كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا كَبَّرَ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ يُرَاعِي فِي بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ تَرْتِيبَ نَفْسِهِ لَا مَا يَقُولُهُ الْإِمَامُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ عَقِبَ فَرَاغِ الْمَسْبُوقِ مِنْ الْأُولَى كَبَّرَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ كَمَا لَوْ رَكَعَ الْإِمَامُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عَقِبَ إحْرَامِ الْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَكُونُ مُدْرِكًا لِلتَّكْبِيرَتَيْنِ جَمِيعًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا يُدْرِكُ الْمَسْبُوقُ الرَّكْعَةَ بِالرُّكُوعِ وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ وَالْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَهَلْ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيُتَابِعَهُ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ وَتَكُونُ التَّكْبِيرَتَانِ حَاصِلَتَيْنِ لَهُ أَمْ يُتِمُّ الْقِرَاءَةَ فِيهِ طَرِيقَانِ (أصحهما) وبه قال الا كثرون فممن صرح به الفورانى والبنديخى وابن الصباغ والمتولي وصاحب العدة وصاحب الْمُسْتَظْهِرِيِّ وَالْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَعْرُوفَانِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ
(أَحَدُهُمَا)
يُتِمُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الغزالي في الوجيز وهو شاذ مرود لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ (وَأَصَحُّهُمَا) يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيُتَابِعُهُ وتحصل له التكبيرتان للعذر (والطريق الثَّانِي) يَقْطَعُهَا وَيُتَابِعُهُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ إنَّهُ يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَحَصَلَ لَهُ التَّكْبِيرَتَانِ كَمَا ذَكَرْنَا وَهَلْ يَقْتَصِرُ عَقِبَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ أم يضم إليه تتميم الفاتحة فيه احتمالان ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الشَّامِلِ (أَصَحُّهُمَا) وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُقْتَصَرُ وَقَدْ سَقَطَتْ بَقِيَّةُ الْفَاتِحَةِ كَمَا سَقَطَتْ فِي بَاقِي الصَّلَوَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (أما) إذا سلم الامام وقد بقى علي بعض المأمومين بَعْضُ التَّكْبِيرَاتِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ إلَّا بِتَدَارُكِهَا بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ بَيْنَهُنَّ أَمْ يَأْتِي بِالْأَذْكَارِ وَالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَذْكَارِ فِيهِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ (أَصَحُّهُمَا) أَنَّهُ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَتَرْتِيبُهُ مِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَالرَّافِعِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الشَّرْحِ وَالْمُجَرَّدِ وَغَيْرُهُمَا وَجَزَمَ بِهِ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ بِالتَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى تَرْجِيحِ هَذَا الْقَوْلِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ وَلِيَقْضِ مَا فَاتَهُ مِنْ التَّكْبِيرِ نَسَقًا مُتَتَابِعًا ثُمَّ يُسَلِّمُ وَقَدْ قِيلَ يَدْعُو بَيْنَهُمَا لِلْمَيِّتِ هَذَا نَصُّهُ وَمِنْ الْبُوَيْطِيِّ نَقَلْتُهُ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ نَصِّهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُكَبِّرُ بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ مُتَوَالِيًا قَالَ وَرَأَيْتُ فِي الْبُوَيْطِيِّ يَقُولُ وَلِيَقْضِ مَا فَاتَهُ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا مُتَتَابِعًا ثُمَّ يُسَلِّمُ قَالَ وَقَدْ قِيلَ يَدْعُو بَيْنَهُمَا لِلْمَيِّتِ قَالَ الْقَاضِي فَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الذكر (أحدهما) يحب وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ (وَالثَّانِي) لَا يجب
صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ حَتَّى يُتِمَّ الْمَسْبُوقُونَ مَا عَلَيْهِمْ فَإِنْ رُفِعَتْ لَمْ تبطل صلاتهم بلا خلاف بل يُتِمُّونَهَا وَإِنْ حُوِّلَتْ الْجِنَازَةُ عَنْ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ فِيهِ ذَلِكَ وَالْجِنَازَةُ حَاضِرَةٌ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الدَّوَامِ مالا يُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي فَلَمْ يُكَبِّرْ التَّكْبِيرَةَ الثَّانِيَةَ أَوْ الثَّالِثَةَ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَةَ الَّتِي بَعْدَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالُوا لِأَنَّ الْقُدْوَةَ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالْمُوَافَقَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ وَكَأَنَّهُ تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ
- ذَكَرْنَا اخْتِلَافَهُمْ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ وَاخْتِلَافَهُمْ فِي رَفْعِ الْأَيْدِي فِيهَا وَاخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِي دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَالسُّورَةِ وَذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَبِهِ قال احمد واسحق وَدَاوُد رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَحَمَّادٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ قَالَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ قَالَ وَرَوَيْنَا هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اقْرَأْ الْفَاتِحَةَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدِي يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى هَذِهِ مَذَاهِبُهُمْ
- وَدَلِيلُنَا عَلَى جَمِيعِهِمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَّا الْمَسْبُوقُ الَّذِي فَاتَهُ بَعْضُ التَّكْبِيرَاتِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَدَارُكُ
بَاقِي التَّكْبِيرَاتِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَحَكَاهُ ابْنُ المنذر عن بن الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ ومالك والثوري وأبي حنيفة وأحمد واسحق قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَقْضِيه وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَيُّوبُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ احمد رحمهم اللَّهُ (وَأَمَّا) الْمَسْبُوقُ الَّذِي أَدْرَكَ بَعْضَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْحَالِ وَلَا يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ الْمُسْتَقْبَلَةُ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْتَظِرُهُ حَتَّى يُكَبِّرَ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ فَيُكَبِّرَهَا مَعَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حنيفة ومحمد بن الحسن واسحق (واما) السلام فذ كرنا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا تَسْلِيمَتَانِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ ابن أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ ابن عبد الله وانس ابن مالك ووائلة ابن الاسقع وابى هريرة وعبد الله ابن ابى اوفى وابى إمامة ابن سهل ابن حُنَيْفٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَعِيسَى ابن يُونُسَ وَوَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ وَأَحْمَدَ واسحق رضي الله عنهم *
- قال المصنف رحمه الله
- ﴿إذا صلى على الميت بودر بدفنه ولا ينتظر حضور من يصلى عليه إلا الولي فانه ينتظر إذا لم يخش على الميت التغير فان خيف عليه التغير لم ينتظر وإن حضر من لم يصل عليه صلي عليه وإن حضر من صلى مرة فهل يعيد الصلاة مع من يصلي فيه وجهان (احدهما) يستحب كما يستحب في سائر الصلوات ان يعيدها مع من يصلى جماعة (والثاني) لا يعيد لانه يصليها نافلة وصلاة الجنازه لا يتنفل بمثلها وإن حضر من لم يصل بعد الدفن صلى علي القبر لما روى أن مسكينة ماتت ليلا فدفنوها ولم يوقظوا رسول الله صلي الله عليه وسلم " فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ الغد علي قبرها " وإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر فيه اربعة اوجه (احدها) إلي شهر لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى علي ام سعد ابن عبادة رضي الله عنهما بعد ما دفنت بشهر " (والثانى) يصلي عليه ما لم يبل لانه إذا بلي لم يبق ما يصلي عليه (والثالث) يصلى عليه من كان من اهل الفرض عند موته لانه كان من اهل الخطاب بالصلاة عليه واما من يولد بعد موته أو بلغ بعد موته فلا يصلي عليه لانه لم يكن من اهل الخطاب بالصلاة عليه (والرابع) يصلي عليه ابدا لان القصد من الصلاة علي الميت الدعاء والدعاء بجوز كل وقت﴾
- ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ الْمِسْكِينَةِ صَحِيحٌ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ وَهَذِهِ الْمِسْكِينَةُ يُقَالُ لَهَا أُمُّ مِحْجَنٍ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - (وَأَمَّا) حَدِيثُ أُمِّ سَعْدٍ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بَعْدَ مَوْتِهَا بِشَهْرٍ " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا مُرْسَلٌ صَحِيحٌ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْصُولًا قَالَ " صَلَّى عَلَيْهَا بَعْدَ شَهْرٍ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَائِبًا حِينَ مَوْتِهَا قَالَ وَالْمُرْسَلُ أَصَحُّ وَمُرْسَلُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الشَّرْحِ وَهَلْ هُوَ حُجَّةٌ لِمُجَرَّدِهِ أَمْ إذَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا هُنَاكَ
- أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يُبَادَرَ بِدَفْنِهِ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ
حُضُورَ أَحَدٍ إلَّا الْوَلِيَّ فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ مَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ لَمْ يُنْتَظَرْ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ صِيَانَةِ الْمَيِّتِ أَهَمُّ مِنْ حُضُورِ الْوَلِيِّ ثُمَّ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَظَرُ الْوَلِيُّ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ (الثَّانِيَةُ) إذَا حَضَرَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إنْسَانٌ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهِ أَوْ جَمَاعَةٌ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُصَلِّي عَلَيْهِ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُتَنَفَّلُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَا تُصَلِّيهَا طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ الْمِسْكِينَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ أَوْ رَجُلًا كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ " فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ فَقَالَ افلا آذنتومنى بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَبْرِ مَنْبُوذٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ مَا دُفِنُوا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ طَائِفَةٍ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ سَقَطَ الْحَرَجُ بِصَلَاتِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ دَفْنُهُمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِأَنَّ صَلَاةَ الثَّانِيَةِ نَافِلَةٌ من وجهين (احد هما) مَنْعُهُ بَلْ هِيَ عِنْدَنَا فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا سَبَقَ وَسَنَذْكُرُ دَلِيلَهُ وَاضِحًا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالثَّانِي) أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ فِي الْفَرْضِ إذَا حَضَرَ الرِّجَالُ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي (فَإِنْ) قِيلَ كَيْف تَقَعُ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَلَوْ تَرَكُوهَا لَمْ يَأْثَمُوا وَلَيْسَ هَذَا شَأْنُ الْفُرُوضِ (فَالْجَوَابُ) انه قد يكون ابتداء الشئ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَإِذَا دَخَلَ فِيهِ صَارَ فَرْضًا كَمَا إذَا دَخَلَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَكَمَا فِي الْوَاجِبِ عَلَى التَّخْيِيرِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَلَوْ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى لَوْ كَانَتْ أَلْفًا أَوْ أُلُوفًا وَقَعَتْ صَلَاتُهُمْ جَمِيعُهُمْ فَرْضًا بِالِاتِّفَاقِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَرْضَ كَانَ يَسْقُطُ بِبَعْضِهِمْ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ أَنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ بِأَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى الْإِبْهَامِ وَالْبَاقُونَ مُتَنَفِّلُونَ (فَإِنْ) قِيلَ قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا فَعَلَهُ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُمْ كَيْف قُلْتُمْ تَقَعُ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ فَرْضًا (فَالْجَوَابُ) أَنَّ عِبَارَةَ الْمُحَقِّقِينَ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ فَلَوْ فَعَلُوهُ وَقَعَ فَرْضًا كَمَا لَوْ فعلوه
مَعَ الْأَوَّلِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً (وَأَمَّا) عِبَارَةُ مَنْ يقوم مَنْ يَقُولُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ فَمَعْنَاهَا سَقَطَ حَرَجُ الْفَرْضِ وَإِثْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ جَمَاعَةٌ أَوْ وَاحِدٌ ثُمَّ صَلَّتْ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى فَأَرَادَ مَنْ صَلَّى أَوَّلًا أَنْ يُصَلِّيَ ثَانِيًا مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ (أَصَحُّهَا) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا (وَالثَّانِي) يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بدليلهما وذكرهما هكذا ايضا اكثر الاصحاب (والثالث) يُكْرَهُ الْإِعَادَةُ وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وغيرهما (والرابع) حكاه البغوي إن صلي أو لا مُنْفَرِدًا أَعَادَ وَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةً فَلَا (وَالصَّحِيحُ) الْأَوَّلُ صَحَّحَهُ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ صَلَّى ثَانِيًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَحَبَّةٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ قَالَ وَعِنْدِي فِي بُطْلَانِهَا احْتِمَالٌ وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهَا فَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ تَقَعُ نَفْلًا وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إذَا صَلَّى تَقَعُ صَلَاتُهُ الثَّانِيَةُ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَلَا تَكُونُ نَفْلًا كَمَا لَوْ صَلَّتْ جَمَاعَةٌ بَعْدَ جَمَاعَةٍ فَصَلَاةُ الْجَمِيعِ تَقَعُ فَرْضًا قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ تَنْوِي الطَّائِفَةُ بِصَلَاتِهِمْ الْفَرْضَ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِهِمْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ الحرج لا الفرض وبسط اما الْحَرَمَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ
هَذَا بَسْطًا حَسَنًا فَقَالَ إذَا صَلَّى عَلَى الميت جمع يقع الا كتفاء بِبَعْضِهِمْ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّ صَلَاةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ تَقَعُ فَرِيضَةً وَلَيْسَ بَعْضُهُمْ بِأَوْلَى بوصفه بالقيام بالفرض مِنْ بَعْضِهِمْ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِالْفَرِيضَةِ لِلْجَمِيعِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ كَإِيصَالِ الْمُتَوَضِّئِ الْمَاءَ إلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ دَفْعَةً وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجَمِيعَ فَرْضٌ أَمْ الْفَرْضُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَقَطْ قَالَ وَلَكِنْ قَدْ يَتَخَيَّلُ الْفَطِنُ فَرْقًا وَيَقُولُ مَرْتَبَةُ الْفَرْضِيَّةِ فَوْقَ مَرْتَبَةِ السُّنَّةِ وَكُلُّ مُصَلٍّ فِي الْجَمْعِ الْكَبِيرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْرَمَ رُتْبَةَ الْفَرْضِيَّةِ وَقَدْ قَامَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَهَذَا لَطِيفٌ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ قَالَ ثُمَّ قَالَ الْأَئِمَّةُ إذَا صَلَّتْ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ كَانَتْ كَصَلَاتِهِمْ مَعَ الْأَوَّلِينَ فِي جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ (وَأَمَّا) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يُتَنَفَّلُ بِمِثْلِهَا فَمَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِصُورَتِهَا مِنْ غَيْرِ جِنَازَةٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِثْلَ صُورَتِهَا ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ وَلَكِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ يَنْتَقِضُ بِصَلَاةِ النِّسَاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُنَّ إذَا صَلَّيْنَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَعَ الرِّجَالِ وَقَعَتْ صَلَاتُهُنَّ نَافِلَةً وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الرَّابِعَةُ) إذَا حَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَأَرَادَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ أَوْ أَرَادَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ جَازَ بِلَا خِلَافٍ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَإِلَى مَتَى تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَدْفُونِ فِيهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُصَلَّى بَعْدَهَا حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ (وَالثَّانِي) إلَى شَهْرٍ (وَالثَّالِثُ) مَا لَمْ يَبْلَ جَسَدُهُ (وَالرَّابِعُ) يُصَلِّي عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ (وَالْخَامِسُ) يُصَلِّي مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ فَيَدْخُلُ الصَّبِيُّ المميز وممن حكي هذا الوجه المصنف في التنبيه وصححه الْبَنْدَنِيجِيُّ (وَالسَّادِسُ) يُصَلَّى عَلَيْهِ أَبَدًا فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى قُبُورِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ قَبْلَهُمْ الْيَوْمَ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا السَّادِسِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَضْعِيفِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَآخَرُونَ وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَرْجِيحِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِلْأَصْحَابِ وَلِلدَّلِيلِ وَاخْتَلَفُوا
فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْأَوْجُهِ (فَصَحَّحَ) الْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْجُرْجَانِيُّ الثَّالِثَ وَصَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ قَالُوا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَوْ كَانَ يَوْمَ الْمَوْتِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُصَلِّي لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الصَّلَاةِ بِأَنْ يُسْلِمَ فَهُوَ كَالْمُحْدِثِ قَالَ وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ حَائِضًا يَوْمَ الموت ثم طَهُرَتْ فَالْحَيْضُ يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَصِحَّتَهَا وَلَكِنْ هِيَ فِي الْجُمْلَةِ مُخَاطَبَةٌ فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهَا تُصَلِّي هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ وَكَذَا قَطَعَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ بِأَنَّ الْكَافِرَ وَالْحَائِضَ يَوْمَ الْمَوْتِ إذَا أَسْلَمَ وَطَهُرَتْ صَلَّيَا وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ الْكَافِرَ وَالْحَائِضَ ليسا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالُوا لَا يُصَلِّي مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ أَوْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ حَالَ الْمَوْتِ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُمَا لَا يُصَلِّيَانِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي حِكَايَةِ هَذَا الْوَجْهِ يُصَلِّي عَلَيْهِ مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَوْمَ مَوْتِهِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ (فَأَمَّا) مَنْ بَلَغَ بَعْدَهُ فَلَا وَاحْتَجَّ الْمُتَوَلِّي لِهَذَا الْوَجْهِ بِأَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَفِعْلُ غَيْرِهِمْ لَمْ يُسْقِطْ الْفَرْضَ فِي حَقِّهِمْ وَإِنَّمَا أَسْقَطَ الْحَرَجَ وَإِذَا قُلْنَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَبْلَ جَسَدُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُرَادُ مَا لَمْ يبق من بدنه شئ لَا لَحْمٌ وَلَا عَظْمٌ فَمَتَى بَقِيَ عَظْمٌ صَلَّى قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَيَخْتَلِفُ هَذَا باختلاف البقاع فلو شككنا في امحاق أَجْزَائِهِ صَلَّى لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَهُوَ مُقْتَضَى عِبَارَةِ الْبَاقِينَ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيَّ فِي التجريد والصيدلانى والقاضي حسين وَآخَرِينَ قَالُوا يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ بَلِيَ وَذَهَبَتْ أَجْزَاؤُهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ والغزالي في البسيط فيه احتمالين (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) لَا يُصَلَّى لِأَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا
الوجه متوقفة علي العلم ببقاء شئ مِنْهُ وَعِبَارَةُ الْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ تُوَافِقُ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ يُصْلَى مَا دَامَ يُعْلَمُ أَنَّ فِي الْقَبْرِ مِنْهُ شَيْئًا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الضَّعِيفِ أَنَّهُ يُصَلَّى أَبَدًا فَهَلْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِ نَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (أَصَحُّهُمَا) عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَالْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَآخَرُونَ (وَالثَّانِي) وَهُوَ قَوْلِ أَبِي الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيِّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ فُرَادَى لَا جَمَاعَةً قَالَ وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ جَمَاعَةً وَكَانَ أَبُو الْوَلِيدِ يَقُولُ أَنَا أُصَلِّي الْيَوْمَ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبِهَذَا الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ التَّعْلِيقِ وَالْمُجَرَّدِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) إذَا دُفِنَ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ قَالَ أَصْحَابُنَا يَأْثَمُ الدَّافِنُونَ وَكُلُّ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ فَرْضُ هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ أَهْلِ ملك النَّاحِيَةِ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّفْنِ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ تُسْقِطُ الْفَرْضَ إلَّا أَنَّهُمْ يَأْثَمُونَ صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَصْحَابُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا لَكِنْ لَا يُنْبَشُ بَلْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّ نَبْشَهُ انْتِهَاكٌ لَهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ تُجْزِئُهُ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ
(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ
- ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى الْقَبْرِ وَنَقَلُوهُ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَعَائِشَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لا يصلي علي الميت الامرة وَاحِدَةً وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ
إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِلَا صَلَاةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ غَائِبًا فَصَلَّى غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فللولي أن يصل عَلَى الْقَبْرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ دَفْنِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى شهر واسحق إلَى شَهْرٍ لِلْغَائِبِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلْحَاضِرِ
- دَلِيلُنَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ الاحاديث السابقة في المسألة الثانية * قال المصنف رحمه الله
- {تجوز الصلاة على الميت الغائب لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِأَصْحَابِهِ وهو بالمدينة وصلي عليه وصلوا خلفه وان كان الميت معه في البلد لم يجز
أن يصلى عليه حتي يحضر عنده لانه يمكنه الحضور من غير مشقة}
- ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالنَّجَاشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ صَادٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مَفْتُوحَةٍ
مُهْمَلَتَيْنِ هَكَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ وَقِيلَ صَحَمَةُ وَقِيلَ غَيْرُهُ وَالنَّجَاشِيُّ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الحبشة كما سمى كل خليفة لمسلمين أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَلَكَ الرُّومَ قَيْصَرَ وَالتُّرْكَ خَاقَانَ وَالْفُرْسَ كِسْرَى وَالْقِبْطَ فِرْعَوْنَ وَمِصْرَ الْعَزِيزَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَمَذْهَبُنَا جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ سَوَاءٌ
كَانَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَمْ فِي غَيْرِهَا وَلَكِنَّ الْمُصَلِّيَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ
الْبَلَدَيْنِ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ عِنْدَنَا (أَمَّا) إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِي الْبَلَدِ فَطَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ عِنْدَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمْ يُصَلِّ عَلَى حَاضِرٍ فِي الْبَلَدِ إلَّا بِحَضْرَتِهِ " وَلِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ بِخِلَافِ الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ " والطريق الثاني) حكاه الخراسانيون أو أكثر هم فِيهِ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا
(وَالثَّانِي)
يَجُوزُ كَالْغَائِبِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَيِّتِ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ أَوْ ثَلَاثِمِائَةٍ تَقْرِيبًا قَالَ وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ.
