المجموع شرح المهذبصفحات 186-225
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

صفحات 186-225
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

يَرَوْنَ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَالِانْفِرَادَ سَوَاءٌ وَالثَّانِي الِانْفِرَادُ أَفْضَلُ وَالثَّالِثُ الْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُكْتَسٍ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَدِّمُوهُ وَيُصَلُّوا جَمَاعَةً قَوْلًا وَاحِدًا وَيَكُونُونَ وَرَاءَهُ صَفًّا فَإِنْ تَعَذَّرَ فَصَفَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَلَوْ خَالَفُوا فَأَمَّهُمْ عَارٍ وَاقْتَدَى بِهِ اللَّابِسُ صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ كَمَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُتَوَضِّئِ خَلْفَ الْمُتَيَمِّمِ وَصَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ.
أَمَّا إذَا اجْتَمَعَ نِسَاءٌ عَارِيَّاتٌ فَالْجَمَاعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لَهُنَّ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ إمَامَتَهُنَّ تَقِفُ وَسْطَهُنَّ فِي حَالِ اللُّبْسِ أَيْضًا وَإِنْ اجْتَمَعَ نِسَاءٌ وَرِجَالٌ عُرَاةٌ لَمْ يُصَلُّوا جَمِيعًا لَا فِي صَفٍّ وَلَا فِي صَفَّيْنِ بَلْ يُصَلِّي الرِّجَالُ وَيَكُونُ النِّسَاءُ جَالِسَاتٍ خَلْفَهُمْ مُسْتَدْبِرَاتِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ يُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَجْلِسُ الرِّجَالُ خَلْفَهُنَّ مُسْتَدْبِرِينَ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَتَوَارَى كُلُّ طَائِفَةٍ فِي مَكَان آخَرَ حَتَّى تُصَلِّيَ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَهُوَ أَفْضَلُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ فِي الفرادي ادراك فضبلة الْمَوْقِفِ قَدْ يَسْتَشْكِلُ إذْ لَيْسَ لِلْمُنْفَرِدِ مَوْقِفَانِ يَقِفُ فِي أَفْضَلِهِمَا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِالْمَوْقِفِ الْمَشْرُوعِ لَهُ بِخِلَافِ إمَامِ الْعُرَاةِ وَقَوْلُهُ وَسْطَهُمْ هُوَ بِإِسْكَانِ السِّينِ وَقَوْلُهُ نِسْوَةٌ عُرَاةٌ لَحْنٌ وَصَوَابُهُ عَارِيَّاتٌ وَيُقَالُ نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ وضمها لغتان *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (وَإِنْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ عُرَاةٌ وَمَعَ إنْسَانٍ كِسْوَةٌ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيرَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُغْصَبْ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ وَإِنْ أَعَارَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَصَلَّى عُرْيَانًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ السَّتْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي قبوله منة وان اعار جماعتهم صلي فيه واحد بعد واحد فان خافوا ان صلي واحد بَعْدَ وَاحِدٍ أَنْ يَفُوتَهُمْ الْوَقْتُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يَنْتَظِرُونَ حَتَّى يُصَلُّوا فِي الثَّوْبِ وَقَالَ فِي قَوْمٍ فِي سَفِينَةٍ وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِعٌ يَقُومُ فيه إلَّا وَاحِدٌ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ قُعُودٍ وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ نَقَلَ الْجَوَابَ في كل واحدة من المسئلتين إلَى الْأُخْرَى وَقَالَ فِيهِمَا قَوْلَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا فَقَالَ فِي السُّتْرَةِ يَنْتَظِرُونَ وَإِنْ خَافُوا الْفَوْتَ وَلَا يَنْتَظِرُونَ فِي الْقِيَامِ لان القيام يسقط مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ يَتْرُكُهُ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقُعُودُ وَالسَّتْرُ يَتْرُكُهُ إلَى غَيْرِ بدل)
  • (الشَّرْحُ)
  • يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ أَنْ يُعِيرَهُ لِمُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَارَةُ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ بِخِلَافِ بَذْلِهِ لِلْعَطْشَانِ إذْ لَا بَدَلَ لِلْعَطَشِ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ وَعَارِيًّا وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ إعَارَتِهِ لَمْ يَجُزْ قَهْرُهُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ أَعَارَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وبه قطح الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ لِأَنَّ فِيهِ مِنَّةً وَهَذَا لَيْسَ بشئ وَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا الصَّحِيحُ لَا يَجِبُ الْقَبُولُ لِلْمِنَّةِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَالثَّانِي يَجِبُ الْقَبُولُ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ قَبْضِهِ إلَّا بِرِضَى الْوَاهِبِ وَالثَّالِثُ يَجِبُ الْقَبُولُ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِيهِ عَلَى الْوَاهِبِ وَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولُهُ وَهَذَا الْوَجْهُ حَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ وَإِذَا ضَمَمْنَا مَسْأَلَةَ الْعَارِيَّةِ إلَى الْهِبَةِ حَصَلَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ يَجِبُ قَبُولُ الْعَارِيَّةِ دُونَ الْهِبَةِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ الْقَبُولُ فِيهِمَا وَالثَّالِثُ يَجِبُ فِيهِمَا وَالرَّابِعُ يَجِبُ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْعَارِيَّةِ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ الْعَارِيَّةَ مضمومة بخلاف الهبة وهذا ليس بشئ وَحَيْثُ وَجَبَ الْقَبُولُ فَتَرَكَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي حَالِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ أَمَّا إذَا أَعَارَ جَمَاعَتَهُمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا فَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الْمُتَقَدِّمِ أُقْرِعَ بينهم وان ضلق الْوَقْتُ فَفِيهِ نُصُوصٌ لِلشَّافِعِيِّ وَطُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ وَكَلَامٌ مَبْسُوطٌ سَبَقَ بَيَانُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ولو رجع المعير في العاريد فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ نَزَعَهُ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ولا اعادة

عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) إذَا وَجَدَ سُتْرَةً تُبَاعُ أَوْ تُؤَجَّرُ وَقَدِرَ عَلَى الثَّمَنِ أَوْ الْأُجْرَةِ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ أَوْ الِاسْتِئْجَارُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَأُجْرَتِهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الحاوى وغيره ويجئ فِيهِ التَّفْرِيعُ السَّابِقُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَإِذَا وَجَبَ تَحْصِيلُهُ بِشِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ فَتَرَكَهُ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِقْرَاضُ الثَّمَنِ كَإِقْرَاضِ ثَمَنِ الْمَاءِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي التَّيَمُّمِ وَلَوْ احْتَاجَ إلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا أَحَدُهُمَا اشْتَرَى الثَّوْبَ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهُ وَلِأَنَّهُ يَدُومُ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مَعَ نَظَائِرِهَا فِي التَّيَمُّمِ: (الثَّانِيَةُ) إذَا لَمْ يَجِدْ الْعَارِي إلَّا ثَوْبًا لِغَيْرِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِئْذَانُ صَاحِبِهِ فِيهِ فَعَلَ وَإِلَّا حَرُمَتْ الصَّلَاةُ فيه وصلى عريانا والا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِذْنِ صَلَّى عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ (الثَّالِثَةُ) إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا ثَوْبٌ طَرَفُهُ نَجِسٌ وَلَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ بِقَطْعِهِ مِنْ النَّقْصِ قَدْرَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ قَطْعُهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَدْ سَبَقَتْ فِي طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَسَبَقَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ لَا يَكْفِي الْعَوْرَةَ وَسَتْرَ النَّجَاسَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا يَبْسُطُهُ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ (الرَّابِعَةُ) لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ وَأَتْلَفَهُ أَوْ خَرَقَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَصَى وَيُصَلِّي عَارِيًّا وَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ أَرَاقَ الْمَاءَ سَفَهًا وَقَدْ سَبَقَتْ مَسْأَلَةُ الْإِرَاقَةِ وَإِتْلَافِ الثَّوْبِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مُسْتَوْفَاتَيْنِ (الْخَامِسَةُ) قَالَ الدَّارِمِيُّ لَوْ قَدَرَ الْعُرْيَانُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الماء ويسجد في الشط لا يلزمه
  • قال المصنف رحمه الله
  • ﴿باب استقبال القبلة﴾
  • (استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة الا في حالين في شدة الخوف وفى النافلة في السفر والاصل فيه قوله تعالي (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره))
  • (الشَّرْحُ)
  • اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْحَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِيهِمَا فِي مَوْضِعِهِمَا وَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْصِيلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُنَا الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا وشطر الشئ يُطْلَقُ عَلَى جِهَتِهِ وَنَحْوِهِ وَيُطْلَقُ عَلَى نِصْفِهِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ فَقَطْ وَقَدْ يراد به المسجد وحولها مَعَهَا وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَّةُ كُلُّهَا وَقَدْ يراد به مكة مع الحرم حولها بِكَمَالِهِ وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ

بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُ اللَّهِ تعالي (فول وجهك شطر المسجد الحرام) وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ " وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ إلَى آخِرِهِ " وَمِنْ الرَّابِعِ قَوْله تَعَالَى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام) وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَكَّةُ فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ دُورِ مَكَّةَ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام) قِيلَ مَكَّةُ وَقِيلَ الْحَرَمُ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا سَنُوَضِّحُهُمَا فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سواء العاكف فيه والباد) هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ الْمَسْجِدُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مَعَ الْكَعْبَةِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا إجَارَتُهُ وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ وَأَمَّا دُورُ مَكَّةَ وَسَائِرُ بِقَاعِهَا فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ فَلَمْ يجوزوا بيع شئ مِنْهُ وَلَا إجَارَتَهُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يتعلق بالمسجد الحرام وَقَدْ بَسَطْته فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

  • (فَرْعٌ) فِي بَيَانِ أَصْلِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ: عن البراء بن عازم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَلَّى قُبُلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ وَأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبُلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قُبُلَ الْبَيْتِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبَعْدَ مَا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفَ إلَى الْكَعْبَةِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَصْلُ الْقِبْلَةِ الْجِهَةُ وَسُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ قبلة لان المصلى يقابها ووتقابله * قال المصنف رحمه الله *

  • (فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْبَيْتِ لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِهِ لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " دَخَلَ الْبَيْتَ وَلَمْ يُصَلِّ وَخَرَجَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْكَعْبَةِ وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ ")
  • (الشَّرْحُ)
  • حَدِيثُ أُسَامَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُهُ قُبُلَ الْكَعْبَةِ هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْبَاءِ قِيلَ مَعْنَاهُ مَا اسْتَقْبَلَك مِنْهَا وَقِيلَ مُقَابِلُهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقُبُلِهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ أَمْرَ الْقِبْلَةِ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَلَا يُنْسَخُ بَعْدَ الْيَوْمِ فَصَلُّوا إلَيْهِ أَبَدًا فَهُوَ قِبْلَتُكُمْ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ سُنَّةَ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَأَنَّهُ يَقِفُ فِي وَجْهِهَا دُونَ أَرْكَانِهَا وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهَا مُجْزِئَةً هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَيَحْتَمِلُ مَعْنًى ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ هَذِهِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبَالِهِ لَا كُلَّ الْحَرَمِ وَلَا مَكَّةَ وَلَا الْمَسْجِدَ الَّذِي حَوْلَ الْكَعْبَةِ بَلْ هِيَ الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ دَخَلَ الْبَيْتَ وَلَمْ يُصَلِّ

قَدْ رَوَى بِلَالٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " صلي في الكعية " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَلِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَقُدِّمَ عَلَى النَّافِي وَمَعْنَى قَوْلِ أُسَامَةَ لَمْ يُصَلِّ لَمْ أَرَهُ صَلَّى وَسَبَبُ قَوْلِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ وَعُثْمَانُ بْنُ شَيْبَةَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَصَلَّى فلم يره اسامة لا غلاق الْبَابِ وَلِاشْتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ وَقَوْلُهُ بِحَضْرَةِ الْبَيْتِ يَجُوزُ فَتْحُ الْحَاءِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ

  • أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكَعْبَةِ لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِهَا لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَلَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَيَّ جِهَةٍ مِنْهَا أَرَادَ فَلَوْ وَقَفَ عِنْدَ طَرَفِ رُكْنٍ وَبَعْضُهُ يُحَاذِيهِ وَبَعْضُهُ يَخْرُجُ عَنْهُ فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا تَصِحُّ قَالَ الْإِمَامُ وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا كُلُّهُ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الْحِجْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَلَمْ يَسْتَقْبِلْ الْكَعْبَةَ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَحْرِ وَآخَرُونَ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ " سِتُّ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ مِنْ الْبَيْتِ " وَلِأَنَّهُ لَوْ طَافَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ وَأَصَحُّهُمَا بِالِاتِّفَاقِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ وَالْمَأْمُومُونَ خَلْفَهُ مُسْتَدِيرِينَ بِالْكَعْبَةِ جَازَ وَلَوْ وَقَفُوا فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ وَامْتَدَّ صَفٌّ طَوِيلٌ جَازَ وَإِنْ وَقَفَ بِقُرْبِهِ وَامْتَدَّ الصَّفُّ فَصَلَاةُ الْخَارِجِينَ عَنْ مُحَاذَاةِ الكعبة باطلة * قال المصنف رحمه الله *

  • (فان دخل البيت وصلي فيه جاز لانه متوجه الي جزء من البيت والافضل أن يصلي النفل في البيت لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الحرام " والافضل أن يصلي الفرض خارج البيت لانه يكثر الجمع فكان أعظم للاجر)
  • (الشَّرْحُ)
  • حَدِيثُ " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْكَعْبَةِ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
  • وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ وَلَا النَّفَلُ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ بن الفرج

الْمَالِكِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَجُوزُ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ دُونَ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ: دَلِيلُنَا حَدِيثُ بِلَالٍ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ قَرِيبًا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَيَّ جِدَارٍ شَاءَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْبَابَ إنْ كَانَ مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا وَلَهُ عَتَبَةٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَتَبَةِ كَوْنُهَا بِقَدْرِ ذراع وقيل بشترط قَدْرُ قَامَةِ الْمُصَلِّي طُولًا وَعَرْضًا وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَكْفِي شُخُوصُهَا بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالنَّفَلُ فِي الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ منه خارجها

وَكَذَا الْفَرْضُ إنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةً أَوْ أَمْكَنَ الْجَمَاعَةُ الْحَاضِرِينَ الصَّلَاةُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَخَارِجَهَا أَفْضَلُ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَضَاءُ الْفَرِيضَةِ الْفَائِتَةِ فِي الْكَعْبَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَضَائِهَا خَارِجَهَا قَالَ وكل ما قرب منها كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا بَعُدَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَكَذَا الْمَنْذُورَةُ فِي الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ خَارِجِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا مَوْضِعَ أَفْضَلُ وَلَا أَطْهَرُ لِلصَّلَاةِ مِنْ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِالْحَدِيثِ عَلَى فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ فَمِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَصَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْكَعْبَةِ وَلَيْسَ هُوَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُخْتَصًّا بِهَا بَلْ يَتَنَاوَلُهَا هِيَ وَالْمَسْجِدَ حَوْلَهَا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَيُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ اخْتِصَاصَ الْحَدِيثِ بِالْكَعْبَةِ بَلْ أَرَادَ بَيَانَ فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ عَلِمَ أن الكعبة افضله فكانت الصلاة فيها أفضل.
فان قيل كيف جزمتم بان الصلاة في الْكَعْبَةَ أَفْضَلُ مِنْ خَارِجِهَا مَعَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّتِهَا وَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ فَالْجَوَابُ أَنَّا إنَّمَا نَسْتَحِبُّ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافٍ مُحْتَرَمٍ وَهُوَ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ أَمَّا إذَا كَانَ الْخِلَافُ مُخَالِفًا سُنَّةً صَحِيحَةً كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ السُّنَّةُ وَإِنْ بَلَغَتْهُ وَخَالَفَهَا فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ تَعْلِيقِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعٌ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ فِيهِ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ مِنْ الْكَعْبَةِ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي الْقُرْبِ مِنْهَا لِلْمُصَلِّي فَكَانَتْ الْفَضِيلَةُ فِي بَطْنِهَا أَوْلَى *

(فَرْعٌ) فِي قَاعِدَةٍ مُهِمَّةٍ صَرَّحَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهِيَ مَفْهُومَةٌ مِنْ كَلَامِ الْبَاقِينَ وَهِيَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِ الْعِبَادَةِ وَتَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَذْهَبِ مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ وَهِيَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ خَارِجَ الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الصَّلَاةِ وَالْكَعْبَةُ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَوْضِعِ وَمِنْهَا أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ فِي كُلِّ الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَسْجِدٌ لَيْسَ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ فَصَلَاتُهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا فِي الْمَسْجِدِ وَمِنْهَا أَنَّ صَلَاةَ النَّفْلِ فِي بَيْتِ الْإِنْسَانِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ شَرَفِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الْبَيْتِ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِتَمَامِ الْخُشُوعِ وَالْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْإِعْجَابِ وَشَبَهِهِمَا حَتَّى أَنَّ صَلَاتَهُ النَّفَلَ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حِينَ صَلَّوْا فِي مَسْجِدِهِ النَّافِلَةَ " أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا " وَمِنْهَا أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ الْكَعْبَةِ فِي الطَّوَافِ مُسْتَحَبٌّ وَالرَّمَلُ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ فَلَوْ مَنَعَتْهُ الزَّحْمَةُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمَلُ مَعَ الْقُرْبِ وَأَمْكَنَهُ مَعَ الْبَعْدِ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّمَلِ مَعَ الْبَعْدِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْقُرْبِ بِلَا رَمَلٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَشْهُورَةٌ وَسَنُوَضِّحُهَا فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وبالله التوفيق * قال المصنف رحمه الله *

  • (وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِهِ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ مُتَّصِلَةٌ بِهِ جَازَ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بين يديه سترة متصلة لَمْ يَجُزْ لِمَا رَوَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " سَبْعَةُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَذَكَرَ فَوْقَ بَيْتِ اللَّهِ الْعَتِيقِ " وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ولم يصل إليه مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ السَّطْحِ وَاسْتَدْبَرَهُ فَإِنْ كَانَ بين يديه عصا مغروزة غير مبنية وَلَا مُسَمَّرَةٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْمَغْرُوزَ مِنْ الْبَيْتِ وَلِهَذَا يَدْخُلُ الْأَوْتَادُ الْمَغْرُوزَةُ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِالْبَيْتِ وَلَا مَنْسُوبَةٍ إلَيْهِ وَإِنْ صَلَّى فِي عَرْصَةِ الْبَيْتِ وَلَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ يُصَلِّ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عذر فاشبه إذا صلي علي السطح وقالوا أَبُو الْعَبَّاسِ يَجُوزُ لِأَنَّهُ صَلَّى إلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَرْضِ الْبَيْتِ فَأَشْبَهَ إذَا خرج من البيت وصلي إلى أرضه)
  • (الشَّرْحُ)
  • حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَعِيفٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ احْتِرَازٌ مِنْ حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالنَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ هِيَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالنُّونِ وَقَدْ يُقَالُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ فَوْقُ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَجْوَدُ وَالْعَرْصَةُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ لَا غَيْرُ (أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ) فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْعَالِيَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ بِقُرْبِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا وَإِنْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِ الْكَعْبَةِ نُظِرَ إنْ وَقَفَ على طرفها واستدبر باقبها لم تصح صلاته بالاتفاق لعدم استقبال شئ مِنْهَا وَهَكَذَا لَوْ انْهَدَمَتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَوَقَفَ علي طَرَفَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَدْبَرَ بَاقِيَهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَوْ وَقَفَ خَارِجَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَهَا صَحَّ بِلَا خلاف اما إذا وقف في وَسْطَ السَّطْحِ أَوْ الْعَرْصَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بين يديه شئ شَاخِصٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ

عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ تَصِحُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَكَمَا لَوْ وَقَفَ خَارِجَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَهَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ هُنَا مُسْتَقْبِلًا بِخِلَافِ مَا قَاسَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي لِابْنِ سُرَيْجٍ جَارٍ فِي الْعَرْصَةِ وَالسَّطْحِ كَمَا ذَكَرْنَا كَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَآخَرُونَ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ فِي السَّطْحِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بين يديه شئ شَاخِصٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْكَعْبَةِ كَبَقِيَّةِ جِدَارٍ وَرَأْسِ حَائِطٍ وَنَحْوِهِمَا فَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ يُشْتَرَطُ ذِرَاعٌ وَقِيلَ يَكْفِي أَدْنَى شُخُوصٍ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ قَدْرَ قَامَةِ المصلي طولا دون عرضا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الذى قطع به الجمهور الاول هو ثُلُثًا ذِرَاعٍ وَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَتَاعًا وَاسْتَقْبَلَهُ لَمْ يَصِحَّ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ شَجَرَةً ثَابِتَةً أَوْ جَمَعَ تُرَابَ الْعَرْصَةِ أَوْ السطح واستقبله أَوْ حَفَرَ حُفْرَةً وَوَقَفَ فِيهَا أَوْ وَقَفَ فِي آخِرِ السَّطْحِ أَوْ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَ الطَّرَفَ الآخر وهو مرتفع عن موقفه صَحَّتْ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ حَشِيشًا نَابِتًا عَلَيْهَا أَوْ خَشَبَةً أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةً غَيْرَ مسمرة

فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ صَحَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَصَا مُثَبَّتَةً أَوْ مُسَمَّرَةً صَحَّتْ بِلَا خِلَافٍ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُ بَعْضَهُ عَنْ مُحَاذَاتِهَا وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيمَنْ خَرَجَ بَعْضُ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ بَعْضِ الْكَعْبَةِ لِوُقُوفِهِ عَلَى طَرَفِ رُكْنٍ قَالَ فَفِي هَذَا تَرَدُّدٌ ظَاهِرٌ عِنْدِي وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّ هَذَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْعَصَا لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ بَعْضُهُ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ وَلِهَذَا قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِالصِّحَّةِ إذَا كَانَتْ الْعَصَا مُسَمَّرَةً وَقَطَعُوا بِهَا أَيْضًا فِيمَا إذَا بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَصْلِ الْجِدَارِ قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ وَإِنْ كَانَتْ أَعَالِي بَدَنِهِ خَارِجَةً عَنْ مُحَاذَاتِهِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبِلًا بِبَعْضِهِ جُزْءًا شَاخِصًا وَبِبَاقِيهِ هَوَاءَ الْكَعْبَةِ وَأَمَّا الْوَاقِفُ عَلَى طَرَفِ الرُّكْنِ فَلَمْ يَسْتَقْبِلْ ببعضه شيئا أصلا *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ الْبَيْتِ نَظَرْتَ فَإِنْ عَرَفَ الْقِبْلَةَ صَلَّى إلَيْهَا وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ عَنْ عِلْمٍ قَبِلَ قَوْلَهُ وَلَا يَجْتَهِدُ كَمَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ وَلَا يَجْتَهِدُ وَإِنْ رَأَى مَحَارِيبَ الْمُسْلِمِينَ فِي بَلَدٍ صَلَّى إلَيْهَا وَلَا يَجْتَهِدُ لِأَنَّ ذَلِكَ بمنزلة الخبر)
  • (الشَّرْحُ)
  • إذَا غَابَ عَنْ الْكَعْبَةِ وَعَرَفَهَا صَلَّى إلَيْهَا وَإِنْ جَهِلَهَا فَأَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي بَابِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ بَيَانُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْكَافِرِ فِي الْقِبْلَةِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا التَّهْذِيبِ وَالتَّتِمَّةِ فِيهِ نَصَّيْنِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا يُقْبَلُ وَالثَّانِي لَا قَالُوا فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ هُنَا قَوْلَانِ لِلنَّصَّيْنِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فيه

وَجْهَانِ وَكَذَا فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ الْوَجْهَانِ الْأَصَحُّ لَا يُقْبَلُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ النَّصَّانِ عَلَى حَالَيْنِ فَإِنْ دَلَّهُ عَلَى الْمِحْرَابِ أَوْ أَعْلَمَهُ بِدَلِيلٍ قَبِلَ مِنْهُ وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِاجْتِهَادٍ فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ هُنَا كَسَائِرِ أَخْبَارِهِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَالْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي فِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ هُنَا وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ الْقَبُولَ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَنَّ الْكَافِرَ وَالْفَاسِقَ يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَحَمْلِ الْهَدِيَّةِ.
أَمَّا الْمِحْرَابُ فَيَجِبُ اعْتِمَادُهُ وَلَا يَجُوزُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا وَاحْتَجَّ لَهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمَحَارِيبَ لَا تُنْصَبُ إلَّا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِسَمْتِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَدِلَّةِ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْمِحْرَابَ إنَّمَا يُعْتَمَدُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ يَكْثُرُ الْمَارُّونَ بِهَا بِحَيْثُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى الْخَطَأِ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا يَكْثُرُ الْمَارُّونَ بِهَا لَمْ يَجُزْ اعْتِمَادُهُ هَكَذَا ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّبْصِرَةُ وَصَاحِبَا التَّهْذِيبِ وَالتَّتِمَّةِ وَآخَرُونَ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَاقِينَ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ لَوْ رَأَى عَلَامَةً فِي طَرِيقٍ

يَقِلُّ فِيهِ مُرُورُ النَّاسِ أَوْ فِي طَرِيقٍ يَمُرُّ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَلَا يَدْرِي مَنْ نَصَبَهَا أَوْ رَأَى مِحْرَابًا فِي قَرْيَةٍ لَا يَدْرِي بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ أَوْ كَانَتْ قَرْيَةً صَغِيرَةً لِلْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى جِهَةٍ يَجُوزُ وُقُوعُ الْخَطَأِ لِأَهْلِهَا فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ وَلَا يَعْتَمِدُهُ وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ لَوْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ أَوْ قَرْيَةٍ صغيرة أو في مَسْجِدٍ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَكْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ قَالَ وَلَوْ دَخَلَ بَلَدًا قَدْ خَرِبَ وَانْجَلَى أَهْلُهُ فَرَأَى فِيهِ مَحَارِيبَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ اعْتَمَدَهَا وَلَمْ يَجْتَهِدْ وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتُمِلَ أَنَّهَا مِنْ بِنَاءِ الْكُفَّارِ لَمْ يَعْتَمِدْهَا بَلْ يَجْتَهِدُ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الْبَلَدِ الْخَرَابِ عَنْ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ *

(فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا صَلَّى فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِحْرَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقِّهِ كَالْكَعْبَةِ فَمَنْ يُعَايِنُهُ يَعْتَمِدُهُ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ بِحَالٍ وَيَعْنِي بِمِحْرَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَلَّاهُ وَمَوْقِفَهُ لانه لم يكن هذا المحراب الْمَعْرُوفُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا أُحْدِثَتْ الْمَحَارِيبُ بَعْدَهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِي مَعْنَى مِحْرَابِ الْمَدِينَةِ سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ضُبِطَ الْمِحْرَابُ وَكَذَا الْمَحَارِيبُ الْمَنْصُوبَةُ في

بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ فَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي الْجِهَةِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فَإِنْ كَانَ مِحْرَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجُزْ بِحَالٍ وَإِنْ كَانَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا يَجُوزُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ فِي الْكُوفَةِ خَاصَّةً وَالثَّالِثُ لَا يَجُوزُ فِيهَا وَلَا فِي الْبَصْرَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم

  • (فَرْعٌ) قَالَ أَصْحَابُنَا الْأَعْمَى يَعْتَمِدُ الْمِحْرَابَ بِمَسٍّ إذَا عَرَفَهُ بِالْمَسِّ حَيْثُ يَعْتَمِدُهُ الْبَصِيرُ وَكَذَا الْبَصِيرُ فِي الظُّلْمَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْأَعْمَى انه يَعْتَمِدُ مِحْرَابًا رَآهُ قَبْلَ الْعَمَى وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْأَعْمَى مَوَاضِعَ لَمَسَهَا صَبَرَ حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُخْبِرُهُ فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ صَلَّى علي حسب حاله وتجب الاعادة
  • قال المصنف رحمه الله
  • (وان لم يكن شئ من ذلك فأن كان ممن يعرف الدلائل فان كان غائبا عن مَكَّةَ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ لَهُ طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَتِهَا بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَالِ وَالرِّيَاحِ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يهتدون) فَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ كَالْعَالِمِ فِي الْحَادِثَةِ وَفِي فَرْضِهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْأُمِّ فَرْضُهُ إصَابَةُ الْعَيْنِ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ فَرْضُ الْقِبْلَةِ لَزِمَهُ إصَابَةُ الْعَيْنِ كَالْمَكِّيِّ وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْجِهَةُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَرْضُ هُوَ الْعَيْنُ لَمَا صَحَّتْ صَلَاةُ الصَّفِّ الطَّوِيلِ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَخْرُجُ عَنْ العين)
  • (الشَّرْحُ)
  • إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْغَائِبُ عَنْ أَرْضِ مَكَّةَ الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَجِدْ مِحْرَابًا وَلَا مَنْ يُخْبِرُهُ عَلَى مَا سَبَقَ لَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ وَيَسْتَقْبِلُ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وَهِيَ كثيرة وفيها كتبء صنفة وَأَضْعَفُهَا الرِّيَاحُ لِاخْتِلَافِهَا وَأَقْوَاهَا الْقُطْبُ وَهُوَ نَجْمٌ صغير

فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ وَإِذَا اجْتَهَدَ وَظَنَّ الْقِبْلَةَ فِي جِهَةٍ بِعَلَامَةٍ صَلَّى إلَيْهَا وَلَا يَكْفِي الظَّنُّ بِلَا عَلَامَةٍ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الْأَوَانِي فَإِنَّ فِيهَا وَجْهًا ضعيفا ان يكتفى الظَّنُّ فِيهَا بِغَيْرِ عَلَامَةٍ وَذَلِكَ الْوَجْهُ لَا يجئ هُنَا بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ سَبَقَ هُنَاكَ الْفَرْقُ وَلَوْ تَرَكَ الْقَادِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ الِاجْتِهَادَ وَقَلَّدَ مُجْتَهِدًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ صَادَفَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَظِيفَتَهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ تَقْلِيدٍ وَلَا اجْتِهَادٍ وَصَادَفَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ وَسَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَمْ يَضِقْ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ لِابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يُقَلِّدُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَخَوْفِ الْفَوَاتِ

وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِي فَرْضِ الْمُجْتَهِدِ وَمَطْلُوبِهِ قَوْلَانِ أحدهما جهة الكعبة بدليل صحة صلاته الصف الوطيل وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ وَأَصَحُّهُمَا عَيْنُهَا اتَّفَقَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْقَفَّالُ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ عَلَى تَصْحِيحِهِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ بِأَنَّ مَعَ طُولِ الْمَسَافَةِ تَظْهَرُ الْمُسَامَتَةُ وَالِاسْتِقْبَالُ كَالنَّارِ عَلَى جَبَلٍ وَنَحْوِهَا قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ فرضه

الْجِهَةُ نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْرُوفٍ لِلشَّافِعِيِّ وكذا أنكره الشيخ أبو حامد وآخرون سلك إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ طَرِيقَةً أُخْرَى شَاذَّةً ضَعِيفَةً اخْتَرَعَهَا الْإِمَامُ تَرَكْتُهَا لِشُذُوذِهَا وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ لِلْقَوْلِ بِالْعَيْنِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْكَعْبَةَ خَرَجَ فَصَلَّى إلَيْهَا وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهُوَ حَدِيثُ أسامة ابن زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَاحْتَجُّوا لِلْجِهَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ

  • (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ إصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَاجِبُ الْجِهَةُ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ

عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عمرو ابن الْمُبَارَكِ وَسَبَقَ دَلِيلُهُمَا

  • (فَرْعٌ) فِي تَعَلُّمِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (وَالثَّانِي) فَرْضُ عَيْنٍ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ كَتَعَلُّمِ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَفَرًا فَيَتَعَيَّنُ لِعُمُومِ حَاجَةِ الْمُسَافِرِ وَكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ

أَطْلَقَ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ السلف الزموا آحاد الناس يعلم أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى الْقِبْلَةِ سَهْلٌ غَالِبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (وإن كان في أرض مكة فان كان بينه وبين البيت حائل أصلى كالجبل فهو كالغائب عن مكة وإن كان بينهما حائل طارئ وهو البناء ففيه وجهان احدهما لا يجتهد لانه في أي موضع كان فرضه الرجوع إلى العين فلا يتغير بالحائل الطارئ والثانى يجتهد وهو ظاهر المذهب لان بينه وبين البيت حائل يمنع المشاهدة فاشبه إذا كان بينهما جبل)
  • (الشَّرْحُ)
  • قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا صَلَّى بِمَكَّةَ خَارِجَ المسجد فان عاين الكعبة كمن يصل على أبى

قُبَيْسٍ أَوْ سَطْحِ دَارٍ وَنَحْوِهِ صَلَّى إلَيْهَا وَإِذَا بَنَى مِحْرَابَهُ عَلَى الْعِيَانِ صَلَّى إلَيْهِ أَبَدًا وَلَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إلَى الْمُعَايَنَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِي مَعْنَى الْعِيَانِ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ وَتَيَقَّنَ إصَابَةَ الْكَعْبَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَهَذَا فَرْضُهُ إصَابَةُ الْعَيْنِ قَطْعًا وَلَا اجْتِهَادَ فِي حَقِّهِ فَأَمَّا من لا بعاين الْكَعْبَةَ وَلَا يَتَيَقَّنُ الْإِصَابَةَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ أَصْلِيٌّ كَالْجَبَلِ فَلَهُ الِاجْتِهَادُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا

وَلَا يَلْزَمُهُ صُعُودُ الْجَبَلِ لِتَحْصِيلِ الْمُشَاهَدَةِ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً وَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ طَارِئًا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيِّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ والمحاملي والجرجاني * قال المصنف رحمه الله *

  • (فَإِنْ اجْتَهَدَ رَجُلَانِ فَاخْتَلَفَا فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَمْ يُقَلِّدْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلَا يُصَلِّي أَحَدُهُمَا خَلْفَ الْآخَرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ بطلان اجتهاد صاحبه)
  • (الشَّرْحُ)
  • هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ قَالَ تَصِحُّ صَلَاةُ أَحَدِهِمَا خَلْفَ الْآخَرِ وَيَسْتَقْبِلُ كُلُّ واحد ما طهر لَهُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَوْ تَعَاكَسَ ظَنُّهُمَا صَارَ وَجْهُهُ الي وجهه

كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَكُلُّ واحد الي جهة دليلنا ما ذكره المصنف والفرق أن في مسألة الكعبة كل وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ إمَامِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي تَيَامُنٍ قَرِيبٍ وَتَيَاسُرٍ فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ مُرَاعَاةُ ذلك لم يصح الاقتداء والا فيصح *

  • قال المصنف رحمه الله
  • (وَإِنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ حَضَرَتْ صلاة أخرى ففيه وجهان (أحدهما) يُصَلِّي بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ (وَالثَّانِي) يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ الِاجْتِهَادَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ كَمَا تَقُولُ فِي الْحَاكِمِ إذا اجتهد في حادثة ثم حدثث تلك الحادثة مرة أخرى)
  • (الشَّرْحُ)
  • الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وُجُوبُ إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ وَبِهِ قَطَعَ

كثيرون وهو المنصوص في الام وقد سَبَقَ مِثْلُهُمَا فِي الْمُتَيَمِّمِ إذَا طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ وَصَلَّى وَبَقِيَ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى قَالَ الرَّافِعِيُّ قِيلَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يُفَارِقْ مَوْضِعَهُ فَإِنْ فَارَقَهُ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ وَجْهًا وَاحِدًا كَالتَّيَمُّمِ قَالَ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الِاجْتِهَادِ للنافلة بلا خلاف * قال المصنف رحمه الله *

  • (فَإِنْ اجْتَهَدَ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فَأَدَّاهُ الِاجْتِهَادُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى صَلَّى الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَمْ يُنْقَضْ مَا حَكَمَ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً بِاجْتِهَادَيْنِ كَمَا لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِي قَضِيَّةٍ بِاجْتِهَادَيْنِ وَالثَّانِي يجوز لانا لو ألزمناه أن يستأنف نقضناه مَا أَدَّاهُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالِاجْتِهَادِ بِاجْتِهَادٍ بَعْدَهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ أَتَمَّ صَلَاتَهُ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ)
  • (الشرح)
  • في الفصل ثلاث مسائل (احداهما) لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى فَاجْتَهَدَ لَهَا سَوَاءٌ أَوْجَبْنَا الِاجْتِهَادَ ثَانِيًا أَمْ لَا فَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يلزم اعادة شئ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِاجْتِهَادَاتٍ فَلَا إعَادَةَ فِي شئ مِنْهُنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا

أَنَّهُ يَجِبُ إعَادَتُهُنَّ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هُوَ قول الاستاذ أبي اسحق الْإسْفَرايِينِيّ وَحَكَوْا وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهُ تَجِبُ إعَادَةُ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ: (الثَّانِيَةُ) لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ دَلِيلَهُمَا أَحَدُهُمَا يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ لَا يَسْتَأْنِفُ بَلْ يَنْحَرِفُ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ وَيَبْنِي قَالَ أَصْحَابُنَا وَعَلَى هَذَا الثَّانِي لو

صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِاجْتِهَادَاتٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ كَالصَّلَوَاتِ وَخَصَّ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ الْوَجْهَيْنِ بِمَا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ الثَّانِي أَوْضَحَ مِنْ الْأَوَّلِ قَالَ فَإِنْ اسْتَوَيَا تَمَّمَ صَلَاتَهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى وَلَا إعَادَةَ وَالْمَشْهُورُ إطْلَاقُ الْوَجْهَيْنِ (الثَّالِثَةُ) إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ شَكَّ فِيهِ ولم يترجح له شئ مِنْ الْجِهَاتِ أَتَمَّ صَلَاتَهُ إلَى جِهَتِهِ وَلَا إعَادَةَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقُوا

عليه * قال المصنف رحمه الله *

  • (وان صلي ثم تيقن الخطأ ففيه قولان قال في الام يلزمه أن يعيد لانه تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ في القضاء فلم يعتد بما مضى كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه وقال في القديم والصيام من الجديد لا يلزمه لانه جهة تجوز الصلاة إليها بالاجتهاد فأشبه إذا لم يتيقن الخطا وان صلي إلى جهة ثم رأى القبلة في يمينها أو شمالها لم يعد لان الخطأ في ليمين والشمال لا يعلم قطعا فلا ينقض به الاجتهاد)
  • (الشَّرْحُ)
  • قَوْلُهُ تَعَيَّنَ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا صَلَّى صَلَاتَيْنِ بِاجْتِهَادَيْنِ إلَى جِهَتَيْنِ فَإِنَّهُ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي إحْدَاهُمَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَعَيَّنْ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا وَقَوْلُهُ يَقِينُ الْخَطَأِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا صَلَّى إلَى جِهَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الْقِبْلَةَ غَيْرُهَا فَقَدْ تَعَيَّنَ الخطأ بالظن لا باليقين وقوله فيما يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ احْتِرَازٌ مِمَّنْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا أَوْ وَقَفَ لِلْحَجِّ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ غَالِطًا
  • أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ فَقَالَ اصحابنا رحمهم

اللَّهُ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ فَلَهُ أَحْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنْ يَظْهَرَ الْخَطَأُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ أَعْرَضَ عَنْهُ وَاعْتَمَدَ الْجِهَةَ الَّتِي يَعْلَمُهَا أَوْ يَظُنُّهَا الْآنَ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بَلْ ظَنَّ أَنَّ الصَّوَابَ جِهَةٌ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الثَّانِي عِنْدَهُ أَوْضَحَ مِنْ الْأَوَّلِ اعْتَمَدَ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْضَحَ اعْتَمَدَهُ وَإِنْ تَسَاوَيَا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَتَخَيَّرُ فِيهِمَا وَالثَّانِي يُصَلِّي إلَى الْجِهَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ (الْحَالُ الثَّانِي) أَنْ يَظْهَرَ الْخَطَأُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ تَيَقَّنَهُ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَفِيهَا الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ بِدَلِيلِهِمَا أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ تَيَقَّنَ مَعَ الْخَطَأِ جِهَةَ الصَّوَابِ أَمْ لَا وَقِيلَ الْقَوْلَانِ إذَا تَيَقَّنَ الْخَطَأَ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ الصَّوَابَ فَأَمَّا إذَا تَيَقَّنَهُمَا فَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ قَوْلًا وَاحِدًا وقيل القولان إذا تيقن الخطأ وتيقن الصَّوَابَ أَمَّا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ الصَّوَابَ فَلَا إعَادَةَ قَوْلًا وَاحِدًا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ تَيَقَّنَ خَطَأَ الَّذِي قَلَّدَهُ الْأَعْمَى فَهُوَ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْمُجْتَهِدُ خَطَأَ نَفْسِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ الْخَطَأَ وَلَكِنْ ظَنَّهُ فَلَا إعَادَةَ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ (الْحَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَظْهَرَ الْخَطَأُ فِي أَثْنَائِهَا وَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا يَظْهَرُ الْخَطَأُ وَيَظْهَرُ الصَّوَابُ مُقْتَرِنًا بِهِ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ مُتَيَقَّنًا بَنَيْنَاهُ عَلَى تَيَقُّنِ الْخَطَأِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَقِيلَ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يَنْحَرِفُ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَيَبْنِي وَالثَّانِي تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ مُتَيَقَّنًا بَلْ مَظْنُونًا فَفِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ أَوْ الْقَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ كَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ السَّابِقِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ رُجْحَانِ الدَّلِيلِ الثَّانِي وَعَدَمِهِ: الضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ لَا يَظْهَرَ الصَّوَابُ مَعَ الْخَطَأِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوَابِ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى الْقُرْبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ عَلَى الْقُرْبِ فَهَلْ يَنْحَرِفُ وَيَبْنِي أَمْ يَسْتَأْنِفُ فِيهِ طريقان أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ الِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّهُ مَضَى جُزْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ مَحْسُوبَةٍ: مِثَالُ ظُهُورِ الْخَطَأِ دُونَ الصَّوَابِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ قِبْلَتَهُ عَنْ يَسَارِ الْمَشْرِقِ وَكَانَ هُنَاكَ غَيْمٌ فَذَهَبَ وَظَهَرَ كَوْكَبٌ قَرِيبٌ مِنْ الْأُفُقِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُهُ فَعَلِمَ الْخَطَأَ يَقِينًا وَلَمْ يَعْلَمْ الصَّوَابَ إذْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ الْكَوْكَبِ فِي الْمَشْرِقِ وَيُحْتَمَلُ الْمَغْرِبُ لَكِنْ قَدْ يَعْرِفُ الصَّوَابَ عَلَى قُرْبٍ بِأَنْ يَرْتَفِعَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ مَشْرِقٌ أَوْ يَنْحَطَّ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ مَغْرِبٌ وَتُعْرَفُ بِهِ الْقِبْلَةُ وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُطْبِقُ الْغَيْمُ عَقِبَ ظُهُورِ الْكَوْكَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا ظَهَرَ الْخَطَأُ فِي الْجِهَةِ أَمَّا إذَا ظَهَرَ الْخَطَأُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فَإِنْ كَانَ ظُهُورُهُ بِالِاجْتِهَادِ وَظَهَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يُؤَثِّرْ قَطْعًا وَالصَّلَاةُ مَاضِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا انْحَرَفَ وَأَتَمَّهَا بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ ظُهُورُهُ يَقِينًا وَقُلْنَا الْفَرْضُ جِهَةُ الْكَعْبَةِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل