كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْأَعْذَارُ الْمُبِيحَةُ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ يبيح تَرْكَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ أَوْ حَدَثَتْ بَعْدَهُ إلَّا السَّفَرَ فَفِيهِ صُوَرٌ (إحْدَاهَا) إذَا سَافَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ بِكُلِّ حَالٍ (الثَّانِيَةُ) أَنْ يُسَافِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنْ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي طَرِيقِهِ بِأَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِهِ مَوْضِعٌ يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا فِيهِ جَازَ لَهُ السَّفَرُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَدْ أَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقِهِ مَوْضِعٌ يُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي تَأْخِيرِ السَّفَرِ بِأَنْ تَكُونَ الرِّفْقَةُ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُمْ السَّفَرُ خَارِجِينَ فِي الْحَالِ وَيَتَضَرَّرُ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُمْ جَازَ السَّفَرُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيَّ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالْجَوَازِ (الثَّالِثَةُ) أَنْ يُسَافِرَ بَيْنَ الزَّوَالِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ فَحَيْثُ جَوَّزْنَاهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ (وَالثَّانِي) يَجُوزُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَحَرْمَلَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي مَحِلِّهِمَا وَاتَّفَقُوا عَلَى جَرَيَانِهَا فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ الَّذِي طَرَفَاهُ كَالتِّجَارَةِ فَأَمَّا الطَّاعَةُ وَاجِبَةً كَانَتْ أَمْ مُسْتَحَبَّةً فَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي سَفَرِهَا وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ بِجَوَازِهِ وَخَصُّوا الْقَوْلَيْنِ بِالْمُبَاحِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي الطَّاعَةِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) الْجَوَازُ (وَالثَّانِي) قَوْلَانِ وَحَيْثُ حَرَّمْنَا السَّفَرَ فَسَافَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ مَا لَمْ تَفُتْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ حَيْثُ بَلَغَ وَقْتُ فَوَاتِهَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهَا
- أَمَّا لَيْلَتُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً الا ما حكاه الْعَبْدَرِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يُسَافِرُ بَعْدَ دُخُولِ الْعِشَاءِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَأَمَّا السَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الرِّفْقَةِ وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ فِي طَرِيقِهِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَحَكَاهُ ابْنُ المنذر عن ابن عمرو وَعَائِشَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ وَأَمَّا السَّفَرُ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَنَا تَحْرِيمُهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَجَوَّزَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بحديث ابن
رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جدا وليس في المسألة حديث صحيح *
- قال المصنف رحمه الله
- (واما البيع فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ كان بعده وقبل ظهور الامام كره فان ظهر الامام واذن المؤذن حرم لقوله تَعَالَى (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فاسعوا الي ذكر الله وذروا البيع) فان تبايع رجلان احدهما من اهل فرض الجمعة والآخر ليس من اهل فرضها اثما جميعا لان احدهما توجه عليه الفرض فاشتغل عنه والآخر شغله عنه ولا يبطل البيع لان النهي لا يختص بالعقد فلم يمنع صحته كالصلاة في ارض مغصوبة)
- (الشَّرْحُ) فِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ إذَا تَبَايَعَ رَجُلَانِ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَحْرُمْ بِحَالٍ وَلَمْ يُكْرَهْ (الثَّانِيَةُ) إذَا تَبَايَعَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ ظُهُورِ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَبْلَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَشُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ في الاذان حرم البيع علي المتابعين جميعا سواء كان مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ دُونَ الْآخَرِ حَرُمَ عَلَى صَاحِبِ الْفَرْضِ وَكُرِهَ لِلْآخَرِ وَلَا يَحْرُمُ وَهَذَا شَاذٌّ بَاطِلٌ وَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ عَلَيْهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَدَلِيلُهُ فِي الْكِتَابِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَحْصُلُ التَّحْرِيمُ بِمُجَرَّدِ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَإِنْ أَذَّنَ قَبْلَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ كُرِهَ الْبَيْعُ وَلَمْ يَحْرُمْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ النَّصِّ وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَحَيْثُ حَرَّمْنَا الْبَيْعَ فَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ جَلَسَ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَمَّا إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ فَقَامَ فِي الْحَالِ قَاصِدًا الْجُمُعَةَ فَتَبَايَعَ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ يَمْشِي وَلَمْ يَقِفْ أَوْ قَعَدَ فِي الْجَامِعِ فَبَاعَ فَلَا يَحْرُمُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ (الثَّالِثَةُ) حَيْثُ حَرَّمْنَا الْبَيْعَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْعُقُودُ والصنائع وَكُلُّ مَا فِيهِ تَشَاغُلٌ عَنْ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ فِي تَهْذِيبِهِ وَلَا يُزَالُ التَّحْرِيمُ حَتَّى يَفْرَغُوا مِنْ الْجُمُعَةِ
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إذَا تَبَايَعَا بَيْعًا مُحَرَّمًا بَعْدَ النِّدَاءِ
- مَذْهَبُنَا صِحَّتُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد فِي رواية عنه لا يصح
- قال المصنف رحمه الله
- (ولا تصح الجمعة إلَّا فِي أَبْنِيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الجمعة من بلد أو قرية لانه لم تقم الْجُمُعَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا في أيام الخلفاء الا في بلد أو قرية ولم ينقل أنها أقيمت في بدو فان خرج أهل البلد إلي خارج البلد فصلوا الجمعة لم يجز لانه ليس بوطن فلم تصح فيه الجمعة كالبدو وإن انهدم البلد فاقام أهله علي عمارته فحضرت الجمعة لزمهم إقامتها لانهم في موضع الاستيطان)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تقام في أبينة مجتمعة يستوطنها شتاءا وصيفا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ سَوَاءٌ كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ أَحْجَارٍ أَوْ أَخْشَابٍ أَوْ طِينٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ سَعَفٍ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ فِيهِ الْبِلَادُ الْكِبَارُ ذَوَاتُ الْأَسْوَاقِ وَالْقُرَى الصِّغَارُ وَالْأَسْرَابُ الْمُتَّخَذَةُ وَطَنًا فَإِنْ كَانَتْ الْأَبْنِيَةُ مُتَفَرِّقَةً لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ قَرْيَةً وَيُرْجَعُ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالتَّفَرُّقِ إلَى الْعُرْفِ وَقَدْ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا مُجْتَمِعَةً مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ فَإِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ شِتَاءً أَوْ صَيْفًا لَمْ تَصِحَّ الْجُمُعَةُ فِيهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانُوا دَائِمِينَ فِيهَا شِتَاءً وَصَيْفًا وَهِيَ مُجْتَمِعَةٌ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ (وَالثَّانِي) تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَصِحُّ مِنْهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَتُهَا فِي مَسْجِدٍ وَلَكِنْ تَجُوزُ فِي سَاحَةٍ مَكْشُوفَةٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ مَعْدُودَةً مِنْ خُطَّتِهَا فَلَوْ صَلَّوْهَا خَارِجَ الْبَلَدِ لَمْ تَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ سواء كان بقرب البلدة أو بعيدا منه وسواء صَلَّوْهَا فِي كِنٍّ أَمْ سَاحَةٍ وَدَلِيلُهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَلَمْ يُصَلِّ هَكَذَا وَلَوْ انْهَدَمَتْ أَبْنِيَةُ الْقَرْيَةِ أَوْ الْبَلْدَةِ فَأَقَامَ أَهْلُهَا عَلَى عِمَارَتِهَا لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فِيهَا سَوَاءٌ كَانُوا فِي سَقَائِفَ وَمَظَالَّ أَمْ لَا لِأَنَّهُ
محل الاستيطان نص عليه الشافعي والاصحاب وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي غير بناء إلا في هذه المسألة *
- قال المصنف رحمه الله
- (ولا تصح الجمعة الا باربعين نفسا لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " مضت السنة أن في كل ثلاثة اماما وفى كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا " ومن شرط العدد أن يكونوا رجالا أحرارا مقيمين في الموضع فاما النساء والعبيد والمسافرون فلا تنعقد بهم الجمعة لانه لا تجب عليهم الجمعة فلا تنعقد بهم كالصبيان وهل تنعقد بمقيمين غير مستوطنين فِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تنعقد بهم لانه تلزمهم الجمعة فانعقدت بهم كالمستوطنين وقال أبو إسحق لا تنعقد لان النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَرَجَ إلَى عرفات ومعه أهل مكة وهم في ذلك الموضع مقيمون غير مستوطنين " فلو انعقدت بهم الجمعة لاقامها)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ جَابِرٍ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَضَعَّفُوهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ حَدِيثٌ لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا يَعْنِي بَالِغِينَ عُقَلَاءَ وَاحْتِجَاجُهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحِلَّ اسْتِيطَانٍ بل هو فضاء لَا يُنَافِيهِ وَلِأَنَّ الْحَاضِرِينَ هُنَاكَ كُلَّهُمْ لَيْسُوا مقيمون هُنَاكَ وَالْجُمُعَةُ تَسْقُطُ بِالسَّفَرِ الْقَصِيرِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَوْطِنًا وَالِاسْتِيطَانُ شَرْطٌ هَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ أَبَا اسحق صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ عَلَّلَهُ بِهَذَا
- أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا بالغين عقلاء احرارا مستوطنين للقرية أَوْ الْبَلْدَةَ الَّتِي يُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا سَفَرَ حَاجَةٍ فَإِنْ انْتَقَلُوا عَنْهُ شِتَاءً وَسَكَنُوهُ صَيْفًا أَوْ عَكْسُهُ فَلَيْسُوا مُسْتَوْطِنِينَ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ أَرْبَعِينَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِهِ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَمَعْنَاهُ أَرْبَعُونَ باالامام فيكونون تسعة وثلاثين اماما وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ قَدِيمًا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ إمَامٍ وَمَأْمُومَيْنِ هَكَذَا حَكَاهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاَلَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِي التَّلْخِيصِ ثَلَاثَةٌ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ إنَّ هَذَا القول
الَّذِي حَكَاهُ غَرِيبٌ أَنْكَرَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَغَلَّطُوهُ فيه قال القفال في شرحه التَّلْخِيصِ هَذَا الْقَوْلُ غَلَطٌ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ قَطُّ وَلَا أَعْرِفُهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ أَنْكَرَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْقَوْلَ وَقَالُوا لَا يُعْرَفُ هَذَا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ نَقْلَهُ وَحَكَى أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَيْضًا مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ وَالشَّاشِيُّ قَالَ صَاحِبُ الحاوى هو قول ابى على بن أَبِي هُرَيْرَةَ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ قَوْلًا قَدِيمًا وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَلْ تَنْعَقِدُ بِمُقِيمِينَ غَيْرِ مُسْتَوْطِنِينَ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَنْعَقِدُ اتَّفَقُوا عَلَى تَصْحِيحِهِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَرْعِ الْآتِي بَيَانُ مَحِلِّ الْوَجْهَيْنِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا النَّاسُ فِي الْجُمُعَةِ سِتَّةُ اقسام (أحدهما) مَنْ تَلْزَمُهُ وَتَنْعَقِدُ بِهِ وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْمُسْتَوْطِنُ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ (الثَّانِي) مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا تَلْزَمُهُ وَهُوَ الْمَرِيضُ وَالْمُمَرِّضُ وَمَنْ فِي طَرِيقِهِ مَطَرٌ وَنَحْوُهُمْ مِنْ الْمَعْذُورِينَ وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ جِدًّا أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِالْمَرِيضِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (الثَّالِثُ) مَنْ لَا تَلْزَمُهُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا تصح منه وهو المجنون والمغمي عليه وكذا الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى (الْخَامِسُ) مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرْتَدُّ (السَّادِسُ) مَنْ تَلْزَمُهُ وَتَصِحُّ مِنْهُ وَفِي انْعِقَادِهَا بِهِ خِلَافٌ وَهُوَ الْمُقِيمُ غَيْرُ الْمُسْتَوْطِنِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ (أَصَحُّهُمَا) لَا تَنْعَقِدُ بِهِ ثُمَّ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ فِي كُلِّ مُقِيمٍ لَا يَتَرَخَّصُ وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَارِيَانِ فِي الْمُسَافِرِ الَّذِي نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هُمَا جَارِيَانِ فِيمَنْ نَوَى إقَامَةً يَخْرُجُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا قَصِيرَةً كَانَتْ أَوْ طَوِيلَةً وَشَذَّ الْبَغَوِيّ فَقَالَ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ طَالَ مَقَامُهُ وَفِي عَزْمِهِ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ كَالْمُتَفَقِّهِ وَالتَّاجِرِ قَالَ فَإِنْ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَعْنِي وَنَحْوِهَا مِنْ الْإِقَامَةِ الْقَلِيلَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ وَجْهًا وَاحِدًا وَالْمَشْهُورُ طَرْدُ الْخِلَافِ فِي الْجَمِيعِ وَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ وَالْقُرَى الَّذِينَ يَبْلُغُهُمْ نِدَاءُ الْبَلَدِ وَيَنْقُصُونَ عَنْ أَرْبَعِينَ فَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُقِيمِينَ فِي بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ الْمُقِيمِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إلَى وَطَنِهِ وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي فِيهِمْ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَدَدِ الَّذِي يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اشتراط أربعين وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة واحمد واسحق وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ بِاشْتِرَاطِ خَمْسِينَ وَقَالَ رَبِيعَةُ تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَمُحَمَّدٌ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ أَحَدُهُمْ الْإِمَامُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ وَحَكَى غَيْرُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ انْعِقَادَهَا بِثَلَاثَةٍ أَحَدُهُمْ الْإِمَامُ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَدَاوُد تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِمَامُ وَهُوَ مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَكْحُولٍ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مُعِينٌ بَلْ يُشْتَرَطُ جَمَاعَةٌ تُسْكَنُ بِهِمْ قَرْيَةٌ وَيَقَعُ بَيْنَهُمْ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَلَا يَحْصُلُ بِثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَنَحْوِهِمْ وَحَكَى الدَّارِمِيُّ عن الفاسانى انها تنعقد بواحد منفرد والفاساني لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ وَقَدْ نَقَلُوا الاجماع انه لابد مِنْ عَدَدٍ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَاحْتُجَّ لِرَبِيعَةَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ بخطب قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنْ الشَّامِ فَانْفَتَلَ النَّاسُ إلَيْهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا " وَاحْتُجَّ لِلْبَاقِينَ بِحَدِيثٍ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ قَالَتْ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ قَرْيَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا أَرْبَعَةٌ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَضَعَّفَ طُرُقَهُ كُلَّهَا وَبِأَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ فَأَشْبَهَ الْأَرْبَعِينَ
- وَاحْتُجَّ لِمَنْ شَرَطَ خَمْسِينَ بِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " فِي الْخَمْسِينَ جُمُعَةٌ وليس فيما دون ذلك " رواه الدارقطني بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعِيفَانِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ وَبِأَحَادِيثَ بِمَعْنَاهُ لَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ وَأَقْرَبُ مَا يُحْتَجُّ به ما احتج به الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي الْمَدِينَةِ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ قُلْت كَمْ كُنْتُمْ قَالَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا " حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وغيره وهو صحيح والنقيع هُنَا بِالنُّونِ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْحَازِمِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالْخَضِمَات - بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ - قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ قَرْيَةٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ عَلَى مِيلٍ مِنْ مَنَازِلِ بَنِي سَلَمَةَ قال أَصْحَابُنَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَالْأَصْلُ الظُّهْرُ فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا بِعَدَدٍ ثَبَتَ فِيهِ التَّوْقِيفُ وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهَا بِأَرْبَعِينَ فَلَا يَجُوزُ بِأَقَلَّ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَرِيحٍ وَثَبَتَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَلَمْ تَثْبُتْ صَلَاتُهُ لَهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ وَأَمَّا حَدِيثُ انْفِضَاضِهِمْ فَلَمْ يبق
الا اثنا عشر وليس فيه انه ابتداء الصَّلَاةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا هُمْ أَوْ غَيْرُهُمْ فَحَضَرُوا أَرْكَانَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةَ وَجَاءَ فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ انْفَضُّوا فِي الْخُطْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْخُطْبَةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْخُطْبَةَ لِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي صلاة وقد جاء في رواية للدار قطني وَالْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُمْ انْفَضُّوا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْبَعُونَ رجلا والمشهور في الروايات اثني عَشَرَ
- (فَرْعٌ) إذَا كَانَ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي قَرْيَتِهِمْ وَلَزِمَتْهُمْ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا سُوقٌ وَنَهْرٌ أَمْ لا وبه قال مالك واحمد واسحق وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا جمعة ولا تشريق إلا في مصر " واحتج أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ عبد القيس بحواثا مِنْ الْبَحْرَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَضَعِيفٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مُنْقَطِعٍ
- (فَرْعٌ) لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ عِنْدَنَا إلَّا فِي أَبْنِيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَلَا تَصِحُّ فِي الصَّحْرَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يَجُوزُ إقَامَتُهَا لِأَهْلِ الْمِصْرِ فِي الصَّحْرَاءِ كَالْعِيدِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَفْعَلُوهَا فِي الصَّحْرَاءِ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَزْمَانِ وَتَكَرُّرِ فِعْلِهَا بِخِلَافِ الْعِيدِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي "
- (فَرْعٌ) لَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ عِنْدَنَا بِالْعَبِيدِ وَلَا الْمُسَافِرِينَ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ
- وَقَالَ أبو حنيفة تنعقد
- قال المصنف رحمه الله
- (فان أحرم بالعدد ثم انفضوا عنه ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) ان نقص العدد عن أربعين لم تنعقد الجمعة لانه شرط في الجمعة فشرط في جميعها كالوقت (والثانى) إن بقى معه اثنان أتم الجمعة لانهم يصيرون ثلاثة وذلك جمع مطلق فأشبه الاربعين (والثالث) إن بقي معه واحد أتم الجمعة لان الاثنين جماعة وخرج المزني قولين آخرين (أحدهما) ان بقى وحده جاز ان يتم الجمعة كما قال الشافعي في إمام احرم بالجمعة ثم أحدث انهم يتمون صلاتهم وحدانا ركعتين (والثاني) أنه ان كان صلي ركعة ثم انفضوا اتم الجمعة وان انفضوا قبل الركعة لم يتم الجمعة كما قال في المسبوق إذا ادرك مع الامام ركعة اتم الجمعة وإن لم يدرك ركعة اتم الظهر فمن اصحابنا من اثبت القولين وحكي في المسألة خمسة اقوال ومنهم من لم يثبتهما فقال إذا احدث الامام يبنون على صلاتهم لان الاستخلاف لا يجوز على هذا القول فيبنون على صلاتهم على حكم الجماعة مع الامام وههنا ان الامام لا تتعلق صلاته بصلاة من خلفه واما المسبوق فانه يبنى علي جمعة تمت بشروطها وههنا لم تتم جمعة فيبنى الامام عليها)
- (الشَّرْحُ) الِانْفِضَاضُ التَّفَرُّقُ وَالذَّهَابُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْفِضَّةُ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي انْفِضَاضِهِمْ عَنْ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَهِيَ الْمَنْصُوصَةُ وَلَمْ يُثْبِتُوا الْمُخَرَّجِينَ (وَأَصَحُّهُمَا) وَأَشْهُرُهُمَا فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ بِإِثْبَاتِ الْمُخَرَّجِينَ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلَائِلَهَا (أَصَحُّهَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ تَبْطُلُ الْجُمُعَةُ لِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فَشُرِطَ فِي جَمِيعِهَا فَعَلَى هَذَا لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَتَبَاطَأَ الْمُقْتَدُونَ ثُمَّ أَحْرَمُوا فَإِنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُمْ عَنْ رُكُوعِهِ فَلَا جُمُعَةَ لَهُمْ وَلَا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ رُكُوعِهِ قَالَ الْقَفَّالُ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ إحْرَامِهِ وَإِحْرَامِهِمْ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الشَّرْطُ أَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ الْفَصْلُ وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ هَذَا (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) إنْ بَقِيَ اثْنَانِ مَعَ الْإِمَامِ أَتَمَّ الْجُمُعَةَ وَإِلَّا بَطَلَتْ (وَالثَّالِثُ) إنْ بَقِيَ مَعَهُ وَاحِدٌ لَمْ تبطل وهذه الثلاثة منصوصة ألا ولان فِي الْجَدِيدِ وَالْأَخِيرُ فِي الْقَدِيمِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِدِ صِفَةُ الْكَمَالِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْجُمُعَةِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي (أَصَحُّهُمَا) يُشْتَرَطُ لِأَنَّهَا صَلَاةُ جُمُعَةٍ (وَالثَّانِي) لَا يُشْتَرَطُ حَتَّى لَوْ بَقِيَ مَعَهُ صَبِيَّانِ أَوْ عَبْدَانِ أو إمرأتان أو مسافران أو صبى وعبد أَوْ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ إذَا اعتبرنا واحدا كفى واتم الجمعة لان هذا القول يكتفى باسم الجميع أَوْ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِهَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الظَّاهِرُ الِاشْتِرَاطُ قَالَ وَلِصَاحِبِ التَّقْرِيبِ احْتِمَالٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَالَ وَهَذَا مُزَيَّفٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ (وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ) الْمُخَرَّجُ لَا تَبْطُلُ وَإِنْ بَقِيَ وَحْدَهُ (وَالْخَامِسُ) إنْ انْفَضُّوا
فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ انْفَضُّوا بَعْدَهَا لَمْ تَبْطُلْ الْجُمُعَةُ بَلْ يُتِمُّهَا الْإِمَامُ وَحْدَهُ وَكَذَا مَنْ مَعَهُ إنْ بَقِيَ مَعَهُ أَحَدٌ هَذَا حُكْمُ الِانْفِضَاضِ فِي نَفْسِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
- وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْبَعِينَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْخُطْبَتَيْنِ فَيُشْتَرَطُ سَمَاعُهُمْ الْآنَ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَوْ حَضَرَ الْعَدَدُ ثُمَّ انْفَضُّوا قَبْلَ افْتِتَاحِ الْخُطْبَةِ لَمْ يَجُزْ افْتِتَاحُهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ لَهَا أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ وَإِنْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِالرُّكْنِ الْمَفْعُولِ فِي غَيْبَتِهِمْ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الِانْفِضَاضِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ فِيهِ الْأَقْوَالَ الْخَمْسَةَ وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فَسُومِحَ بِنَقْصِ الْعَدَدِ عَلَى قَوْلٍ وَالْخَطِيبُ لَا يَخْطُبُ لِنَفْسِهِ إنَّمَا الْغَرَضُ إسْمَاعُهُمْ فَمَا جَرَى وَلَا مُسْتَمِعَ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الْغَرَضُ فَلَمْ تَصِحَّ ثُمَّ إنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ بَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ وَإِنْ عَادُوا بَعْدَهُ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَ وَيُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِأَنَّ الْمُوَالَاةَ فِي الْخُطْبَةِ وَاجِبَةٌ أَمْ لَا الْأَصَحُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ (وَالثَّانِي) غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَبْنِي وَبَنَى جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ أَمْ لَا فَلَا يجب قالوا ولا فرق بين فوات الموالات لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَوْ لَمْ يَعُدْ الْأَوَّلُونَ وَجَاءَ غَيْرُهُمْ وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْخُطْبَتَيْنِ قَصُرَ الْفَصْلُ أَمْ طَالَ بِلَا خِلَافٍ أَمَّا إذَا انْفَضُّوا بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ وَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ فَفِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وفيه قولان مشهوران (أصحهما) وهو الجديد أصحهما الِاشْتِرَاطُ فَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِتِلْكَ الْخُطْبَةِ (وَالثَّانِي) لَا يُشْتَرَطُ فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي بِهَا وَهَلْ تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَحْبَبْتُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْخُطْبَةَ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى كَلَامِهِ هَذَا على ثلاثة أوجه حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَالْأَصْحَابُ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ (أَصَحُّهَا) وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ أَوْجَبْتُ وَلَكِنَّهُ صُحِّفَ وَمِنْهُمْ مَنْ تأوله وقال اراد باحببت أو جبت قَالُوا وَقَوْلُهُ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) وَبِهِ قال أبو إسحق الْمَرْوَزِيُّ لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ لَكِنْ تُسْتَحَبُّ وَتَجِبُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ أَمَّا وُجُوبُ الْجُمُعَةِ فَلِقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الْخُطْبَةُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْفِضَاضُهُمْ ثَانِيًا فَصَارَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي سقوطها (والثالث) وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ لَا تَجِبُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ
وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَيْضًا لَكِنْ يُسْتَحَبَّانِ عَمَلًا بِظَاهِرِ نَصِّهِ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبَيْ الْحَاوِي وَالْمُسْتَظْهَرَيْ قَالَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَقَوْلُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ فَقَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ أَظْهَرُ قَالَ وَقَدْ أَخْطَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَخْطِئَتِهِ الْمُزَنِيِّ لِأَنَّ الْبُوَيْطِيَّ وَالرَّبِيعَ وَالزَّعْفَرَانِيّ نَقَلُوهُ هَكَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ فَقَالُوا قَالَ أَحْبَبْتُ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ أَوْجَبْتُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُزَنِيَّ لَمْ يُخْطِئْ فِي نَقْلِهِ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي تَأْوِيلِهِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَغَيْرُهُمْ هَذَا الوجه الثالث ضعيف قالوا وهو اضعف الا وجه وَهُوَ كَمَا قَالُوا لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى احْتِمَالِ انْفِضَاضِهِمْ ثَانِيًا فَإِنَّهُ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ نَادِرٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ أُعِيدَتْ الْخُطْبَةُ وَصُلِّيَتْ الْجُمُعَةُ فَلَا إثْمَ عَلَى وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ تُعَدْ وَأَوْجَبْنَا إعَادَتَهَا أَثِمُوا كُلُّهُمْ وَإِنْ لَمْ نُوجِبْ إعَادَتَهَا أَثِمَ الْمُنْفَضُّونَ دُونَ الْإِمَامِ وَالْبَاقِينَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ الِاعْتِبَارُ فِي طول الفصل بالعرف فما عد طويل طويلا وَإِلَّا فَقَصِيرٌ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ عَنْ ابى اسحق الْمَرْوَزِيِّ تَفْرِيعًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ هُنَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّوْا الظُّهْرَ وَتَرَكُوا الْجُمُعَةَ جَازَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّوْا الظُّهْرَ جَازَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ قَوْلِهِ وَأَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَسَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ وَالْخَطِيبُ سَاكِتٌ أَوْ مُسْتَمِرٌّ فِي الْخُطْبَةِ ثُمَّ أَعَادَ مَا جَرَى مِنْ أَرْكَانِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِمْ حِينَ عَادُوا أَمَّا إذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ بِالْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ وَأَحْرَمُوا ثُمَّ حَضَرَ أَرْبَعُونَ آخَرُونَ وَأَحْرَمُوا بِهَا ثُمَّ انْفَضَّ الْأَوَّلُونَ فَقَالَ الْأَصْحَابُ لَا يَضُرُّ بَلْ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ سَوَاءٌ كَانَ اللَّاحِقُونَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَمْ لَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدِي أَنْ يُقَالُ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ أَرْبَعِينَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَمَّا إذَا انْفَضُّوا بعد الاحرام ثم حضر أربعون متصلين بِهِمْ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ يَسْتَمِرُّ صِحَّةُ الْجُمُعَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اللَّاحِقُونَ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ
- (فَرْعٌ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ مُنْفَرِدٍ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِأَرْبَعِينَ أَيْ فِي جَمَاعَةٍ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ قال أصحابنا وشروط الجماعة هُنَا كَشُرُوطِهَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَيُشْتَرَطُ هُنَا أُمُورٌ زَائِدَةٌ سَبَقَ بَيَانُهَا وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ وَوُقُوعُهَا فِي خُطَّةِ الْبَلَدِ وَفِي الْوَقْتِ وَسَبَقَتْ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَمَسَائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الامام
وَالْمَأْمُومِينَ فِي الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ حُضُورُ السُّلْطَانِ وَلَا إذْنُهُ فِيهَا وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ أَذِنَ لَهُ وَهُوَ شَاذٌّ بَاطِلٌ وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ مَا سبق * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا تصح الجمعة إلا في وقت الظهر لانهما فرض في وقت واحد فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر وصلاة السفر وان خطب قبل دخول الوقت لم تصح لان الجمعة ردت إلي ركعتين بالخطبة فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة فان دخل فيها في وقتها ثم خرج الوقت لم يجز فعل الجمعة لانه لا يجوز ابتداؤها بعد خروج الوقت فلا يجوز اتمامها كالحج ويتم الظهر لانه فرض رد من أربع إلى ركعتين بشرط يختص به فإذا زال الشرط أتم كالمسافر إذا دخل في الصلاة ثم قدم قبل أن يتم وان أحرم بها في الوقت ثم شك هل خرج الوقت أتم الجمعة لان الاصل بقاء الوقت وصحة الفرض ولا تبطل بالشك وان ضاق وقت الصلاة ورأى ان خطب خطبتين خفيفتين وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمهم الجمعة وان رأي انه لا يمكنه ذلك صلي الظهر)
- (الشَّرْحُ) فِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَسَأَذْكُرُ دَلَائِلَهُ وَاضِحَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى عَلَى صُورَتِهَا جُمُعَةً وَلَكِنَّ مَنْ فَاتَتْهُ لَزِمَتْهُ الظُّهْرُ (الثَّانِيَةُ) يُشْتَرَطُ لِلْخُطْبَةِ كَوْنُهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا (الثَّالِثَةُ) إذَا شَكُّوا فِي خُرُوجِ وَقْتِهَا فَإِنْ كَانُوا لَمْ يَدْخُلُوا فِيهَا لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّ شَرْطَهَا الْوَقْتُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْهُ فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ مَعَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ وَإِنْ دَخَلُوا فِيهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ شَكُّوا قَبْلَ السَّلَامِ فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَكُتُبُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْجُمْهُورُ يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالثَّانِي) يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَصَاحِبُ العدة وآخرون للشك في شروطها أما إذَا صَلَّوْا الْجُمُعَةَ ثُمَّ شَكُّوا بَعْدَ فَرَاغِهَا هَلْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَإِنَّهُمْ تُجْزِئهُمْ الْجُمُعَةُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَفَّالُ وَهَذَا كمن تسحر ثم شك هل كان طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْ لَا أَوْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَانَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَالْوُقُوفُ
(فَرْعٌ) قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ فِي مَسَائِلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْهِلَالِ لَوْ دَخَلُوا فِي الْجُمُعَةِ فَأَخْبَرَهُمْ عَدْلٌ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا قَالَ وَعِنْدِي أَنَّهُمْ يُتِمُّونَ جُمُعَةً إلَّا أَنْ يَعْلَمُوا (الرَّابِعَةُ) إذَا شَرَعُوا فِيهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ السَّلَامِ مِنْهَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي حُكْمِ صَلَاتِهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ غَيْرِهِمْ يَجِبُ إتْمَامُهَا ظُهْرًا وَيُجْزِئُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ مَشْهُورٌ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ فِيهِ قَوْلَانِ (الْمَنْصُوصُ) يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا (وَالثَّانِي) وَهُوَ مُخَرَّجٌ لَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا ظُهْرًا فَعَلَى هَذَا هَلْ تَبْطُلُ أَوْ تَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِي أَوَّلِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ (أَصَحُّهُمَا) تَنْقَلِبُ نَفْلًا وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ يُتِمُّهَا ظُهْرًا أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ حِينَئِذٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ الظُّهْرِ كَالْمُسَافِرِ إذَا نَوَى الْقَصْرَ ثُمَّ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِإِقَامَةٍ أَوْ غَيْرَهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ تجب نية الظهر وليس بشئ (الْخَامِسَةُ) لَوْ أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَسَلَّمَ الْإِمَامُ وَقَامَ هُوَ إلَى الثَّانِيَةِ فَخَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ سَلَامِهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (أَحَدُهُمَا) يُتِمُّهَا جُمُعَةً وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِجُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ جُمُعَةُ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ إتْمَامُهَا جُمُعَةً بَلْ يُتِمُّهَا ظهرا ويجئ فِي بُطْلَانِهَا وَانْقِلَابِهَا نَفْلًا مَا سَبَقَ وَالْمَذْهَبُ إتْمَامُهَا ظُهْرًا صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْمُتَوَلِّي هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا (السَّادِسَةُ) لَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَالْجَمَاعَةُ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى فِي الْوَقْتِ وَالثَّانِيَةَ خَارِجُهُ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ لِأَنَّهَا تَمَّتْ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ الْأُولَى خَارِجَ الْوَقْتِ فَاتَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَلَزِمَهُمْ قَضَاءُ الظُّهْرِ وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَبَعْضُهُمْ الْأُولَى فِي الْوَقْتِ وَسَلَّمَهَا بَعْضُهُمْ خَارِجَ الْوَقْتِ فَإِنْ بَلَغَ عَدَدُ الْمُسَلَّمِينَ فِي الْوَقْتِ أَرْبَعِينَ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَإِلَّا فَقَالَ الرَّافِعِيُّ هُوَ شَبِيهٌ بِمَسْأَلَةِ الِانْفِضَاضِ وَالصَّحِيحُ فَوَاتُ الْجُمُعَةِ وَأَمَّا الْمُسَلِّمُونَ خَارِجَ الْوَقْتِ فَصَلَاتُهُمْ بَاطِلَةٌ وَفِيهِمْ وَجْهٌ ضَعِيفٌ إنْ كَانَ الْمُسَلِّمُونَ فِي الْوَقْتِ أَرْبَعِينَ إنَّهُ تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ وَهُوَ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي سَلَامِ الْمَسْبُوقِ بَعْدَ الْوَقْتِ ثُمَّ سَلَامُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ خَارِجَ الْوَقْتِ إنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ وَإِلَّا فَلَهُمْ إتْمَامُهَا ظُهْرًا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ (السَّابِعَةُ) إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْجُمُعَةِ فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ خُطْبَتَانِ وَرَكْعَتَانِ يقتصر فيهما علي الوجبات لَزِمَهُمْ ذَلِكَ وَإِلَّا صَلَّوْا الظُّهْرَ نَصَّ عَلَيْهِ في الأم
وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَشْرَعُوا فِي الظُّهْرِ فِي الْحَالِ وَلَا يَحِلُّ تَأْخِيرُهَا إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ بِالِاتِّفَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ أَحْمَدُ تَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَقَالَ أَصْحَابُهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدِ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزوال الا احمد ونقل الماورى فِي الْحَاوِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَقَوْلِ أَحْمَدَ ونقله ابن المنذر عن عطاء واسحق " قَالَ وَرُوِيَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ لَا يَثْبُتُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاوِيَةَ وَاحْتُجَّ لِأَحْمَدَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ نَذْهَبُ إلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ " رواه مسلم عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجمعة ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " نَجْمَعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفئ " وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ " مَا كُنَّا نقيل ولا نتغدى
إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عَبْدِ الله بن سيدان قَالَ " شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا عاب ذلك ولا انكره " رواه أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ كُنَّا نَجْمَعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثم نرجع نتتبع الفئ " رواه مسلم وهذا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ قَالَ الشَّافِعِيُّ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ جَابِرٍ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّهَا كُلَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى شِدَّةِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْجِيلِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ غير إبراد وَلَا غَيْرِهِ هَذَا مُخْتَصَرُ الْجَوَابِ عَنْ الْجَمِيعِ وحملنا عليه الجمع مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَعَمَلُ الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَةً أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَهَا إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَفْصِيلُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِيهِ إخْبَارٌ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالرَّوَاحَ إلَى جِمَالِهِمْ كَانَا حِينَ الزَّوَالِ لَا أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَهُ (فَإِنْ قِيلَ) قَوْلُهُ حِينَ الزَّوَالِ لَا يَسَعُ هَذِهِ الْجُمْلَةَ (فَجَوَابُهُ) أَنَّ الْمُرَادَ نَفْسُ الزَّوَالِ وَمَا يُدَانِيهِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى بِي الْعَصْرَ حين كان كل شئ مِثْلَ ظِلِّهِ " (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ أَنَّهُ حجة لنا في كونها بعد الزال لانه ليس معناه انه ليس للحيطان شئ من الفى وانما معناه ليس لها في كَثِيرٌ بِحَيْثُ يَسْتَظِلُّ بِهِ الْمَارُّ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ فَلَمْ يَنْفِ أَصْلَ الظِّلِّ وَإِنَّمَا نَفَى كَثِيرَهُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ وَأَوْضَحُ مِنْهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى نَتَتَبَّعُ الفئ فهذا فيه صريح بوجود الفئ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ حِيطَانَهُمْ قَصِيرَةٌ وَبِلَادَهُمْ متوسطة من الشمس ولا يظهر هناك الفئ بِحَيْثُ يُسْتَظَلُّ بِهِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ (وَأَمَّا) حَدِيثُ سَهْلٍ " مَا كُنَّا نَقِيلُ ولا نتغدى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ " (فَمَعْنَاهُ) أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ القيلولة والغداء فِي هَذَا الْيَوْمِ إلَى مَا بَعْدَ صَلَاةِ الجمعة لانهم ندبوا إلى التكبير إليها فلو اشتغلوا بشئ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَهَا خَافُوا فَوْتَهَا أَوْ فَوْتَ التكبير إلَيْهَا وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَهْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " كُنْت أَرَى طُنْفُسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تُطْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ فَإِذَا غَشِيَ الطُّنْفُسَةَ كُلَّهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ نَخْرُجُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنَقِيلُ قَائِلَةَ الضُّحَى (وَأَمَّا) الْأَثَرُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ (فضعيف) باتفاقهم لان أبن سيدان ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مُتَأَوَّلًا لِمُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ *
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُمْ فِيهَا
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهَا تَفُوتُ الْجُمُعَةُ وَيُتِمُّونَهَا ظُهْرًا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبْطُلُ وَيَسْتَأْنِفُونَ الظُّهْرَ وَقَالَ عَطَاءٌ يُتِمُّهَا جُمُعَةً وَقَالَ أَحْمَدُ إنْ كَانَ صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً وَإِنْ كَانَ أقل يتمها ظهرا
- قال المصنف رحمه الله
- (ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَلَمْ يُصَلِّ الجمعة إلا بخطبتين وروى ابْنِ عُمَرَ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين يجلس بينهما " ولان السلف قالوا إنما قصرت الجمعة لاجل الخطبة فإذا لم يخطب رجع إلى الاصل ومن شرط الخطبة العدد الذى تنعقد به الجمعة لقوله تَعَالَى (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فاسعوا إلي ذكر الله) والذكر الذى يفعل بعد النداء هو الخطبة ولانه ذكر شرط في صحة الجمعة فشرط فيه العدد كتكبيرة الاحرام فان خطب بالعدد ثم انفصوا وعادوا قبل الاحرام فان لم يطل القصل صلى الجمعة لانه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين ثم الفصل اليسير لا يمنع الجمع فكذلك لا يمنع الجمع بين الخطبة والصلاة وإن طال الفصل قال الشافعي رحمه الله أحببت ان يبتدئ الخطبة ثم يصلى بعدها الجمعة فان لم يفعل صلى الظهر واختلف أصحابنا فيه فقال أبو العباس تجب إعادة الخطبة ثم يصلى الجمعة لان الخطبة مع الصلاة كالصلاتين المجموعتين فكما لا يجوز الفصل الطويل بين الصلاتين لم يجز بين الخطبة والصلاة وما نقله المزني لا يعرف وقال أبو إسحق يستحب أن يعيد الخطبة لانه لا يأمن أن يفضوا مرة أخرى فجعل ذلك عذرا في جواز البناء وأما الصلاة فانها واجبة لانه يقدر علي فعلها فان صلى بهم الظهر جَازَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ صَلَّوْا الظُّهْرَ أجزأهم وقال بعض أصحابنا يستحب إعادة الخطبة والصلاة على ظاهر النص لانهم انفضوا عنه مرة فلا يأمن أن ينفضوا عنه ثانيا فصار ذلك عذرا في ترك الجمعة)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَسَبَقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَقَوْلُهُ) وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ احْتِرَازٌ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الْعَدَدُ وَقَوْلُهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْأَذَانِ
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَمَسْأَلَةُ الانفضاض إلى آخرها فسبق شَرْحُهَا وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهَا فِي مَسْأَلَةِ الِانْفِضَاضِ فِي الصَّلَاةِ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَطُرُقُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ حَتَّى يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ وَمِنْ شَرْطِهَا الْعَدَدُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ حَيْثُ كَانَتْ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا وَالْعِيدُ بَعْدَهُ لِأَنَّ خُطْبَةَ
الْجُمُعَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَشَأْنُ الشَّرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ فَأُخِّرَتْ الصَّلَاةُ لِيُدْرِكَهَا الْمُتَأَخِّرُ وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَمِنْ شَرْطِ الْخُطْبَتَيْنِ كَوْنُهُمَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَلَوْ خَطَبَ الْخُطْبَتَيْنِ أَوْ بَعْضَهُمَا قَبْلَ الزَّوَالِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهُمَا لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَدْ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ بَيَانَ هَذَا الشَّرْطِ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْخُطْبَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ تَقَدُّمَ خُطْبَتَيْنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَبِهَذِهِ الْجُمْلَةِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْخُطْبَةُ شَرْطٌ وَلَكِنْ تُجْزِئُ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ ولا يشترط العدد لسماعها كالاذان وحكى بن الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ بِلَا خُطْبَةٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُد وَعَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ
- دَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَثَبَتَتْ صَلَاتُهُ صلى الله عليه وسلم بعد خطبتين
قال المصنف رحمه الله تعالى
- (ومن شرطها القيام مع القدرة والفصل بينهما بجلسة لما روى جابر بن سمرة قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ آيات ويذكر الله تعالي " ولانه أحد فرضي الجمعة فوجب فيه القيام والقعود كالصلاة)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَكِنْ قَالَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ وَالْبَاقِي سَوَاءٌ وَجَابِرٌ وَأَبُوهُ سَمُرَةُ صَحَابِيَّانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْخُطْبَتَيْنِ الْقِيَامُ فِيهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا لِلْعَجْزِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ كَالصَّلَاةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ حِينَئِذٍ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَمْ سَكَتَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قُعُودَهُ لِلْعَجْزِ فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَهُوَ كَمَا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ دُونَهُ وَإِنْ نَقَصَ لَمْ تصح بلا خلاف ولا تصح صلاته هو عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا فَلَوْ عَلِمُوا قُدْرَتَهُ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ قُدْرَتُهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعَجْزِهِ اعْتَمَدُوهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ فَإِنْ عَلِمَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ بِقُدْرَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْعَالِمِينَ وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْآخَرِينَ إنْ تَمَّ بِهِمْ الْعَدَدُ وَإِلَّا فَلَا وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّ الْخُطْبَةَ تَصِحُّ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَأَمَّا الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا فَوَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ وَتَجِبُ الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْجُلُوسُ خَفِيفٌ جِدًّا قَدْرَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ تَقْرِيبًا
وَالْوَاجِبُ مِنْهُ قَدْرُ الطُّمَأْنِينَةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ قَدْرَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَيْضًا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا لِلْعَجْزِ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْطَجِعَ وَالْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذِهِ السَّكْتَةَ وَاجِبَةٌ لِيَحْصُلَ الْفَصْلُ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهَا لَا تَجِبُ وَأَنَّهُ لَوْ وَصَلَ كَلَامَهُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ صَحَّتَا لِأَنَّهُ تَخَلَّلَهُ سَكَتَاتٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ تُسْتَحَبُّ هَذِهِ السَّكْتَةَ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ قَائِمًا كَفَاهُ الْفَصْلُ بسكتة غَيْرِ جُلُوسٍ وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا وَلَا تَصِحُّ إلَّا بِهِمَا
- وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ تَصِحُّ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ قَالُوا وَالْقِيَامُ سُنَّةٌ وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إنَّ الطَّحَاوِيَّ قَالَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ بِاشْتِرَاطِ الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ وَكَذَا القيام دليلنا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " مَعَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَخْطُبُ خطبتين قائما يجلس بينهما " * قال المصنف رحمه الله تعالي
- (وهل يشترط فيها الطهارة فيه قولان قال في القديم تصح من غير طهارة لانه لو افتقر إلى الطهارة لافتقر إلى استقبال القبلة كالصلاة وقال في الجديد لا تصح من غير طهارة لانه ذكر شرط في الجمعة فشرط فيه الطهارة كتكبيرة الاحرام)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةُ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ فِيهِ قَوْلَانِ (الصَّحِيحُ) الْجَدِيدُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ كُلِّهِ (وَالْقَدِيمُ) لَا يشترط شئ مِنْ ذَلِكَ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ ثُمَّ إنَّ الْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا الْقَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ الْقَوْلَانِ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنْ خَطَبَ جُنُبًا لَمْ تَصِحَّ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْخُطْبَةِ وَاجِبَةٌ وَلَا تُحْسَبُ قِرَاءَةُ الْجَنْبِ وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي والرافعي في المحرر يجريان الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي فِيهِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامُ الْجُمُعَةِ جُنُبًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَأْمُومُونَ ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدَ فَرَاغِهَا أَجْزَأَتْهُمْ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَقَدْ أَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ ذِكْرَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْقَوْلَانِ فِيهِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا هُوَ فِي التَّنْبِيهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد لَا تُشْتَرَطُ
- دَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَخْطُبُ
مُتَطَهِّرًا وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أصلي " *
- قال المصنف رحمه الله
- (وفرضها أربعة أشياء (احدها) ان يحمد الله تعالي لِمَا رَوَى جَابِرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطب يوم الجمعة فحمد الله تعالى واثنى عليه ثم يقول علي اثر ذلك وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ كأنه منذر جيش ثم يقول بعثت انا والساعة كهاتين واشار باصبعه الوسطي والتي تلي الابهام ثم يقول ان افضل الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد وشر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فالى " (والثانى) أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم كالاذان والصلاة (والثالث) الوصية بتقوى الله تعالي لحديث جابر ولان القصد من الخطبة الموعظة فلا يجوز الاخلال بها (والرابع) أَنْ يَقْرَأَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ لِحَدِيثِ جَابِرِ بن سمرة ولانه احد فرضي الجمعة فوجب فيه القراءة كالصلاة ويجب ذكر الله وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم والوصية في الخطبتين وفى قراءة القرآن وجهان (احدهما) يجب فيها لان ما وجب في احداهما وجب
فيهما كذكر اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (والثاني) لا تجب الا في احداهما وهو المنصوص لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر من آية قرأ في الخطبة ولا يقتضى ذلك أكثر من مرة ويستحب أن يقرأ سورة ق لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقرأها في الخطبة فان قرأ آية فيها سجدة فنزل وسجد جاز لان النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ثم فعله عمر رضى الله عنه بعده فان فعل هذا وطال الفصل ففيه قولان قال في القديم يبنى وقال في الجديد يستأنف وهل يجب الدعاء فيه وجهان (احدهما) يجب رَوَاهُ الْمُزَنِيّ فِي أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسم الخطبة ومن أصحابنا من قال هو مستحب وأما الدعاء للسلطان فلا يستحب لما روى انه سئل عطاء عن ذلك فقال انه محدث وانما كانت
الخطبة تذكيرا)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ جَابِرٍ الْأَوَّلُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِكَمَالِهِ وَهُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَقَوْلُهُ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً مِنْ القرآن لحديث جابر ابن سمرة حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الْقِيَامِ وَحَدِيثُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ ق فِي الْخُطْبَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الصَّحَابِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم يقرأها كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ " وَحَدِيثُ نُزُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمِنْبَرِ وَسُجُودِهِ لِلتِّلَاوَةِ فِي الْخُطْبَةِ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَقَوْلُهُ وَفَعَلَهُ عُمَرُ هُوَ صَحِيحٌ عَنْهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النَّحْلِ حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ وَقَوْلُهُ وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ ذَلِكَ عو عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَاسْمُ أَبِي رَبَاحٍ أَسْلَمُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الحميد عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ فَذَكَرَهُ وَهُوَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ إلَّا عَبْدَ الْمَجِيدِ فَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ أبو حاتم الرازي والدارقطني
- أما لُغَاتُ الْفَصْلِ (فَقَوْلُهُ) يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ فِيهِ لُغَتَانِ كَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ إسْكَانِ الثَّاءِ وَفَتْحُهُمَا (قَوْلُهُ) وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ واحمرت وجنتاه هذا كله هَذَا كُلُّهُ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَبْلُغُ فِي الْوَعْظِ وَالْوَجْنَةُ الْخَدُّ وَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ فَتْحُ الْوَاوِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا وَالرَّابِعَةُ أُجْنَةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (قَوْلُهُ) كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ مَعْنَاهُ يُنْذِرُ قَوْمَهُ وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ جَيْشٍ يَقْصِدُهُمْ (قَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ " هُوَ بِنَصْبِ السَّاعَةِ وَرَفْعِهَا النَّصْبُ عَلَى تَقْدِيرِ مَعَ وَهُوَ مَفْعُولٌ مَعَهُ وَالرَّفْعُ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ وَالْإِبْهَامُ مُؤَنَّثَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ ويجوز تذكيرها وسبق بيانها فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ (قَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ " رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَلَى وَجْهَيْنِ ضَمُّ الْهَاءِ مَعَ فَتْحِ الدَّالِ وَفَتْحُ الْهَاءِ مَعَ إسْكَانِ الدَّالِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فَمَنْ فَتَحَ فَمَعْنَاهُ الطَّرِيقَةُ وَالْأَخْلَاقُ وَمَنْ ضَمَّ مَعْنَاهُ الْإِرْشَادُ وَقَدْ بَسَطْتُ شَرْحَ الرِّوَايَتَيْنِ وَسَائِرِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مُوَضَّحَةً فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (قَوْلُهُ) صَلَّى الله عليه
وَسَلَّمَ " كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " هَذَا مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ كُلُّ مَا عُمِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهِيَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ وَمَكْرُوهَةٌ وَمُبَاحَةٌ وَقَدْ ذَكَرْت أَمْثِلَتَهَا وَاضِحَةً فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَمِنْ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْكَلَامِ لِلرَّدِّ عَلَى مُبْتَدِعٍ أَوْ مُلْحِدٍ تَعَرَّضَ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَنْدُوبَاتِ بِنَاءُ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطُ وَتَصْنِيفُ الْعِلْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالضَّيَاعُ - بِفَتْحِ الضَّادِ - الْعِيَالُ أَيْ مَنْ تَرَكَ عِيَالًا وَأَطْفَالًا يَضِيعُونَ بَعْدَهُ فَلِيَأْتُونِي لِأَقُومَ بِكِفَايَتِهِمْ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي دَيْنَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَخْلُفْ لَهُ وَفَاءً وَكَانَ هَذَا الْقَضَاءُ وَاجِبًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحَبًّا وَلَا يَجِبُ الْيَوْمَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَفِي وُجُوبِ قَضَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ فِيهِ سَعَةٌ وَلَمْ يَضِقْ عَنْ أَهَمَّ مِنْ هَذَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَسَيَأْتِي كُلُّ هَذَا وَاضِحًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ فِي الْخَصَائِصِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ) لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الصَّوْمِ (وَقَوْلُهُ) الرَّسُولِ هَكَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ وَكَذَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ قَالَ الرَّسُولُ بَلْ يُقَالُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ نَبِيُّ اللَّهِ (فَإِنْ قِيلَ) فَفِي الْقُرْآنِ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) (فَالْجَوَابُ) أَنَّ نِدَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْرِيفٌ لَهُ وَتَبْجِيلٌ بِأَيِّ خِطَابٍ كَانَ بِخِلَافِ كَلَامِنَا (وَقَوْلُ) الْمُصَنِّفِ رَوَاهُ الْمُزَنِيّ فِي أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُطْبَةِ مَعْنَاهُ نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْخُطْبَةِ فَجَعَلَهُ وَاجِبًا
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا فُرُوضُ الْخُطْبَةِ خَمْسَةٌ ثَلَاثَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَاثْنَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا (أَحَدُهَا) حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَمْدِ وَلَا يَقُومُ مَعْنَاهُ مَقَامَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَأَقَلُّهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ (الثَّانِي) الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ كَلَامِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يُوهِمُ أَنَّ لَفْظَيْ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ لَا يَتَعَيَّنَانِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ وَجْهًا مَجْزُومًا بِهِ وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّهُمَا مُتَعَيِّنَانِ (الثَّالِثُ) الْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَلْ يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْوَصِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحِ) الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَالْجُمْهُورُ لَا يَتَعَيَّنُ بَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَيُّ وَعْظٍ كَانَ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الخراسانيين
أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَلَفْظِ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ تَعَبَّدَنَا بِهِ فِي مَوَاضِعَ وَأَمَّا لَفْظُ الْوَصِيَّةِ فَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِالْأَمْرِ بِهِ وَلَا بِتَعَيُّنِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي التَّحْذِيرُ مِنْ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ قد يتواصى به منكروا الشرائع بل لابد مِنْ الْحَثِّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَنْعِ مِنْ الْمَعَاصِي قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجِبُ فِي الْمَوْعِظَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ بَلْ لَوْ قَالَ أَطِيعُوا اللَّهَ كَفَى وَأَبْدَى فِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ احْتِمَالًا وَاَلَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَوَافَقَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى لَفْظَيْ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ كَافٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَالَ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ أَوْ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ رَسُولِ اللَّهِ كَفَى وَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ أَوْ لِلرَّحِيمِ لَمْ يَكْفِ كَمَا لَوْ قَالَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذِهِ الْأَرْكَانُ الثَّلَاثَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ إلَّا وَجْهًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْفِي فِي إحْدَاهُمَا وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ (الرَّابِعُ) قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ تَجِبُ فِي إحْدَاهُمَا أيتهما شَاءَ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَمُخْتَصَرِ المزني تجب في الاولي ولا تجزئ فِي الثَّانِيَةِ (وَالثَّالِثُ) تَجِبُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُوَ غَلَطٌ (وَالرَّابِعُ) لَا تَجِبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ قَوْلًا وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ جَعْلُهَا فِي الْأُولَى وَنَصَّ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَقَلَّهَا آيَةٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ سَوَاءٌ كَانَتْ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا أَوْ حُكْمًا أَوْ قِصَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ الِاكْتِفَاءُ بشطر آية طويلة كانت وَالْمَشْهُورُ الْجَزْمُ بِاشْتِرَاطِ آيَةٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ (ثُمَّ نَظَرَ) لَمْ يَكْفِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُودَةً آيَةً بَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مُفْهِمَةً قَالَ الْمُصَنِّفُ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْخُطْبَةِ سُورَةَ ق قَالَ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَتُهَا بِكَمَالِهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ وَلِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوَاعِظِ وَالْقَوَاعِدِ وَإِثْبَاتِ الْبَعْثِ وَدَلَائِلِهِ والترغيب وَالتَّرْهِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَرَأَ سَجْدَةً نَزَلَ وَسَجَدَ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلْ يَسْجُدُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ السُّجُودُ عَلَيْهِ وكان عاليا وهو بطئ الْحَرَكَةِ بِحَيْثُ لَوْ نَزَلَ لَطَالَ الْفَصْلُ تَرَكَ السُّجُودَ وَلَمْ يَنْزِلْ هَكَذَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ جَمَاعَةٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ قَرَأَ سَجْدَةً فَنَزَلَ فَسَجَدَ فَلَا بَأْسَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الَّذِي أَسْتَحِبُّهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْخُطْبَةَ وَيَشْتَغِلَ
بِالسُّجُودِ لِأَنَّ السُّجُودَ نَفْلٌ فَلَا يُشْتَغَلُ بِهِ عَنْ الْخُطْبَةِ وَهِيَ فَرْضٌ فَلَوْ نَزَلَ فَسَجَدَ وَعَادَ إلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ فَقَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ هُنَا وَسَبَقَ ذِكْرُهُمَا (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْجَدِيدُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ فَوَاتَهَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْوَعْظِ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْخُطْبَةِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الْقَدِيمُ أَنَّ الْمُوَالَاةَ مُسْتَحَبَّةٌ فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ الِاسْتِئْنَافُ فَإِنْ بَنَى جَازَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا مَوْعِظَةٌ وَقَصَدَ إيقَاعَهَا عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى وَعَنْ الْقِرَاءَةِ لَمْ تُحْسَبْ عَنْ الْجِهَتَيْنِ بَلْ تُحْسَبُ قِرَاءَةً وَلَا يُجْزِئُهُ الْإِتْيَانُ بِآيَاتٍ تَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً وَلَوْ أَتَى بِبَعْضِهَا فِي ضِمْنِ آيَةٍ جَازَ (الْخَامِسُ) الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ قَوْلَانِ وَحَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ وَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَا يَجِبُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَمَقْصُودُ الْخُطْبَةِ الْوَعْظُ وَهَذَا نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ الْإِمْلَاءِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ وَاجِبٌ وَرُكْنٌ لَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ إلَّا بِهِ وَهَذَا نَصُّهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْأُمِّ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَصَحِّ فرجح جمهور العراقيين اسحبابه وَبِهِ قَطَعَ شَيْخُهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مواضع من تعليقه وادعى الاجماع أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَقَطَعَ بِهِ قَبْلَهُمْ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَرَجَّحَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وُجُوبَهُ وَقَطَعَ بِهِ شَيْخُهُمْ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَصَاحِبُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَقَطَعَ به الْعِرَاقِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا يَجِبُ فَمَحِلُّهُ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرَيْ الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ فَلَوْ دَعَا فِي الْأُولَى لَمْ يُجْزِئْهُ قَالُوا ويكفى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدُّعَاءِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَرَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مُتَعَلِّقًا بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَخْصِيصِهِ بِالسَّامِعِينَ بِأَنْ يَقُولَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ إمَّا مَكْرُوهٌ وَإِمَّا خِلَافُ الْأَوْلَى هَذَا إذا دعا بِعَيْنِهِ فَأَمَّا الدُّعَاءُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ بِالصَّلَاحِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ فَمُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ بِعَيْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجَازَفَةً فِي وَصْفِهِ وَنَحْوَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ
ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ فَشُرِطَ فِيهِ الْعَرَبِيَّةُ كَالتَّشَهُّدِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " وَكَانَ يَخْطُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ (وَالثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوَعْظُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلِّ اللُّغَاتِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قُلْنَا بِالِاشْتِرَاطِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ جَازَ أَنْ يَخْطُبَ بِلِسَانِهِ مُدَّةَ التَّعَلُّمِ وَكَذَا إنْ تَعَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ التَّكْبِيرَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ مَضَى زَمَنُ التَّعَلُّمِ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَصَوْا بِذَلِكَ وَيُصَلُّونَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَلَا تَنْعَقِدُ لَهُمْ جُمُعَةٌ
- (فَرْعٌ) التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَرْكَان الْخُطْبَةِ مَأْمُورٌ بِهِ وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ لَيْسَ هُوَ بِشَرْطٍ فَلَهُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ شَرْطٌ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ ثُمَّ الصَّلَاةِ ثُمَّ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ الْقِرَاءَة ثُمَّ الدُّعَاءِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ ثُمَّ الصَّلَاةِ ثُمَّ الْوَصِيَّةِ وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ وَلَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوَعْظُ وَهُوَ حَاصِلٌ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرَعٌ) لَوْ أُغْمِيَ عَلَى الْخَطِيبِ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ أَحْدَثَ وَشَرْطُنَا الطَّهَارَةُ فَهَلْ يَبْنِي عَلَيْهَا غَيْرُهُ فِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ (وَالثَّانِي) الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَفَرَّقَ بِأَنَّ فِي الِاسْتِخْلَافِ يَسْتَخْلِفُ مَنْ كَانَ شَارَكَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تُتَصَوَّرُ مُشَارَكَةُ غَيْرِهِ فِي الْخُطْبَةِ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ اسْتِخْلَافُ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودٌ هُنَا (فَالْجَوَابُ) بِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْخُطْبَةِ أَيْضًا الْوَعْظُ وَلَا يَحْصُلُ بِبِنَاءِ كَلَامِ رَجُلٍ عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ وَالْأَصَحُّ هُنَا مَنْعُ الْبِنَاءِ قَالَ الْبَغَوِيّ فَإِنْ جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ اُشْتُرِطَ كَوْنُ الثَّانِي مِمَّنْ سَمِعَ الْمَاضِيَ مِنْ الْخُطْبَةِ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَقَلِّ مَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَرْكَانَهَا عِنْدَنَا خَمْسَةٌ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ واسحق وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَدَاوُد الْوَاجِبُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُطْبَةِ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمَالِكِيُّ إنْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ أَجْزَأَهُ
- (فَرْعٌ) شُرُوطُ الْخُطْبَةِ سَبْعَةٌ وَقْتُ الظُّهْرِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَالْقِيَامُ وَالْقُعُودُ بَيْنَهُمَا وطهارة
الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الخطبتين والستر وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَالسَّابِعُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَوْ خَطَبَ سِرًّا وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ صَحَّتْ وَهُوَ غَلَطٌ لِفَوَاتِ مَقْصُودِهَا وَلَوْ خَطَبَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ قَدْرًا يَبْلُغهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا صُمًّا فَلَمْ يَسْمَعُوا كُلُّهُمْ أَوْ سَمِعَ دُونَ أَرْبَعِينَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (الصَّحِيحُ) لَا تَصِحُّ كَمَا لَوْ بَعُدُوا لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ (وَالثَّانِي) تَصِحُّ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِصَمَمِهِ يَحْنَثُ وَكَمَا لَوْ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ فَلَمْ يَفْهَمُوهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ وَيَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يُقْبِلُوا عَلَى الْإِمَامِ وَيَسْتَمِعُوا لَهُ وَيُنْصِتُوا وَالِاسْتِمَاعُ هُوَ شغل القلب بالاسماع وَالْإِصْغَاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْإِنْصَاتُ هُوَ السُّكُوتُ وَهَلْ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ وَيَحْرُمُ الْكَلَامُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِتَفْرِيعِهِمَا فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْجَدِيدِ يُسْتَحَبُّ الْإِنْصَاتُ وَلَا يَجِبُ وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ (وَالثَّانِي) وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ مِنْ الْجَدِيدِ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ وَيَحْرُمُ الْكَلَامُ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْأَوَّلُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ طَرِيقًا غَرِيبًا جَازِمًا بِالْوُجُوبِ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَفِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ عَلَى الْخَطِيبِ طَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) عَلَى الْقَوْلَيْنِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَحْرُمُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تَكَلَّمَ فِي الْخُطْبَةِ " وَالْأَوْلَى أَنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ كَلَامَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِحَاجَةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الْخِلَافُ فِي حَقِّ الْقَوْمِ وَالْإِمَامِ فِي كَلَامٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُهِمٌّ نَاجِزٌ فَلَوْ رَأَى أَعَمًى يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا وَنَحْوَهَا تَدِبُّ إلَى إنْسَانٍ غَافِلٍ وَنَحْوِهِ فَأَنْذَرَهُ أَوْ عَلَّمَ إنْسَانًا خَيْرًا أَوْ نَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَهَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ بِلَا خِلَافٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ لَكِنْ قَالُوا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِشَارَةِ إنْ حَصَلَ بِهَا الْمَقْصُودُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْكَلَامِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ أَمَّا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَبَعْدَ فَرَاغِهَا فَيَجُوزُ الْكَلَامُ بِلَا خِلَافٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الِاسْتِمَاعِ فَأَمَّا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَطَرِيقَانِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ بِالْجَوَازِ وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ بِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَادَى الي الخطبة الثانية ولان الخطبتين كشئ وَاحِدٍ فَصَارَ كَكَلَامٍ فِي أَثْنَائِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلدَّاخِلِ الْكَلَامَ مَا لَمْ يَأْخُذْ لِنَفْسِهِ مَكَانًا وَالْقَوْلَانِ إنَّمَا هما فيما بعده قُعُودِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَالْأَصْحَابُ يُكْرَهُ لِلدَّاخِلِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ سَوَاءٌ قُلْنَا الْإِنْصَاتُ وَاجِبٌ أَمْ لَا فَإِنْ خَالَفَ وَسَلَّمَ قَالَ
أَصْحَابُنَا إنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ حَرُمَتْ إجَابَتُهُ بِاللَّفْظِ وَيُسْتَحَبُّ بِالْإِشَارَةِ كَمَا لَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ تَحْرِيمُهُ كَرَدِّ السَّلَامِ (وَالثَّانِي) اسْتِحْبَابُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ بِخِلَافِ الْمُسَلِّمِ (وَالثَّالِثُ) يَجُوزُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يُرَدُّ السَّلَامُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَا يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَا يُتْرَكُ لَهَا الْإِنْصَاتُ الْوَاجِبُ وَإِذَا قُلْنَا لَا يُحْرَمُ الْكَلَامُ جَازَ رَدُّ السَّلَامِ وَالتَّشْمِيتُ بِلَا خِلَافٍ وَيُسْتَحَبُّ التَّشْمِيتُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ (وَالثَّانِي) لَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ آكَدُ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ وَأَمَّا السَّلَامُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) يَجُوزُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَبِهِ قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ (وَالثَّالِثُ) يَجِبُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَأَمَّا مَنْ لَا يَسْمَعُهَا لِبُعْدِهِ مِنْ الْإِمَامِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ (أَحَدُهُمَا) الْقَطْعُ بِجَوَازِ الْكَلَامِ (وَأَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يُحْرَمُ الْكَلَامُ اُسْتُحِبَّ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَإِنْ قُلْنَا يَحْرُمُ حَرُمَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَذْكُرُ إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هَيْنَمَةٍ وَتَهْوِيشٍ حَكَاهُ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا وَهُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي أَنَّ الْمَأْمُومَ هَلْ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْإِمَامَ وَالصَّحِيحُ هُنَاكَ أَنَّهُ يَقْرَأُ وَكَذَا هُنَا وَلَا خِلَافَ أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَذْكُرُ وَإِنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْكَلَامَ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ آكَدُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَحَيْثُ حَرَّمْنَا الْكَلَامَ فَتَكَلَّمَ أَثِمَ وَلَا تَبْطُلُ جُمُعَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ أَيْ لَا جُمُعَةَ كَامِلَةٌ
- (فَرْعٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ هَلْ يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى مَنْ عَدَا الْأَرْبَعِينَ فِيهِ الْقَوْلَانِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مِمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا التَّقْدِيرُ بَعِيدٌ وَمُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ أَمَّا بُعْدُهُ فَلِأَنَّ كَلَامَهُ مَفْرُوضٌ فِي السَّامِعِينَ لِلْخُطْبَةِ وَإِذَا حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ زَائِدُونَ عَلَى أَرْبَعِينَ لَمْ يُمْكِنْ أن يفرل تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ مُعَيَّنِينَ حَتَّى يَحْرُمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ قَطْعًا وَيَكُونَ الْخِلَافُ فِي الْبَاقِينَ بَلْ الْوَجْهُ الْحُكْمُ بِانْعِقَادِهَا بِجَمِيعِهِمْ أَوْ بِأَرْبَعِينَ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِنَقْلِ الْأَصْحَابِ فَلِأَنَّك لَا تَجِدُ لِلْأَصْحَابِ إلَّا إطْلَاقَ قَوْلَيْنِ فِي السَّامِعِينَ وَوَجْهَيْنِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ كَمَا سَبَقَ والله اعلم
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَتَحْرِيمِ الْكَلَامِ
- ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَدَاوُد وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وأبو حنيفة واحمد يحرم
- واحتج لهم بقول الله تعالي (وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وانصتوا) وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أبى الدارداء قَالَ " دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَرَأَ سُورَةَ بَرَاءَةٍ فقلت لابي ابن كَعْبٍ مَتَى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي فلما صلينا قلت له سألتك فلم تكلمني فقال مالك مِنْ صَلَاتِكَ إلَّا مَا لَغَوْتَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَدَقَ أَبِي " حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ فَحَرُمَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ كَالصَّلَاةِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَرَّاتٍ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ " دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ يارسول اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ فَأَشَارَ إلَيْهِ النَّاسُ أَنْ اسكت فسأله ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُشِيرُونَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْحَكَ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا قَالَ " بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَذَكَرَ حَدِيثَ الِاسْتِسْقَاءِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَةِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ هَذَا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْخُطْبَةُ وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمُرَادِ وَعَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّغْوِ الْكَلَامُ الْفَارِغُ وَمِنْهُ لَغْو الْيَمِينِ وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ الْمُرَادَ نَقْصُ جُمُعَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّاكِتِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ
- قال المصنف رحمه الله
- (وسننها أن يكون علي منبر لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يخطب على المنبر ولانه أبلغ في الاعلام ومن سنها إذا صعد المنبر ثم أقبل علي الناس أن يسلم عليهم لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كان إذا صعد المنبر يوم الجمعة واستقبل الناس بوجهه قال السلام عليكم " ولانه استدبر الناس في صعوده فإذا اقبل عليهم سلم ومن سننها أن يجلس إذا سلم حتى يؤذن المؤذن لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ إذا خرج يوم الجمعة جلس يعنى علي المنبر حتى يسكت المؤذن ثم قام فخطب " ويقف على الدرجة التي تلى المستراح لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يقف على هذه الدرجة ولان ذلك أمكن له ويستحب أن يعتمد علي قوس أو عصى لما روى الحكم بن حزن رضي الله عنه قال " وفدت الي النبي صلي الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة فقام متوكئا علي قوس أو عصي فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات " ولان ذلك أمكن له فان لم يكن معه شئ سكن يديه ومن سننها أن يقبل علي الناس ولا يلتفت يمينا ولا شمالا لما روى سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ إذَا خطبنا استقبلناه بوجوهنا واستقبلنا بوجهه " ويستحب أن يرفع صوته لحديث جابر " علا صوته واشتد غضبه " ولانه أبلغ في الاعلام قال الشافعي رحمه الله ويكون كلامه مترسلا مبينا معربا من غير لغى ولا تمطيط لان ذلك أحسن وأبلغ ويستحب أن يقصر الخطبة لما روى عن عثمان " أنه خطب وأوجز فقيل له لو كنت تنفست فقال سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " قصر خطبة الرجل مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الْخُطْبَةِ ")
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ " صَحِيحٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَاتِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَإِسْنَادُهُمَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ " إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد باسناد ضعيف ويغنى عنه ما ثبت في صحيح البخاري عن السائب ابن يَزِيدَ الصَّحَابِيِّ قَالَ " كَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " فَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْجُلُوسِ حِينَئِذٍ وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقِفُ عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ فَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَلَيْسَ مَوْجُودًا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُقَابَلَةِ بِأَصْلِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ حَزَنٍ فَحَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ
حَسَنَةٍ وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ (1) وَأَمَّا حديث عثمان فرواه مسلم في صحيحه
- اما لغات الفصل والفاظه فالمنبر مِنْ النَّبْرِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ (وَقَوْلُهُ) تَلِي الْمُسْتَرَاحَ هُوَ أَعْلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي يَقْعُدُ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ لِيَسْتَرِيحَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ حَالَ الْأَذَانِ وَالْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَجُنْدُبٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا (قَوْلُهُ) يَكُونُ كَلَامُهُ مُتَرَسِّلًا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَيْ يَتَمَهَّلُ فِيهِ وَيُبَيِّنُهُ تَبْيِينًا يَفْهَمُهُ سَامِعُوهُ قَالَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ اذْهَبْ عَلَى رِسْلِكَ أَيْ عَلَى هِينَتِكَ غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ وَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ (قَوْلُهُ) مُعْرِبًا أَيْ فَصِيحًا والبغي باسكان الغين المعجمة قال الازهرى أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ صَوْتِهِ يَحْكِي كَلَامَ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَفَيْهِقِينَ قَالَ وَالْبَغْيُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْكِبْرُ وَالْبَغْيُ الضَّلَالُ والبغي الفساد قال التَّمْطِيطُ الْإِفْرَاطُ فِي مَدِّ الْحُرُوفِ يُقَالُ مَطَّ كَلَامَهُ إذَا مَدَّهُ فَإِذَا أَفْرَطَ فِيهِ قِيلَ مَطَّطَهُ (قَوْلُهُ) لَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْت يَعْنِي مَدَدْتَهَا وَطَوَّلْتهَا (قَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَئِنَّةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ أَيْ عَلَامَةٌ أَوْ دَلَالَةٌ عَلَى فِقْهِهِ
- أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرٍ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ وَلِأَنَّ النَّاسَ إذَا شَاهَدُوا الْخَطِيبَ كَانَ أَبْلَغَ فِي وَعْظِهِمْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ الْمِحْرَابِ أَيْ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ إذَا قَامَ فِي الْمِحْرَابِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَهَكَذَا الْعَادَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى يَمِينِ الْمِنْبَرِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقِفَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ وَإِلَّا فَإِلَى خَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَخْطُبُ إلى جذع قبل اتخاذ المنبر " قالوا وَيُكْرَهُ الْمِنْبَرُ الْكَبِيرُ جِدًّا الَّذِي يُضَيِّقُ عَلَى الْمُصَلِّينَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِدُ مُتَّسِعًا (الثَّانِيَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ مَرَّتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ هُنَاكَ وَعَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إذَا انتهى إليه (الثانية) إذا وصل أعلا الْمِنْبَرِ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا سَلَّمَ لَزِمَ السَّامِعِينَ الرَّدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالسَّلَامِ فِي بَاقِي الْمَوَاضِعِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ الثَّانِي مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ
- وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ (الثَّالِثَةُ) يُسَنُّ لَهُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْلِسَ وَيُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ قَامَ فَشَرَعَ فِي الْخُطْبَةِ وَيَكُونُ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَفِيهِ كَلَامٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي بَابِ الْأَذَانِ (الرَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَزَلَ عَنْ مَوْقِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَرَجَةً وَعُمَرَ دَرَجَةً أُخْرَى وَعُثْمَانَ أُخْرَى وَوَقَفَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَوْقِفِ النَّبِيِّ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قُلْنَا) كُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ حَجَّةً عَلَى بَعْضٍ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مُوَافَقَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْخَامِسَةُ) يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ عَصًا أَوْ نَحْوِهَا لِمَا سَبَقَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ الْيَدَ الَّتِي يَأْخُذُهُ فِيهَا وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْغَلَ يَدَهُ الْأُخْرَى بِأَنْ يَضَعَهَا عَلَى حَرْفِ الْمِنْبَرِ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَيْفًا أَوْ عَصًا وَنَحْوَهُ سَكَّنَ يَدَيْهِ بِأَنْ يَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ يُرْسِلَهُمَا وَلَا يُحَرِّكَهُمَا وَلَا يَعْبَثَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَالْمَقْصُودُ الْخُشُوعُ وَالْمَنْعُ مِنْ الْعَبَثِ (السَّادِسَةُ) يُسَنُّ أَنْ يُقْبِلَ الْخَطِيبُ عَلَى الْقَوْمِ فِي جَمِيعِ خُطْبَتَيْهِ وَلَا يلتفت في شئ مِنْهُمَا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَلَا يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ الِالْتِفَاتِ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهَا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ هَذَا الِالْتِفَاتِ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْصِدَ قَصْدَ وَجْهِهِ ولا يلتفت في شئ مِنْ خُطْبَتِهِ عِنْدَنَا
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي بَعْضِ الْخُطْبَةِ كَمَا فِي الْأَذَانِ وَهَذَا غَرِيبٌ لَا أَصْلَ لَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَوْمِ الْإِقْبَالُ بِوُجُوهِهِمْ عَلَى الْخَطِيبِ وَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَدَبُ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْوَعْظِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ سَبَبُ اسْتِقْبَالِهِمْ لَهُ وَاسْتِقْبَالِهِ إيَّاهُمْ وَاسْتِدْبَارِهِ الْقِبْلَةَ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ فَلَوْ اسْتَدْبَرَهُمْ كَانَ قَبِيحًا خَارِجًا عَنْ عُرْفِ الْخِطَابِ وَلَوْ وَقَفَ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَإِنْ اسْتَدْبَرُوهُ كَانَ قَبِيحًا وَإِنْ اسْتَقْبَلُوهُ اسْتَدْبَرُوا الْقِبْلَةَ فَاسْتِدْبَارٌ وَاحِدٌ وَاسْتِقْبَالُ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَخَطَبَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مُسْتَدْبِرَ النَّاسِ صَحَّتْ خُطْبَتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَذَا قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ خُطْبَتُهُ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَطَعَ بِهِ وَأَنَّ لَهُ بَعْضَ الِاتِّجَاهِ وَطَرَدَ الدَّارِمِيُّ الْوَجْهَ فِيمَا إذَا اسْتَدْبَرُوهُ أَوْ خَالَفُوا هُمْ أَوْ هُوَ الْهَيْئَةَ الْمَشْرُوعَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ (السَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (الثَّامِنَةُ) يُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْخُطْبَةِ فَصِيحَةً بَلِيغَةً مُرَتَّبَةً مُبَيَّنَةً مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلَا تَقْعِيرٍ وَلَا تَكُونُ أَلْفَاظًا مبتذلة ملففة فَإِنَّهَا لَا تَقَعُ فِي النُّفُوسِ مَوْقِعًا كَامِلًا وَلَا تَكُونُ وَحْشِيَّةً لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهَا بَلْ يَخْتَارُ أَلْفَاظًا جَزْلَةً مُفْهِمَةً قَالَ الْمُتَوَلِّي وَيُكْرَهُ الْكَلِمَاتُ الْمُشْتَرَكَةُ وَالْبَعِيدَةُ عَنْ الْأَفْهَامِ وَمَا يَكْرَهُ عُقُولُ الْحَاضِرِينَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيحِهِ (التَّاسِعَةُ) يُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْخُطْبَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَحَتَّى لَا يَمَلُّوهَا قَالَ أَصْحَابُنَا
وَيَكُونُ قِصَرُهَا مُعْتَدِلًا وَلَا يُبَالِغُ بِحَيْثُ يَمْحَقُهَا (الْعَاشِرَةُ) قَالَ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ لَا يَحْضُرَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَشْرَعُ فِيهَا أَوَّلَ وُصُولِهِ الْمِنْبَرَ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا وَصَلَ الْمِنْبَرَ صَعِدَهُ وَلَا يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَتَسْقُطُ هُنَا التَّحِيَّةُ بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِالْخُطْبَةِ كَمَا تَسْقُطُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِسَبَبِ الطَّوَافِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا تُسْتَحَبُّ لَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَحِكْمَتُهُ مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ التَّحِيَّةَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) يُسْتَحَبُّ لِلْقَوْمِ أَنْ يُقْبِلُوا عَلَى الْخَطِيبِ مُسْتَمِعِينَ وَلَا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِهِ حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ لَهُمْ شُرْبُ الْمَاءِ لِلتَّلَذُّذِ ولا بأس يشربه لِلْعَطَشِ لِلْقَوْمِ وَالْخَطِيبِ
- هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَخَّصَ فِي الشُّرْبِ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَنَهَى عَنْهُ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَبْطُلُ الْجُمُعَةُ إذَا شَرِبَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْجَوَازَ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً لِمَنْ مَنَعَهُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَخْتِمَ خُطْبَتَهُ بِقَوْلِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي النُّزُولِ من المنبر غقب فَرَاغِهِ وَيَأْخُذُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَيَبْلُغُ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِ الْإِقَامَةِ (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) يُكْرَهُ فِي الْخُطْبَةِ أَشْيَاءُ (مِنْهَا) مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الْخُطَبَاءِ مِنْ الدَّقِّ بِالسَّيْفِ عَلَى دَرَجِ الْمِنْبَرِ فِي صُعُودِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَبِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ وَمِنْهَا الدُّعَاءُ إذَا انْتَهَى صُعُودُهُ قَبْلَ جُلُوسِهِ وَرُبَّمَا تَوَهَّمَ بَعْضُ جَهَلَتِهِمْ أَنَّهَا سَاعَةُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَذَلِكَ خَطَأٌ إنَّمَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ بَعْدَ جُلُوسِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ الْبَابِ الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمِنْهَا) الِالْتِفَاتُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَكْرُوهٌ وَمِنْهَا الْمُجَازَفَةُ فِي أَوْصَافِ السَّلَاطِينِ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ وَكَذِبُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ السُّلْطَانُ الْعَالِمُ الْعَادِلُ وَنَحْوِهِ (وَمِنْهَا) مُبَالَغَتُهُمْ فِي الْإِسْرَاعِ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ بِهَا (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَإِذَا حُصِرَ الْإِمَامُ لُقِّنَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَنَصَّ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ قَالَ القاضى
أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَقَوْلُهُ يُلَقِّنُهُ أَرَادَ إذَا استظعمه التلقين بحيث سكت ولم ينطق بشئ وقوله لا يلقنه أراد ما دام الكلام ويرجوا ان؟ ؟ ؟ عَلَيْهِ فَيُتْرَكُ حَتَّى يَنْفَتِحَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَنْفَتِحْ لُقِّنَ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ هَذَا التَّفْصِيلُ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ * قال المصنف رحمه الله
- (والجمعة ركعتان لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ " صلاة الاضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد خاب من افترى " ولانه نقل الخلف عن السلف والسنة أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ الجمعة وفى الثانية المنافقين لما روى عبد الله بن أبى رافع قال " استخلف مروان ابا هريرة على المدينة فصلي بالناس الجمعة فقرأ بالجمعة والمنافقين فقلت يا أبا هريرة قرأت بسورتين سمعت عليا رضى الله عنه قرأ بهما قال سمعت حبي ابا القاسم صلي الله عليه وسلم يقرأ بهما " والسنة ان يجهر فيهما بالقراءة لانه نقل الخلف عن السلف)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمْ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِهِ وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا تَابِعِيٌّ وَأَبُوهُ أَبُو رَافِعٍ صَحَابِيٌّ وَهُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُهُ أَسْلَمُ وَيُقَالُ ابراهيم ويقال ثابت ويقال هرمز وله وَقَوْلُهُ حِبِّي - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أَيْ مَحْبُوبِي
- أَمَّا الْأَحْكَامُ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَانِ وَعَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ فيهما وتسن القراءة فيهما بِالسُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بِكَمَالِهِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ
يقرأ فِي الْأُولَى سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ وَفِي الثَّانِيَةِ هل اتاك حديث الغاشية وَقَالَ الرَّبِيعُ وَهُوَ رَاوِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدَةِ سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ أَنَّهُ يَخْتَارُ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ وَلَوْ قَرَأَ سَبِّحْ وَهَلْ أَتَاكَ كَانَ حَسَنًا وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ في الجمعة بسبح وهل اتاك ايضا والصواب هاتين سنة وهاتين سُنَّةٌ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَاتَيْنِ تَارَةً وَبِهَاتَيْنِ تَارَةً وَالْأَشْهَرُ عَنْ الشافعي والاصحاب الجمعة والمنافقين قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى الْمُنَافِقِينَ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الْجُمُعَةَ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلَا يُعِيدُ الْمُنَافِقِينَ وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى غَيْرَ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ السُّورَتَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ لَا يَجْهَرُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْإِسْرَارُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَلَا يُمْكِنُهُ تَدَارُكُ السُّنَّةِ الْفَائِتَةِ إلَّا بِتَفْوِيتِ السُّنَّةِ الْمَشْرُوعَةِ الْآنَ وَأَمَّا هُنَا فَيُمْكِنُهُ جَمْعُ السُّورَتَيْنِ بِغَيْرِ إخْلَالٍ بِسُنَّةٍ (فَإِنْ قِيلَ) هَذَا يُؤَدِّي إلَى تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ (فَالْجَوَابُ) أَنَّ ذَلِكَ الْأَدَبَ لَا يُقَاوِمُ فَضِيلَةَ السُّورَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا مَزِيَّةَ لِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ وَلَا لِغَيْرِهِمَا وَالسُّوَرُ كُلُّهَا سَوَاءٌ فِي هَذَا وَقَالَ مَالِكٌ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْجُمُعَةَ وَالثَّانِيَةِ هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ
- (فَرْعٌ) هَلْ الْجُمُعَةُ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أَمْ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَمِمَّنْ نَقَلَهُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ حَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْآخَرِينَ أَنَّهُ وَجْهَانِ وَلَعَلَّهُمَا قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَيَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا قَوْلَيْنِ وَوَجْهَيْنِ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهَا صلاة مستقلة ويستدل له حديث عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِأَنَّ ادِّعَاءَ الْقَصْرِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَعَبَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَقَالَ فِي الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) كُلُّ وَاحِدَةٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ (وَالثَّانِي) الظُّهْرُ أَصْلٌ وَالْجُمُعَةُ بَدَلٌ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ أَصَحُّهَا أَنَّ الْجُمُعَةَ أَصْلٌ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ وَبَنَى الْأَصْحَابُ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهَا ظُهْرًا مَقْصُورَةً أَمْ مُسْتَقِلَّةً مَسَائِلَ كَثِيرَةً (مِنْهَا) مَا سَأَذْكُرُهُ فِي فَرْعٍ
بَعْدَ هَذَا فِي نِيَّةِ الْجُمُعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
-
(فَرْعٌ) يَنْبَغِي لِمُصَلِّي الْجُمُعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْجُمُعَةَ بِمَجْمُوعِ مَا يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ فَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ إنْ قُلْنَا الْجُمُعَةُ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فلابد مِنْ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ فَلَوْ نَوَى ظُهْرًا مَقْصُورَةً لَمْ تَصِحَّ وَإِنْ قُلْنَا هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ فَنَوَى ظُهْرًا مَقْصُورَةً فَوَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) تَصِحُّ جُمُعَتُهُ لِأَنَّهُ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا (وَالثَّانِي) لَا تَصِحُّ لِأَنَّ مَقْصُودَ النِّيَّاتِ التَّمْيِيزُ فَوَجَبَ التَّمْيِيزُ بِمَا يَخُصُّ الْجُمُعَةَ قَالَ وَلَوْ نَوَى الْجُمُعَةَ فَإِنْ قُلْنَا هِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ قلنا ظهر مقصورة فَهَلْ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَصْرِ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) لَا يُشْتَرَطُ بَلْ تَكْفِي نِيَّةُ الْجُمُعَةِ (وَالثَّانِي) يُشْتَرَطُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا ضَعِيفٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ مِنْ الْمَذْهَبِ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَلَوْ نَوَى الظُّهْرَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقَصْرِ لَمْ تَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ
-
﴿باب هيئة الجمعة﴾
-
قال المصنف رحمه الله
-
(السنة لمن اراد الجمعة ان يغتسل لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ جاء منكم الي الجمعة فليغتسل ووقته ما بين طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةَ فان اغتسل قبل طلوع الفجر لَمْ يُجْزِئْهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ " فعلقه على اليوم والافضل ان يغتسل عند الرواح لحديث ابن عمر ولانه انما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود فان ترك الغسل جاز لما روى سَمُرَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أفضل " فان كان جنبا فنوى بالغسل الجنابة والجمعة اجزأه عنهما كما لو اغتسلت المرأة ونوت الجنابة والحيض وان نوى الجنابة ولم ينوى الجمعة اجزأه عن الجنابة وفى الجمعة قولان (أحدهما) يجزئه لانه يراد للتنظيف وقد حصل (والثاني) لا يجزئه لانه لم ينوه فأشبه إذا اغتسل من غير نية وإن نوى الجمعة ولم ينو الجنابة لم يجزئه عن الجنابة وفى الجمعة وجهان (أحدهما) وهو المذهب أنه يجزئه عنهما لانه نواها (والثانى) لا تجزئه لان غسل لجمعة يراد للتنظيف والتنظيف لا يحصل مع بقاء الجنابة)
-
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إلَى الجمعة " معناه من أراد المجئ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ الْمُرَادُ بِالْمُحْتَلِمِ الْبَالِغُ وَبِالْوُجُوبِ وُجُوبُ اخْتِيَارٍ لَا وُجُوبُ الْتِزَامٍ كَقَوْلِ الْإِنْسَانِ لِصَاحِبِهِ حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ (وَقَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ " قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ مَعْنَاهُ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ السُّنَّةُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ أَوْ نِعْمَتْ الْفِعْلَةُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ قَالَ وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ تَاءُ التَّأْنِيثِ لِإِظْهَارِ السُّنَّةِ أَوْ الْخَصْلَةِ أَوْ الْفِعْلَةِ وَحَكَى الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ مَا سَبَقَ ثُمَّ قَالَ وَسَمِعْتُ الْفَقِيهَ أَبَا حَاتِمٍ الشَّارِكِيَّ يَقُولُ مَعْنَاهُ فَبِالرُّخْصَةِ أَخَذَ لِأَنَّ السُّنَّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فَبِالْفَرِيضَةِ أَخَذَ وَلَعَلَّ الْأَصْمَعِيَّ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَبِالسُّنَّةِ أَيْ فِيمَا جَوَّزَتْهُ السَّنَةُ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنِعْمَتْ - بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ - هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ قَالَ الْقَلَعِيُّ وَرُوِيَ نَعِمْتَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ التَّاءِ أَيْ نَعَّمَكَ اللَّهُ وَهَذَا تَصْحِيفٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ
-
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ فِي فَصْلٍ عَقِيبَ بَابِ صِفَةِ الْغُسْلِ وَنُعِيدُ مِنْهُ هُنَا قِطْعَةً مُخْتَصَرَةً تَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وُجُوبًا يُعْصَى بِتَرْكِهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَفِيمَنْ يُسَنُّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ يُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَغَيْرُهُمْ لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ النَّظَافَةُ وَهُمْ فِي هَذَا سَوَاءٌ وَلَا يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ الْحُضُورَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَلِانْتِفَاءِ الْمَقْصُودِ وَلِحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " من أتى الجمعة
مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (الثَّانِي) يُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَهَا وَلِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَمَنَعَهُ عُذْرٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهُ الْجُمُعَةُ وَالْغُسْلُ فَعَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ الْآخَرَ (وَالثَّالِثُ) لَا يُسَنُّ إلَّا لِمَنْ لَزِمَهُ حُضُورُهَا حَكَاهُ الشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ وَالرَّابِعُ يُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ مَنْ حضرها وغيره لانه كيوم العيد وهو مشهور مِمَّنْ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَوَقْتُ جَوَازِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةَ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَدَلِيلُهُ فِي الْكِتَابِ قَالُوا وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَانْفَرَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِحِكَايَةِ وَجْهٍ أَنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَغُسْلِ الْعِيدِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَالصَّوَابُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيُخَالِفُ الْعِيدَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَيَبْقَى أَثَرُ الْغُسْلِ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى تَقْدِيمِ غُسْلِ الْعِيدِ لِكَوْنِ صَلَاتِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْفَجْرِ ضاق الوقت وتأخر عن التكبير إلَى الصَّلَاةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتِ الذَّهَابِ إلَى الْجُمُعَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الذَّهَابِ وَلَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ أَجْنَبَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَبْطُلْ غُسْلُ الْجُمُعَةِ عِنْدَنَا بَلْ يَغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ وَيَبْقَى غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ وَلَا وَجْهَ لِإِبْطَالِهِ وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ لِنَفَادِ الْمَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ يُسْتَحَبُّ له التيمم ويجوز بِهِ فَضِيلَةَ الْغُسْلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَهُ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ الظَّاهِرُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُرَادَ بِالْغُسْلِ النَّظَافَةُ وَلَا تَحْصُلُ بِالتَّيَمُّمِ ورجح الغزالي هذا الاحتمال وليس بشئ وَلَوْ تَرَكَ الْغُسْلَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَجُمُعَتُهُ صَحِيحَةٌ وَسَنَبْسُطُ دَلَائِلَهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَسْلُ جَنَابَةٍ فَنَوَى الْغُسْلَ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ مَعًا فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ غُسْلِهِ لَهُمَا جَمِيعًا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي عَنْ أَبِي سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَاسْتَدَلَّ لِلْمَذْهَبِ بِمَا إذَا لَزِمَهَا غُسْلُ حَيْضٍ وَغُسْلُ جَنَابَةٍ فَنَوَتْهُمَا أَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ الْفَرْضَ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا وَلَوْ نَوَى غسل الجمعة لم تحصل الْجَنَابَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ للخراسانيين أَنَّهَا تَحْصُلُ وَسَبَقَ بيانه في
كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنْ قُلْنَا بِهِ حَصَلَ غُسْلُ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَفِي صِحَّةِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ (الصَّحِيحُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ كَثِيرُونَ حُصُولُهُ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ (وَالثَّانِي) لَا يَحْصُلُ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَإِذَا اخْتَصَرْتَ قُلْتَ إذَا نَوَى غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) حُصُولُهَا دُونَ الْجَنَابَةِ (وَالثَّانِي) حُصُولُهُمَا (وَالثَّالِثُ) مَنْعُهُمَا وَلَوْ نَوَى الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ حَصَلَ بِلَا خِلَافٍ وَفِي حُصُولِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ وَالْأَكْثَرِينَ لَا يَحْصُلُ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلَمْ يَنْوِهِ (وَأَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْبَغَوِيِّ حُصُولُهُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَعْصِي بِتَرْكِهِ بَلْ لَهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ هُوَ فَرْضٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْ رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ
- وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ " غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ " وَبِحَدِيثِ " مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلِيَغْتَسِلْ " وَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ
- وَاحْتَجَّ اصحابنا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ (أَحَدُهُمَا) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَبِهَا " وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِمَّا سَبَقَ فِي تَفْسِيرِهِ تَحْصُلُ الدَّلَالَةُ (وَالثَّانِي) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ " وَالْأَصْلُ فِي أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْفَضْلِ يُرَجَّحُ أَحَدَهُمَا فِيهِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أتي الجمعة فدنى وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ " بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ عُثْمَانُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ فَقَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ فَقَالَ عُثْمَانُ مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ ثُمَّ أَقْبَلْتُ فَقَالَ عُمَرُ وَالْوُضُوءَ أَيْضًا أَلَمْ تَسْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ دَخَلَ رَجُلٌ وَلَمْ يُسَمِّ عُثْمَانَ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ حَضَرَ الْجُمُعَةَ وَهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ أَقَرُّوا عُثْمَانَ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِالرُّجُوعِ لَهُ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَتْرُكْهُ وَلَمْ يَتْرُكُوا أَمْرَهُ بِالرُّجُوعِ لَهُ قَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يَتَحَرَّيَنَّهُ (وَقَوْلُهُ) وَالْوُضُوءَ أَيْضًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ وَتَوَضَّأْتَ الْوُضُوءَ أَيْضًا وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ
قَالَتْ " كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَمِنْ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ وَيُصِيبُهُمْ الْغُبَارُ فيخرج منهم الريح فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو أنكم تطهرتم ليؤمكم هَذَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " غُسْلُ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَكِنَّهُ أَطْهُرُ وَخَيْرٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْغُسْلِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (وَالْجَوَابُ) عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي
مَسَائِلَ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ
- قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ يُجْزِئُ غُسْلٌ وَاحِدٌ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ ومكحول ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو ثور وقال احمد ارجوا أَنْ يُجْزِئَهُ وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الصَّحَابِيُّ لِمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ أَعِدْ غُسْلًا لِلْجُمُعَةِ وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ لَا يُجْزِئُهُ (وَمِنْهَا) لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ قبل الفجر لم يجزئه عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُجْزِئُهُ (وَمِنْهَا) لَوْ اغْتَسَلَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ والنخعي والثوري واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عِنْدَ الذَّهَابِ إلَى الْجُمُعَةِ وَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ لَا يُجْزِئُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ يُجْزِئُهُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ (وَمِنْهَا) لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ ثُمَّ أَجْنَبَ لَمْ يَبْطُلْ غُسْلُهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَبْطُلُ وَلَوْ أَحْدَثَ لَمْ يَبْطُلْ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ إعَادَةِ الْغُسْلِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَحَكَى عَنْ طَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ اسْتِحْبَابَهُ (وَمِنْهَا) الْمُسَافِرُ إذَا لَمْ يُرِدْ حُضُورَ الْجُمُعَةِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ عِنْدَنَا وَفِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ تَرَكَهُ فِي السفر ابن عمر وعلقمة وعطاء وقال وروى عن طلحة بن عبيد الله أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ فِي السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَنْ طَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ مِثْلُهُ (وَمِنْهَا) الْمَرْأَةُ إذَا حَضَرَتْ الْجُمُعَةَ اُسْتُحِبَّ لَهَا الْغُسْلُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا تَغْتَسِلُ
- دَلِيلُنَا عَلَى الْجَمِيعِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ " وعلي مالك اشتراط الذهاب عقب الغسل (قوله) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ " إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَفْظَةُ ثُمَّ لِلتَّرَاخِي وَعَلَى أَحْمَدَ فِي الْمَرْأَةِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِزِيَادَتِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تطيب ولا تزين
- قال المصنف رحمه الله
- (ويستحب أن يتنظف بسواك وأخذ الظفر والشعر وقطع الروائح ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه لما روى أبو سعيد وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجمعة واستن ومس من طيب ان كان عنده ولبس أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وانصت إذا خرج الامام كانت كفارة لما بينهما وبين الجمعة التى قبلها " وأفضل الثياب البياض لما روى سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم البسوا ثياب البيض فانها اطهر وأطيب " ويستحب للامام من الزينة أكثر مما يستحب لغيره لانه يقتدى به والافضل أن يعتم ويرتدى ببرد لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذلك)
- (الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ وَهُوَ مِنْ رواية محمد بن اسحق صَاحِبِ الْمَغَازِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ومحمد بن اسحق يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إذَا قَالَ أَخْبَرَنِي أَوْ حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْتُ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا قَالَ عَنْ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى تَدْلِيسٍ وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ سَمَاعُهُ وَصَارَ الْحَدِيثُ حَسَنًا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَحَادِيثُ بِمَعْنَى بَعْضِهِ (مِنْهَا) عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ من سواك وَيَمَسُّ مِنْ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ صَحِيحٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي النَّدْبِ إلَى إحْسَانِ الثِّيَابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالسِّوَاكِ وَالطِّيبِ (وَأَمَّا) إزَالَةُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ (فَاحْتَجَّ) لَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي بَابِ السِّوَاكِ فِي النَّدْبِ الْعَامِّ إلَيْهِمَا وانهما من خصال الفطرة المندوب