ فَرْجَيْهِ خَرَجَ وَيُشْتَرَطُ فِي النَّضْحِ إصَابَةُ الْمَاءِ جَمِيعَ مَوْضِعِ الْبَوْلِ وَأَنْ يَغْمُرَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْهُ وَالْغَسْلُ أَنْ يَغْمُرَهُ وَيَنْزِلَ عَنْهُ هَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْجُمْهُورِ وَشَرَحَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ النَّضْحُ أَنْ يَغْمُرَهُ وَيُكَاثِرَهُ بِالْمَاءِ مُكَاثَرَةً لَا يُبْلَغُ جَرَيَانُهُ وَتَرَدُّدُهُ وَتَقَطُّرُهُ بِخِلَافِ الْغَسْلِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ جَرَيَانُ بَعْضِ الْمَاءِ وَتَقَاطُرُهُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطُ عَصْرُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يُرَادُ الْمَاءُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ الْأُولَى النَّضْحُ الْمُجَرَّدُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يُضَمَّ إلَى ذَلِكَ السَّيَلَانُ فَلَا تَجِبُ الثَّالِثَةُ قَطْعًا وَتَجِبُ الثَّانِيَةُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَالثَّانِي يَكْفِي الْأَوَّلُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ وَلَهُ شَاهِدَانِ صَحِيحَانِ فَرَوَاهُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجَةِ الْعَبَّاسِ وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي السَّمْحِ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَادِمُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَاهُمَا أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثُ أَبِي السَّمْحِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَثَبَتَ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ قَيْسِ بنت محسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا (جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ) وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَرْقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ بَوْلَهَا أَثْخَنُ وَأَلْصَقُ بِالْمَحَلِّ وَالثَّانِي أَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالصَّبِيِّ أَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي الْعَادَةِ وَالصَّبِيَّةُ لَا يَحْمِلُهَا إلَّا النِّسَاءُ غَالِبًا فَالِابْتِلَاءُ بِالصَّبِيِّ أَكْثَرُ وَأَعَمُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ
- وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ يُجْزِئُ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الرَّشُّ وَاسْتَدَلَّ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبِينُ لِي فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيَّةِ وَنَقَلَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى جَوَازِ الرَّشِّ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ مَا لَمْ يَأْكُلْ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبِينُ لِي فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ فَرْقٌ مِنْ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ وَلَوْ غُسِلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ احْتِيَاطًا وَإِنْ رُشَّ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَأْكُلْ الطَّعَامَ أَجْزَأَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ الشافعي غير هذا قال الْبَيْهَقِيُّ كَأَنَّ أَحَادِيثَ الْفَرْقِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ إنْكَارًا عَلَى الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ (وَمِنْهُمْ مَنْ قَاسَ الصَّبِيَّةَ عَلَى الصَّبِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ) قَالَ قَوْلُهُ هَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ جَعَلَهُ وَجْهًا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ مَعَ أَنَّهُ الْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَالثَّانِي جَعْلُهُ إيَّاهُ غَلَطًا وَهُوَ يَرْتَفِعُ عَنْ ذَلِكَ ارْتِفَاعًا ظَاهِرًا فَإِنَّهُ الْمَنْصُوصُ ثُمَّ ذَكَرَ النَّصَّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ثُمَّ قَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ لَا مَنْصُوصٌ وَمَعَ هَذَا لَا يَذْكُرُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ غَيْرَهُ قَالَ وَلَا يَقْوَى مَا يُذْكَرُ مِنْ الْفَرْقِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى قَالَ وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ نَصَّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَبِينُ لِي فَرْقٌ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ قَوْلَيْنِ أَقْيَسُهُمَا أَنَّهُ كَبَوْلِ الصَّبِيِّ وَالثَّانِي يَجِبُ غَسْلُهُ قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَمَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رُجْحَانِ التَّسْوِيَةِ مِنْ حَيْثُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ تَعَاضَدَتْ بِحَيْثُ قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ: مَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيَكْفِي نَضْحُ بَوْلِ الْغُلَامِ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأُمُّ سلمة والاوزاعي واحمد واسحق وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُشْتَرَطُ غَسْلُ بَوْلِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ وَقَالَ النَّخَعِيُّ يَكْفِي نَضْحُهُمَا جَمِيعًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الاوزاعي * قال المصنف رحمه الله
[وما سوى ذلك من النجاسات ينظر فيه فان كانت جامدة كالعذرة أزيلت ثم غسل موضعها علي ما نبينه ان شاء الله تعالى وان كانت ذائبة كالبول والدم والخمر فانه يستحب منه ثلاثا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثلاثا فانه لا يدرى أين بانت يده) فندب صلي الله عليه وسلم الي الثالث للشك في النجاسة فدل علي أن ذلك يستحب إذا تيقن ويجوز الاقتصار علي مرة لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال (كانت الصلاة خمسين والغسل من النجاسة سبع مرات وغسل الثوب من البول سبع مرات فلم يَزَلْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ حتى جعل الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة وغسل الثوب من البول مرة) والغسل الواجب من ذلك ان تكاثر النجاسة بالماء حتي تستهلك فيه فان كانت النجاسة علي الارض أجزأته المكاثرة لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أمر في بول الاعرابي بذنوب) وانما أمر بالدنوب لان ذلك يغمر النجاسة وتستهلك فيه وقال أبو سعيد الاصطخرى وابو القاسم الانماطى الذنوب تقدير فيجب في بول واحد ذنوب وفى بول اثنين ذنوبان والمذهب أن ذلك ليس بتقدير لان ذلك يؤدى الي أن يطهر البول الكثير من رجل بذنوب وما دون ذلك من رجلين لا يطهر الا بذنوبين وان كانت النجاسة علي الثوب ففيه وجهان أحدهما يجزئه المكاثرة كالارض والثاني لا يجزئه حتى يعصر لانه يمكن عصره بخلاف الارض والاول أصح وان كانت النجاسة في اناء فيه شئ فوجهان أحدهما يجزئ فيه المكاثرة كالارض والثاني لا يجزئ حتى يراق ما فيه ثم يغسل لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِي الْكَلْبِ يَلَغُ في الاناء (فليهرقه ثم ليغسله سبع مرات) ]
- [الشَّرْحُ] هَذِهِ الْقِطْعَةُ فِيهَا أَحَادِيثُ وَمَسَائِلُ: أَمَّا الاحاديث فالاول حيث (إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْفَوَائِدِ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِيهِ رُوِيَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي تَضْعِيفِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ (أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه أَنْ يَصُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا) فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ (فَلْيُهْرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ) فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وقد قدمناه
فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَقَوْلُهُ يَلَغُ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ: أَمَّا الْمَسَائِلُ فَإِحْدَاهَا الْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ كَالْمَيْتَةِ وَالرَّوْثِ وَغَيْرِهِمَا لَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ بَلْ إذَا وَقَعَتْ عَلَى طاهر ونجسته لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَهَكَذَا إذَا اخْتَلَطَتْ هَذِهِ النَّجَاسَاتُ بِتُرَابٍ وَغَيْرِهِ فَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَمْ يَطْهُرْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا طَرِيقَ إلَى طَهَارَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ إلَّا بِأَنْ يُحْفَرَ تُرَابُهَا وَيُرْمَى فَلَوْ أَلَقَى عَلَيْهَا تُرَابًا طَاهِرًا أَوْ طِينَهَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا: الثَّانِيَةُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ ذَائِبَةً كَأَثَرِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهَا اُسْتُحِبَّ غَسْلُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْوَاجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَدَلِيلُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وعن أحمد ابن حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ كُلِّهَا سبع مرات كالكلب ودليلنا حديث ابن عمرو هو صَرِيحٌ فِي الْمَرَّةِ وَإِطْلَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ كَحَدِيثِ غَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ (وَصُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ) وَغَيْرِ ذَلِكَ وَبِمَذْهَبِنَا قَالَ الْجُمْهُورُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يَزُلْ عَيْنُ الدَّمِ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ طَعْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إلَّا بِغَسَلَاتٍ كَفَاهُ زَوَالُ الْعَيْنِ وَيُسْتَحَبُّ بَعْدَ ذَلِكَ غَسْلُهُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً لِحَدِيثِ (إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ) : الثَّالِثَةُ الْوَاجِبُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الذَّائِبَةِ مِنْ الارض المكاثرة بالماء بحيث يستهلك فِيهِ وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْصَبَّ الْمَاءُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَرْضُ صُلْبَةً أَمْ رِخْوَةً هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ حَتَّى يَنْصَبَّ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَصْرِ فِي الثَّوْبِ وَوَجْهٌ حَكَاهُ الخراسانيون وجماعة من العراقين أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ الْمَصْبُوبِ سَبْعَةَ أَمْثَالِ الْبَوْلِ وَوَجْهٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي بَوْلِ كُلِّ رَجُلٍ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ فَلَوْ كَانَ مِائَةً وَجَبَ مِائَةُ ذَنُوبٍ وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَنْمَاطِيِّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُصَبُّ عَلَى الْبَوْلِ سَبْعَةُ أَضْعَافِهِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ بَالَ اثْنَانِ لَمْ يَطْهُرْ إلَّا بِذَنُوبَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْمُكَاثَرَةُ إلَّا بِذَلِكَ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ وَلَا يُشْتَرَطُ جَفَافُ الْأَرْضِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ جَفَافُ الثَّوْبِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ شَرَطْنَا الْعَصْرَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِمَا مَاءُ الْمَطَرِ حَصَلَتْ الطَّهَارَةُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ الْخَمْرُ وَالْبَوْلُ وَالدَّمُ وَسَائِرُ النَّجَاسَاتِ الذَّائِبَةِ حُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً يَنْزِلُ الْمَاءُ فِيهَا أَجْزَأَهُ صَبُّهُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا حَفْرُهَا وَنَقْلُ تُرَابِهَا دَلِيلُنَا حَدِيثُ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ وَصَبِّ الذَّنُوبِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي الْأَمْرِ بِحَفْرِهِ فَضَعِيفٌ
- الرَّابِعَةُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ
فَالْوَاجِبُ الْمُكَاثَرَةُ بِالْمَاءِ وَفِيهِ وَجْهُ سَبْعَةِ الْأَمْثَالِ الذى سبق وليس بشئ وَفِي اشْتِرَاطِ الْعَصْرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يُشْتَرَطُ بَلْ يَطْهُرُ فِي الْحَالِ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي طَهَارَة غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ وَالْأَصَحُّ طَهَارَتُهَا إذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ وَلِهَذَا كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ فان شرطناه لم يحكم بطهارة الثوب مادام الْمَاءُ فِيهِ فَإِنْ عَصَرَهُ طَهُرَ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهُ حَتَّى جَفَّ فَهَلْ يَطْهُرُ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ الصَّحِيحُ يَطْهُرُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي زَوَالِ الْمَاءِ وَالثَّانِي لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي وَجَبَتْ إزَالَتُهُ بَاقٍ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْعَصْرِ مُفَرَّعٌ عَلَى نَجَاسَةِ الْغُسَالَةِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فِي الثوب حكما وهذا ضعيف والمعتمد بالجزم بِالطَّهَارَةِ وَلَوْ عَصَرَهُ وَبَقِيَتْ رُطُوبَةٌ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ (الْخَامِسَةُ) إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَائِعًا فِي إنَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ غَمَرَهُ وَلَمْ يُرِقْهُ فَهَلْ يَطْهُرُ الْإِنَاءُ وَمَا فِيهِ: فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا وَهُمَا مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا لَا يَطْهُرُ وَلَوْ غُمِسَ الثَّوْبُ النَّجِسُ فِي إنَاءٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يَنْجُسُ الْمَاءُ وَلَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَطْهُرُ الثَّوْبُ وَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ وَلَوْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الثَّوْبَ فِي الْمَاءِ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ نَجُسَ الْمَاءُ وَلَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ بِلَا خِلَافٍ وَوَافَقَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى النَّجَاسَةِ هُنَا وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا عَلَى اشْتِرَاطِهِ النِّيَّةَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا هَذَا الِاسْتِدْلَالَ (السَّادِسَةُ) إذَا كَانَ دَاخِلُ الْإِنَاءِ مُتَنَجِّسًا فَصُبَّ فِيهِ مَاءٌ غَمَرَ النَّجَاسَةَ فَهَلْ يَطْهُرُ فِي الْحَالِ قَبْلَ إرَاقَةِ الْغُسَالَةِ: وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَصْرِ أصحهما الطهارة كالارض والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وإن كانت النجاسة خمرا فغسلها وبقيت الرائحة ففيه قولان أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ كَمَا لَوْ بَقِيَ اللَّوْنُ والثاني يطهر لان الخمر لها رائحة شديدة فيجوز أن تكون لقوة رائحتها تبقى الرائحة من غير جزء من النجاسة وان كانت النجاسة دما فغسله ولم يذهب الاثر اجزأه لما روى أن خولة بنت يسار قالت (يا رسول الله ارأيت لو بقى أثر) فقال صلى الله عليه وسلم (الماء يكفيك ولا يضرك أثره) ]
- [الشَّرْحُ] حَدِيثُ خَوْلَةَ هَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرَةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَضَعَّفَهُ ثُمَّ رَوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيِّ الْإِمَامِ قَالَ لَمْ نَسْمَعْ بِخَوْلَةِ بِنْتِ يَسَارٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَصْحَابُنَا يَجِبُ مُحَاوَلَةُ إزَالَةِ طَعْمِ النَّجَاسَةِ وَلَوْنِهَا وَرِيحِهَا فَإِنْ حَاوَلَهُ فَبَقِيَ طَعْمُ النَّجَاسَةِ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ جُزْءٍ مِنْهَا وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَحْدَهُ وَهُوَ سَهْلُ الْإِزَالَةِ لَمْ يَطْهُرْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا كَدَمِ
الْحَيْضِ يُصِيبُ ثَوْبًا وَلَا يَزُولُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الحت والقرص طَهُرَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ وَهُوَ شَاذٌّ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالصَّحِيحُ الذى قطع به الجمهور أن الحث والقرص مستحبان وليسا بشرط وفى وجه شاذهما شَرْطٌ وَإِنْ بَقِيَتْ الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا وَهِيَ عَسِرَةُ الْإِزَالَةِ كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ وَبَوْلِ الْمُبَرْسَمِ وَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعَذِرَةِ فَقَوْلَانِ وَقِيلَ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَطْهُرُ وَمِمَّنْ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِيهِ وَجْهًا قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَإِذَا لَمْ تَزُلْ النَّجَاسَةُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ وَأُمْكِنَ إزَالَتُهَا بِأُشْنَانٍ وَنَحْوِهِ وَجَبَ ثُمَّ مَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَعَ بَقَاءِ لَوْنٍ أَوْ رَائِحَةٍ فَهُوَ طَاهِرٌ حقيقة هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَفِي التَّتِمَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ وليس بشئ هَذَا تَلْخِيصُ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ كَمَا لَوْ بَقِيَ اللَّوْنُ فَمُرَادُهُ لَوْنٌ يَسْهُلُ إزَالَتُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَهَكَذَا مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ مَعَ بَقَاءِ اللَّوْنِ مُرَادُهُمْ مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ إذَا بَقِيَ اللَّوْنُ لَا يَطْهُرُ وَمُرَادُهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ كَاللَّوْنِ وَزَعَمَ أَنَّ صَوَابَهُ كَالطَّعْمِ قَالَ لِأَنَّ اللَّوْنَ لَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ قَطْعًا وَهَذَا الْإِنْكَارُ خَطَأٌ مِنْ قَائِلِهِ فَإِنَّهُ بِجَهَالَتِهِ فَهِمَ خِلَافَ الصَّوَابِ ثُمَّ اعْتَرَضَ وَالصَّوَابُ صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَحَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُهُ بِمَا تَأَوَّلْنَاهُ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ الْقَوْلَانِ فِي بَقَاءِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ فَإِنْ بَقِيَ رَائِحَةٌ غَيْرُهَا فَقَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا لَا يَطْهُرُ وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْفُرُوعِ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالْخَمْرِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ قَلَّدَ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى صَاحِبَ الْعُدَّةِ عَلَى عَادَتِهِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِطَرْدِهِمَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ الشيخ أبو حامد والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- [وإن كان ثوب نجس فغمسه في اناء فيه دون القلتين من الماء نجس الماء ولم يطهر الثوب ومن أصحابنا من قال ان قصد ازالة النجاسة لم ينجسه وليس بشئ لان القصد لا يعتبر في ازالة النجاسة ولهذا يطهر بماء المطر وبغسل المجنون قال أبو العباس بن القاص إذا كان ثوب كله نجس فغسل بعضه في جفنة ثم عاد فغسل ما بقى لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة لانه إذا صب علي بعضه ماء ورد جزء من البعض الآخر علي الماء فنجسه وإذا نجس الماء نجس الثواب]
[الشَّرْحُ] أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَسَبَقَ بَيَانُهَا قَرِيبًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ وَقَوْلُهُ (وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ) هُوَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَقَوْلُهُ (وَلِهَذَا يَطْهُرُ بِمَاءِ الْمَطَرِ وَبِغَسْلِ الْمَجْنُونِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يُوَافِقُ عَلَى هَذَا وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ يُخَالِفُ فِيهِ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاصِّ فَهِيَ مَشْهُورَةٌ عَنْهُ لَكِنْ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فِي بَابِ الْمِيَاهِ هَذَا غَلَطٌ مِنْ ابْنِ الْقَاصِّ قَالَ وَقَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ وَقَالَ صاحب البيان حكي صاحب الافصاح والشيخ أبو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ أَنَّ ابْنَ الْقَاصِّ قَالَ إذَا كَانَ الثَّوْبُ كُلُّهُ نَجِسًا فَغَسَلَ نِصْفَهُ ثُمَّ عَادَ إلَى مَا بَقِيَ فَغَسَلَهُ لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يَغْسِلَهُ كُلَّهُ قَالَ لِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ نِصْفَهُ فَالْجُزْءُ الرَّطْبُ الَّذِي يُلَاصِقُ الْجُزْءَ الْيَابِسَ النَّجِسَ يَنْجُسُ بِهِ لِأَنَّهُ مُلَاصِقٌ لِمَا هُوَ نَجِسٌ ثُمَّ الْجُزْءُ الَّذِي بَعْدَهُ يَنْجُسُ بِمُلَاصَقَتِهِ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ ثُمَّ الَّذِي بَعْدَهُ يَنْجُسُ بِمُلَاصَقَتِهِ حَتَّى يَنْجُسَ جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ إلَى آخِرِ الثَّوْبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ غَلِطَ ابْنُ الْقَاصِّ بل بطهر الثَّوْبُ لِأَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي يُلَاصِقُ الْجُزْءَ النَّجِسَ يَنْجُسُ بِهِ لِأَنَّهُ لَاقَى عَيْنَ النَّجَاسَةِ فَأَمَّا الْجُزْءُ الَّذِي يُلَاصِقُ ذَلِكَ الْجُزْءَ فَلَا يَنْجُسُ بِهِ لِأَنَّهُ لَاقَى مَا هُوَ نَجِسٌ حُكْمًا لَا عَيْنًا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ (أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ) فَحَكَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَجَاسَةِ مَا لَاقَى عَيْنَ النَّجَاسَةِ دُونَ الْجُزْءِ الْمُتَّصِلِ بِذَلِكَ الْمُتَنَجِّسِ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ لَنَجُسَ السَّمْنُ كُلُّهُ وَأَمَّا ابْنُ الصَّبَّاغِ فَحَكَى أَنَّ ابْنَ الْقَاصِّ قَالَ إذَا غَسَلَ نِصْفَهُ فِي جَفْنَةٍ ثُمَّ عَادَ فَغَسَلَ النصف الآخر لم يطهر حتى بغسله كُلَّهُ وَحَكَى عَنْهُ الْعِلَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْحُكْمُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ لَكِنْ أَخْطَأَ فِي الدَّلِيلِ بَلْ الدَّلِيلُ لِمَا قَالَهُ أَنَّ الثَّوْبَ إذَا وُضِعَ نِصْفُهُ فِي الْجَفْنَةِ وَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ يَغْمُرُهُ لَاقَى هَذَا الْمَاءُ جُزْءًا مِمَّا لَمْ يَغْسِلْهُ وَذَلِكَ الْجُزْءُ نَجِسٌ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَنَجَّسَهُ وَإِذَا نَجُسَ الْمَاءُ نَجُسَ الثَّوْبُ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَعِنْدِي أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ فَإِنْ غَسَلَ نِصْفَهُ فِي جَفْنَةٍ فَالْحُكْمُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَإِنْ غَسَلَ نِصْفَهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ جَفْنَةٍ فَالْحُكْمُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْبَيَانِ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا الْمَسْأَلَةَ فِي التَّلْخِيصِ لِابْنِ الْقَاصِّ كَمَا نَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَنَّ ثَوْبًا نَجِسًا كُلَّهُ غَسَلَ بَعْضَهُ فِي جَفْنَةٍ ثُمَّ عَادَ إلَى مَا بَقِيَ فَغَسَلَهُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَغْسِلَ الثَّوْبَ دَفْعَةً وَاحِدَةً هَذَا كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وجهان الصحيح ما قاله ابن القاص هو أَنَّ جَمِيعَ الثَّوْبِ نَجِسٌ قَالَ وَقَالَ صَاحِبُ الافصاح
يَطْهُرُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ فَأْرَةِ السَّمْنِ قَالَ الْقَفَّالُ وَالصَّوَابُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمْنِ بِأَنَّهُ جَامِدٌ لَا يَتَرَادُّ قَالَ وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا السَّمْنُ الذَّائِبُ فَحَصَلَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الْقَفَّالُ وَالْمُصَنِّفُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْآخَرِينَ عَلَى مَا حَمَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ غُسِلَ أَحَدُ نِصْفَيْ ثَوْبٍ ثُمَّ نِصْفُهُ الْآخَرُ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ حَتَّى يُغْسَلَ كُلُّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ إنْ غُسِلَ مَعَ النِّصْفِ الثَّانِي مَا يُجَاوِرُهُ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ طَهُرَ الثَّوْبُ كُلُّهُ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى النِّصْفَيْنِ فَقَطْ طَهُرَ الطَّرَفَانِ وَبَقِيَ الْمُنْتَصَفُ نَجِسًا فيغسله وحده والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- [إذا أصاب الارض نجاسة ذائبة في موضع ضاح فطلعت عليه الشمس وهبت عليه الريح فذهب اثرها ففيه قولان قال في القديم والاملاء يطهر لانه لم يبق شئ من النجاسة فهو كما لو غسل بالماء وقال في الام لا يطهر وهو الاصح لانه محل نجس فلا يطهر بالشمس كالثوب النجس]
- [الشَّرْحُ] هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يَطْهُرُ كَمَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ وَحَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيهِ الْقَوْلَانِ وَالثَّانِي القطع بأنها لا تطهر وتأويل نصفه عَلَى أَرْضٍ مَضَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ وَأَصَابَهَا الْمَطَرُ ثُمَّ الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ النجاسة طعم ولا لون ولا رائحة ومن قَالَ بِأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَزُفَرُ وَدَاوُد وَمِمَّنْ قَالَ بِالطَّهَارَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ هُمَا إذَا زَالَتْ النَّجَاسَةُ بِالشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ فَلَوْ ذَهَبَ أَثَرُهَا بِالظِّلِّ لَمْ تَطْهُرْ عِنْدَهُمْ قَطْعًا وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ وَأَمَّا الثَّوْبُ النَّجِسُ بِبَوْلٍ وَنَحْوِهِ إذَا زَالَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ مِنْهُ بِالشَّمْسِ فَالْمَذْهَبُ القطع بأنه لا يطهر وبه قطع العرقيون وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ طَرَدُوا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ كَالْأَرْضِ قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَعْنِي الْفُورَانِيَّ أَنَّا إذَا قُلْنَا يَطْهُرُ الثَّوْبُ بِالشَّمْسِ فَهَلْ يَطْهُرُ بِالْجَفَافِ فِي الظِّلِّ فِيهِ وَجْهَانِ وَهَذَا ضَعِيفٌ قَالَ الْإِمَامُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَفَافَ لَا يَكْفِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ الْأَرْضَ تَجِفُّ بِالشَّمْسِ عَلَى قُرْبٍ وَلَمْ يَنْقَلِعْ بَعْدُ آثَارُ النَّجَاسَةِ فَالْمُعْتَبَرُ انْقِلَاعُ الْآثَارِ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الثِّيَابِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (مَوْضِعٌ ضَاحٍ) هُوَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ الْبَارِزُ والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- [وَإِنْ طُبِخَ اللَّبَنُ الَّذِي خُلِطَ بِطِينَةِ السَّرْجِينِ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُ النَّجَاسَةَ وقال أبو الحسن ابن الْمَرْزُبَانِ إذَا غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ لِأَنَّ مَا فيه من السرجين كالزئبر فيحترق بالنار ولهذا ينتقب مَوْضِعُهُ فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ فَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ والمذهب الاول]
- [الشَّرْحُ] قَالَ أَصْحَابُنَا اللَّبَنُ النَّجِسُ ضَرْبَانِ مُخْتَلِطٌ بِنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَعِظَامِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرُ مُخْتَلَطٍ بِهَا فَالْمُخْتَلِطُ نَجِسٌ لَا طَرِيقَ إلَى تَطْهِيرِهِ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ النَّجِسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَهَذَا فِيهِ عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَإِنْ طُبِخَ أَيْ أُحْرِقَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ وَبِهِ قَطَعَ الجمهور وخرج أبو زيد والخضرى وآخرون قولان أَنَّ النَّارَ تُؤَثِّرُ فَيَطْهُرُ خَرَّجُوهُ مِنْ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ بِالشَّمْسِ قَالُوا فَالنَّارُ أَبْلَغُ فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ لَوْ غُسِلَ لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَقَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَفَّالُ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْإِحْرَاقِ فَكُسِرَ مِنْهُ مَوْضِعٌ فَمَا ظَهَرَ بِالْكَسْرِ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى مَا لَمْ يُكْسَرْ مِنْهُ وَلَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي مَقْبَرَةٍ غَيْرِ مَنْبُوشَةٍ لِكَوْنِهَا مَدْفَنَ النَّجَاسَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْنِيَ بِهِ مَسْجِدًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ بِهِ مَسْجِدًا وَلَا يَفْرِشَ بِهِ فَإِنْ فَرَشَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَإِنْ بَسَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا صحت مع الكراهة ولو حمله مصل ففى صِحَّةِ صَلَاتِهِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ وَسَدَّ رَأْسَهَا بِنُحَاسٍ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ: وَالضَّرْبُ الثَّانِي غَيْرُ الْمُخْتَلِطِ بِنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ كَالْمَعْجُونِ بِبَوْلٍ أَوْ بِمَاءٍ نَجِسٍ أَوْ خَمْرٍ فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَيَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُنْقَعَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ كَمَا لَوْ عُجِنَ عَجِينٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ فَلَوْ طُبِخَ هَذَا اللَّبَنُ طَهُرَ عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي زَيْدٍ ظَاهِرُهُ وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُدَقَّ حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ثُمَّ يُفَاضَ الْمَاءُ عَلَيْهِ فلو كان بعد الطبخ رخوا لايمنع نُفُوذَ الْمَاءِ فَهُوَ كَمَا قَبْلَ الطَّبْخِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَالزِّئْبِرِ هُوَ بِزَايٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَيُقَالُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَهُوَ مَا يَعْلُو الثَّوْبَ الْجَدِيدَ كَالزَّغَبِ وَقَوْلُهُ قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ هُوَ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ راء
سَاكِنَةٍ ثُمَّ زَايٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَالْمَرْزُبَانُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ مُعَرَّبٌ وَهُوَ زَعِيمُ فَلَاحِي الْعَجَمِ وَجَمْعُهُ مَرَازِبَةٌ ذَكَر هَذَا كُلَّهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ هَذَا هُوَ أَبُو الحسن عل بْنُ أَحْمَدَ الْمَرْزُبَانُ الْبَغْدَادِيُّ صَاحِبُ ابْنِ الْقِطَّانِ تَفَقَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ كَانَ إمَامًا فِي الْمَذْهَبِ وَرِعًا قَالَ مَا أَعْلَمُ أَنَّ لاحد علي مظلمة وهو يعلم ان الغيية مَظْلِمَةٌ تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وثلثمائة ذكرت احواله في الطبقات والتهذيب * قال المصنف رحمه الله
- [فَإِنْ أَصَابَ أَسْفَلَ الْخُفِّ نَجَاسَةٌ فَدَلَكَهُ عَلَى الْأَرْضِ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَتْ نَجَاسَةً رَطْبَةً لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَتْ يَابِسَةً فَقَوْلَانِ قَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ نَجِسٌ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الْمَسْحُ كَالثَّوْبِ وَقَالَ في الامالي القديمة يَجُوزُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِهِمَا خَبَثٌ فَلْيَمْسَحْهُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ لْيُصَلِّ فِيهِمَا) وَلِأَنَّهُ تَتَكَرَّرَ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَأَجْزَأَ فِيهِ الْمَسْحُ كَمَوْضِعِ الاستنجاء]
- [الشَّرْحُ] إذَا أَصَابَتْ أَسْفَلَ الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ فَأَزَالَ عَيْنَهَا وَبَقِيَ أَثَرُهَا نُظِرَ إنْ دَلَكَهَا وَهِيَ رَطْبَةٌ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا تَنْتَشِرُ مِنْ مَحَلِّهَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْخُفِّ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ جَفَّتْ عَلَى الْخُفِّ فَدَلَكَهَا وَهِيَ جَافَّةٌ بِحَيْثُ لَمْ تَنْتَشِرْ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا مِنْهُ فَالْخُفُّ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ وَلَكِنْ هَلْ يُعْفَى عَنْ هَذِهِ النَّجَاسَةِ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ قَوْلَانِ وَدَلِيلُهُمَا مَا ذَكَرَهُ المصنف أصحهما عند الاصحاب الجدبد وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَالْقَدِيمُ الصِّحَّةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ هَذَا الْخُفُّ فِي مَائِعٍ أَوْ في ما دُونَ قُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ نَجَّسَهُ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِيهِ مُسْتَنْجٍ بِالْأَحْجَارِ قَالَ الرَّافِعِيُّ إذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ وَهُوَ الْعَفْوُ فَلَهُ شُرُوطٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ لِلنَّجَاسَةِ جُرْمٌ يَلْتَصِقُ بِالْخُفِّ أَمَّا الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَكْفِي دَلْكُهُ بِحَالٍ الثَّانِي أن يدلكه في حال الجفاف واما مادام رَطْبًا فَلَا يَكْفِي دَلْكُهُ قَطْعًا الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ حُصُولُ النَّجَاسَةِ بِالْمَشْيِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَوْ تَعَمَّدَ تَلْطِيخَ الْخُفِّ بِهَا وَجَبَ الْغُسْلُ قَطْعًا وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ أَصَابَ أَسْفَلَ الْخُفِّ وَأَطْرَافَهُ مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُعْفَى عَنْهُ وَسَائِرُ النَّجَاسَاتِ الْغَالِبَةِ فِي الطُّرُقِ كَالرَّوْثِ وَغَيْرِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الغزالي وصاحبه محمسد بن تحيى جَزَمَا بِالْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى أَسْفَلِ الْخُفِّ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ (إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا) وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِأَسَانِيدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ) رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَجَابَ فِي الْجَدِيدِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَذَرِ وَالْأَذَى مَا يُسْتَقْذَرُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّجَاسَةُ وَذَلِكَ كَمُخَاطٍ وَنُخَامَةٍ وَشَبَهِهِمَا مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَجَوَابُهُ تَقَدَّمَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الْمَاءِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ نَجِسٌ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْمَسْحُ فَاحْتَرَزَ بِمَلْبُوسٍ عَنْ مَحَلِّ الاستنجاء وبقوله نجس عن خف المحرم إذ عَلِقَ بِهِ طِيبٌ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ إزَالَتُهُ بِالْمَسْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ مختصرة جدا خشية الاطالة وفرارا من السأآمة؟ ؟ ؟ وَالْمَلَالَةِ (إحْدَاهَا) أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَمْ يُعْصَ بِالتَّلَطُّخِ بِهَا فِي بَدَنِهِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ إزَالَتِهَا (الثَّانِيَةُ) إذَا نَجُسَ الزيت والمسن وَالشَّيْرَجُ وَسَائِرُ الْأَدْهَانِ فَهَلْ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَلَا بِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم في الفأرة تقطع فِي السَّمْنِ (إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ) وَلَمْ يَقُلْ اغْسِلُوهُ وَلَوْ جَازَ الْغَسْلُ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ وَقِيَاسًا عَلَى الدِّبْسِ وَالْخَلِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَائِعَاتِ إذَا تَنَجَّسَتْ فَإِنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى تَطْهِيرِهَا بِلَا خِلَافٍ وَالثَّانِي يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي إنَاءٍ وَيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَيُكَاثَرَ بِهِ وَيُحَرَّكَ بِخَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا تَحْرِيكًا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى أَجْزَائِهِ ثُمَّ يُتْرَكَ حَتَّى يَعْلُوَ الدُّهْنُ ثُمَّ يُفْتَحَ أَسْفَلَ الْإِنَاءِ فَيَخْرُجَ الْمَاءُ وَيَطْهُرَ الدُّهْنُ وَهَذَا الْوَجْهُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وغيره ليس هو بصحيح وقال صحاب الْعُدَّةِ لَا يَطْهُرُ السَّمْنُ بِالْغَسْلِ قَطْعًا وَفِي غَيْرِهِ الْوَجْهَانِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ: أَمَّا الزِّئْبَقُ فَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وغيرهما أن اصابته نجاسة ولم ينقطع بَعْدَ إصَابَتِهَا طَهُرَ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ انقطع فهو كالدهن ولا يمكن تطهيره عَلَى الْأَصَحِّ (الثَّالِثَةُ) إذَا أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ شَيْئًا صَقِيلًا كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالْمِرْآةِ وَنَحْوِهَا لَمْ تَطْهُرْ بِالْمَسْحِ وَلَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ كَغَيْرِهَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَطْهُرُ بِالْمَسْحِ (الرَّابِعَةُ) إذَا سُقِيَتْ السِّكِّينُ مَاءً نَجِسًا ثُمَّ غَسَلَهَا طَهُرَ ظَاهِرُهَا وَهَلْ يَطْهُرُ بَاطِنُهَا بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ أَمْ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَسْقِيَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِمَاءٍ طَهُورٍ يُورِدُهُ عَلَيْهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَلَوْ طبخ لحم
بِمَاءٍ نَجِسٍ صَارَ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ نَجِسًا وَفِي كَيْفِيَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُغْسَلُ ثُمَّ يُعْصَرُ كَالْبِسَاطِ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ أَنْ يُغْلَى مَرَّةً أُخْرَى بِمَاءٍ طَهُورٍ وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي مَسْأَلَتَيْ السِّكِّينِ وَاللَّحْمِ بِأَنَّهُ يَجِبُ سَقْيُهَا وَإِغْلَاؤُهَا وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ أَنَّ الْغَسْلَ كَافٍ فِيهِمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ فِي كتاب صلاة الخوف لو أحمى حديد ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا سُمًّا أَوْ غَسَلَهَا فِيهِ فَشَرِبَتْهُ ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ طَهُرَتْ لِأَنَّ الطَّهَارَاتِ كُلَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ فِيهِ لَيْسَ عَلَى الْأَجْوَافِ: هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَإِذَا غُسِلَ السِّكِّينُ طَهُرَ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ كَمَا يَجُوزُ فِي الْيَابِسَةِ لَكِنْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَهُوَ حَامِلُهُ وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الرَّطْبِ مَعَ قَوْلِنَا بِنَجَاسَةِ بَاطِنِهِ لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ لَا تَصِلُ بَاطِنَهُ إذْ لَوْ وَصَلَتْ لَطَهَرَتْ بِالْمَاءِ (الْخَامِسَةُ) قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ لِلْمَاءِ قُوَّةٌ عِنْدَ الْوُرُودِ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَا يَنْجُسُ بِمُلَاقَاتِهَا بَلْ يَبْقَى مُطَهِّرًا فَلَوْ صَبَّهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ فَانْتَشَرَتْ الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ وَلَوْ صُبَّ الماء فِي إنَاءٍ نَجِسٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ طهور فإذا اداره على جوابنه طَهُرَتْ الْجَوَانِبُ كُلُّهَا هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ قَالَ فَلَوْ انْفَصَلَ الْمَاءُ مُتَغَيِّرًا وَقَدْ زَالَتْ النَّجَاسَةُ عَنْ الْمَحَلِّ فَالْمَاءُ نَجِسٌ وَفِي الْمَحَلِّ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ لِانْتِقَالِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَاءِ وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمَحَلَّ نَجِسٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ نَجِسٌ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ أَجْزَاءٌ فِي الْمَحَلِّ قَالَ وَلَوْ وَقَعَ بَوْلٌ عَلَى ثَوْبٍ فَغُسِلَ بِمَاءٍ مَوْزُونٍ فَانْفَصَلَ زَائِدَ الْوَزْنِ فَالزِّيَادَةُ بَوْلٌ وَالْمَاءُ نَجِسٌ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ وَفِي طَهَارَةِ الْمَحَلِّ الْوَجْهَانِ الصَّحِيحُ لَا يَطْهُرُ قُلْتُ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمِيَاهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ طَاهِرٌ مَعَ زيادة الوزن وليس بشئ فَالْمَذْهَبُ نَجَاسَتُهُ (السَّادِسَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا اخْتَلَطَتْ الْعَذِرَةُ أَوْ الرَّوْثُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ بِتُرَابٍ نَجِسٍ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَمْ يَطْهُرْ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعَيْنَ النَّجِسَةَ لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَطَرِيقُهُ أَنْ يُزَالَ التُّرَابُ الَّذِي وَصَلَتْهُ أَوْ يُطْرَحَ عَلَيْهِ تُرَابٌ طَاهِرٌ يُغَطِّيهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ لَوْ طَيَّنَ عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ طَرَحَ عَلَيْهَا تُرَابًا طَاهِرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ جَازَ لَكِنْ تُكْرَهُ
الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ مَدْفَنُ النَّجَاسَةِ وَكَذَا لَوْ دَفَنَ مَيْتَةً وَسَوَّى فَوْقَهَا الطَّاهِرَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وتكره (السابعة) ذكرها صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْقَاصِّ السَّابِقَةِ وَهِيَ إذَا غَسَلَ نِصْفَ الثَّوْبِ ثُمَّ عَادَ فَغَسَلَ نِصْفَهُ قَالَ لَوْ غَسَلَ الثَّوْبَ عَنْ النَّجَاسَةِ ثُمَّ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ غَسْلِهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ جَمِيعِ الثَّوْبِ أَمْ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ قُلْتُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِهَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلدَّلِيلِ وَلِمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ هُنَاكَ: قَالَ وَلَوْ خَرَزَ الْخُفَّ بِشَعْرِ خِنْزِيرٍ رَطْبٍ صَارَ نَجِسًا فَإِذَا غَسَلَهُ هَلْ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ الَّذِي يَتَخَلَّلُ نقب الْخُفِّ مِنْ الْخَيْطِ نَجِسٌ لِمُلَاصَقَتِهِ الشَّعْرَ مَعَ الرُّطُوبَةِ فَإِذَا غَسَلَ ظَاهِرَهُ اتَّصَلَتْ الرُّطُوبَةُ بِالْمَوْضِعِ النَّجِسِ وَلَا يَنْفُذُ الْمَاءُ فِيهِ لِيَطْهُرَ الْجَمِيعُ فَيَعُودَ الْمَغْسُولُ نَجِسًا وَالثَّانِي يَطْهُرُ فَيَجُوزُ أَنْ يصلى عليه لافيه وَلَوْ عَرِقَتْ رِجْلُهُ فِيهِ أَوْ أَدْخَلَهَا فِيهِ رَطْبَةً لَمْ يَنْجُسْ وَلَا تَتَعَدَّى النَّجَاسَةُ مِنْ الْخَرَزِ الَّذِي فِي ثُقْبِ الْخُفِّ إلَى الْمَغْسُولِ وَكَانَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ يَخْتَارُ هَذَا الْوَجْهَ (الثَّامِنَةُ) صَبَّ الْمَاءَ عَلَى ثَوْبٍ نَجِسٍ وَعَصَرَهُ فِي إنَاءٍ وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ مَاءً آخر وعصره فخرج غير متغير ثُمَّ جَمَعَ الْمَاءَيْنِ فَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَجْهًا أَنَّهُ طاهر وليس بشئ (التَّاسِعَةُ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِ التَّبْصِرَةِ فِي الْوَسْوَسَةِ إذَا غَسَلَ فَمَهُ النَّجِسَ فَلْيُبَالِغْ فِي الْغَرْغَرَةِ لِيَغْسِلَ كُلَّ مَا هُوَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ وَلَا يَبْتَلِعْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَبْلَ غَسْلِهِ لِئَلَّا يَكُونَ أَكَلَ نَجَاسَةً (الْعَاشِرَةُ) إذَا كَانَتْ أَعْضَاؤُهُ رَطْبَةً فَهَبَّتْ
الرِّيحُ فَأَصَابَهُ غُبَارُ الطَّرِيقِ أَوْ غُبَارُ السَّرْجِينِ لَمْ يَضُرَّهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ فِي باب المياه (الحادية عشر) لَوْ صَبَغَ يَدَهُ بِصَبْغٍ نَجِسٍ أَوْ خَضَّبَ يَدَهُ أَوْ شَعْرَهُ بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ بِأَنْ خُلِطَ بِبَوْلٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ دَمٍ وَغَسَلَهُ فَزَالَتْ الْعَيْنُ وَبَقِيَ اللَّوْنُ فَهُوَ طَاهِرٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ قَالَ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أبو إسحق لَا يَطْهُرُ مَعَ بَقَاءِ اللَّوْنِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنْ بَقِيَ لَوْنُ النَّجَاسَةِ فَنَجِسٌ وَإِنْ بَقِيَ لَوْنُ الْخِضَابِ فَوَجْهَانِ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ هَذَا عَنْ الْحَاوِي ثُمَّ ضَعَّفَهُ وَقَالَ هَذَا عَجِيبٌ وَاعْتِبَارُ زَوَالِ اللَّوْنِ لَا مَعْنَى لَهُ قَالَ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَعَ بَقَاءِ اللَّوْنِ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ وَهُوَ الْجَزْمُ بِالطَّهَارَةِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي فَإِنْ قُلْنَا لَا يَطْهُرُ فَإِنْ كَانَ الْخِضَابُ عَلَى شَعْرٍ كَاللِّحْيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَلْقُهُ بَلْ يُصَلِّي فِيهِ وَيَتْرُكُهُ حَتَّى يَنْصُلَ لِأَنَّهُ يَنْصُلُ عَنْ قُرْبٍ فَإِذَا نَصَلَ أَعَادَ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنٍ وَهُوَ مما ينصل كالحناء انتظر نصوله ثم يعيدما صَلَّى مَعَهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْصُلُ كَالْوَشْمِ فَإِنْ أَمِنَ التَّلَفَ فِي إزَالَتِهِ لَزِمَهُ كَشْطُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ بِخِلَافِ الْحِنَّاءِ وَإِنْ خَافَ التَّلَفَ فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْرَهَهُ تَرَكَهُ بِحَالِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فَوَجْهَانِ كَمَا لَوْ صَلَّى بِعَظْمٍ نَجِسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَاتِ فِي الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ نُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ (الثانية عشر) إذَا تَوَضَّأَ إنْسَانٌ فِي طَسْتٍ ثُمَّ صَبَّ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي بِئْرٍ فِيهَا مَاءٌ كَثِيرٌ لم يفسد الماء ولم يجب نزح شئ مِنْهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجِبُ نَزْحُ جَمِيعِهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُنْزَحُ مِنْهُ عِشْرُونَ دَلْوًا (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) لَا يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ فِعْلُ مُكَلَّفٍ وَلَا غَيْرُهُ بَلْ يَكْفِي وُرُودُ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَإِزَالَةُ الْعَيْنِ سَوَاءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِغَسْلِ مُكَلَّفٍ أَوْ مَجْنُونٍ أو صبى أو لقاء الرِّيحِ أَوْ نَحْوِهَا أَوْ بِنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَيْهِ أَوْ مُرُورِ السَّيْلِ أَوْ غَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ لكن يجئ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَكِنَّهُ وَجْهٌ بَاطِلٌ
مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَلَوْ وَقَعَ الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ عَلَى أَرْضٍ فَقَلَعَ التُّرَابَ الَّذِي أَصَابَهُ فَإِنْ اُسْتُظْهِرَ حَتَّى عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ الْبَوْلُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ الموضع طاهرا والا فلا والله أعلم
- قال مصححه عفا الله عنه الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على ختام النبيين سيدنا محمد النبي الامي وعلى آله وصحابته ومن تبعهم إلى يوم الدين ورضى الله عن علماء الاسلام العاملين - وقد انتهى بعون الله تعالى وتسهيله طبع (الجزء الثاني) من كتابي المجموع للامام ابي زكريا محيي الدين النووي رضى الله عنه ونور ضريحه: والشرح الكبير للامام المحقق الرافعى مع تخريج أحاديثه المسمي تلخيص الحبير لثلاث بقين من شهر جمادى الاولي سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وألف
المجموع شرح المهذب
للامام ابي زكريا محيى الدين بن شرف النووي المتوفى سنة 676 هـ
الجزء الثالث
دار الفكر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله *
- ﴿كتاب الصلاة﴾
- (الصلاة المكتوبة خمس لما روى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال " جاء إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجل من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول حتي دنا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ")
- (الشَّرْحُ)
- الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ وَسُمِّيَتْ الصَّلَاةُ الشرعية صلاة لاشمالها عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَقِيلَ فِي اشْتِقَاقِهَا وَمَعْنَاهُ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ أَكْثَرُهَا فاسدة لاسيما قَوْلُ مَنْ قَالَ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ صَلَيْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ إذَا قَوَّمْتُهُ وَالصَّلَاةُ تُقِيمُ الْعَبْدَ عَلَى الطَّاعَةِ وَبُطْلَانُ هَذَا الْخَطَأِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نَذْكُرَهُ لِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاوٌ وَفِي صَلَيْتُ يَاءٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاشْتِقَاقُ مَعَ اخْتِلَافِ الْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ طَوِيلٍ مَشْهُورٍ وَقَوْلُهُ ثَائِرُ أَيْ مُنْتَفِشٌ شَعْرُهُ وَهُوَ بِرَفْعِ الرَّاءِ وَقَوْلُهُ نَسْمَعُ وَلَا نَفْقَهُ هو بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ فِيهِمَا وَرُوِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تحث مَضْمُومَةً وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ لَكِنَّ النُّونَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ وَقَوْلُهُ دَوِيَّ هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ضَمَّهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَمَعْنَاهُ بُعْدُهُ فِي الْهَوَاءِ وَعُلُوُّهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " هُوَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْوَاوِ عَلَى إدْغَامِ إحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الطَّاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الطَّاءِ عَلَى الْحَذْفِ وَأَمَّا
طَلْحَةُ الرَّاوِي فَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ طلحة بن عبيد الله ابن عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ ابن تيم بن مرة بن كعب بْنِ لُؤَيٍّ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ يَلْتَقِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلْحَةَ الْخَيْرِ وَطَلْحَةَ الْجُودِ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ من جمادى الاول سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ وَحَدِيثُهُ هَذَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ جَمَعْتُهَا وَاضِحَةً فِي أَوَّلِ شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُخْتَصَرُهَا أَنَّ فِيهِ بِطُولِهِ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَوُجُوبَ الصِّيَامِ وَوُجُوبَ الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا الْخَمْسُ وَلَا مِنْ الصِّيَامِ غَيْرُ رَمَضَانَ وَأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ النَّوَافِلِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ يُطْلَقُ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الطَّاعَاتِ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ مُتَأَصِّلٌ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَفِيهِ جَوَازُ قَوْلِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ وَجَوَازُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَتَقْرِيرُ هذه الفوائد وما يتعلق بها موضح هناك: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَرْضُ عَيْنٍ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا فَرْضَ عَيْنٍ سِوَاهُنَّ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِيدِ هَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَمْ سُنَّةٌ وَفِي الْوِتْرِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ وَاجِبٌ مَعَ إجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَمَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ وَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِمَا فَإِنَّمَا وَجَبَتَا عِنْدَهُ لِعَارِضٍ وَهُوَ الطَّوَافُ لَا بِالْأَصَالَةِ فَأَشْبَهَتْ الْمَنْذُورَةَ وَقَدْ كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ وَهَلْ نُسِخَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا قَالَ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يُنْسَخْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نُسِخَ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حديث سعد ابن هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ قَالَ فِيهِ قُلْتُ " أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَتْ " أَلَسْتَ تَقْرَأُ القرآن فَذَكَرَتْهُ " إلَى أَنْ قَالَتْ " فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً " رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صحيحه والله أعلم * قال المصنف رحمه الله ** (ولا يجب ذلك الا على مسلم بالغ عاقل طاهر فأما الكافر فان كان أصليا لم يجب عليه وإذا أسلم لا يخاطب بقضائها لقوله تَعَالَى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف) ولان في ايجاب ذلك عليهم تنفيرا فعفى عنه وان كان مرتدا وجبت عليه وإذا أسلم لزمه قضاؤها لانه اعتقد وجوبها وقدر علي التسبب الي أدائها فهو كالمحدث) *
