كِتَابُ الطَّهَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ " كَانَ بَيْتِي أَطْوَلَ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَلَا يُسْتَحَبُّ فِي الْإِقَامَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ تَدْعُو الْحَاجَةَ فِيهِ إلَى الْعُلُوِّ لِلْإِعْلَامِ (الثَّالِثَةُ) السُّنَّةُ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَلَوْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ كُرِهَ وَصَحَّ أَذَانُهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِعْلَامُ وَقَدْ حَصَلَ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَأَكْثَرُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ وَذَكَرَ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي اشْتِرَاطِ الْقِيَامِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ وَجْهَيْنِ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ أَذَانُ الْقَاعِدِ دُونَ الْمُضْطَجِعِ وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْجَمِيعِ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ لَهُ حَدِيثُ يَعْلَى بْنُ مُرَّةَ الصَّحَابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُمْ " كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ فَانْتَهَوْا إلَى مَضِيقٍ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَأَذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَصَلَّى بِهِمْ يُومِئُ إيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ كَانَتْ فَرِيضَةً وَلِهَذَا أَذَّنَ لَهَا وَصَلَّاهَا عَلَى الدَّابَّةِ لِلْعُذْرِ وَيَجِبُ إعَادَتُهَا وَأَمَّا حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ " أَذَّنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصُّبْحِ وانا علي راحلنى " فَضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الحيعلتين يمينا وشمالا ولا يستدبر لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي كَيْفِيَّةِ الِالْتِفَاتِ الْمُسْتَحَبِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّهُ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ فَيَقُولُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ يَقُولُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ وَمَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ فَإِنْ قِيلَ اسْتَحْبَبْتُمْ الْتِفَاتَ الْمُؤَذِّنِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَكَرِهْتُمْ
التفات الخطيب في شئ من الخطبة فما الفرق قلنا الخطب وَاعِظٌ لِلْحَاضِرِينَ فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَعْرِضَ عَنْهُمْ بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُ دَاعٍ لِلْغَائِبِينَ فَإِذَا الْتَفَتَ كَانَ أَبْلَغَ فِي دُعَائِهِمْ وَإِعْلَامِهِمْ وَلَيْسَ فِيهِ تَرْكُ أَدَبٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ أَنْ يَلْوِيَ رَأْسَهُ وَعُنُقَهُ وَلَا يُحَوِّلَ صَدْرَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَا يُزِيلَ قَدَمَهُ عَنْ مَكَانِهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَسْتَدِيرُ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيرُ فِي الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنْ كَانَ بَلَدًا صَغِيرًا وَعَدَدًا قَلِيلًا لَمْ يَسْتَدِرْ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا فَفِي جَوَازِ الِاسْتِدَارَةِ وَجْهَانِ وَهُمَا فِي مَوْضِعِ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَلَا يَسْتَدِيرُ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَالسُّنَّةُ فِي إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَقَائِمًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَذَانِ فَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ وَالْقِيَامَ فِيهَا فَهُوَ كَتَرْكِهِ فِي الْأَذَانِ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْإِقَامَةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يُسْتَحَبُّ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ قَالَ وَحَكَى بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ يَعْنِي الْفُورَانِيَّ صَاحِبَ الْإِبَانَةِ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ مَرَّةً لَا يُسْتَحَبُّ قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيّ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِالْتِفَاتِ وَالثَّالِثُ لَا يَلْتَفِتُ إلَّا أَنْ يَكْبُرَ الْمَسْجِدُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا شَرَعَ فِي الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ تَمَّمَهَا فِيهِ وَلَا يَمْشِي فِي أَثْنَائِهَا
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الِالْتِفَاتَاتِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَالِاسْتِدَارَةِ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْحَيْعَلَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَدُورُ وَلَا يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَنَارَةٍ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَدُورُ وَلَا يَلْتَفِتُ الا أن يربد إسْمَاعَ النَّاسِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ يَلْتَفِتُ وَلَا يَدُورُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنَارَةٍ فَيَدُورُ وَاحْتَجَّ لِمَنْ قَالَ يدور بحديث الحجاج ابن ارطاة عن عوف بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَبْطَحِ فخرج بلال فاذن فاستدار في اذانه " رواه ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَجَّاجِ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ ضَعِيفٌ وَمُدَلِّسٌ وَالضَّعِيفُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالْمُدَلِّسُ إذَا قَالَ عن من لا يحتج به لو كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا (وَالْجَوَابُ الثَّانِي) أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الثِّقَاتِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ فَوَجَبَ رَدُّهُ (الثَّالِثُ) أَنَّ الِاسْتِدَارَةَ تُحْمَلُ عَلَى الِالْتِفَاتِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ جِهَةِ الحجاج ابن أَرْطَاةَ بِطَرِيقٍ ضَعِيفٍ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ ضَعْفَهُ (الرَّابِعَةُ) السُّنَّةُ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَفِيهِ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَسْمَعْ إنْسَانٌ صَوْتَهُ لِصَمَمٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَيُسْتَدَلُّ بِأُصْبُعَيْهِ عَلَى أَذَانِهِ فَإِنْ كَانَ فِي إحْدَى يَدَيْهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ جَعَلَ الْأُصْبُعَ الْأُخْرَى فِي صِمَاخِهِ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الْأُصْبُعِ فِي الْأُذُنِ فِي الْإِقَامَةِ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) لَوْ أَذَّنَ رَاكِبًا وَأَقَامَ الصَّلَاةَ رَاكِبًا أَجْزَأَهُ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسَافِرٍ كُرِهَ وَالْإِقَامَةُ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَالْأَوْلَى أَنْ يُقِيمَهَا الْمُسَافِرُ بعد نزوله لانه لابد مِنْ نُزُولِهِ لِلْفَرِيضَةِ هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَلَوْ أَذَّنَ إنْسَانٌ مَاشِيًا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي إنْ انْتَهَى فِي آخِرِ أَذَانِهِ إلَى حَيْثُ لَا يَسْمَعُهُ مَنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ ابْتِدَائِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُهُ أَجْزَأَهُ هَذَا كَلَامُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ فِي الْحَالَيْنِ
- قال المصنف رحمه الله
- (والمستحب ان يترسل في الاذان ويدرج الاقامة لما روى عن ابن الزبير مؤذن بيت المقدس أن عمر رضى الله عنه قال " إذا أذنت فترسل وإذا اقمت فاحذم " ولان الاذان للغائبين فكان الترسل فيه ابلغ والاقامة للحاضرين فكان الادراج فيه اشبه ويكره التمطيط وهو التمديد والبغى وهو التطريب لما روى ان رجلا قال لابن عمر " انى لاحبك في الله قال وانا ابغضك في الله انك تبغي في اذانك " قال حماد يعني التطريب)
- (الشَّرْحُ)
- هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قَالَ وكيف ما أَتَى بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ أَجْزَأَ غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ مَا وَصَفْتُ هَذَا نَصُّهُ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُجْزِيهِ كَيْفَ أَتَى بِهِ قَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ الصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ صَوْتُهُ بِتَحْزِينٍ وترقيق ليس فيه جفاء كلام الاعراب ولالين كَلَامِ الْمُتَمَاوِتِينَ وَهَذَا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ
وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَوَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْذِمْ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَعْدَهَا مِيمٌ وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا هَكَذَا وَالثَّانِي فَاحْذَرْ بِالرَّاءِ بَدَلَ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ وَتَرْكُ التَّطْوِيلِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ كل شئ أَسْرَعْت فِيهِ فَقَدْ حَذَمْته وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ أبو بكر ابن أَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمَغَازِي وَقَالَ فِيهِ تَخْتَالُ فِي أَذَانِكَ بَدَلَ تَبْغِي وَجَاءَ فِي التَّرَسُّلِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قال لبلال إذا اذنت فترسل وإذا اقمت فاحذر " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا ان نرسل الاذان ونحذر الْإِقَامَةَ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَقَوْلُهُ يَتَرَسَّلُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ هُوَ التَّرْتِيلُ وَالتَّأَنِّي وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْمُتَرَسِّلُ الْمُتَمَهِّلُ فِي تَأْذِينِهِ ويبين كلامه تبينا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ قَالَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ جَاءَ عَلَى رِسْلِهِ وَفَعَلَ كَذَا عَلَى رسله أي علي هينته غَيْرُ مُسْتَعْجِلٍ وَلَا مُتْعِبِ نَفْسِهِ وَقَوْلُهُ يُدْرِجُ هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُ الياء ضم الرَّاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَيُقَالُ دَرَّجْتُهُ أَيْضًا بِالتَّشْدِيدِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ أَفْصَحُهُنَّ أَدْرَجْتُهُ وَكَذَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ الْإِدْرَاجُ أَشْبَهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصْحَابُنَا إدْرَاجُ الاقامة هوان يَصِلَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَلَا يَتَرَسَّلُ تَرَسُّلَهُ فِي الْأَذَانِ وَأَصْلُ الْإِدْرَاجِ وَالدَّرَجِ الطَّيُّ وَقَوْلُهُ الْبَغْيُ هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي رَفْعِ
الصَّوْتِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْبَغْيُ أَنْ يَكُونَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ يَحْكِي كَلَامَ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَفَيْهِقِينَ قَالَ وَالْبَغْيُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْكِبْرُ وَالْبَغْيُ الضَّلَالُ وَالْبَغْيُ الْفَسَادُ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْبَغْيُ تَفْخِيمُ الْكَلَامِ وَالتَّشَادُقُ فِيهِ قَالَ وَيُكْرَهُ تَلْحِينُ الْأَذَانِ لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِفْهَامِ وَلِأَنَّ السَّلَفَ تَجَافُوهُ وَإِنَّمَا أُحْدِثَ بَعْدَهُمْ وَقَوْلُهُ أَنَّكَ تَبْغِي فِي أَذَانِكَ يَجُوزُ فَتْحُ هَمْزَةِ أَنَّكَ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَحْسَنُ لِلتَّعْلِيلِ وَقَوْلُهُ تَبْغِي هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ وابو الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ كَذَا قَالَهُ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ فِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فَتْحُ الْمِيمِ وَإِسْكَانُ الْقَافِ وَكَسْرُ الدَّالِ وَالثَّانِيَةُ الْمُقَدَّسُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقُدْسِ وَهُوَ الطُّهْرُ وَيُقَالُ فِيهِ الْقُدْسُ وَالْقُدُسُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَضَمِّهَا وَإِيلْيَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ * قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ *
- (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فِي الْأَذَانِ إنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلْجَمَاعَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم " يغفر لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ " وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي جَمْعِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُبَالِغُ بِحَيْثُ يَشُقُّ حَلْقَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعَ أَبَا مَحْذُورَةَ قَدْ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ لَهُ " أَمَا خَشِيتَ أَنْ يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ فَقَالَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَسْمَعَ صَوْتِي " فَإِنْ أَسَرَّ بِالْأَذَانِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَإِنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاتِهِ وَحْدَهُ لَمْ يَرْفَعْ الصَّوْتَ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو غَيْرَهُ فَلَا وَجْهَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْإِقَامَةِ دُونَ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْأَذَانِ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحَاضِرِينَ)
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ " يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا وَفِي إسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِلْبَيْهَقِيِّ " وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَ صَوْتَهُ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ " كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ سَمِعَهُ " وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ " وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الله ابن عبد الرحمن أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ " لَهُ إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ لِلصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَالْمَدَى بِفَتْحِ الْمِيمِ مَقْصُورٌ يُكْتَبُ بالياء وهو غاية الشئ وَقَوْلُهُ يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ ذُنُوبَهُ لَوْ كَانَتْ أَجْسَامًا غُفِرَ لَهُ مِنْهَا قَدْرُ مَا يَمْلَأُ الْمَسَافَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُنْتَهَى صَوْتِهِ وَقِيلَ تُمَدُّ لَهُ الرَّحْمَةُ بِقَدْرِ مَدِّ الْأَذَانِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَكْمِلَ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اسْتَوْفَى وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فَيَبْلُغَ الْغَايَةَ مِنْ الْمَغْفِرَةِ إذَا بَلَغَ الْغَايَةَ مِنْ الصَّوْتِ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَبِي مَحْذُورَةَ " أَمَا خَشِيتَ أَنْ تَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ " فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ منه هَذَا الْقَدْرَ دُونَ قَوْلِهِ أَحْبَبْتُ أَنْ تَسْمَعَ صَوْتِي وَالْمُرَيْطَاءُ بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ
لُغَتَانِ أَشْهُرُهُمَا الْمَدُّ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ هِيَ مَمْدُودَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوْهَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ سِوَى الْمَدِّ وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْمَدَّ وَالْقَصْرَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هِيَ كَلِمَةٌ جَاءَتْ مُصَغَّرَةً وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالْعَانَةِ كَمَا سَبَقَ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إلَى الْعَانَةِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِجَمَاعَةٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ مَا أَمْكَنَهُ بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فَإِنْ اسربه لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْإِسْرَارِ بِبَعْضِهِ وَلَا يَجُوزُ الْإِسْرَارُ بِالْجَمِيعِ وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ لَكِنْ تَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ لَمْ يُبَالِغْ فِي الْجَهْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ لَا لِجَمَاعَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَ بِظَاهِرِهِ وموضع الخلاف إذا أسمع نَفْسَهُ فَحَسْبُ فَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَذَانٍ وَلَا كَلَامٍ وَإِنْ أَسْمَعَ بَعْضَ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ حَصَلَ الْأَذَانُ قَطْعًا قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَوْ أَسْمَعَ وَاحِدًا مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَحْصُلُ بِهِمَا وَلَوْ اقْتَصَرَ
فِي الْإِقَامَةِ عَلَى إسْمَاعِ نَفْسِهِ لَمْ تَصِحَّ إقَامَتُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ لِجَمَاعَةٍ أَمَّا مَنْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يُشْتَرَطُ إسْمَاعُ مَنْ عِنْدَهُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي فَرْعٍ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ وَمَنْ يَقُولُ لَا يَرْفَعُ الْمُنْفَرِدُ يَحْمِلُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي فَضْلِ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى الاذان للجماعة والله اعلم)
*
*
- قال المصنف رحمه الله
- (وَيَجِبُ أَنْ يُرَتِّبَ الْأَذَانَ لِأَنَّهُ إذَا نَكَسَهُ لَا يَعْلَمُ السَّامِعُ أَنَّ ذَلِكَ أَذَانٌ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ فَإِنْ تَكَلَّمَ لَمْ يَبْطُلْ أَذَانُهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَبْطُلْ الْخُطْبَةُ بِالْكَلَامِ فَلَأَنْ لَا يَبْطُلَ الْأَذَانُ أَوْلَى وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْأَذَانِ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَذَانَ مِنْ اثْنَيْنِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ لِأَنَّ السَّامِعَ يَظُنُّهُ عَلَى وَجْهِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ فَإِنْ أَفَاقَ فِي الْحَالِ وَبَنَى عَلَيْهِ جَازَ لِأَنَّ المقصود يحصل وَإِنْ ارْتَدَّ فِي الْأَذَانِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي الْحَالِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ لِأَنَّ
مَا فَعَلَهُ قَدْ بَطَلَ بِالرِّدَّةِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَبْطُلُ إذَا اتَّصَلَ بِهَا الْمَوْتُ وَهَهُنَا رَجَعَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَمْ يبطل) * *
- (الشَّرْحُ)
- اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَذَانِ لِمَا ذَكَرَهُ فَإِنْ نَكَسَهُ فَمَا وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ صَحِيحٌ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ بِأَنْ أَتَى بِالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الْأَذَانِ ثُمَّ بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ فَالنِّصْفُ الثَّانِي بَاطِلٌ وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعِهِ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ فَيَأْتِي بِالنِّصْفِ الثَّانِي وَلَوْ اسْتَأْنَفَ الْأَذَانَ كَانَ أَوْلَى لِيَقَعَ مُتَوَالِيًا وَلَوْ تَرَكَ بَعْضَ كَلِمَاتِهِ أَتَى بِالْمَتْرُوكِ وَمَا بَعْدَهُ وَلَوْ اسْتَأْنَفَ كَانَ أَوْلَى وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْأَذَانِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُوَالَاةُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ مَأْمُورٌ بِهَا فَإِنْ سَكَتَ يسير الم يَبْطُلْ أَذَانُهُ بِلَا خِلَافٍ بَلْ يَبْنِي وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي أَثْنَائِهِ فَمَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَبَنَى وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ أَوْ عَطَسَ لَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يُشَمِّتْهُ حَتَّى يَفْرُغَ فَإِنْ أَجَابَهُ أَوْ شَمَّتَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ يُكْرَهُ وَكَانَ تَارِكًا لِلْفَضْلِ وَلَوْ رَأَى أَعْمَى يَخَافُ وُقُوعَهُ فِي بِئْرٍ أَوْ حَيَّةً تَدِبُّ إلَى غَافِلٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وجب انذاره
وَيَبْنِي عَلَى أَذَانِهِ وَاذَا تَكَلَّمَ فِيهِ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَمْ يَبْطُلْ أَذَانُهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ فِي الْخُطْبَةِ فَالْأَذَانُ أَوْلَى أَنْ لَا يَبْطُلَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ وَقَاعِدًا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّخْفِيفِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ أَذَانُهُ بِالْيَسِيرِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ إلَّا الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فَتَرَدَّدَ فِيهِ إذَا رُفِعَ بِهِ الصَّوْتُ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ وَإِنْ طَالَ الْكَلَامُ أَوْ سَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا أَوْ نَامَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي الْأَذَانِ ثُمَّ أَفَاقَ فَفِي بُطْلَانِ أَذَانِهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ وَالثَّانِي فِي بُطْلَانِهِ قَوْلَانِ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالُوا وَالنَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ أَوْلَى بِالْإِبْطَالِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْكَلَامُ أَوْلَى بِالْإِبْطَالِ مِنْ السُّكُوتِ قَالَ الرَّافِعِيُّ الْأَشْبَهُ وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ عِنْدَ طُولِ الْفَصْلِ وَحَمْلُ النَّصِّ عَلَى الْفَصْلِ الْيَسِيرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْجُنُونُ هُنَا كَالْإِغْمَاءِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمْ ثُمَّ فِي الْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ إذَا لَمْ نُوجِبْ الِاسْتِئْنَافَ لِقِلَّةِ الْفَصْلِ أَوْ مَعَ طُولِهِ عَلَى قَوْلِنَا لَا يَبْطُلُ الطَّوِيلُ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِئْنَافُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ وَكَذَا يُسْتَحَبُّ فِي السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ الْكَثِيرَيْنِ إذَا لَمْ نُوجِبْهُ فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ يَسِيرًا لَمْ يُسْتَحَبَّ الِاسْتِئْنَافُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ الِاسْتِئْنَافُ عِنْدَ السُّكُوتِ الْيَسِيرِ بِلَا خِلَافٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُسْتَحَبُّ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْكَلَامِ بِخِلَافِ السُّكُوتِ ثُمَّ إذَا قُلْنَا يَبْنِي مَعَ الْفَصْلِ الطَّوِيلِ فَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَفْحُشْ الطُّولُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مَعَ الْأَوَّلِ أَذَانًا وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَبْطُلُ بِالْفَصْلِ الْمُتَخَلَّلِ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ إعْلَامٌ وَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَّا فَقَوْلَانِ
واما إذا تكلم في الاقامة كلاما يسيزا فَلَا يَضُرُّ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ تبطل اقامته دليلنا انه إذا لَمْ تَبْطُلْ الْخُطْبَةُ وَهِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَالْإِقَامَةُ أَوْلَى قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ مَا كَرِهْتُ لَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ كُنْتُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ أَكْرَهَ: قَالَ فَإِنْ تَكَلَّمَ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ أَوْ سَكَتَ فِيهِمَا سُكُوتًا طَوِيلًا أَحْبَبْتُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ وَلَمْ أُوجِبْهُ أَمَّا إذَا ارْتَدَّ بَعْدَ فَرَاغِ أَذَانِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَلَا يَبْطُلُ أَذَانُهُ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِهِ وَيُؤَذِّنَ غَيْرُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ لِأَنَّ رِدَّتَهُ تُورِثُ شُبْهَةً فِيهِ فِي حَالِ الْأَذَانِ فَإِنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ صَحَّ وَإِنْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ لَمْ يَصِحَّ بِنَاؤُهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَإِنْ أَسْلَمَ وَبَنَى فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ جَازَ الْبِنَاءُ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ الصَّحِيحُ مَنْعُهُ وَقِيلَ فِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ مُطْلَقًا وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْبِنَاءَ فَفِي جَوَازِهِ لِغَيْرِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَالْمَذْهَبُ انه لا يجوز وكذا الحكم لو مات في خلاف الْأَذَانِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالدَّارِمِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أن الْأَذَانُ لَا يَبْطُلُ بِالْكَلَامِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ أَبْطَلَهُ بِالْكَلَامِ قَالَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْهُ وَدَلِيلُنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْخُطْبَةِ كَمَا ذَكَرَهُ المصنف
- قال المصنف رحمه الله
- (وَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا الله قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قال أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ حى على الصلاة قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قال حي علي الفلاح قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قال الله أكبر أكبر قال اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ لَا اله الا الله قال لا اله الا الله من
قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ " فَإِنْ سَمِعَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا فَرَغَ أَتَى بِهَا فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ أَتَى بِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْقِرَاءَةِ لِأَنَّهَا تَفُوتُ وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفُوتُ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثم صلوا علي فان مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا " ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْوَسِيلَةَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ: لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " وَإِنْ كَانَ الْأَذَانُ لِلْمَغْرِبِ قَالَ اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ اغْفِرْ لِي: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ تقول ذلك ويدعوا اللَّهَ تَعَالَى بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إنَّ الدُّعَاءَ لَا يرد بين الاذان والاقامة " (الشَّرْحُ) حَدِيثَا عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ هَذَا وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ " وَقَوْلُهُ الْوَسِيلَةَ هِيَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ الله لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ "
وَقَوْلُهُ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ هِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَهِيَ دَعْوَةُ الْأَذَانِ سُمِّيَتْ دَعْوَةً تَامَّةً لِكَمَالِهَا وَعِظَمِ مَوْقِعِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إلَى غَيْرِهَا وَقَوْلُهُ الصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ أَيْ الَّتِي سَتَقُومُ أَيْ تقام وتحضر وقوله مقاما محمودا هكذا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ مَقَامًا مَحْمُودًا بِالتَّنْكِيرِ وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَيَكُونُ قَوْلُهُ الَّذِي وَعَدْتَهُ بَدَلًا مِنْهُ أَوْ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْنِي الَّذِي وَعَدْتَهُ أَوْ مَرْفُوعًا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ الَّذِي وَعَدْتَهُ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي التَّنْبِيهِ وَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّأَدُّبَ مَعَ الْقُرْآنِ وَحِكَايَةَ لَفْظِهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافَظَ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي أَيْ غَشِيَتْهُ وَنَالَتْهُ وَنَزَلَتْ بِهِ وَقِيلَ حَقَّتْ لَهُ
- أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِ أَذَانِهِ هَذِهِ الْأَذْكَارَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ وَيُسْتَحَبُّ لِسَامِعِهِ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَيَقُولَ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْأَذْكَارَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا وَيَقُولَ إذَا سَمِعَ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ فِي كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ إلَّا الْغَزَالِيَّ فَحَكَى فِي الْبَسِيطِ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَتُهُ
إلَّا فِي كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَابِعَ الْمُؤَذِّنَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْهَا وَلَا يُقَارِنَهُ وَلَا يُؤَخِّرَ عَنْ فَرَاغِهِ مِنْ الْكَلِمَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي الْأَذَانِ وَمَرَّتَيْنِ فِي الْإِقَامَةِ فَيَقُولُهَا عَقِبَ كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَيَقُولُ فِي التَّثْوِيبِ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ مَرَّتَيْنِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَغَيْرِهِ وَتُسْتَحَبُّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْفَرَاغِ ثم سؤال الوسيلة بعدها للموذن وَالسَّامِعِ وَكَذَا الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ لِلْمُتَابِعِ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ الْمُؤَذِّنِ فِي غَيْرِ الْحَيْعَلَتَيْنِ لِيَدُلَّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ وَمُوَافَقَتِهِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الْحَيْعَلَةُ فَدُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِغَيْرِ الْمُؤَذِّنِ فَاسْتُحِبَّ لِلْمُتَابِعِ ذِكْرٌ آخَرُ فَكَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ مَحْضٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ " قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ مُتَابَعَتُهُ لِكُلِّ سَامِعٍ مِنْ طَاهِرٍ وَمُحْدِثٍ وَجُنُبٍ وَحَائِضٍ وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْمُصَلِّي وَمَنْ هُوَ عَلَى الْخَلَاءِ وَالْجِمَاعِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْخَلَاءِ وَالْجِمَاعِ تَابَعَهُ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ فَإِذَا سَمِعَهُ وَهُوَ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ دَرْسِ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَطَعَهُ وَتَابَعَ الْمُؤَذِّنَ ثُمَّ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ لَا يُتَابِعُهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا قَالَهُ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي اسْتِحْبَابِ مُتَابَعَتِهِ فِي حَالِ الصَّلَاةِ قَوْلًا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فَتَابَعَهُ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا يُكْرَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَقِيلَ إنَّهُ مُبَاحٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ وَلَا تَرْكُهُ وَلَا يُكْرَهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمَذْهَبُ كَرَاهَتُهُ فَإِذَا تَابَعَهُ فِي أَلْفَاظِ الْأَذْكَارِ وَقَالَ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ وَالصَّلَاةُ لَا يُبْطِلُهَا الْأَذْكَارُ وَإِنْ قَالَ فِي الْحَيْعَلَةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَهَذَا كَلَامُ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّ هَذَا كَلَامُ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لِلصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ
كَانَ عَالِمًا بِالصَّلَاةِ جَاهِلًا بِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ آدَمِيٍّ وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَغَيْرِهِ أَصَحُّهُمَا لَا تَبْطُلُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْإِبَانَةِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ قَالُوا وَيَسْجُدُ للسهو الناسي وكذا الجاهل إذا لم نبطلها لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ نَاسِيًا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلَوْ قَالَ فِي مُتَابَعَتِهِ فِي التَّثْوِيبِ صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ قَالَ وَكَذَا لَوْ قَالَ مثله الصلاة خير من النوم قَالَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَوْ قَالَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ قَالَ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَوْ قَالَ أَقَامَهَا اللَّهُ أَوْ اللَّهُمَّ أَقِمْهَا وَأَدِمْهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ إذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالُوا فَلَوْ تَابَعَ فِيهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُ الْقِرَاءَةِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَّنَ فِيهَا لِتَأْمِينِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ التَّأْمِينَ مُسْتَحَبٌّ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَلَيْسَ التَّأْكِيدُ فِي مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُصَلِّي كَالتَّأْكِيدِ فِي مُتَابَعَةِ مَنْ لَيْسَ هُوَ فِي صَلَاةٍ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي
وَلَوْ سَمِعَهُ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ تَابَعَهُ وَهُوَ عَلَى طَوَافِهِ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَمْنَعُ الْكَلَامَ
- (فَرْعٌ) إذَا سَمِعَ مُؤَذِّنًا بَعْدَ مُؤَذِّنٍ هَلْ يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُ الْمُتَابَعَةِ بِالْأَوَّلِ أَمْ يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ كُلِّ مُؤَذِّنٍ فِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِأَصْحَابِنَا وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ الْمُتَابَعَةُ سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا لتصريح الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْأَمْرِ بِهَا وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَأَمَّا أَصْلُ الْفَضِيلَةِ وَالثَّوَابِ فِي الْمُتَابَعَةِ فَلَا يَخْتَصُّ وَاَللَّهُ أعلم
- (فرع) مذهينا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ خِلَافًا لِبَعْضِ السَّلَفِ فِي إيجَابِهَا وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ
- (فَرْعٌ) مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُتَابِعُ الْمُؤَذِّنَ فِي جَمِيعِ الكلمات وعن مالك روايتان
احداهما كَالْجُمْهُورِ وَالثَّانِيَةُ يُتَابِعُهُ إلَى آخِرِ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا بَعْدَهُ بَعْضُهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ وَبَعْضُهُ تَكْرَارٌ لِمَا سَبَقَ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
- (فَرْعٌ) لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ فِي التَّرْجِيعِ أَمْ لَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يُسْتَحَبُّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ " وَالتَّرْجِيعُ مِمَّا يَقُولُ وَلَمْ يقل فقولوا مثل ما ثسمعون وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ
- (فَرْعٌ) مَنْ رَأَى الْمُؤَذِّنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ أَوْ صَمَمٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْمُتَابَعَةُ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُعَلَّقَةٌ بِالسَّمَاعِ وَالْحَدِيثُ مُصَرِّحٌ بِاشْتِرَاطِهِ وَقِيَاسًا عَلَى تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فَإِنَّهُ لَا يشرع لِمَنْ يَسْمَعُ تَحْمِيدَهُ (فَرْعٌ) لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ حَتَّى فَرَغَ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تعرضا لِأَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَدَارُكُ الْمُتَابَعَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ عَلَى الْقُرْبِ وَلَا يَتَدَارَكُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْ سَمِعَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُتَابِعْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَذْكَارِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ فَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ فَهُوَ كَتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ فِيهِ تَفْصِيلٌ فِي مَوْضِعِهِ
- (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي مُتَابَعَتُهُ فِي الصَّلَاةِ وَسَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السلف وعن مالك ثلاث روايات احداهما يتابعه والثانية لا والثالثة يتابعه في النافلة دون الفرض
- قال المصنف رحمه الله
- (والمستحب ان يقعد بين الاذان والاقامة قعدة ينتظر فيها الجماعة لان الذى رآه عبد الله ابن زيد رضى الله عنه في المنام اذن وقعد قعدة ولانه إذا الاذان أوصل بالاقامة فات الناس الجماعة فلم يحصل المقصود بالاذان ويستحب ان يتحول من موضع الاذان الي غيره للاقامة لما رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ " ثم استأخر غير كثير ثم قال مثل ما قال وجعلها وترا ")
- (الشرح)
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْقَعْدَةِ قَدْرَ مَا تَجْتَمِعُ الْجَمَاعَةُ إلَّا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَخِّرُهَا لِضِيقِ وَقْتِهَا وَلِأَنَّ النَّاسَ فِي الْعَادَةِ يَجْتَمِعُونَ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْ التَّقَدُّمِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ أَذَانِهَا وَإِقَامَتِهَا فَصْلًا يَسِيرًا بِقَعْدَةٍ أَوْ سُكُوتٍ أَوْ نَحْوِهِمَا هَذَا مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا اسْتِحْبَابُ التَّحَوُّلِ لِلْإِقَامَةِ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِ الْأَذَانِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِلْحَدِيثِ
- قال المصنف رحمه الله
- (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمُ هُوَ الْمُؤَذِّنُ لِأَنَّ زِيَادَ بْنَ الْحَارِثِ الصُّدَائِيَّ أَذَّنَ فَجَاءَ بِلَالٌ لِيُقِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يقيم " فان اذن واحد وَأَقَامَ غَيْرُهُ جَازَ لِأَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَأَقَامَ عبد الله بن زيد)
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَعَلَّقَ الْبَيْهَقِيُّ الْقَوْلَ فِيهِ فَقَالَ إنْ ثَبَتَ كَانَ أَوْلَى مِمَّا رُوِيَ فِي حديث عبد الله ابن زَيْدٍ " أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرَى الرُّؤْيَا وَيُؤَذِّنُ بِلَالٌ قَالَ فَأَقِمْ أَنْتَ " لِمَا فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ وَحَدِيثُ الصُّدَائِيِّ كَانَ بَعْدَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ قَالَ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ غَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَوْلَوِيَّةِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا فَرْقَ وَالْأَمْرُ مُتَّسِعٌ وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْأَوْلَى أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا أَذَّنَ الرَّجُلُ أَحْبَبْتُ أن يتولي الاقامة لشئ يُرْوَى أَنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ قَالَ الْحَازِمِيُّ وَحُجَّةُ هَذَا الْمَذْهَبِ حَدِيثُ الصُّدَائِيِّ لِأَنَّهُ أَقَوْمُ إسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ثُمَّ حَدِيثُ ابْنِ زَيْدٍ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَحَدِيثُ الصُّدَائِيِّ بَعْدَهُ بِلَا شَكٍّ وَالْأَخْذُ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى قَالَ وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَادِّعَاءُ النَّسْخِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ: أَمَّا الصُّدَائِيُّ فَبِضَمِّ الصَّادِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْمَدِّ مَنْسُوبٌ إلَى صُدَاءٍ تُصْرَفُ وَلَا تُصْرَفُ وَهُوَ أَبُو هَذِهِ الْقَبِيلَةِ
وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ صُدَاءٌ حَيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَكَانَ أَذَانُ زِيَادٍ الصُّدَائِيِّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَكُنْ بِلَالٌ حَاضِرًا حِينَئِذٍ
- أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ أَذَّنَ وَاحِدٌ فَقَطْ فَهُوَ الَّذِي يُقِيمُ وَإِنْ أَذَّنَ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يُقِيمُ مِنْهُمْ أَقَامَ وَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ وَإِنْ أَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُؤَذِّنَ الرَّاتِبَ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ فَاَلَّذِي يُقِيمُ هُوَ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَذَّنَ أَوَّلًا أَجْنَبِيًّا وَأَذَّنَ بَعْدَهُ الرَّاتِبُ فَمَنْ أَوْلَى بِالْإِقَامَةِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ أَصَحُّهُمَا الرَّاتِبُ لِأَنَّهُ صَاحِبُ وِلَايَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَقَدْ أَذَّنَ وَالثَّانِي الْأَجْنَبِيُّ لِأَنَّ بِأَذَانِ الْأَوَّلِ حَصَلَتْ سُنَّةُ الْأَذَانِ أَوْ فَرْضُهُ وَلَوْ أَقَامَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ غَيْرُ من له ولاية الاقامة ممن أذن لو أَجْنَبِيٌّ اُعْتُدَّ بِإِقَامَتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يعتقد بِهِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ وَاحِدٌ وَيُصَلِّي آخَرُ وَهَذَا ليس بشئ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقِيمَ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إلَّا وَاحِدٌ إلَّا إذَا لَمْ تَحْصُلْ بِهِ الْكِفَايَةُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُقِيمُوا جَمِيعًا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَهْوِيشٍ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَإِذَا أَقَامَ غَيْرُ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ إنَّهُ مَكْرُوهٌ وَبِهِ جَزَمَ الْعَبْدَرِيُّ وَنَقَلَ مِثْلَهُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حنيفة لا يكره
- قال المصنف رحمه الله
- (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَفِي لفظ الاقامة يقول أقامها الله وأدامها لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذلك)
- (الشَّرْحُ)
- هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَجْهُولٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتِ الْعَبْدِيُّ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ وَشَهْرٌ مُخْتَلَفٌ فِي عَدَالَتِهِ وَعَلَى الْمُصَنِّفِ إنْكَارٌ فِي جَزْمِهِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الشَّكِّ كَمَا ذَكَرْنَا لَكِنَّ الشَّكَّ فِي أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الْجَزْمُ بِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَعَ الشَّكِّ وَكَيْفَ كَانَ فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَكِنَّ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا مِنْ ذَاكَ وَاسْمُ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ سَبَقَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ مُتَابَعَتِهِ فِي الْإِقَامَةِ
كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إلَّا الْوَجْهَ الشَّاذَّ الَّذِي قدمناه عن البسيط * قال المصنف رحمه الله *
- (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ لِلْجَمَاعَةِ اثْنَيْنِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الزِّيَادَةِ جَعَلَهُمْ أَرْبَعَةً لِأَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعَةٌ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أبلغ في الاعلام)
- (الشَّرْحُ)
- حَدِيثَا بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ صَحِيحَانِ كَمَا سَبَقَ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ لِلْمَسْجِدِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنَانِ لِلْحَدِيثِ فَإِنْ احْتَاجَ
إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إلَى أَرْبَعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يُزَادُ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَتَابَعَ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ عَلَى هَذَا الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَكَثِيرُونَ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَأَنْكَرَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا عَلَى أَبِي عَلِيٍّ وَقَالُوا إنَّمَا الضَّبْطُ بِالْحَاجَةِ وَرُؤْيَةِ الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَعَلَهُ وَإِنْ رَأَى الِاقْتِصَارَ عَلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَزِدْ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ إذَا جَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَاجَةِ فَالزِّيَادَةُ عَلَى مَا كَانَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ لِلْحَاجَةِ أَوْلَى.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ لَا تَضْيِيقَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ لَا يُزَادُ عَلَى أَرْبَعَةٍ قَالَ الْقَاضِي قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا لَا يُعْرَفُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ مَا شَاءَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يُحْدِدْ شَيْئًا وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ هَذَا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا غَيْرُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الزِّيَادَةِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي يَكُونُ لَهُ مُؤَذِّنَانِ فَإِنْ لَمْ يَكْفِ اثْنَانِ لِكَثْرَةِ النَّاسِ جَعَلَهُمْ أَرْبَعَةً فَإِنْ لَمْ يَكْفُوا جَعَلَهُمْ سِتَّةً فَإِنْ زَادَ فَثَمَانِيَةً لِيَكُونُوا شَفْعًا لَا وِتْرًا وَأَقْوَالُ أَصْحَابِنَا بِنَحْوِ مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مَشْهُورَةٌ فَالصَّوَابُ أَنَّ الضَّبْطَ بِالْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَإِنْ بَلَغُوا مَا بَلَغُوا وَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ (قُلْتُ) وَهَذَا قَدِيمٌ لَمْ يُعَارِضْهُ جَدِيدٌ فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُقَدَّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ بِهَذَا الْمُؤَذِّنُونَ الَّذِينَ يُرَتِّبُهُمْ الْإِمَامُ لَهُ عَلَى الدَّوَامِ وَإِلَّا فَلَوْ أَذَّنَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ كُلُّهُمْ لَمْ يُمْنَعُوا يَعْنِي أَذَّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَى تَهْوِيشٍ وَاخْتِلَاطٍ - (فَرْعٌ) إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ فَأَكْثَرُ أَذَّنُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ كَمَا صَحَّ عَنْ بِلَالٍ وَابْنِ ام
مَكْتُومٍ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَالْمَسْجِدُ كَبِيرٌ أَذَّنُوا فِي أَقْطَارِهِ كُلُّ وَاحِدٍ فِي قُطْرٍ لِيُسْمِعَ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَذَّنُوا مَعًا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى تَهْوِيشٍ قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَيَقِفُونَ جَمِيعًا عَلَيْهِ كَلِمَةً كَلِمَةً فَإِنْ أَدَّى إلَى تَهْوِيشٍ أَذَّنَ وَاحِدٌ فَقَطْ فَإِنْ تَنَازَعُوا أُقْرِعَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ فَإِنْ أَذَّنُوا جَمِيعًا وَاخْتَلَفَتْ أَصْوَاتُهُمْ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ فِيهِ تَهْوِيشًا عَلَى النَّاسِ وَمَتَى أَذَّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ لَمْ يَتَأَخَّرْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ لِئَلَّا يَذْهَبَ أَوَّلُ الْوَقْتِ وَلِئَلَّا يَظُنَّ مَنْ سَمِعَ الْأَخِيرَ أَنَّ هَذَا أَوَّلُ الْوَقْتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَلَا أُحِبُّ لِلْإِمَامِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ أَنْ يُبْطِئَ بِالصَّلَاةِ لَيَفْرُغَ مَنْ بَعْدَهُ بَلْ يَخْرُجُ وَيَقْطَعُ مَنْ بَعْدَهُ الْأَذَانَ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ
- (فَرْعٌ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ فَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْجُمُعَةِ أَذَانٌ وَاحِدٌ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِلَالٌ هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنُ الْجُمُعَةِ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ لَا جَمَاعَةً مُؤَذِّنِينَ وَصَرَّحَ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ بِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْجُمُعَةِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَكُونُ الْمُؤَذِّنُونَ يَسْتَفْتِحُونَ الْأَذَانَ فَوْقَ الْمَنَارَةِ جُمْلَةً حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ لِيُسْمِعَ النَّاسَ فَيَأْتُونَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ الْإِمَامُ بِهِمْ وَمَنَعَ النَّاسَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ تِلْكَ السَّاعَةَ هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ رَجْمِ الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ " جَلَسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى الله تعالي: وذكر الحديث " * قال المصنف رحمه الله
- (ويجوز استدعاء الامراء إلى الصلاة لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ بلالا رضى الله عنه جاء فقال " السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الصلاة رحمك اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرى أبا بكر فليصل بالناس " قال ابن قسيط وكان بلال يسلم علي أبى بكر وعمر رضي الله عنهما كما كان يسلم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
- (الشرح)
- ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ " لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ " وَأَمَّا هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فَلَيْسَتْ
فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُهُ مُرِي هَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مُرُوا كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مُرُوا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ.
وَأَمَّا ابْنُ قُسَيْطٍ فَبِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَغَيْرَهُمَا تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ثِقَةٌ وَقَوْلُهُ إنَّ بِلَالًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يَعْنِي عِنْدَ اسْتِدْعَائِهِمَا إلَى الصَّلَاةِ وَهَذَا النَّقْلُ بَعِيدٌ أَوْ غَلَطٌ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْفَنِّ أَنَّ بِلَالًا لَمْ يُؤَذِّنْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَقِيلَ أَذَّنَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرِوَايَةُ ابْنِ قُسَيْطٍ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا بِلَالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِدْعَاءِ هُوَ كَمَا قَالَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ سَلَامُ الْمُؤَذِّنِ بَعْدَ الْأَذَانِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَقَوْلُهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ علي الفلاح مكروه وقال صاحب العدة والشيخ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ يُكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَى بَابِ الْأَمِيرِ وَغَيْرِهِ وَيَقُولَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فَإِنْ أَتَى بَابَهُ وَقَالَ الصلاة أيها الامير فلا بأس * قال المصنف رحمه الله - (وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِالْأَذَانِ لَمْ يُرْزَقْ المؤذن من بيت المال لان الْمَالِ جُعِلَ لِلْمَصْلَحَةِ وَلَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَتَطَوَّعُ رُزِقَ مَنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي حَقِّهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عليه كالامامة في الصلاة والثاني يجوز لانه عمل معلوم يجوز أخذ الرِّزْقَ عَلَيْهِ فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الاعمال)
- (الشَّرْحُ)
- قَوْلُهُ قُرْبَةٌ فِي حَقِّهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْقَضَاءِ وَقَوْلُهُ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ احْتِرَازٌ مِنْ عَمَلِ الْمَعْصِيَةِ وَقِيلَ احْتِرَازٌ مِنْ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ مُتَطَوِّعِينَ قَالَ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ وَهُوَ يَجِدُ مَنْ يُؤَذِّنُ مُتَطَوِّعًا مِمَّنْ لَهُ أَمَانَةٌ إلَّا أَنْ يَرْزُقَهُمْ مِنْ مَالِهِ قَالَ وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا بِبَلَدٍ كَثِيرِ الْأَهْلِ يَعُوزُهُ أَنْ يَجِدَ مُؤَذِّنًا أَمِينًا لَازِمًا يؤذن متطوعا فان لمه يَجِدْهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا وَلَا يَرْزُقُهُ إلَّا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ أن يرزقه من غيره من الفئ لان لكله مالكا موضوفا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا وَيَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَخْذُ الرِّزْقِ إذَا رُزِقَ مِنْ حَيْثُ وَصَفْتُ أَنْ يُرْزَقُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ يُرْزَقَ هَذَا نَصُّهُ بِحَرْفِهِ وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال " آخر ما عبد إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أجرا " رواه الترمذي وقال حديت حَسَنٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَ مُؤَذِّنًا وَهُوَ يَجِدُ مُتَبَرِّعًا عَدْلًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ ثُمَّ الْوَصِيُّ لَوْ وَجَدَ مَنْ يَعْمَلُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَكَذَا الْإِمَامُ فَلَوْ وَجَدَ فَاسِقًا مُتَبَرِّعًا وَعَدْلًا لَا يُؤَذِّنُ إلَّا بِرِزْقٍ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْزُقُ الْعَدْلَ وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْمُعْتَمَدِ وَالْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا يَرْزُقُ الْعَدْلَ وَالثَّانِي الفاسق اولي وهذا ليس بشئ وَلَوْ وَجَدَ مُتَطَوِّعًا غَيْرَ حَسَنِ الصَّوْتِ وَغَيْرَهُ رَفِيعَهُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْزُقَ حَسَنَ الصَّوْتِ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُ الْقَاضِي وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَرْزُقُهُ وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْزُقُهُ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً لِظُهُورِ تَفَاوُتِهِمَا وَتَعَلُّقِ الْمَصْلَحَةِ بِهِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأُمِّ إذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الرَّضَاعِ وَوَجَدَ الْأَبُ مُتَبَرِّعَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وَالرِّزْقُ يَكُونُ من خمس خمس الفئ والغنيمة وكذا من أربعة اخماس الفئ إذَا قُلْنَا إنَّهُ لِلْمَصَالِحِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِذَلِكَ بَلْ يَرْزُقُهُ مِنْ كُلِّ مَالٍ هُوَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَمْوَالِ الَّتِي يَرِثُهَا بَيْتُ الْمَالِ وَالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي أَيِّسْنَا مِنْ صَاحِبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالرِّزْقُ يَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَسْجِدٌ وَاحِدٌ رَزَقَ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ مُؤَذِّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَسَاجِدُ وَلَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ النَّاسِ
فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ رَزَقَ عَدَدًا مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمَسَاجِدِ بِحَيْثُ تَحْصُلُ بِهِمْ الْكِفَايَةُ وَيَتَأَدَّى الشِّعَارُ وَإِنْ أَمْكَنَ بِلَا مَشَقَّةٍ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أَحَدُهُمَا يَجْمَعُهُمْ وَيَرْزُقُ وَاحِدًا فَقَطْ وَأَصَحُّهُمَا لَا يَجْمَعُهُمْ بَلْ يَرْزُقُ الْجَمِيعَ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْمَسَاجِدُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلِأَنَّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَاتِ وَفِعْلَهَا فِي مَسَاجِدَ أَكْثَرُ فَضِيلَةً مِنْ أَدَائِهَا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ بَدَأَ بِالْأَهَمِّ وَهُوَ رزق مؤذن الجامع واذان صلاد الْجُمُعَةِ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلِآحَادِ الرَّعِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَ كَمْ شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ فَيَرْزُقُ مَا شَاءَ مِنْ الْعَدَدِ وَمَعَ وُجُودِ المتبرع وفوق قدر الكفاية صرح بِهِ فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ (فَرْعٌ) فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْأَذَانِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَلِآحَادِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا وكذا نقله المتولي وصاحب الذخائر والعبد رى عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي كِتَابِهِ الزَّوَايَا فِي الْخِلَافِ وَالشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَاوُد وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِأَحَدٍ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالْقَفَّالُ وَصَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ دُونَ آحَادِ النَّاسِ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا جَوَّزْنَا لِلْإِمَامِ الِاسْتِئْجَارَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ حَيْثُ يَجُوزُ الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ خِلَافًا وَوِفَاقًا قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَإِنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتُؤَذِّنَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ آحَادُ النَّاسِ فَفِي اشْتِرَاطِ بَيَانِ الْمُدَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الِاشْتِرَاطُ قَالَ وَالْإِقَامَةُ تَدْخُلُ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْأَذَانِ وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْإِقَامَةِ وَحْدَهَا إذْ لَا كُلْفَةَ فِيهَا بِخِلَافِ الْأَذَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا تَخْلُو هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ إشْكَالٍ وَكَذَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي إنْ شَرَطَ لَهُ الْإِمَامُ الْجَعْلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ آخِرِ الْمُدَّةِ بَلْ يَكْفِيهِ كُلُّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ بِكَذَا كَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَإِنْ شَرَطَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي يَشْتَرِطُ كَالْإِجَارَةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ قَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّزْقِ وَالْأُجْرَةِ أَنَّ الرِّزْقَ أَنْ يُعْطِيَهُ كِفَايَتَهُ هُوَ وَعِيَالُهُ وَالْأُجْرَةُ مَا يقع
بِهِ التَّرَاضِي وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ آخِرُ مَا عَهِدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ (إحْدَاهَا) قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ (الثَّانِيَةُ) يُكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا لِعُذْرٍ وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِدَلِيلِهَا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَذَكَرَهَا فِي هَذَا الْبَابِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا (الثَّالِثَةُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَكْتَفِي أَهْلُ الْمَسَاجِدِ الْمُتَقَارِبَةِ بِأَذَانِ بَعْضِهِمْ بَلْ يُؤَذِّنُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَاحِدٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ (الرَّابِعَةُ) قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمُؤَذِّنُ عَلَى أَوَاخِرِ الْكَلِمَاتِ فِي الْأَذَانِ لِأَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا قَالَ الْهَرَوِيُّ وَعَوَامُّ النَّاسِ يَقُولُونَ اللَّهُ أَكْبَرُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ يَفْتَحُ الرَّاءَ فَيَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرَ اللَّهُ أَكْبَرْ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ قَالَ لِأَنَّ الْأَذَانَ سُمِعَ مَوْقُوفًا كَقَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرْ اللَّهُ أَكْبَرْ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ فَحُرِّكَتْ فَتْحَةُ الْأَلْفِ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ لِسُكُونِ الرَّاءِ قَبْلَهَا فَفُتِحَتْ كَقَوْلِهِ تعالى " الم الله لا إله الا هو " وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ يَجْمَعُ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِصَوْتٍ لِأَنَّهُ خَفِيفٌ وَأَمَّا بَاقِي الْكَلِمَاتِ فَيُفْرِدُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِصَوْتٍ وَفِي الْإِقَامَةِ يَجْمَعُ كُلَّ كَلِمَتَيْنِ بِصَوْتٍ (الْخَامِسَةُ) قَالَ الْبَغَوِيّ لَوْ زَادَ فِي الْأَذَانِ ذِكْرًا أَوْ زَادَ فِي عَدَدِ كَلِمَاتِهِ لَمْ يَبْطُلْ أَذَانُهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى اشْتِبَاهِهِ بِغَيْرِ الْأَذَانِ عَلَى السَّامِعِينَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ الْأَكْبَرُ بَدَلَ اللَّهُ أَكْبَرُ صَحَّ أَذَانُهُ كَمَا لَوْ قَالَهُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ (السَّادِسَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ الْمُؤَذِّنِينَ لِيُؤَذِّنُوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَا يَنْتَظِرُهُمْ بِالْإِقَامَةِ وَأَنْ يَأْمُرَهُمْ فَيُقِيمُوا فِي الْوَقْتِ هَذَا نَصُّهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقْتُ الْأَذَانِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْمُؤَذِّنِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُرَاجَعَةِ الْإِمَامِ وَوَقْتُ الْإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِالْإِمَامِ فَلَا يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ إلَّا بِإِشَارَتِهِ فَلَوْ أَقَامَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الرَّاجِحَ وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الِاعْتِدَادِ (السَّابِعَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَتَرْكُ الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْحَضَرِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَجْهُ
ذَلِكَ أَنَّ السَّفَرَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ وَفِعْلِ الرُّخَصِ وَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَذَانِ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ وَالْمُسَافِرُونَ لَا يَتَفَرَّقُونَ غَالِبًا قَالَ فِي الْأُمِّ وَلَوْ تَرَكَتْ الْمَرْأَةُ الْإِقَامَةَ لِصَلَاتِهَا لَمْ أَكْرَهُ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا مَا أَكْرَهُ مِنْ تَرْكِهَا لِلرِّجَالِ وان كنت احب ان نقيم قَالَ فِي الْأُمِّ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ بِأَذَانِ رَجُلٍ لَمْ يُؤَذِّنْ لَهُ يَعْنِي لَمْ يَقْصِدْ الْأَذَانَ لِهَذَا الرَّجُلِ وَهَذَا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ قَالُوا لَوْ اجْتَازَ رَجُلٌ بِمَسْجِدٍ قَدْ أُذِّنَ فِيهِ اكْتَفَى بِذَلِكَ الْأَذَانِ وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ لَمْ يَقْصِدْهُ (الثَّامِنَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي لَوْ أَذَّنَ بِالْفَارِسِيَّةِ إنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ جَمَاعَةٍ لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَمْ لَا: لِأَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُحْسِنُ وَإِنْ كَانَ أَذَانُهُ لِنَفْسِهِ فان كان لم يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يُجْزِئْهُ كَأَذْكَارِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ هَذَا كَلَامُهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ أَنَّ مُؤَذِّنَ الْجَمَاعَةِ لَا يُجْزِئُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحَّ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي تَعْلِيقِهِ (التاسعة) قاله الدَّارِمِيُّ لَوْ لُقِّنَ الْأَذَانَ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ الْإِعْلَامِ (الْعَاشِرَةُ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْأَذَانِ إذَا كَانَتْ لَيْلَةً مَطِيرَةً أَوْ ذَاتَ رِيحٍ وَظُلْمَةٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ إذَا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ أَلَا صَلُّوا في رحالكم قال فَإِنْ قَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ فَلَا بَأْسَ هَذَا نَصُّهُ وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَقَطَعَ بِهِ وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ ذَكَرُوهُ بِحُرُوفِهِ الَّتِي نَقَلْتُهَا وَاحْتَجُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَقَالَ تَغْيِيرُ الْأَذَانِ من غير ثبت مُسْتَبْعَدٌ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَهَذَا الَّذِي اسْتَبْعَدَهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالسُّنَّةُ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَفِي أَثْنَائِهِ فَرَوَى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ ثُمَّ قَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةً ذَاتَ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنَهُ بِهِ فِي السَّفَرِ " وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي ردع فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَقَالَ كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا قَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ وَهُوَ يَوْمُ جُمُعَةٍ " إذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا فَقَالَ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " فَعَلَهُ مَنْ هُوَ
خَيْرٌ مِنِّي " يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " أَذَّنَ مُؤَذِّنُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ فَذَكَرَهُ " * قال المصنف رحمه الله *
- ﴿باب طهارة البدن وما يصلي فيه وعليه﴾
- (الطَّهَارَةُ ضَرْبَانِ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ وَطَهَارَةٌ عَنْ نجس فأما الطهارة عن الحدث فهى شرط في صحة الصلاة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول " وقد مضى حكمها في كتاب الطهارة)
- (الشَّرْحُ)
- هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَالْمُرَادُ فِعْلُ الطَّهَارَةِ وَالْغُلُولُ بِضَمِّ الْغَيْنِ لَا غَيْرُ وَهُوَ الْخِيَانَةُ يُقَالُ غَلَّ وَأَغَلَّ أَيْ خَانَ وَقَوْلُهُ هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ إمَّا بِالْمَاءِ وَإِمَّا بالتيمم بشرطه سراء صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ جَوَازَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِلْمُحْدِثِ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ وَهَذَا بَاطِلٌ فَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً وَلَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بغير طهور
- قال المصنف رحمه الله
- (وأما طهارة البدن عن النجاسة فهي شرط في صحة الصلاة والدليل عليها قوله صلى الله عليه وسلم " تنزهوا من البول فان عامة عذاب القبر منه ")
- (الشَّرْحُ)
- هَذَا الْحَدِيثُ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَلِمَهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ نَسِيَهَا أَوْ جَهِلَهَا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ
وفيه خلاف نذكره حيث ذكرء الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ وَسَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِجَمِيعِهَا هَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَصَحُّهَا وَأَشْهُرُهَا أَنَّهُ إنْ صَلَّى عَالِمًا بِهَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا صَحَّتْ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِيَةُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلِمَ أَوْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ وَالثَّالِثَةُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ النَّجَاسَةِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا مُتَعَمِّدًا وَإِزَالَتُهَا سُنَّةٌ وَنَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جبير نحوه وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إزَالَتَهَا شَرْطٌ إلَّا مَالِكًا وَاحْتُجَّ لِمَالِكٍ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " بَيْنَمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد خَبَثًا بَدَل قَذَرًا وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى وَفِي رِوَايَةٍ دَمَ حَلَمَةٍ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِ اللَّهِ تعالي (وثيابك فطهر) وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ ثِيَابَكَ الْمَلْبُوسَةَ وَأَنَّ مَعْنَاهُ طَهِّرْهَا مِنْ النَّجَاسَةِ وَقَدْ قِيلَ فِي الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا لَكِنَّ الْأَرْجَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِحَدِيثِ " تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ " وَهُوَ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ من وجهين أحدهما أن القذر هو الشئ الْمُسْتَقْذَرُ كَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا الثَّانِي لَعَلَّهُ كَانَ دَمًا يَسِيرًا أَوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ طِينِ الشَّوَارِعِ وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ
- والله أعلم * قال المصنف رحمه الله
- (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ دِمَاءٌ وَغَيْرُ دِمَاءٍ فَأَمَّا غَيْرُ الدماء فينظر فيه فان كان قدرا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يشق الاحتراز منه وان كان قدرا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ فَفِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالطَّرَفِ فَعُفِيَ عَنْهُ كَغُبَارِ السِّرْجِينِ وَالثَّانِي لَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَلَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَاَلَّذِي يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ وَالثَّالِثُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يُعْفَى عَنْهُ وَالثَّانِي لَا يُعْفَى وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرْنَا)
- (الشَّرْحُ)
- هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ كَمَا ذَكَرَ وَأَصَحُّ الطُّرُقِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْمِيَاهِ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ سَبْعَ طُرُقٍ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَالْأَصَحُّ يُعْفَى فِيهِمَا وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ يَقْتَضِي أَنَّ وَنِيمَ الذُّبَابِ لَا يُعْفَى عَنْهُ بِلَا خِلَافٍ إذَا أَدْرَكَهُ الطَّرَفُ وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ أَنَّ لَهُ حُكْمَ دَمِ الْبَرَاغِيثِ لِأَنَّهُ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كدم البراغيث
- قال المصنف رحمه الله
- (وَأَمَّا الدِّمَاءُ فَيُنْظَرُ فِيهَا فَإِنْ كَانَ دَمَ القمل والبراغيث وما أشبهها فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ شَقَّ وَضَاقَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرج) وَفِي كَثِيرِهِ وَجْهَانِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَا يَشُقُّ غَسْلُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ يُعْفَى عَنْهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لانه هَذَا الْجِنْسَ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ فالحق نادره بغالبه وان كان دم غيرها مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَالَ فِي الام يغفى عَنْ قَلِيلِهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَافَاهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو مِنْ بَثْرَةٍ وَحِكَّةٍ يَخْرُجُ مِنْهَا هَذَا الْقَدْرُ فَعُفِيَ عَنْهُ وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ لَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَلَا عَنْ كَثِيرِهِ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ لَا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَلَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَالْبَوْلِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ يُعْفَى عَمَّا دُونَ الْكَفِّ ولا يعفى عن الكلف والاول اصح)
- (الشَّرْحُ)
- الْبَثْرَةُ بِإِسْكَانِ الثَّاءِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ الاسكان أَشْهُرُ وَهِيَ خُرَّاجٌ صَغِيرٌ وَيُقَالُ بَثِرَ وَجْهُهُ بِكَسْرِ الثَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْحِكَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهِيَ الْجَرَبُ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ أَمَّا دَمُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ والقردان وغيرها مِمَّا لَا نَفْسَ
لَهُ سَائِلَةٌ فَهُوَ نَجِسٌ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَذَكَرْنَا خِلَافَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِيهِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَفِي كَثِيرِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أحدهما قاله الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَأَصَحُّهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ يُعْفَى عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ وَسَائِرِ أَصْحَابِنَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ الْقَلِيلُ هُوَ مَا تَعَافَاهُ النَّاسُ أَيْ عَدُّوهُ عَفْوًا وَتَسَاهَلُوا فِيهِ والكثير ما غلب علي الثوب وطبقه وَذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي ضَبْطِ الْقَلِيلِ كَلَامًا طَوِيلًا اخْتَصَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَخَصَّهُ فَقَالَ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ الْقَلِيلُ قَدْرُ دِينَارٍ وَفِي قَدِيمٍ آخَرَ الْقَلِيلُ ما دون الكلف وَعَلَى الْجَدِيدِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْكَثِيرُ مَا يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ وَإِمْعَانِ طَلَبٍ وَالْقَلِيلُ دُونَهُ وَأَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ إلَى الْعَادَةِ فَمَا يَقَعُ التَّلَطُّخُ بِهِ غَالِبًا وَيَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَقَلِيلٌ وَمَا لَا فَكَثِيرٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَوْقَاتِ وَعَلَى الثَّانِي وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُعْتَبَرُ الْوَسَطُ الْمُعْتَدِلُ فَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْبِلَادِ وَالْأَوْقَاتِ مَا يَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ يَتَفَاحَشُ وَأَصَحُّهُمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْبِلَادِ وَيَجْتَهِدُ الْمُصَلِّي هَلْ هُوَ قَلِيلٌ أَمْ كَثِيرٌ فَلَوْ شَكَّ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَرْجَحُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ لَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ وَالثَّانِي لَهُ حُكْمُ الْكَثِيرِ وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الدَّمِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ بِالِاتِّفَاقِ فَلَوْ كَانَ قَلِيلًا فَعَرِقَ وَانْتَشَرَ التَّلَطُّخُ بِسَبَبِهِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْكَثِيرِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ يُعْفَى عنه وقال
القاضي حسين لا يعفى.
وَلَوْ أَخَذَ قَمْلَةً أَوْ بُرْغُوثًا وَقَتَلَهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَتَلَوَّثَتْ بِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ كَثُرَ ذَلِكَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يُعْفَى عَنْهُ قَالَ وَلَوْ كَانَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ فِي ثَوْبٍ فِي كُمِّهِ وَصَلَّى بِهِ أَوْ بَسَطَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَوَجْهَانِ
أَمَّا دم ماله نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِنْ آدَمِيٍّ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فَفِيهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ أَصَحُّهَا بِالِاتِّفَاقِ قَوْلُهُ فِي الْأُمِّ إنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَافَاهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ يَعْنِي يَعُدُّونَهُ عَفْوًا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ يَعُدُّونَهُ عَفْوًا قَدْ عُفِيَ لَهُمْ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلَّفُوا إزَالَتَهُ لِلْمَشَقَّةِ فِي التَّحَفُّظِ مِنْهُ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِلُمْعَةٍ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي دَمِ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَحَيَوَانٍ آخَرَ وَأَمَّا دَمُ نَفْسِهِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَخْرُجُ مِنْ بَثْرَةٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ فَلَهُ حُكْمُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ بِالِاتِّفَاقِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ قَطْعًا وَفِي كَثِيرِهِ الْوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْعَفْوُ فَلَوْ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ قَلِيلٌ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ السابقين في دوم الْقَمْلَةِ وَنَحْوِهَا إذَا عَصَرَهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ (الضَّرْبُ الثَّانِي) مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا مِنْ الْبَثَرَاتِ بَلْ مِنْ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا وَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَدَمٍ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَثَرَاتِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَفِي كَثِيرِهِ الْوَجْهَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ كَجٍّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ كَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ وَمَا يَدُومُ غَالِبًا فَسَبَقَ حُكْمُهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَأَمَّا مَاءُ الْقُرُوحِ فَسَبَقَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ إنْ تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ وَالثَّانِي عَلَى قَوْلَيْنِ وَحَيْثُ نَجَّسْنَاهُ فَهُوَ كَالْبَثَرَاتِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقَيْحُ الْأَجْنَبِيِّ وَصَدِيدُهُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ كَدَمِ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْكَلَامَ فِي الدِّمَاءِ عَلَى مَا سَبَقَ وَقَيَّدَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْخِلَافَ فِي الْعَفْوِ بِغَيْرِ دم
الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَشَارَ الي انه لا يعفى عن شئ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ قَالَ الْبَغَوِيّ وَحُكْمُ وَنِيمِ الذُّبَابِ وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ حُكْمُ الدَّمِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ
- (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ لَوْ كَانَ في صلاة فأصابه شئ جَرَحَهُ وَخَرَجَ الدَّمُ يَدْفُقُ وَلَمْ يُلَوِّثْ الْبَشَرَةَ أَوْ كَانَ التَّلْوِيثُ قَلِيلًا بِأَنْ خَرَجَ كَخُرُوجِ الْفَصْدِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه في الرجلين الدين حَرَسَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُرِحَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ يُصَلِّي فَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ وَدِمَاؤُهُ تَسِيلُ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ قَالُوا وَلِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْبَشَرَةِ لَا يُضَافُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الدَّمِ مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ وَلِهَذَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ مِنْ أَبِرِيقٍ عَلَى نَجَاسَةٍ وَاتَّصَلَ طَرَفُ الْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الدِّمَاءِ: ذَكَرْنَا مَذْهَبَنَا وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا دُونَ نِصْفِ الثَّوْبِ وَلَا يُعْفَى عَنْ نِصْفِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ يُعْفَى عَمَّا دُونَ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّجَاسَةَ مِنْ الدَّمِ وَغَيْرِهِ إنْ كَانَتْ قدر درهم بعلي عُفِيَ عَنْهَا وَيُعْفَى عَنْ أَكْثَرَ وَعَنْ النَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ يُعْفَى عَنْ قَدْرٍ دُونَ دِرْهَمٍ لَا عن درهم * قال المصنف رحمه الله
- (إذَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَلَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهَا بِهِ صَلَّى وَأَعَادَ كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَإِنْ كَانَ عَلَى قَرْحِهِ دَمٌ يَخَافُ مِنْ غَسْلِهِ صَلَّى وَأَعَادَ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ لَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ يُعْذَرُ فِي تَرْكِهَا فَسَقَطَ مَعَهَا الْفَرْضُ كَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ صَلَّى بِنَجَسٍ نَادِرٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ فَلَمْ يَسْقُطْ مَعَهُ الْفَرْضُ كَمَا لَوْ صَلَّى بنجاسة نسيها)
- (الشَّرْحُ)
- الْقَرْحُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ وَقَوْلُهُ صَلَّى بِنَجَسٍ نَادِرٍ احْتِرَازٌ مِنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَقَوْلُهُ غَيْرِ مُتَّصِلٍ احْتِرَازٌ مِنْ دَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَإِذَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَعَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بشئ فاتوا منه ما استطتم " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَتَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ قَوْلٌ غَرِيبٌ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أَمَرْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى نَوْعِ خَلَلٍ.
أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى قَرْحِهِ دَمٌ يَخَافُ مِنْ غَسْلِهِ وَهُوَ كَثِيرٌ بِحَيْثُ لَا يُعْفَى عَنْهُ فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ: الْجَدِيدُ الْأَصَحُّ وُجُوبُهَا وَالْقَدِيمُ لَا يَجِبُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُد وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْخَوْفِ مَا سَبَقَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ نَسِيَهَا هَذَا عَلَى طَرِيقَتِهِ وَطَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ نَسِيَهَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ عِنْدَهُمْ فِيمَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ جَهِلَهَا فَلَمْ يَعْلَمْهَا قَطُّ وَعِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي النَّاسِي خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْجَاهِلِ وَسَنُوضِحُهُ قَرِيبًا حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
*
- قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ الله
- (وَإِنْ جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ مِنْ قَلْعِهِ لَزِمَهُ قَلْعُهُ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا أَوْصَلَهَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ لَا يُخَافُ التَّلَفُ مِنْ إزَالَتِهَا فَأَشْبَهَ إذَا وَصَلَتْ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا بِشَعْرٍ نَجِسٍ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ قَلْعِهِ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَلْعِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ تَدْخُلهُ النِّيَابَةُ فإذا امتنع لزم السلطان أن يفعله كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَإِنْ خَافَ التَّلَفَ مِنْ قَلْعِهِ لَمْ يَجِبْ قَلْعُهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَجِبُ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَعِدْوَانِهِ فَانْتُزِعَ مِنْهُ وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّلَفُ كَمَا لَوْ غَصَبَ مَالًا وَلَمْ يُمْكِنْ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ إلَّا بِضَرْبٍ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ يَسْقُطُ حُكْمُهَا عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ وَلِهَذَا يَحِلُّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ خَوْفِ التَّلَفِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَإِنْ مَاتَ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يُقْلَعُ حَتَّى لَا يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُقْلَعُ لِأَنَّ قَلْعَهُ عِبَادَةٌ وَقَدْ سَقَطَتْ الْعِبَادَةُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ وَإِنْ فَتَحَ مَوْضِعًا مِنْ بَدَنِهِ وَطَرَحَ فِيهِ دَمًا وَالْتَحَمَ وَجَبَ فَتْحُهُ وَإِخْرَاجُهُ كَالْعَظْمِ وَإِنْ شَرِبَ خَمْرًا فَالْمَنْصُوصُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَقَايَأَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَظْمِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يلزمه لان النجاسة حصلت في معدنها فَصَارَ كَالطَّعَامِ الَّذِي أَكَلَهُ وَحَصَلَ فِي الْمَعِدَةِ)
- (الشَّرْحُ)
- إذَا انْكَسَرَ عَظْمُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْبُرَهُ بِعَظْمٍ طَاهِرٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْبُرَهُ بِنَجِسٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى طَاهِرٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فَإِنْ جَبَرَهُ بِنَجِسٍ نُظِرَ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى الْجَبْرِ وَلَمْ يَجِدْ طَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهُ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ أو وجد طَاهِرًا يَقُومُ مَقَامَهُ أَثِمَ وَوَجَبَ نَزْعُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ تَلَفَ نَفْسِهِ وَلَا تَلَفَ عُضْوٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّيَمُّمِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ وَلَا يُعْذَرُ بِالْأَلَمِ الَّذِي يَجِدُهُ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ وَسَوَاءٌ اكْتَسَى الْعَظْمُ لَحْمًا أَمْ لَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ حَصَلَتْ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ أَنَّهُ إذَا اكْتَسَى اللَّحْمُ لَا يُنْزَعُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْهَلَاكَ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَمَال إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَإِنْ خَافَ مِنْ النَّزْعِ هَلَاكَ النَّفْسِ أو عضوا أَوْ فَوَاتَ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ لَمْ يَجِبْ النَّزْعُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ قَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَغَيْرُهُ لَوْ لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ وَخَافَ كَثْرَةَ الْأَلَمِ وَتَأَخُّرَ الْبُرْءِ وَقُلْنَا لَوْ خَافَ التَّلَفَ لَمْ يَجِبْ النَّزْعُ فَهَلْ يَجِبُ هُنَا فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي نَظِيرِهِ فِي التَّيَمُّمِ وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا النَّزْعَ فَتَرَكَهُ لَزِمَهُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مَعَهُ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ مُتَعَمِّدًا وَمَتَى وَجَبَ النَّزْعُ فَمَاتَ قَبْلَهُ لَمْ يَنْزِعْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَفِيهِ وَجْهُ أَبِي الْعَبَّاسِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ وَهُمَا جَارِيَانِ سَوَاءٌ اسْتَتَرَ بِاللَّحْمِ أَمْ لَا وَقِيلَ إنْ اسْتَتَرَ لَمْ يَنْزِعْ وَجْهًا وَاحِدًا فَإِذَا قُلْنَا يَنْزِعُ فَهَلْ النَّزْعُ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي
(فَرْعٌ) مُدَاوَاةُ الْجُرْحِ بِدَوَاءٍ نَجِسٍ وَخَيَّاطَتُهُ بِخَيْطٍ نَجِسٍ كَالْوَصْلِ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَيَجِبُ النَّزْعُ حَيْثُ يَجِبُ نَزْعُ الْعَظْمِ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ وَكَذَا لَوْ فَتَحَ مَوْضِعًا مِنْ بَدَنِهِ وَطَرَحَ فِيهِ دَمًا أَوْ نَجَاسَةً أُخْرَى أَوْ وَشَمَ يَدَهُ أَوْ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَنْجُسُ عِنْدَ الْغَرْزِ فَلَهُ حُكْمُ الْعَظْمِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ قال الرافعى وفى تعليق الفرا أَنَّهُ يُزَالُ الْوَشْمُ بِالْعِلَاجِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْجُرْحِ لَا يُجْرَحُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بعد التوبة
- (فرع) إذا شرب حمرا أَوْ غَيْرَهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَايَأَهُ هَذَا نَصُّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَقَالَ فِي الْأُمِّ وَلَوْ أُسِرَ رَجُلٌ فَحُمِلَ عَلَى شُرْبِ مُحَرَّمٍ أَوْ أَكْلِ مُحَرَّمٍ وَخَافَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَايَأَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَهَذَانِ النَّصَّانِ ظَاهِرَانِ أَوْ صَرِيحَانِ فِي وُجُوبِ الِاسْتِقَاءَةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْمُسْتَظْهَرَيْ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ
- (فَرْعٌ) لَوْ انْقَلَعَتْ سِنُّهُ فَرَدَّهَا مَوْضِعَهَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى طَرِيقَتِهِمْ أَنَّ عُضْوَ الْآدَمِيِّ الْمُنْفَصِلَ فِي حَيَاتِهِ نَجِسٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ طَهَارَتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَلَوْ تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ فَلَهُ أَنْ يَرْبِطَهَا بِفِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَهِيَ طهارة بِلَا خِلَافٍ وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ
- (فَرْعٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَا تَصِلُ المرأة بشعرها شعر انسان ولا شعر مالا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِحَالٍ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا وَصَلَتْ شَعْرَهَا بِشَعْرِ آدَمِيٍّ فَهُوَ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ شَعْرَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَسَوَاءٌ شَعْرُ الْمَحْرَمِ وَالزَّوْجِ وَغَيْرِهِمَا بِلَا خِلَافٍ لِعُمُومِ
الاحاديث الصحيحة في لعن الواصلة المستوصلة وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ لِكَرَامَتِهِ بَلْ يُدْفَنُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ وَإِنْ وَصَلَتْهُ بِشَعْرِ غَيْرِ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ شعرا نجسا وهو شعر الميتة وشعر مالا يُؤْكَلُ إذَا انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ فَهُوَ حَرَامٌ أيضا بلا خلاف للحديث ولانه حَمَلَ نَجَاسَةً فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا عَمْدًا وَسَوَاءٌ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَأَمَّا الشَّعْرُ الطَّاهِرُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَحَكَاهُ الشَّاشِيُّ وَرَجَّحَهُ وَحَكَاهُ غَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَيُبْطِلُهُ عُمُومُ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الدَّارِمِيُّ وَآخَرُونَ أَصَحُّهَا عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إنْ وصلت باذنه جاز والاحرم وَالثَّانِي يَحْرُمُ مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الْحَاوِي وَالْمَحَامِلِيُّ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ جَازَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ كُرِهَ فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالصَّحِيحُ مَا صَحَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا أَقْوَى لِظَاهِرِ إطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ وَالْخِضَابُ بِالسَّوَادِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ حَرَامٌ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وباذنه وجهان اصحهما التحريم وقال الرابعي تَحْمِيرُ الْوَجْنَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ أَوْ فَعَلَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَحَرَامٌ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَجَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ وَجْهَانِ كَالْوَصْلِ قَالَ وَأَمَّا الْخِضَابُ بِالسَّوَادِ وَتَطْرِيفُ الْأَصَابِعِ فَأَلْحَقُوهُ بِالتَّحْمِيرِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَيَقْرَبُ مِنْهُ تَجْعِيدُ الشَّعْرِ وَلَا بَأْسَ بِتَصْفِيفِ الطُّرَرِ وَتَسْوِيَةِ الْأَصْدَاغِ وَأَمَّا الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ فَمُسْتَحَبٌّ لِلْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ فِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا تَعْمِيمًا لَا تَطْرِيفًا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا وَقَدْ أَطْلَقَ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ اسْتِحْبَابَ الْخِضَابِ لِلْمَرْأَةِ وَمُرَادُهُمْ الْمُزَوَّجَةُ
- وَأَمَّا الرَّجُلُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخِضَابُ إلَّا لِحَاجَةٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي نَهْي الرِّجَالِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِأَدِلَّتِهَا فِي آخِرِ بَابِ السِّوَاكِ وَأَمَّا الْوَشْمُ وَالْوَشْرُ وَهُوَ تَحْدِيدُ الْأَسْنَانِ فحرام عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُزَوَّجَةِ الْخَلُوقُ وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ السِّوَاكِ وَمِمَّا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْوَشْمِ وَالْوَصْلِ وَالْوَشْرِ وَغَيْرِهَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنَتِي أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا وَإِنِّي زَوَّجْتُهَا أَفَأَصِلُ فِيهِ فَقَالَ " لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ قَوْلُهَا تَمَرَّقَ هو بالراء المهملة يعنى انتثر وَسَقَطَ: وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ فَقَالَ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ ويقول انما هلكت بنوا إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَهَا نِسَاؤُهُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قال لعن الله الواشمات والمستوشمات والمنتمصات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَقَالَتْ لَهُ امرأة في ذلك فقال ومالى لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ الْمُتَفَلِّجَةُ الَّتِي تَبْرُدُ مِنْ أَسْنَانِهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَتُحَسِّنُهَا وَهُوَ الْوَشْرُ وَالنَّامِصَةُ الَّتِي تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبِ وترققه ليصير حسنا والمنتمصة الَّتِي تَأْمُرُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا
- (فَرْعٌ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَصْلِ فِي الْجُمْلَةِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ طَائِفَةٍ جَوَازَهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَ وَلَا يَصِحُّ عَنْهَا بَلْ الصَّحِيحُ عَنْهَا كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ قَالَ وَالْوَصْلُ بِالصُّوفِ وَالْخِرَقِ كَالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَجَوَّزَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ بِغَيْرِ الشَّعْرِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِحَدِيثِ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وهذا عام في كل شئ فَأَمَّا رَبْطُ الشَّعْرِ بِخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ وَأَشَارَ الْقَاضِي إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَقْصُودِ الْوَصْلِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ
- (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ وَصْلَ الشَّعْرِ مِنْ الْمَعَاصِي الكبائر للعن فاعله
- قال المصنف رحمه الله
- (وَأَمَّا طَهَارَةُ الثَّوْبِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ فَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تعالي " وثيابك فطهر " فَإِنْ كَانَ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهَا بِهِ صَلَّى عريانا ولا يصلي في الثوب قال في الْبُوَيْطِيُّ وَقَدْ قِيلَ يُصَلِّي فِيهِ وَيُعِيدُ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الْعُرْيِ يَسْقُطُ بِهَا الفرض ومع النجاسة لا يسقط فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ صَلَاةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ إلَى صَلَاةٍ لَا يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ)
- (الشَّرْحُ)
- طَهَارَةُ الثَّوْبِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَسْلِهِ فَطَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي عُرْيَانًا وَأَشْهُرُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَالثَّانِي يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَدَلِيلُهُمَا فِي الْكِتَابِ فَإِنْ قُلْنَا يُصَلِّي عُرْيَانًا فَلَا إعَادَةَ وَإِنْ قُلْنَا يُصَلِّي فِيهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا مَوْضِعًا نَجِسًا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الْإِبَانَةِ وَغَيْرِهِ أَصَحُّهُمَا يَجِبُ أَنْ يَنْزِعَهُ فَيَبْسُطَهُ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا إعَادَةَ وَالثَّانِي يُصَلِّي فِيهِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيُعِيدُ وَوَجْهُهُمَا مَا سَبَقَ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ يَسْقُطُ الْفَرْضُ به وانما يحرم في غير محل الضَّرُورَةِ وَالثَّانِي يُصَلِّي عَارِيًّا لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِسُتْرَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا إعَادَةَ لِمَا ذَكَرْنَا وَيَلْزَمُهُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجَسِ وَالْحَرِيرِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِلسَّتْرِ عَنْ الْأَعْيُنِ وَكَذَا فِي الْخَلْوَةِ إذَا أَوْجَبْنَا السَّتْرَ فِيهَا
(فَرْعٌ) لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ طَرَفُهُ نَجِسٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مَاءٌ يَغْسِلُهُ بِهِ وَأَمْكَنَهُ قَطْعُ موضع النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ بِالْقَطْعِ قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْلِ السُّتْرَةِ لَزِمَهُ قَطْعُهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فلا يلزمه ذكره الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ
- (فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وقال مالك والمزني يصلي فيه وَلَا يُعِيدُ وَقَالَ أَحْمَدُ يُصَلِّي فِيهِ وَيُعِيدُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ شَاءَ صَلَّى فِيهِ وَإِنْ شَاءَ عُرْيَانًا وَلَا إعَادَةَ فِي الْحَالَيْنِ
- قال المصنف رحمه الله
- (فان اضطر الي لبس الثوب لحر أو برد صلى فيه وأعاد إذا قدر لانه صلي بنجس نادر غير متصل فلا يَسْقُطْ مَعَهُ الْفَرْضُ كَمَا لَوْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ نسيها)
- (الشَّرْحُ)
- قَوْلُهُ نَادِرٍ احْتِرَازًا مِنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ ونحوه قوله غير متصل احتراز من دم الاستحضاضة وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِمَا وَإِذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا صَلَّى فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِمَا ذَكَرَهُ * قال المصنف رحمه الله
- (وان قدر علي غسله وخفى عليه موضع النجاسة لزمه أن يغسل الثوب كله ولا يتحرى فيه لان التحرى انما يكون في عينين فان شقه نصفين لم يتحر فيه لانه يجوز أن يكون الشق في موضع النجاسة فتكون القطعتان نجستين)
- (الشَّرْحُ)
- هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ حَكَى فِيمَا إذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ وَجْهًا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ بَعْضَهُ كَفَاهُ وَيُصَلِّي فِيهِ لِأَنَّهُ يَشُكُّ بَعْدَ ذَلِكَ في نجاسته والاصل طهارته وهذا ليس بشئ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ النَّجَاسَةَ فِي هَذَا الثَّوْبِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِهِ هُوَ إذَا احْتَمَلَ وُجُودَ النَّجَاسَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي مُقَدَّمِهِ وَجَهِلَ مَوْضِعَهَا وَعَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مُؤَخَّرِهِ وَجَبَ غَسْلُ مُقَدَّمِهِ فَقَطْ فَلَوْ أَصَابَتْ يَدُهُ الْمُبْتَلَّةُ بَعْضَ هَذَا الثَّوْبِ قَبْلَ غَسْلِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْيَدِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الَّذِي أَصَابَتْهُ طَاهِرٌ صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وغيره * قال المصنف رحمه الله ** (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ وَاشْتَبَهَا تَحَرَّى وَصَلَّى فِي الطَّاهِرِ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ فَجَازَ التَّحَرِّي فِيهِ كَالْقِبْلَةِ فَإِنْ اجتهد فلم يؤد الِاجْتِهَادُ إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا صَلَّى عُرْيَانًا وَأَعَادَ لِأَنَّهُ صَلَّى وَمَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ وَإِنْ أَدَّاهُ الِاجْتِهَادُ إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا وَنَجَاسَةِ الْآخَرِ فَغَسَلَ النَّجِسَ عِنْدَهُ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ لَبِسَهُمَا مَعًا وَصَلَّى فيهما ففيه وجهان قال أبو إسحق تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَقَدْ تَيَقَّنَ حُصُولَ النَّجَاسَةِ وَشَكَّ فِي زَوَالِهَا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي غَسَلَهُ هُوَ الطَّاهِرُ فلم تصح صلاته كالثوب الواحد إذا أصابته نجاسة وخفى مَوْضِعُهَا فَتَحَرَّى وَغَسَلَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالتَّحَرِّي وَصَلَّى فِيهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ بِيَقِينٍ وَثَوْبٍ طَاهِرٍ فِي الظَّاهِرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى في ثوب اشتراه لا يعلم حاله وَثَوْبٍ غَسَلَهُ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي أَحَدِ الكمين واشتبه فوجهان قال أبو إسحق لَا يَتَحَرَّى لِأَنَّهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَتَحَرَّى لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ مُتَمَيِّزَتَانِ هُمَا كَالثَّوْبَيْنِ فَإِنْ فَصَلَ أَحَدَ الْكُمَّيْنِ جَازَ التَّحَرِّي فِيهِ بلا خلاف)
- (الشَّرْحُ)
- فِيهِ مَسَائِلُ (إحْدَاهَا) إذَا اشْتَبَهَ ثَوْبٌ طاهر بثوب نَجِسٌ لَزِمَهُ التَّحَرِّي فِيهِمَا وَيُصَلِّي فِي الَّذِي يُؤَدِّي اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَفِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ سَبَقَ بَيَانُهُ بِأَدِلَّتِهِ فِي بَابِ التَّحَرِّي فِي الْمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ عَدَدُ الطَّاهِرِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ حَتَّى لَوْ اشْتَبَهَ عَشْرَةُ ثِيَابٍ أَحَدُهَا طَاهِرٌ وَالْبَاقِي نَجِسٌ اجْتَهَدَ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ وَاشْتَبَهَا وَمَعَهُ ثَالِثٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ أَوْ مَعَهُ مَا يُمْكِنُ بِهِ غَسْلُ ثَوْبٍ هَلْ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي مِثْلِهِ فِي الْأَوَانِي أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَغْسِلُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَعَهُ ثَالِثٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي إتْلَافِ الْمَاءِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِهِ فِيهِ احْتِرَازَاتٌ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي بَابِ الشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَقَوْلُهُ شَرْطٌ هُوَ الصَّوَابُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُنَاكَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا هُنَاكَ وَقَاسَ عَلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهَا مَعَ أَنَّ جِهَاتِ الْخَطَأِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ جِهَةِ الصَّوَابِ (الثَّانِيَةُ) إذَا اجْتَهَدَ فَتَحَيَّرَ ولم يظهر له بالاجتهاد شئ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ صَلَّى عُرْيَانًا وَمَعَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ وَعُذْرُهُ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا صَلَّى فِيهِ وَأَعَادَ لِئَلَّا يَكْشِفَ عَوْرَتَهُ وَفِيهِ وَجْهٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ صَاحِبَا الْحَاوِي وَالْبَيَانِ أَنَّهُ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ ثَوْبٍ مَرَّةً وَلَا إعَادَةَ حينئذ وهذا ليس بشئ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ بِنَجَاسَةٍ بِيَقِينٍ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُصَلِّي عُرْيَانًا وَيُعِيدُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ
مَعَهُ مَاءٌ يَغْسِلُ بِهِ أَحَدَهُمَا فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ أَحَدِهِمَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغَسْلُ لِأَنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يُرِيدُ غَسْلَهُ لَا يَتَيَقَّنُ نَجَاسَتَهُ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ غسل مالا يَعْلَمُ نَجَاسَتَهُ وَهَذَا خَيَالٌ عَجِيبٌ وَخَطَأٌ ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا أَذْكُرُ مِثْلَهُ لِأُبَيِّنَ بُطْلَانَهُ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي جَوَابِ هَذَا إنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ النَّجِسِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ إلَّا بِغَسْلِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا: (الثَّالِثَةُ) إذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى طَهَارَةِ أَحَدِهِمَا فَغَسَلَ الْآخَرَ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا إلَّا وَجْهًا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الَّذِي لَمْ يَغْسِلْهُ وَهَذَا لَيْسَ بشئ فَلَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا وَصَلَّى فَفِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي أَحَدِ كُمَّيْنِ وَاشْتَبَهَ فَفِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ بِدَلِيلِهِمَا أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ فَلَوْ فَصَلَ أَحَدَهُمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ مُتَمَيِّزَتَانِ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ نُجِّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ أَحَدُ أَصَابِعِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فَلَوْ اجْتَهَدَ وَغَسَلَ مَا ظَنَّ نَجَاسَتَهُ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ غسل أحد كميه بالاجتهاد ثم فصله عَنْ الثَّوْبِ فَجَوَازُ الصَّلَاةِ فِيمَا لَمْ يَغْسِلْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِأَنَّ النَّجِسَ هُوَ هَذَا الْكُمُّ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَهُ