كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إليها (وَأَمَّا) مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَبَاطِلٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ (وَأَمَّا) حَدِيثُ الِاعْتِمَامِ فَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا لُبْسُ الْبُرْدِ فَرَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدٌ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَنَّ - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - أي تسوك ويقال انصت ونصت وتنصت ثلث لغات ذكرهن الازهرى وغيره افصحهن أَنْصَتَ وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَسَبَقَ فِي الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وسمرة بن جندب ضم الدَّالِ وَفَتْحِهَا (وَقَوْلُهُ) أَفْضَلُ الثِّيَابِ الْبَيَاضُ كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ الْبِيضُ وَيَصِحُّ الْبَيَاضُ عَلَى تَقْدِيرِ أَفْضَلُ أَلْوَانِ الثِّيَابِ الْبَيَاضُ وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْبَسُوا ثِيَابَ الْبِيضِ أَيْ ثِيَابَ الْأَلْوَانِ البيض والبسوا بفتح الباء
- اما أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ مَعَ الِاغْتِسَالِ لِلْجُمُعَةِ أَنْ يَتَنَظَّفَ بِإِزَالَةِ أَظْفَارٍ وَشَعْرٍ وَمَا يحتاج الي ازالتهما كَوَسَخٍ وَنَحْوِهِ وَأَنْ يَتَطَيَّبَ وَيَدَّهِنَ وَيَتَسَوَّكَ وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَأَفْضَلُهَا الْبِيضُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ مِنْ الزِّينَةِ وَغَيْرِهَا وَأَنْ يَتَعَمَّمَ وَيَرْتَدِيَ وَأَفْضَلُ ثِيَابِهِ الْبِيضُ كَغَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ كَرَاهَةَ لِبَاسِهِ السَّوَادَ وَقَالَهُ قَبْلَهُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَخَالَفَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ فِي الْحَاوِي يَجُوزُ لِلْإِمَامِ لُبْسُ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ يَلْبَسُونَ الْبَيَاضَ وَاعْتَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ قَالَ وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ السَّوَادَ بَنُو العباس في خلاقتهم شِعَارًا لَهُمْ وَلِأَنَّ الرَّايَةَ الَّتِي عُقِدَتْ لِلْعَبَّاسِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَتْ سَوْدَاءَ وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ صَفْرَاءَ قَالَ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَلْبَسَ السَّوَادَ إذَا كَانَ السُّلْطَانُ لَهُ مُؤْثِرًا لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يلبس السواد ويستدل بحديث عمرو ابن حُرَيْثٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ دُونَ السَّوَادِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَرَتُّبُ مَفْسَدَةٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَذْكُورَ مِنْ اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ وَالطِّيبِ وَالتَّنَظُّفِ بِإِزَالَةِ الشُّعُورِ الْمَذْكُورَةِ وَالظُّفْرِ وَالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَلُبْسِ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْجُمُعَةِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ حُضُورَ مَجْمَعٍ مِنْ مَجَامِعِ النَّاسِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَكُلِّ مَجْمَعٍ تَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ قَالَ وَأَنَا لِذَلِكَ فِي الْجُمَعِ وَنَحْوِهَا أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَتُسْتَحَبُّ هَذِهِ الْأُمُورُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا سَوَاءٌ الرِّجَالُ وَالصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ إلَّا النِّسَاءَ فَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَتْ مِنْهُنَّ الْحُضُورَ الطِّيبُ وَالزِّينَةُ وَفَاخِرُ الثِّيَابِ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا قَطْعُ الرائحة الكريهة وازالة الظفر والشعور المكروهة
- قال المصنف رحمه الله
- (ويستحب أن يبكر إلي الجمعة لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ومن راح الساعة في الثالثة فكانما قرب كبشا اقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر ")
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّ السَّاعَاتِ خَمْسٌ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ سِتُّ سَاعَاتٍ قَالَ فِي الْأُولَى بَدَنَةً وَفِي الثَّانِيَةِ بَقَرَةً وَالثَّالِثَةِ كَبْشًا وَالرَّابِعَةِ بَطَّةً وَالْخَامِسَةِ دَجَاجَةً وَالسَّادِسَةِ بَيْضَةً وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ أَيْضًا فِي الرَّابِعَةِ دَجَاجَةً وفى الخامسة عصفورا وفى السادسة بيضة واسنادا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَانِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ هُمَا شَاذَّانِ لِمُخَالِفَتِهِمَا سَائِرَ الرِّوَايَاتِ (وَقَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَعْنَاهُ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فِي صِفَاتِهِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ فِيهِ وَلَا يُكْمِلَ آدَابَهُ وَمَنْدُوبَاتِهِ لِكَوْنِهِ سُنَّةً لَيْسَ بِوَاجِبٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ غَيْرَهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ حَقِيقَةً قَالُوا وَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ أَوْ أَمَتَهُ لِتَسْكُنَ نَفْسُهُ فِي يَوْمِهِ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ هَذَا مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ عَلَى أَحَدِ الْمَذَاهِبِ فِي تَفْسِيرِهِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ " يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الرَّوَاحِ عَقِبَهُ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فِي تجويزه الاغتسال لها قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْسَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ الْمُطْلَقِ فِي غَيْرِهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَاحَ أَيْ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَأَمَّا حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ وَالْمُرَادُ بِهِ فَسَنَذْكُرُهُ عَقِبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَقَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّبَ بَدَنَةً إلَى آخِرِهِ مَعْنَى قَرَّبَ بَدَنَةً تَصَدَّقَ بِهَا وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ هُنَا الْوَاحِدُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَفِي حَقِيقَةِ الْبَدَنَةِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءِ قَالَ الْجُمْهُورُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِهَا وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ يقع عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سُمِّيَتْ بَقَرَةً لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ تَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ وَالْبَقْرُ الشَّقُّ
وَوَصَفَ الْكَبْشَ بِأَنَّهُ أَقْرَنُ لِأَنَّهُ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ فِي صُورَتِهِ وَالدَّجَاجَةُ - بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا - يَقَعُ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَيُقَالُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ وَغَيْرُهُمْ بِفَتْحِ الضَّادِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ وَجَمَاعَاتٌ كَسْرَهَا قَالُوا وَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ غَيْرُ الْحَفَظَةِ بَلْ طَائِفَةٌ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَحْضُرُونَ يَسْمَعُونَ الْخُطْبَةَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لَنَا وَلِلْجُمْهُورِ عَلَى مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ التَّضْحِيَةُ بِالْبَقَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْبَدَنَةِ وَفِي الْهَدْيِ فِي الْحَجِّ قَالَ الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ الْبَدَنَةُ أَفْضَلُ فِيهِمَا وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْقُرْبَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ الْبَدَنَةِ عَلَى الْبَقَرَةِ فِي الْقُرْبَانِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ وَأَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضِيلَةِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عند الله اتقاكم) وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (وتعتبر الساعات من حين طلوع الفجر لانه أول اليوم وبه يتعلق جواز الغسل ومن أصحابنا من قال يعتبر من طلوع الشمس وليس بشئ)
- (الشَّرْحُ) اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ وَفِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْهُ السَّاعَاتُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ (وَالثَّانِي) مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَيُنْكَرُ عَلَيْهِ الْجَزْمُ بِهِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ السَّاعَاتِ هُنَا لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ بَعْدَ الزَّوَالِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ
- وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الرَّوَاحَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ السَّاعَاتِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ الْمَالِكِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَدَلِيلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ مَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ كَمَا صَحَّ فِي رِوَايَتَيْ النَّسَائِيّ اللَّتَيْنِ قَدَّمْتُهُمَا فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَلَا يَكْتُبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحَدًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِالزَّوَالِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لا شئ مِنْ الْهَدْيِ وَالْفَضِيلَةِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ ولا يكتب له شئ أَصْلًا لِأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ طَيِّ الصُّحُفِ وَلِأَنَّ ذِكْرَ السَّاعَاتِ إنَّمَا كَانَ
