كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ (وَالثَّانِي) فِي صِحَّتِهَا قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (الْمَنْصُوصُ) أَنَّهَا صَحِيحَةٌ (وَالثَّانِي) خَرَّجَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الِانْفِضَاضِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ أَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَهَذَا الطَّرِيقُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ لَكِنَّهُ حَكَاهُ وَجْهَيْنِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ هَذَا الْقَوْلُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ فَرَجَعَ إلَيْهِ لِيُسَبِّحَ فَأَدْرَكَهُ مَأْمُومٌ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا تُحْسَبُ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَابِ الْمَاضِي (وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ) فِي التَّنْبِيهِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمُحْدِثِ جَاهِلًا بِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَتَجِبُ فِي الْجُمُعَةِ (فَمَحْمُولٌ) عَلَى مَا إذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِهِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِمْ هُنَا وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَلِمَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ أَدْرَكَ كَمَالَ الصَّلَاةِ أَوْ الرَّكْعَةَ مَعَ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ أَمَّا مَنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا وَأَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ فَلَا تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَجْهًا أَنَّهُ تُحْسَبُ لَهُ الرَّكْعَةُ قَالُوا وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَحْمِلُ عَنْ الْمَسْبُوقِ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ إذَا كَانَا مَحْسُوبَيْنِ لَهُ وَلَيْسَا هُنَا مَحْسُوبَيْنِ لَهُ وَمِثْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَا إذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ خَامِسَةٍ قَامَ إلَيْهَا سَاهِيًا الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُحْسَبُ لَهُ وَقِيلَ تُحْسَبُ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَبْسُوطَةً بِزِيَادَةِ فُرُوعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ صَحِيحَةٌ إذَا جَهِلَ الْمَأْمُومُ حَدَثَهُ وَهَلْ تَكُونُ صَلَاةَ جَمَاعَةٍ أَمْ انْفِرَادٍ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ (أَصَحُّهُمَا) وَأَشْهَرُهُمَا أَنَّهَا صَلَاةُ جَمَاعَةٍ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُونَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ هُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهِ هُنَا فِي آخِرِ تَعْلِيلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ حَدَثُ الْإِمَامِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْجَمَاعَةِ وثبوت حكمها في حق المأموم الجاهل حاله وَلَا يَمْنَعُ نَيْلَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَلَا غَيْرَهُ مِنْ أَحْكَامِهَا وَدَلِيلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ صَلَاتَهُ جَمَاعَةً وَهُوَ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِهَا وَقَدْ بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى اعْتِقَادِهِ وَصَحَّحْنَا صَلَاتَهُ اعْتِمَادًا عَلَى اعْتِقَادِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّهَا صَلَاةُ فُرَادَى لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِإِمَامٍ مُصَلٍّ وَهَذَا لَيْسَ مُصَلِّيًا قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَيُبْنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (إحْدَاهَا) إذَا أَدْرَكَهُ مَسْبُوقٌ فِي الرُّكُوعِ إنْ قُلْنَا صَلَاتُهُ
جَمَاعَةٌ حُسِبَتْ لَهُ الرَّكْعَةُ وَإِلَّا فَلَا (الثَّانِيَةُ) لَوْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ وَتَمَّ الْعَدَدُ دُونَهُ إنْ قُلْنَا صَلَاتُهُمْ جَمَاعَةٌ أَجْزَأَتْ وَإِلَّا فَلَا (الثَّالِثَةُ) إذَا سَهَا الْإِمَامُ الْمُحْدِثُ ثُمَّ عَلِمُوا حَدَثَهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَفَارَقُوهُ أَوْ سَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَسْهُ الْإِمَامُ فَإِنْ قُلْنَا صَلَاتُهُمْ جَمَاعَةٌ سَجَدُوا لِسَهْوِ الْإِمَامِ لَا لِسَهْوِهِمْ وَإِلَّا سَجَدُوا لِسَهْوِهِمْ لَا لِسَهْوِهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ هَذَا الْبِنَاءِ تَرْجِيحُ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ لِمُدْرِكِ رُكُوعِ الْإِمَامِ الْمُحْدِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي الْبِنَاءِ في اصطلاح الاصحاب بل يكون أَصْلُ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلَ مَبْنِيَّاتٍ عَلَى مَأْخَذٍ وَيَخْتَلِفُ التَّرْجِيحُ فِيهَا بِحَسَبِ انْضِمَامِ مُرَجِّحَاتٍ إلَى بعضها دون بعض كما لو قَالُوا إنَّ النَّذْرَ هَلْ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَاجِبِ أَمْ الْجَائِزِ وَإِنَّ الْإِبْرَاءَ هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ أَمْ تَمْلِيكٌ وَإِنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ أَمْ اسْتِيفَاءٌ وَإِنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَعَارَةَ لِلرَّهْنِ يَكُونُ مَالِكُهَا مُعِيرًا أَمْ ضَامِنًا وَفَرَّعُوا عَلَى كُلِّ أَصْلٍ مِنْ هَذِهِ مَسَائِلَ يَخْتَلِفُ الرَّاجِحُ مِنْهَا وَسَنُوَضِّحُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ بَانَ إمَامُ الْجُمُعَةِ مُحْدِثًا وَتَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ فَجُمُعَةُ الْمَأْمُومِينَ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ إعَادَتُهَا لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّتْ جُمُعَةٌ فَلَا تَصِحُّ أُخْرَى بَعْدَهَا (فَإِنْ قُلْنَا) بِالضَّعِيفِ إنَّهَا لَا تَصِحُّ لَزِمَ الْإِمَامَ وَالْقَوْمَ أَنْ يُعِيدُوا الْجُمُعَةَ وَلَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُتَطَهِّرًا وَالْمَأْمُومُونَ كُلُّهُمْ مُحْدِثِينَ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ نِسَاءً لِأَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَوْ بَانَ الْإِمَامُ وَبَعْضُ الْقَوْمِ مُتَطَهِّرِينَ وَبَعْضُ الْقَوْمِ مُحْدِثِينَ وَلَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ إلَّا بِهِمْ فَإِنْ قُلْنَا تَكُونُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ
- (فَرْعٌ) لَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ حَدَثَ الْإِمَامِ ثُمَّ لَمْ يُفَارِقْهُ ثُمَّ صَلَّى وَرَاءَهُ نَاسِيًا عِلْمَهُ بِحَدَثِهِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ لِتَفْرِيطِهِ
- (فَرْعٌ) لَوْ كَانَ عَلَى ثَوْبِ الْإِمَامِ أَوْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمَأْمُومُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا هُوَ كَمَا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ كَانَتْ نَجَاسَةً خفيفة فَهُوَ كَمَنْ بَانَ مُحْدِثًا وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَفِيهِ احْتِمَالٌ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَخْفَى وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا بَانَ كَافِرًا مُسْتَتِرًا بِكُفْرِهِ وَهَذَا أَقْوَى وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ فِي قَوْلِهِ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ مُحْدِثٍ وَلَا نَجِسٍ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ صَلَّى أَحَدُ هَؤُلَاءِ خَلْفَ أَحَدِ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ عَلِمَ أَعَادَ إلَّا مَنْ صَلَّى خَلْفَ المحدث
(فَرْعٌ) لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مَجْنُونًا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ بِلَا خِلَافٍ عَلَى الْمَأْمُومِ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى فَلَوْ كَانَ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَحَالَةُ إفَاقَةٍ أَوْ حَالَةُ إسْلَامٍ وَحَالَةُ رِدَّةٍ وَاقْتَدَى بِهِ وَلَمْ يَدْرِ فِي أَيِّ حَالَةٍ كَانَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَوْ صَلَّوْا خَلْفَ مَنْ يَجْهَلُونَ إسْلَامَهُ فَلَا إعَادَةَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَكَذَا لَوْ شَكُّوا أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ أَجْزَأَتْهُمْ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّ إقْدَامَهُ عَلَى الصَّلَاةِ بِهِمْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى إسْلَامِهِ وَلَمْ يَقَعْ خِلَافُهُ وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ أَسْلَمَ فَقَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ حَقِيقَةً أَوْ قَالَ كُنْتُ أَسْلَمْتُ ثُمَّ ارْتَدَدْتُ فَلَا إعَادَةَ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ مَرْدُودٌ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ وَلَوْ صَلَّوْا خَلْفَ مَنْ عَلِمُوهُ كَافِرًا وَلَمْ يَعْلَمُوا إسْلَامَهُ فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قبل الصلاة لزمهم الاعادة بالاتفاق نص عليه فِي الْأُمِّ قَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ حَتَّى يَعْلَمُوا إسْلَامَهُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ إذَا جَهِلَ الْمَأْمُومُ حَدَثَهُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا وَابْنِ سيرين والشعبي وأبى حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ شَيْخِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ فَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ عَلَى مَذْهَبِهِ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا فَلَا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا أَعَادَ إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فِي الْوَقْتِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ فَلَا إعَادَةَ وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِالْإِعَادَةِ بِحَدِيثِ أَبِي جَابِرٍ الْبَيَاضِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ وَأَعَادَ وَأَعَادُوا " وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عن عاصم ابن حَمْزَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّهُ صَلَّى بِالْقَوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ وَأَعَادَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَأَعَادُوا " قَالُوا وَقِيَاسًا عَلَى مَا إذَا بَانَ كَافِرًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَلَّى وَرَاءَهُ عَالِمًا بِحَدَثِهِ وَلِأَنَّ صَلَاتَهُ مُرْتَبِطَةٌ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا سَهَا الْإِمَامُ نُوجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودَ السَّهْوِ كَمَا نُوجِبُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ اصابوا فلكم وان أخطوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (فَإِنْ قِيلَ) فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " حضرو قد أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ حَتَّى إذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ فَانْصَرَفَ وقال لنا مكانكم فلم؟ ؟ ؟ قِيَامًا حَتَّى خَرَجَ إلَيْنَا وَقَدْ اغْتَسَلَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً فَكَبَّرَ وَصَلَّى بِنَا " (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ لِأَنَّهُمَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا إذَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ بِحَمْلِهِمَا عَلَى قَضِيَّتَيْنِ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَالْبَيْهَقِيُّ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي الْمَسْأَلَةِ غير ما ذكرنا أَكْثَرُهَا ضَعِيفَةٌ فَحَذَفَتْهَا: وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي جَابِرٍ الْبَيَاضِيِّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِ الْبَيَاضِيِّ وَقَالُوا هُوَ مَتْرُوكٌ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ أَبْلَغُ أَلْفَاظِ الْجَرْحِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هُوَ كَذَّابٌ وَعَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ أَيْضًا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَرْحِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ مَتْرُوكٌ رَمَاهُ الْحُفَّاظُ بِالْكَذِبِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ كَذَّابًا فَلَمَّا عَرَفْنَاهُ بِالْكَذِبِ تَحَوَّلَ إلَى مَكَان آخَرَ حَدَّثَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عن عاصم بن حمزة عن علاى أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَأَعَادَ وَأَمَرَهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ انْقِطَاعِهِ أَيْضًا فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ لَمْ يَرْوِ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حَمْزَةَ شَيْئًا قَطُّ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ قُوَّةٌ لِمَنْ يَقُولُ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ مُحْدِثًا يُعِيدُ أَصْحَابُهُ وَالْحَدِيثُ بِأَنْ لَا يُعِيدُوا أُثْبِتَ لِمَنْ أَرَادَ الْإِنْصَافَ بِالْحَدِيثِ وَأَمَّا أَقْيِسَتُهُمْ فَيُجَابُ عَنْهَا بِجَوَابَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ فَوَجَبَ رَدُّهَا (وَالثَّانِي) أَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي الصَّلَاةِ وَرَاءَ كَافِرٍ وَامْرَأَةٍ وَمَنْ عَلِمَ حَدَثَهُ بِخِلَافِ مَنْ جَهِلَ حَدَثَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *
(فَرْعٌ) إذَا تَعَمَّدَ الصَّلَاةَ مُحْدِثًا كَانَ آثِمًا فَاسِقًا وَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفُرُ لِتَلَاعُبِهِ وَاسْتِهْزَائِهِ بِالدِّينِ وَدَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الزِّنَا فِي الْمَسْجِدِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهُ جُنُبٌ أَوْ مُحْدِثٌ أَوْ الْمَرْأَةُ الْمُصَلِّيَةُ بِنِسْوَةٍ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةُ حَيْضٍ لَمْ تَغْتَسِلْ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ طَهَارَتِهِ قَرِيبًا أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ يَمْكُثُوا وَمَضَى وَتَطَهَّرَ وَعَادَ وَأَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَتَابَعُوهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَلَا يَسْتَأْنِفُونَهَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا أَتَمُّوهَا وَلَا ينتظروه قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُمْ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءُوا أَتَمُّوهَا فُرَادَى وَإِنْ شَاءُوا قدموا احدهم يُتِمُّهَا بِهِمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُتِمُّوهَا فُرَادَى قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ وَإِذَا أَشَارَ إلَيْهِمْ وَالْمَوْضِعُ قَرِيبٌ اُسْتُحِبَّ انْتِظَارُهُ كَمَا ذَكَرْنَا وَدَلِيلُنَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فَإِنْ لم ينتظروه جاز ثم لهم الانفراد الاستخلاف إذَا جَوَّزْنَاهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ انْتِظَارُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةٌ
- (فَرْعٌ) لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَ السَّكْرَانِ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ فَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَغَسَلَ فَاهُ وَمَا أَصَابَهُ وَصَلَّى قَبْلَ أَنْ يَسْكَرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فَلَوْ سَكِرَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَزِمَ الْمَأْمُومَ مُفَارَقَتُهُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يُفَارِقْهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ لَوْ صَلَّى بِهِمْ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ عَامِدًا كَانَ الْإِمَامُ أَوْ سَاهِيًا هَذَا لَفْظُهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْإِحْرَامِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى غَالِبًا وَأَمَّا إذَا كَبَّرَ وَتَرَكَ النِّيَّةَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ خَلْفَهُ لِأَنَّهَا خَفِيَّةٌ فَهِيَ كَالْحَدَثِ بَلْ أَوْلَى بِالْخَفَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ صَلَّى مُحْدِثًا مَعَ إمْكَانِ الْوُضُوءِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَتَجِبُ إعَادَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ أَتَعَمَّدَ ذلك أم نسيه أم جهله
قال المصنف رحمه الله
- (ويجوز للمتوضئ ان يصلى خلف المتيمم لانه اتى عن طهارته ببدل فهو كمن غسل الرجل إذا صلي خلف ماسح الخف وفى صلاة الطاهرة خلف المستحاضة وجهان (أحدهما) يجوز كالمتوضئ خلف المتيمم (والثاني) لا يجوز لانها لم تأت بطهارة النجس ولا بما يقوم مقامها فهو كالمتوضئ خلف المحدث)
- (الشَّرْحُ) قَالَ أَصْحَابُنَا تَجُوزُ صَلَاةُ غَاسِلِ الرِّجْلِ خَلْفَ مَاسِحِ الْخُفِّ وَصَلَاةُ الْمُتَوَضِّئِ خَلْفَ مُتَيَمِّمٍ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِأَنْ تَيَمَّمَ فِي السَّفَرِ أَوْ فِي الْحَضَرِ لِمَرَضٍ وَجِرَاحَةٍ وَنَحْوِهَا وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مُتَيَمِّمٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ كمتيمم في الحضر ومن لم تجد مَاءً وَلَا تُرَابًا أَوْ أَمْكَنَهُ تَعَلُّمُ الْفَاتِحَةِ فَقَصَّرَ وَصَلَّى لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ أَوْ صَلَّى مَرْبُوطًا عَلَى خَشَبَةٍ أَوْ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ عَارِيًّا وَقُلْنَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ صَلَاةَ إمَامِهِ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ فَهُوَ كَالْمُحْدِثِ وَلَوْ صَلَّى مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا خَلْفَ مِثْلِهِ لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ علي الصحيح وفيه وجه حكاه الخراسانيون واما صَلَاةُ الطَّاهِرَةِ خَلْفَ مُسْتَحَاضَةٍ غَيْرِ مُتَحَيِّرَةٍ وَصَلَاةُ سَلِيمٍ خَلْفَ سَلِسِ الْبَوْلِ أَوْ الْمَذْيِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ سَائِلٌ فَفِيهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ (الصَّحِيحُ) الصِّحَّةُ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَخَلَائِقُ وَلَا يُغْتَرُّ بِتَصْحِيحِ صَاحِبِ الِانْتِصَارِ خِلَافَهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي كَانَ يَقْطَعُ بِهِ شَيْخِي وَنَقْلُهُ فِي الْمَذْهَبِ الصِّحَّةُ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ وَجْهًا وَهُوَ رَكِيكٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَاسْتَدَلُّوا لِلصِّحَّةِ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُسْتَجْمِرٍ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِمَنْ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ يُعْفَى عَنْهَا فَإِنَّ اقْتِدَاءَهُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَوَضِّئِ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ الَّذِي لَا يَقْضِي وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَنَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يوسف واحمد واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَكَرِهَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرَبِيعَةُ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَؤُمُّهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا أَوْ يَكُونُوا مُتَيَمِّمِينَ مِثْلَهُ قَالَ واجمعوا علي ان المتوضئ يؤم المتيممين
- قال المصنف رحمه الله
(وَيَجُوزُ لِلْقَائِمِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْقَاعِدِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ " وَيَجُوزُ لِلرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُومِئِ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ ان يأتم بالعاجز عنه كالقيام)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ صَلَاةَ الظُّهْرِ يَوْمَ السبت أو الاحد توفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ رَوَاهُ البيهقي وقول الصنف رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ احْتِرَازٌ مِنْ الشَّرْطِ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ أَوْ النَّجَسِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ عَجَزَ عَنْهُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ رُكْنٌ فِعْلِيٌّ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ الصَّلَاةُ وَرَاءَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ وَلِلْقَاعِدِ وَرَاءَ الْمُضْطَجِعِ وَلِلْقَادِرِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وراء المومئ بهما ولايجوز للقادر على كل شئ مِنْ ذَلِكَ مُوَافَقَةُ الْعَاجِزِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ وَلَا خلاف في شئ مِنْ هَذَا عِنْدَنَا
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ قَائِمًا كَمَا اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم لان فِيهِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَ الِاقْتِدَاءَ بالقاعد ولان الْقَائِمَ أَكْمَلُ وَأَقْرَبُ إلَى إكْمَالِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّ قَاعِدًا وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِجَوَابَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ الِاسْتِخْلَافُ أَكْثَرَ فَدَلَّ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَأَمَّ قَاعِدًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ (الْجَوَابُ الثَّانِي) أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ قَاعِدًا أَفْضَلُ مِنْهَا خَلْفَ غَيْرِهِ قَائِمًا بِدَرَجَاتٍ بخلاف غيره
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ وَرَاءَهُ قُعُودًا وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْحُمَيْدِيُّ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ واحمد واسحق وَابْنُ الْمُنْذِرِ تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ وَرَاءَهُ قُعُودًا وَلَا تَجُوزُ قِيَامًا وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَبَعْضُ أصحابه تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ قَاعِدًا مُطْلَقًا
- وَاحْتَجَّ لِمَنْ قال تَصِحُّ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا بِحَدِيثٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا " وَاحْتَجَّ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ
- وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ بِحَدِيثِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَرَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَقَامَ يُهَادِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ فَجَاءَ فَجَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا لَفْظُ إحْدَى رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْإِمَامَ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ وَلِقَوْلِهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَلِقَوْلِهِ يَقْتَدِي بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ " وَقَوْلُهُ يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ يَعْنِي أَنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ إذَا كَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ضَعِيفَ الصَّوْتِ حِينَئِذٍ بِسَبَبِ الْمَرَضِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ " أَنَّ النبي صل اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ إلَى جَنْبِ أَبِي
بَكْرٍ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ " وَرَوَيَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْإِمَامَ وَأَبُو بَكْرٍ يَقْتَدِي بِهِ وَيُسْمِعَ النَّاسَ التَّكْبِيرَ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَمُ الرُّوَاةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ صَرِيحَةٌ فِي نَسْخِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَرَضٍ قَبْلَ هَذَا بِزَمَانٍ حِين آلَى مِنْ نِسَائِهِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ رِوَايَاتٍ قَلِيلَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرِهِ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد " وَرَوَيْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ: وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَنْهَا إنْ صَحَّتْ فَإِنَّهَا كَانَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ وَمَرَّةً أَبُو بَكْرٍ وَرَاءَهُ وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَادِرِ وَرَاءَ الْقَاعِدِ لَا تَجُوزُ إلَّا قَائِمًا: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " لَا يُؤَمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا " فَقَالَ الدارقطني وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ هُوَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ وان جابر الْجُعْفِيَّ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَرَدِّ رِوَايَاتِهِ قَالُوا وَلَا يَرْوِيه غَيْرُ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ الَّذِي احْتَجَّ بِهَذَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ وَلِأَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ يَرْغَبُ النَّاسُ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي صَلَاةِ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ خَلْفَ الْمُومِئِ إلَيْهَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهَا وبه قال زفر
