كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَالْقَافِ وَأَبُو قَتَادَةَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقِيلَ النُّعْمَانُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ رِبْعِيِّ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ سَلَمِيٌّ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ مَدَنِيٌّ يُقَالُ لَهُ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهُمَا مِنْ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ العصر إذا صار ظل كل شئ مِثْلَهُ غَيْرَ الظِّلِّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ إذَا انْقَضَى وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَا اشْتِرَاكَ بَيْنَهُمَا وَلَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَسَبَقَ بَيَانُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " وَزَادَ أَدْنَى زِيَادَةٍ " فَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهَا لِبَيَانِ انْتِهَاءِ الظِّلِّ إلَى الْمِثْلِ وَإِلَّا فَالْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ قَبْلَ حُصُولِ الزِّيَادَةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْمِثْلِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالثَّانِي أَنَّهَا مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْعَصْرُ عَقِبَهَا قَالَ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْعِرَاقِيِّينَ وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَالثَّالِثُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ وَلَا مِنْ وَقْتِ العصر بل هي فاصل بين الوقتين هذا مَا حَكَاهُ فِي الذَّخَائِرِ وَهَذَا الثَّالِثُ لَيْسَ بشئ لقوله صلي الله عليه وسلم " وقت الظهر مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ آخِرُهُ إذَا صَارَ ظل الشئ مِثْلَيْهِ فَإِنْ أَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ أَثِمَ وَكَانَتْ قَضَاءً قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ لَمْ يُخَرِّجْهُ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّ وقتها يمتد حتى تغرب الشمس وانما هُوَ اخْتِيَارٌ لِنَفْسِهِ
وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ وَأَمَّا حَدِيثُ جِبْرِيلَ فَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لَا وَقْتِ الْجَوَازِ بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَيَكُونُ الْعَمَلُ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهَا أَصَحُّ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَيْضًا صَحِيحًا ولان الحائض وغيرها من أهل العذار إذَا زَالَ عُذْرُهُمْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِرَكْعَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْعَصْرُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ قد خرج لم يلزمهم وَهَذَا الْإِلْزَامُ حَسَنٌ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي دَرْسِهِ إنَّ الْإِصْطَخْرِيَّ يَحْمِلُ حَدِيثَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ لِلْعَصْرِ خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ بِلَا كَرَاهَةٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ وَكَرَاهَةٍ وَوَقْتُ عُذْرٍ فَالْفَضِيلَةُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ وَنِصْفَ مِثْلِهِ وَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يَصِيرَ مِثْلَيْنِ وَالْجَوَازِ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَالَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى تَغْرُبَ وَالْعُذْرُ
وَقْتُ الظُّهْرِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يذكر الله فيها الا قليلا " رواه مُسْلِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِلْعَصْرِ يَمْتَدُّ إلَى مصير ظل كل شئ مِثْلَيْهِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يمتد الي اصفرار الشمس * قال المصنف رحمه الله
- (وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لما روى ان جبرائيل عليه السلام صلي المغرب حين غابت وافطر الصائم وليس لها الا وقت واحد وهو بقدر ما يتطهر ويستر العورة ويؤذن ويقيم ويدخل فيها فان الدخول عن هذا الوقت اثم لما روى ابن عباس ان جبريل عليه السلام صلي المغرب في المرة الاخيرة كما صلاها في المرة الاولى ولو كان لها وقت آخر لبين كما بين في سائر الصلوات فان دخل فيها في وقتها ففيه ثلاثة أوجه أحدها ان له ان يستديمها إلى غيبوبة الشفق لان النبي صلي الله عليه وسلم قرأ الاعراف في صلاة المغرب والثاني لا يجوز أن يستديمها اكثر من قدر ثلاث ركعات لان جبريل صلي ثلاث ركعات والثالث له ان يصلى مقدار أول الوقت في سائر الصلوات لانه لا يكون مؤخرا في هذا القدر ويكون مؤخرا فيما زاد عليه ويكره ان يسمى صلاة المغرب العشاء لما روى عبد الله ابن مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال " لا تغلبنكم الاعراب علي اسم صلاة المغرب وتقول الاعراب هي العشاء ")
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ هُوَ تَمَامُ الْأَوَّلِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ صَحِيحٌ أَيْضًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْأَعْرَابُ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ وَحَدِيثُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فَرَوَاهُ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثابت " مالك تقرأ في المغرب بقصار وقد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِأَطْوَلِ الطوليين " هذا لفظ البخاري وفى رواية النسائي واسادها صَحِيحٌ عَنْ زَيْدٍ " لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِيهَا بِأَطْوَلِ الطوليين المص " وَأَمَّا مُغَفَّلٌ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ المعجمة والفاء وكنية عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَبُو سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو زِيَادٍ الْمُزَنِيّ مِمَّنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ الْبَصْرَةَ وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَأَوَّلُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالِاعْتِبَارُ سُقُوطُ قُرْصِهَا بِكَمَالِهِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحْرَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ وَلَا نَظَرَ بَعْدَ تَكَامُلِ الْغُرُوبِ إلَى بَقَاءِ شُعَاعِهَا بَلْ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مَعَ بَقَائِهِ وأما في العمران وقلل الجبال فالاعتبار بان لا يرى شئ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدَرَانِ وَقُلَلِ الْجِبَالِ وَيُقْبِلُ الظَّلَّامُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَنَقَلَ أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ الثَّانِي مِنْهُمَا ينتهي إلى مغيب الشفق هكخذا نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ قَالَ الْقَاضِي وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي حَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ يَمْتَدُّ ثَانِيهِمَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقَالَ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَانِيًا قَالَ وَأَنْكَرَهُ جُمْهُورُهُمْ لِأَنَّ الزَّعْفَرَانِيَّ وَهُوَ أَثْبَتُ أَصْحَابِ القديم
حَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّ لَهَا وَقْتًا فَقَطْ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَلَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ هَذَا الزَّمَانِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاهِيرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ ثِقَةٌ إمَامٌ وَنَقْلُ الثِّقَةِ مَقْبُولٌ وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُ غَيْرِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ وَلَا كَوْنُهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ اُخْتُلِفَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ الْقَوْلَ الْجَدِيدَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ الْقَدِيمَ وَهُوَ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بكر ابن خُزَيْمَةَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَفِي دَرْسِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْعِجْلِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ قُلْتُ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مَا لَمْ يَسْقُطْ الشَّفَقُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا وَقَوْلُهُ ثَوْرُ الشَّفَقِ هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: أَيْ ثَوَرَانُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَوْرُ الشَّفَقِ بِالْفَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى ثَوْرِهِ وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّائِلِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ قَالَ " ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي حَدِيثِهِ السَّابِقِ " لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يجئ وَقْتُ الْأُخْرَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فَإِذَا عُرِفَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ جَزْمًا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ وَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ بَلْ أَحَادِيثُ وَالْإِمْلَاءُ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدَةِ فَيَكُونُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إذَا صَحَّ الحديث
خِلَافَ قَوْلِهِ يُتْرَكُ قَوْلُهُ وَيُعْمَلُ بِالْحَدِيثِ وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا صَحَّ فِيهِ الْحَدِيثُ وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَمْ يَتْرُكْهُ الشَّافِعِيُّ إلَّا لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ وَلِهَذَا عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى ثُبُوتِ الْحَدِيثِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
- وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ فَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحْسَنُهَا وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بَيَانَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لَا وَقْتِ الْجَوَازِ فَهَكَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ وَهِيَ الْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ وَكَذَا الْمَغْرِبُ (وَالثَّانِي) أَنَّ حَدِيثَ جِبْرِيلَ مُقَدَّمٌ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَأَخِّرَةٌ بِالْمَدِينَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا فِي الْعَمَلِ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ وَالثَّانِي أَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا وَلِهَذَا خَرَّجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ دُونَ حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ فَحَصَلَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ أَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ يَمْتَدُّ مَا بَيْنَهُمَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَيَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ هَذَا فَعَلَى هَذَا لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَالثَّانِي وَقْتُ جَوَازٍ وَهُوَ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ وَالثَّالِثُ وَقْتُ عُذْرٍ وَهُوَ وَقْتُ الْعِشَاءِ فِي حَقِّ مَنْ جَمَعَ لِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ وَوَقْتَ الِاخْتِيَارِ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَقِّقُونَ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ عَلَى هَذَا يَكُونُ النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِمَّا بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَمَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتَ اخْتِيَارٍ وَالنِّصْفُ الثَّانِي وَقْتَ جَوَازٍ وَهَذَا ليس بشئ وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً مِنْ الصحابة فمن بعدهم كراهة تأخير المغرب واما إذَا قُلْنَا لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ فَهُوَ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَمَضَى قَدْرُ طَهَارَةٍ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَأَذَانٌ وَإِقَامَةٌ وَخَمْسُ رَكَعَاتٍ هَذَا هو الصحيح
وَبِهِ قَطَعَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِلْفَرْضِ فَقَطْ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَادَّعَى الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَجْهًا انه لا يتقدر بالصلاة بل بالعرف فمن أَخَّرَ عَنْ الْمُتَعَارَفِ فِي الْعَادَةِ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهَذَا قَوِيٌّ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ اعْتِبَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْهَا رَكْعَتَانِ لِلسُّنَّةِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ السُّنَّةَ تَكُونُ مَقْضِيَّةً فَإِذَا مَضَى هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ انْقَضَى الْوَقْتُ وَمَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْغُرُوبِ كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ وفيه وجه ان يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَهُوَ الْوُضُوءُ وَالسَّتْرُ دُونَ التَّيَمُّمِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَوُضُوءِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهَا حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ شَاذٌّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي كل لك الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ بِلَا إطَالَةٍ وَلَا اسْتِعْجَالٍ هَكَذَا اطلق الجمهور قال الفقال تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْأُمُورُ مُتَوَسِّطَةً لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً لَكِنْ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ فِعْلُ نَفْسِهِ لِأَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ خَفِيفُ الْحَرَكَاتِ وَالْجِسْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَبَعْضُهُمْ عَكْسُهُ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا أَكْلُ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَةَ الْجُوعِ هَكَذَا قَالُوا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ الْجَوَازُ فِي لُقَمٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا قدم العشاء فابدؤا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ " فَإِنْ أَخَّرَ الدُّخُولَ فِيهَا عَنْ هَذَا الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ أَثِمَ وَصَارَتْ قَضَاءً وَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْ بَلْ دَخَلَ فِيهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَمُدَّهَا وَيَسْتَدِيمَهَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ حَكَاهَا الْمُصَنِّفُ وَالْمَحَامِلِيُّ وآخرون قال البندنجي هذه الاوجه حكاها أبو اسحاق المروزى في الشرح وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَدِلَّتَهَا أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَتَمَادَى إلَيْهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَغْرِبِ الاعراف
وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ قَرَأَ بِالْأَعْرَافِ فَرَّقَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا يَمْنَعُ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ قَرَأَ بِبَعْضِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) أَنْكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَلَى أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ قَوْلَهُمْ هَلْ لِلْمَغْرِبِ وَقْتٌ أَمْ وَقْتَانِ وَقَالَ عِبَارَتُهُمْ هَذِهِ غَلَطٌ قَالَ بَلْ لِلصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَلَكِنَّ الْمَغْرِبَ يَقْصُرُ وقتها وغيرها بطول وَأَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ عَنْ هَذَا الْإِنْكَارِ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا لِلصُّبْحِ وَغَيْرِهَا وَقْتَانِ أَنْ يَكُونَ وَقْتَانِ مُنْفَرِدَيْنِ وَلَكِنْ وَقْتٌ وَاحِدٌ لَهُ أَوَّلُ وَآخِرٌ كَالصُّبْحِ وَقْتُهَا أَوَّلُ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَوَقْتُهَا الثَّانِي مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ وَحِينَئِذٍ لَا إنْكَارَ عَلَى طَائِفَةٍ اصْطَلَحَتْ عَلَى هَذَا
- (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنْ قِيلَ كَيْفَ قُلْتُمْ لِلْمَغْرِبِ وَقْتٌ وَاحِدٌ عَلَى الْجَدِيدِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِالسَّفَرِ وَالْمَطَرِ وَمِنْ شَرْطِ الْجَمْعِ وُقُوعُ الصلاتين في احداهما فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وقوع الصلاتين في وقت أحداهما إنَّمَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ إحْدَاهُمَا عَقِبَ الْأُخْرَى وَالثَّانِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا قَدْرُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ لِلْفَرِيضَةِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا الْقَدْرُ يُمْكِنُ فيه الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَقْصُورَةً وَكَذَا تَامَّةً تَفْرِيعًا عَلَى الاصح أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ أَدَاءٌ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَالسُّؤَالُ قَوِيٍّ وَالْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُنْتَقَضُ بِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِحَيْثُ وَقَعَتْ الظُّهْرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالْعَصْرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ جَمْعُ التَّقْدِيمِ قُلْنَا إنَّمَا صَحَّتْ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِحَيْثُ وَقَعَتْ الْعَصْرُ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ الْوَقْتَ قَابِلٌ لَهَا بِخِلَافِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَإِنَّ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ لَا يَصْلُحُ الْوَقْتُ لِلْعِشَاءِ عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَقَدْ صَحَّتْ بِالِاتِّفَاقِ فَدَلَّ عَلَى امْتِدَادِ الْوَقْتِ وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي فَظَاهِرُ الْفَسَادِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بِحَيْثُ يَقَعُ بَعْضُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ لَا فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَلِأَنَّهُ إذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ جَازَ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي لَكَانَ فِي صِحَّةِ الْقَصْرِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ أَدَاءٌ أم قضاء وبناء علي المقتضية فِي السَّفَرِ فَظَهَرَ بِمَا قُلْنَاهُ أَنَّ الصَّحِيحَ امْتِدَادُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ: قَدْ ذَكَرْنَا إجْمَاعَهُمْ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ وَبَيَّنَّا الْمُرَادَ بِالْغُرُوبِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الشِّيعَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا حَتَّى يَشْتَبِكَ النُّجُومُ وَالشِّيعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهَا فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ لَهَا وَقْتَيْنِ يَمْتَدُّ ثَانِيهِمَا إلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ وَمِمَّنْ قَالَ بِالْوَقْتَيْنِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ قَالَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ الاوزاعي ونقل أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ غَيْرَهَا وَالثَّانِيَةُ وَقْتَانِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَالثَّالِثَةُ يَبْقَى إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَقَدْ سَبَقَتْ دَلَائِلُ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلشِّيعَةِ بِحَدِيثٍ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى الْمَغْرِبَ عِنْدَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ " وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى وَبُرَيْدَةَ أَنَّهُ " صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ " وَهِيَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَمَا سبق وعن رافع
ابن خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ إذَا تَوَارَتْ بالحجاب " رواه البخاري ومسلم: وعن أبى أيوب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ أَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ: وَعَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَثِيرَةٌ
- وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُحْتَجُّ لَهُمْ بِهِ فَبَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يَصِحُّ وَلَوْ نُقِلَ لَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا كَذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ صَحَّ فِي أَحَادِيثَ سَبَقَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً كَذَا صَرَّحَ به المصنف وغيره للحديث للسابق
- قال المصنف رحمه الله
- (وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وهو الحمرة وقال المزني الشفق البياض والدليل عليه ان جبريل عليه السذم صلي العشاء الاخيرة حين غاب الشفق والشفق هو الحمرة وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ " ولانها صلاة تتعلق باحد النيرين والمتفقين في الاسم الخاص فتعلقت باظهرهما وانورهما كالصبح: وفى آخره قولان قال في الجديد الي ثلث الليل لما روي ان جبريل عليه السلام صلي في المرة الاخيرة العشاء الاخيرة حين ذهب ثلث الليل وقال في القديم والاملاء الي نصف الليل لما روى عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وقت العشاء ما بينك وبين نصف لليل " ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الجواز الي طلوع الفجر قال أبو سعيد الاصطخري إذا ذهب ثلث الليل أو نصفه فاتت الصلاة وتكون قضاء والمذهب الاول لما روينا من حديث أبى قتادة رضى الله عنه ويكره ان تسمي العشاء العتمة لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يغلبنكم الاعراب علي اسم صلاتكم " قال ابن عيينة انها العشاء وانهم يعتمون بالابل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لما روى أبو برزة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن النوم قبلها والحديث بعدها)
- (الشَّرْحُ)
- فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا فِي الْأَحَادِيثِ أَمَّا حَدِيثَا جِبْرِيلَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَصَحِيحَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصي " وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ " فَغَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالثَّابِتُ مِنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ " كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَحْصِيلُ الدَّلَالَةِ بِهَذَا لِأَنَّ ثَوْرَهُ هُوَ ثَوَرَانُهُ وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَحْمَرِ لَا الْأَبْيَضِ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْآخَرُ فَصَحِيحٌ أيضا رواه مسلم ولفظه في مسلم عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ " وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَصَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ أَنَّ رسول الله صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ علي اسما صَلَاتِكُمْ إلَّا أَنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ ابْنُ
عُيَيْنَةَ إنَّهَا الْعِشَاءُ إلَى آخِرِهِ كَانَ يَنْبَغِي حذف ذكر ابن عيينة: واما أَبِي بَرْزَةَ فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لَكِنَّ لَفْظَهُ عِنْدَهُمَا عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ كَانَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا يَعْنِي الْعِشَاءَ
- (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ فَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَالْمُزَنِيُّ سَبَقَ بَيَانُهُمْ وَذِكْرُ أَحْوَالِهِمْ فِي مَوَاضِعِهِمْ: وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَرَوَى عَنْهُ هُنَا حَدِيثَيْنِ حَدِيثَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ وَالْحَدِيثَ الْآخَرَ وَقْتُ الْعِشَاءِ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وهو عبد الله ابن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي بِالْيَاءِ عَلَى الْفَصِيحِ وَبِحَذْفِهَا عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِي كُتُبِ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفِي أَلْسِنَتِهِمْ ابْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سُعَيْدٍ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ بن سهم بن عمرو بن هصيص بضم الهاء بصادين مهملتين بن كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ كنية عبد الله أبو محمد وقبل أبو عبد الرحمن وقيل أبو نصير أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي السِّنِّ إلَّا إحْدَى عَشْرَةَ سُنَّةً وَقِيلَ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ " نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ اجْتِهَادًا بَلِيغًا وَكَانَ كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِالطَّائِفِ وَقِيلَ بِمِصْرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَقِيلَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَهُوَ ابْنُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً: وَأَمَّا أَبُو بَرْزَةَ فَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا زَايٌ وَهُوَ أَبُو بَرْزَةَ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَسْلَمِيُّ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ ثُمَّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ ثُمَّ غَزَا خُرَاسَانَ وَتُوُفِّيَ بِهَا وَقِيلَ بِالْبَصْرَةِ وقيل بنيسابور وقيل في مفازة بَيْنَ سِجِسْتَانَ وَهَرَاةَ سَنَةَ سِتِّينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وستين
واما ابن عيينة فهو أبو محمد سفين بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ الْهِلَالِيُّ كُوفِيٌّ سَكَنَ مَكَّةَ وَكَانَ إمَامَ أَهْلِهَا فِي عَصْرِهِ وهو أحد شيوخ الشافعي أحد أَجْدَادِنَا فِي سِلْسِلَةِ التَّفَقُّهِ سَمِعَ خَلَائِقَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْهُ الْأَعْمَشُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَأَحَدُ شُيُوخِهِ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَوَكِيعٍ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ فِيهِ مِنْ آلَةِ الْعِلْمِ مَا في سفين بْنِ عُيَيْنَةَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ تَفْسِيرًا للحديث منه روينا عن سفين قَالَ قَرَأْت الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ وكتبت الحديث وانا ابن سبع سنين وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ يَوْمَ السَّبْتِ غُرَّةَ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ
- (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي الْأَحْكَامِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ هَلْ هُوَ الْحُمْرَةُ أَمْ الْبَيَاضُ وَسَنَذْكُرُ فِيهِ فَرْعًا مُسْتَقِلًّا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ الْحُمْرَةُ دُونَ الْبَيَاضِ وَأَمَّا الصُّفْرَةُ الَّتِي بَعْدَ الْحُمْرَةِ وَقَبْلَ الْبَيَاضِ فَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِيهَا فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ دُونَ الصُّفْرَةِ وَالْبَيَاضِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ بِزَوَالِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُمَا بِمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي فِي الْمَغْرِبِ فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ وَلَمْ يُرَ مِنْهَا شئ فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهَا وَمَنْ افْتَتَحَهَا وَقَدْ بَقِيَ من الحمرة شئ أَعَادَهَا فَهَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ الْحُمْرَةَ تَرِقُّ وَتَسْتَحِيلُ لَوْنًا آخَرَ بِحَيْثُ يُعَدُّ بَقِيَّةً لِلَوْنِ الْحُمْرَةِ وَفِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا وَلَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَهَكَذَا عِبَارَاتُ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَدْخُلُ الْوَقْتُ بمغيب الحمرة
وَإِنْ بَقِيَتْ الصُّفْرَةُ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ
- وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أحدهما وهو المشهور في الجديد أَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَالثَّانِي وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ مِنْ الْجَدِيدِ يَمْتَدُّ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَهُمَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ صَحَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ كَوْنَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَصَحَّحَ أَصْحَابُنَا ثُلُثَ اللَّيْلِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَدَلِيلُ الثُّلُثِ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ وَمِمَّنْ صَحَّحَ النِّصْفَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمَانُ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي تَهْذِيبِهِ وَالرُّويَانِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَسُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْكَافِي: هَذِهِ طَرِيقَةُ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا وَانْفَرَدَ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ فِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ قَالَ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِالْأَمْرَيْنِ وَالنَّصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ مَحْمُولَانِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالِ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَالْمُرَادُ بالثلث أئه آخِرُ وَقْتِ الِابْتِدَاءِ بِهَا وَالْمُرَادُ بِالنِّصْفِ أَنَّهُ آخِرُ وَقْتِ الِانْتِهَاءِ وَهَذَا الطَّرِيقُ غَرِيبٌ وَالْمُخْتَارُ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَإِذَا ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بَقِيَ وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إذَا ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ فَاتَتْ الْعِشَاءُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَتَصِيرُ قَضَاءً وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ أَيْضًا أَحَدُ احْتِمَالَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَا أَرَاهَا إلَّا فَائِتَةً
فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ وَافَقَ الْإِصْطَخْرِيَّ لِظَاهِرِ هَذَا النص وتأوله الْجُمْهُورُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ فَاتَ دُونَ وَقْتِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ إنَّ الْمَعْذُورِينَ إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ قَبْلَ الْفَجْرِ بِتَكْبِيرَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَقْتًا لَهَا لَمَا لَزِمَتْهُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ إذَا كَمَلَ الصَّبِيُّ وَالْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ وَالْحَائِضُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ لَزِمَتْهُمْ الْعِشَاءُ بِلَا خِلَافٍ وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْإِصْطَخْرِيُّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَقْتًا لَهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ فَهَذَا كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّارِحِينَ لِلتَّنْبِيهِ فَنَقَلَ عَنْهُ مُوَافَقَةَ الْإِصْطَخْرِيِّ وَهَذِهِ غَبَاوَةٌ مِنْ هَذَا الشَّارِحِ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ لِطُولِهِ وَالصَّوَابُ عَنْ أَبِي حَامِدٍ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ وَإِنْكَارُهُ عَلَى الْإِصْطَخْرِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لِلْعِشَاءِ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ فَضِيلَةٍ وَاخْتِيَارٍ وَجَوَازٍ وَعُذْرٍ فَالْفَضِيلَةُ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَالِاخْتِيَارُ بَعْدَهُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي قَوْلٍ نِصْفُهُ وَالْجَوَازُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَالْعُذْرُ وَقْتُ الْمَغْرِبِ لِمَنْ جَمَعَ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ
(فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ نَوَاحٍ تَقْصُرُ لَيَالِيهِمْ فَلَا يَغِيبُ الشَّفَقُ عِنْدَهُمْ فَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ الزَّمَانِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرٌ يَغِيبُ الشَّفَقُ فِي مِثْلِهِ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِمْ
- (فَرْعٌ) قِيلَ إنَّ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ نِصْفُ سُدُسِ اللَّيْلِ فَإِنْ طَالَ اللَّيْلُ طَالَ نِصْفُ السُّدُسِ وَإِنْ قَصُرَ قَصُرَ
- (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ عَتَمَةً لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ هَكَذَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى عَتَمَةً وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ عَتَمَةً وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى عَتَمَةً: فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِتَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ: فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ وَرَدَ فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ مَنْ قَدْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ بِالْمَغْرِبِ فَلَوْ قِيلَ الْعِشَاءُ لَتَوَهَّمَ إرَادَةَ الْمَغْرِبِ لانها كانت
مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِشَاءِ وَأَمَّا الْعَتَمَةُ فَصَرِيحَةٌ فِي العشاء الآخرة فاحتمل اطلاق العتمة هنا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ وَالْعِشَاءُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ بِالْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العشاء) وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة " وثبت فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ اسْتِعْمَالُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ مِنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ أَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَقَالَ الصَّوَابُ الْعِشَاءُ فَقَطْ وَهَذَا غَلَطٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ (الْخَامِسَةُ) يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُكْرَهُ بَعْدَهَا ما كان مباحا في؟ فير هَذَا الْوَقْتِ أَمَّا الْمَكْرُوهُ فِي غَيْرِهِ فَهُنَا أشد كراهة وسبب الكراهة انه يتأخر نومه فَيُخَافُ تَفْوِيتُهُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ إنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةُ لَيْلٍ أَوْ تَفْوِيتُهُ الصُّبْحَ عَنْ وَقْتِهَا أو عن أوله وهذ الْكَرَاهَةُ إذَا لَمْ تَدَعْ حَاجَةً إلَى الْكَلَامِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمَّا الْحَدِيثُ لِلْحَاجَةِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَكَذَا الْحَدِيثُ بِالْخَيْرِ كَقِرَاءَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومذاكرة الفقه وحكايات الصالحين والحاديث مع الضيف ونحوها فلا كراهة في شئ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَتْ بِهَذَا كُلِّهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ وَجَمَعْتُهَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ وَسَبَبُ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ فِي هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ خَيْرٌ فَإِنَّهُ مُخَاطَرَةٌ بِتَفْوِيتِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الشَّفَقِ وَآخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ أَمَّا الشَّفَقُ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعِشَاءِ بِمَغِيبِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ الْحُمْرَةُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَكْحُولٍ وسفين الثَّوْرِيِّ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ مَرْفُوعًا وَحَكَاهُ ابْنُ المنذر عن
ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ أبى ثور وداود
- وقال أبوحينيفة وَزُفَرُ وَالْمُزَنِيُّ هُوَ الْبَيَاضُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ والاوزاعي واختاره ابن المذر قَالَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِلْحُمْرَةِ بِأَشْيَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ لَا يظهر منها دلالة لشئ يَصِحُّ مِنْهَا وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الشَّفَقَ الْحُمْرَةُ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي شِعْرِهِمْ وَنَثْرِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا نَقْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الشَّفَقُ عِنْدَ الْعَرَبِ الْحُمْرَةُ قَالَ الْفَرَّاءُ سَمِعْتُ بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ عَلَيْهِ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ كَأَنَّهُ الشَّفَقُ وَكَانَ أحمر وقال ابن فارس في الجمل قَالَ الْخَلِيلُ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ الَّتِي مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ قَالَ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَيْضًا الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ قَوْلَ الْفَرَّاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا وَقَالَ الربيدى فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الشَّفَقُ بَقِيَّةُ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَحُمْرَتُهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْعَتَمَةِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْخَلِيلِ وَالْفَرَّاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذَا فَهَذَا كَلَامُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وبالله التوفيق
- قال المصنف رحمة الله
- (ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق الذى يحرم به الطعام والشراب على الصائم وآخره إذا اسفر لما روى ان جبربل عليه السلام صلي الصبح حين طلع الفجر وصلى من الغد حين اسفر ثم التفت وقال هذا وقت الانبياء من قبل قبلك وفيما بين هذين وقت ثم يذهب وقت الاختيار ويبقي وقت الجواز الي طلوع الشمس وقال أبو سعيد الاصطخرى يذهب الوقت وما بعده وقت القضاء والمذهب الاول لحديث أبي قتادة رضي الله عنه ويكره ان تسمى صلاة الغداة لان الله تعالى سماها بالفجر فقال تعالي (وقرآن الفجر) وسماها رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فقال " من ادرك ركعة من الصبح فقد ادركها ")
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَحَدِيثُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الصُّبْحِ طُلُوعُ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَهُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَآخِرَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ إذَا أَسْفَرَ أَيْ أَضَاءَ ثُمَّ يَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ يَخْرُجُ الْوَقْتُ بِالْإِسْفَارِ وَيَكُونُ مَا بَعْدَهُ قَضَاءً وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ دَلِيلُهُ وَدَلِيلُ الْمَذْهَبِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ
وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الصُّبْحِ بِغَيْرِ عُذْرٍ إلَى طُلُوعِ الْحُمْرَةِ يَعْنِي الْحُمْرَةَ الَّتِي قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْفَجْرُ فَجْرَانِ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى الْفَجْرَ الْأَوَّلَ وَالْفَجْرَ الْكَاذِبَ وَالْآخَرُ يُسَمَّى الْفَجْرَ الثَّانِي وَالْفَجْرَ الصَّادِقَ فَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ يَطْلُعُ مُسْتَطِيلًا نَحْوَ السَّمَاءِ كَذَنْبِ السَّرْحَانِ وَهُوَ الذِّئْبُ ثُمَّ يَغِيبُ ذَلِكَ سَاعَةً ثُمَّ يَطْلُعُ الْفَجْرُ الثَّانِي الصَّادِقُ مُسْتَطِيرًا بِالرَّاءِ أَيْ مُنْتَشِرًا عَرْضًا فِي الاوفق قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفَجْرِ الثَّانِي فبه يَدْخُلُ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَيَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ وَيَحْرُمُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ وَبِهِ يَنْقَضِي اللَّيْلُ وَيَدْخُلُ النَّهَارُ ولا يتعلق بالفجر الاول شئ مِنْ الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ سمي الفجر الاول كاذبا لانه يضئ ثم يسود ويذهب وسمي الثَّانِي صَادِقًا لِأَنَّهُ صَدَقَ عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ ومما يستدل للفجرين به مِنْ الْحَدِيثِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ وَاحِدًا مِنْكُمْ اذان بلال من سحوره فان يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَلِيَتَنَبَّهَ نَائِمُكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوْ الصُّبْحُ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَهَا إلَى أَسْفَلَ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ بِسَبَّابَتَيْهِ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سُمْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا هَذَا الْعَارِضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتَّى يَسْتَطِيرَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ اذان بلال ولا الفجر المستطيل لكن الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال (كلوا واشربوا ولا يهمنكم السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمْ الْأَحْمَرُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العلم انه لَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَلَى الصَّائِمِ حَتَّى يكون الفجر المتعرض وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) صَلَاةُ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ النها وأول النهار طلوع الفجر الثاني هذا مذهبا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالْفَجْرِ لَا مِنْ اللَّيْلِ وَلَا مِنْ النَّهَارِ بَلْ زَمَنٌ مُسْتَقِلٌّ فَاصِلٌ بَيْنَهُمَا قَالُوا وَصَلَاةُ الصُّبْحِ لَا فِي اللَّيْلِ وَلَا فِي النَّهَارِ وَحَكَى الشيخ أبو حامد أيضا عن حذيفة ابن الْيَمَانِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالْأَعْمَشِ رضى الله عنهم انهم قالو آخِرُ اللَّيْلِ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ قَالُوا وَصَلَاةُ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ اللَّيْلِ قَالُوا وَلِلصَّائِمِ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ هَكَذَا نقله أبو حامد عن هؤلاء ولا أظله يَصِحُّ عَنْهُمْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَحُكِيَ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ هِيَ مِنْ صَلَوَاتِ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ من الليل يحل فيه الاكل للصائم قالا وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ بَعِيدٌ صِحَّتُهَا مَعَ ظُهُورِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فِي كُلِّ عَصْرٍ مَعَ ظاهر القرآن قان اُحْتُجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وجعلنا آنة النهار مبصرة) وَآيَةُ النَّهَارِ هِيَ الشَّمْسُ فَيَكُونُ النَّهَارُ مِنْ طلوعها وبقول أمية ابن أيى الصلت
- والشمس تطله كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ
- حَمْرَاءَ تُبْصِرُ لَوْنَهَا تَتَوَقَّدُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَثْبُتُ كَوْنُهُ مِنْ النَّهَارِ بِقَوْلِهِ تعالي (فكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخيط الاسود من الفجر) وَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ " وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) وَاللَّيْلُ لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الَّتِي اُحْتُجَّ لَهُ بِهَا فَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الشَّمْسَ آيَةٌ لِلنَّهَارِ وَلَمْ يَنْفِ كَوْنَ غَيْرِهَا آيَةً فَإِذَا قَامَتْ الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ مِنْ النَّهَارِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا وَلِأَنَّ الْآيَةَ الْعَلَامَةُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يقارن جميع الشئ كَمَا أَنَّ الْقَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ وَلَا يَلْزَمُ مُقَارَنَتُهُ لِجَمِيعِ اللَّيْلِ وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَدْ نَقَلَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ إمَامُ اللُّغَةِ أَنَّ النَّهَارَ هُوَ الضِّيَاءُ الَّذِي بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ وَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّاعِرِ أَنَّهُ أَرَادَ قَرِيبَ آخِرِ كُلِّ لَيْلَةٍ لَا آخِرَهَا حَقِيقَةً فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ) قُلْنَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ هَذَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرْوَ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسَأَلْتُ عَنْهُ أَبَا الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحًا وَلَا فَاسِدًا مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ مُعْظَمُ صَلَوَاتِ النَّهَارِ وَلِهَذَا يُجْهَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ لَا مِنْ اللَّيْلِ وَلَا مِنْ النَّهَارِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النهار ويولج النهار في الليل) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَاصِلَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) لِصَلَاةِ الصُّبْحِ اسْمَانِ الْفَجْرُ وَالصُّبْحُ جاء القرآن بِالْفَجْرِ وَالصُّبْحِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ في الاول أُحِبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الاسمين لا أُحِبُّ أَنْ تُسَمَّى الْغَدَاةَ هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَقَالُوا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا صُبْحًا وَفَجْرًا وَلَا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا غَدَاةً وَلَمْ يَقُولُوا تُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا غَدَاةً وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وشيخه القاضى أبو الطَّيِّبِ يُكْرَهُ أَنْ تُسَمَّى غَدَاةً غَرِيبٌ ضَعِيفٌ لَا دَلِيلَ لَهُ وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَإِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا ثَبَتَ فِيهِ نَهْيٌ غَيْرُ جَازِمٍ وَلَمْ يَرِدْ فِي الْغَدَاةِ نهى بل اشهر اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْغَدَاةِ فِيهَا فِي الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْفَجْرُ وَالصُّبْحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(فَرْعٌ) لَوْ دَخَلَ فِي الصُّبْحِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَخَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنْ هَلْ تَكُونُ أَدَاءً أَمْ قَضَاءً فِيهِ خِلَافٌ سَنُوَضِّحُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبْطُلُ الصُّبْحُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَبَطَلَتْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فِيهَا كَطَهَارَةِ مَسْحِ الْخُفِّ: دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْخُفِّ أَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا بَطَلَتْ هُنَاكَ لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ وَهُنَا لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّجَّالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لُبْثُهُ قَالَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ قَالَ لَا اُقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ " فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ سَيُحْتَاجُ إلَيْهَا نَبَّهْتُ عَلَيْهَا لِيُعْلَمَ حُكْمُهَا بِنَصِّ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحديث الصحيح وبالله التوفيق * قال المصنف رحمه الله ** (وتجب الصلاة في أول الوقت لان الامر تناول أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه)
- (الشرح)
- مذهبنا الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَيَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِإِمْكَانِ فِعْلِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الفقهاء: وعن أبي حنيفة روايات احداهما كَمَذْهَبِنَا وَهِيَ غَرِيبَةٌ وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ زُفَرَ عَنْهُ يَجِبُ إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ صَلَاةَ الْوَقْتِ وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ وَحَكَاهَا عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ فَلَوْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ تَقَعُ صَلَاتُهُ مَوْقُوفَةً فَإِنْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُكَلَّفًا تَبَيَّنَّا وُقُوعَهَا فَرْضًا وَإِلَّا كَانَتْ نَفْلًا وَقَالَ الْكَرْخِيُّ مِنْهُمْ تَقَعُ نَفْلًا فَإِنْ بَقِيَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُكَلَّفًا منع ذلك النقل وُجُوبَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ
- وَاحْتَجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي كَوْنِهَا لَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَلِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ كَحَوْلِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ كَالصَّلَاةِ ثُمَّ الزَّكَاةُ تَجِبُ بِآخِرِهِ فَكَذَا الصَّلَاةُ وَلِأَنَّ مَنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاضِرٌ وَمَضَى مَا يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ سَافَرَ فَلَهُ قَصْرُ هَذِهِ الصَّلَاةِ فَلَوْ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ
الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ قَصْرُهَا كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَتَرْكِهَا فَإِذَا فَعَلَهَا فِيهِ كَانَتْ نفلا
- واحتج اصحابنا بقول اللَّهِ تَعَالَى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غسق الليل) وَالدُّلُوكُ الزَّوَالُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَهَذَا أَمْرٌ وَهُوَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ: وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَيْفَ أَنْتَ إذَا بَقِيَتْ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِك فَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا فَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ وَهُوَ التَّأَخُّرُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا عَنْ الْوَقْتِ كُلِّهِ وَمَعْنَى صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا أَيْ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا لِغَيْرِهَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَالِ تَجُوزُ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ كُلُّ وَقْتٍ لِجَوَازِهَا وَقْتًا لِوُجُوبِهَا كَالصَّوْمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ احْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مَقْصُودَةٌ لَا لِغَيْرِهَا عَنْ الْوُضُوءِ وَبِقَوْلِنَا تَجِبُ فِي الْبَدَنِ عَنْ الزَّكَاةِ وَبِقَوْلِنَا لَا تتعلق بِالْمَالِ عَنْ الْحَجِّ وَبِقَوْلِنَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ تَبَعًا وَإِنْ كَانَتْ الْآنَ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لَكِنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِي سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ فِي نُسُكِ الْحَجِّ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ لَوْ وَجَبَتْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَنَّ الْوَاجِبَ ضربان موسع ومضيق فالموسع تبع فِيهِ التَّوَسُّعَ وَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ الْمَحْدُودِ لِلتَّوَسُّعِ وَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ الصَّلَاةُ وَأَمَّا الْمُضَيَّقُ فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ وَمِنْ هَذَا صَوْمُ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَوْلِ الزَّكَاةِ أَنَّ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ جُوِّزَ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ وَإِلَّا فقياس العبادات ان لا تُقَدَّمَ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ بِالِاتِّفَاقِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ فِي الْوَقْتِ لَكِنْ قُلْنَا نَحْنُ تَجِبُ بِأَوَّلِهِ وَهُمْ بِآخِرِهِ فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا بِهَا وَالْجَوَابُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ أن لنا فيها خلافا ففى وجه قاله الْمُزَنِيّ وَابْنُ سُرَيْجٍ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ وَعَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا جَازَ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلصَّلَاةِ وَالِاعْتِبَارُ فِي صِفَتِهَا بِحَالِ فِعْلِهَا لَا بِحَالِ وُجُوبِهَا وَلِهَذَا لَوْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ الْمَاءِ ثُمَّ عجز
عَنْهُمَا صَلَّاهَا قَاعِدًا بِالتَّيَمُّمِ وَأَجْزَأَتْهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْهُمَا فَقَضَاهَا وَهُوَ قَادِرٌ لَزِمَهُ القيام والوضوء: والجواب عن قياسهم علي النوفل أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا وَالْمَكْتُوبَةُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي يَوْمِ كَذَا فَلَهُ ان يصليها في أي وقت منه شاء فلو صلاها فِي أَوَّلِهِ وَقَعَتَا فَرْضًا: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ الْوَجْهُ أَنْ نَقُولَ لَهُمْ أَتُسَلِّمُونَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ أَمْ تُنْكِرُونَهُ فَإِنْ أَنْكَرُوهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ قَوَاطِعَ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ فِيهِ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ تَحْصِيلَ هَذَا الْفِعْلِ وَضَرَبْتُ لِتَحْصِيلِكَ إيَّاهُ هَذَا الْأَمَدَ فَمَتَى فَعَلْتَهُ فِيهِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ فَقَدْ امْتَثَلْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ فَهَذَا غَيْرُ مُنْكَرٍ عَقْلًا وَلَهُ نَظَائِرُ ثَابِتَةٌ بِالِاتِّفَاقِ كَالْكَفَّارَاتِ وَقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَنْسِيَّاتِ وَالصَّوْمِ الْمَتْرُوكِ بِعُذْرٍ وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ قُلْنَا لَهُمْ الْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ مُوَسَّعٍ وَمَتَى أَوْقَعَهَا فِيهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ وعبادات البدن لا تصح قبل وقت وُجُوبِهَا فَإِنْ قَالُوا لَوْ وَجَبَتْ لَعَصَى بِتَأْخِيرِهَا عن أول الوقت قلنا هذه صفة الواجب الْمُضَيَّقِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ كَالْكَفَّارَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَرَادَ تَأْخِيرَهَا إلَى أَثْنَاءِ الْوَقْتِ أَوْ آخره هل يلزمه العزم علي فعلها فيه وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي اللُّمَعِ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ صَاحِبُ الْحَاوِي أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ الْعَزْمُ وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ فَإِنْ أَخَّرَهَا بِلَا عَزْمٍ وَصَلَّاهَا فِي الْوَقْتِ أَثِمَ وَكَانَتْ أَدَاءً وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ فِي كُلِّ وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ وَجَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى بِوُجُوبِ الْعَزْمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ صَلِّ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْعَزْمِ فَإِيجَابُهُ زِيَادَةٌ عَلَى مُقْتَضَى الصِّيغَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ غَفَلَ عَنْ الْعَزْمِ وَمَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا قُلْنَا قَوْلُكُمْ لَوْ غَفَلَ عَنْ الْعَزْمِ لَا يَكُونُ عَاصِيًا صَحِيحٌ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَافِلَ لَا يُكَلَّفُ أَمَّا إذَا لَمْ يَغْفُلْ عَنْ الْأَمْرِ فَلَا يُتْرَكُ الْعَزْمُ إلَّا بِضِدِّهِ وَهُوَ الْعَزْمُ علي الترك مطلقا وهذا حرام ومالا خَلَاصَ مِنْ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ وَضْعُ اللِّسَانِ لَكِنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ وَاَللَّهُ اعلم *
(فَرْعٌ) إذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ وَقُلْنَا لَا يَجِبُ الْعَزْمُ أَوْ أَوْجَبْنَاهُ وَعَزَمَ ثُمَّ مَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ فَجْأَةً فَهَلْ يَمُوتُ عَاصِيًا فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ الصَّحِيحُ لَا يَمُوتُ عَاصِيًا لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَمَنْ قَالَ يَمُوتُ عَاصِيًا فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ السَّلَفِ فَإِنَّا نَعْلَمُ انهم كانوا لا يأثمون مَنْ مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ الزَّوَالِ وَلَا يَنْسُبُونَهُ إلَى تَقْصِيرٍ لاسيما إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَنَهَضَ إلَى الْمَسْجِدِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ وَقَدْ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ وَمَتَى فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ كَيْفَ يُمْكِنُ تَعْصِيَتُهُ: فَإِنْ قِيلَ جَازَ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ قُلْنَا مُحَالٌ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عَنْهُ فَإِذَا سَأَلْنَا وَقَالَ الْعَاقِبَةُ مسورة عَنِّي وَعَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ وَأُرِيدُ تَأْخِيرَهُ إلَى الْغَدِ فَهَلْ لِي تَأْخِيرُهُ مَعَ جَهْلِ الْعَاقِبَةِ أَمْ أَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ فَإِنْ قُلْنَا لَا تَعْصِي قَالَ فَلِمَ آثَمُ بِالْمَوْتِ الَّذِي لَيْسَ إلَيَّ وَإِنْ قُلْنَا يَعْصِي خَالَفْنَا الْإِجْمَاعَ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَإِنْ قُلْنَا إنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّكَ تَمُوتُ قَبْلَ الْغَدِ عَصَيْتَ وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّكَ تَحْيَا فَلَكَ التَّأْخِيرُ قَالَ فَمَا يُدْرِينِي مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تعالى فما قولكم في حق الجاهل فلابد مِنْ الْجَزْمِ بِتَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ فَإِنْ قِيلَ إذَا جَوَّزْتُمْ تَأْخِيرَهُ أَبَدًا وَلَا يَعْصِي إذَا مَاتَ فَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِهِ قُلْنَا تَحَقَّقَ الْوُجُوبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ التَّأْخِيرُ إلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ وَلَا يَجُوزُ الْعَزْمُ عَلَى التَّأْخِيرِ إلَّا إلَى مدة تغلب عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ إلَيْهَا كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ سَاعَةٍ إلَى سَاعَةٍ وَتَأْخِيرِ الصَّوْمِ مِنْ يَوْمٍ إلَى يَوْمٍ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى التَّفَرُّغِ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَتَأْخِيرِ الْحَجِّ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ فَلَوْ عَزَمَ الْمَرِيضُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْهَلَاكِ عَلَى التَّأْخِيرِ شَهْرًا أَوْ الشَّيْخُ الضَّعِيفُ علي التأخير سِنِينَ وَغَالِبُ ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ عَصَى بِهَذَا التَّأْخِيرِ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَوُفِّقَ لِلْعَمَلِ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِظَنِّهِ كَالْمُعَزَّرِ إذا ضرب ضربا يهلك أو قطع سلعة وَغَالِبُ ظَنِّهِ الْهَلَاكُ بِهَا يَأْثَمُ وَإِنْ سَلِمَ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَجِّ مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ لِأَنَّ الْبَقَاءَ إلَى سَنَةٍ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ فِي الشَّابِّ الصَّحِيحِ دون الشيح وَالْمَرِيضِ ثُمَّ الْمُعَزَّرُ إذَا فَعَلَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ السَّلَامَةُ فَهَلَكَ مِنْهُ ضَمِنَ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي ظَنِّهِ وَالْمُخْطِئُ ضَامِنٌ غَيْرُ آثِمٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
- وَلَنَا فِيمَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى مَاتَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ اصحها يموت عاصيا الشيخ والشاب الصحيح الثاني لَا يَمُوتُ عَاصِيًا وَالثَّالِثُ يَعْصِي الشَّيْخُ دُونَ الشَّابِّ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ هُنَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الْعِصْيَانُ مُطْلَقًا وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ بِفُرُوعِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعِصْيَانِ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي
كِتَاب الْحَجِّ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى * قال المصنف رحمه الله *
- (والافضل فيما سوى الظهر والعشاء التقديم في أول الوقت لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فقال " الصلاة في اول وقتها " ولان الله تعالى أمر بالمحافظة عليها قال الشافعي رحمه الله ومن المحافظة عليها تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا عرضها للنسيان وحوادث الزمان)
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْبَيْهَقِيُّ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ فَرْوَةَ الصَّحَابِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعْفُهُ بَيِّنٌ وَيُغْنِي عَنْهُ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ الصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ إذَا تَحَقَّقَ طُلُوعُ الْفَجْرِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ واحمد واسحق وَدَاوُد وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَأْخِيرُهَا إلَى الْإِسْفَارِ أَفْضَلُ
- وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِالْإِسْفَارِ بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ فانه أعظم للاجر " وعن عبد الله ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً لِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلَّا صَلَاتَيْنِ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ يَعْنِي الْمُزْدَلِفَةَ وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِنَّمَا صَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِهِ مُغَلِّسًا بِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُسْفِرًا بِهَا قَالُوا وَلِأَنَّ الْإِسْفَارَ يُفِيدُ كَثْرَةَ الْجَمَاعَةِ وَاتِّصَالَ الصُّفُوفِ وَلِأَنَّ الْإِسْفَارَ يَتَّسِعُ بِهِ وَقْتُ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَمَا أَفَادَ كَثْرَةَ النَّافِلَةِ كَانَ أَفْضَلَ
- وَاحْتَجَّ اصحابنا يقول الله تعالى (حافظوا على الصلوات) وَمِنْ الْمُحَافَظَةِ تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ إذا أخرها عرضها للفوات وبقول اللَّهُ تَعَالَى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) والصلاة تحصل ذلك وبقوله تعالي (واستبقوا الخيرات) وبحديث
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " كُنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ الْمُتَلَفِّعَاتُ المتلفات وَالْمُرُوطُ الْأَكْسِيَةُ وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ إذَا رَأَى فِي النَّاسِ قِلَّةً أَخَّرَ وَإِذَا رَأَى كَثْرَةً عَجَّلَ وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " تَسَحَّرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى قُلْتُ لِأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ وَمُسْلِمٌ بمعناه وعن سهل بن سعدر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّغْلِيسَ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعُدْ إلَى أَنْ يُسْفِرَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَعَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قَالَ " صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ صلاة الفجر
فَصَلَّى بِغَلَسٍ وَكَانَ يُسْفِرُ بِهَا فَلَمَّا سَلَّمَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ إلَى جَانِبِي فَقَالَ هَذِهِ صَلَاتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ أسفر بهما عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
- وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَهُوَ ظُهُورُهُ يُقَالُ سَفَرَتْ الْمَرْأَةُ أَيْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا فَإِنْ قِيلَ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ) لِأَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الصلاة قبل الاسقار لَكِنَّ الْأَجْرَ فِيهَا أَقَلُّ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ دُخُولُ الْوَقْتِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْهُ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ وَلَكِنَّ التَّأْخِيرَ إلَى إسْفَارِ الْفَجْرِ وَهُوَ ظُهُورُهُ الَّذِي يُتَيَقَّنُ بِهِ طُلُوعُهُ أَفْضَلُ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْإِسْفَارِ فِي اللَّيَالِي الْمُقْمِرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ فِيهَا الْفَجْرُ إلَّا بِاسْتِظْهَارٍ فِي الْإِسْفَارِ وَالثَّانِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِالتَّعْجِيلِ صَلَّوْا بَيْنَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي طَلَبًا لِلثَّوَابِ فَقِيلَ لَهُمْ صَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ الثَّانِي وَأَصْبِحُوا بِهَا فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأَجْرِكُمْ فَإِنْ قِيلَ لَوْ صَلَّوْا قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَجْرٌ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ يُؤْجَرُونَ عَلَى نِيَّتِهِمْ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ " وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْفَجْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ عَادَتِهِ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ وَصَلَّى فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَفِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ كَانَ يُؤَخِّرُ عَنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ الْمُحْدِثُ وَيَغْتَسِلُ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ فَقَوْلُهُ قبل
ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشئ يَسِيرٍ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْإِسْفَارُ تُفِيدُ كَثْرَةَ الْجَمَاعَةِ وَيَتَّسِعُ بِهِ وَقْتُ النَّافِلَةِ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَا تَلْتَحِقُ بِفَائِدَةِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُغَلِّسُ بِالْفَجْرِ * (فَصْلٌ) وَأَمَّا الظُّهْرُ فِي غيره شِدَّةِ الْحَرِّ فَمَذْهَبُنَا أَنَّ تَعْجِيلَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ أحب ان تصلى في الصيف والشتاء والفئ ذِرَاعٌ كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَلِيلُنَا حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا دَحَضَتْ الشَّمْسُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ وَالشَّمْسُ دَحَضَتْ أَيْ زَالَتْ * (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْعَصْرُ فَتَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَقِمِ الصلاة طرفي النهار) وبحديث علي ابن شَيْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ نَقِيَّةً " وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ " وَلِأَنَّهَا إذَا أُخِّرَتْ اتَّسَعَ وَقْتُ النَّافِلَةِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (حافظوا على الصلوات) وقد سبق تقرير وجه الدليل وبالآيتين السَّابِقَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ "
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا " فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي " قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَوَالِي قُرَى عِنْدَ الْمَدِينَةِ أَقْرَبُهَا مِنْهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ وَأَبْعَدُهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعَنْ أَبِي أمامة بن سهل بن حبيب وهو صحابي بن صَحَابِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ فَقُلْتُ يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ قَالَ الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نم تُنْحَرُ الْجَزُورُ فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نُرِيدُ أَنْ نَنْحَرَ جَزُورًا لَنَا وَنُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَهَا فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْنَا مَعَهُ فَوَجَدْنَا الْجَزُورَ لَمْ تُنْحَرْ فَنُحِرَتْ ثُمَّ قُطِّعَتْ ثُمَّ طُبِخَ مِنْهَا ثُمَّ أَكَلْنَا قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ صَلِّ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ ثَلَاثَ فَرَاسِخَ " رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامٍ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطَّرْفُ مَا بَعْدَ النِّصْفِ وَعَنْ حَدِيثِ عَلِيِّ ابن شَيْبَانَ أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا يُعْرَفُ وَعَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ أَنَّهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَاهُ وَبَيَّنَّا ضَعْفَهُ وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ وَأَبُو القسم اللالكائ وغيرهما وقولهم يسع وَقْتُ النَّافِلَةِ سَبَقَ جَوَابُهُ فِي تَقْدِيمِ الصُّبْحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَتَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ * (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْعِشَاءُ فذكر المصنف والاصحاب فيها قولين أَحَدُهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ
والقديم أن تقديمها فضل كَغَيْرِهَا وَلِأَنَّهُ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وقد روى النعمان ابن بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ عِشَاءِ الْآخِرَةِ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصليها لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَهَذَا نَصٌّ فِي تَقْدِيمِهَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أبو داود بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فَقَالَ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ " وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ " لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ " فَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَا يُعْرَفُ وَقَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الآخرة " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّلَاةَ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَخَرَجَ وَقَالَ مَا يَنْتَظِرُهَا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ غَيْرُكُمْ وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم " اغتم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ الصَّلَاةَ فَخَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى
أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَخَرَجَ إلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بعده فلا ندرى أشئ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ إنَّكُمْ تَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ وَلَوْلَا أَنْ تَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ 1 وَالْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " أَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " أَعْتَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فَقَالَ إنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ فِي فَضِيلَةِ التَّأْخِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أبى حنيفة وأحمد واسحق وَآخَرِينَ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَصَحُّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَقْدِيمَهَا أَفْضَلُ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ سَلِيمٌ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالْجُرْجَانِيُّ في كتابيه والشيخ نصر في الكافي والغزالي في الخلاصة والشاشبى فِي الْعُمْدَةِ وَقَطَعَ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْكَافِي بِتَفْضِيلِ التَّأْخِيرِ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا أُخِّرَتْ إلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ فِي قَوْلٍ وَثُلُثُهُ فِي قَوْلٍ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ قَالُوا وَلَا يُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ فِي اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَتَقْدِيمِهَا قَوْلَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَقَالَ ابْنُ أَبِي هريرة ليست علي قولين بل على
حَالَيْنِ فَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا أَخَّرَهَا لَا يَغْلِبُهُ نَوْمٌ وَلَا كَسَلٌ اُسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا وَإِلَّا فَتَعْجِيلُهَا وَجُمِعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِهَذَا وَضَعَّفَ الشَّاشِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ هُوَ بِضَعِيفٍ كَمَا زَعَمَ بَلْ وظاهر أَوْ الْأَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِيمَا يَحْصُلُ به فضيلة أول لوقت فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَآخَرُونَ يَحْصُلُ بِأَنْ يشتغل أَوَّلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَضُرُّ الشُّغْلُ الْخَفِيفُ كَأَكْلِ لُقَمٍ وَكَلَامٍ قَصِيرٍ وَلَا يُكَلَّفُ الْعَجَلَةَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَشَرَطَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ تَقْدِيمَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ لِنَيْلِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِأَنَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالصَّلَاةِ وَضَعَّفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلُوا عن عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَبْقَى وَقْتُ الْفَضِيلَةِ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ وَادَّعَى صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَكَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ آخَرُونَ إلَى نِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَالثَّالِثُ لَا تَحْصُلُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ حَتَّى يُقَدِّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنْ تَقْدِيمُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ لِتَنْطَبِقَ الصَّلَاةُ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ وَعَلَى هَذَا قِيلَ لَا يَنَالُ الْمُتَيَمِّمُ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ الْأَخِيرَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَهُمَا ضَعِيفَانِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا كَانَ يَوْمُ غَيْمٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ تُؤَخَّرَ الصَّلَاةُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْوَقْتُ أَوْ لَا يَبْقَى إلَّا وَقْتٌ لَوْ أَخَّرَ عَنْهُ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ
- (فَرْعٌ) لَوْ كَانَ عَادَةُ الْإِمَامِ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ تَقْدِيمُهَا فِي أَوَّلِ الوقت لحيازة فضيلة أَمْ تَأْخِيرُهَا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ
- (فَرْعٌ) هَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ تُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ مِنْهَا مَنْ يُدَافِعُ الْحَدَثَ وَمَنْ
حضره طعام وتاق إليه والمتيمم الذى يتيقين الماء في آخر الوقت كذا الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَيَعْلَمُ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِالْعَادَةِ وَالْمُنْفَرِدُ الَّذِي يَعْلَمُ حُضُورَ الْجَمَاعَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إذَا قُلْنَا يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّأْخِيرُ عَلَى ما سبق في باب التيمم * قال المصنف رحمه الله *
- (واما الظهر فانه ان كان في غير حر شديد فتقديمها أفضل لما ذكرناه وان كان في حر شديد وتصلي جماعة في موضع تقصده الناس من البعد استحب الابراد بها بقدر ما يحصل فيئ يمشى فيه القاصد الي الصَّلَاةِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فان شدة الحر من فيح جهنم) وفى صلاة الجمعة وجهان أحدهما انها كالظهر لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (كَانَ إذَا اشتد البرد بكربها وإذا اشتد الحر ابرد بها والثاني تقديمها أفضل بكل حال لان الناس لا يتأخرون عنها لانهم ندبوا الي التبكير إليها فلم يكن للتأخير وجه:)
** (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفَيْحُ جَهَنَّمَ بِفَتْحِ الْفَاء وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَبِالْحَاءِ وَهُوَ غَلَيَانُهَا وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَكِنَّ لَفْظَهُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ " هَذَا لَفْظُهُ وَتَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بَابُ " إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَتَقْدِيمُ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إلَى جَمَاعَةٍ وَطَرِيقُهُ فِي الْحَرِّ فَالْإِبْرَادُ بِهَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ العراقيين والخرسانيين وفيه وجه شاذ حكاه الخراسانيون أن الايراد رُخْصَةٌ وَأَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ الْمَشَقَّةَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَانَ أَفْضَلَ هَكَذَا حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَمِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَنِ الْمُتَظَاهِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِبْرَادِ وَأَنَّهُ فَعَلَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْمَشْيَ إلَيْهَا يَسْلُبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ فَاسْتُحِبَّ التَّأْخِيرُ لِتَحْصِيلِ الْخُشُوعِ كَمَنْ حَضَرَهُ طَعَامٌ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَيْهِ أَوْ كَانَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ وَحَقِيقَةُ الْإِبْرَادِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ
بقدر ما يحصل للحيطان فيئ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُؤَخِّرُ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَقْتِ وَلِلْإِبْرَادِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَأَنْ تَكُونَ بلاد حارة وان تصلي جَمَاعَةً وَأَنْ يَقْصِدَهَا النَّاسُ مِنْ الْبُعْدِ هَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ اشْتِرَاطَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ مَشْهُورٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَفِي الْبُوَيْطِيِّ قَوْلٌ أَنَّهُ لَوْ قَرُبَتْ مَنَازِلُهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ اُسْتُحِبَّ الْإِبْرَادُ كَمَا لَوْ بَعُدُوا وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَطَرَدُوهُ فِي جَمَاعَةٍ هُمْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْتِيهِمْ إلَيْهِ أَحَدٌ وَفِيمَنْ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي ظِلٍّ وَفِيمَنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ لَا يُبْرِدُونَ بَلْ تُشْتَرَطُ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ مُتَابَعَةً لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ اشْتِدَادِ الْحَرِّ وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ لَا يُبْرِدُونَ بِهَا وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا حَدِيثُ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن سعيد ابن وَهْبٍ عَنْ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا قَالَ زُهَيْرٌ قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ أَفِي الظُّهْرِ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَفِي تَعْجِيلِهَا قَالَ نَعَمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ نسخه * قال المصنف رحمه الله *
- (واوكد الصلوات في المحافظة عليها الصلاة الوسطى لان الله تعالى خصها بالذكر فقال تعالى (والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) فقرنها بالقنوت ولا قنوت الا في الصبح ولان الصبح يدخل وقتها والناس في أطيب نوم فخص بالمحافظة حتى لا يتغافل عنها بالنوم ولهذا خص بالتثويب)
- (الشَّرْحُ)
- اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى آكَدُّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَاخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ الصُّبْحُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ عُمَرَ ومعاذ ابن جَبَلٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أنس رحمهم
اللَّهُ وَقَالَ طَائِفَةٌ هِيَ الْعَصْرُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هِيَ الظُّهْرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَنَقَلَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ واسامة ابن زَيْدٍ وَعَائِشَةَ وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ هِيَ الْمَغْرِبُ قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الْعِشَاءُ الْآخِرَةِ وَبَعْضُهُمْ إنَّهَا إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُبْهَمَةٌ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا الجملة وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْوُسْطَى جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَهَذِهِ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِيهَا وَالصَّحِيحُ مِنْهَا مَذْهَبَانِ الْعَصْرُ وَالصُّبْحُ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهَا الْعَصْرُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا الصُّبْحُ وَصَحَّتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّهَا الْعَصْرُ وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ فَصَارَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا الْعَصْرُ قَالَ وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قولان كما فهم بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا كَلَامُ صَاحِبُ الْحَاوِي
- وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ أَنَّهَا الْعَصْرُ بِحَدِيثِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ " يَوْمَ الْأَحْزَابِ شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بان العصر تسعى وُسْطَى وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ وَاحْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ تعالى (وقوموا لله قانتين) مِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُخَالِفُونَ وَيَقُولُونَ لَا نُسَلِّمُ إثْبَاتَ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ هَذَا الْقُنُوتُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَكُمْ بَلْ الْقُنُوتُ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ كَذَا قَالَ أَهْلُ اللغة
إنَّ هَذَا أَشْهَرُ مَعَانِيهِ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِنْكَارِ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ وَعَلَى الدُّعَاءِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ " وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ وَالِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْقُنُوتَ الْعِبَادَةُ وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْقِيَامِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ فَتَظْهَرُ الدَّلَالَةُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوُسْطَى الصبح لانه لا فرض يدعا فِيهِ قَائِمًا غَيْرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ وَلَيْسَتْ الْعَصْرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " أَنَّهَا قَالَتْ لِمَنْ يَكْتُبُ لَهَا مُصْحَفًا اُكْتُبْ حَافِظُوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطي وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قَالَتْ عَائِشَةُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ فَعَطْفُ الْعَصْرِ عَلَى الوسطي يدل علي انها غيرها * قال المصنف رحمه الله *
- (ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت لقوله صلي الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله) ولانا لو لم نجوز التأخير ضاق علي الناس فسمح لهم بالتأخير فان صلى ركعة في الوقت ثم خرج الوقت ففيه وجهان أحدهما وهو ظاهر المذهب وهو قول ابي علي بن خيران انه مؤد للجميع لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ من العصر ركعة قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ) ومن أصحابنا من قال هو مؤد لما صلي في الوقت قاض لما صلي بعد خروج الوقت اعتبارا بما في الوقت وبعده)
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مَحْذُورَةَ وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ وَجَمَعَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ أَسَانِيدُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَيُغْنِي عَنْهُ الْأَحَادِيثُ الَّتِي قَدَّمْتُهَا فِي الْبَابِ كَحَدِيثِ " لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ " وَحَدِيثِ إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَدِيثِ " وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصُّبْحِ ركعة إلى آخره " فرواه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَقَدْ ذَكَرْتُهُ قَبْلَ هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ "
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ حَيْثُ تَقَعُ جَمِيعًا فِي الْوَقْتِ فَإِذَا وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهُ خَارِجَهُ نُظِرَ إنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ فَصَاعِدًا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا بِاتِّفَاقِهِمْ قَالَ البندبنجي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ أَنَّ الْجَمِيعَ اداء:
وَالثَّانِي الْجَمِيعُ قَضَاءٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ: وَالثَّالِثُ مَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ وَدَلِيلُ الْقَضَاءِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِآخِرِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي أَثْنَاءِ الْجُمُعَةِ أَتَمُّوهَا ظُهْرًا وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْوَقْتِ دُونَ رَكْعَةٍ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْجَمِيعَ قَضَاءٌ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الْأَوْجُهِ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ وَحَيْثُ قُلْنَا الْجَمِيعُ قَضَاءٌ أَوْ الْبَعْضُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ تِلْكَ الصلاة علي قولنا لا تفصر الْمَقْضِيَّةُ وَلَوْ أَرَادَ إنْسَانٌ تَأْخِيرَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إلَى حَدٍّ يُخْرِجُ بَعْضَهَا عَنْ الْوَقْتِ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا قَضَاءٌ لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَهُوَ الَّذِي صَوَّبَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَجَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِالْجَوَازِ وليس بشئ أَمَّا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمِيعَهَا فَمَدَّهَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ فَرَاغِهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ لَكِنَّهُ خلاف الاولي والثاني يُكْرَهُ وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) ذَكَرْنَا أَنَّ حَدِيثَ أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ ضَعِيفٌ وَالرِّضْوَانُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ وَالْعَفْوُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا قَوْلُهُ لِلْمُقَصِّرِينَ قَدْ يُسْتَشْكَلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّأْخِيرَ لَا إثْمَ فِيهِ فَكَيْفَ يَكُونُ فَاعِلُهُ مُقَصِّرًا وَأَجَابُوا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ لَا إثْمَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَفْوِيتِ الْأَفْضَلِ كَمَا يُقَالُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الضُّحَى فَهُوَ مقصر وان لم يأثم
- قال المصنف رحمه الله
- (ولا يعذر أحد من أهل الفرض في تأخير الصلاة عن وقتها الا نائم أو ناس أو مكره أو من يؤخرها للجمع بعذر السفر أو المطر لقوله صلى الله عليه وسلم " ليس التفريط في النوم انما التفريط في اليقظة " فنص علي النائم وقسنا عليك الناسي والمكره لانهما في معناه واما من يؤخر الصلاة لسفر أو مطر فنذكره فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ إلَى آخِرِهِ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ إذَا رَأَتْ دَمًا يَحْتَمِلُ الْحَيْضَ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ وَقَدْ يَنْقَطِعُ لدون يوم
وليلة ونتيقن وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ حِينَ أَخَّرَتْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ مَنْ يُؤَخِّرُهَا لِلْجَمْعِ بِالْمَطَرِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِي الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ مَنْ أُكْرِهَ علي تأخيرها فمحمول علي مَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَمُنِعَ مِنْ الْإِيمَاءِ بِهَا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى التَّلَبُّسِ بِمَا يُنَافِيهَا فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ الْإِيمَاءُ بِرَأْسِهِ وَعَيْنِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ لِحُرْمَتِهِ وَيُعِيدُ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْغَرِيقِ وَالْمَصْلُوبِ وَالْمَرِيضِ وغيرهم مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ الْقِبْلَةِ وَإِتْمَامِ الْأَرْكَانِ أَنَّهُ يَجِبُ الصَّلَاةُ فِي الْحَالِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَسَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ وَالْخِلَافِ فِيهَا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُكْرَهِ فَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجَنَائِزِ بِدُونِ وَرَقَةٍ وَلَوْ أُسِرَ رَجُلٌ وَمُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ فقدر ان يصليها إبماء صَلَّاهَا وَلَمْ يَدَعْهَا وَأَعَادَهَا (قُلْتُ) وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
- قال المصنف رحمه الله
- (إذا بلغ الصبي أو اسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء أو افاق المجنون أو المغمى عليه وقد بقى من وقت الصلاة قدر ركعة لزمه فرض الوقت لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العصر) فان بقي من الوقت دون ركعة ففيه قولان روى المزني عنه انه لا يلزمه لحديث أبى هريرة رضي الله عنه ولان بدون الركعة لا يدرك الجمعة فكذلك ههنا وقال في كتاب استقبال القبلة يلزمه بقدر تكبيرة لانه ادراك حرمة فاستوى فيه الركعة والتكبيرة كادراك الجماعة وتخالف الجمعة فانه ادراك فعل فاعتبر فيه الركعة وهذا ادراك حرمة فهو كالجماعة وأما الصلاة التى قبلها فينظر فيها فان كان ذلك في وقت الصبح أو الظهر أن المغرب لم يلزمه ما قبلها لان ذلك ليس بوقت لما قبلها وان كان ذلك في وقت العصر أو في وقت العشاء قال في الجديد يلزمه الظهر بما يلزم به العصر ويلزم المغرب بما يلزم به العشاء وفيما يلزم به العصر والعشاء قولان أحدهما ركعة والثانى تكبيرة والدليل عليه أن وقت العصر وقت الظهر ووقت العشاء وقت المغرب في حق أهل العذر وهو المسافر وهؤلاء من أهل العذر فجعل ذلك وقتا لها في حقهم وقال في القديم فيه قولان أحدهما يجب بركعة وطهارة والثاني يجب الظهر والعصر بمقدار خمس ركعات أربع للظهر وركعة للعصر وتجب المغرب مع العشاء بأربع ركعات ثلاث للمغرب وركعة للعشاء لان الوقت اعتبر لادراك الصلاتين فاعتبر وقت يكن الفراغ من أحداهما والشروع في الاخرى وغلط أبو إسحق في هذا فقال أربع من العصر وركعة من الظهر وأربع من العشاء وركعة من المغرب وهذا خلاف النص في القديم وخلاف النظر لان العصر تجب بركعة فدل على أن الاربع للظهر وخرج أبو إسحق في المسألة قولا خامسا انه يدرك الظهر والعصر بمقدار احدى الصلاتين وتكبيرة)
- (الشَّرْحُ)
- إذَا زَالَ الصِّبَا أَوْ الْكُفْرُ أَوْ الْجُنُونُ أَوْ الْإِغْمَاءُ أَوْ الْحَيْضُ أَوْ النِّفَاسُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ بِلَا خِلَافٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الرَّكْعَةِ أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ وَحَكَى إمَامُ الحرمين عن والده أن قَالَ مَرَّةً يَكْفِي رَكْعَةُ مَسْبُوقٍ وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهَا زَمَنُ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ فِيهِ قولان حكاهما الخراسانيون وبعضهم يحكيا وجهين اصحهما وبه قطع العراقيون يُشْتَرَطُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ فعل الركعة وان بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ فَمَا فَوْقَهَا مِمَّا لَا يَبْلُغُ رَكْعَةً فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ تَلْزَمُهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْهُ كَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَالثَّانِي لَا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَقِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ وَفِي اشْتِرَاطِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ الْقَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا تَلْزَمُ بِتَكْبِيرَةٍ فَأَدْرَكَ زَمَنَ نِصْفِ تَكْبِيرَةٍ إنْ تَصَوَّرَ ذَلِكَ فَفِي اللُّزُومِ بِهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَسَعُ رُكْنًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَشَرْطُ الْوُجُوبِ بِرَكْعَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَنْ يَمْتَدَّ السَّلَامَةُ مِنْ الْمَانِعِ قَدْرَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَفِعْلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَادَ مَانِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ مِثَالُهُ بَلَغَ صَبِيٌّ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ ثُمَّ عَادَ جُنُونُهُ أَوْ طَهَرَتْ ثُمَّ جُنَّتْ أَوْ أَفَاقَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فَإِنْ مَضَى فِي حَالِ السَّلَامَةِ مَا يَسَعُ طَهَارَةً وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَجَبَتْ الْعَصْرُ وَإِلَّا فَلَا وَيَسْتَوِي فِي الْإِدْرَاكِ بِرَكْعَةٍ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُدْرَكَةُ صُبْحًا أَوْ ظُهْرًا أَوْ مَغْرِبًا لَمْ يَجِبْ غَيْرُهَا وَإِنْ كَانَتْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً وَجَبَ مَعَ الْعَصْرِ الظُّهْرُ وَمَعَ الْعِشَاءِ الْمَغْرِبُ بلا خلاف