لِلْحَثِّ عَلَى التَّبْكِيرِ إلَيْهَا وَالتَّرْغِيبِ فِي فَضِيلَةِ السَّبْقِ وَتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَانْتِظَارِهَا وَالِاشْتِغَالِ بِالتَّنَفُّلِ وَالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ بالذهاب بعد الزوال شئ منه ولا فضيلة للمجئ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ النِّدَاءَ يَكُونُ حِينَئِذٍ وَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يوم الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ (وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ) بِلَفْظِ الرَّوَاحِ (فَجَوَابُهُ) مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) لَا نسلم أنه مختص بما بَعْدَ الزَّوَالِ فَقَدْ أَنْكَرَ الْأَزْهَرِيُّ ذَلِكَ وَغَلَّطَ قَائِلَهُ فَقَالَ فِي شَرْحِ أَلْفَاظِ الْمُخْتَصَرِ مَعْنَى رَاحَ مَضَى إلَى الْمَسْجِدِ قَالَ وَيَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الرَّوَاحَ لَا يَكُونُ إلَّا في آخر النهار وليس ذلك بشئ لِأَنَّ الرَّوَاحَ وَالْغُدُوَّ عِنْدَ الْعَرَبِ مُسْتَعْمَلَانِ فِي السَّيْرِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يُقَالُ رَاحَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ وَتَرَوَّحَ وَغَدَا بِمَعْنَاهُ هَذَا لَفْظُ الْأَزْهَرِيِّ وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ (وَالْجَوَابُ الثَّانِي) أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ حَقِيقَةَ الرَّوَاحِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَجَبَ حَمْلُهُ هُنَا عَلَى مَا قَبْلَهُ مَجَازًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلَائِلِ الظَّاهِرَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَى رَاحَ قَصَدَ الْجُمُعَةَ وَتَوَجَّهَ إلَيْهَا مُبَكِّرًا قَبْلَ الزَّوَالِ قَالَ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ هَكَذَا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الزَّوَالِ خَمْسُ سَاعَاتٍ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ قَالَ وَهَذَا شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ تَقُولُ رَاحَ فُلَانٌ بِمَعْنَى قَصَدَ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) مَنْ جَاءَ فِي أول ساعة من هذه الساعة وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا مُشْتَرِكَانِ فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَلَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ مَنْ جَاءَ فِي آخِرِ السَّاعَةِ وَبَدَنَةُ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةٌ وَهَذَا كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعَلَى أُلُوفٍ فَمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ هُمْ عَشْرَةُ آلَافٍ لَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَمَنْ صَلَّى مَعَ اثْنَيْنِ لَهُ سبعة وعشرون درجة لكن دَرَجَاتِ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرَةٌ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ بِالسَّاعَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ
بَلْ تَرْتِيبُ الدَّرَجَاتِ وَفَضْلُ السَّابِقِ عَلَى الَّذِي يَلِيه لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِي الْفَضِيلَةِ رَجُلَانِ جَاءَا في طرفي ساعة *
- قال المصنف رحمه الله
- (ويستحب ان يمشى إليها وعليه السكينة لما روى أبو هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوهما وأنتم تسعون وأتوها وأنتم تمشون فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ")
- (الشرح) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم سبق شَرْحُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى الْجُمُعَةِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي مُطْلَقِ الصَّلَوَاتِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَسْرَعَ حِينَ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ واسحق
- دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ (وَأَمَّا) قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلي ذكر الله) (فمعناه) إذهبوا أو امضوا لِأَنَّ السَّعْيَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّهَابِ وَعَلَى الْعَدْوِ فبينت السنة المراد به
- قال المصنف رحمه الله
- (ويستحب أن لا يركب من غير عذر لما روى أوس بن اوس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الامام واستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة أجر عمل سنة صيامها وقيامها ")
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ
بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ورواية أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هُوَ أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَرُوِيَ غَسَلَ بِتَخْفِيفِ السِّينِ وَغَسَّلَ بِتَشْدِيدِهَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ بِالتَّخْفِيفِ فَعَلَى رِوَايَةِ التَّشْدِيدِ فِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) غَسَّلَ زَوْجَتَهُ بِأَنْ جَامَعَهَا فَأَلْجَأَهَا إلَى الْغُسْلِ وَاغْتَسَلَ هُوَ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْجِمَاعُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِيَأْمَنَ أَنْ يَرَى فِي طَرِيقِهِ مَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ (وَالثَّانِي) أَنَّ الْمُرَادَ غَسَّلَ أَعْضَاءَهُ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ (وَالثَّالِثُ) غَسَّلَ ثِيَابَهُ وَرَأْسَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَعَلَى رِوَايَةِ التَّخْفِيفِ فِي مَعْنَاهُ هَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ (أَحَدُهَا) الْجِمَاعُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ وَيُقَالُ غَسَلَ امْرَأَتَهُ إذَا جَامَعَهَا (وَالثَّانِي) غَسَلَ رَأْسَهُ وَثِيَابَهُ (وَالثَّالِثُ) تَوَضَّأَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَسَّلَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ أَيْ جَامَعَ شَبَّهَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ بِالْعَسَلِ وَهَذَا غَلَطٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيفٌ وَالْمُخْتَارُ مَا اخْتَارَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ غَسَلَ رَأْسَهُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةٌ لِأَبِي دَاوُد فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ مَكْحُولٍ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الرَّأْسَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ فِيهِ الدُّهْنَ وَالْخِطْمِيَّ وَنَحْوَهُمَا وَكَانُوا يَغْسِلُونَهُ أَوَّلًا ثُمَّ يَغْتَسِلُونَ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ (فَقَالَ) الْأَزْهَرِيُّ يَجُوزُ فِيهِ بَكَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فَمَنْ خَفَّفَ فَمَعْنَاهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بَاكِرًا وَمَنْ شَدَّدَ مَعْنَاهُ أَتَى الصَّلَاةَ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا وَبَادَرَ إليها وكل من أسرع إلى شئ فَقَدْ بَكَّرَ إلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَيْ صَلُّوهَا لِأَوَّلِ وَقْتِهَا وَيُقَالُ لِأَوَّلِ الثِّمَارِ بَاكُورَةٌ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ قال ومعنى ابْتَكَرَ أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ كَمَا يُقَالُ ابْتَكَرَ بِكْرًا إذَا نَكَحَهَا لِأَوَّلِ إدْرَاكِهَا هَذَا كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَالْمَشْهُورُ بَكَّرَ بِالتَّشْدِيدِ وَمَعْنَاهُ بَكَّرَ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ إلَى الْجَامِعِ وَابْتَكَرَ أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْأَثْرَمِ صَاحِبِ أَحْمَدَ قَالَ وَدَلِيلُهُ تَمَامُ الْحَدِيثِ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ومعناهما واحد قال الخطابي وقال بَعْضُهُمْ بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ أَيْ أَوَّلَهَا وَابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ وَقِيلَ بَكَّرَ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى وَابْتَكَرَ فَعَلَ فِعْلَ الْمُبْتَكِرِينَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الطَّاعَةِ وَقِيلَ مَعْنَى ابْتَكَرَ فَعَلَ فِعْلَ الْمُبْتَكِرِينَ وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ (فَقَدْ) قَدَّمْنَا عَنْ حِكَايَةِ
الْخَطَّابِيِّ عَنْ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ وَأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ شَيْئَيْنِ (أَحَدُهُمَا) نَفْيُ تَوَهُّمِ حَمْلِ الْمَشْيِ عَلَى الْمُضِيِّ وَالذَّهَابِ وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا (وَالثَّانِي) نَفْيُ الرُّكُوبِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَشَى لَاحْتَمَلَ أَنَّ الْمُرَادَ وجود شئ مِنْ الْمَشْيِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَنَفَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مَشَى جَمِيعَ الطريق ولم يركب في شئ مِنْهَا (وَأَمَّا) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَمَعَ (فَهُمَا) شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ وَقَدْ يَسْتَمِعُ وَلَا يدنوا من الخطبة وقد يدنوا وَلَا يَسْتَمِعُ فَنَدَبَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَلْغُ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ لِأَنَّ الْكَلَامَ حَالَ الْخُطْبَةِ لَغْوٌ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ مَعْنَاهُ اسْتَمَعَ الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهَا
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَاصِدِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَمْشِيَ وأن لا يركب في شئ مِنْ طَرِيقِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- (ولا يشبك بين أصابعه لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِنَّ أَحَدَكُمْ في صلاة ما كان يعمد الي الصلاة ")
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ بَعْضُ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ السَّابِقِ إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وأنتم تسعون قال الشَّافِعِيُّ مَعْنَاهُ يَذْهَبُ فِي آخِرِ تَعَمُّدِهِ إلَى الصَّلَاةِ وَقَالَ غَيْرُهُ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا دَامَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَلَهُ أَجْرٌ وَثَوَابٌ بِسَبَبِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْمُصَلِّينَ فَيَتْرُكَ العبث والكلام الردئ فِي طَرِيقِهِ وَالنَّظَرَ الْمَذْمُومَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتْرُكُهُ الْمُصَلِّي
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ وغيرهم علي كراهة تشبك الْأَصَابِعِ فِي طَرِيقِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَبَثِ مَا دَامَ قَاصِدًا الصَّلَاةَ أَوْ مُنْتَظِرَهَا وَاحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَهُ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ قال الخطابى في شرح هذا الحديث التشبك يفعله
بَعْضُ النَّاسِ عَبَثًا وَبَعْضُهُمْ لِتُفَرْقِعَ أَصَابِعُهُ وَرُبَّمَا قَعَدَ الْإِنْسَانُ فَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَرُبَّمَا جَلَبَ النَّوْمَ فَيَكُونُ سَبَبًا لِنَقْضِ الْوُضُوءِ فَنُهِيَ قَاصِدُ الصَّلَاةِ عَنْهُ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُصَلِّي وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَشَبَّكَ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّهْيَ وَالْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي وَقَاصِدِ الصَّلَاةِ وَتَشْبِيكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بَعْدَ سَلَامِهِ وَقِيَامِهِ إلَى نَاحِيَةٍ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (ويستحب أن يدنو من الامام لحديث أوس ولا يتخطى رقاب الناس لحديث أبى سعيد وأبى هريرة قال الشافعي إذا لم يكن للامام طريق لم يكره أن يتخطى رقاب الناس وإن دخل رجل وليس له موضع وبين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يتخطى رجلا أو رجلين لم يكره له لانه يسير فان كان بين يديه خلق كثير فان رجا إذا قاموا إلى الصلاة أن يتقدموا جلس حتى يقوموا وان لم يرج أن يتقدموا جاز أن يتخطي ليصل إلى الفرجة ولا يجوز أن يقيم رجلا من موضعه ويجلس لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول تفسحوا أو توسعوا " فان قام رجل وأجلسه مكانه باختياره جاز له أن يجلس وأما صاحب الموضع فانه ان كان الموضع الذى ينتقل إليه دون الموضع الذى كان فيه في القرب من الامام كره له ذلك لانه آثر غيره في القربة وان فرش لرجل ثوب فجاء آخر لم يجلس عليه فان أراد أن ينحيه ويجلس مكانه جاز وان قام رجل من موضعه لحاجة فجلس رجل مكانه ثم عاد فالمستحب أن يرد الموضع إليه لما روى أبو هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به " قال الشافعي وأحب إذا نعس ووجد مجلسا لا يتخطى فيه غيره تحول اله لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره ")
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي " إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ مُحَمَّدِ بن اسحق صَاحِبِ الْمَغَازِي عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَقَالَ الْحَاكِمُ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَأَنْكَرَ الْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ وَقَالَ رُوِيَ مَرْفُوعًا وموقوفا الموقوف أَصَحُّ هَكَذَا قَالَ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَرَوَاهُ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَثْبُتُ رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَاقْتَصَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى رِوَايَتِهِ مَوْقُوفًا بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَمَّا تَصْحِيحُ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ فَغَيْرُ مقبول لان مداره علي محمد بن اسحق وَهُمَا إنَّمَا رَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ عَنْ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ عَنْ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ والحكم مُتَسَاهِلٌ فِي التَّصْحِيحِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ وَالتِّرْمِذِيُّ ذَهَلَ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِتَصْحِيحِهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ صَحَّحَهُ وَلَكِنَّ تَصْحِيحَهُ مَوْجُودٌ فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَلَعَلَّ النُّسَخَ اخْتَلَفَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كما نختلف فِي غَيْرِهِ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ غَالِبًا (وَقَوْلُهُ) يَتَخَطَّى غَيْرُ مَهْمُوزٍ وَالْفُرْجَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا وَيُقَالُ أَيْضًا فَرْجٌ ومنه قوله تعالي (ومالها مِنْ فُرُوجٍ) جَمْعُ فَرْجٍ وَهُوَ الْخُلُوُّ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَقَوْلُهُ نَعَسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ - يَنْعَسُ - بِضَمِّهَا
- أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا يُسْتَحَبُّ) الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ بِالْإِجْمَاعِ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّقَدُّمِ فِي الصُّفُوفِ وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ مُحَقِّقًا: الثَّانِيَةُ يُنْهَى الدَّاخِلُ إلَى الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ عَنْ تَخَطِّي رِقَابَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا حَرَامٌ فَإِنْ كَانَ إمَامًا وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلَى الْمِنْبَرِ وَالْمِحْرَابِ إلَّا بِالتَّخَطِّي لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ وَرَأَى فُرْجَةً قُدَّامَهُمْ لَا يَصِلُهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي قَالَ الْأَصْحَابُ لَمْ يُكْرَهْ التَّخَطِّي لان الجالسين وراءها مفرطين بِتَرْكِهَا وَسَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهَا أَمْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَرِيبَةً أَمْ بَعِيدَةً لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُهَا أَنْ لَا يَتَخَطَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعٌ وَكَانَتْ قَرِيبَةً بِحَيْثُ لَا يَتَخَطَّى أَكْثَرَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا دَخَلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَرَجَا أَنَّهُمْ يَتَقَدَّمُونَ إلَيْهَا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْعُدَ مَوْضِعَهُ وَلَا يَتَخَطَّى وَإِلَّا فَلْيَتَخَطَّ
- (فَرْعٌ) فِي
مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي التَّخَطِّي
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهُمْ فُرْجَةٌ لَا يَصِلُهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي فَلَا يُكْرَهُ حِينَئِذٍ وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ كَرَاهَتَهُ مُطْلَقًا عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتَهُ
إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَا بَأْسَ بِهِ قَبْلَهُ وَقَالَ قَتَادَةُ يَتَخَطَّاهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ بِإِذْنِهِمْ قَالَ ابن المنذر لا يجوز شئ مِنْ ذَلِكَ عِنْدِي لِأَنَّ الْأَذَى يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَهَذَا أَذًى كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ يَرَاهُ يَتَخَطَّى اجْلِسْ " فَقَدْ آذَيْتَ " (الثَّالِثَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الدَّاخِلُ رَجُلًا مِنْ مَوْضِعِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَسْجِدُ وَسَائِرُ الْمَوَاضِعِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا السَّابِقُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَيَجُوزُ إقَامَتُهُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ وَهِيَ أَنْ يَقْعُدَ فِي مَوْضِعِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقِ النَّاسِ وَيَمْنَعَهُمْ الِاجْتِيَازَ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ الصَّفِّ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قَالَ فِي الشَّامِلِ بِشَرْطِ أَنْ يَضِيقَ الْمَوْضِعُ عَلَى النَّاسِ فَإِنْ اتَّسَعَ تَنَحَّوْا عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يُنَحُّوهُ أَمَّا إذَا قَامَ الْجَالِسُ بِاخْتِيَارِهِ وَأَجْلَسَ غَيْرَهُ فَلَا كرهة فِي جُلُوسِ الدَّاخِلِ وَأَمَّا الْجَالِسُ فَإِنْ انْتَقَلَ الي أقرب شئ إلَى الْإِمَامِ أَوْ مِثْلِهِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ كُرِهَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ وَدَلِيلُ كَرَاهَتِهِ أَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْإِيثَارَ بالقرب مَكْرُوهٌ (وَأَمَّا) قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُؤْثِرُونَ علي انفسهم (فَالْمُرَادُ) بِهِ فِي حُظُوظِ النُّفُوسِ وَالْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النفوس مستحب بلا شك وبينته تَمَامُ الْآيَةِ (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وَقَدْ يُحْتَجُّ لِكَرَاهَتِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ الرَّجُلُ مَنْ يَأْخُذُ لَهُ مَوْضِعًا يَجْلِسُ فِيهِ فَإِذَا جَاءَ الْبَاعِثُ تَنَحَّى الْمَبْعُوثُ وَيَجُوزُ أَنْ يَفْرِشَ لَهُ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ ثم يجئ وَيُصَلِّي مَوْضِعَهُ فَإِذَا فَرَشَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أن يصلي عليه لكن لَهُ أَنْ يُنَحِّيَهُ وَيَجْلِسَ مَكَانَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ ينحيه بحيث لا يرفعه بِيَدِهِ فَإِنْ دَفَعَهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ (الْخَامِسَةُ) إذَا جَلَسَ فِي مَكَان مِنْ الْمَسْجِدِ فَقَامَ لِحَاجَةٍ كَوُضُوءٍ وَغَيْرِهِ ثم عاد إليه فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَفِي هَذَا الْحَقِّ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) يُسْتَحَبُّ (الثَّانِي) أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ وَلَا يَلْزَمَهُ وَبِهَذَا جَزَمَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (وَأَصَحُّهُمَا) يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْأَوَّلُ فِي مَوْضِعِهِ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ أَمْ لَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ وَسَوَاءٌ قَامَ لِحَاجَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهُ أَمَّا إذَا فَارَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَيَبْطُلُ حَقُّهُ بِلَا خِلَافٍ وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (السَّادِسَةُ) إذَا نَعَسَ فِي مَكَانِهِ وَوَجَدَ مَوْضِعًا لَا يَتَخَطَّى فِيهِ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لزوال النعاس
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَإِذَا ثَبَتَ فِي مَوْضِعِهِ وَتَحَفَّظَ مِنْ النُّعَاسِ بِوَجْهٍ يَرَاهُ نَافِيًا للنعاس لم اكرهء بقاه وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا حَضَرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا جَازَ وَلَوْ اتَّكَأَ أَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ أَوْ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ ذَلِكَ كُرِهَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ قَالَ الشافعي والاصحاب فان كان به علية اُسْتُحِبَّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى مَوْضِعٍ لَا يُزَاحِمُ فِيهِ حَتَّى لَا يُؤْذِي وَلَا يَتَأَذَّى * قَالَ المصنف رحمه الله
- (وَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْكَهْفِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ " وَيُكْثِرُ مِنْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا لِمَا رَوَى أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ " وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ لِأَنَّ فِيهِ سَاعَةً يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ فَلَعَلَّهُ يُصَادِفُ ذَلِكَ)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ رَوَيْنَا عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا أَحَادِيثَ وَأَصَحُّهَا حَدِيثُ أَوْسٍ هَذَا وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْكَهْفِ فَغَرِيبٌ وَرُوِيَ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ " قَالَ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاضِرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ الِاشْتِغَالُ بِذَكَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا وَدَلِيلُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَقَدْ سبق في حَدِيثُ سَلْمَانَ فِي هَذَا الْبَابِ النَّدْبُ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا وَيُسْتَحَبُّ إكْثَارُ الدُّعَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَقَطَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " قَائِمٌ يُصَلِّي "
وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ هَذِهِ السَّاعَةِ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا أَحَدُهَا أَنَّهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ (الثَّانِي) عِنْدَ الزَّوَالِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (الثَّالِثُ) مِنْ الزَّوَالِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ لَكِنْ قَالَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ (الرَّابِعُ) مِنْ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ نَحْوَ ذِرَاعٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ (الْخَامِسُ) مِنْ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى فَرَاغِ صَلَاتِهِ حَكَاهُ عِيَاضٌ (السَّادِسُ) مَا بَيْنَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَصَلَاتِهِ حَكَاهُ أَبُو الطَّيِّبِ (السَّابِعُ) مِنْ حِينِ تُقَامُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَفْرُغَ حَكَاهُ عِيَاضٌ (وَالثَّامِنُ) وَهُوَ الصَّوَابُ مَا بَيْنَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَكَاهُ عِيَاضٌ وَآخَرُونَ (التَّاسِعُ) مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ حَكَاهُ عِيَاضٌ وَآخَرُونَ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَبِهِ يَقُولُ احمد واسحق قَالَ قَالَ أَحْمَدُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا بَعْدُ الْعَصْرِ وَتُرْجَى بَعْدَ الزَّوَالِ (الْعَاشِرُ) آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَعِيَاضٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَخَلَائِقُ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ (الْحَادِيَ عَشَرَ) أَنَّهَا مَخْفِيَّةٌ فِي كُلِّ الْيَوْمِ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ حَكَاهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَاعْتَرَضُوا عَلَى مَنْ قَالَ بَعْدَ الْعَصْرِ بِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَ صَلَاةٍ وَفِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي وَأَجَابُوا بِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي صَلَاةٍ ذَاتِ سَبَبٍ وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الثَّامِنُ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يقضى الصلاة فهذا صحيح صريخ لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ باسناده عن مسلم ابن الْحَجَّاجِ قَالَ هَذَا الْحَدِيثُ أَجْوَدُ حَدِيثٍ وَأَصَحُّهُ فِي بَيَانِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَيْسَ مَعْنَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ وَقْتٌ لِهَذِهِ السَّاعَةِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يقللها وهذا الذى قاله القاضى صحيح وأما الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ " فَضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الترمذي وغيره ورواية محمد بن أبي حميد منكر الحديث سئ الْحِفْظِ وَأَمَّا حَدِيثُ
كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مِنْ حِينِ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى الِانْصِرَافِ مِنْهَا فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ مداره علي كثير ابن عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ كَذَّابٌ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْكَذِبِ وَقَالَ احمد بن حنبل منكر الحديث ليس بشئ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يوم الجمعة ثنتا عشر ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله شيئا إلَّا أَعْطَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ " فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ باسناد صحيح ويحتمل أن هذه منتقلة تَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي وَقْتٍ وَفِي بَعْضِهَا فِي وَقْتٍ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي ليلة القدر والله أعلم *
- قال المصنف رحمه الله
- (وإذا جلس الامام انقطع التنفل لما روى عن ثعلبة بن أبى مالك قال قعود الامام يقطع السبحة وكلامه يقطع الكلام وانهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس علي المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتي يقضى الخطبتين فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا ولان التنفل في هذا الحال يمنع الاستماع إلى ابتداء الخطبة فكره فان دخل والامام على المنبر صلي تحية المسجد لما روى جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " إذا جاء احدكم والامام يخطب فليصل ركعتين " فان دخل والامام في آخر الخطبة لم يصل لانه تفوته أول الصلاة مع الامام وهو فرض فلا يجوز أن يشتغل عنه بالنفل)
(الشَّرْحُ) حَدِيث جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِمَعْنَاهُ وَثَعْلَبَةُ هَذَا صَحَابِيٌّ رَأَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ فَقَدْ أَخْبَرَ ثَعْلَبَةُ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَكَلَّمُونَ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَوْلُهُ يَقْطَعُ السُّبْحَةَ - هُوَ بِضَمِّ السِّينِ - وَهِيَ النَّافِلَةُ وَفِي هَذَا الْأَثَرِ فَوَائِدُ (مِنْهَا) جَوَازُ الصَّلَاةِ حَالَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْكَلَامِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالتَّنَفُّلِ مَا لَمْ يَقْعُدْ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَانْقِطَاعِ النَّافِلَةِ بِجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ شروعه في الاذان وجوز الْكَلَامِ حَالَ الْأَذَانِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ مَعْنَاهُ يُكْرَهُ الِاشْتِغَالُ عنه بالتنفل
وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَهُ
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ امْتَنَعَ ابْتِدَاءُ النافلة ونقلو الْإِجْمَاعَ فِيهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَرُمَ عَلَى مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ جَلَسَ وَهَذَا إجْمَاعٌ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ إذَا ابْتَدَأَ الْخُطْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةً سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى السُّنَّةَ أَمْ لَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ انْقَطَعَ التَّنَفُّلُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهَا فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ خَفَّفَهَا وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إذَا قُلْنَا الْإِنْصَاتُ سُنَّةٌ جَازَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْقِرَاءَةِ وَصَلَاةِ النَّفْلِ وَإِنْ قُلْنَا الْإِنْصَاتُ وَاجِبٌ حَرُمَ ذَلِكَ هَذَا كَلَامُهُ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الْإِنْصَاتَ أَمْ لَا فَإِنْ خَرَجَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُخَفِّفَهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَا تَبْطُلُ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ ابْتِدَاءً يَدْخُلُ فِيهِ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيَبْقَى حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُزَنِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَدْ انْقَطَعَ الرُّكُوعُ يَعْنِي التَّنَفُّلَ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ الْمُزَنِيِّ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ يَمْتَنِعُ بِمُجَرَّدِ جُلُوسِ الْإِمَامِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَذَانِ قَالُوا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ انْقَطَعَ التَّنَفُّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَأَمَّا إذَا دَخَلَ دَاخِلٌ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ وَيُخَفِّفَهُمَا وَيُكْرَهُ تَرْكُهُمَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يصلي رَكْعَتَيْنِ " وَإِنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ صَلَّى التَّحِيَّةَ فَاتَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ يُصَلِّ التَّحِيَّةَ بَلْ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَقْعُدُ لِئَلَّا يَكُونَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ صَلَّى التَّحِيَّةَ هَكَذَا فَصَّلَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَةٌ كَمَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَإِطْلَاقُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْخُطْبَةِ قَدْرًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَصِّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْأُمِّ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا وَأَرَى الْإِمَامَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَلَاتِهِمَا وَيَزِيدَ فِي كَلَامِهِ مَا يُمْكِنُهُ إكْمَالُهُمَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يفعل كرهت ذلك له ولا شئ عَلَيْهِ هَذَا نَصُّهُ وَأَطْبَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَيُخَفِّفَهُمَا وَيُكْرَهُ لَهُ تَرْكُهُمَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالْمَقْبُرِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ والحميدي واحمد وإسحق وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَآخَرُونَ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَشُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يُصَلِّي شَيْئًا وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ إنْ شَاءَ صَلَّى وَإِلَّا فَلَا
- وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " إذَا خَطَبَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ غَرِيبٌ (وَالثَّانِي) لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى مَا زَادَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الاحاديث
- قال المصنف رحمه الله
- (ويجوز الكلام قبل أن يبتدئ بالخطبة لما رويناه من حديث ثعلبة بن أبي مالك ويجوز إذا جلس الامام بين الخطبتين وإذا نزل من المنبر قبل أن يدخل في الصلاة لما روى أَنَسٍ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " ينزل يوم الجمعة من المنبر فيقوم معه الرجل في الحاجة ثم ينتهى الي مصلاه فيصلى " ولانه ليس بحال صلاة ولا حال استماع فلم يمنع من الكلام وإذا بدأ بالخطبة انتصت لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوضوء ثم انصت للامام يوم الجمعة حتى يفرغ من صلاته غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وزيادة ثلاثة أيام " وهل يجب الانصات فيه قولان (أحدهما) يجب لما روى جابر قال " دخل ابن مسعود والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبي فسأله عن شئ فلم يرد عليه فسكت حتى صلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ما منعك أن ترد علي فقال انك لم تشهد معنا الجمعة قال ولم قال تكلمت والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب فقام ابن مسعود ودخل علي النبي صلي الله عليه وسلم فذكر له فقال صدق أبي " (والثاني) يستحب وهو الاصح لما روى أَنَسٍ قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائم على المنبر يوم الجمعة فقال متي الساعة فاشار الناس إليه أي اُسْكُتْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عند الثالثة ما اعددت لها قال حب الله ورسوله قال انك مع من احببت " فان رأى رجلا يقع في بئر ورأى عقربا تدب إليه لم يحرم عليه كلامه قولا واحدا لان الانذار يجب لحق الآدمى والانصات لحق الله تعالى
ومبناه على المسامحة وان سلم عليه رجل أو عطس فان قلنا يستحب الانصات رد السلام وشمت العاطس وان قلنا يجب الانصات لم يرد السلام ولم يشمت العاطس لان المسلم سلم في غير موضعه فلم يرد عليه وتشميت العاطس سنة فلا يترك له الانصات الواجب ومن أصحابنا من قال لا يرد السلام لان المسلم مفرط ويشمت العاطس لان العاطس غير مفرط في العطاس وليس بشئ (الشَّرْحُ) حَدِيثُ ثَعْلَبَةَ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَحَدِيثُ أَنَسٍ ضَعِيفٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفُوهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يُكَلَّمُ فِي الْحَاجَةِ إذَا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ ايام ومن مس الحصا فَقَدْ لَغَا " وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ " دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَلَسْت قَرِيبًا مِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ بَرَاءَةٍ فَقُلْتُ لِأُبَيٍّ مَتَى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ أَوْ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُهَذَّبِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ أُبَيٌّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأُبَيٍّ وَجُعِلَتْ الْقِصَّةُ بَيْنَهُمَا وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ مَعْنَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ قَالَ وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَعَلَ مَعْنَى الْقِصَّةِ بَيْنَ رَجُلٍ غَيْرِ مسمى وبين ابن مسعود وجعل المصيب بن مَسْعُودٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ فَقَالَ وَرَوَيْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأُبَيٍّ (وَأَمَّا) حَدِيثُ أَنَسٍ الْأَخِيرُ (فَرَوَاهُ) الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِهِ بِإِسْنَادٍ صحيح ورواه غيره بمعناه
- واما أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَيُقَالُ أَنْصَتَ وَنَصَتَ وَانْتَصَتَ ثَلَاثُ لُغَاتٍ سَبَقَ بَيَانُهُنَّ أَفْصَحَهُنَّ أَنْصَتَ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَيُقَالُ أَنْصَتَهُ وَأَنْصَتَ لَهُ وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا (وَقَوْلُهُ) لَمْ تَشْهَدْ مَعَنَا الْجُمُعَةَ أَيْ جُمُعَةً كَامِلَةً أَوْ شُهُودًا كَامِلًا (قَوْلُهُ) عَقْرَبًا تَدِبُّ - هُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا
وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَالَ مَعْنَاهُ مَا بَيْنَ السَّاعَةِ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا الْجُمُعَةَ وَمِثْلِهَا مِنْ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ عَشَرَةً وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَهُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمُعْجَمَةُ أَفْصَحُ وَقَالَ ثَعْلَبٌ وَالْأَزْهَرِيُّ الْمُهْمَلَةُ أَفْصَحُ وَسَمَّتَهُ وَشَمَّتَهُ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ السَّمْتِ وَهُوَ الْقَصْدُ وَالِاسْتِقَامَةُ
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْكَلَامِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وقبلها وبعدها وما يتعلق بها مِنْ الْفُرُوعِ مَبْسُوطًا وَاضِحًا فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِحَدِيثِ ثَعْلَبَةَ الْمَذْكُورِ هُنَا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ الْكَلَامُ مِنْ حين يخرج الامام * قال المصنف رحمه الله
(ومن دخل والامام في الصلاة أحرم بها فان أدرك معه الركوع من الثانية فقد أدرك الجمعة فإذا سلم الامام أضاف إليه أخرى وان لم يدرك الركوع فقد فاتت الجمعة فإذا سلم الامام أتم الظهر لما روى أبو هُرَيْرَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى ")
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ وَقَالَ أَسَانِيدُهَا
صَحِيحَةٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِهَذَا الْحَدِيثِ احْتَجَّ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مَعْنَاهُ لَمْ تَفُتْهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَمَنْ لَمْ تَفُتْهُ الْجُمُعَةُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ (وَقَوْلُهُ) فِي حَدِيثِ الْكِتَابِ فَلْيُصَلِّ إلَيْهَا أُخْرَى وَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ
- أَمَّا الاحكام فقال الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ رُكُوعَ الْإِمَامِ فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ اطْمَأَنَّ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ كَانَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَى بِثَانِيَةٍ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رُكُوعِهَا لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا فَيَقُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ إلَى أَرْبَعٍ لِلظُّهْرِ وَفِي كَيْفِيَّةِ نِيَّةِ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ (أَحَدُهُمَا) يَنْوِي الظُّهْرُ لِأَنَّهَا الَّتِي تَحْصُلُ لَهُ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَآخَرُونَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْجُمْهُورِ يَنْوِي الْجُمُعَةَ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَلَوْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ سَجْدَةً أَمْ سَجْدَتَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرُهُمْ إنْ كَانَ شَكَّ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَجَدَ أُخْرَى وَأَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ سَجَدَ أُخْرَى وَأَتَمَّ الظُّهْرَ وَلَا تَحْصُلُ الْجُمُعَةُ قَطْعًا وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ فِيمَا إذَا سَجَدَهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ وَسَلَّمَ الْإِمَامُ وَأَتَى بِرَكْعَتِهِ الْأُخْرَى فَلَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ شَكَّ هَلْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ سَجْدَةً أَمْ سَجْدَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا للجمعة
بِلَا خِلَافٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مِنْ الْأُولَى وَتَحْصُلُ لَهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ هَذَا كُلُّهُ إذَا أَدْرَكَ رُكُوعًا مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوبًا لَهُ بِأَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ فَبَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا فَيَبْنِي عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامُ الْجُمُعَةِ مُحْدِثًا وَتَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ هَلْ تَصِحُّ وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فَإِنْ قُلْنَا لَا تَصِحُّ فَهُنَا أُولَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَصِحُّ (وَالثَّانِي) تَصِحُّ وَسَبَقَ هُنَاكَ دَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ وَلَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا وَشَكَّ هَلْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ الْمُجْزِئَ فَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ فَتَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ وَيُصَلِّيهَا ظُهْرًا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ هُنَاكَ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا نَاسِيًا فَأَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِي الثَّالِثَةِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ قَطْعًا لِأَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ غَيْرُ مَحْسُوبَةٍ لِلْإِمَامِ فَلَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً سَاهِيًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى انْجَبَرَتْ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ وَصَارَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً وَحُسِبَتْ لِلْمَسْبُوقِ وَأَدْرَكَ بِهَا الْجُمُعَةَ فَيَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى وَيُسَلِّمُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ هِيَ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ وَلَا يَكُونُ الْمَسْبُوقُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَهَا مِنْ الثَّانِيَةِ فَتَكُونُ الثَّالِثَةُ لِلْإِمَامِ لَغْوًا إلَّا سَجْدَةً يُتَمِّمُ بِهَا الثَّانِيَةَ
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُدْرِكُ بِهِ الْمَسْبُوقُ الْجُمُعَةَ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَدْرَكَهَا وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ ومالك والاوزاعي والثوري وأبي يوسف وأحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ
- وَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَمَكْحُولٌ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ صَلَّى أَرْبَعًا وَحَكَى أَصْحَابُنَا مِثْلَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
- وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ مَعَ الْإِمَامِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ كَانَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَأَدْرَكَهُ مَأْمُومٌ فِيهِ أَدْرَكَهَا وَحَكَى أَصْحَابُنَا مِثْلَ مَذْهَبِنَا أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ وَزُفَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ
- دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الذى ذكرته عن رواية الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ * قال المصنف رحمه الله
- (وَإِنْ زحم المأموم عن السجود في الجمعة نظرت فان قدر أن يسجد علي ظهر انسان لزمه أن يسجد لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم علي ظهر أخيه " وقال بعض
أصحابنا فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ بالخيار ان شاء سجد علي ظهر انسان وان شاء ترك حتي يزول الزحام لانه إذا سجد حصلت له فضيلة المتابعة وإذا انتظر زوال الزحمة حصلت له فضيلة السجود علي الارض فخير بين الفضيلتين والاول أصح لان ذلك يبطل بالمريض إذا عجز عن السجود على الارض فانه يسجد علي حسب حاله ولا يؤخر وان كان في التأخير فضيلة السجود على الارض وان لم يقدر علي السجود بحال انتظر حتى يزول الزحام فان زال الزحام لم يخل اما أن يدرك الامام قائما أو راكعا أو رافعا من الركوع أو ساجدا فان أدركه قائما سجد ثم تبعه لان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ذلك بعسفان للعذر والعذر ههنا موجود فوجب أن يجوز فان فرغ من السجود فأدرك الامام راكعا في الثانية ففيه وجهان (أحدهما) يتبعه في الركوع ولا يقرأ كمن حضر والامام راكع (والثانى) انه يشتغل بما عليه من القراءة لانه ادرك مع الامام محل القراءة بخلاف من حضر والامام راكع * (فصل) فان زال الزحام فأدرك الامام رافعا من الركوع أو ساجدا سجد معه لان هذا موضع سجوده وحصلت له ركعة ملفقة وهل يدرك بها الجمعة فيه وجهان قال أبو إسحق يدرك لقوله صلي الله عليه وسلم من " ادرك من الجمعة ركعة فليضف إليها اخرى " وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يدرك لان الجمعة صلاة كاملة فلا تدرك الا بركعة كاملة وهذه ركعة ملفقة * (فصل) وان زال الزحام وادرك الامام راكعا ففيه قولان (احدهما) يشتغل بقضاء ما فاته ثم
يركع لانه شارك الامام في جزء من الركوع فوجب ان يسجد كما لو زالت الزحمة فأدركته قائما (والثانى) يتبع الامام في الركوع لانه ادرك الامام راكعا فلزمه متابعته كمن دخل في صلاة والامام فيها راكع فان قلنا انه يركع معه نظرت فان فعل ما قلناه وركع حصل له ركوعان وبأيهما يحتسب فيه قولان (احدهما) يحتسب بالثاني كالمسبوق إذا أدرك الامام راكعا فركع معه (والثاني) يحتسب بالاول لانه قد صح الاول فلم يبطل بترك ما بعده كما لو ركع ونسى السجود فقام وقرأ وركع ثم سجد فان قلنا انه يحتسب بالثاني حصل له مع الامام ركعة فإذا سلم أضاف إليه أخرى وسلم وإذا قلنا يحتسب بالاول حصل له ركعة ملفقة لان القيام والقراءة والركوع حصل له من الركعة الاولي وحصل له السجود من الثانية وهل يصير مدركا للجمعة فيه وجهان قال أبو إسحق يكون مدركا وقال ابن أبي هريرة لا يكون مدركا فإذا قلنا بقول أبي اسحق أضاف إليها أخرى وسلم وإذا قلنا بقول ابن أبي هريرة قام وصلي ثلاث ركعات وجعلها ظهرا ومن أصحابنا من قال يجب أن يكون فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ صَلَّى الظهر قبل ان يصلي الامام الجمعة وهذا قد صلي ركعة من الظهر قبل فراغ الامام من الجمعة فلزمه ان يستأنف الظهر بعد فراغه وقال شيخنا القاضى أبو الطيب الطبري الصحيح هو الاول والبناء علي القولين لا يصح لان القولين فيمن صلي الظهر قبل فراغ الامام من الجمعة من غير عذر
والمزحوم معذور فلم تجب عليه إعادة الركعة التى صلاها قبل فراغ الامام ولان القولين فيمن ترك الجمعة وصلي الظهر منفردا وهذا قد دخل مع الامام في الجمعة فلم تجب عليه إعادة ما فعل كما لو أدرك الامام ساجدا في الركعة الاخيرة فانه يتابعه ثم يبنى الظهر على ذلك الاحرام ولا يلزمه الاستئناف وان خالف ما قلناه واشتغل بقضاء ما فاته فان اعتقد أن السجود فرضه لم يعد سجوده لانه سجد في موضع الركوع ولا تبطل صلاته لانه زاد فيها زيادة من جنسها جاهلا فهو كمن زاد في صلاته من جنسها ساهيا وإن اعتقد ان فرضه المتابعة فان لم ينو مفارقته بطلت صلاته لانه سجد في موضع الركوع عامدا وإن نوى مفارقة الامام ففيه قولان (أحدهما) تبطل صلاته (والثاني) لا تبطل ويكون فرضه الظهر وهل يبنى أو يستأنف الاحرام بعد فراغ الامام على القولين في غير المعذور إذا صلى الظهر قبل صلاة الامام وأما إذا قلنا ان فرضه الاشتغال بما فاته نظرت فان فعل ما قلناه وأدرك الامام راكعا تبعه فيه ويكون مدركا للركعتين وان ادركه ساجدا فهل يشتغل بقضاء ما فاته أو يتبعه في السجود فيه وجهان (أحدهما) يشتغل بقضاء ما فاته لان علي هذا القول الاشتغال بالقضاء أولي من المتابعة ومنهم من قال يتبعه في السجود وهو الاصح لان هذه الركعة لم يدرك منها شيئا يحتسب له به فهو كالمسبوق إذا أدرك الامام ساجدا بخلاف الركعة الاولى فان هناك ادرك الركوع وما قبله فلزمه ان يفعل ما بعده من السجود فإذا قلنا يسجد كان مدركا للركعة الاولى الا ان بعضها أدركه فعلا وبعضها أدركه حكما لانه تابعه الي السجود ثم انفرد بفعل السجدتين وهل يدرك بهذه الركعة الجمعة على وجهين لانه
ادراك ناقص فهو كالتلفيق في الركعة وان سلم الامام قبل أن يسجد المأموم السجدتين لم يكن مدركا للجمعة قولا واحدا وهل يستأنف الاحرام أو يبنى علي ما ذكرناه من الطريقين فان خالف ما قلناه وتبعه في الركوع فان كان معتقدا ان فرضه الاشتغال بالسجود بطلت صلاته لانه ركع في موضع السجود عامدا وان اعتقد ان فرضه المتابعة لم تبطل صلاته لانه زاد في الصلاة من جنسها جاهلا ويحتسب بهذا السجود ويحصل له ركعة ملفقة وهل يصير مدركا للجمعة علي الوجهين وان زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ وَزَالَتْ الزَّحْمَةُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ في الثانية وقضي ما عليه وأدركه قائما أو راكعا فتابعه فلما سجد في الثانية زحم عن السجود فزال الزحام وسجد ورفع رأسه وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ بعضهما فعلا وبعضهما حكما وهل يكون مدركا للجمعة علي الوجهين وان ركع مع الامام الركعة الاولي ثم سها حتى صلى الامام هذه الركعة وحصل في الركوع في الثانية قال القاضي أبو حامد يجب ان يكون علي قولين كالزحام ومن اصحابنا من قال يتبعه قولا واحدا لانه مفرط في السهو فلم يعذر في الانفراد عن الامام وفى الزحام غير مفرط فعذر في الانفرد عن الامام) *
(الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَوْصُوفَةٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ بِالْإِعْضَالِ لِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا وَتَشْعِيبِهَا وَاسْتِمْدَادِهَا مِنْ أُصُولٍ فَاخْتِصَارُ الْأَحْكَامِ مُلَخَّصَةً فِيهَا مَعَ الْإِشَارَةِ إلَى أَطْرَافِ خَفِيِّ الْأَدِلَّةِ أَقْرَبُ إلَى ضَبْطِهَا وَالِاحْتِوَاءِ عَلَيْهَا فَلِهَذَا أَسْلُكُ هَذَا الطَّرِيقَ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا مَنَعَتْهُ الزَّحْمَةُ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْضَائِهِ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُ أَوْ ظَهْرِ بَهِيمَةٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ سَجَدَ عَلَى الظَّهْرِ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ لِيَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَهَذَا الطَّرِيقُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ وُجُوبُ السُّجُودِ عَلَى الظَّهْرِ وَنَحْوِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ
فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " وَلِأَثَرِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ إنَّمَا يَسْجُدُ عَلَى الظَّهْرِ وَنَحْوِهِ إذَا أَمْكَنَهُ رِعَايَةُ هَيْئَةِ السُّجُودِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَأْتِيُّ بِهِ لَيْسَ بِسُجُودٍ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ هُنَا ارْتِفَاعُ رَأْسِهِ وَخُرُوجُهُ عَنْ هَيْئَةِ السَّاجِدِ لِلْعُذْرِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ فَإِذَا أَمْكَنَهُ السُّجُودُ عَلَى ظَهْرٍ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَسْجُدْ فَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِلَا عُذْرٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا عَلَى ظَهْرٍ وَلَا غَيْرِهِ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ لِهَذَا الْعُذْرِ وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا فَفِي صِحَّتِهَا الْقَوْلَانِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيَظْهَرُ مَنْعُهُ مِنْ الِانْفِرَادِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ فَالْخُرُوجُ مِنْهَا مَعَ تَوَقُّعِ إدْرَاكِهَا لَا وَجْهَ لَهُ أَمَّا إذَا عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ وَالظَّهْرِ وَدَامَ عَلَى الْمُتَابَعَةِ فَمَاذَا يَصْنَعُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يَنْتَظِرُ التَّمَكُّنَ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ قال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يطول القراءة ليلحقه منتظر السجود (والثاني) يومى بِالسُّجُودِ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُهُ كَالْمَرِيضِ (وَالثَّالِثُ) يَتَخَيَّرُ بينهما فإذا قلنا بالصحيح فله حالان (احدهما) أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدُ عِنْدَ تَمَكُّنِهِ فَإِذَا فَرَغَ من
سُجُودِهِ فَلِلْإِمَامِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ بَعُدَ فِي الْقِيَامِ فَيَفْتَتِحُ الْمَزْحُومُ الْقِرَاءَةَ فَإِنْ أَتَمَّهَا قَبْل رُكُوعِ الْإِمَامِ رَكَعَ مَعَهُ وَجَرَى عَلَى مُتَابَعَتِهِ وَحَصَلَتْ لَهُ الْجُمُعَةُ فَيُسَلِّمُ مَعَهُ وَلَا يَضُرُّهُ هَذَا التَّخَلُّفُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِهَا فَهَلْ لَهُ حُكْمُ الْمَسْبُوقِ فِيهِ وَجْهَانِ وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْمَسْبُوقِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَهُ حُكْمُهُ فَيَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ فَأَشْبَهَ الْمَسْبُوقَ وَمِمَّنْ صحح هذا الشيخ أبو حامد والماورى وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ أَنْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَإِذَا قُلْنَا يَقْرَأُ لَمْ يَقْطَعْ الْقُدْوَةَ بَلْ يَقْرَأُ وَيَتْبَعُ الْإِمَامَ جَهْدَهُ فَيَرْكَعُ وَيَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ قَاصِدًا لُحُوقَ الْإِمَامِ وَيَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَتَيْنِ عَلَى حُكْمِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَضُرُّهُ التَّخَلُّفُ بِأَرْكَانٍ وَيَكُونُ حُكْمُ الْقُدْوَةِ جَارِيًا عَلَيْهِ فَيَلْحَقُهُ سَهْوُ الْإِمَامِ وَيَحْمِلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ إذَا قُلْنَا يَقْرَأُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْرَأَ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الرُّكُوعِ فَإِنْ خَافَ فَوْتَهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ ضَعِيفٌ وَخِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ (الْحَالُ الثَّانِي) لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ رَاكِعًا فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَيَرْكَعَ مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ فَسَقَطَتْ عَنْهُ كَالْمَسْبُوقِ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَيَسْعَى وَرَاءَ الْإِمَامِ وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ (الحال الثالث) أن يكون فارغا مِنْ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ بَعْدُ فَإِنْ قُلْنَا فِي الْحَالِ الثَّانِي هُوَ كَالْمَسْبُوقِ تَابَعَ الْإِمَامَ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَلَا يُحْسَبُ لَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ كَالْمَسْبُوقِ اشْتَغَلَ بِتَرْتِيبِ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ وَجْهًا وَاحِدًا لِكَثْرَةِ مَا فَاتَهُ (الْحَالُ الرَّابِعُ) لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُتَحَلِّلًا مِنْ صَلَاتِهِ فَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ تَتِمَّ لَهُ رَكْعَةٌ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ عَقِبَهُ كَانَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ أُخْرَى قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ التَّخَلُّفَ وَأَمَرْنَاهُ بِالْجَرَيَانِ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ فَالْوَجْهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرَائِضِ فَعَسَاهُ يُدْرِكُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ فِعْلُ السُّنَنِ مُقْتَصِرًا علي الوسط منها (الحال الثاني) للمأموم ان لا يَتَمَكَّنَ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى يَرْكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَأَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فَيَرْكَعُ مَعَهُ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ اخْتِيَارُ
الْقَفَّالِ قَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ وَدَلِيلُهُ أَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ آكَدُّ وَلِهَذَا يُتَابِعُهُ الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا وَيَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ وَالْقِيَامَ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فِي الرُّكُوعِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَ وَيَجْرِيَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ وَصَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ فَإِنْ قلنا يتابعه فقد يتمثل ذَلِكَ وَقَدْ يُخَالِفُهُ فَإِنْ امْتَثَلَ وَرَكَعَ مَعَهُ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ أَمْ الثَّانِي فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ قَوْلَيْنِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ وَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْأَصْحَابِ بِالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْحِيحَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ رُكُوعٌ صَحَّ فَلَا يَبْطُلُ بِرُكُوعٍ آخَرَ كَمَا لَوْ رَكَعَ وَنَسِيَ السُّجُودَ وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَرَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَإِنَّ الْمَحْسُوبَ لَهُ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالثَّانِي) يُحْسَبُ لَهُ الرُّكُوعُ الثَّانِي لِأَنَّهُ الْمَحْسُوبُ لِلْإِمَامِ فَإِنْ قُلْنَا الْمَحْسُوبُ الثَّانِي حَصَلَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ بِكَمَالِهَا وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا الْمَحْسُوبُ الْأَوَّلُ حَصَلَتْ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِالْمُلَفَّقَةِ وَجْهَانِ مشهوران (اصحهما) عند الاحصاب يدرك بها وهو قول ابى اسحق الْمَرْوَزِيِّ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ لِأَنَّهَا ركعة صحيحة (والثانى) لا تدرك بها لانها صلاة يشترط فِيهَا كَمَالُ الْمُصَلِّينَ وَلَا تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ فِيهَا نَقْصٌ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنْ قُلْنَا يُدْرِكُ بِهَا ضَمَّ إلَيْهَا أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَإِنْ قلنا
لَا يُدْرِكُ بِهَا فَقَدْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَهَلْ تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ مِنْ الظُّهْرِ وَيَبْنِي عَلَيْهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ (أَصَحُّهُمَا) تُحْسَبُ قَوْلًا وَاحِدًا فَيَبْنِي عَلَى الظُّهْرِ (وَالثَّانِي) فِيهِ الْقَوْلَانِ فيمن احرم بالظهر قبل فوات الجمعة فان الْمُصَنِّفُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا الطَّرِيقُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْل الْجُمُعَةِ بِلَا عُذْرٍ وَهَذَا مَعْذُورٌ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ فَجَازَ لَهُ الْبِنَاءُ ظُهْرًا بِلَا خِلَافٍ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا فِي الْأَخِيرَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ فَأَحْرَمَ مَعَهُ فَإِنَّهُ ينبي عَلَى الظُّهْرِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي الطَّرِيقَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الزِّحَامَ عُذْرٌ أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُذْرٌ أَمَّا إذَا خَالَفَ وَاجِبَهُ فَاشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ وَتَرْتِيبِ نَفْسِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ وَلَمْ يَنْوِ مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَسْجُدُ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ عَمْدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ وَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدُ فِي الرُّكُوعِ وَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِيُتِمَّ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ قُلْنَا يَبْطُلُ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ إنْ أَدْرَكَهَا وَإِلَّا كَانَ فَرْضُهُ الظُّهْرَ وَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهَا وَإِنْ قُلْنَا لَا تَبْطُلُ لَمْ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ وَهَلْ تَصِحُّ ظُهْرًا فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ صلاها قبل فراغ الجمعة ولنا قول حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا فَاتَتْ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا بَلْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ هَذَا كُلُّهُ إذَا خَالَفَ عَالِمًا بِأَنَّ فَرْضَهُ الْمُتَابَعَةُ فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا يَعْتَقِدُ فَرْضَهُ السُّجُودَ وَتَرْتِيبَ نَفْسِهِ أَوْ نَاسِيًا فِيمَا أَتَى بِهِ مِنْ السُّجُودِ وَغَيْرِهِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَلَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ ثم ان فرع وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي الرُّكُوعِ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ
فَإِنْ تَابَعَهُ فَرَكَعَ مَعَهُ فَالتَّفْرِيعُ كَمَا سَبَقَ فِيمَا إذَا لَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ قَدْ فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ نَظَرَ إنْ رَاعَى تَرْتِيبَ نَفْسِهِ بِأَنْ قَامَ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ فَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ له بشئ مِمَّا أَتَى بِهِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِتَمَامِ الرَّكْعَةِ وَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ لِأَنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى قَوْلِ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ بِكُلِّ حال فكما لا يحسب لَهُ السُّجُودُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ لِكَوْنِ فَرْضِهِ الْمُتَابَعَةَ لَا يُحْسَبُ وَالْإِمَامُ فِي رُكْنٍ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ إذَا فَعَلَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَمَّتْ لَهُ مِنْهُمَا رَكْعَةٌ لَكِنَّهَا نَاقِصَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) التَّلْفِيقُ فَإِنَّ رُكُوعَهَا مِنْ الْأُولَى وَسُجُودَهَا مِنْ الثَّانِيَةِ وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِالْمُلَفَّقَةِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْإِدْرَاكُ وَالنَّقْصُ الثَّانِي كَوْنُهَا رَكْعَةً حُكْمِيَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْ الْإِمَامَ فِي مُعْظَمِهَا مُتَابَعَةً حِسِّيَّةً بَلْ حُكْمِيَّةً وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِالرَّكْعَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَجْهَانِ كَالْمُلَفَّقَةِ أَصَحُّهُمَا الْإِدْرَاكُ وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ الْقُدْوَةِ الْحُكْمِيَّةِ فَإِنَّ السُّجُودَ فِي حَالِ قِيَامِ الْإِمَامِ فِي قُدْوَةٍ حُكْمِيَّةٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْجُمُعَةَ تُدْرَكُ بِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ فِي قُدْوَةٍ حُكْمِيَّةٍ هَذَا كُلُّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِمَا وَجَرَى عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ فَأَمَّا إذَا فَرَغَ مِنْهُمَا وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ يُتَابِعُهُ فِي سجدتيه هذا وَظِيفَتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَيُحْسَبَانِ لَهُ وَيَكُونُ الْحَاصِلُ رَكْعَةً مُلَفَّقَةً بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ وَافَقَهُ فَإِذَا سَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَتَمَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ ولا جمعة له لانه لم يتم له ركعة فِي حَالِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَصَارَ فَرْضُهُ الظُّهْرَ وهل
يَسْتَأْنِفُهَا أَمْ يَبْنِي عَلَى هَذِهِ الرَّكْعَةِ فِيهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَبْنِي (وَالثَّانِي) عَلَى قَوْلَيْنِ وَهَكَذَا يَفْعَلُ لَوْ وَجَدَهُ قَدْ سَلَّمَ هَذَا كله إذا قلنا متابع الْإِمَامَ أَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يُتَابِعُهُ بَلْ يَسْجُدُ وَيُرَاعِي تَرْتِيبَ نَفْسِهِ فَلَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أن يُخَالِفُ مَا أَمَرْنَاهُ فَيَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ تَعَمَّدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ إنْ أمكنه ادارك الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا يَعْتَقِدُ أَنَّ وَاجِبَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَيَكُونُ رُكُوعُهُ هَذَا لَغْوًا فَإِذَا سَجَدَ مَعَهُ بَعْدَ هَذَا الرُّكُوعِ فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُحْسَبُ هَذَا السُّجُودُ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ يُحْسَبُ لِأَنَّهُ سُجُودٌ فِي مَوْضِعِهِ وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِجِهَةِ وُجُوبِهِ كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ فَإِنَّهَا تُحْسَبُ لَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ فِعْلَهَا لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَى هَذَا يَحْصُلُ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِهَا الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ أَصَحُّهُمَا الْإِدْرَاكُ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَمْتَثِلَ مَا أَمَرْنَاهُ فَيَسْجُدَ وَيَحْصُلَ لَهُ رَكْعَةٌ فِي قُدْوَةٍ حُكْمِيَّةٍ وَفِي الْإِدْرَاكِ بِهَا الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْإِدْرَاكُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ فَلِلْإِمَامِ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ فَارِغًا مِنْ الرُّكُوعِ بِأَنْ يَكُونَ في السجود
أَوْ التَّشَهُّدِ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ (أَحَدُهُمَا) وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ يَشْتَغِلُ بِمَا فَاتَهُ وَيُجْرَى عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ فَيَقُومُ وَيَقْرَأُ وَيَرْكَعُ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْفَائِتِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْلَى مِنْ الْمُتَابَعَةِ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا هُوَ فِيهِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ اشْتَغَلَ بِتَدَارُكِ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ الرَّكْعَةَ لَمْ يُدْرِكْ مِنْهَا قَدْرًا يُحْسَبُ لَهُ فَلَزِمَهُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ كَمَسْبُوقٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ عِنْدَ فَرَاغِ الْمَزْحُومِ مِنْ السُّجُودِ قَدْ هَوَى لِلسُّجُودِ فَتَابَعَهُ فَقَدْ وَالَى بَيْنَ أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَهَلْ يُحْسَبُ لِإِتْمَامِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى السَّجْدَتَانِ الاوليان أم الْأُخْرَيَانِ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقِينَ هَلْ الْمَحْسُوبُ الرُّكُوعُ الْأَوَّلُ أَمْ الثَّانِي (أَصَحُّهُمَا) الْأُولَيَانِ فَإِنْ قُلْنَا الْأُولَيَانِ فَهِيَ رَكْعَةٌ فِي قُدْوَةٍ حُكْمِيَّةٍ وَإِنْ قُلْنَا الْأُخْرَيَانِ فَهِيَ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِالْحُكْمِيَّةِ وَالْمُلَفَّقَةِ الْوَجْهَانِ السابقان (أصحهما) الادراك (الحال الثاني) لِلْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ رَاكِعًا بَعْدُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ كَالْمَسْبُوقِ أَمْ يَشْتَغِلُ بِتَرْتِيبِ نَفْسِهِ فَيَقْرَأُ وَيَأْتِي بِالْبَاقِي فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ تَفْرِيعًا عَلَى القول
الْأَوَّلِ وَهُمَا هُنَا مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) يَلْزَمُهُ الرُّكُوعُ مَعَهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْأَصَحِّ وَقَدْ ذَكَرَ هُوَ الْوَجْهَيْنِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَجَزَمَ هُنَا بِأَصَحِّهِمَا وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ مَنْ لَا أُنْسَ لَهُ أَنَّ الصُّورَةَ غَيْرُ الصُّورَةِ وَطَلَبَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الصُّورَةُ هِيَ الْأُولَى بِحَالِهَا وَلَا فَرْقَ فَإِنْ قُلْنَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ وَتَسْقُطُ الْقِرَاءَةُ تابعه ويكون مدركا للركعتين فيسلم مَعَ الْإِمَامِ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَإِنْ قُلْنَا يَشْتَغِلُ بِتَرْتِيبِ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ بِهِ وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ
- (فَرْعٌ) لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمَزْحُومُ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فَالْحَاصِلُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِهَا الْوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) الْإِدْرَاكُ وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ تَرْتِيبُ نَفْسِهِ فَرَكْعَةٌ غَيْرُ مُلَفَّقَةٍ فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ قَطْعًا أَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ حَتَّى تَشَهَّدَ الْإِمَامُ فَيَسْجُدُ ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ وَهَلْ يَبْنِي عَلَى الرَّكْعَةِ لِإِتْمَامِ الظُّهْرِ أَمْ يَسْتَأْنِفُهَا فِيهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَلَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فَسَلَّمَ
الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ الْمَزْحُومُ قَاعِدًا فَفِيهِ احْتِمَالٌ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُدْرِكُ لِلْجُمُعَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الزِّحَامُ فِي سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَدْ صَلَّى الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ فَيَسْجُدُ مَتَى تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ وَجُمُعَتُهُ صَحِيحَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ كَانَ مَسْبُوقًا أَدْرَكَهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَجَدَ وَأَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَيَضُمَّ إلَيْهَا أُخْرَى وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ حَتَّى سَلَّمَ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ فَيَسْجُدُ وَيَحْصُلُ لَهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَمَّا إذَا زُحِمَ عَنْ رُكُوعِ الْأُولَى حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَيَرْكَعُ وَيُتَابِعُهُ بِلَا خِلَافٍ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَفِي الْحَاصِلِ لَهُ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ تُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ وَتَسْقُطُ الْأُولَى وَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ قَوْلًا وَاحِدًا (وَالثَّانِي) تُحْسَبُ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ وَفِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِهَا الْوَجْهَانِ وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ
- (فَرْعٌ) لَوْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ وَزَالَتْ الزَّحْمَةُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فِي الثَّانِيَةِ فَسَجَدَ وَقَامَ وَأَدْرَكَهُ قَائِمًا وَقَرَأَ أَوْ رَاكِعًا فَقَرَأَ وَلَحِقَهُ أَوْ قُلْنَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ فَرَكَعَ مَعَهُ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ وَزَالَ
الزِّحَامُ وَسَجَدَ وَرَفَعَ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ وَفِي إدْرَاكِهِ بِهِمَا الْجُمُعَةَ طَرِيقَانِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ في ادراكها الوجهان في الركعة الحكمية وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْأَكْثَرُونَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهًا وَاحِدًا وَيُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَضَعَّفَ قَوْلَ القاضى أبو الطَّيِّبِ
- (فَرْعٌ) لَوْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَنَسِيَ السُّجُودَ وَبَقِيَ وَاقِفًا فِي الِاعْتِدَالِ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ والاصحاب (أحدهما) قاله القاضى أبو حامد المروروزى وَالْبَنْدَنِيجِيّ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْمَزْحُومِ هَلْ يَتْبَعُ الْإِمَامَ أَمْ يَشْتَغِلُ بِمَا عَلَيْهِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) يَلْزَمُهُ إتْبَاعُ الْإِمَامِ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي النِّسْيَانِ بِخِلَافِ الزَّحْمَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْمُتَابَعَةِ وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا الطَّرِيقَ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الرُّويَانِيِّ وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ الْأَوَّلَ هَكَذَا أَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ التَّخَلُّفُ بِالنِّسْيَانِ هَلْ هُوَ كَالتَّخَلُّفِ بِالزِّحَامِ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) نَعَمْ لِعُذْرِهِ (وَالثَّانِي) لَا لِنُدُورِهِ وَتَفْرِيطِهِ قَالَ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا فَإِنْ تَأَخَّرَ سُجُودُهُ عَنْ سَجْدَتَيْ الْإِمَامِ بِالنِّسْيَانِ ثُمَّ سَجَدَ فِي حَالِ قِيَامِ الْإِمَامِ فَهُوَ كَالزِّحَامِ وَكَذَا لَوْ تَأَخَّرَ لِمَرَضٍ وَإِنْ بَقِيَ
ذَاهِلًا حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) كَالْمَزْحُومِ فَفِي قَوْلٍ يَرْكَعُ مَعَهُ وَفِي قَوْلٍ يُرَاعِي تَرْتِيبَ نَفْسِهِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيِّ
- (فَرْعٌ) الزِّحَامُ يُتَصَوَّرُ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ فِيهَا أَغْلَبُ وَلِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْخِلَافِ وَالتَّفْرِيعِ لَا يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا كَالْخِلَافِ فِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ بِرَكْعَةٍ مُلَفَّقَةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ وَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُهُ الْمُفَارَقَةُ مَا دَامَ يَتَوَقَّعُ إدْرَاكَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِذَا زُحِمَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَنْ السُّجُودِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ حَكَاهَا الرَّافِعِيُّ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ (أَصَحُّهُمَا) يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ (وَالثَّانِي) الِاشْتِغَالُ بِمَا عَلَيْهِ وَيَجْرِي عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) يُتَابِعُهُ قَطْعًا (وَالثَّالِثُ) يَشْتَغِلُ بِمَا عَلَيْهِ قَطْعًا
- (فَرْعٌ) إذَا عَرَضَتْ فِي الصَّلَاةِ حَالَةٌ تَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهَا جُمُعَةً فِي صُورَةِ الزِّحَامِ أَوْ غَيْرِهَا فَهَلْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ ظُهْرًا فِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الاصحاب من العراقيين وغيرهم (وَالثَّانِي) حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْأَصْلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مَبْسُوطًا فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْجُمُعَةَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا وَفِيهِ قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
فَإِنْ قُلْنَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ فَفَاتَ بَعْضُ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ أَتَمَّهَا ظُهْرًا كَالْمُسَافِرِ إذَا فَاتَ بَعْضَ شُرُوطِ الْقَصْرِ وَإِنْ قُلْنَا صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا فَهَلْ يُتِمُّهَا ظُهْرًا فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) يُتِمُّهَا ظُهْرًا لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا أَوْ كَالْبَدَلِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْخِلَافِ فعلى هذا هل يشترط أن ينوى قبلها ظُهْرًا أَمْ تَنْقَلِبُ بِنَفْسِهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ (أَصَحُّهُمَا) وَأَشْهُرُهُمَا لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يُتِمُّهَا ظُهْرًا فَهَلْ تَبْطُلُ أَمْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَنَظَائِرِهَا (الصَّحِيحُ) تَنْقَلِبُ نَفْلًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلُ الْبُطْلَانِ لَا يَنْتَظِمُ تَفْرِيعُهُ إذَا أَمَرْنَاهُ فِي صورة الزحام بشئ فَامْتَثَلَ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِمَا إذَا خَالَفَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الزِّحَامِ
- أَمَّا إذَا زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ وَأَمْكَنَهُ السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمُجَاهِدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حنيفة وأحمد واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَمَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَلْ يَنْتَظِرُ زَوَالَ الزَّحْمَةِ فَلَوْ سَجَدَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ السُّجُودِ عَلَى ظَهْرِهِ وَالِانْتِظَارِ وَقَالَ نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يُومِئُ إلَى السُّجُودِ أَمَّا إذَا لَمْ يَزَلْ الزِّحَامُ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَغِلُ بِالسُّجُودِ أَمَّا إذَا زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَأْمُومَ الْمَزْحُومَ تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَبِهِ قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَقَتَادَةُ وَيُونُسُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ وقال مالك أحب أن يتمها أربعا
- قال المصنف رحمه الله
- (إذا أحدث الامام في الصَّلَاةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ (قَالَ فِي الْقَدِيمِ) لَا يستخلف (وقال في الجديد) يستخلف وقد بينا وجه القولين في باب صلاة الجماعة (فان قلنا) لا يستخلف نظرت فان أحدث بعد الخطبة وقبل الاحرام لم يجز أن يستخلف لان الخطبتين مع الركعتين كالصلاة الواحدة فلما لم يجز أن يستخلف في صلاة الظهر بعد الركعتين لم يجز أن يستخلف في الجمعة بعد الخطبتين وان أحدث بعد الاحرام ففيه قولان (أحدهما) يتمون الجمعة فرادى لانه لما لم يجز الاستخلاف بقوا علي حكم الجماعة فجاز لهم أن يصلوا فرادى (والثاني) أنه إذا كان الحدث قبل أن يصلي بهم ركعة صلوا الظهر وان كان بعد الركعة صلوا ركعة أخرى فرادى كالمسبوق إذا لم يدرك ركعة أتم الظهر وإن أدرك ركعة أتم الجمعة وإن قلنا بقوله الجديد فان كان الحدث بعد الخطبتين وقبل الاحرام فاستخلف من حضر الخطبة جاز وان استخلف من لم يحضر الخطبة لم يجز لان من حضر كمل بالسماع فانعقدت به الجمعة ومن لم يحضر لم يكمل فلم تنعقد به الجمعة ولهذا لو خطب بأربعين فقاموا وصلوا الجمعة جاز ولو حضر أربعون لم يحضروا الخطبة فصلوا الجمعة لم يجز وإن كان الحدث بعد الاحرام فان كان في الركعة الاولي فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز له لانه من أهل الجمعة وان استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز لانه ليس من أهل الجمعة ولهذا لو صلي بانفراده الجمعة لم تصح وإن كان الحدث في الركعة الثانية فان كان قبل الركوع فاستخلف من كان معه قبل الحدث جاز وان استخلف من لم يكن معه قبل الحدث لم يجز لما ذكرناه وإن كان بعد الركوع فاستخلف من لم يحضر معه قبل الحدث لم يجز لما ذكرناه وإن كان معه قبل الحدث ولم يكن معه قبل الركوع فان فَرْضَهُ الظُّهْرُ وَفِي جَوَازِ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يصلي الظهر وجهان فان قلنا يجوز جاز أن يستخلفه وإن قلنا لا يجوز لم يجز أن يستخلفه)