- وقال بو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا تَجُوزُ
- قال المصنف رحمه الله
- (وَفِي صَلَاةِ الْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ وَهُوَ مَنْ لا يحس الفاتحة أو خلف الارت والا لثغ قولان (احدهما) تجوز لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَالْقِيَامِ (وَالثَّانِي) لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَحْمِلَ قِرَاءَتَهُ وَهُوَ يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ لِلتَّحَمُّلِ كَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ إذَا عَجَزَ عَنْ تحمل اعباء الامة)
- (الشرح) الاعبا - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ - جمع عبء - بكسر العين واسكان الباء بعدها همزة - كحمل واحمال والعبء الثِّقَلُ وَالْأَعْبَاءُ الْأَثْقَالُ وَقَوْلُهُ عَجَزَ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - يَعْجِزُ - بِكَسْرِهَا - وَيَجُوزُ عَكْسُهُ لُغَتَانِ الْأُولَى أَفْصَحُ وَقَوْلُهُ رُكْنٌ احْتِرَازٌ مِنْ الشَّرْطِ وَهُوَ إذَا لم يجد
مَاءً وَلَا تُرَابًا وَصَلَّى بِحَالِهِ وَكَذَا مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا (وَقَوْلُهُ) الْأَرَتُّ هُوَ مَنْ يُدْغِمُ حَرْفًا فِي حَرْفٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِدْغَامِ والا لثغ من يبدل حرفا بحرف كالراء بالغين والشين بِالثَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ اصحابنا الامي من لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ بِكَمَالِهَا سَوَاءٌ كَانَ لَا يَحْفَظُهَا أَوْ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا إلَّا حَرْفًا أَوْ يُخَفِّفُ مُشَدَّدًا لِرَخَاوَةٍ فِي لِسَانِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِخَرَسٍ أَوْ غَيْرِهِ فهذا الامي والارت والا لثغ إنْ كَانَ تَمَكَّنَ مِنْ التَّعَلُّمِ فَصَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ بَاطِلَةٌ فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ كَانَ لِسَانُهُ لَا يُطَاوِعُهُ أَوْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ قَبْلَ ذَلِكَ فَصَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ قَارِئٌ لَا يَحْفَظُ الفاتحة كلها أو يحفظ منا شَيْئًا لَا يَحْفَظُهُ الْأُمِّيُّ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ وَثَالِثٌ مُخَرَّجٌ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ الْجَدِيدُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ (وَالْقَدِيمُ) إنْ كَانَتْ صَلَاةً جَهْرِيَّةً لَمْ تَصِحَّ وَإِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً صَحَّتْ (وَالثَّالِثُ) المخرج خرجه أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ وَحَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- وَاحْتَجُّوا لِلْقَدِيمِ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُ عَنْ الْمَأْمُومِ الْقِرَاءَةَ فِي الْجَهْرِيَّةِ عَلَى الْقَدِيمِ هَكَذَا ذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَصْحَابُهُ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ وَخَلَائِقُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ (الْجَدِيدُ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَالْقَدِيمُ يَصِحُّ وَهَذَا نَقْلٌ فَاسِدٌ عَكْسُ الْمَذْهَبِ فَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ بُطْلَانُ الِاقْتِدَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَارَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ صِحَّتَهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَاحْتُجَّ لَهُمْ بالقياس على العجز عن القيام كما ذكره الْمُصَنِّفُ وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْقِيَامِ لَيْسَ بِنَقْصٍ وَجَهْلُ الْقِرَاءَةِ نَقْصٌ فَهُوَ كَالْكُفْرِ وَالْأُنُوثَةِ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ يَعُمُّ الْبَلْوَى بِالْعَجْزِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ جَارِيَةٌ سَوَاءٌ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ أُمِّيٌّ أَمْ جَهِلَ ذَلِكَ
هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاقِينَ وَشَذَّ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ الْأَقْوَالُ إذَا كَانَ جَاهِلًا وَإِنْ عَلِمَ لَمْ تَصِحَّ قَطْعًا وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلَوْ حَضَرَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْفَظُ نِصْفَ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ فَإِنْ اتَّفَقَا فِي نِصْفٍ مُعَيَّنٍ جَازَ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ حَفِظَ أَحَدُهُمَا النِّصْفَ الْأَوَّلَ وَالْآخَرُ الْآخَرَ فَأَيُّهُمَا صَلَّى خَلْفَ صَاحِبِهِ فَهُوَ قَارِئٌ خَلْفَ أُمِّيٍّ وَهَذَا يُفْهَمُ مِمَّا قَدَّمْتُهُ لَكِنْ أَفْرَدَتْهُ بِالذِّكْرِ كَمَا أَفْرَدَهُ الْأَصْحَابُ وَلِيُتَنَبَّهَ لَهُ وَلَوْ صَلَّى مَنْ لَا يَحْفَظُ الْفَاتِحَةَ لَكِنَّهُ يَحْفَظُ سَبْعَ آيَاتٍ غَيْرَهَا خَلْفَ مَنْ لَا يَحْفَظُ قُرْآنًا بَلْ يُصَلِّي بِالْأَذْكَارِ فَهُوَ صلاة قارى خَلْفَ أُمِّيٍّ خَرَّجَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ اقْتَدَى أَرَتٌّ بِأَلْثَغَ فَهُوَ قَارِئٌ خَلْفَ أُمِّيٍّ لِأَنَّهُ يُحْسِنُ شَيْئًا لَا يُحْسِنُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا صَلَّى الْقَارِئُ خَلْفَ أُمِّيٍّ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَصَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَكَذَا الْمَأْمُومُونَ الْأُمِّيُّونَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْقَارِئِ وَالْأُمِّيِّ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ قِرَاءَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِسَبَبِ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ كَمَا لَوْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِرِجَالٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا قُلْنَا بِسَبَبِ اقْتِدَاءِ الْمَأْمُومِ لِئَلَّا يُورِدُوا مَا إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ الْجُمُعَةَ بِرِجَالٍ فَإِنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَعْلِيقِهِ (أَرْجَحُهُمَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهَا (وَالثَّانِي) تَنْعَقِدُ ظُهْرًا وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ تَعْلِيقِهِ فَعَلَى هذا لا يصلح الْإِيرَادُ (وَإِنْ قُلْنَا) تَبْطُلُ فَمَا بَطَلَتْ لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بَلْ لِعَدَمِ شَرْطِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ إمَامَةُ رَجُلٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِأَنَّ الْأُصُولَ الْمُقَرَّرَةَ مُتَّفِقَةً عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ لَا يَتَعَدَّى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَى الْمَأْمُومِ (وَالْجَوَابُ) عَمَّا قَالُوهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْقِرَاءَةُ لِأَنَّ عِنْدَنَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالْأَخْرَسِ إذَا أَمَّ نَاطِقًا فَإِنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَيُنْتَقَضُ بِالْأُمِّيِّ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ قَارِئٍ فَصَلَّى مُنْفَرِدًا صَحَّتْ بِالِاتِّفَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا لَحَنَ فِي الْقِرَاءَةِ كُرِهَتْ إمَامَتُهُ مُطْلَقًا فَإِنْ كَانَ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَرَفْعِ الْهَاءِ مِنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَانَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ من اقتدى به وان كان لحنا بغير الْمَعْنَى كَضَمِّ التَّاءِ مِنْ أَنْعَمْتَ أَوْ كَسْرِهَا أَوْ يُبْطِلُهُ بِأَنْ يَقُولَ (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِينَ) فَإِنْ كَانَ لِسَانُهُ يُطَاوِعُهُ وَأَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ فَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِلْحَرَامِ وَيَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ بِالتَّعَلُّمِ فَإِنْ قَصَّرَ وَضَاقَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَقْضِي
وَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ أَوْ لَمْ يَمْضِ مَا يُمْكِنُ التَّعَلُّمُ فيه فصلاة مِثْلِهِ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ وَصَلَاةُ صَحِيحِ اللِّسَانِ خَلْفَهُ كَصَلَاةِ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ كُلِّ أَحَدٍ خَلْفَهُ لِأَنَّ تَرْكَ السُّورَةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَلَا يُمْنَعُ الِاقْتِدَاءُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ قِيلَ لَيْسَ لِهَذَا اللَّاحِنِ قِرَاءَةٌ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَيْسَ قُرْآنًا بِلَا ضَرُورَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَلَوْ صَلَّى الْقَارِئُ خَلْفَ مَنْ يَنْطِقُ بِالْحَرْفِ بَيْنَ حَرْفَيْنِ كَقَافٍ غَيْرِ خَالِصَةٍ بَلْ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ كَافٍ وَقَافٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْحَرْفِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ نَحْوَ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ
- (فَرْعٌ) لَوْ اقْتَدَى قَارِئٌ بِمَنْ ظَنَّهُ قَارِئًا فَبَانَ أُمِّيًّا وَقُلْنَا لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَارِئِ خَلْفَ أُمِّيٍّ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) تَجِبُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الجمهور وسوا كَانَتْ صَلَاةً سِرِّيَّةً أَوْ جَهْرِيَّةً وَلَوْ اقْتَدَى بمن لا يعرف حاله فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ فَلَمْ يَجْهَرْ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ إذَا قُلْنَا لَا تَجُوزُ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ فَلَوْ سَلَّمَ وَقَالَ أَسْرَرْتُ وَنَسِيتُ الْجَهْرَ لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ لَكِنْ قَالُوا تُسْتَحَبُّ وَلَوْ بَانَ أُمِّيًّا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَقُلْنَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَكَالْمُحْدِثِ فَيَنْوِي مُفَارَقَتَهُ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى صَلَاةً سِرِّيَّةً خَلْفَ من لا يعرف حاله فِي الْقِرَاءَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الام * قال المصنف رحمه الله
- (وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ وَالْمُفْتَرِضُ بِمُفْتَرِضٍ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشاء الْآخِرَةَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فِي بَنِي سَلِمَةَ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ " هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةُ الْعِشَاءِ وَلِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ يَقَعُ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ وَذَلِكَ يَكُونُ مَعَ اخْتِلَافِ النِّيَّةِ فَأَمَّا إذَا صَلَّى الْكُسُوفَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَالصُّبْحَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْكُسُوفَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِائْتِمَامُ بِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَفْعَالِ)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ العلماء وَبَنُو سَلِمَةَ - بِكَسْرِ اللَّامِ - قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ الانصار وقوله عشاء الْآخِرَةَ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَيَجُوزُ تَسْمِيَتُهَا عِشَاءَ الْآخِرَةِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ وَلَكِنَّ قَوْلَهُ عِشَاءَ الْآخِرَةِ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وَيَصِحُّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بِتَقْدِيرٍ محذوف ومنه قوله تعالي (ولدار الاخرة وبجانب الْغَرْبِيِّ أَيْ دَارُ الْحَيَاةِ) الْآخِرَةِ وَجَانِبُ الْمَكَانِ الغرب : أما أحكام الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاةُ النَّفْلِ خَلْفَ الْفَرْضِ وَالْفَرْضِ خَلْفَ النَّفْلِ وَتَصِحُّ صَلَاةُ
فَرِيضَةٍ خَلْفَ فَرِيضَةٍ أُخْرَى تُوَافِقُهَا فِي الْعَدَدِ كَظُهْرٍ خَلْفَ عَصْرٍ وَتَصِحُّ فَرِيضَةٌ خَلْفَ فَرِيضَةٍ أَقْصَرُ مِنْهَا وَكُلُّ هَذَا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا ثُمَّ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ الصُّبْحِ وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ الْمَأْمُومُ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ وَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمَسْبُوقِ وَيُتَابِعُ الْإِمَامَ فِي الْقُنُوتِ وَلَوْ أَرَادَ مُفَارَقَتَهُ عِنْدَ اشْتِغَالِهِ بِالْقُنُوتِ جَازَ كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ المغرب جاز بالاتفاق وَيَتَخَيَّرُ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بَيْنَ مُفَارَقَتِهِ لِإِتْمَامِ مَا عَلَيْهِ وَبَيْنَ الِاسْتِمْرَارِ مَعَهُ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقُومَ الْمَأْمُومُ إلَى رَكْعَتِهِ كَمَا قُلْنَا فِي الْقُنُوتِ وَالِاسْتِمْرَارُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ عَدَدُ رَكَعَاتِ الْمَأْمُومِ أَقَلَّ كَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ خَلْفَ الْمَغْرِبِ أَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ رُبَاعِيَّةٍ فَفِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ جَوَازَهُ كَعَكْسِهِ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) بُطْلَانُهُ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ صِحَّةُ الِاقْتِدَاءِ فَفَرَغَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فَالْمَأْمُومُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وَالْأَفْضَلُ انْتِظَارُهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْنُتَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ بِأَنْ وَقَفَ الْإِمَامُ يسيرا اقنت وَإِلَّا فَلَا وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ لِيَقْنُتَ وَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ خَلْفَ الظُّهْرِ وَقَامَ الْإِمَامُ إلَى الرَّابِعَةِ لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ بَلْ يُفَارِقُهُ وَيَتَشَهَّدُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ التَّشَهُّدَ وَيَنْتَظِرَهُ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ (أَحَدُهُمَا) لَهُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ خَلْفَ الظُّهْرِ (وَالثَّانِي) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ تَشَهُّدًا وَجُلُوسًا لَمْ يَفْعَلْهُ الْإِمَامُ وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ خَلْفَ التَّرَاوِيحِ جَازَ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إلَى رَكْعَتَيْهِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُتِمَّهَا مُنْفَرِدًا فَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى أُخْرَيَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ فَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِهِ ثَانِيًا فِي رَكْعَتَيْهِ فَفِي جَوَازِهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الِاقْتِدَاءَ الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ وَقَدْ سَبَقَتْ مَسْأَلَةُ الْعِشَاءِ خَلْفَ التَّرَاوِيحِ هَذَا كُلُّهُ إذَا اتَّفَقَتْ الصَّلَاتَانِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ فَلَوْ اخْتَلَفَا بِأَنْ اقْتَدَى مَنْ يُصَلِّي كُسُوفًا أَوْ جِنَازَةً بِمَنْ يُصَلِّي ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهَا أَوْ عَكْسَهُ فَطَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ لَا تَصِحُّ لِتَعَذُّرِ الْمُتَابَعَةِ (وَالثَّانِي) عَلَى وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ لِإِمْكَانِ الْمُتَابَعَةِ فِي الْبَعْضِ فَعَلَى هَذَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ لَا يُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرَاتِ وَالْأَذْكَارِ بَيْنَهَا بَلْ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ تَخَيَّرَ الْمَأْمُومُ إنْ شَاءَ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْمُتَابَعَةِ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ سَلَامَ الْإِمَامِ وَإِذَا اقْتَدَى بِمُصَلِّي الْكُسُوفِ تَابَعَهُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ إنْ شَاءَ رَفَعَ رَأْسَهُ مَعَهُ وَفَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ فِي الرُّكُوعِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا انْتَظَرَهُ فِي الرُّكُوعِ لِيَعُودَ الْإِمَامُ إلَيْهِ وَيَعْتَدِلَ مَعَهُ عَنْ رُكُوعِهِ الثَّانِي وَلَا يَنْتَظِرُهُ بَعْدَ الرَّفْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الْكُسُوفِ تَابَعَهُ فِيهِ وَصَلَّى مَعَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَرْكَعُ مَعَهُ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ مِنْ
الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ مُتَابَعَتِهِ قَالَ وَإِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ كَانَ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ لِأَنَّهُ رُكُوعٌ مَحْسُوبٌ لِلْإِمَامِ أَمَّا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ الْعِيدِ أَوْ الِاسْتِسْقَاءِ فَطَرِيقَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ كَصَلَاتِهِ خَلْفَ الْكُسُوفِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ زِيَادَاتِ التَّكْبِيرَاتِ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ تَصِحُّ قَطْعًا لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ بِخِلَافِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّ تَكْبِيرَاتِهَا أَرْكَانٌ فَهِيَ كَاخْتِلَافِ الْأَفْعَالِ (فَإِذَا قُلْنَا) بِالصِّحَّةِ لَا يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ التَّكْبِيرَاتِ الزَّائِدَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَلَا يَخْلُ تَرْكُهَا بِالْمُتَابَعَةِ فَإِنْ كَبَّرَهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ صَلَّى الْعِيدَ خَلْفَ مُصَلِّي الصُّبْحِ الْمَقْضِيَّةِ جَازَ وَيُكَبِّرُ التَّكْبِيرَاتِ الزَّائِدَةَ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ وَالْمُفْتَرِضِ خَلْفَ مُتَنَفِّلٍ وَمُفْتَرِضٍ فِي فَرْضٍ آخَرَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ: قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ نَفْلٌ خَلْفَ فَرْضٍ وَلَا فَرْضٌ خَلْفَ نَفْلٍ وَلَا خَلْفَ فَرْضٍ آخَرَ قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ وَأَبُو قِلَابَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ: وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يجوز الفرض خلف نفل وَلَا فَرْضٍ آخَرَ وَيَجُوزُ النَّفَلُ خَلْفَ فَرْضٍ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ
- وَاحْتَجَّ لِمَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ مُعَاذًا " كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشَاءَ الْآخِرَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ " كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ يَطْلُعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّيهَا لَهُمْ " هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةُ الْعِشَاءِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الشَّافِعِيِّ في الام ومسنده ثم قال حَدِيثٌ ثَابِتٌ لَا أَعْلَمُ حَدِيثًا يُرْوَى مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ أَثْبَتَ مِنْ هَذَا وَلَا أَوْثَقَ يَعْنِي رِجَالًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَبُو عاصم النبل وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ كَرِوَايَةِ شَيْخِ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ قَالَ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا كَانَ مَوْصُولًا بِالْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ إلَّا أَنْ تَقُومَ دَلَالَةٌ عَلَى التَّمْيِيزِ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةٌ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ وَكَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ بِاَللَّهِ وَأَخْشَى لَهُ مِنْ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذَا إلَّا بِعِلْمٍ وَحِينَ حَكَى الرَّجُلُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل
مُعَاذٍ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إلَّا التَّطْوِيلَ (فَإِنْ قَالُوا) لَعَلَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً وَبِقَوْمِهِ فَرِيضَةً (فَالْجَوَابُ) مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ هَذَا مخالف لصريح الرواية (الثانية) الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةُ الْعِشَاءِ صَرِيحٌ فِي الْفَرِيضَةِ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى تَطَوُّعٍ (الثَّالِثُ) جَوَابُ الشَّافِعِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ وَأَصْحَابِنَا وَخَلَائِقَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِمُعَاذٍ مَعَ كَمَالِ فِقْهِهِ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ أَنْ يَتْرُكَ فِعْلَ فَرِيضَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي مَسْجِدِهِ وَالْجَمْعَ الْكَثِيرَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى كِبَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَيُؤَدِّيهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَيَسْتَبْدِلَ بِهَا نَافِلَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ كَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ مُعَاذًا يَجْعَلُ صَلَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَعَلَّ صَلَاةً وَاحِدَةً مَعَهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي عُمُرِهِ لَيْسَتْ مَعَهُ وَفِي الْجَمْعِ الْكَثِيرِ نَافِلَةً (الرَّابِعُ) جواب الخطابي وغيره لا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِمُعَاذٍ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ولاصحابه بِنَافِلَةٍ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فلا صلاة إلا المكتوبة " وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ " صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ فَصَفَّ بَعْضَهُمْ خَلْفَهُ وَبَعْضَهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى صَلَاةِ الْمُتِمِّ خَلْفَ الْقَاصِرِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فِي الْأَفْعَالِ لَا فِي النِّيَّةِ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا " إلَى آخِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قال المصنف رحمه الله
- (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ لِأَنَّ الْإِمَامَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ فَتَصِيرُ كَالْجُمُعَةِ بغير امام: ومن اصحابنا من قال يجوز كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ خَلْفَ
مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَفِي فِعْلِهَا خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ لِأَنَّهُمَا مُتَّفِقَتَانِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجُمُعَةِ الْإِمَامَ وَالْإِمَامُ لَيْسَ مَعَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ)
- (الشَّرْحُ) هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ سَبَقَ شَرْحُهُمَا وَفَرْعُهُمَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ (وَالصَّحِيحُ) صِحَّةُ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الظُّهْرِ وَخَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْمٍ وَأَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " ثَلَاثَةٌ لَا يَرْفَعُ اللَّهُ صَلَاتَهُمْ فَوْقَ رؤوسهم فَذَكَرَ فِيهِ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ " فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَكْرَهُهُ الْأَقَلُّ لَمْ يكره أن يؤمهم لان أحد لا يخلو ممن يكرهه
(الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " ثَلَاثَةٌ لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شِبْرًا رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ " وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا سَاخِطٌ وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ الَّذِي يَأْتِيهَا بَعْدَ أن تفوته - ورجل اعتبد محرره " وفى رواية البيهقى والدبارأن يأتي بعد فوت الْفَوْتِ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَالدِّبَارُ - بِكَسْرِ الدَّالِ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ الدِّبَارُ هُوَ أَنْ يَعْتَادَ حُضُورَ الصَّلَاةَ بَعْدَ فراغ الناس قال واعتباد المحررة أن يعتقه ثم يكتم عنقه وَيُنْكِرَهُ وَيَحْبِسَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَيَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا
- أَمَّا أَحْكَامُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا وَأَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَلَا يُكْرَهُ إذَا كَرِهَهُ الْأَقَلُّ وَكَذَا إذَا كَرِهَهُ نِصْفُهُمْ لَا يُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاقِينَ فَإِنَّهُمْ خَصُّوا الْكَرَاهَةَ بِكَرَاهَةِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا
تُكْرَهُ إمَامَتُهُ إذَا كَرِهُوهُ لِمَعْنًى مَذْمُومٍ شَرْعًا كَوَالٍ ظَالِمٍ وَكَمَنْ تَغَلَّبَ عَلَى إمَامَةِ الصَّلَاةِ ولا يستحقها أولا يَتَصَوَّنُ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَوْ يَمْحَقُ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ يَتَعَاطَى مَعِيشَةً مَذْمُومَةً أَوْ يُعَاشِرُ أَهْلَ الْفُسُوقِ وَنَحْوَهُمْ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يكن شئ مِنْ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ وَالْعَتْبُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِقَوْمٍ وَأَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ إذَا لَمْ يُنَصِّبْهُ السُّلْطَانُ فَإِنَّ نَصَّبَهُ لَمْ يُكْرَهْ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْإِمَامِ أَمَّا الْمَأْمُومُونَ الَّذِينَ يَكْرَهُونَهُ فَلَا يُكْرَهُ لَهُمْ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُ هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ إذَا
كَرِهَ حُضُورَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْحُضُورُ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْتَبِطُونَ بِهِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ عَلَى جَيْشٍ أَوْ قَوْمٍ رَجُلًا يَكْرَهُهُ أَكْثَرُهُمْ وَلَا يُكْرَهُ إنْ كَرِهَهُ أَقَلُّهُمْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ صاحبا الشامل والتتمة *
- قال المصنف رحمه الله
- (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشيطان ")
- (الشَّرْحُ) الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمِ هَذَا إذَا خَلَا بِهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَمَّ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ أَوْ مَحْرَمٍ لَهُ وَخَلَا بِهَا جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَإِنْ أَمَّ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَخَلَا بِهَا حَرُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ أَمَّ بِأَجْنَبِيَّاتٍ وَخَلَا بِهِنَّ فَطَرِيقَانِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِالْجَوَازِ وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْعِدَدِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِأَنَّ النِّسَاءَ الْمُجْتَمِعَاتِ لَا يَتَمَكَّنُ فِي الْغَالِبِ الرَّجُلُ مِنْ مَفْسَدَةٍ بِبَعْضِهِنَّ فِي حَضْرَتِهِنَّ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ فِي كِتَابِهِ فِي الْخَنَاثَى فِيهِ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْهُ (أَحَدُهُمَا) يَجُوزُ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ خَوْفًا مِنْ مَفْسَدَةٍ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ في
فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ فِي مَسَائِلِ اسْتِطَاعَةِ الْحَجِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِنِسَاءٍ مُنْفَرِدَاتٍ إلَّا أَنْ يكون فيهن محرم له أو زوجة وقطع بانه يحرم خلوة رجل بِنِسْوَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِنَّ مَحْرَمٌ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ وَإِنْ خَلَا رَجُلَانِ أَوْ رِجَالٌ بِامْرَأَةٍ فَالْمَشْهُورُ تَحْرِيمُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ اتِّفَاقُ رِجَالٍ عَلَى فَاحِشَةٍ بِامْرَأَةٍ وَقِيلَ إنْ كَانُوا مِمَّنْ تَبْعُدُ مُوَاطَأَتُهُمْ عَلَى الْفَاحِشَةِ جَازَ وَعَلَيْهِ يَتَأَوَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْآتِي وَالْخُنْثَى مَعَ امْرَأَةٍ كَرَجُلٍ وَمَعَ نِسْوَةٍ كَذَلِكَ وَمَعَ رَجُلٍ كَامْرَأَةٍ وَمَعَ رِجَالٍ كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ وَقِيَاسًا عَلَى مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ نَظَرِ الْخُنْثَى كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْأَمْرَدُ الْحَسَنُ فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي الْخَلْوَةِ بِهِ وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْخَلْوَةُ بِهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَإِذَا حَرُمَ النَّظَرُ فَالْخَلْوَةِ أَوْلَى فَإِنَّهَا أَفْحَشُ وَأَقْرَبُ إلَى الْمَفْسَدَةِ وَالْمَعْنَى الْمَخُوفُ فِي الْمَرْأَةِ مَوْجُودٌ: وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهَا ما روى عَنْ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ " إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ الْحَمُو قَرَابَةُ الزَّوْجِ وَالْمُرَادُ هُنَا قَرِيبٌ تَحِلُّ لَهُ كَأَخٍ الزَّوْجِ وَعَمِّهِ وَابْنِهِمَا وَخَالِهِ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَّا أَبُوهُ وَابْنُهُ وَجَدُّهُ فَهُمْ مَحَارِمٌ تَجُوزُ لَهُمْ الْخَلْوَةُ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْأَحْمَاءِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ " لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا سِرًّا عَلَى مَغِيبَةٍ إلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ الْمَغِيبَةُ - بِكَسْرِ الْغَيْنِ - الَّتِي زَوْجُهَا غَائِبٌ وَالْمُرَادُ هُنَا غَائِبٌ عَنْ بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلْدَةِ وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ - وَفِي رِوَايَةٍ كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ - تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ السَّلْقِ فَتَطْرَحُهُ فِي الْقِدْرِ وَتُكَرْكِرُ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ انْصَرَفْنَا نُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَتُقَدِّمُهُ إلَيْنَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَهَذَا قَدْ يَمْنَعُ دَلَالَتَهُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَحْرَمٌ لَهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْخَلْوَةِ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحْرَمَ الَّذِي يَجُوزُ الْقُعُودُ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ وُجُودِهِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُسْتَحَى مِنْهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا
عَنْ ذَلِكَ كَابْنِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا كَمَا سَبَقَ وَيَسْتَوِي فِيهَا الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ بِأَنْ يَجِدَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً مُنْقَطِعَةً فِي بَرِيَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُبَاحُ لَهُ استصحابها بل يجب عليه إذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ
- وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَحْرَمَ الَّذِي يَجُوزُ الْقُعُودُ مَعَهَا بِوُجُودِهِ يَسْتَوِي فِيهِ مَحْرَمُهُ وَمَحْرَمَهَا وَفِي مَعْنَاهُ زَوْجُهَا وَزَوْجَتُهُ والله أعلم
- قال المصنف رحمه الله
- (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ التِّمْتَامِ وَالْفَأْفَاءِ لِمَا يزيد ان فِي الْحُرُوفِ فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ لانها زيادة وهو مغلوب عليها)
(الشَّرْحُ) التِّمْتَامُ الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ وَالْفَأْفَاءُ - بِالْهَمْزَةِ بين الفائين وَبِالْمَدِّ - هُوَ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ وَرَاءَهُمَا وَتَصِحُّ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
- (فَرْعٌ) لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ لِلْقَرَوِيِّ إذَا كَانَ يُحْسِنُ الصَّلَاةَ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ واسحق وَبِهِ أَقُولُ قَالَ وَكَرِهَهُ أَبُو مِجْلَزٍ وَمَالِكٌ
- قال المصنف رحمه الله
- (السُّنَّةُ أَنْ يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَؤُمَّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَكْثَرُهُمْ قِرَاءَةً فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هجزة فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا " وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قراءة اكثرهم فقها لانهم كانوا يقرؤن الآية ويتعلمون احكامها ولان الصلاة يفتقر صححتها الي القراءة والفقه فقدم اهلهما فَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ الْفِقْهِ قُدِّمَ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا فِي الْفِقْهِ وَزَادَ الْآخَرُ فِي الْقِرَاءَةِ فَالْأَفْقَهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ حَادِثَةٌ يَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ فَإِنَّ اسْتَوَيَا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ يُقَدَّمُ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً ثُمَّ الْأَسَنُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْهِجْرَةَ عَلَى السِّنِّ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الشَّرَفَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْهِجْرَةِ فَإِذَا قُدِّمَتْ الْهِجْرَةُ عَلَى السِّنِّ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ الشَّرَفُ أَوْلَى وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ يُقَدَّمُ الْأَسَنُّ ثُمَّ الْأَشْرَفُ ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ " وَلِأَنَّ الْأَكْبَرَ أَخْشَعُ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ أَوْلَى وَالسِّنُّ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّقْدِيمُ السِّنُّ فِي الْإِسْلَامِ فَأَمَّا إذَا شَاخَ فِي الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ وَالشَّرَفُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ التَّقْدِيمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْهِجْرَةُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ يُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمْ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ أَحْسَنُهُمْ صُورَةً وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَرَادَ احسنهم ذكرا)
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُنَا وَاسْمُ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةُ بن عمر والانصاري سَكَنَ بَدْرًا وَلَمْ يَشْهَدْهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الْمُحَمَّدُونَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بن اسحق صَاحِبُ الْمَغَازِي وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ شَهِدَهَا وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ " فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْأَسْبَابُ الْمُرَجِّحَةُ فِي الْإِمَامَةِ سِتَّةٌ الْفِقْهُ وَالْقِرَاءَةُ وَالْوَرَعُ وَالسِّنُّ وَالنَّسَبُ وَالْهِجْرَةُ قَالُوا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَرَعِ مُجَرَّدَ الْعَدَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ بَلْ مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالْعِفَّةِ وَمُجَانَبَةِ الشُّبُهَاتِ وَنَحْوِهَا وَالِاشْتِهَارِ بِالْعِبَادَةِ وَأَمَّا السِّنُّ فَالْمُعْتَبَرُ سِنٌّ مَضَى فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ قَرِيبًا عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَحُجَّتُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا بَدَلُ سِنًّا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الشَّيْخُوخَةُ بَلْ يُعْتَبَرُ تَفَاوُتُ السِّنِّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى اعْتِبَارِهَا وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا النَّسَبُ فَنَسَبُ قُرَيْشٍ مُعْتَبَرٌ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يُعْتَبَرُ غَيْرُ قُرَيْشٍ وَأَصَحُّهُمَا يُعْتَبَرُ كُلُّ نَسَبٍ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ فَعَلَى هَذَا يُقَدَّمُ الْهَاشِمِيُّ وَالْمُطَّلِبِيُّ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ وَيَتَسَاوَيَانِ هُمَا فَيُقَدَّمُ سَائِرُ قُرَيْشٍ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ وَسَائِرُ الْعَرَبِ عَلَى
الْعَجَمِ
- وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ لِاعْتِبَارِ النَّسَبِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْخِلَافَةِ فَيُسْتَنْبَطُ منه امامة الصلاة وأما الهجرة فيقدم1
من جاهر إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ وَمَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَتْ وَكَذَا الْهِجْرَةُ بَعْدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُعْتَبَرَةٌ هَكَذَا وَأَوْلَادُ من جاهر أَوْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ يُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ هَذَا جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي التَّرْجِيحِ فَإِنْ اخْتَصَّ وَاحِدٌ بِأَحَدِ الْأَسْبَابِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْبَاقِينَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قُدِّمَ الْمُخْتَصُّ وَيُقَدَّمُ مَنْ لَهُ فِقْهٌ وَقِرَاءَةٌ عَلَى مَنْ لَهُ أَحَدُهُمَا وَكَذَا مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ أَوْ أَكْثَرُ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَإِنْ تَعَارَضَتْ الْأَسْبَابُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْأَفْقَهَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَقْرَأِ وَالْأَوْرَعِ وَغَيْرِهِمَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) الْأَقْرَأُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قال الثوري واحمد واسحق (وَالثَّالِثُ) يَسْتَوِي الْأَفْقَهُ وَالْأَقْرَأُ وَلَا تَرْجِيحَ لِتَعَادُلِ الْفَضِيلَتَيْنِ فِيهِمَا وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ (وَالرَّابِعُ) يُقَدَّمُ الْأَوْرَعُ عَلَى الْأَفْقَهِ وَالْأَقْرَأِ وَغَيْرِهِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي لِأَنَّ مُعْظَمَ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ الْخُشُوعُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّدَبُّرُ وَرَجَاءُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَالْأَوْرَعُ أَقْرَبُ إلَى هَذَا وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَهُوَ عَارِفٌ بِالْوَاجِبِ مِنْهَا وَالْفِقْهُ يَعْرِفُ مِنْهُ الْمُحْتَاجَ إلَيْهِ غَالِبًا أَمَّا مَا يَخَافُ حُدُوثَهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ فَهْمٍ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهٍ كَثِيرٍ فَأَمْرٌ نَادِرٌ لَا يَفُوتُ مَقْصُودُ الْوَرَعِ بِأَمْرٍ مُتَوَهَّمٍ (وَالْخَامِسُ) أَنَّ السِّنَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفِقْهِ وَغَيْرِهِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَالدَّلِيلِ وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ فَفِيهِ طُرُقٌ (أَحَدُهَا) قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ يُقَدَّمُ السِّنُّ وَالنَّسَبُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَإِنْ تَعَارَضَ سِنٌّ وَنَسَبٌ كَشَابٍّ قُرَشِيٍّ وَشَيْخٍ غَيْرِ قُرَشِيٍّ فَالْجَدِيدُ تَقْدِيمُ الشَّيْخِ وَالْقَدِيمُ الشَّابِّ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ هَذَا الْقَدِيمَ (وَالطَّرِيقُ الثَّانِي) وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ يُقَدَّمُ الْهِجْرَةُ عَلَى النَّسَبِ وَالسِّنِّ وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ فِيهِ الْقَوْلَانِ
(وَالثَّالِثُ) وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَآخَرِينَ فِيهِ قَوْلَانِ (الْجَدِيدُ) يُقَدَّمُ السِّنُّ ثُمَّ النَّسَبُ ثُمَّ الْهِجْرَةُ (وَالْقَدِيمُ) يُقَدَّمُ النَّسَبُ ثُمَّ الْهِجْرَةُ ثُمَّ السِّنُّ وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ الْقَدِيمَ وَالْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ الْهِجْرَةِ ثُمَّ السِّنِّ لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فَإِنَّمَا كَانَ خِطَابًا لَهُ وَلِرُفْقَتِهِ وَكَانُوا فِي النَّسَبِ وَالْهِجْرَةِ وَالْإِسْلَامِ مُتَسَاوِينَ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَإِنَّهُمْ هَاجَرُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَامُوا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَصَحِبُوهُ صُحْبَةً وَاحِدَةً وَاشْتَرَكُوا فِي الْمُدَّةِ وَالسَّمَاعِ وَالرُّؤْيَةِ فَالظَّاهِرُ تَسَاوِيهِمْ فِي جَمِيعِ الْخِصَالِ إلَّا السِّنَّ فَلِهَذَا قَدَّمَهُ وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ غَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ لِمَا ذَكَرْتُهُ أَوْ هُوَ مُتَعَيَّنٌ فَلَا يُتْرَكُ حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ الصَّرِيحُ الْمَسُوقُ لِبَيَانِ التَّرْجِيحِ بِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ السِّتِّ قُدِّمَ بِنَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ عَلَى الْأَوْسَاخِ وَبِطِيبِ الصَّنْعَةِ وَحُسْنِ الصَّوْتِ وَشِبْهِهَا مِنْ الْفَضَائِلِ وَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْ بَعْضِ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمْ فَقِيلَ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا وَقِيلَ أَحْسَنُهُمْ ذِكْرًا هَكَذَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَانِ التَّقْسِيمَانِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا (أَصَحُّهُمَا) الثَّانِي وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يُقَدَّمُ بِنَظَافَةِ الثَّوْبِ ثُمَّ حُسْنِ الصَّوْتِ ثُمَّ حُسْنِ الصُّورَةِ وَالْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ أَحْسَنِهِمْ ذِكْرًا ثُمَّ أَحْسَنِهِمْ صَوْتًا ثُمَّ حَسَنِ الْهَيْئَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثًا أَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا فَإِنْ كَانُوا فِي السِّنِّ سَوَاءً فَأَحْسَنُهُمْ وَجْهًا " وينكر عن الْمُصَنِّفِ كَوْنُهُ حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا وَحَكَى الشيخ بو حَامِدٍ وَجْهًا أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَحْسَنُ وَجْهًا عَلَى الْأَوْرَعِ وَالْأَكْثَرِ طَاعَةً وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا تَسَاوَيَا كُلِّ وَجْهٍ وَسَمَحَ أَحَدُهُمَا بِتَقْدِيمِ الْآخَرِ وَإِلَّا اقرع والله اعلم
قال المصنف رحمه الله
- (وَإِذَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ مَعَ صَاحِبِ الْبَيْتِ فَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَوْلَى مِنْهُمْ لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ وَلَا يَجْلِسُ علي تكرمته إلَّا بِإِذْنِهِ " فَإِنْ حَضَرَ مَالِكُ الدَّارِ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَالْمُسْتَأْجِرُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَنَافِعِ وَإِنْ حَضَرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَالْعَبْدُ فِي دَارٍ جَعَلَهَا لِسُكْنَى الْعَبْدِ فَالسَّيِّدُ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ اجْتَمَعَ غَيْرُ السَّيِّدِ مَعَ الْعَبْدِ فِي الدَّارِ فَالْعَبْدُ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ وَإِنْ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ فَإِمَامُ الْمَسْجِدِ أَوْلَى لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " كَانَ لَهُ مَوْلًى يُصَلِّي فِي مَسْجِدٍ فَحَضَرَ فَقَدَّمَهُ مَوْلَاهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ أَنْتَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ فِي مَسْجِدَكَ " وَإِنْ اجْتَمَعَ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ صَاحِبِ الْبَيْتِ أَوْ مَعَ إمَامِ الْمَسْجِدِ فَالْإِمَامُ أَوْلَى لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ وَلِأَنَّهُ رَاعٍ وَهُمْ رَعِيَّتُهُ فَكَانَ تَقْدِيمُ الراعى أولي)
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتَّكْرِمَةُ - بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ - وَهِيَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ فِرَاشٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَقِيلَ هِيَ الْمَائِدَةُ وَرَوَى مُسْلِمٌ لَا يُؤَمَّنَّ وَلَا يُجْلَسُ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ الْمَضْمُومَةِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَبِالْمُثَنَّاةِ فَوْقَ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْخِطَابِ: وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (وَقَوْلُهُ) اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ مَعَ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَمَعَ الْعَبْدِ وَأَشْبَاهِهِ هَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ: وَقَالَ لَا يَجُوزُ اجْتَمَعَ فُلَانٌ مَعَ فُلَانٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ اجْتَمَعَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ: وَقَدْ اسْتَعْمَلَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ اجْتَمَعَ فُلَانٌ مَعَ فُلَانٍ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ اللُّغَاتِ: قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ إذَا حَضَرَ الْوَالِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ قُدِّمَ عَلَى جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الافقه والاقراء
وَالْأَوْرَعِ وَعَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ إذَا أَذِنَ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَنَحْوُهُ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي مِلْكِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ الْوَالِي قَدَّمَ من شاء من يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا لَهُ فَاخْتَصَّ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّقْدِيمِ: قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَيُرَاعَى فِي الْوُلَاةِ تَفَاوُتُ الدَّرَجَةِ فَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى مِنْ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَوْلًا أَنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى مِنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَهَذَا شَاذٌّ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ جِدًّا: وَلَوْ اجْتَمَعَ قوم لاوالى مَعَهُمْ فِي مَوْضِعٍ فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا فَإِمَامُهُ أَحَقُّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَسْجِدٍ أَوْ كَانَ مَسْجِدًا لَيْسَ فِيهِ إمَامٌ فَسَاكِنُ الْمَوْضِعِ بِحَقٍّ اولى بالتقديم والتقدم مِنْ الْأَفْقَهِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ سَكَنَهُ بِمِلْكٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ أَسْكَنَهُ سَيِّدُهُ وَلَوْ حَضَرَ شَرِيكَانِ فِي الْبَيْتِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْآخَرِ لَمْ يَتَقَدَّمْ غَيْرُهُمَا إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا أَحَدُهُمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَحَدُهُمَا فَهُوَ أَحَقٌّ حَيْثُ يَجُوزُ انْتِفَاعُهُ وَلَوْ اجْتَمَعَ الْمَالِكُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) تَقْدِيمُ الْمُسْتَأْجِرِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالثَّانِي) الْمَالِكُ أَحَقُّ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا يَمْلِكُ السُّكْنَى حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ اجْتَمَعَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ فَوَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ والجمهور المعير احق (والثاني) المتسعير أَحَقُّ لِأَنَّهُ السَّاكِنُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَلَوْ حَضَرَ السيد وعبده الساكن فالسيد أولى بالاتفاق لما ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ سَوَاءٌ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرُهُ وَلَوْ حَضَرَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ فِي دَارِ المكاتب فالمكاتب أولي والله أعلم * قال المصنف رحمه الله *
(وَإِنْ اجْتَمَعَ مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ فَالْمُقِيمُ أَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ الْمُقِيمُ أَتَمُّوا كُلُّهُمْ فَلَا يَخْتَلِفُونَ وإذا تقدم المسافر اختلفوا وَإِنْ اجْتَمَعَ حُرٌّ وَعَبْدٌ فَالْحُرُّ أَوْلَى لِأَنَّهُ مَوْضِعُ كَمَالٍ وَالْحُرُّ أَكْمَلُ: وَإِنْ اجْتَمَعَ فَاسِقٌ وَعَدْلٌ فَالْعَدْلُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَإِنْ اجْتَمَعَ وَلَدُ زِنًا وَغَيْرُهُ فَغَيْرُهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ كَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٌ وَإِنْ اجْتَمَعَ بَصِيرٌ وَأَعْمَى فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ فِي الْأَعْمَى فَضِيلَةً وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَرَى مَا يُلْهِيهِ وَفِي الْبَصِيرِ فَضِيلَةً وَهُوَ أَنَّهُ يَجْتَنِبُ النجاسة وقال أبو اسحق الْمَرْوَزِيُّ الْأَعْمَى أَوْلَى وَعِنْدِي أَنَّ الْبَصِيرَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ النَّجَاسَةَ الَّتِي تُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَالْأَعْمَى يترك النظر الي ما يلهيه ويفسد الصلاة به)
- (الشَّرْحُ) هَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا كَمَا قَالَهَا فِي الْأَحْكَامِ وَالدَّلَائِلِ إلَّا أَنَّ مَسْأَلَةَ الْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَجْهَيْنِ وَاخْتَارَ الثَّالِثَ لِنَفْسِهِ وَهُوَ تَرْجِيحُ الْبَصِيرِ وَجَعَلَهُ اخْتِيَارًا لَهُ وَلَمْ يَحْكِهِ وَجْهًا لِلْأَصْحَابِ وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ (وَالصَّحِيحُ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْبَصِيرَ وَالْأَعْمَى سَوَاءٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ
وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إمَامَةِ الْأَعْمَى لِلْبُصَرَاءِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُقَدَّمُ الْعَدْلُ عَلَى فَاسِقٍ أَفْقَهُ وَأَقْرَأَ مِنْهُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَرَاءَ الْفَاسِقِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْبَالِغُ أَوْلَى مِنْ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ أَفْقَهَ وَأَقْرَأَ لِأَنَّ صَلَاةَ الْبَالِغِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَهُوَ أَحْرَصُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى حُدُودِهَا وَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَلَوْ اجْتَمَعَ صَبِيٌّ حُرٌّ وَبَالِغٌ عَبْدٌ فَالْعَبْدُ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَلَوْ اجْتَمَعَ حُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ وَعَبْدٌ فَقِيهٌ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَالْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى (الصَّحِيحُ) تَسَاوِيهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْحُرَّةُ أَوْلَى مِنْ الْأَمَةِ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا سَتْرُ رَأْسِهَا (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْمُقِيمَ أَوْلَى مِنْ الْمُسَافِرِ فَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَقَالَ فِي الْأُمِّ يُكْرَهُ وَفِي الْإِمْلَاءِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نهى
شَرْعِيٌّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ السُّلْطَانُ أو نائبه كَانَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ السُّلْطَانُ وَلَا نَائِبُهُ (فَرْعٌ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِمَامَةُ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ كامامة ولد الزنا فيكون خلاف الْأَوْلَى وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ هِيَ مَكْرُوهَةٌ (فَرْعٌ) الْخَصِيُّ وَالْمَجْبُوبُ كَالْفَحْلِ فِي الْإِمَامَةِ لَا فَضِيلَةَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) الِاقْتِدَاءُ بِأَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ بِأَنْ يَقْتَدِيَ شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ أَوْ مَالِكِيٍّ لَا يَرَى قِرَاءَةَ الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَلَا إيجَابَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَرْتِيبَ الْوُضُوءِ وَشِبْهَ ذَلِكَ وَضَابِطُهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً فِي اعْتِقَادِهِ دُونَ اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ أَوْ عَكْسِهِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْفُرُوعِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) الصِّحَّةُ مُطْلَقًا قَالَهُ
الْقَفَّالُ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْإِمَامِ (وَالثَّانِي) لَا يَصِحُّ اقتداؤه مطلقا قاله أبو اسحق الاسفرايني لِأَنَّهُ وَإِنْ أَتَى بِمَا نَشْتَرِطُهُ وَنُوجِبُهُ فَلَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ (وَالثَّالِثُ) إنْ أَتَى بِمَا نَعْتَبِرُهُ نَحْنُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ شَكَكْنَا فِي تَرْكِهِ لَمْ يَصِحَّ (وَالرَّابِعُ) وَهُوَ الاصح وبه قال أبو اسحق المروزى والشيخ أبو حامد الاسفراينى والبندنيجى والقاضي أبى الطيب والاكثرون ان تحققنا تركه لشئ نَعْتَبِرُهُ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ تَحَقَّقْنَا الْإِتْيَانَ بِجَمِيعِهِ أَوْ شَكَكْنَا صَحَّ وَهَذَا يَغْلِبُ اعْتِقَادَ الْمَأْمُومِ هَذَا حَاصِلُ الْخِلَافِ فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ لَوْ مَسَّ حَنَفِيٌّ امْرَأَةً أَوْ تَرَكَ طُمَأْنِينَةً أَوْ غَيْرَهَا صَحَّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِهِ عِنْدَ الْقَفَّالِ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ صَلَّى الْحَنَفِيُّ علي وجه لا يعتقده والشافعي يعتقده بِأَنْ احْتَجَمَ أَوْ افْتَصَدَ وَصَلَّى صَحَّ الِاقْتِدَاءُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَهُمْ الْقَفَّالُ وَقَالَ الْأَوْدَنِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ الامامان الجليلان من أصحابنا لوام وَلِيُّ الْأَمْرِ أَوْ نَائِبُهُ وَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ وَالْمَأْمُومُ يَرَى وُجُوبَهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ عَالِمًا كَانَ أَوْ نَاسِيًا وَلَيْسَ لَهُ الْمُفَارَقَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا حَسَنٌ وَلَوْ صلي
حَنَفِيٌّ خَلْفَ شَافِعِيٍّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَقِدُهُ الْحَنَفِيُّ بِأَنْ افْتَصَدَ فَفِيهِ الْخِلَافُ إنْ اعْتَبَرْنَا اعْتِقَادَ الْإِمَامِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِلَّا فَلَا وَإِذَا صَحَّحْنَا اقْتِدَاءَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَصَلَّى شَافِعِيٌّ الصُّبْحَ خَلْفَ حَنَفِيٍّ وَمَكَثَ الْإِمَامُ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَلِيلًا وَأَمْكَنَ الْمَأْمُومَ الْقُنُوتُ قَنَتَ وَإِلَّا تَابَعَهُ وَتَرَكَ الْقُنُوتَ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ اعْتِبَارُ اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا اعْتِقَادَ الْإِمَامِ لَمْ يَسْجُدْ وَلَوْ صَلَّى الْحَنَفِيُّ خَلْفَ الشَّافِعِيِّ الصُّبْحَ فَتَرَكَ الْإِمَامُ الْقُنُوتَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ فَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ سَجَدَ الْمَأْمُومُ إنْ اعْتَبَرْنَا اعْتِقَادَ الْإِمَامِ وَإِلَّا فَلَا (الثَّانِيَةُ) لَوْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ بِحَرَائِرَ مُسْتَتِرَاتٍ صَحَّتْ صلاة الجميع لان رأسها ليس بِعَوْرَةٍ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ (الثَّالِثَةُ) لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْعَبْدِ لِلْعَبِيدِ وَلَا لِلْأَحْرَارِ وَلَكِنَّ الْحُرَّ أَوْلَى هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ التَّابِعِيُّ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ مُطْلَقًا وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وقال الضحاك تكره امامته للاحرار ولا يكره للعبيد (الرابعة) قال أبو الطيب لا يكره أن يؤم قوما فيهم أبوه أو أخ له اكبر منه هذا مذهبنا وقال عطاء لا يكره (الْخَامِسَةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ غَيْرُ وَلَدِ الزِّنَا أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْهُ وَلَا يُقَال إنَّهُ مَكْرُوهٌ وأما قول الشيخ ابى حامد والعبد رى إنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَسَاهُلٌ مِنْهُ فِي تَسْمِيَتِهِ مَكْرُوهًا وَكَرِهَهُ مُجَاهِدٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا بَأْسَ بِهِ مِمَّنْ قَالَ بِهِ عَائِشَةُ أَمُّ المؤمنين وعطاء الحسن وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ موسى والثوري والاوزاعي واحمد واسحق وداود وابن المنذر
-
﴿باب موقف الامام والمأموم﴾
-
قال المصنف رحمه الله
-
(السنة أن يقف الرجل الواحد عن يمين الامام لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال " بت عند خالتي ميمونة فَقَامَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه " فان وقف عن يساره رجع إلى يمينه فان لم يحسن علمه الامام كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بابن عباس فان جاء آخر أحرم عن يساره ثم يتقدم الامام أو يتأخر المؤمومان لما روى جابر قال " قمت عن يسار رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بيدى فادارني حتى أقامنى عن يمينه وجاء جبار بن صخر حتى قام عن يسار رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى اقامنا خلفه ولانه قبل أن يحرم الثاني يتغير موقف الاول ولا يزول عن موضعه فان حضر رجلان اصطفا خلفه لحديث جابر وان حضر رجل وصبى اصطفا خلفه لما روى أنس قَالَ " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلي بنا ركعتين " وان حضر رجال وصبيان يقدم الرجال لقوله صلي الله عليه وسلم " ليليني منكم اولوا الاحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " فان كانت معهم امرأة وقفت خلفهم لحديث انس وان كان معهم خنثى وقف الخنثى خلف الرجال والمرأة خلف الخنثى لانه يجوز أن يكون امرأة فلا يقف مع الرجال)
-
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ البخاري ومسلم وحديث " ليلينى منكم أولوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى " رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِيَلِيَنِي " ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ مسلم علي وجهين (احدهما) ليلينى بَعْدَ اللَّامِ نُونٌ مُخَفَّفَةٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا يَاءٌ (وَالثَّانِي) لِيَلِيَنِّي بِزِيَادَةِ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَشْدِيدِ النُّونِ فَهَذَانِ الْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ وَرَوَوْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِهِمَا وَرُبَّمَا قَرَأَهُ بَعْضُ النَّاسِ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ (قَوْلُهُ) صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم " اولوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى " مَعْنَاهُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ الْكَامِلُونَ فِي الْفَضِيلَةِ (قَوْلُهُ) عَنْ يَسَارِهِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعَكَسَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالصِّبْيَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ عَلَى
الْمَشْهُورِ وَحَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ كَسْرَهَا وَضَمَّهَا وَالْعَجُوزُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هِيَ أَمُّ سُلَيْمٍ كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَالْيَتِيمُ اسْمُهُ ضُمَيْرَةُ بْنُ سَعْدٍ الْحِمْيَرِيُّ الْمَدَنِيُّ وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ - بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مُشَدَّدَةٍ - وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَّارِ بْنِ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ - بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ - الْمَدَنِيُّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ رَجُلًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مُسَاوَاةِ الْإِمَامِ قَلِيلًا فَإِنْ خَالَفَ وَوَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ خَلْفَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى يَمِينِهِ وَيَحْتَرِزَ عَنْ أَفْعَالٍ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَإِنْ لَمْ يَتَحَوَّلْ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْيَسَارِ أَوْ خَلْفَهُ كُرِهَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا بِالِاتِّفَاقِ (الثَّانِيَةُ) إذَا حَضَرَ إمَامٌ وَمَأْمُومَانِ تَقَدَّمَ الْإِمَامُ واصطفا خلفه سوا كَانَا رَجُلَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ أَوْ رَجُلًا وَصَبِيًّا: هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَصَاحِبَيْهِ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَكُونُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومَانِ كُلُّهُمْ صَفًّا وَاحِدًا ثَبَتَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ دَلِيلُنَا حَدِيثُ جَابِرٍ السَّابِقُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ حَضَرَ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ وَأَحْرَمَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ إنْ كَانَ قُدَّامَ الْإِمَامِ سَعَةٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ الْمَأْمُومِينَ سَعَةٌ تَقَدَّمَ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُمَا سَعَةٌ وَلَيْسَتْ قُدَّامَهُ تَأَخَّرَا وَإِنْ كَانَ قُدَّامَهُ سَعَةٌ وَوَرَاءَهُمَا سَعَةٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَا وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ وَجْهَانِ (الصَّحِيحُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَكْثَرُونَ تَأَخُّرُهُمَا لِأَنَّ الْإِمَامَ متبوع فلا ينتقل (والثاني) تقدمه قاله الْقَفَّالُ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ لِأَنَّهُ يُبْصِرُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِأَنَّهُ فِعْلُ شَخْصٍ فَهُوَ أَخَفُّ مِنْ شَخْصَيْنِ هَذَا إذَا جَاءَ الْمَأْمُومُ الثَّانِي فِي الْقِيَامِ فَإِنْ جَاءَ فِي التَّشَهُّدِ وَالسُّجُودِ فَلَا تَقَدُّمَ وَلَا تَأَخُّرَ حَتَّى يَقُومُوا وَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ الْمَأْمُومِ الثَّانِي كَمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ أو يتاخرا *
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ لَوْ وَقَفَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ أَوْ خَلْفَهُ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُمَا وَلَا إعَادَةَ قَالَ وَلَوْ أَمَّ اثْنَيْنِ فَوَقَفَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِجَنْبِهِ وَالْآخَرُ خَلْفَهُ أَوْ أَحَدُهُمَا خَلْفَهُ وَالْآخَرُ خَلْفَ الْأَوَّلِ كَرِهْتُ ذَلِكَ وَلَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ هَذَا نَصُّهُ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ (الثَّالِثَةُ) إذَا حَضَرَ كَثِيرُونَ مِنْ الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ يُقَدَّمُ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبَا الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ كُلِّ رَجُلَيْنِ صَبِيٌّ لِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ليلني منكم اولوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " وَأَمَّا تَعَلُّمُ الصَّلَاةِ فَيُمْكِنُ وَإِنْ كَانُوا خَلْفَهُمْ وَإِنْ حَضَرَ رِجَالٌ وَصِبْيَانٌ وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ حَضَرَ رِجَالٌ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٌ وَقَفَ الْخُنْثَى خَلْفَ الرِّجَالِ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ وَحْدَهَا فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ صَبِيٌّ دَخَلَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ وَإِنْ حَضَرَ إمَامٌ وَصَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ وَخُنْثَى وَقَفَ الصَّبِيُّ عَنْ يَمِينِهِ وَالْخُنْثَى خَلْفَهُمَا وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ
- (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ فِي مَوْقِفِ الرِّجَالِ غَيْرِ الْعُرَاةِ فَإِنْ كَانُوا عُرَاةً فَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنَّهُ إنْ كَانُوا عُمْيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ إمَامُهُمْ وَإِنْ كَانُوا بُصَرَاءَ فِي ضَوْءٍ فَهَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ قُلْنَا جَمَاعَةً وَقَفَ إمَامُهُمْ وَسْطَهُمْ وَسَبَقَ هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ النِّسَاءَ الْخُلَّصَ الْعَارِيَّاتِ وَالْكَاسِيَاتِ تَقِفُ إمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنَّ وَلَوْ صَلَّى خُنْثَى بِنِسْوَةٍ تَقَدَّمَ
عَلَيْهِنَّ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ وَمُخَالَفَتُهُ مكروه وَلَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ
- (فَرْعٌ) السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ كَمَا ذَكَرْنَا وَبِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً إلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ يَسَارِهِ وَعَنْ النخعي ان يقف وراءه إلى ان يزيد الْإِمَامُ أَنْ يَرْكَعَ فَإِنْ لَمْ يَجِئْ مَأْمُومٌ آخَرُ تَقَدَّمَ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ جابر وغيرهما
- قال المصنف رحمه الله
- (والسنة ان لا يكون موضع الامام اعلا من موضع المأموم لما روى ان حذيفة " صلي علي دكان والناس أسفل منه فجذبه سلمان حتى اقامه فلما انصرف قال اما علمت أن اصحابك يكرهون أن يصلي الامام علي شئ وهم أسفل منه قال حذيفة بلى قد ذكرت حين جذبتني " وكذلك لا يكون موضع المأموم أعلا من موضع الامام لانه إذا كره أن يعلو الامام فلان يكره أن يعلو المأموم أولي فان أراد الامام تعليم المأمومين افعال الصلاة فالسنة ان يقف على موضع عال لما روى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المنبر فكبر وكبر الناس وراءه فقرأ وركع وركع الناس خلفه ثم رفع ثم رجع القهقرى فسجد على الارض ثم عاد إلى المنبر ثم قرأ ثم ركع ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى
سجد بالارض ثم اقبل علي الناس فقال انما صنعت هذا لتأتموا بى ولتعلموا صلاتي " ولان الارتفاع في هذه الحالة ابلغ في الاعلام فكان اولي)
- (الشرح) حديث سهل ابن سَعْدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ (وَقَوْلُهُ) لِتُعَلَّمُوا - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ - أَيْ تَعْلَمُوا صفتها واما قصة حذيفة وسليمان فَهَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ أَنَّ سَلْمَانَ جَذَبَ حُذَيْفَةَ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ هَكَذَا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فَجَذَبَهُ أَبُو مَسْعُودٍ وَهُوَ الْبَدْرِيُّ الْأَنْصَارِيُّ هَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنْ كِبَارِ الْمُحَدِّثِينَ وَمُصَنِّفِيهِمْ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَيُقَالُ جَذَبَ وَجَبَذَ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ (قَوْلُهُ) فَلَأَنْ يُكْرَهَ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ إيضَاحُهُ وَالْقَهْقَرَى - بِفَتْحِ الْقَافَيْنِ - الْمَشْيُ إلَى خَلْفٍ قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْإِمَامِ أو المأموم اعلا مِنْ مَوْضِعِ الْآخَرِ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِتَعْلِيمِهِمْ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ أَوْ لِيُبَلِّغَ الْمَأْمُومُ الْقَوْمَ تَكْبِيرَاتِ الْإِمَامِ وَنَحْوَ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ الِارْتِفَاعُ لِتَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِارْتِفَاعُ مُطْلَقًا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ تَبْطُلُ بِهِ الصلاة
- قال المصنف رحمه الله
- (السُّنَّةُ أَنْ تَقِفَ إمَامَةُ النِّسَاءِ وَسْطَهُنَّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَمَّتَا نِسَاءً فَقَامَتَا وَسْطَهُنَّ وَكَذَا إذَا
اجْتَمَعَ الرِّجَالُ وَهُمْ عُرَاةٌ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الامام وسطهن لانه أستر)
- (الشَّرْحُ) هَذَا الْفَصْلُ سَبَقَ شَرْحُهُ قَرِيبًا وَحَدِيثَا إمَامَةِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادَيْنِ حَسَنَيْنِ وَيُقَالُ وَسْطُ الصَّفِّ بِإِسْكَانِ السِّينِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ تَقُولُ جَلَسْتُ وَسْطَ الْقَوْمِ بِالْإِسْكَانِ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَجَلَسْتُ وَسَطَ الدَّارِ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ اسْمٌ قَالَ وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَصْلُحُ فِيهِ بَيْنَ فَهُوَ وَسْطُ بِالْإِسْكَانِ وَمَا لَا يَصْلُحُ فَهُوَ بِالْفَتْحِ وَرُبَّمَا سُكِّنَ وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ كُلُّ مَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ كَوَسْطِ الْفَلَاةِ وَالصَّفِّ وَالْمَسْبَحَةِ وَحَلَقَةِ النَّاسِ فَهُوَ وَسْطُ بِالْإِسْكَانِ وَمَا كَانَ مُصْمَتًا لَا يَبِينُ كَالدَّارِ وَالسَّاحَةِ وَالرَّاحَةِ فَوَسَطٌ بِالْفَتْحِ قَالَ وَأَجَازُوا فِي الْمَفْتُوحِ الْإِسْكَانَ وَلَمْ يُجِيزُوا فِي السَّاكِنِ الْفَتْحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- قال المصنف رحمه الله
- (فَإِنْ خَالَفُوا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَوَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ أَوْ خَلْفَهُ وَحْدَهُ أَوْ وَقَفَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ أَوْ أَمَامَهُ لَمْ تَبْطُلْ الصلاة لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " وَقَفَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ " وَأَحْرَمَ أَبُو بَكْرَةَ خَلْفَ الصَّفِّ وَرَكَعَ ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ " وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ كُلَّهَا مَوَاقِفُ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ فَلَا تَبْطُلُ الصلاة بالانتقال إليها)
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرَةَ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ الْمَوْضُوعَةِ لِلضَّعِيفِ وَقَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرَةَ وَلَا تَعُدْ - بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ - قِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَعُدْ إلَى الْإِحْرَامِ خَارِجَ الصَّفِّ وَقِيلَ لَا تَعُدْ إلَى التَّأَخُّرِ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ وَقِيلَ لَا تَعُدْ إلَى إتْيَانِ الصلاة مسرعا: اما أحكام الْفَصْلِ فَقَدْ سَبَقَ مَقْصُودُهَا فِي أَوَائِلِ الْبَابِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوَاقِفَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ خَالَفُوهَا كُرِهَ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ لِمَا ذَكَرَهُ المصنف وكذا لو صلي الامام اعلا مِنْ الْمَأْمُومِ وَعَكْسَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَكَذَا إذَا تَقَدَّمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صُفُوفِ الرِّجَالِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ وَقَفَتْ بِجَنْبِ الْإِمَامِ أَوْ بِجَنْبِ مَأْمُومٍ صَحَّتْ صَلَاتُهَا وَصَلَاةُ الرِّجَالِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَكَذَا لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا خَلْفَ الصَّفِّ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّفِّ كُرِهَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ
- (فَرْعٌ) إذَا وَجَدَ الدَّاخِلُ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً أَوْ سِعَةً دَخَلَهَا وَلَهُ أَنْ يَخْرِقَ الصَّفَّ الْمُتَأَخِّرَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ وَكَانَتْ فِي صَفٍّ قُدَّامَهُ لِتَقْصِيرِهِمْ بِتَرْكِهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً وَلَا سِعَةً فَفِيهِ خِلَافٌ حَكَوْهُ وَجْهَيْنِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يَقِفُ مُنْفَرِدًا وَلَا يَجْذِبُ أَحَدًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ لِئَلَّا يَحْرِمَ غَيْرَهُ فَضِيلَةَ الصَّفِّ السَّابِقِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ (وَالثَّانِي) وَهُوَ الصَّحِيحُ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْبِذَ إلَى نَفْسِهِ وَاحِدًا من الصف