- (الشَّرْحُ)
- أَمَّا الْكَافِرُ الْمُرْتَدُّ فَيَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ فِي الْحَالِ وَإِذَا أَسْلَمَ لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ في لردة لما ذكره المصنف هذا مذهبا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَدَاوُد لَا يَلْزَمُ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِي الرِّدَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَهَا وَجَعَلُوهُ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ مَا قَدْ سَلَفَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَغَيْرُهَا من فروع الاسلام وأما فِي كُتُبِ الْأُصُولِ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفُرُوعِ كَمَا هُوَ مُخَاطَبٌ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَقِيلَ لَا يُخَاطَبُ بِالْفُرُوعِ وَقِيلَ يُخَاطَبُ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْخَمْرِ وَالرِّبَا وَأَشْبَاهِهَا دُونَ الْمَأْمُورِ بِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ هُوَ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِمْ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا غَيْرُ الْمُرَادِ هُنَاكَ فَمُرَادُهُمْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ أَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ كُفْرِهِمْ وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْمَاضِي وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ وَمُرَادُهُمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ زِيَادَةً عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ فَيُعَذَّبُونَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْكُفْرِ جَمِيعًا لَا عَلَى الْكُفْرِ وَحْدَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا فَذَكَرُوا فِي الْأُصُولِ حُكْمَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَفِي الْفُرُوعِ حُكْمَ الطَّرَفِ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ صَلَاةٌ وَلَوْ صَلَّى في كفره ثم أسلم لم نتبين صِحَّتُهَا بَلْ هِيَ بَاطِلَةٌ بِلَا خِلَافٍ أَمَّا إذَا فَعَلَ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ قُرْبَةً لَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِصِحَّتِهَا كَالصَّدَقَةِ وَالضِّيَافَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمِنْحَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ فَإِنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ عَلَيْهَا فِي الآخرة لكن يطعم بها في الذنيا وَيُوَسَّعُ فِي رِزْقِهِ وَعَيْشِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ فَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ كَانَ زَلَفَهَا " أَيْ قَدَّمَهَا وَمَعْنَى حَسُنَ إسْلَامُهُ أَيْ أَسْلَمَ إسْلَامًا مُحَقَّقًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ
أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ إعْتَاقٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ أَفِيهَا أَجْرٌ " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ " وفى رواية في الصَّحِيحِ " أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ لَك مِنْ الْخَيْرِ " قَوْلُهُ أَتَحَنَّثُ أَيْ أَتَعَبَّدُ فَهَذَانِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَا يَمْنَعُهُمَا عَقْلٌ وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِخِلَافِهِمَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ إثْبَاتِ ثَوَابِهِ إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَةَ بِدَلَائِلِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بها مبسوطا في أول شرحي صحيح الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ لَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ عِبَادَةٌ وَلَوْ أَسْلَمَ لَمْ يعتد بها فمرادهم لَا يُعْتَدُّ بِهَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَإِنْ أَطْلَقَ مُطْلِقٌ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُجَازِفٌ غَالِطٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ إذَا لَزِمَ الْكَافِرَ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَكَفَّرَ فِي حَالِ كُفْرِهِ أَجْزَأَهُ وَإِذَا أَسْلَمَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا صَلَّى الْمُسْلِمُ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَوَقْتُ تِلْكَ الصَّلَاةِ بَاقٍ لَمْ يَجِبْ إعَادَتُهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يَجِبُ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ سَبَقَ وَهُوَ أَنَّ عندنا لا تبطل الاعمال بالردة الا أن يتصل بالموت وَعِنْدَهُمْ يَبْطُلُ بِنَفْسِ الِارْتِدَادِ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حبطت أعمالهم) فَعَلَّقَ الْحُبُوطَ بِشَرْطَيْنِ الرِّدَّةِ وَالْمَوْتِ عَلَيْهَا وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا مُطْلَقَةٌ وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَلْزَمُ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ أَنْ يَقْضِيَ كُلَّ مَا فَاتَهُ فِي الرِّدَّةِ أَوْ قَبْلَهَا وَهُوَ مُخَاطَبٌ فِي حَالِ الرِّدَّةِ بِجَمِيعِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ الْمُسْلِمُ وَإِذَا أَسْلَمَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا كَانَ فَعَلَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ مِنْ حَجٍّ وَصَلَاةٍ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَمَا لَوْ هَاجَرَ فَإِنْ تَرَكَهَا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ عَلِمَ وُجُوبَهَا أَمْ جَهِلَهُ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ أَبُو حنيفة رحمه الله لا يلزمه وما لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهَا دَلِيلُنَا عُمُومُ النُّصُوصِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وأما الصبى فلا يجب عليه لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وعن المجنون حتى يفيق " ولا يجب عليه القضاء إذا بلغ لان زمن الصغر يطول فلو أوجبنا القضاء شق فعفى عنه)
- (الشَّرْحُ)
- هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ رَضِيَ الله عنهما رواه أبو داود النسائي فِي كِتَابِ الْحُدُودِ مِنْ سُنَنِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَيَاهُ هُمَا وَابْنُ مَاجَهْ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَقَدْ كَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمُهَذَّبِ وقل أن يذكر رواية وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَمَّا الْمَسْأَلَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا وَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا صَبِيَّةٍ وَلَا يَلْزَمُهُمَا قَضَاؤُهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا لِمَا ذَكَرَهُ وَيُقَالُ زَمَنٌ وَزَمَانٌ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ لا تكليف عليه ولا يأثم بفعل شي ولا بترك شئ لَكِنْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ مِنْ مَالِهِ وَكَذَا غَرَامَةُ إتْلَافِهِ وَنَحْوُهَا والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- (وأما مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ مرض فلا يجب عليه لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثة " فنص على المجنون وقسنا عليه كل من زال عقله بسبب مباح وان زال عقله بمحرم كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله وجب عليه القضاء إذا أفاق لانه زال عقله بمحرم فلم يسقط عنه الغرض)
- (الشَّرْحُ)
- مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ كَمَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِمَرَضٍ أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ لِحَاجَةٍ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ مُسْكِرٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ وَإِذَا أَفَاقَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ لِلْحَدِيثِ سَوَاءٌ قَلَّ زَمَنُ الْجُنُونِ والاغماء ام كَثُرَ هَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ كَانَ الْإِغْمَاءُ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَتَادَةَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَعَلَى مَا فَوْقَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَمَّا إذَا زَالَ عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ بِأَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ عَمْدًا عَالِمًا بِهِ مُخْتَارًا أَوْ شَرِبَ دَوَاءً لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَهُوَ مِمَّا يَزُولُ بِهِ الْعَقْلُ فَزَالَ عَقْلُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي ذَلِكَ الْحَالِ فَإِذَا عَادَ عَقْلُهُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ أَقَلُّ السُّكْرِ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ لِغَلَبَتِهِ بَعْضُ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْهَبُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخر " السكران من اختل كلامه المنظوم باح بِسِرِّهِ الْمَكْتُومِ " وَقَالَ أَصْحَابُنَا هُوَ أَنْ تَخْتَلَّ أَحْوَالُهُ فَلَا تَنْتَظِمَ أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ بَقِيَّةُ تَمْيِيزٍ وَفَهْمِ كَلَامٍ فَأَمَّا مَنْ حَصَلَ لَهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ نَشَاطٌ وَهِزَّةٌ لِدَبِيبِ الْخَمْرِ وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَيْهِ بَعْدُ وَلَمْ يختل شئ مِنْ عَقْلِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الصَّاحِي فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَجَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ بِلَا خلاف ولا ينتقض وضوؤه وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الوضوء وسنعيده ايضاحا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَحَيْثُ بَسَطَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجُنُونَ وَالْإِغْمَاءَ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِمَّا يُزِيلُ الْعَقْلَ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَلَا إعَادَةَ سَوَاءٌ كَثُرَ زَمَنُ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا أَمْ قَلَّ حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْظَةً أَسْقَطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ وَيُتَصَوَّرُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ بِجُنُونِ لَحْظَةٍ وَإِغْمَاءِ لَحْظَةٍ فِيمَا إذَا بَلَغَ مَجْنُونًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَحْظَةٌ ثُمَّ زَالَ الْجُنُونُ عَقِبَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ يَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ قَضَاءُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَ وَقَالَ أَحْمَدُ يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ وان كثر وروى هذا عن طاووس وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَرُوِيَ مِثْلُ مَذْهَبِنَا عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ شُرْبُ الدَّوَاءِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ لِلْحَاجَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ شُرْبِ دَوَاءٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَإِذَا زَالَ عَقْلُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ لِأَنَّهُ زَالَ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَلَوْ اُحْتِيجَ فِي قَطْعِ يَدِهِ الْمُتَآكِلَةِ إلَى تَعَاطِي مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا جَوَازُهُ وَسَنُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِفُرُوعِهَا فِي بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ أَمَّا إذَا أَرَادَ تَنَاوُلَ دَوَاءٍ فِيهِ سُمٌّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ جَازَ تَنَاوُلُهُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ أَنَّ فِي تَنَاوُلِهِ
إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ قَوْلَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ فَإِنْ حَرَّمْنَاهُ وَزَالَ عَقْلُهُ بِتَنَاوُلِهِ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَإِنْ لَمْ نُحَرِّمْهُ فَلَا قَضَاءَ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَ الشَّرَابِ مُسْكِرًا أَوْ كَوْنَ الدَّوَاءِ مُزِيلًا لِلْعَقْلِ لَمْ يَحْرُمْ تَنَاوُلُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَهُ مُسْكِرٌ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِتَقْصِيرِهِ وَتَعَاطِيهِ الْحَرَامَ وَأَمَّا مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْوِيَةِ كَالْبَنْجِ وَهَذِهِ الْحَشِيشَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ وَوُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَيَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ وثب من موضع فزال عقله ان فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ فَلَا قَضَاءَ وَإِنْ فَعَلَهُ عَبَثًا لَزِمَهُ الْقَضَاءُ هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ وَثَبَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ فَصَلَّى قَاعِدًا فَلَا قَضَاءَ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مَعَ نظائرها إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله
- (وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما فعل الصلاة لما ذكرنا في باب الحيض وان جن في حال الردة ففاته صلوات لزمه قضاؤها وان حاضت المرأة في حال الردة ففاتها صلوات لم يلزمها قضاؤها لان سقوط الصلاة عن المجنون للتخفيف والمرتد لا يستحق التخفيف وسقوط القضاء عن الحائض عزيمة وليس لاجل التخفيف والمرتد من أهل العزائم)
- (الشَّرْحُ)
- أَمَّا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِمَا وَلَا قَضَاءَ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ فِي حَالِ جُنُونِ الْمُرْتَدِّ يَجِبُ قَضَاؤُهَا إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ وَالْفَائِتَةُ فِي حَالِ رِدَّةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ
سقوط القضاء لِلتَّخْفِيفِ وَسُقُوطُهُ عَنْهَا عَزِيمَةٌ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ فِي دَرْسِهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَسِرٌ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ وُجُوبَ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَيْهَا قَالَ الشَّيْخُ وَنَحْنُ نُقَرِّرُ الْفَرْقَ فَنَقُولُ: الْعَزِيمَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ وَالرُّخْصَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خلاف الدليل ولمعارض رَاجِحٍ وَإِنَّمَا كَانَ سُقُوطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الْحَائِضِ عَزِيمَةً لِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فَإِذَا تَرَكَتْهَا فَقَدْ امْتَثَلَتْ مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ التَّرْكِ فَلَمْ تُكَلَّفْ مَعَ ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ وَلَا نَقُولُ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ كَثْرَتُهَا وَنَدُورُهُ فَيَكُونُ إسْقَاطُ قَضَائِهَا تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً بَلْ سَبَبُ إسْقَاطِ قَضَائِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا يَقْتَضِي إسْقَاطَ قَضَاءِ الصَّوْمِ أَيْضًا لَكِنْ لِلشَّرْعِ زِيَادَةُ اعْتِنَاءٍ بِصَوْمِ رَمَضَانَ فَأَوْجَبَ قَضَاءَهُ بِأَمْرٍ مَحْدُودٍ فِي وَقْتٍ ثَانٍ وَتَسْمِيَتُهُ قَضَاءً مَجَازٌ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فَرْضٌ مُبْتَدَأٌ فَمُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ إنْ حَصَلَتْ فهى في وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّوْمِ لَا فِي عَدَمِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ فَثَبَتَ أَنَّ عَدَمَ قَضَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَ رُخْصَةً وَأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ سَاوَتْ الْمُسْلِمَةَ فِي مُسْتَنَدِهِ فَتَسَاوَيَا فِي الْحُكْمِ فِيهِ وَأَمَّا كَوْنُ سُقُوطِ الْقَضَاءِ عَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةً فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِتَرْكِهَا فِي وَقْتِهَا يُؤْمَرُ بِقَضَائِهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ وَظِيفَتِهَا وَلِهَذَا وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى النَّائِمِ وَإِنَّمَا سَقَطَ ذَلِكَ عَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَجْلِ التَّخْفِيفِ فَهُوَ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَقِيلَ إنَّ صَوَابَهُ مِنْ أَجْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كتبنا على بنى اسرائيل) وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَكُتُبِ اللُّغَةِ وَفِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ
- (فَرْعٌ) لَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ وَجَبَ قَضَاءُ الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَ الْجُنُونِ وَفِي مُدَّةِ الْجُنُونِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ الْأَصَحُّ لَا يَجِبُ صَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ سَكْرَانَ فِي مُدَّةِ الْجُنُونِ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ فَإِنَّهَا إذَا تَعَقَّبَهَا الْجُنُونُ كَانَ مُرْتَدًّا فِي مُدَّةِ الْجُنُونِ قَالَ الْمُتَوَلِّي فَإِذَا لم
يُعْرَفْ وَقْتُ الْجُنُونِ وَجَبَ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يَمْتَدُّ إلَيْهَا السُّكْرُ غَالِبًا وَلَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لَمْ تَقْضِ أَيَّامَ الْحَيْضِ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ ثُمَّ حَاضَتْ وَلَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً لِلْحَيْضِ فَحَاضَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ وَكَذَا لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً لِتُلْقِيَ الْجَنِينَ فَأَلْقَتْهُ وَنَفِسَتْ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاءُ صَلَوَاتِ مُدَّةِ النِّفَاسِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ مِنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ كَمَا سَبَقَ وَفِي النِّفَاسِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا حَكَاهُ صَاحِبَا التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّرْكِ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ يُؤْمَرْ كَانَ تَخْفِيفًا وَمَنْ أُمِرَ بِالتَّرْكِ فامنثل الْأَمْرَ لَا يُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّهُمَا يُؤْمَرَانِ بِتَرْكِهِ وَبِقَضَائِهِ وَهُوَ خارج عن القياس للنص والله أعلم * قال المصنف رحمه الله *
- (ولا يؤمر أحد ممن لا يجب عليه فعل الصلاة بفعلها الا الصبى فانه يؤمر بفعلها لسبع سنين ويضرب على تركها لعشر لما روى سبرة الجهنى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " علموا الصبي الصلاة لسبع سنين واضربوه عليها ابن عشر ")
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ سَبْرَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد " مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا " وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ كَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَسَبْرَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ سَبْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وغيره ويقال سبرة بن عوسجة الجهنى أبوثربة بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَقِيلَ كُنْيَتُهُ أَبُو الرَّبِيعِ حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عَسَاكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " مروا أولادكم بالصلاة وهو أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ بِمَنْطُوقِهِ الصَّبِيَّ
وَالصَّبِيَّةَ فِي الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا وَفِيهِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّفْرِيقُ فِي الْمَضَاجِعِ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ " لَيْسَ أَمْرًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصَّبِيِّ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لِلْوَلِيِّ فَأَوْجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بالشئ ليس امرا بالشئ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (خذ من أموالهم صدقة) أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ لَا يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا لَا إيجَابًا وَلَا نَدْبًا الا الصبى والصبية فيؤمر ان بها ندبا إذا بلغا سَبْعَ سِنِينَ وَهُمَا مُمَيِّزَانِ وَيُضْرَبَانِ عَلَى تَرْكِهَا إذَا بَلَغَا عَشْرَ سِنِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مميزين لم يؤمرا لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَوْ قَالَ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ لَكَانَ أَوْلَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا الْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْعُدَّةِ وَآخَرُونَ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي آخِرِ باب موقف الامام والمأموم وهناك ذكره الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَدَلِيلُ هَذِهِ القاعدة قوله تعالي (وأمر أهلك بالصلاة) وقوله تعالى (قو أنفسكم وأهليكم نارا) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْك حَقًّا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كُلُّكُمْ راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته " رواه البخاري ومسلم قال الشافي في المختصر " وعلي الاباء والامهات أو يُؤَدِّبُوا أَوْلَادَهُمْ وَيُعَلِّمُوهُمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَيَضْرِبُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ إذَا عَقَلُوا " قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَأْمُرُهُ الْوَلِيُّ بِحُضُورِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ وَبِالسِّوَاكِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ وَيُعَرِّفُهُ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشَبَهِهَا قَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَئِمَّةُ يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْأُمِّ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أُجْرَةَ تَعْلِيمِ مَا سِوَى الْفَاتِحَةِ وَالْفَرَائِضِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ: فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجُوزُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ في بيان أقسام العلم والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (فان دخل في الصلاة ثم بلغ في أثنائها قال الشافعي رحمه الله " أحببت أن يتم ويعيد ولا يبين لي أن أن عليه الاعادة " قال أبو اسحق يلزمه الاتمام ويستحب له أن يعيد وقوله أحببت يرجع الي الجمع بين الاتمام والاعادة وهو الظاهر من المنصوص والدليل عليه أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلزمه الاتمام ولا يلزمه أن يعيد لانه صلي الواجب بشروطه فلا يلزمه الاعادة وعلى هذا لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره اجزأه ذلك عن الفرض لانه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا يلزمه الاعادة وحكي عن ابى العباس ابن سريج مثل قول أبي اسحق وحكى عنه أنه قال يستحب الاتمام وتجب الاعادة فعلي هذا لو صلي في أول الوقت وبلغ في آخره لزمه أن يعيد لان ما صلي قبل البلوغ نفل فاستحب اتمامه فيلزمه أن يعيد لانه أدرك وقت الفرض ولم يأت به فيلزمه أن يأتي به ومن أصحابنا من قال أن خرج منها ثم بلغ ولم يبق من وقتها ما يمكن قضاؤها فيه لم تلزمه الاعادة وان بقى من وقتها ما يمكنه القضاء فيه لزمه وهذا غير صحيح لانه لو وجبت الاعادة إذا بقى من الوقت قدر الصلاة لوجبت إذا أدرك مقدار ركعة)
- (الشَّرْحُ)
- حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بِالسِّنِّ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ أن يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ وَيُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا وَلَا يَجِبُ والثانى يستجب الْإِتْمَامُ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ وَالثَّالِثُ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ إنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا فَلَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) صَلَّى وَفَرَغَ مِنْهَا وَهُوَ صَبِيٌّ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ وَلَا تَجِبُ وَالثَّانِي تَجِبُ سَوَاءٌ قل الباقي من الوقت ام كثر الثالث قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ إنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَوْجِيهَ الْجَمِيعِ هذا كله في غير الجمعة أما إذ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ بَلَغَ وَأَمْكَنَهُ إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ فَإِنْ قُلْنَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَجَبَتْ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ يَجِبُ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالْجُمُعَةِ وَالصَّحِيحُ لَا تَجِبُ كَالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ إذَا صَلَّيَا الظُّهْرَ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُمَا وَأَمْكَنَهُمَا لَا يَلْزَمُهُمَا بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ وَقَدْ صَلَّى لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ دُونَ الطَّهَارَةِ وَقَالَ دَاوُد يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بان صلاته وقعت نقلا فَلَا تَنْقَلِبُ فَرْضًا وَقِيَاسًا عَلَى الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ يَوْمِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُمْ لَا تَنْقَلِبُ فَرْضًا نُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ فَنَقُولُ قَدْ صَلَّى
صَلَاةَ مِثْلِهِ وَوَقَعَتْ نَفْلًا وَامْتَنَعَ بِهِ وُجُوبُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ انْقَلَبَ فَرْضًا وَالْجَوَابُ عَنْ الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَلَا مَأْذُونٍ فِيهِ بخلاف مسألتنا * قال المصنف رحمه الله *
- (ومن وجبت عليه الصلاة وامتنع من فعلها فان كان جاحدا لوجوبها فهو كافر ويجب قتله بالردة لانه كذب الله تعالي في خبره وان تركها وهو معتقد لوجوبها وجب عليه القتل وقال المزني يضرب ولا يقتل والدليل علي أنه يقتل قوله صلى الله عليه وسلم " نهيت عن قتل المصلين " ولانه إحْدَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِنَفْسٍ ولا مال فقتل بتركها كالشهادتين ومتى فيقتل فيه وجهان قال أبو سعيد الاصطخرى يقتل بترك الصلاة الرابعة إذا ضاق وقتها فيقال له ان صليت والا قتلناك لانه يجوز أن يكون ما دون ذلك تركها لعذر.
قال أبو إسحق يقتل بترك الصلاة الثانية إذا ضاق وقتها ويقال له ان صليت والا قتلناك ويستتاب كما يستتاب المرتد لانه ليس باكثر من المرتد وفى استتابة المرتد قولان أحدهما ثلاثة أيام والثانى يستتاب في الحال فان تاب والا قتل وكيف يقتل المنصوص انه يقتل ضربا بالسيف وقال أبو العباس لا يقصد قتله لكن يضرب بالخشب وينخس بالسيف حتى يصلي أو يموت كما يفعل بمن قصد النفس أو المال ولا يكفر بترك الصلاة لان الكفر بالاعتقاد واعتقاده صحيح فلم يحكم بكفره ومن أصحابنا من قال يكفر بتركها لقوله صلي الله عليه وسلم " بين الكفر والعبد ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر " والمذهب الاول والخبر متاول) - (الشَّرْحُ)
- أَمَّا حَدِيثُ " نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ " فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي بَابِ حُكْمِ الْمُخَنَّثِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ هَذَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فنفى إلى القنيع فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَقْتُلهُ فَقَالَ انى نهيت عن قتل المسلمين " واسناده ضعيف فيه مجهول النقيع بالنون وهو الْحِمَى الْمَذْكُورُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَرَوَى هذا الحديث البيهقي من رواية عبيد الله بن عدى بن الخبار عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ مُرْسَلًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا حَدِيثُ " بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْعَبْدِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ بِمَعْنَاهُ كما سنذكره فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " لِأَنَّهُ إحْدَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِنَفْسٍ وَلَا مَالٍ فَيُقْتَلُ بِتَرْكِهَا كَالشَّهَادَتَيْنِ " فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى فَرْضِ الصَّلَاةِ المعلوم من سياق الكلام وان لم يذكره بلفظه
وَالدَّعَائِمُ الْقَوَاعِدُ وَاحِدَتُهَا دِعَامَةٌ بِكَسْرِ الدَّالِ وَقَوْلُهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِنَفْسٍ وَلَا مَالٍ احْتِرَازٌ مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بترك واحد منها ولا بتركها كلها: أما حُكْمُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا أَوْ جَحَدَ وُجُوبَهَا وَلَمْ يَتْرُكْ فِعْلَهَا فِي الصُّورَةِ فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ قَتْلُهُ بِالرِّدَّةِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْجَاحِدُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً هَذَا إذَا كَانَ قَدْ نَشَأَ بَيْنَ المسلين فَأَمَّا مَنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ وُجُوبُهَا فَلَا يُكَفَّرُ بِمُجَرَّدِ الْجَحْدِ بَلْ نُعَرِّفُهُ وُجُوبَهَا فَإِنْ جَحَدَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُرْتَدًّا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَيْدَ وَهُوَ كَوْنُهُ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّهُ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِأَنَّ الْجَاحِدَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا سَبَقَ اعْتِرَافُهُ به هكذا صرح به صاحب المحمل وَغَيْرُهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ
- (فَرْعٌ) من جحد وجوب صوم رمضان والزكاة أَوْ الْحَجِّ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ أَوْ جَحَدَ تَحْرِيمَ الزِّنَا أَوْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ مِمَّا اشتهر واشترك الخواص والعوام فِي مَعْرِفَتِهِ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا فَهُوَ مُرْتَدٌّ وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الخواص كاستحققاق بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ وَكَإِجْمَاعِ أَهْلِ عَصْرٍ عَلَى حُكْمِ حَادِثَةٍ لَمْ يُكَفَّرْ بِجَحْدِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بَلْ نُعَرِّفُهُ الصَّوَابَ لِيَعْتَقِدَهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا زِيَادَةٌ سَنُوَضِّحُهَا فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ غَيْرَ جَاحِدٍ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا تَرَكَهَا لعذر كنوم ونسيان وَنَحْوِهِمَا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَوَقْتُهُ مُوَسَّعٌ وَلَا اثم عليه الثاني تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ تَكَاسُلًا وَتَهَاوُنًا فَيَأْثَمُ بِلَا شَكٍّ وَيَجِبُ قَتْلُهُ إذَا أَصَرَّ وَهَلْ يُكَفَّرُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا يُكَفَّرُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَنْصُورٍ الْفَقِيهِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ فِي الْخِلَافِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي لَا يُكَفَّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا وَسَنُوَضِّحُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْمُزَنِيّ يُحْبَسُ وَيُؤَدَّبُ وَلَا يُقْتَلُ وَإِذَا قُلْنَا يُقْتَلُ فَمَتَى يُقْتَلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ إذا ضاق
وَقْتُهَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التنبيه ولم يذكره هنا والثاني يقتل إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ وَالرَّابِعُ إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ وَالْخَامِسُ إذَا تَرَكَ مِنْ الصَّلَوَاتِ قَدْرًا يَظْهَرُ لَنَا بِهِ اعْتِيَادُهُ التَّرْكَ وَتَهَاوُنُهُ بِالصَّلَاةِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَعَلَى هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا الِاعْتِبَارُ بِإِخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فَإِذَا تَرَكَ الظُّهْرَ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَإِذَا تَرَكَ الْمَغْرِبَ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَكَذَا حَكَاهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ وَهَلْ تَكْفِي الِاسْتِتَابَةُ فِي الْحَالِ أَمْ يَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيهِ قَوْلَانِ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ فِي الْحَالِ وَالْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابِ الِاسْتِتَابَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ فِي وُجُوبِهَا (الرَّابِعَةُ) الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ ضَرْبًا لِلرَّقَبَةِ كَمَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ أَوْ يُضْرَبُ بِخَشَبَةٍ وَيُقَالُ لَهُ صَلِّ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ وَلَا يَزَالُ يُكَرَّرُ عليه حتي يصلي أو يموت هذا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ
- (فَرْعٌ) إذَا قُتِلَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَيُرْفَعُ قَبْرُهُ كَغَيْرِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) إذَا أَرَادَ السُّلْطَانُ قَتْلَهُ فَقَالَ صَلَّيْتُ فِي بَيْتِي تَرَكَهُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى صَلَاتِهِ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ وَلَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ تَرَكْتُهَا نَاسِيًا أَوْ لِلْبَرْدِ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ عَلَيَّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ صَحِيحَةً كَانَتْ الْأَعْذَارُ أَمْ بَاطِلَةً قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ يُقَالُ لَهُ صَلِّ فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُقْتَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْقَتْلَ يُسْتَحَقُّ بِسَبَبِ تَعَمُّدِ تَأْخِيرِهَا عَنْ الْوَقْتِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِعِنَادِهِ وَلَوْ قَالَ تَعَمَّدْتُ تَرْكَهَا وَلَا أُرِيدُ فِعْلَهَا قُتِلَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَالَ تَعَمَّدْتُ تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ وَلَمْ يَقُلْ وَلَا أُصَلِّيهَا قُتِلَ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ لِتَحَقُّقِ جِنَايَتِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ
- (فَرْعٌ) لَوْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ الْوُضُوءِ قُتِلَ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ
- (فَرْعٌ) لَوْ امْتَنَعَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا بِلَا عُذْرٍ فَقَدْ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الصَّوْمِ فَالْجُمُعَةُ أَوْلَى لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا وَتَسْقُطُ بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ وَتَابَعَ الرَّافِعِيُّ
الْغَزَالِيَّ عَلَى هَذَا فَحَكَاهُ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَجَزَمَ الشَّاشِيُّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ يُصَلِّيهَا ظُهْرًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ قَضَاؤُهَا وَلَيْسَتْ الظُّهْرُ قَضَاءً عَنْهَا وَاخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ مَا قَالَهُ الشاسى وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي أَدِلَّتِهِ وَقَرَّرَهُ تَقْرِيرًا حَسَنًا فِي فَتَاوِيهِ
- (فَرْعٌ) لَوْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ لَمْ يُقْتَلْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ
- (فَرْعٌ) لَوْ قَتَلَ إنْسَانٌ تَارِكَ الصَّلَاةِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ يَأْثَمُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَكَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِي الْفَتَاوَى إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلْيَكُنْ هَذَا جَوَابًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ فِي الزَّانِي الْمُحْصَنِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِهِ قَالَ الْقَفَّالُ فَلَوْ جُنَّ قَبْلَ فِعْلِهَا لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ الجنون فلو قتله انسان لزمه القصاص قال وَكَذَا لَوْ سَكِرَ: وَلَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ أَوْ سَكِرَ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ فَلَا قِصَاصَ لِقِيَامِ الْكُفْرِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ تكا سلا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا: فَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يُكَفَّرُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُكَفَّرُ وَيُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ فِي كُلِّ شئ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْمُزَنِيُّ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهَكَذَا الرواية " الشرك والكفر بالواو " قالوا وَفِي غَيْرِ مُسْلِمٍ " الشِّرْكِ أَوْ الْكُفْرِ " وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَهِيَ قَوْلُهُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ فَلَيْسَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِ وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُقَيْلِيِّ التَّابِعِيِّ الْمُتَّفَقِ عَلَى جَلَالَتِهِ قَالَ " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الايمان باسناد صيحيح وَاحْتَجُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَكَذَا الرِّوَايَةُ " الزَّانِ " وَهِيَ لُغَةٌ وَاللُّغَةُ الْفَاشِيَةُ الزَّانِي بِالْيَاءِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى تَرْكِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى قَتْلِهِ بِقَوْلِ الله تعالي (اقتلوا المشركين) إلَى قَوْله تَعَالَى (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) وَعَنْ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِحَدِيثِ " نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ " وَبِالْقِيَاسِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ " حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْعَامَّةِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَشْبَاهُهُ كَثِيرَةٌ وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ يُوَرِّثُونَ تَارِكَ الصَّلَاةِ وَيُوَرَّثُونَ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ وَلَمْ يَرِثْ وَلَمْ يُورَثْ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ كَفَّرَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَبُرَيْدَةَ وَرِوَايَةِ شَقِيقٍ فَهُوَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ شَارَكَ الْكَافِرَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَتْلِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ فَمَتْرُوكٌ بِالنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقِيَاسُهُمْ لَا يُقْبَلُ مَعَ النُّصُوصِ فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
- (فَرْعٌ) فِي الْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ: فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ درنه شئ قالوا لا يبقى من درنه شئ قَالَ فَذَلِكَ مَثَلُ
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ يغش الْكَبَائِرُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: الْبَرْدَانِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ وَسَتَأْتِي جُمْلَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي نَحْوِ هَذَا فِي أَوَّلِ بَابِ صلاة الجماعة إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى *
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله
- ﴿باب مواقيت الصلاة﴾
- (أول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخره إذا صار ظل كل شئ مثله غير الظل الذى يكون للشخص عند الزوال والدليل عليه مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَمَّنِي جِبْرِيلُ عليه السلام عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر في المرة الاولى حين زالت الشمس والفئ مثل الشراك ثم صلى المرة الاخيرة حين كان ظل كل شئ مثليه ")
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَصْلٌ فِي الْمَوَاقِيتِ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُقَطَّعًا وَالْوَجْهُ أَنْ نَذْكُرَهُ هُنَا بِكَمَالِهِ وَنَضُمُّ إلَيْهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْمَوَاقِيتِ: عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى حين كان الفئ مِثْلَ الشِّرَاكِ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كل شئ مِثْلَ ظِلَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثانية الظهر حين كان ظل كل شئ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حين كان ظل كل شئ مِثْلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيَّ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا الْمَذْكُورُ
لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَلَفْظُ الْبَاقِينَ بِمَعْنَاهُ وَرَوَى حَدِيثَ إمَامَةِ جِبْرِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرُ ابن عباس وليس في هذا الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ قَوْلُهُ فِي الْمُهَذَّبِ " عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ " إنَّمَا فِيهَا عِنْدَ الْبَيْتِ ثُمَّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَمَّنِي جِبْرِيلُ قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَسَنٌ قَالَ وَقَالَ محمد يعنى البخاري اصح شئ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَعَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا ان كان اليوم الثاني أمره فابرد الظهر فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ فِي الْمَغْرِبِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ لِلْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ الشَّفَقُ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا قَالَ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ وَالنَّاسُ لَا يَكَادُونَ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثم أمره فاقام بالظهر حين زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنْ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ
سُقُوطِ الشَّفَقِ ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ " الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَّنِي جِبْرِيلُ " هُوَ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ رَسُولُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى رُسُلِهِ الْآدَمِيِّينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ تِسْعُ لُغَاتٍ حَكَاهَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَحَكَاهَا عَنْهُ أَيْضًا أبو منصور موهوب ابن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ الْجَوَالِيقِيُّ فِي كِتَابِ الْمُعَرَّبِ وَهِيَ جِبْرِيلُ وَجَبْرِيلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وفتحها وجبرئيل بِفَتْحِ الْجِيمِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وجبرائيل بهمزة ثم ياء مع الالف وجبراييل بياءين بعد الالف وجبرئيل بهمزة بعد الراء وياء وجبرئيل بكسر الهمزة تخفيف اللَّامِ وَجَبْرِينُ وَجَبْرِينُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا قَالَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَنَّ جَبْرَ وَمِيكَ اسْمَانِ أُضِيفَا إلَى إيَّلَ وَآلَ قَالُوا وَإِيَّلُ وَآلُ اسْمَانِ لِلَّهِ تَعَالَى قَالُوا وَمَعْنَى جَبْرَ وَمِيكَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ عَبْدٌ فَتَقْدِيرُهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ هَذَا خطأ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إيَّلَ وَآلَ لَا يُعْرَفَانِ في اسماء الله في اللغة والعربية: وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ آخِرُ الِاسْمِ فِي وُجُوهِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَكَانَ آخِرُهُ مَجْرُورًا أَبَدًا كَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ قَالَ وَقَدْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قُلْتُ الصَّوَابُ قَوْلُ أبي على فان ما ادعوه لا أصيل لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا لَفْظُ الظُّهْرِ فَمُشْتَقٌّ مِنْ الظُّهُورِ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي وَسَطِ النَّهَارِ: وقوله صلي الله عليه وسلم (والفئ مثل الشراك) هو بسكر الشِّينِ وَهُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا وَلَيْسَ الشِّرَاكُ هُنَا لِلتَّحْدِيدِ وَالِاشْتِرَاطِ بَلْ لِأَنَّ الزَّوَالَ لَا يَبِينُ بِأَقَلَّ مِنْهُ وأما الظل والفئ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فِي أَوَائِلِ أَدَبِ الْكَاتِبِ يَتَوَهَّمُ الناس ان الظل والفئ بِمَعْنًى وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الظِّلُّ يَكُونُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَمِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ وَمَعْنَى الظِّلِّ السَّتْرُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ " أَنَا فِي ظِلِّكَ " ومنه " ظل الجنة " وظل شجرها انما هو سِتْرُهَا وَنَوَاحِيهَا وَظِلُّ اللَّيْلِ سَوَادُهُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ كل شئ وَظِلُّ الشَّمْسِ مَا سَتَرَتْهُ الشُّخُوصُ مِنْ مَسْقَطِهَا قال وأما الفئ فَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَا يُقَالُ لما قبل الزوال فئ وانما سمي بعد الزوال فيأ لِأَنَّهُ ظِلٌّ فَاءَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ أي رجع والفيئ الرُّجُوعُ هَذَا كَلَامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَهُوَ كَلَامٌ
نَفِيسٌ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: أَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ زَوَالُ الشَّمْسِ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ خَلَائِقُ وَدَلِيلُهُ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ وَالْمُرَادُ بِالزَّوَالِ مَا يَظْهَرُ لَنَا لَا الزَّوَالُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَلَكِنْ لَا اعْتِبَارَ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ وَيَدْخُلُ الْوَقْتُ بِالزَّوَالِ الذى يظهر لنا فلو شرع في تكببرة الْإِحْرَامِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ ظُهُورِ الزَّوَالِ ثُمَّ ظَهَرَ عَقِبَهَا أَوْ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَصِحَّ الظُّهْرُ وَإِنْ كَانَتْ التَّكْبِيرَةُ حَاصِلَةً بَعْدَ الزَّوَالِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَنَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَالُوا وَأَمَّا قَبْلَ ظُهُورِ الظِّلِّ فَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ قَالَ وَكَذَا الصُّبْحُ وَلَوْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَطَلَعَ الْفَجْرُ بِحَيْثُ عَلِمَ وُقُوعَهَا بَعْدَ طُلُوعِهِ لَكِنْ فِي وَقْتٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَبِينَ الْفَجْرُ لِلنَّاظِرِ لَمْ تَصِحَّ الصُّبْحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا آخِرُ وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشئ مِثْلَهُ غَيْرَ الظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَإِذَا خَرَجَ هَذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ مُتَّصِلًا بِهِ وَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ إذَا صَارَ ظل الشئ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَمَا بَعْدَهُ وَقْتُ للظهر وَالْعَصْرِ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وقال اسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ إذَا صَارَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ فَقَدْرُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بعده وقت للظهر وَالْعَصْرِ ثُمَّ يَتَمَحَّضُ الْوَقْتُ لِلْعَصْرِ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا صَارَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالِاشْتِرَاكِ فَإِذَا زَادَ عَلَى الْمِثْلِ زِيَادَةً بَيِّنَةً خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ يَمْتَدُّ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَسِيرًا كَانَ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِرَاكِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ قَالُوا فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ فِي الْأَوَّلِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ " جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ فَدَلَّ عَلَى اشْتِرَاكِهِمَا قَالُوا وَلِأَنَّ الصَّلَوَاتِ زِيدَ فِيهَا عَلَى بَيَانِ جِبْرِيلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَلِلِاخْتِيَارِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
" إذَا صَلَّيْتُمْ الْفَجْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ يَطْلُعَ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ ثُمَّ إذَا صَلَّيْتُمْ الظُّهْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ تَحْضُرَ الْعَصْرُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ الي أن يسفط الشَّفَقُ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَفِي بَعْضِهَا " وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ " وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابى موسي السابق عن صحيح مسلم قال فيه في صلاة الطهر فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ " الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ " وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لَا يَمْتَدُّ وَرَاءَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَلَا إنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى من لم يصل الصلاة حتي يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا مَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَبِأَقْيِسَةٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى بِي الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ الشئ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حين صار ظل كل شئ مِثْلَهُ " فَمَعْنَاهُ بَدَأَ بِالْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حين صار ظل كل شئ مِثْلَهُ وَفَرَغَ مِنْ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ يَحْصُلُ بَيَانُ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَآخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الِاشْتِرَاكِ لَمْ يَحْصُلْ تَحْدِيدُ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَفَاتَ بَيَانُهُ وَقَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ " الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ " قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ حِينَ صَارَ ظِلُّ الشئ مثله فمعنا الْإِجْمَاعُ مِنْ إرَادَةِ ذَلِكَ فِي الْعَصْرِ فَتَأَوَّلْنَاهَا عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ حِينَئِذٍ وَبَقِيَتْ الظُّهْرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَنَظِيرُ مَا تَأَوَّلْنَا عَلَيْهِ لَفْظَ الْحَدِيثِ قول الله تعالى (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن) وقال تعالى (فإذا بلغن أجلهن فلا تعضلوهن) المراد بالبلوغ الاول مقارنته وبالثانى حقيقة القضاء الْأَجَلِ وَيُقَالُ بَلَغَ الْمُسَافِرُ الْبَلَدَ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ وَبَلَغَهُ إذَا دَخَلَهُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْجَمْعِ بِالْمَدِينَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَقَدَّمَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَصَارَ صُورَتُهُ صُورَةَ جَمْعٍ وَلَيْسَ بِجَمْعٍ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَمَلَهُ إمَامَانِ تَابِعِيَّانِ مِنْ رُوَاتِهِ وَهُمَا أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ رواية عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ والثانى أنه
جَمْعٌ بِعُذْرٍ إمَّا بِمَطَرٍ وَإِمَّا مَرَضٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا قَوْلُهُمْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى بَيَانِ جِبْرِيلَ فَتِلْكَ الزِّيَادَاتُ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ وَلَا نَصَّ هُنَا فِي الزِّيَادَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقُولُ إنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِنْ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى غروب الشمس أوبى أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فَعَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فعلمنا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ من شئ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ أَقْصَرُ مِنْ وَقْتِ الظهر ومن حين يصير ظل الشئ مِثْلَهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ هُوَ رُبْعُ النَّهَارِ وَلَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ بَلْ هُوَ مِثْلُهُ وَاحْتَجُّوا بِأَقْيِسَةٍ وَمُنَاسِبَاتٍ لَا أَصْلَ لَهَا وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأَوْقَاتِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي دَلَالَةِ بَعْضِهَا نَظَرٌ وَيُغْنِي عَنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَوْجَزَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ فَقَالَ عُمْدَتُنَا حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُخَالِفِ إلَّا حَدِيثٌ سَاقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَاقَ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَالْأَمْثَالُ مَظِنَّةُ التَّوَسُّعَاتِ وَالْمَجَازِ ثُمَّ التَّأْوِيلُ مُتَطَرِّقٌ إلَى حَدِيثِهِمْ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَى مَا اعْتَمَدْنَاهُ تَأْوِيلٌ وَلَا مَطْمَعٌ فِي الْقِيَاسِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةٍ (أَحَدُهَا) جَوَابُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْمَذْكُورُ (الثَّانِي) أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ أَكْثَرُ عَمَلًا أَنَّ مَجْمُوعَ عَمَلِ الْفَرِيقَيْنِ أَكْثَرُ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ مَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَعَ التَّأَهُّبِ لَهَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالطَّهَارَةِ وَصَلَاةِ السُّنَّةِ أَقَلُّ مِمَّا بَيْنَ الْعَصْرِ وَنِصْفِ النَّهَارِ الرَّابِعُ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ قَالَ كَثْرَةُ الْعَمَلِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا كَثْرَةُ الزَّمَانِ فَقَدْ يَعْمَلُ الْإِنْسَانُ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْمَلُ غَيْرُهُ فِي زَمَنٍ مِثْلِهِ أَوْ أطول منه
(فَرْعٌ) لِلظُّهْرِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اختيار ووقت عذر فوقت أَوَّلُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْخِلَافِ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ تَعَرَّضَ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ مَا بَعْدَ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَوَقْتُ الْعُذْرِ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي حَقِّ مَنْ يَجْمَعُ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ هَكَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ إنَّ أَوْقَاتَ الظُّهْرِ ثَلَاثَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ وَوَقْتُ عُذْرٍ فَوَقْتُ الْفَضِيلَةِ إذا صار ظل الشئ مِثْلَ رُبْعِهِ وَالِاخْتِيَارِ إذَا صَارَ مِثْلَ نِصْفِهِ وَالْجَوَازِ إذَا صَارَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَهُوَ آخِرُ الْوَقْتِ وَالْعُذْرِ وَقْتُ الْعَصْرِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ
- (فَرْعٌ) بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ كَمَا بَدَأَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ تَأَسِّيًا بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ بَدَأَ بِالظُّهْرِ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بَدَأَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ بِالظُّهْرِ وَفِي الْقَدِيمِ بِالصُّبْحِ قَالَ وَعَلَيْهِ كُلُّ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ بَدَأَ بِالظُّهْرِ وَالْإِسْرَاءُ كَانَ فِي اللَّيْلِ وَوَجَبَتْ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي اللَّيْلِ فَأَوَّلُ صَلَاةٍ تَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الصُّبْحُ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنْ الظُّهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ الظُّهْرُ وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا حِينَئِذٍ ولا ينتظر بها مصير الفئ مِثْلَ الشِّرَاكِ وَحَكَى السَّاجِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ وَلَيْسَ بشئ قَالَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ أن يصلي حتى يصير الفئ مِثْلَ الشِّرَاكِ لِحَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَخِلَافُ الْأَحَادِيثِ دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى السَّابِقُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّابِقُ قَرِيبًا " وَقْتُ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ " وَأَمَّا حَدِيثُ جِبْرِيلَ فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ حِينَ زالت الشمس كان الفيئ حِينَئِذٍ مِثْلَ الشِّرَاكِ مِنْ وَرَائِهِ لَا أَنَّهُ أَخَّرَ إلَى أَنْ صَارَ مِثْلَ الشِّرَاكِ
- (فَرْعٌ) فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ الزَّوَالُ هُوَ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ بَعْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ وَعَلَامَتُهُ زِيَادَةُ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ وَذَلِكَ أَنَّ ظِلَّ الشَّخْصِ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ طَوِيلًا مُمْتَدًّا فَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ نَقَصَ فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَقَفَ الظِّلُّ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ عَادَ الظِّلُّ إلَى الزِّيَادَةِ فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ هَلْ زَالَتْ فَانْصِبْ عَصًا أَوْ غَيْرَهَا فِي الشَّمْسِ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَعَلِّمْ عَلَى طَرْفِ ظِلِّهَا ثُمَّ رَاقِبْهُ فَإِنْ نَقَصَ الظِّلُّ عَلِمْتَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ وَلَا تَزَالُ تُرَاقِبُهُ حَتَّى يَزِيدَ فَمَتَى زَادَ عَلِمْتَ الزَّوَالَ حِينَئِذٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ مَا يَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ الظِّلِّ باختلاف
الْأَزْمَانِ وَالْبِلَادِ فَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ الظِّلُّ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي الصَّيْفِ عِنْدَ تَنَاهِي طُولِ النَّهَارِ وَأَطْوَلُ مَا يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ عِنْدَ تَنَاهِي قِصَرِ النَّهَارِ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّاسِبِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ إنَّ عِنْدَ انْتِهَاءِ طُولِ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ لا يكون بمكة ظل لشئ من الاشخاص عند الزوال لستة وَعِشْرِينَ يَوْمًا قِبَلَ انْتِهَاءِ الطُّولِ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا بَعْدَ انْتِهَائِهِ وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَتَى لَمْ يُرَ لِلشَّخْصِ ظِلٌّ فَإِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُلْ فَإِذَا رَأَى الظِّلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ وَبَاقِي أَيَّامِ السَّنَةِ مُعَرَّفَةُ الزَّوَالِ بِمَكَّةَ كَمَعْرِفَتِهَا بِغَيْرِهَا وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ أَنَّهُ إنَّمَا لَا يَكُونُ للانسان فيئ بِمَكَّةَ عِنْدَ الزَّوَالِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا قَامَةُ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٌ بِقَدَمِ نَفْسِهِ
- (فَرْعٌ) فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (أَقِمِ الصَّلاةَ لدلوك الشمس الي غسق الليل) أَمَّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلَامُهُ وَأَمَّا الدُّلُوكُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَأَصْحَابُنَا هُوَ زَوَالُ الشَّمْسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي بُرْدَةَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الْغُرُوبُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَهُمَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَجَزَمَ الزُّبَيْدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَابْنُ فَارِسٍ بِأَنَّهُ الزَّوَالُ وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْجَوْهَرِيُّ وَاخْتَارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْغُرُوبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ الظُّهْرَ هَلْ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ أم لا مذهبنا الْوُجُوبُ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِخِلَافِهِ وَسَيَأْتِي مَبْسُوطًا إنْ شاء الله * قال المصنف رحمه الله
- (وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثله وزاد أدنى زيادة وآخره إذا صار ظل كل شئ مثليه لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وصلي بى جبريل العصر حين صار ظل كل شئ مثل ظله ثم صلى المرة الاخيرة حين صار ظل كل شئ مثليه " ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز والاداء إلى غروب الشمس وقال أبو سعيد الاصطخرى إذا صار ظل كل شئ مثليه فاتت الصلاة ويكون ما بعده وقت القضاء والمذهب الاول لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " ليس التفريط في النوم انما التفريط في اليقظة ان تؤخر صلاة حتي يدخل وقت صلاة أخرى ")
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ قَالَ " لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى من لم يصل الصلاة حتى يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " وَالْيَقَظَةُ بِفَتْحِ الْيَاءِ