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ
- ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُهُ وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ دَلِيلُنَا حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُمْ عَنْهُ جَوَابٌ صَحِيحٌ بَلْ ذَكَرُوا فِيهِ خَيَالَاتٍ أَجَابَ عَنْهَا أَصْحَابُنَا بِأَجْوِبَةٍ مَشْهُورَةٍ (مِنْهَا) قَوْلُهُمْ إنَّهُ طُوِيَتْ الْأَرْضُ فَصَارَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَجَوَابُهُ) أَنَّهُ لَوْ فُتِحَ هَذَا الباب لم يبق وثوق بشئ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ لِاحْتِمَالِ انْحِرَافِ الْعَادَةِ فِي تلك القضية مع انه لو كان شئ مِنْ ذَلِكَ لَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي بِنَقْلِهِ (وَأَمَّا) حَدِيثُ العلاء بن زيدل ويقال بن زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي تَبُوكَ فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بموت معاوية ابن مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فَطُوِيَتْ الْأَرْضُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْحُفَّاظُ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ الْعَلَاءِ هَذَا وَأَنَّهُ منكر الحديث
- قال المصنف رحمه الله
- ﴿وان وجد بعض الميت غسل وصلي عليه لان عمر رضي الله عنه صلى علي عظام بالشام وصلي أبو عبيدة علي رؤس وصلت الصحابة رضي الله عنهم على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد القاها طائر بمكة من وقعة الجمل﴾
- ﴿الشَّرْحُ﴾ أَبُو عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا هُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَاسْمُهُ عامر ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَعَتَّابُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَسِيدُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَيْنَاهَا فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ للزبير بن بكر قَالَ وَكَانَ الطَّائِرُ نِسْرًا وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ فِي جُمَادَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بَعْضُ مَنْ
تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَإِنَّمَا نُصَلِّي عَلَيْهِ إذَا تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ (فَأَمَّا) إذَا قُطِعَ عُضْوٌ مِنْ حَيٍّ كَيْدِ سَارِقٍ وَجَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ شَكَكْنَا فِي الْعُضْوِ هَلْ هُوَ مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ نُصَلِّ عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ الاصاحب الْحَاوِي وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ مِنْ الْحَيِّ وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ (أَحَدُهُمَا) يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَعُضْوِ الْمَيِّتِ (وَأَصَحُّهُمَا) لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَنَقَلَ الْمُتَوَلِّي رَحِمَهُ اللَّهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقَالَ لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَدَ الْمَقْطُوعَةَ فِي السَّرِقَةِ وَالْقِصَاصِ لَا تُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَلَكِنْ تُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ وَتُدْفَنُ وَكَذَا الْأَظْفَارُ الْمَقْلُومَةُ وَالشَّعْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْأَحْيَاءِ لَا يُصَلَّى عَلَى شئ مِنْهَا لَكِنْ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهَا قَالَ وَكَذَا إذَا شَكَكْنَا فِي مَوْتِ صَاحِبِ الْعُضْوِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهَذَا الَّذِي سَبَقَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى بَعْضِ الَّذِي تَيَقَّنَّا مَوْتَهُ هُوَ فِي الْعُضْوِ (أَمَّا) إذَا وَجَدْنَا شَعْرَ الْمَيِّتِ أَوْ ظُفُرَهُ أَوْ نَحْوَهُمَا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ وَأَشَارَ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَلْ يُدْفَنُ (وَأَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْعُضْوِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ قَالَ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا مَوْضِعَهَا فِي حَرَارَةِ الدَّمِ ثُمَّ افْتَرَسَهُ سَبُعٌ وَوَجَدْنَا أُذُنَهُ لم نصل عليها لِأَنَّ انْفِصَالَهَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ هَذَا كَلَامُ القاضى رحمه الله ويجئ فِيهَا الْوَجْهُ السَّابِقُ عَنْ الْحَاوِي قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فلا بدمن تَقَدُّمِ غُسْلِهِ ثُمَّ يُوَارَى بِخِرْقَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَالدَّفْنُ لَا يَخْتَصُّ بِعُضْوِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ بَلْ كُلُّ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ مِنْ عُضْوٍ وَشَعْرٍ وَظُفْرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ وَكَذَلِكَ تُوَارَى الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ تُلْقِيهِمَا الْمَرْأَةُ وَكَذَا يُوَارَى دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَلَوْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ أَوْ كُلُّهُ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ كَمَا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ فِيهَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهِيدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَمَتَى صَلَّى عَلَى عُضْوِ الْمَيِّتِ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى جُمْلَةِ الْمَيِّتِ لَا عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) يُصَلَّى عَلَى الْعُضْوِ خَاصَّةً قَالَ
وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ جُمْلَتَهُ صَلَّى عَلَيْهَا فَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ صَلَّى عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ وَجْهًا وَاحِدًا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَلَّ الْبَعْضُ أَمْ كَثُرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ دَاوُد لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ وُجِدَ النِّصْفُ فَلَا غُسْلَ ولا صلاة قال مالك رحمه الله لا يصلى علي اليسير منه * قال المصنف رحمه الله
- ﴿إذَا اسْتَهَلَّ السِّقْطُ أَوْ تَحَرَّكَ ثُمَّ مَاتَ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا اسْتَهَلَّ السِّقْطُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ وَوُرِثَ " وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الدُّنْيَا فِي الْإِسْلَامِ وَالْمِيرَاثِ وَالدِّيَةِ فَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كُفِّنَ بِخِرْقَةٍ وَدُفِنَ وَإِنْ تَمَّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ (قَالَ) فِي الْقَدِيمِ يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَصَارَ كَمَنْ اسْتَهَلَّ (وَقَالَ) فِي الْأُمِّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الدُّنْيَا فِي الْإِرْثِ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا يُصَلَّى عَلَيْهِ غُسِّلَ كَغَيْرِ السِّقْطِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَفِي غُسْلِهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ لَا يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَلَا يُغَسَّلُ كَالشَّهِيدِ وَقَالَ فِي الْأُمِّ يُغَسَّلُ لِأَنَّ الْغُسْلَ قَدْ يَنْفَرِدُ عَنْ الصَّلَاةِ كَمَا نَقُولُ فِي الْكَافِرِ﴾
- ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَرِيبٌ وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَأَنَّ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ وَقَالَ النَّسَائِيُّ الْمَوْقُوفُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَنَائِزِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْفَرَائِضِ وَابْنُ مَاجَهْ فِيهِمَا وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَوَرِثَ وَوُرِثَ وَرِوَايَةُ الْمُهَذَّبِ وَرِثَ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ - (وَقَوْلُهُ) اسْتَهَلَّ أَيْ صَرَخَ وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ وَفِي السِّقْطِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَلِلسِّقْطِ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَسْتَهِلَّ فَيَجِبُ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَيَكُونُ كَفَنُهُ كَكَفَنِ الْبَالِغِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ (الثَّانِي) أَنْ يَتَحَرَّكَ حَرَكَةً تَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ وَلَا يَسْتَهِلُّ أَوْ يَخْتَلِجُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْعِرَاقِيُّونَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا (وَالثَّانِي) حكاه
الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ وَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) هَذَا (وَالثَّانِي) حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا هَلْ يُغَسَّلُ فِيهِ طَرِيقَانِ عِنْدَهُمْ (الْمَذْهَبُ) يُغَسَّلُ (وَالثَّانِي) عَلَى قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) يُغَسَّلُ (والثانى) لا يغسل (الثالث) أَنْ لَا تَكُونَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَلَا اخْتِلَاجٌ وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَمَارَاتِ الْحَيَاةِ فَلَهُ حَالَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ لَا يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَفِي غُسْلِهِ طَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ لَا يُغَسَّلُ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ كَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالرَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ فِيهِ قَوْلَانِ وَذَكَرَهُمَا الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ لَكِنْ قَالَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ فِيهِ خِلْقَةُ آدَمِيٍّ (وَالْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَبْلُغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَمُعْظَمِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ غَسْلُهُ وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَا تَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّ بَابَ الْغُسْلِ أَوْسَعُ وَلِهَذَا يُغَسَّلُ الذِّمِّيُّ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (وَالثَّانِي) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ (وَالثَّالِثُ) حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ قَالَ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي (الصَّحِيحُ) الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ قَالَ (وَالثَّانِي) حَكَاهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَخْرِيجًا عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَدْ قَرَأْت الْقَدِيمَ كُلَّهُ فَلَمْ أَجِدْهُ فَقَدْ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى إنْكَارِ كَوْنِهِ فِي الْقَدِيمِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ إنْ أَوْجَبْنَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الصَّلَاةَ فَالْكَفَنُ التَّامُّ وَاجِبٌ كَمَا سَبَقَ يَعْنِي يُكَفَّنُ كَفَنَ الْبَالِغِ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ وَإِنْ لَمْ نُوجِبْ الصَّلَاةَ وَجَبَ دَفْنُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَالْخِرْقَةُ الَّتِي تُوَارِيهِ وَهِيَ لِفَافَةٌ قَالَا وَالدَّفْنُ واجب حينئذ
قَوْلًا وَاحِدًا قَالَا ثُمَّ تَمَامُ الْكَفَنِ يَتْبَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ قَالَا وَإِذَا أَلْقَتْ الْمَرْأَةُ مُضْغَةً لَا يَثْبُتُ بِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ وَوُجُوبُ الْغُرَّةِ وَلَا غَسْلٌ وَلَا تَكْفِينٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا يَجِبُ الدَّفْنُ وَالْأَوْلَى أَنْ تُوَارَى هَذَا كَلَامُهُمَا وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ إذَا أَلْقَتْ عَلَقَةً أَوْ مضغة لم يظهر فيها شئ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فَلَيْسَ لَهَا غُسْلٌ وَلَا تَكْفِينٌ وَتُوَارَى كَمَا يُوَارَى دَمُ الرَّجُلِ إذَا افْتَصَدَ أَوْ احْتَجَمَ (وَأَمَّا) الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ مَا يَظْهَرُ فِيهِ خِلْقَةُ آدَمِيٍّ يَكْفِي فِيهِ الْمُوَارَاةُ كَيْفَ كَانَتْ فَبَعْدَ ظُهُورِ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ حُكْمُ التَّكْفِينِ حُكْمُ الْغُسْلِ فَجَعَلَهُ تَابِعًا لِلْغَسْلِ وَجَعَلَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ تَابِعًا لِلصَّلَاةِ وَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْسَبُ (وَأَمَّا) الْمَحَامِلِيُّ فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ السِّقْطِ فِي التَّجْرِيدِ خِلَافَ الْأَصْحَابِ وَخِلَافَ مَا ذَكَرَهُ هُوَ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ الْمَجْمُوعِ فَقَالَ إنْ سَقَطَ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ بِأَنْ سَقَطَ لِفَوْقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَفِي الْبُوَيْطِيِّ يُصَلَّى عَلَيْهِ قَالَ وَلَا خِلَافَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ وَإِنْ سَقَطَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَلْقُ آدَمِيٍّ كَظُفْرٍ وَغَيْرِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَخَلَّقَ كُفِّنَ وَدُفِنَ وَفِي غُسْلِهِ قَوْلَانِ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي الْبَيَانِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حامد نحوه ولم أر فِي تَعْلِيقِ أَبِي حَامِدٍ لَكِنَّ نُسَخَ التَّعْلِيقِ تخلف وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ وَالسَّقْطِ
- أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ الْإِجْمَاعَ فِيهِ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ وَخَالَفَ الْعُلَمَاءَ كَافَّةً وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى صلي عليه والافلا وَهَذَا أَيْضًا شَاذٌّ مَرْدُودٌ
- وَاحْتَجَّ لَهُ بِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمْ يُصَلِّ عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّلَاةِ الِاسْتِغْفَارُ للميت وهذا لاذنب لَهُ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِعُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا والطفل يصلي عليه " رواه أحد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ احْتِجَاجِ سَعِيدٍ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ فِي صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَأَثْبَتَهَا كَثِيرُونَ مِنْ الرُّوَاةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فَهِيَ أَوْلَى لِأَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهَا أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ النَّفْيِ (الثَّانِي) أَنَّهَا مُثْبِتَةٌ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى النَّافِيَةِ كَمَا تَقَرَّرَ (الثَّالِثُ) يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قَالَ صَلَّى أَرَادَ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَاشْتَغَلَ صلى الله عليه وسلم هو بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَمَنْ قَالَ لَمْ يُصَلِّ أَيْ لَمْ يُصَلِّ بِنَفْسِهِ (وَأَمَّا) الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ الْمَقْصُودُ الْمَغْفِرَةُ فَبَاطِلٌ
بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمَجْنُونِ الَّذِي بَلَغَ مَجْنُونًا وَاسْتَمَرَّ حَتَّى مَاتَ وَعَلَى مَنْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ مُتَّصِلًا بِهِ مِنْ غَيْرِ إحْدَاثِ ذَنْبٍ فَإِنَّ الصَّلَاةَ ثَابِتَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا ذَنْبَ لَهُ بِلَا شَكٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) السِّقْطُ فَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْصِيلَ مَذْهَبِنَا فِيهِ وقال مَالِكٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَخْتَلِجَ وَيَتَحَرَّكَ وَيَطُولَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ التَّابِعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ إنْ كَانَ لَهُ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ يَعْنِي بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد رَحِمَهُمَا الله يصلى عليه *
- قال المصنف رحمه الله
- ﴿وَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تعالى (ولا تصلى علي احمد منهم مات ابدا) وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لِطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَالْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ له وَيَجُوزُ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ لِأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَرَ عليا أَنْ يُغَسِّلَ أَبَاهُ وَأَعْطَى قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ " فَإِنْ اختلط المسلمون بالكفار.
ولم يتميزوا صلي عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمَيِّتِ بِالنِّيَّةِ وَالِاخْتِلَاطُ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّيَّةِ﴾ - ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ ابْنِ أُبَيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَدِيثُ ابْنِ أُبَيِّ فِي بَابِ الْكَفَنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْكَافِرِ وَيَجُوزُ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَدَفْنُهُ (وَأَمَّا) وُجُوبُ التَّكْفِينِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ وَاضِحًا فِي بَابِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ زِيَارَةُ قَبْرِهِ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَاتِّبَاعُ جِنَازَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ (أَمَّا) إذَا اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ بِكَفَّارٍ وَلَمْ يَتَمَيَّزُوا فَقَالَ أَصْحَابُنَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِمْ وَتَكْفِينُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَدَفْنُهُمْ وَلَا خِلَافَ في شئ مِنْ هَذَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وَاجِبَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ وَهَؤُلَاءِ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ إلَّا بِاسْتِيعَابِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ حَتَّى لَوْ اخْتَلَطَ مُسْلِمٌ بِمِائَةِ كَافِرٍ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَتَكْفِينُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَدَفْنُهُمْ وَأَمَّا الْمَقْبَرَةُ الَّتِي يُدْفَنُونَ فِيهَا فَسَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي بَابِ حَمْلِ الْجِنَازَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ فَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمِيعِ بِصَلَاةٍ وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَيَقُولُ فِي الدُّعَاءِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُعْذَرُ فِي تَرَدُّدِ النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ يُصَلِّيهِنَّ وَيُعْذَرُ فِي تَرَدُّدِ النية وإن
شَاءَ صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ صَلَاةً وَاحِدَةً وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الثَّانِيَةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ عَلَى كَافِرٍ حَقِيقَةً وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَآخَرُونَ بِالْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى وَقَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ بِالْكَيْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ وَنَقَلَهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا بِالِاتِّفَاقِ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْجَائِزَيْنِ ومنهم من قتصر عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَنْفِ الْآخَرُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَذَا لَوْ اخْتَلَطَ الشَّهِيدُ بِغَيْرِهِ غُسِّلَ الْجَمِيعُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَنُوِيَ بِالصَّلَاةِ غَيْرُ الشَّهِيدِ
قَالَ الْقَاضِي وَلَوْ مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ إنَّ السِّقْطَ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ صُلِّي عليها وَنُوِيّ بِالصَّلَاةِ الْوَلَدُ الَّذِي فِي جَوْفِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخْتَلَطِينَ مُفْرَدًا وَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلنِّيَّةِ احْتَمَلْنَاهُ لِلْحَاجَةِ وَيَجُوزُ التَّعْلِيقُ أَيْضًا فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَصُورَتُهُ فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَقُولَ نَوَيْت هَذَا عَنْ زكاة مالي الغائب ان كان غائبا والافعن الْحَاضِرِ وَفِي الصَّوْمِ أَنْ يَنْوِيَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَفِي الْحَجِّ أَنْ يَنْوِيَ إحْرَامًا كَإِحْرَامِ زَيْدٍ.
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي اخْتِلَاطِ الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ الْمَوْتَى إذَا لَمْ يَتَمَيَّزُوا
- ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُ غُسْلِ الْجَمِيعِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ سواء كان عدد المسلين أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بن الحسن إن كان عدد المسلمين أقل أو أَكْثَرَ صُلِّيَ عَلَى الْجَمِيعِ وَإِنْ كَانَ عَدَدُ الْكُفَّارِ أَكْثَرَ أَوْ اسْتَوَى الْعَدَدَانِ لَمْ يُصَلَّ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ مَنْ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ فغلب التحريم كما لو اختلطت أخته بالجنبية حَرُمَ نِكَاحُهَا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاجِبَةٌ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى الجميع فوجب ذلك لان مالا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقِيَاسًا عَلَى مَا إذَا كَانَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ وَقَوْلُهُمْ اخْتَلَطَ الْحَرَامُ بِغَيْرِهِ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا زَادَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى اخْتِلَاطِ أُخْتِهِ باجنبية ينتقض باخلاطها بِعَدَدٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ فَإِنَّهُ يَتَزَوَّجُ وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصِّيَامِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فَشَهِدَ عَدْلٌ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ فِي تَوْرِيثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ وَلَا حِرْمَانِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ. - قال المصنف رحمه الله
﴿وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ قِتَالِهِمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَهُوَ شَهِيدٌ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا " وَإِنْ جُرِحَ فِي الْحَرْبِ وَمَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَمَنْ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ وَهُوَ جُنُبٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أبو العباس ابن سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُغَسَّلُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ قُتِلَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا شَأْنُ حَنْظَلَةَ فَإِنِّي رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ فَقَالُوا جَامَعَ فَسَمِعَ الْهَيْعَةَ فَخَرَجَ إلَى الْقِتَالِ " فَلَوْ لَمْ يَجِبْ غُسْلُهُ لَمَا غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لَا يُغَسَّلُ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ فَسَقَطَ حُكْمُهَا بِالشَّهَادَةِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ بِحَقٍّ فَلَمْ يَسْقُطْ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَنْ قُتِلَ فِي الزِّنَا وَالْقِصَاصِ وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي حَرْبِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَفِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا) يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي غَيْرِ حَرْبِ الْكُفَّارِ فَهُوَ كَمَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي حَرْبٍ هُوَ فِيهِ عَلَى الْحَقِّ وَقَاتِلُهُ عَلَى الْبَاطِلِ فَأَشْبَهَ المقتول في معركة الكفار ومن قتل قُطَّاعُ الطَّرِيقِ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (وَالثَّانِي) لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أهل العدل﴾ . ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَمَّا حَدِيثُ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ لَمَّا كَانَ جُنُبًا وَاسْتُشْهِدَ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير متصلا ورواه مرسلا من رواية عماد بْنِ الزُّبَيْرِ وَرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِهَذَا يَكُونُ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فانه ولد قبل سنتين فقط وهذه القضية كَانَتْ بِأُحُدٍ وَمُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ والله أعلم (وأما) الشهيد فسمي بذلك لا وجه سَبَقَ بَيَانُهَا فِي بَابِ السِّوَاكِ (وَقَوْلُهُ) فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ هُوَ - بِفَتْحِ اللَّامِ - (قَوْلُهُ) سَمِعَ هَيْعَةً - بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ - وَهِيَ الصَّوْتُ الَّذِي يُفْزَعُ مِنْهُ (قَوْلُهُ) طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ فَسَقَطَ حُكْمُهَا بِالشَّهَادَةِ احْتِرَازٌ مِنْ طَهَارَةِ النَّجَسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إزَالَتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (قَوْلُهُ) لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ بِحَقٍّ فَلَمْ يَسْقُطْ غُسْلُهُ فِيهِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ فَهُوَ شَهِيدٌ (قَوْلُهُ) قَتَلَهُ اللُّصُوصُ هُوَ - بِضَمِّ اللَّامِ - جَمْعُ لِصٍّ بِكَسْرِهَا كَحِمْلٍ وَحُمُولٍ
- أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَفِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) الشَّهِيدُ لَا يَجُوزُ غَسْلُهُ وَلَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْمُزَنِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَجْهًا أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَا تَجِبُ وَلَا يُغَسَّلُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْغَسْلُ إنْ
أَدَّى إلَى إزَالَةِ الدَّمِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِلَّا فَحَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ فِي تَحْرِيمِهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الصَّلَاةِ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ مِنْ الْجَزْمِ بِتَحْرِيمِ الصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ جَمِيعًا وَدَلِيلُهُ حديث جابر مع ما سنذ كره فِي فَرْعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّانِيَةُ) يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالصَّالِحِ وَالْفَاسِقِ (الثَّالِثَةُ) الشَّهِيدُ الَّذِي لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ هُوَ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ قِتَالِ الْكُفَّارِ حَالَ قِيَامِ الْقِتَالِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ كَافِرٌ أَوْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً أَوْ عَادَ إلَيْهِ سِلَاحُ نَفْسِهِ أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ أَوْ وَطِئَتْهُ دَوَابُّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرُهُمْ أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ لَا يُعْرَفُ هَلْ رَمَى بِهِ مُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ أَوْ وُجِدَ قَتِيلًا عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ مَوْتِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ أَمْ بَقِيَ زَمَنًا ثُمَّ مَاتَ بِذَلِكَ السَّبَبِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَسَوَاءٌ أَكَلَ وَشَرِبَ وَوَصَّى أَمْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا وَجْهًا شَاذًّا مَرْدُودًا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ مَنْ رَجَعَ إلَيْهِ سِلَاحُهُ أَوْ وَطِئَتْهُ دَابَّةُ مُسْلِمٍ أَوْ مُشْرِكٍ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ حَالَ الْقِتَالِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِشَهِيدٍ بَلْ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (وَالصَّوَابُ) الْأَوَّلُ (أَمَّا) إذَا مَاتَ فِي مُعْتَرَكِ الْكُفَّارِ لَا بِسَبَبِ قِتَالِهِمْ بَلْ فَجْأَةً أَوْ بِمَرَضٍ فَطَرِيقَانِ (الْمَذْهَبُ) أَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ (وَالثَّانِي) فِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) شَهِيدٌ (وَأَصَحُّهُمَا) لَيْسَ بِشَهِيدٍ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَآخَرُونَ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ فِي حَالِ الْقِتَالِ وَمَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فَإِنْ قُطِعَ بِمَوْتِهِ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ وَبَقِيَ فِيهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) لَيْسَ بِشَهِيدٍ سَوَاءٌ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ أَكَلَ وَشَرِبَ وَصَلَّى وَتَكَلَّمَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ طَالَ الزَّمَانُ أَمْ لَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ إنْ مَاتَ عَنْ قُرْبٍ فَقَوْلَانِ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ قَطْعًا أَمَّا إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ فَهُوَ شَهِيدٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ وَإِنْ انْقَضَتْ وَهُوَ مُتَوَقَّعُ الْحَيَاةِ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ بِلَا خِلَافٍ (الرَّابِعَةُ) إذَا قَتَلَ أَهْلُ الْعَدْلِ إنْسَانًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي حَالِ الْقِتَالِ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَادِلًا فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ (أَصَحُّهُمَا) يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَعَكْسِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ (وَالثَّانِي) نَصَّ عَلَيْهِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي حَرْبِ مُبْطِلِينَ فَأَشْبَهَ الْكُفَّارَ (الْخَامِسَةُ) مَنْ قَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فِيهِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا امام الحرمين وآخرون (أحدهما) لَيْسَ بِشَهِيدٍ قَطْعًا وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ (وَأَصَحُّهُمَا) وبه قطع المصنف والا كثرون فيه وجهان
(أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِهِمْ لَيْسَ بِشَهِيدٍ (وَالثَّانِي) شَهِيدٌ أَمَّا مَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ (أَصَحُّهُمَا) وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ لَيْسَ بِشَهِيدٍ قَطْعًا (وَالثَّانِي) أَنَّهُ كَمَنْ قَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ فَيَكُونُ فِيهِ الطَّرِيقَانِ وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ فقتل مسلما اغتيا لا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ (الصَّحِيحُ) بِاتِّفَاقِهِمْ لَيْسَ بِشَهِيدٍ وَلَوْ أَسَرَ الْكُفَّارُ مُسْلِمًا ثُمَّ قَتَلُوهُ صَبْرًا فَفِي كَوْنِهِ شَهِيدًا فِي تَرْكِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ (أَصَحُّهُمَا) لَيْسَ بِشَهِيدٍ (السَّادِسَةُ) الْمَرْجُومُ فِي الزِّنَا وَالْمَقْتُولُ قِصَاصًا وَالصَّائِلُ وَوَلَدُ الزِّنَا وَالْغَالُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا لَمْ يَحْضُرْ الْقِتَالَ وَنَحْوُهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَفِي بَعْضِهِمْ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ سَنَذْكُرُهُ فِي فُرُوعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ إنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (السَّابِعَةُ) لَوْ اُسْتُشْهِدَ جُنُبٌ فَوَجْهَانِ (أَصَحُّهُمَا) بِاتِّفَاقِ الْمُصَنِّفِينَ يَحْرُمُ غُسْلُهُ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ حَدَثٍ فَلَمْ يَجُزْ كَغُسْلِ الْمَوْتِ (وَالثَّانِي) وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَجِبُ غُسْلُهُ بِسَبَبِ شَهَادَةِ الْجَنَابَةِ وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي غُسْلِهِ عَنْ الْجَنَابَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَوْتِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطيب والمحاملى والماوردي والعبد رى وَالرَّافِعِيُّ وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَصْحَابِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ غَسَّلْنَاهُ قُلْت وَقَدْ سَبَقَ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ شهيد فيجئ هنا أما إذَا اُسْتُشْهِدَتْ مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ قَبْلَ اغْتِسَالِهَا فَهِيَ كَالْجُنُبِ وَإِنْ اُسْتُشْهِدَتْ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضِ فَإِنْ قُلْنَا الْجُنُبُ لَا يُغَسَّلُ فَهِيَ أَوْلَى وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَحْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْحَائِضِ يَجِبُ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ أَمْ بِانْقِطَاعِهِ أَمْ بِهِمَا وَفِيهِ أَوْجُهٌ سَبَقَتْ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ فَإِنْ قُلْنَا بِرُؤْيَتِهِ فَهِيَ كالجنب والافلا تُغَسَّلُ قَطْعًا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ إلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهَا لَا تُغَسَّلُ بِالِاتِّفَاقِ وَجَعَلَاهُ إلْزَامًا لِابْنِ سُرَيْجٍ
- (فَرْعٌ) لَوْ أَصَابَتْ الشَّهِيدَ نَجَاسَةٌ لَا بِسَبَبِ الشَّهَادَةِ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَبَعْضُ العراقيين (أصحها) بِاتِّفَاقِهِمْ وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ يَجِبُ غَسْلُهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ آثَارِ الشَّهَادَةِ (وَالثَّانِي) لَا يَجُوزُ (وَالثَّالِثُ) إنْ أَدَّى غَسْلُهَا إلَى إزَالَةِ دَمِ الشَّهَادَةِ لَمْ تغسل والاغسلت وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا الثَّالِثَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ
- (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ وَغُسْلَ الْمَلَائِكَةِ لَهُ حِينَ اُسْتُشْهِدَ جُنُبًا وَذَكَرْنَا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَلَوْ ثَبَتَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْغُسْلَ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ وَلَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُسْلِهِ وَلِهَذَا احْتَجَّ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِتَرْكِ الْغُسْلِ وَهَذَا الْجَوَابُ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ الاصحاب قال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ رَدًّا لِهَذَا الْجَوَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ تَكْفِينُهُ لَوْ كَفَّنَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّنْدُسِ قَالَ الْقَاضِي وَالْجَوَابُ أَنَّا لَوْ شَاهَدْنَا تَكْفِينَهُ وَسَتْرَ عَوْرَتِهِ لَمْ نَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَتْرُهُ وَقَدْ حَصَلَ (وَأَمَّا) الْغُسْلُ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ تَعَبُّدُ الْآدَمِيِّ بِهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ نَحْوَ هَذَا وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ لَوْ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أَوْ كَفَّنَتْهُ فِي السُّنْدُسِ لَمْ يُكْتَفَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (الثَّامِنَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ يُنْزَعُ عَنْ الشَّهِيدِ مَا لَيْسَ مِنْ غَالِبِ لِبَاسِ النَّاسِ كَالْجُلُودِ وَالْفِرَاءِ وَالْخِفَافِ وَالدِّرْعِ وَالْبَيْضَةِ وَالْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَأَمَّا بَاقِي الثِّيَابِ الْمُعْتَادِ لُبْسُهَا الَّتِي قُتِلَ فِيهَا فَوَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَزَعَهَا وَكَفَّنَهُ بِغَيْرِهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ فِيهَا وَلَا كَرَاهَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ قَالُوا وَالدَّفْنُ فِيهَا أَفْضَلُ وَالثِّيَابُ الْمُلَطَّخَةُ بِدَمِ الشَّهَادَةِ أَفْضَلُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا عَلَيْهِ كَافِيًا لِلْكَفَنِ الْوَاجِبِ وَجَبَ إتْمَامُهُ وَدَلِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ جَابِرٍ السَّابِقُ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ " رواه أبو داود باسناد فيه عطاء ابن السائب وقد ضعفه الا كثرون ولم يُضَعِّفُ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ في صدره اوفى حَلْقِهِ فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ وَقُتِلَ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يُوجَدْ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا بُرْدَةٌ (التَّاسِعَةُ) الشُّهَدَاءُ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا بِسَبَبِ حَرْبِ الْكُفَّارِ كَالْمَبْطُونِ وَالْمَطْعُونِ وَالْغَرِيقِ وَصَاحِبِ الْهَدْمِ وَالْغَرِيبِ وَالْمَيِّتَةِ فِي الطَّلْقِ وَمَنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أو ذمي أو مأثم فِي غَيْرِ حَالِ الْقِتَالِ وَشِبْهِهِمْ فَهَؤُلَاءِ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ الله ولفظ الشهادة الوارد فيهم الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ لَا فِي تَرْكِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) شَهِيدٌ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا وَهُوَ تَرْكُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَفِي حُكْمِ الْآخِرَةِ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ ثَوَابًا خَاصًّا وَهُمْ أحياء عند ربهم يرز قون وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ قِتَالِ الْكُفَّارِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَسَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَالثَّانِي) شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ دُونَ الدُّنْيَا وَهُوَ الْمَبْطُونُ وَالْمَطْعُونُ وَالْغَرِيقُ وَأَشْبَاهُهُمْ (وَالثَّالِثُ) شَهِيدٌ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ وَقَدْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ قُتِلَ مُدْبِرًا أَوْ قَاتَلَ رِيَاءً وَنَحْوُهُ فَلَهُ حُكْمُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ وَالدَّلِيلُ لِلْقِسْمِ الثَّانِي أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ غُسِّلُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ بِالِاتِّفَاقِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْعَاشِرَةُ) فِي حِكْمَةِ تَرْكِ غُسْلِ الشَّهِيدِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ لَعَلَّ تَرْكَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ لَأَنْ يَلْقَوْا اللَّهَ بِكُلُومِهِمْ لِمَا جَاءَ أَنَّ رِيحَ دمهم ريح المسك واستغنوا باكرام لَهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مَعَ التَّخْفِيفِ عَلَى من بقى من المسلمين لما يكون في من قَاتَلَ فِي الزَّحْفِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ وَخَوْفِ عَوْدَةِ الْعَدُوِّ وَرَجَاءِ طَلَبِهِمْ وَهَمِّهِمْ بِأَهْلِهِمْ وَهَمِّ أَهْلِيهِمْ بِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي غسل الشهيد والصلاة عليه
- قذ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا تَحْرِيمُهَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَالْحَاكِمِ وَحَمَّادٍ وَاللَّيْثِ وَمَالِكٍ وتابعوه من اهل المدينة واحمد واسحق وأبو ثور وابن المنذر وقال سعيد بن المسبب والحسن البصري يغسل ويصلي عليه وقال أو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُغَسَّلُ
- وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَحَادِيثَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَصَلَّى عَلَى حَمْزَةَ صَلَوَاتٍ " (وَمِنْهَا) رِوَايَةُ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ عَشَرَةً عَشَرَةً فِي كُلِّ عَشَرَةٍ حَمْزَةُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً " رَوَاهُ أَبُو داود في المراسيل وعن شداد بن الهاد أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ صَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ
- وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ أَيْضًا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " في قَتْلَى أُحُدٍ لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كُلَّ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ (وَأَمَّا) الْأَحَادِيثُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْقَائِلُونَ فِي الصَّلَاةِ فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى ضَعْفِهَا كُلِّهَا إلَّا حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالضَّعْفُ فِيهَا بَيِّنٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَقْرَبُ مَا رُوِيَ حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ وَكَذَا حَدِيثُ شَدَّادٍ مُرْسَلٌ أَيْضًا فَإِنَّهُمَا تَابِعَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ هُنَا الدُّعَاءُ (وَقَوْلُهُ) صَلَاتُهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَيْ دَعَا لَهُمْ كدعاء صلاة الميت وهذا التأويل لابد مِنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ الْمَعْرُوفَةَ بِالْإِجْمَاعِ لانه صلي الله عليه وسلم بما فَعَلَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ بَعْدَ دَفْنِهِمْ بِثَمَانِ سِنِينَ وَلَوْ كَانَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ الْمَعْرُوفَةَ لَمَا أَخَّرَهَا ثَمَانِ سِنِينَ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ عِنْدَنَا لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَوَجَبَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَهَذَا مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَإِنْ قِيلَ) مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِأَنَّهُ نَفْيٌ وَشَهَادَةُ النَّفْيِ مَرْدُودَةٌ مَعَ مَا عَارَضَهَا مِنْ رِوَايَةِ الْإِثْبَاتِ (فَأَجَابَ) أَصْحَابُنَا بِأَنَّ شَهَادَةَ النَّفْيِ إنَّمَا تُرَدُّ إذَا لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمُ الشَّاهِدِ وَلَمْ تَكُنْ مَحْصُورَةً (أَمَّا) مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ وَكَانَ مَحْصُورًا فَيُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذِهِ قِصَّةٌ مُعَيَّنَةٌ أَحَاطَ بِهَا جَابِرٌ وَغَيْرُهُ عِلْمًا وَأَمَّا رِوَايَةُ الْإِثْبَاتِ فَضَعِيفَةٌ فَوُجُودُهَا كَالْعَدَمِ إلَّا حَدِيثَ عُقْبَةَ وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ وَاشْتَدَّ إنْكَارُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ وَتَشْنِيعُهُ عَلَى مَنْ يَقُولُ يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ مُحْتَجًّا بِرِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ صَلَاةً وَكَانَ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ مِنْ الْقَتْلَى وَحَمْزَةُ عَاشِرُهُمْ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ثُمَّ يُرْفَعُونَ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ ثُمَّ يُؤْتَى بِتِسْعَةٍ آخَرِينَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَعَلَى حَمْزَةَ حتى صلى عليه سبعين صَلَاةً قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَشُهَدَاءُ أُحُدٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَهِيدًا فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِمْ عَشَرَةً عَشَرَةً فَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِ صَلَوَاتٍ أَوْ ثَمَانٍ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى عَلَى كُلِّ تِسْعَةٍ مَعَ حَمْزَةَ صَلَاةً فَهَذِهِ سَبْعٌ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ سَبْعُونَ صَلَاةً وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ كَبَّرَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً فَنَحْنُ وَهُمْ
نَقُولُ التَّكْبِيرُ أَرْبَعٌ فَهِيَ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَدْ كان ينبغي له أن يُعَارِضَ بِهِ الْأَحَادِيثَ فَقَدْ جَاءَتْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ معتمدنا في المسألة الا حاديث الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا (وَأَمَّا) مَا ذَكَرُوهُ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَخَطَأٌ لَمْ يُصَحِّحْهُ الْأَئِمَّةُ لِأَنَّهُمْ رَوَوْا أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِعَشَرَةٍ عَشَرَةٍ وَحَمْزَةُ أَحَدُهُمْ فَصَلَّى عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الشهداء سبعون وانا يَخُصُّ حَمْزَةَ سَبْعِينَ صَلَاةً لَوْ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا صُلِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى وَبِالِاتِّفَاقِ مِنَّا وَمِنْهُ فَإِنَّ مِنْ صَلَّى مَرَّةً لَا يُصَلِّي هُوَ ثَانِيَةً وَلِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ وَهُوَ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الشُّهَدَاءِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ بِلَا غُسْلٍ (فَإِنْ قَالُوا) سَبَبُ تَرْكِ الْغُسْلِ بَقَاءُ أَثَرِ الشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ " فَظَهَرَ سَبَبُ تَرْكِ الْغُسْلِ وَبَقِيَتْ الصَّلَاةُ مَشْرُوعَةً كَمَا كَانَتْ (فَالْجَوَابُ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ بَقَاءَ الدَّمِ لَوَجَبَ أَنْ يُغَسَّلَ مِنْ قُتِلَ فِي الْمُعْتَرَكِ خَنْقًا أَوْ بِمُثَقَّلٍ وَلَمْ يَظْهَرْ دَمٌ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بَقَاءَ الدَّمِ لَيُمِّمَ قَالَ وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ تَرْكَ الْغُسْلِ بِسَبَبٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْغُسْلَ مُتَعَيِّنٌ لِإِزَالَةِ الْأَذَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " زَمِّلُوهُمْ وَادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَا تَهْتَمُّوا بِإِزَالَتِهَا عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ الدِّمَاءُ " قَالَ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ أَنَّ الدِّمَاءَ الَّتِي يُدْفَنُونَ بِهَا تَبْقَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إنْ تُرِكَ الْغُسْلُ لِلدَّمِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَالَ الشَّهَادَةُ تَطْهِيرٌ لِلْمَقْتُولِ عَنْ الذُّنُوبِ فَيُغْنِي عَنْ التَّطْهِيرِ بِالْمَاءِ وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا شُرِعَتْ لِتَطْهِيرِهِ بِشَفَاعَةِ الْمُصَلِّينَ (فَإِنْ قِيلَ) الصَّبِيُّ طَاهِرٌ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (قُلْنَا) الشَّهَادَةُ أَمْرٌ طَارِئٌ يَقْتَضِي رُتْبَةً عَظِيمَةً وَتَمْحِيصًا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُغْنٍ عَنْ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّبِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا فَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي مَرْتَبَةً وَالطَّرِيقَةُ السَّدِيدَةُ عِنْدَنَا فِي تَرْكِ الْغُسْلِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ لِأَنَّا أَبْطَلْنَا عَلَيْهِمْ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّطْهِيرِ رُبَّمَا لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى السَّيْرِ كَمَا يَنْبَغِي فَنَقُولُ إذَا امْتَنَعَ الْغُسْلُ وَبَدَلُهُ فَهُوَ كَحَيٍّ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الصَّبِيِّ إذَا اُسْتُشْهِدَ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ
- دَلِيلُنَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ الْمُشْرِكِينَ بِسَبَبِ قِتَالِهِمْ فاشبه البالغ والمرأة
- واحتج بانه لاذنب لَهُ قُلْنَا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الذَّنْبِ
(فَرْعٌ) إذَا رَفَسَتْهُ دَابَّةٌ فِي حَرْبِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جبل أو في بئر في حَالَ مُطَارِدَتِهِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ عَلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ دَلِيلُنَا مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي كَفَنِ الشَّهِيدِ
- مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُزَالُ مَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيدٍ وَجُلُودٍ وَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وكل ما ليس من عَامِّ لِبَاسِ النَّاسِ ثُمَّ وَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ كَفَّنَهُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مِنْ عَامِّ لِبَاسِ النَّاسِ وَإِنْ شَاءَ نَزَعَهُ وَكَفَّنَهُ بِغَيْرِهِ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ لَا يُنْزَعُ عَنْهُ فَرْوٌ وَلَا خف ولا محشو ولا بخير وليه في نرع شئ وَلِأَصْحَابِ دَاوُد خِلَافٌ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيدَ وَالْجُلُودَ يُنْزَعُ عَنْهُ وَسَبَقَ دَلِيلُنَا وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ
(فَرْعٌ)
الْمَقْتُولُ ظُلْمًا فِي الْبَلَدِ بِحَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ إذَا قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُغَسَّلْ.
دَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْقَتْلِ بِمُثَقَّلٍ فَقَدْ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَسَبَقَ دَلِيلُ الْجَمِيعِ.
(فَرْعٌ)
إذا انكشف الْحَرْبُ عَنْ قَتِيلٍ مُسْلِمٍ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ)
مَذْهَبُنَا الصَّلَاة عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ الْبُغَاةِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ وَأَهْلُ الْفَضْلِ.
(فَرْعٌ)
إذَا قَتَلَتْ الْبُغَاةُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجِبُ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ
- (فَرْعٌ) الْقَتِيلُ بِحَقٍّ فِي حَدِّ زِنًا أَوْ قِصَاصٍ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَذَلِكَ وَاجِبٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ ابن أَبِي طَالِبٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءٍ والنخعي والاوزاعي واسحق وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُصَلَّى عَلَى الْمَقْتُولِ قِصَاصًا دُونَ الْمَرْجُومِ وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الرَّعِيَّةُ
- (فَرْعٌ)
مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَةِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَدَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِمَا الْإِمَامُ وَتُصَلِّي بَقِيَّةُ النَّاسِ.
(فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا وُجُوبُ غُسْلِ وَلَدِ الزِّنَا وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ واسحق وَقَالَ قَتَادَةُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ
(فَرْعٌ)
فِي الْإِشَارَةِ إلَى دَلَائِلِ الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ رواية عمران ابن حُصَيْنٍ وَبُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى عَلَى الْمَرْجُومَةِ فِي الزِّنَا " وَثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ
رِوَايَةِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى علي ما عز بَعْدَ أَنْ رَجَمَهُ " وَفِي غَيْرِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ " وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ ابن سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا الصَّحِيحِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وضلوا عَلَى كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَجَاهِدُوا مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ " قَالَا هَذَا مُنْقَطِعٌ فَلَمْ يُدْرِكْ مَكْحُولٌ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رُوِيَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَعَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ غَايَةَ الضَّعْفِ قَالَ وَأَصَحُّ مَا فِيهِ هَذَا الْمُرْسَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) إذَا قَتَلْنَا تَارِكَ الصَّلَاةِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَرُفِعَ قَبْرُهُ كَغَيْرِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِسَائِرِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْقَاصِّ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُطْمَسُ قَبْرُهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَتَحْذِيرًا مِنْ حَالِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَيُبْنَى أَمْرُهُ عَلَى صِفَةِ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي بَابِ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يُقْتَلُ ثُمَّ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبُ مُكَفَّنًا
(وَالثَّانِي)
يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُقْتَلُ وَهَلْ يُنْزَلُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَمْ يَبْقَى حَتَّى يَتَهَرَّى فِيهِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أُنْزِلَ فَغُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَانَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقْتَلَ مَصْلُوبًا وَيُنْزَلَ وَيُغَسَّلَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُرَدَّ وَلَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ (الثَّانِيَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ صُلِّيَ عَلَى الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي يَوْمِهِ وَغُسِّلُوا فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَلَا يُعْرَفُ عَدَدُهُمْ جَازَ قُلْت لَا حَاجَةَ إلَى التَّخْصِيصِ بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لَوْ صُلِّيَ عَلَى أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي يَوْمِهِ مِمَّنْ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ جَازَ وَكَانَ حَسَنًا مُسْتَحَبًّا لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا وَمَعْرِفَةُ أَعْيَانِ الْمَوْتَى وَأَعْدَادِهِمْ لَيْسَتْ شَرْطًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقُبُورِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وابن عمرو عطاء وابن سيرين وأحمد واسحق وأبى ثور قال وبه أقول ولم
يكرهها أَبُو هُرَيْرَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَنْ مالك روايتان كالمذهبين.
﴿باب حمل الجنازة والدفن﴾
- قال المصنف رحمه الله
- ﴿يجوز حمل الجنازة بين العمودين وهو أن يجعل الحامل رأسه بين عمودي مقدمة النعش ويجعلهما علي كاهله ويجوز الحمل من الجوانب الاربعة فيبدأ بياسرة المقدمة فيضع العمود علي عاتقه الايمن ثم يجئ إلى ياسرة المؤخرة فيضع العمود على عاتقه الايمن ثم يأخذ يامنة المقدمة فيضع العمود علي عاتقه الايسر ثم يجئ إلى يامنة المؤخرة فيضع العمود علي عاتقه الايسر والحمل بيني العمودين أَفْضَلُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بين العمودين ولانه روى ذلك عن عثمان وسعد بن ابى وقاص وأبي هريرة وابن الزبير رضي الله عنهم﴾ . ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ حَمْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ وَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ وَالْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَوَاهَا الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ إلَّا الْأَثَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَصَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- والمقدمة - بفتح الدال وكسرها - والكسر أفصح وَالْيَامِنَةُ وَالْيَاسِرَةُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالسِّينِ - وَالْكَاهِلُ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ لِحَمْلِ الجنازة كيفيتان (أحدهما) بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلٌ فَيَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ وَهُمَا الْعَمُودَانِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَالْخَشَبَةَ الْمُعْتَرِضَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى كَاهِلِهِ وَيَحْمِلُ مُؤَخَّرَ النَّعْشِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ وَلَا يَتَوَسَّطُ الْخَشَبَتَيْنِ الشَّاخِصَتَيْنِ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَسَّطَ لَمْ يَرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِخِلَافِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يسقل الْمُتَقَدِّمُ بِالْحَمْلِ أَعَانَهُ آخَرَانِ خَارِجَ الْعَمُودَيْنِ يَضَعُ كل واحد منها واحدا مِنْهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ فَتَكُونُ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً بِخَمْسَةٍ (وَالْكَيْفِيَّةُ) الثَّانِيَةُ التَّرْبِيعُ وَهُوَ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ فيضع احدهما العمودين الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيَضَعَ الْآخَرُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَكَذَلِكَ يَحْمِلُ الْعَمُودَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي آخِرِهَا رَجُلَانِ فَتَكُونُ الْجِنَازَةُ مَحْمُولَةً بِأَرْبَعَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِ الْجِنَازَةِ مِنْ جَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ بَدَأَ بِالْعَمُودِ الْأَيْسَرِ مِنْ مُقَدِّمِهَا فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَأْخُذُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ أَيْضًا ثُمَّ يَتَقَدَّمُ أَيْضًا فيمر بين يديها ولا يجئ مِنْ وَرَائِهَا لِئَلَّا يَكُونَ مَاشِيًا مِنْ خَلْفِهَا فَيَأْخُذَ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ مُقَدِّمِهَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ مِنْ مُؤَخَّرِهَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ أَيْضًا وَلَا يُمْكِنُهُ هَذَا إلَّا إذَا حُمِلَتْ الْجِنَازَةُ عَلَى هَيْئَةِ التَّرْبِيعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ من كيفية التربيع واحمل بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (الصَّحِيحُ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ
أَفْضَلُ (وَالثَّانِي) التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ هُوَ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (وَالثَّالِثُ) هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
هَذَا إذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى إحْدَاهُمَا فَأَمَّا الْأَفْضَلُ مُطْلَقًا فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَرَأَيْت نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ ثُمَّ صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي قَوْلِهِ السُّنَّةُ أَنْ يَحْمِلَ الْجِنَازَةَ خَمْسَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنْ جَوَانِبِهَا وَوَاحِدٌ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُحْمَلَ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَيْفِيَّتَيْنِ جَائِزَتَانِ والجمع بينهما افضل من الاقتصار علي إحادهما فَإِنْ اقْتَصَرَ فَالْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّنْبِيهِ صَرِيحٌ فِي بَيَانِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَكَلَامُهُ هُنَا يُتَأَوَّلُ عَلَى ذَلِكَ فَقَوْلُهُ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ يَعْنِي إنْ اقْتَصَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْأَفْضَلِ مُطْلَقًا ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يُوَضِّحْ صُورَةَ التَّرْبِيعِ عَلَى وَجْهِهَا وَخَلَطَ صِفَةَ التَّرْبِيعِ بِمَسْأَلَةِ مَنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِحَمْلِهَا مِنْ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا وَصَوَابُ الْمَسْأَلَةِ مَا أَوْضَحْنَاهُ أَوَّلًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَلَوْ حَمَلَ النَّعْشَ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَامِلًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ صِفَةَ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَنْ يَحْمِلَهَا ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ مِنْ مُؤَخَّرِهَا وَوَاحِدٌ مِنْ مُقَدَّمِهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ إلَّا الدَّارِمِيَّ وَمَنْ
وَافَقَهُ فَإِنَّهُ حُكِيَ فِي الاستذكار عن ابى اسحق الْمَرْوَزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِاثْنَيْنِ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ حَمْلِ الْجِنَازَةِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَمْلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُغَلِّسِ الداوودى وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ واحمد واسحق التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد هُمَا سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ حَمْلُ الْجِنَازَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَلَيْسَ فِي حَمْلِهَا دناءة وسقوط مروءة بل هوبر وَطَاعَةٌ وَإِكْرَامٌ لِلْمَيِّتِ وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ لَا يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ إلَّا الرِّجَالُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا لِأَنَّ النِّسَاءَ يَضْعُفْنَ عَنْ الْحَمْلِ وَرُبَّمَا انْكَشَفَ منهن شئ لَوْ حَمَلْنَ - (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ يَحْرُمُ حَمْلُ الْجِنَازَةِ عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ كَحَمْلِهِ فِي قُفَّةٍ وَغِرَارَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيَحْرُمُ حَمْلُهُ عَلَى هَيْئَةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ
وَالْأَصْحَابُ وَيُحْمَلُ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ لَوْحٍ أَوْ محمل قالوا وأى شئ حمل عليه اجزأ قال القاصي وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ وَانْفِجَارُهُ قَبْلَ أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَيْدِي وَالرِّقَابِ حَتَّى يُوصَلَ إلَى الْقَبْرِ
- (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَّخَذَ لِلْمَرْأَةِ نَعْشٌ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالنَّعْشُ هُوَ الْمِكَبَّةُ الَّتِي تُوضَعُ فَوْقَ الْمَرْأَةِ عَلَى السَّرِيرِ وَتُغَطَّى بِثَوْبٍ لِتُسْتَرَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي يُخْتَارُ لِلْمَرْأَةِ إصْلَاحُ النَّعْشِ كَالْقُبَّةِ عَلَى السَّرِيرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّيَانَةِ وَسَمَّاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ رَحِمَهُ اللَّهُ خَيْمَةً فَقَالَ إنْ كَانَتْ امْرَأَةً اُتُّخِذَ لها خيمة تسترها واستدلوا له بقضية جِنَازَةِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قِيلَ وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ حُمِلَ عَلَى هَذَا النَّعْشِ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْصَتْ أَنْ يُتَّخَذَ لَهَا ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهِيَ قَبْلَ زَيْنَبَ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ (وَأَمَّا) مَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَا اُتُّخِذَ ذَلِكَ فِي جِنَازَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَلِكَ فَبَاطِلٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ * قال المصنف رحمه الله
- ﴿ويستحب الاسراع بالجنازة لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " اسرعوا بالجنازة فان تكن صالحة فخيرا تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشرا تضعوثه عن رقابكم " ولا يبلغ به الخبب لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال " سألنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السير بالجنازة فقال دون الخبب فان يكن خيرا يعجل إليه وإن يكن شرا فبعدا لاصحاب النار "﴾
- ﴿الشَّرْحُ﴾ هَذَا الْحَدِيثُ لَفْظُهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَسْرِعُوا بالجنازة فان تكن صالحة فخير تقدمونها وَإِنْ تَكُنْ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا وعنده فخبرا تقومونها عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " قَرَّبْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ تَضْعِيفَهُ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ وَالضَّعْفُ عَلَيْهِ بَيِّنٌ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ إلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْ الْإِسْرَاعِ انْفِجَارُ الْمَيِّتِ أو تغيره ونحوه فيتأنى قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ الْمُرَادُ بِالْإِسْرَاعِ فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَدُونَ الْخَبَبِ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ تَغَيُّرٌ أَوْ انْفِجَارٌ أَوْ انْتِفَاخٌ زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَيُمْشَى بِالْجِنَازَةِ عَلَى أَسْرَعِ سَجِيَّةِ مَشْيٍ إلَّا الْإِسْرَاعَ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى مَنْ يَتْبَعُهَا إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهَا أَوْ انْفِجَارُهَا فَيُعَجِّلُوا بِهَا مَا قَدَرُوا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ أهل الجنازة الا بطاء في
شئ مِنْ حَالَاتِهَا مِنْ غُسْلٍ وَوُقُوفٍ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي جِنَازَةِ ميمونة رضي الله عنها إذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهُ وَلَا تُزَلْزِلُوهُ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى خَوْفِ مَفْسَدَةٍ مِنْ الْإِسْرَاعِ وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتنَا وَنَحْنُ نَرْمُلُ رَمَلًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي بِالْجِنَازَةِ رواه أبو داود والنسأتي بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ
عَلَى الْحَاجَةِ إلَى زِيَادَةِ الْإِسْرَاعِ فِي بَعْضِ الاحوال كما سبق.
- قال المصنف رحمه الله
- {ويستحب اتباع الجنازة لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ
صلي الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الداعي ونصر المظلوم
والمستحب ان لا ينصرف من يتبع الجنازة حتي تدفن لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " من تبع جنازة فصلي عليها فله قيراط وإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط اعظم من احد "}
- ﴿الشَّرْحُ﴾ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَازِبٌ وَالِدُ الْبَرَاءِ صَحَابِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالتَّشْمِيتُ يُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ لُغَتَانِ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي بَابِ هَيْئَةِ الْجُمُعَةِ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ الْقِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ وَاَلَّذِي فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ وَفِي رِوَايَةٍ لهما
الْقِيرَاطَانِ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ الْقِيرَاطُ مِقْدَارٌ مِنْ الثَّوَابِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَبَيَّنَ فِي هَذَا الحديث مثل احد واعمل ان القراطين بِالدَّفْنِ إنَّمَا هُمَا لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا فَيَحْصُلُ لَهُ بِالدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ جَمِيعًا قِيرَاطَانِ وَبِالصَّلَاةِ عَلَى انْفِرَادِهَا قِيرَاطٌ وَقَدْ جَاءَتْ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ بِبَيَانِ هَذَا وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَقَدْ أَوْضَحْت كُلَّ هَذَا فِي هَذَا الموضع من شرح صحيح مسلم
- واما الْأَحْكَامُ فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ (إحْدَاهُمَا) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ حَتَّى تُدْفَنَ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لَهُنَّ اتِّبَاعُهَا وَلَا يَحْرُمُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّحْرِيمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْأَصْحَابِ بَلْ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعٌ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ مَعْنَاهَا رَفْعُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ وَقَوْلُهَا وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا مَعْنَاهُ نُهِينَا نَهْيًا شَدِيدًا غَيْرَ مُحَتَّمٍ وَمَعْنَاهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ قَالَ مَا تَجْلِسْنَ قُلْنَ نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ قَالَ هَلْ تُغَسِّلْنَ قُلْنَ لَا قَالَ هَلْ تَحْمِلْنَ قُلْنَ لَا قَالَ هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي قُلْنَ لَا قَالَ فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَزْرَقِ وَنَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَعْلَامِ هَذَا الْفَنِّ (وَأَمَّا) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا أَخْرَجَك مِنْ بَيْتِك قَالَتْ أَتَيْت أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَرَحَّمْتُ إلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ قَالَ لَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى قَالَتْ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتهَا وقد سمعتك
تَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا تَذْكُرُ فَقَالَ لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْت الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيك " فَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجِنَازَةَ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَائِشَةَ ومسروق والحسن والنخعي والاوزاعي وأحمد وإسحق وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ أَنَّهُمْ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ مَالِكٌ إلَّا لِلشَّابَّةِ وَحَكَى الْعَبْدَرِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ وَلَدَهَا أَوْ وَالِدَهَا أَوْ زَوْجَهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ يَخْرُجُ مثلها
- دَلِيلُنَا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَحُضُورِ دَفْنِهَا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا قِيرَاطٌ وَبِالدَّفْنِ قِيرَاطٌ آخَرُ وَفِيمَا يَحْصُلُ بِهِ قِيرَاطُ الدَّفْنِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي (أَحَدُهُمَا) إذَا وُورِيَ فِي لَحْدِهِ (وَالثَّانِي) إذَا فُرِغَ مِنْ قَبْرِهِ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ نُضِّدَ اللَّبِنُ وَلَمْ يُهَلْ التُّرَابُ أَوْ لَمْ يُسْتَكْمَلْ فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْإِمَامُ وَالْوَجْهُ أَنْ يقال إذا وورى حَصَلَ وَقَدْ يُحْتَجُّ لِهَذَا بِرِوَايَةٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَقِيرَاطَانِ " وَفِي رِوَايَةٍ " حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ " وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِيِّ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْقِيرَاطُ الثَّانِي ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ (أَحَدَهَا) قَالَ وَهُوَ أَضْعَفُهَا إذَا وُضِعَ فِي اللَّحْدِ (وَالثَّانِي) إذَا نُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ قَالَهُ الْقَفَّالُ (وَالثَّالِثَ) إذَا فُرِغَ مِنْ الدَّفْنِ قُلْت وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْ الدَّفْنِ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ جبي يُفْرَغَ مِنْهَا أَوْ يَتَأَوَّلُ رِوَايَةَ حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ أَنَّ الْمُرَادَ وَضْعُهَا مَعَ الْفَرَاغِ وَتَكُونُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ قَبْلَ وُصُولِهَا الْقَبْرَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْصِرَافَ عَنْ الْجِنَازَةِ مَرَاتِبُ (إحْدَاهَا) يَنْصَرِفُ عَقِبَ الصَّلَاةِ (الثَّانِيَةُ) يَنْصَرِفُ عَقِبَ وَضْعِهَا فِي الْقَبْرِ وَسَتْرُهَا بِاللَّبِنِ قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ (الثَّالِثَةُ) يَنْصَرِفُ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ وَفَرَاغِ الْقَبْرِ (الرَّابِعَةُ) يَمْكُثُ عَقِبَ الْفَرَاغِ وَيَسْتَغْفِرُ لِلْمَيِّتِ وَيَدْعُو لَهُ وَيَسْأَلُ لَهُ التثبيت فالرابعة أكمل المراتب والثالثة تحصل القيراطين وَلَا تُحَصِّلُهُ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ وَيُحَصَّلُ بِالْأُولَى قيراط بلا خلاف * قال المصنف رحمه الله
- ﴿والسنة أن لا يركب لان النبي صلي الله عليه وسلم " ما ركب في عيد ولا جنازة " فان ركب في الانصراف لم يكن به بأس لما روي جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَّى عَلَى جنازة فلما انصرف أتى بفرس معرور فركبه " والسنة أن يمشى أمام الجنازة لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يمشى بين يديها وأبو بكر وعمر وعثمان " ولانه شفيع الميت والشفيع يتقدم علي المشفوع له والمستحب ان يمشي أمامها قريبا منها لانه إذا بعد لم يكن معها﴾
﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ غَرِيبٌ وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ في الام وأبو داود والترمذي والنسأني وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَكْثَرِهِمْ ذَكَرَ عُثْمَانُ وَهُوَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الشَّافِعِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَرُوِيَ هَكَذَا مَوْصُولًا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ الزُّهْرِيِّ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ " وَاَلَّذِي وَصَّلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ إمَامٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو دَاوُد وَابْنُ ماجه الا رواية الوصل وذكره التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْمُرْسَلَ أَصَحَّ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ الْمُرْسَلُ فِي ذلك أصح وقال النَّسَائِيُّ وَصْلُهُ خَطَأٌ بَلْ الصَّوَابُ مُرْسَلٌ (وَأَمَّا) الا حاديث الَّتِي جَاءَتْ بِالْمَشْيِ خَلْفَهَا فَلَيْسَتْ ثَابِتَةً قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْآثَارُ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا أَصَحُّ وَأَكْثَرُ (وَقَوْلُهُ) فَرَسٌ مُعْرَوْرًى هُوَ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ - وَفَتْحِ الرَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مَنُونَةً هَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِفَرَسِ عُرًى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَمَنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ الَّتِي رَكِبَ فِي الِانْصِرَافِ مِنْهَا جِنَازَةُ أَبِي الدَّحْدَاحِ وَيُقَالُ ابْنُ الدَّحْدَاحِ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " تَبِعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَاشِيًا وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَقَوْلُهُ) وَلِأَنَّهُ إذَا بَعُدَ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ لِمَنْ هُوَ مَعَهَا لَا لِمَنْ سَبَقَهَا إلَى الْمَقْبَرَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ ثَوَابُ مُتَّبِعِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ " مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يفرغ من دفنها رجع بقيراطين "
- أما الا حكام فَقَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الذَّهَابِ مَعَ الْجِنَازَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ كَمَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ وَنَحْوِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ فِي الرُّجُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْشِيَ قُدَّامَهَا وَأَنْ يَكُونَ قَرِيبًا منها وكل ما قَرُبَ مِنْهَا فَهُوَ أَفْضَلُ وَسَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَمْ مَاشِيًا فَالْأَفْضَلُ قُدَّامَهَا وَلَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا كَثِيرًا فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُنْسَبُ إلَيْهَا بِأَنْ يَكُونَ التَّابِعُونَ كَثِيرِينَ حَصَلَ لَهُ فَضِيلَةُ اتِّبَاعِهَا وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا لِكَثْرَةِ بُعْدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ تَابِعِيهَا لَمْ تَحْصُلْ لَهُ فَضِيلَةُ الْمُتَابَعَةِ وَلَوْ مَشَى خَلْفَهَا حَصَلَ لَهُ فضيلة اصل المتابعة ولكن فانه كما لها
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ
- قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ السَّيْرَ أَمَامَهَا أَفْضَلُ سَوَاءٌ الرَّاكِبُ وَالْمَاشِي وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ بْنُ علي وأبى قتادة وأبي هُرَيْرَةَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٌ وَشُرَيْحٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ وَبِهِ قال الاوزاعي واسحق وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يَسِيرُ الرَّاكِبُ خَلْفَهَا وَالْمَاشِي حَيْثُ
شاء منها * قال المصنف رحمه الله
- ﴿وإن سبق الي المقبرة فهو بالخيار ان شاء قام حتي توضع الجنازة وإن شاء قعد لِمَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الجنائز حَتَّى تُوضَعَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ثُمَّ قَعَدَ بعد ذلك وأمرهم بالقعود "﴾ . ﴿الشَّرْحُ﴾ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ قَالَ " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ينى فِي الْجِنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا " قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ فِي بَعْضِهَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي بَعْضِهَا كَمَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ بِحُرُوفِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَامَ مَعَ الْجِنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ وَقَامَ الناس معه وَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ " وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " رَأَى نَاسًا قِيَامًا يَنْتَظِرُونَ الْجِنَازَةَ أَنْ تُوضَعَ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ بِدِرَّةٍ مَعَهُ أَوْ سَوْطٍ أَنْ اجْلِسُوا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جلس بعدما كَانَ يَقُومُ " وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَبَبِ الْقُعُودِ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ فِي الْجِنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ فَمَرَّ حَبْرٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ هَكَذَا نَفْعَلُ فَجَلَسَ رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ اجْلِسُوا خَالِفُوهُمْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ الا حاديث الصَّحِيحَةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَمَرَ بِالْقِيَامِ لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ حَتَّى تَخْلُفَهُ أَوْ تُوضَعَ وَأَمَرَ مَنْ تَبِعَهَا أَنْ لَا يَقْعُدُ عِنْدَ الْقَبْرِ حَتَّى تُوضَعَ " ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَسْخِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هَذَانِ الْقِيَامَانِ مَنْسُوخَانِ فَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِالْقِيَامِ الْيَوْمَ سَوَاءٌ مَرَّتْ بِهِ أَمْ تَبِعَهَا إلَى الْقَبْرِ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَجَمَاعَةٌ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ الْقِيَامُ لَهَا إذَا لَمْ يَرِدْ الْمَشْيَ مَعَهَا مِمَّنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ سَلِيمُ الرَّازِيّ فِي الْكِفَايَةِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ قَالَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ لَهَا وَخَالَفَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ الْجَمَاعَةَ فَقَالَ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ أَنْ يَقُومَ لَهَا وَإِذَا كَانَ مَعَهَا لَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ فَقَدْ صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ بِالْأَمْرِ بِالْقِيَامِ وَلَمْ يَثْبُتْ في القعود شئ إلَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي النَّسْخِ بَلْ لَيْسَ فِيهِ نَسْخٌ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ الْقُعُودِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ
- قد ذكرنا ان مَذْهَبَنَا فِي ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكْرَهُ لَهُ الْقُعُودُ حَتَّى تُوضَعَ الْجِنَازَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَدَاوُد
- قال المصنف رحمه الله
- {ولا يكره للمسلم اتباع جنازة اقاربه من الكفار لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