كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فحرج من القاصعاء وإن طلب من القاصعاء نفق فخرج من النافقاء، وكذلك المنافق يدخل في الكفر ويخرج من الاسلام مراءاة للكفار، ويخرج من الكفر ويدخل في الاسلام مراءأه للمسلين (والثالث) أنه مشتق من النافقاء بمعنى آخر ذلك أنه يحفر في الارض حتى إذا كاد أن يبلغ ظاهرها أرق التراب، فإذا خاف خرق الارض وبقى في ظاهره تراب وظاهر حجره تراب وباطنه حفر، المنافق باطنه كفر وظاهره إيمان، ولليربوع أربعة أجحرة الراهطاء والنافقاء والقاصعاء والدأماء.
قوله (عدوى وعدوكم) قال الهروي العداوة تباعد القلوب والنيات، وقال
ابن الانباري لانه يعدو بالمكروه والظلم، ويقال عدا عليه عدوا إذا ظلمه، قال الله تعالى (فيسبوا الله عدوا بغير علم) أي ظلما والعدو يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال الله تعالى (فإنهم عدو لى) وقال (وهم لكم عدو) وقال الشاعر: إذا أنا لم انفع خليلي بوده
- فإن عدوى لن يضرهم بغضى وقد يجمع فيقال أعداء، قال الله تعالى (فلا تشمت بى الاعداء) قال أبو يوسف في كتاب الخراج (وسألت يا أمير المؤمنين عن الجواسيس يوجدون وهم من أهل الذمة أو أهل الحرب أو من المسلمين، فإن كانوا من أهل الحرب أو من أهل الذمة ممن يؤدى الجزية من اليهود والنصارى والمجوس فاضرب أعناقهم، وإن كانوا من أهل الاسلام معروفين فأوجعهم عقوبة وأطل حبسهم حتى يحدثوا توبة.
اه قال النووي قتل الجاسوس الحربى الكافر هو باتفاق، وأما المعاهد والذمى فقال مالك والاوزاعي ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف، أما لو شرط عليه ذلك في عهدة فينتقض اتفاقا.
قال الشوكاني: حديث فرات بْنِ حَيَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بقتله وكان ذميا وكان عينا لابي سفيان وحليفا لرجل من الانصار فمر بحلقة من الانصار فقال إنى مسلم، فقال رجل من الأنصار يا رسول الله إنه يقول إنه مسلم.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان) أخرجه أحمدو أبو داود، يدل على جواز قتل الجاسوس الذى،
وذهبت الهادوية إلى قتل جاسوس الكفار والبغاة إذا ان قتل أو حصل القتل بسببه وكانت الحرب قائمة، وإذا اختل شئ من ذلك حبس فقط قال الخطابى في المعالم في شرح حديث على (فيه دليل على أن الجاسوس إذا
كان مسلما لم يقتل، واختلفوا فيما يفعل به من العقوبة، فقال أصحاب الرأى في المسلم إذا كتب إلى العدو ودله على عورات المسلمين يوجع عقوبة ويطال حبسه وقال الاوزاعي: إن كان مسلما عاقبه الامام عقوبة منكلة، وغربه إلى بعض الآفاق في وثاق، وان كان ذميا فقد نقض عهده، وقال مالك: لم أسمع فيه شيئا وأرى فيه اجتهاد وقال الشافعي: إذا كان هذا من الرجل ذى الهيئة بجهالة كما كان من حاطب بجهالة وكان غير متهم أحببت أن يتجافى عنه، وإن كان من غير ذى الهيئة كان للامام تعزيره، وفى الحديث من الفقه أيضا جواز النظر إلى ما ينكشف من النساء لاقامة حد أو إقامة شهادة في إثبات حق إلى ما أشبه ذلك من الامور
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
إذا أخذ المشركون مال المسلمين بالقهر لم يملكوه، وإذا استرجع منهم وجب رده إلى صاحبه لقوله صلى الله عليه وسلم (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نفس منه) وروى عمران بن الحصين رضى الله عنه قال: أغار المشركون على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبوا به وذهبوا بالعضباء وأسروا امرأة من المسلمين، فركبتها وجعلت لله عليها إن نجاها الله لتنحرنها، فقدمت المدينة وأخبرت بذلك رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بئس ما جزيتها لا وفاء لنذر في معصية الله عز وجل ولا فيما لا يمكله ابن آدم، فإن لم يعلم يه حتى قسم دفع اليمن وقع في سهمه العوض من خمس الخمس ورد المال إلى صاحبه لانه يشق نقض القسمة.
(الشرح) حديث (لا يجل مال امرئ مسلم..) أخرجه أبو داود عن خيفة الرقاشى
حديث عمران بن حصين (قال أسرت امرأة من الانصار وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق وكان القوم يريحون نعيمهم بين يدى بيوتهم فانقلتت ذات ليلة من الوثاق فأتت الابل فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنهى إلى العضباء فلم ترغ وهى ناقة منوقة (وفى رواية) مدربة فقعدت في عجزها ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فأعجزتهم، قال ونذرت لله إن نجاها الله عليه لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا العضباء نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إنها نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك فقال سبحان الله بئسما جزتها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرها، لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد) أخرجه مسلم (قلت) ورويت أحاديث أخرى في الباب، فعن ابن عمر أنه ذهب فرس له فأخذه العدو فظهر عليهم المسلمون فرد عليه فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وأبق عبد له فلحق بأرض الروم وظهر عليهم المسلمون فرده عليه خالد بن الوليد بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه وفى رواية أن غلاما لابن عمر أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى ابن عمر ولم يقسم.
أخرجه أبو داود، كما أن البيهقى روى حيث عمران من طرق في بهعضها زيادات تعقبها ابن التركماني فقال تحت باب ما أحرزه المشركون على المسلمين ذكر فيه خروج المرأة بناقة النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين، ثم أخرجه من وجه ثالث فقال: ثنا أبو زكريا وأبو سعيد قالا ثنا أبو العباس أنا الربيع ثنا سفيان وعبد الوهاب عن أيوب عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران (الحديث) وفى آخره قالا معا أو أحدهما في الحديث، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته، قلت هذا الحديث
أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه من حصر جماعة عن أيوب، وليس في حديث أحد منهم هذه الزيادة، وقد شك الشافعي هل قالاها أو قالها أحدهما، وأحدهما وهو عبد الوهاب، وان خرج له في الصحيح ففيه ضعف، كذا قال ابن سعد، واختلط أيضا، وإذا دارت هذه الزيادة بينه وبين ابن عيينة ضعفت، على أن النسائي والترمذي وابن ماجه أخرجوا الحديث من
طريق ابن عيينة بدون الزيادة، وأخرجها الطحاوي في كتاب اختلاف العلماء من جهة عبد الوهاب، فدل ذلك على أنه هو الذى قالها دون ابن عيينة، مع أن عبد الوهاب اختلف عليه، فرواه مسلم عن اسحاق بن ابراهيم عنه بدون الزيادة وليس الضمينر في قوله قالا أو أحدهما راجعا إلى أبى زكريا وأبى سعيد شيخي البيهقى لانه روى الحديث في كتاب المعرفة عن أبى عبد الله وأبى زكريا وأبى سعيد، وفى آخره قالا فتعين عود الضمير إلى سفيان وعبد الوهاب وأخرج البيهقى في كتاب المعرفة الزيادة من وجه آخر، وفيه يحيى بن أبى طالب عن على بن عاصم، وابن أبى طالب وثقه الدارقطني وغيره، ووقال موسى بن هارون أشهد أنه يكذب ولم يعن في الحديث، فالله أعلم.
وقال أبو عبيد الآجرى خط أبوداد على حديثه، ذكره صاحب الميزان وابن عاصم، قال يزيد بن هارون: ما زلنا نعرفه بالكذب، وكان أحمد سيئ الرأى فيه، وقال يحيى ليس بشئ، وقال النسائي متروك، وقال ابن عدى الضعف على حديثه تبين.
اللغة: قوله (ذهبوا بالعضباء) العضب القطع في الاذن، يقال بعير أعضب وناقة عضباء، وهو هنا اسم علم لها لا لاجل أنها مقطوعة قال الشوكاني في النيل وقد اختلف أهل العلم في ذلك فقال الشافعي وجماعة
لا يملك أهل الحرب بالغلبة شيئا من المسلمين، ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها، وعن على والزهرى وعمرو بن دينار والحسن لايرد أصلا ويختص به أهل المغاتم.
وقال عمر وسلمان بن ربيعة وعطاء والليث ومالك وأحمد وآخرون، وهى رواية عن الحسن أيضا، ونقلها ابن أبى الزناد عن أبيه عن الفقهاء السبعة إن وجده صاحبه قبل القسمة فو أحق به، وان وجده بعد القسمة فلا يأخذه إلا بالقيمة، واحتجوا بحديث عن ابن عباس مرفوعا بهذا التفصيل، أخرجه الدارقطني وإسناده ضعيف جدا، وإلى هذا التفصيل ذهبت الهادوية، وعن أبى حنيفة كقول مالك إلا في الآبق، فقال هو والثوري صاحبه أحق به مطلقا
قال أبو حفص عمر الغزنوى في الغرة المنيفة (مسألة) إذا استولى الكفار على أموال المسلمين وأحرزوها بدارا لحرب ملكوها عند أبى حنيفة رضى الله عنه وعند الشافعي رحمه الله لم يملكوها، حجة أبى حنيفة رضى الله عنه قوله تَعَالَى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وأموالهم) أسماهم فقراء مع إضافة الاموال إليهم، والفقير من لا مال له لا من بعدت يده عن المال، ومن ضرورته ثبوت الملك لمن استولى على أموالهم من الكفار وروى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يوم الفتح: يا رسول الله ألا نزل دارك؟ فقال (وهل ترك لها عقيل من منزل) وكان للنبى صلى الله عليه وسلم دار بمكة ورثها من خديجة رضى الله عنه فاستولى عليها عقيل وكان مشركا وروى ابن عباس رضى الله عنه أن رجلا أصاب بعيرا له في الغنيمة، فأخبر بِهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (إنَّ وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شئ، وإن وجدته بعد القسمة فهو لك بالثمن)
وروى تميم عن طرفة أنه عليه الصلاة والسلام قال في بعير أخذه المشركون فاشتراه رجل من المسلمين ثم جاء المالك الاول إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال صلى الله عليه وسلم (إن شئت أخذته بالثمن) فلو بقى في ملك المالك القديم لكان له الاخذ بغير شئ، حجة الشافعي رحمه الله قوله تَعَالَى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سبيلا) فينبغي أن لا يصير مال المسلم للكافر بالغلبة والاستيلاء عليه.
الحجة الثانية أن المسلم خير من الكافر، والمسلم إذا استولى على مال مسلم آخر لا يصير ملكا له فالكافر أولى الجواب عنه أما الآية فمقتضاها نفى السبيل على نفس المسلم، ونحن نقول بموجبه، فإذا استوزلى على نفسه يملكه ونحن نمكلهم، ولكن الاصل في الاموال عدم العصمة، وإنما صار معصوما بالاحراز بدار الاسلام، فإذا أحرزوها بدار الحرب زالت العصمة بزوال سببها فبقيت أموالا مباحة فتملك بالاستيلاء عليه وفيه وقع الفرق بين استيلاء المسلم والكافر وأن المسلم لم يحرزها إلى دارا لحرب والحربي أحرزها فافترقا.
وقال ابن حزم في مراتب الاجماع (واختلفوا فيما صار بأيدى المشركين من أموال المسلمين أيملكونه أم لا يملكونه أصلا.
ثم قال في كتاب المحلى: ولا يملك أهل الكفر الحربيون مال مسلم ولا مال ذمى أبدا إلا بالابتياع الصحيح أو بميراث من ذمى كافرا أو بمعاملة صحيحة في دين الاسلام، فكل ما غنموه من مال ذمى أو مسلم أو آبق إليهم فهو باق على ملك صاحبه فمتى قدر عليه رد على صاحبه قبل القسمة وبعدها دخلوا به أرض الحرب أو لم يدخلوا، ولا يكلف مالكه عوضا ولا ثمنا لكن يعوض الامير من كان
صار في سهمه من كل مال لجماعة المسلمين، ولا ينفذ فيه عتق من وقع في سهمه ولا صدقته ولا هبته ولا بيعه ولا تكون له الامة أم ولد، وحكه حكم الشئ الذى يغصبه المسلم من المسلم ولا فرق ثم دلل على صحة أقواله مدعما بالاحاديث والآثار في ثمانى صفحات كان بودنا نقل ما أورد لولا ضيق المقام واستعجال الناشر لنا، ورد أقوال أبى حنيفة والآثار التى ذكرها صاحب الغرة بما فيه الحق، وكذا رد أقوال المالكيين وبين الصحيح فيها من الضعيف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن أسر الكفار مسلما وأطلقوه من غير شرط فله أن يغتالهم في النفس وامال لانهم كفار لا أمان لهم، وإن أطلقوه على أنه في أمان ولم يسأمنوه ففيه وجهان: (أحدهما) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه لا أمان لهم لانهم لم يستأمنوه (والثانى) وهو ظاهر المذهب أنهم في أمانه، لانهم جعلوه في أمان فوجب أن يكونوا منه في أمان، وإن كان محبوسا فأطلقوه واستحلفوه أنه لا يرجع إلى دار الاسلام لم يلزمه حكم اليمين ولا كفارة عليه إذا حلف لان ظاهره الاكراه، فإن ابتدأ وحلف أنه إن أطلق لم يخرج إلى دار الاسلام ففيه وجهان (أحدهما) أنها يمين إكراه، فإن خرج لم تلزمه كفارة، لانه لم يقدر على
الخروج إلا باليمين فأشبه إذا حلفوه على ذلك
(والثانى)
أنه يمين اختيار، فإن خرج لزمته الكفارة لانه بدا بها من غير إكراه، وإن أطلق ليخرج إلى دار الاسلام وشرط عليه أن يعود إليهم أو يحمل له مالا لم يلزمه العود لان مقامه في دار الحرب لا يجوز ولا يلزمه بالشرط ما ضمن من المال، لانه ضمان من
مال بغير حق، والمستحب أن يحمل لهم ما ضمن ليكون ذلك طريقا إلى إطلاق الاسرى.
(الشرح) قال ابن حزم في المحلى (ومن كان أسيرا عند الكفار فعاهدوه على الفداء وأطلقوه فلا يحل له أن يرجع إليهم ولا أن يعطيهم شيئا، ولا يحل للامام أن يجبره على أن يعطيهم شيئا، فإن لم يقدر على الانطلاق إلا بالفداء ففرض على المسلمين أن يفدوه إن لم يكن له مال يفى بفدائه، قال الله عز وجل (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) واسار المسلم أبطل الباطل والعون عليه، وتلك العهود والايمان التى أعطاهم لا شئ عليه فيها، لانه مكره عليها، إذ لا سبيل إلى الخلاص إلا بها، ولا يحل له البقاء في أرض الكفر وهو قادر على الخروج، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) وهكذا كل عهد أعطيناهم حتى نتمكن من استنقاذ المسلمين وأموالهم من أيديهم.
اللغة: قوله (أن يغتالهم) غاله واغتاله إذا أخذه من حيث لا لم يدر، وقال الازهرى (الغيلة هو أن يخدع بالشئ حتى يسر إلى موضع كمن له فيه الرجال فيقتل.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿باب الأنفال﴾
(الشرح) الانفال جمع نفل بالتحريك وبسكونها الغنيمة.
قال لبيد ان تقوى ربنا خير نفل وأصله العطية بغير وجوب على المعطى، ومنه قيل لصلاة التطوع نافلة،
وقيل أصله الزيادة لانها زائدة على الفرائض، ولان الغنيمة زادها الله هذه الامة في الحلال، ومنه قوله تعالى (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) نافلة أي زيادة على إسحاق، ويسمى ولد الولد نافلة، لانه زيادة على الولد، وقوله تعالى (ويسألونك عن الانفال) إنما كان سوءالهم عنها لانها كانت حراما على من قبلهم، كانت تنزل نار من السماء فتحرقها فأحلها الله لهم قال المصنف رحمه الله تعالى:
يجز لامير الجيش أن ينفل لمن فعل فعلا يفضى إلى الظفر بالعدو كالتجسيس والدلالة على طريق أو قلعة أو التقدم بالدخول إلى دار الحرب أو الرجوع إليها بعد خروج الجيش منها لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان ينفل في البدأة الربع وفى القفول الثلث، وتقدير النفل إلى رأى أمير الجيش، لانه بذل لمصلحة الحرب فكان تقديره إلى رأى الامير، ويكون ذلك على قدر العمل لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي البدأة الربع وفى القفول الثلث، لان التغرير في القفول أعظم لانه يدخل إلى دار الحرب والعدو منه على حذر وفى البدأة يدخل والعدو منه على غير حذر، ويجوز شرط النفل من بيت مال المسلمين، ويجوز شرطه من المال الذى يؤخذ من المشركين، فإن جعل في بيت مال المسلمين كان ذلك من خمس الخمس لما روى سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس، ولانه مال يصرف في مصلحة فكان من خمس الخمس ولا يجوز أن يكون مجهولا لانه عوض في عقد لا تدعو الحاجة فيه إلى الجهل به فلم يجز أن يكون مجهولا كالجهل في رد الآبق، وان كان النفل من مال الكفار جاز أن يكون مجهولا، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي البدأة الربع وفى القفول الثلث وذلك جزء من غنيمة مجهولة (فصل) وان قال الامير من دلى على القلعة الفلانية فله منها جارية، فدله عليها رجل نظرت فإن لم تفتح القلعة لم يجب الدليل شئ، ومن أصحابنا من قال يرضخ له لدلالته، والمذهب الاول لانه لما جعل له الجارية من القلعة صار تقديره من دلى على القلعة وفتحت كانت له منها جارية لانه لا يقدر على تسليم
الجارية إلا بالفتح فلم يستحق من غير الفتح شيئا، وان فتحت عنوة ولم تكن فيها جارية لم يستحق شيئا لانه شرط معدوم وان كانت فيها جارية سلمت إليه ولا حق فيها للغانمين ولا لاهل الخمس لانه استحقها بسبب سابق الفتح، وان أسلمت الجارية قبل القدرة عليها لم يستحقها لان اسلامها يمنع من استرقاقها، ويجب له قيمتها، لان النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاء من المسلمات فمنعه الله عز وجل من ردهن وأمره أن يرد مهورهن، وان أسلمت بعد القدرة عليها فإن كان الدليل مسلما سلمت إليه، وان كان كافرا فإن قلنا ان الكافر يملك العبد المسلم بالشراء استحقها ثم أجبر على ازالة الملك عنها، وان قلنا انه لا يملك، دفع إليه قيمتها، وان أسلم الدليل بعد ذلك لم يستحقها، لانه أسلم بعد ما انتقل حقه إلى قيمتها، وان فتحت والجارية قد ماتت ففيه قولان: (أحدهما) أن له قيمتها لانه تعذر تسليمها فوجب قيمتها كما لو أسلمت.
(والثانى)
أنه لا يجب له قيمتها لانه غير مقدور عليها فلم يجب قيمتها، كما لو لم تكن فيها جارية، وان فتحت صلحا نظرت فإن لم تدخل الجارية في الصلح كان الحكم فيها كالحكم إذا فتحت عنوة، فإن دخلت في الصلح فَفِيهِ وَجْهَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ ان الجارية للدليل وشرطها في الصلح لا يصح ما لو زوجت امرأة من رجل ثم زوجت من آخر
(والثانى)
أن شرطها في الصلح صحيح لان الدليل لو عفاعنها أمضينا الصلح فيها، ولو كان فاسدا لم يمض الا بعقد مجدد، فعلى هذا ان رضى الدليل بغيرها
من جواري القلعة أو رضى بقيمتها أمضينا الصلح وان لم يرض ورضى أهل القلعة بتسليمها فكذلك.
وان امتنع أهل القلعة من دفع الجارية وامتنع الدليل من الانتقال إلى البدل ردوا إلى القلعة وقد زال الصلح لانه اجتمع أمران متنافيان وتعذر الجمع بينهما وحق الدليل سابق ففسخ الصلح ولصاحب القلعة أن يحصن القلعة كما كانت من غير زيادة، وان فتحت بعد ذلك عنوة كانت الجارية للدليل وان لم تفتح لم يكن له شئ
(فصل) إذا قال الامير قبل الحرب من أخذ شيئا فهو له فقد أومأ فيه إلى قولين (أحدهما) أن الشرط صحيح لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمُ بدر (من أخذ شيئا فهو له) (والثانى) وهو الصحيح أنه لا يصح الشرط لانه جزء من الغنيمة شرطه لمن لا يستحقه من غير شرط فلا يستحقه بالشرط، كما لو شرطه لغير الغانمين، والخبر ورد في غنائم بدر وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها حيث شاء (الشرح) حديث عبادة بن الصامت أخرجه أحمد بلفظ (كان ينفل في البدأة الربع وفى الرجعة الثلث) ورواه ابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان وعن حبيب بن سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفل الربع بعد الخمس في بدأته ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته) أخرجه أجمد وأبو داود وابن ماجه وصححه وابن الجارود وبان حبان والحاكم وأخرجه ابن أبى داود من طرق ثلاثة، منها عن مكحول بن عبد الله الشامي قال: كنت عبدا بمصر لامرأة من بنى هذيل فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم الا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك أسأل عن النفل فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشئ، حتى لقيت شيخا يقال له زياد بن جارية التميمي، فقلت له هل سمعت في النفل شيئا؟ قال نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهرى يقول: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة) قال المنذرى: وأنكر بعضهم أن يكون لحبيب هذا صحبة وأثبتها له غير واحد أثر سعيد بن المسيب أخرجه البيهقى وأبو عبيد في الاموال حديث (صالح أهل مكة) عن مروان والمسور، قالا لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك أحد منا وإن كان على دينك الا رددته الينا وخليت بيننا وبينه، فكره المسلمون ذلك وامتعضوا منه وأبى سهيل إلا ذلك: فكاتب النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، فرد يومئذ
أبا جندل إلى أبيه سهيل ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما وجاء المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله عز وجل فيهن (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات..) رواه البخاري وعن معن بن يزيد قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول (لانفل إلا بعد الخمس) رواه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي اللغة: قوله (يجوز لامير الجيش..) قول الشوكاني في النيل: يجوز للامام أن ينفل بعض الجيش ببعض الغنيمة إذا كان له من العناية والمقاتلة ما لم يكن لغيرة.
وقال عمرو بن شعيب ذلك مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم دون من بعده، وكره مالك أن يكون بشرط من أمير الجيش، كأن يحرض على القتال ويعد بأن ينفل الربع أو الثلث قبل القسمة أو نحو ذلك لان القتال حينئذ يكون
الدنيا فلا يجوز.
قال الحافظ في الفتح: وفى هذا رد على من حكى الاجماع على مشروعيته، وقد اختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس على أقوال، واختلفت الرواية عن الشافعي في ذلك، فروى عنه أنه من أصل الغنيمة، وروى عنه أنه من الخمس، وروى عنه أنه من خمس الخمس والاصح عند الشافعية أنهم من خمس الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك وهو شاذ عندهم.
ثم قال الشوكاني بعد أن أورد حديث حبيب ومعن فيهما دليل على أنه يصح أن يكون النفل زيادة على مقدار الخمس، ورد على من قال أنه لا يصح التنفيل إلا من الخمس أو خمس الخمس.
وقال الاوزاعي وأحمد وأبو ثور وغيرهم: النفل من أصل الغنيمة، وإلى ذلك ذهبت الهادوية، وقال مالك وطائفة لانفل الا عن الخمس وقال الخطابي: أكثر ما روى من الاخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة.
قال ابن عبد البر (ان أراد الامام تفضيل بعد الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة
وإن انفردت قطعة فأراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجش فذلك من غير الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث، وقد وقع الخلاف بين الرواة في القسمة والتنفيل هل كانا جميعا من أمير ذلك الجيش أو مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ من أحدهما وفى رواية ابن عمر المتفق عليها صريحة أن الذى نفلهم هو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ أبى داود قَالَ (بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم سرية
قبل نجد فأصبنا نعما كثيرا فنفلنا أميرنا بعير بعير الكل، ثم قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا أثنى عشر بعيرا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذى أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل رجل منا ثلاثة عشر بعير بنفله) مصرحة بأن الذى نفلهم هو الامير.
وكذلك ما رواه مسلم من طريق نافع أن ذلك صدر من أمير الجيش، ويمكن الجمع بأن المراد بالرواية التى صرح فيها بأن المنفل هو النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع منه التقرير.
قال النووي (معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم فجازت نسبته إلى كل منهما)) وفى هذا التنفيل دليل على أنه يصح أن يكون التنفيل أكثر من خمس الخمس قال ابن بطال وهذا مردود لانهم نفلوا نصف السدس وهو أكثر من خمس الخمس، وقد زاده ابن المنبر ايضاحا فقال (لو فرضننا أنهم كانوا مائة لكان قد حصل لهم ألف ومائتا بعير، ثم بينن مقدار الخمس وخمسه وأنه لا يمكن أن يكون لكل انسان منه بعير.
قال ابن التين قد انفصل من قال من الشافعية بأن التنفيل من خمس الخمس بالوجه، منها أن الغنيمة لم تكن كلها أبعرة بل كان فيها أصناف أخر فيكون التنفيل وقع من بعض الاصناف دون بعض.
(ثانيها) أن يكون نقلهم من سهمه من هذه الغزاة وغيرها، فضم هذا إلى هذا فلذلك زادت العدة
(ثالثها) أن يكون نفل بعض الجيش دون بعض، قال وظاهر السياق يرد
هذه الاحتمالات، قال وقد جاء أنهم كانوا عشرة وأنهم غنموا مائة وخمسين بعيرا فخرج منها الخمس وهو ثلاثون وقسم عليهم البقية فحصل لكل واحد إثنا عشر ثم نفلو بعير ابعيرا، فعلى هذا يكون نفلوا ثلث الخمس، وقد قال ابن عبد البر إن أراد الامام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه، فذلك من الخمس لا من رأس الغنيمة، وإن انفردت قطعة فاراد أن ينفلها مما غنمت دون سائر الجيش فذلك من غير الخمس بشرط ألا يزيد عن الثلث.
اه قال الحافظ في الفتح: وهذا الشرط قال به الجمهور.
وقال الشافعي لا يتحدد بل هو راجع إلى ما يراه الامام من المصلحة، ويدل قوله تعالى (قل الانفال لله والرسول) ففوض إليه أمرها (قلت) ولم يرد في الاحاديث الصحيحة ما يلزم بالاقتصار على مقدار معلوم، ولا على نوع معين، والظاهر تفويض الامر إلى راى الامام.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿باب قسم الغنيمة﴾ والغنمية ما أخذ من الكفار بإيجاف الخيل والركاب، فإن كان فيها سلب للقاتل اؤ مال لمسلم سلم إليه لانه استحقه قبل الاغتنام ثم يدفع منها أجرة النقال والحافظ لانه لمصلحة الغنيمة فقدم، ثم يقسم الباقي على خمسة أخماس، خمس لاهل الخمس، ثم يقسم أربعة أخماسها بين الغانمين لقوله عز وجل (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فأضاف الغنيمة إلى الغانمين ثم جعل الخمس لاهل الخمس، فدل على أن الباقي للغانين، والمستحب أن يقسم ذلك في دار الحرب ويكره تأخيرها إلى دار الاسلام من غير عذر، لان النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر وقسم غنائم بنى المصطلق على مياههم وقسم غنائم حنين بأوطاس، وهو واد أودية حنين، فإن كان الجيش رجالة سوى بينهم وان كانوا فرسانا سوى بينهم، وان كان بعضهم فرسانا وبعضهم
رجالة جعل للراجل سهما وللفارس ثلاثة أسهم لما روى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، للرجل سهم وللفرس سهمان ولا يفضل من قاتل على من لم يقاتل لان من لم يقاتل كالمقاتل في إرهاب العدو، ولانه أرصد نفسه للقتال ولا يسهم لمركوب غير الخيل لانه لا يلحق بالخيل في التأثير في الحرب من الكر والفر فلم يلحق بها في السهم، ويسهم للفرس العتيق، وهو الذى أبواه عربيان وللبرذون وهو الذى أبواه عجميان، وللمقرف وهو الذى أمه عربية وأبوه عجمى، وللهجين وهو الذى أبوه عربي وأمه عجنية، لما روى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) ولانه حيوان يسهم له فلم يختلف سهمه باختلاف أبويه كالرجل، وان حضر بفرس حطم أو صرع أو أعجف فقد قال في الام، قيل لا يسهم له وقيل يسهم له، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ
(أَحَدُهُمَا)
أنه لا يسهم له لانه لا يغنى غناء الخيل فلم يسهم له كالبغل
(والثانى)
يسهم له لان ضعفه لا يسقط سهمه كضعف الرجل.
وقال أبو إسحاق ان أمكن القتال عليه أسهم له، وان لم يمكن القتال عليه لم يسهم له، لان الفرس يراد القتال عليه وهذا أقيس، والاول أشبه بالنص ولا يسهم للرجل لا كثر من فرس لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن الزبير حضر يوم حنين بأفراس فلم يسهم له النبي صلى الله عليه وسلم الا لفرس واحد، ولانه لا يقاتل إلا على فرس واحد فلا يسهم لاكثر منه، وان حضر بفرس والقتال في الماء أو على حصن استحق سهمه لانه أرهب بفرسه فاستحق سهمه، كما لو حضر
به القتال ولم يقاتل، ولانه قد يحتاج إليه إذا خرجوا من الماء والحصن
(فصل)
فإن غصب فرسا حضر به الحرب استحق للفرس سهمين لانه حصل به الارهاب، وفى مستحقه وجهان
(أحدهما)
انه له
(والثانى)
أنه لصاحب الفرس بناء على القولين في رمح الدراهم المغصوبة، أحدهما انه للغاصب، والثانى أنه للمغصوب منه، وان استعار فرسا أو استأجره للقتال فحضر به الحرب استحق به السهم لانه ملك القتال عليه، وان حضردار الحرب بفرس وانقضت الحرب ولافرس معه بأن نفق أو باعه أو أجره أو أعاره أو غصب منه لم يسهم له
وإن دخل دار الحرب راجلا ثم ملك فرسا أو استعاره وحضر به الحرب استحق السهم، لان استحقاق المقاتل بالحضور فكذلك لاستحقاق بالفرس، وان حضر بفرس وعار الفرس إلى أن انقضت الحرب لم يسهم له، ومن أصحابنا من قال يسهم له لانه خرج من يده بغير اختياره، والمذهب الاول لان خروجه من يده يسقط السهم، وان كان بغير اختياره كما يسقط سهم الراجل إذا ضل عن الوقعة وان كان بغير اختياره.
(الشرح) حديث ابن عمر أخرجه أحمد وأبو داود، وبلفظ آخر (للفرس سهمين وللرجل سهم) متفق عليه، وفى لفظ آخر (أسهم يوم حنين للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان وللرجل سهم) أخرجه ابن ماجه وأخرج أحمد بلفظ عن المنذر بن الزبير عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أعطى الزبير سهما وأمه سهما وفرسه سهمين) وفى لفظ آخر (قال ضرب رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خيبر للزبير أربعة أسهم، سهما للزبير وسهما لذى القربى لصفية أم الزبير وسهمين للفرس) النسائي.
وعن أبى عمرة عن أبيه قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أربعة نفر ومعنا فرس فأعطى كل انسان منا سهما وأعطى الفرس سهمين) أحمد وأبو داود
وعن أبى وهم قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنا وأخى ومعنا فرسان، أعطانا ستة أسهم، أربعة أسهم لفرسينا وسهمين لنا) وفى إسناده عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود وفيه مقال، وقد استشهد به البخاري.
وعن أبى كبشة الانمارى قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم مكة كان الزبير على المجنبة اليسرى وكان المقداد على المجنبة اليمنى، فلما تقدم رسول الله مكة وهذا الناس جاءا بفرسيهما، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ الغبار عنهما وقال انى جعلت للفرس سهمين وللفارس سهما فمن نقصهما نقصه الله) الدارقطني، وفى اسناده عبد الله بن بشر الجدانى، وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قسم لمائتي فرس بخيبر سهمين سهمين) وعن خالد الحذاء قال لا يختلف فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم) الدارقطني وعن مجمع بن جارية الانصاري قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألف وخمسمائة
فيهم ثلاثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين والراجل سهما) أحمد وأبو داود وذكر أن حديث ابن عمر أصح، قال وأن الوهم في حديث مجمع أنه قال ثلاثمائة فارس، وانما كانوا مائتي فارس) وقال الحافظ في إسناده ضعفا حديث ابن عمر (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) أخرجه البخاري ومسلم عن عروة بن الجعد البارقى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الخيل معقود في نواصيها الخير الاجر والمغنم اليوم القيامة) وأخرج أحمد ومسلم والنسائي من حديث جرير البجلى نحوه وأخرج أحمد من طريق آخر عن أسماء بنت يزيد (الخيل في نواصيها الخير أبدا اليوم القيامة، وفمن ربطها عدة في سبيل الله واتفق عليها احتسابا كان شبعها وجوعها وريها وظمؤها وأرواثها وأبوالها فلاحا في موازينه يوم القيامة)
حديث أن الزبير حضر بأفراس فلم بسهم له النبي صلى الله عليه وسلم إلا لفرس واحد، رواه الشافعي، وروى الواقدي (كان مع الزبير يوم خيبر فرسان فأسهم له النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم) وهو مرسل، ويوافق مرسل مكحول، لكن الشافعي كان يكذب الواقدي.
اللغة: قوله (بإيجاف الخيل والركاب) قيل وجيفها سرعتها في سيرها وقد أوجفها راكبها، وقوله تعالى (قلوب يومئذ واجفة) أي شديده الاضطراب، وإنما سمى الوجيف في السير الشدة هزه واضطرابه.
ذكره العزيزي.
وقال الجوهرى هو ضرب من سير الابل والخيل، يقال وجف البعير يجف وجفا ووجيفا، وأوجفته أنا، ويقال أوجف فاتجف) قوله (فإن حضر بفرس حطم أو صرع أو أعجف) الحطم المنكسر في نفسه يقال الفرس إذا انهدم لطول عمره حطم، ويقال حطمت الدابة أي أسنت، والصرع بالتحريك الضعيف، والاعجف المهزول.
قوله (لا يغنى غناء الخيل) أي لا يكفى كفايتها والغناء بالفتح والمد الكفاية.
قوله (فإن نفق أو باعه) نفقت الدابة تنفق نفوقا أي ماتت.
قوله (فإن عار فرسه) أي ذهب على وجهه وأفلت من يده، ويقال سمى العير عيرا لتفلته، ومنه قيل للغلام الذى خلع عذاره وذهب حيث شاء عبار وفرس عبار ومعيار إذا كان مضمرا، ونفور الطحال هو ورمه
قال أبو عبيد: إنما هو من نفور الشئ من الشئ وهو تجافيه عنه وتباعده وقوله المخذل قد ذكر.
تمسك أبو حنيفة والعترة بحديث مجمع المذكور فجعلوا للفارس وفرسه سهمين وقد حكى ذلك عن على وعمر وأبى موسى، قال أبو يوسف في الخراج كان الفقيه
المقدم أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول للرجل سهم وللفرس سهم وقال لا أفضل بهيمة على رجل مسلم، ويحتج بما حدثناه عن زكريا بن الحارث عن المنذر بن أبى خميصة الهمداني أن عاملا لعمر بن الخطاب (رض) قسم في بعض الشام للفرس سهم وللراجل سهم، فرفع ذلك إلى عمر فسلمه وأجازه، فكان أبو حنيفة يأخذ بهذا الحديث ويجعل للفرس سهما وللرجل سهما، وما جاء من الاحاديث والآثار أن للفرس سهمين وللرجل سهما أكثر من ذلك وأوثق والعامة عليه ليس هذا على وجه التفضيل، ولو كان على وجه التفضيل ما كان ينبغى أن يكون للفرس سهم وللرجل سهم، لانه قد سوى بهيمة برجل مسلم، إنما هذا على أن يكون عدة الرجل أكثر من عدة الآخر وليرغب الناس في ارتباط الخيل في سبيل الله ألا ترى أن سهم الفرس إما يرد على صاحب الفرس، فلا يكون للفرس دونه، المتطوع وصاحب الديوان في القسمة سواء (قلت) وأزف هذا للمتعصبين تعصبا بغيضا لمذاهبهم، فلا فض الله فوك يا ابن يوسف، فرغم تلذتك للامام أبى حنيفة أن تناقض قوله وترده، حتى قيل انه خالفه في مسائل هامة.
قال الشوكاني وذهب الجمهور إلى أن يعطى الفرس سهمين وللفارس سهما والراجل سهما وقال الحافظ في الفتح والثابت عن عمرو على كالجمهور، وحكى في البحر عن على وعمرو الحسن البصري وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز وزيد بن على والباقر والناصر والامام يحيى ومالك والشافعي والازاعى وأبى يوسف ومحمد وأهل المدينة وأهل الشام أنه يعطى الفارس وفرسه ثلاثة سهام، واحتج لهم ببعض أحاديث، ثم أجاب عن ذلك فقال قلت يحتمل أن الثالث في بعض الحالات تنفل جمعا بين الاخبار.
اه
قال الشوكاني: والادلة القاضية بأن للفارس وفرسه سهمين مرجوحة لا يشك في ذلك من له أدنى إلمام بعلم السنة، ثم نقل دليل أبى حنيفة السابق الاشارة إليه من تفضيل البهيمة وقال: وهذه حجة ضعيفة وشبهة ساقطة ونصبها في مقابلة السند الصحيحة المشهورة مما لا يليق بعالم، وأيضا السهام في الحقيقة كلها الرجل لا البهيمة، وأيضا قد فضلت الحنفية الدابة على الانسان في بعض الاحكام فقالوا: لو قتل كلب صيد قيمته أكثر من عشرة آلاف أداها، فان قتل عبدا مسلما لم يؤد فيه إلا دون عشر آلاف درهم.
وقد استدل الجمهور في مقابلة الشبهة بأن الفرس تحتاج إلى مؤنة لخدمتها وعلفها وبأنه يحصل بها من الغناء في الحرب ما لا يخفى، وقد اختلف فيمن حضر الوقعة بفرسين فصاعدا، هل يسهم لكل فرس أم لفرس واحدة فروى عن سليمان بن موسى أنه يسهم لكل فرس سهمان بالغا ما بلغت.
قال القرطبى في المفهم: ولم يقل أحد أنه يسهم لاكثر من فرسين إلا ما روى عن سليمان بن موسى، وحكى في البحر عن الشافعية والحنفية والهادوية أن من حضر بفرسين أو أكثر أسهم لواحد فقط، وعن زيد بن على والصادق والناصر والاوزاعي وأحمد بن حنبل، وحكاه في الفتح عن الليث وأبى يوسف وأحمد وإسحاق أنه يسهم لفرسين لا أكثر.
قال الحافظ في التلخيص فيه أحاديث منقطعة (أحدها) عن الاوزاعي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسهم للحيل ولا يسهم للرجل فوق فرسين، وان كان معه عشرة أفراس رواه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عنه وهو معضل، ورواه سعيد من طريق الزهري أن عمر كتب إلى عبيدة أنه يسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم ولصاحبه سهما فذلك خمسة أسهم وما كان فوق الفرسين فهو جنائب.
وروى الحسن عن بعض الصحابة قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يقسم إلا لفرسين، وأخرج الدارقطني بإسناد ضعيف عن أبى عمرة قال: أسهم لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفرسي أربعة ولى سهما فأخذت خمسا.
وقد اختلف في الرواية في حضور الزبير بفرسين هل أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سهم فرس واحدة أو سهم فرسين، والاسهام للدواب خاص بالافراس دون غيرها من الحيوانات قال في البحر (مسألة) ولا يسهم لغير الخيل من البهائم إجماعا إذ لا إرهاب في غيرها ويسهم للبرذون والمقرف والهجين عند الاكثر، وقال الاوزاعي لا يسهم للبرذون.
قال ابن حزم فيا لمحلى: ومن حضر بخيل لم يسهم له إلا ثلاثة أسهم فقط، وقد قال قوم يسهم لفرسين فقط، وقال آخرون يسهم لكل فرس منها، وهذا لا يقوم به برهان.
فان قيل قد رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسهم للزبير لفرسين، قلنا هذا مرسل لا يصح، وأصح حديث فيه الذى رويناه من طريق ابن وهب عن سعيد ابن عبد الرحمن عن هشام عن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن جده قال (ضرب رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خيبر للزبير بأربعة أسهم، سهم للزبير وسهم للقربى لصفية بنت عبد المطلب وسهمين للفرس (قلت) وما روى في الاحاديث الصحيحة المتفق عليها أن للفرس سهمين هو ما ندين الله عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ومن حضر الحرب ومرض فإن كان مرضا بقدر معه على القتال كالسعال ونفور الطحال والحمى الخفيفة أسهم له، لانه من أهل القتال، ولان الانسان لا يخلو من مثله فلا يسقط سهمه لاجله، وإن كان لا يقدر على القتال لم يسهم له، لانه ليس من أهل القتال فلم يسهم له كالمجنون والطفل.
(فصل)
ولا حق في الغنيمة لمخذل ولا لمن برجف بالمسلمين ولا لكافر حضر بغير إذن، لانه لا مصلحة للمسلمين في حضورهم ويرضخ للصبى والمرأة والعبد والمشرك إذا حضر بالاذن ولم يسهم لهم: لما روى عمير قال غزوت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّا عبد مملوك، فلما فتح الله على نبيه خيبر (قلت) يا رسول الله سهمي فلم يضرب لى بسهم وأعطابى سيفا فتقلدته وكنت أخط بنعله في الارض وأمر لى من خزئى المتاع، وروى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله هل كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن سهم فكتب إليه ابن عباس كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة، وأما سهم فلم يضرب لهن بسهم.
(الشرح) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن، وعنه أيضا أنه كتب إلى نجدة الحروري: سألت عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضر الناس وأنه لم يكن لهما سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم) أحمد ومسلم الترمذي وأبو داود، وعنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى المرأة والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش وعن عمير مولى آبى اللحم قال: شهدت خيبر مع سادتي فكلموا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأمر بي فقلدت سيفا فإذا أنا أجره فأخبر بأنى مملوك فأمر بى بشئ من خرثى المناع) أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وصححه، وعن حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه أنها خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
غزوة سادس ست نسوة فبلغ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ الينا فجئنا فرأينا فيه الغضب فقال مع من خرجتن وبإذن من خرجتن، فقلت: يا رسول الله خرجنا نغزل الشعر ونعين في سبيل الله، ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقى السويق قال فحسن: قال فانصرفن حتى إذا فتح الله عليه خيبر أسهم لنا كما أسهم للرجال، قال: فقلت لها يا جدة وما كان ذلك، فقالت تمرا) أحمد وأبو داود والنسائي، وسكت عنه أبودادو وفى إسناده رجل مجهول وهو حشرج قاله في التلخيص، وقال الخطابى إسناده ضعيف لا تقوم به حجة.
وعن الزُّهْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه) رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب وأبو داود في مراسيله، وقال الشوكاني هذا مرسل.
وعن الاوزاعي قال أسهم النبي صلى الله عليه وسلم للصبيان بخيبر وأسهم
أئمة الاسلام لكل مولود ولد في أرض الحرب وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم للنساء والصبيان بخيبر وأخذ بذلك المسلمون بعده) الترمذي، وقال الشوكاني مرسل.
اللغة: قوله لمن برجف بالمسلمين، أي يخوفهم ويفزعهم من قوله تعالى (يوم ترجف الراجفة) يعنى يوم الفزع والخوف وأصله حركة الارض واضطرابها، وأما الارجاف فهو واحد أراجيف الاخبار، ومعناه التخويف والرعب، وقد ذكر وارجفوا في الشئ إذا خاضوا فيه قوله (ويرضخ للصبى) قد ذكرنا أنه العطاء ليس بالكثير دون سهام المقاتلين وأصله مأخوذه من الشئ المرضوخ وهو المرضوخ المشدوخ.
قوله (من خرثى المتاع) الخرثى متاع البيت وأسقاطه، ونعل السيف يكون في أسفله من حديد أو غيره.
قوله (يحذين من الغنيمة) قال الجوهرى حذيته من الغنيمة إذا أعطيته منها والاسم الحذيا على وزن فعلى بالضم وهى القسمة من الغنيمة وكذلك الحذيا والحذية والحذوة كله العطية.
اختلف أهل العلم هل يسهم للنساء إذا حضرن، فقال الترمذي انه لا يسهم لهن عند أكثر أهل العلم قال: وهو قول سفيان الثوري والشافعي، وقال بعضهم يسهم للمرأة والصبى وهو قول الاوزاعي، وقال الخطابى أن الاوزاعي قال يسهم لهن قال وأحسبه ذهب إلى حديث حشرج بن زياد وإسناده ضعيف لا تقوم به حجة.
وقد حكى في البحر عن العترة والشافعية والحنفية أنه لا يسهم للنساء والصبيان والذميين، وعن مالك أنه قال لا أعلم العبد يعطى شيئا، وعن الحسن بن صالح أنه يسهم العبد كالحر.
وعن الزهري أنه يسهم للذمي لا للعبد والنساء والصبيان فيرضخ لهم، وقال الترمذي بعد أن أخرج حديث عمير مولى آبى اللحم، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أنه لا يسهم للمملوك ولكن يرضخ له بشئ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
قال الشوكاني والظاهر أنه لا يسهم النساء والصبيان والعبيد والذميين وما ورد
من الاحاديث مما فيه إشعار بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم لاحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ، وهو العطية القليلة جمعا بين الاحاديث
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وتقدير الرضح إلى اجتهاد أمير الجيش ولا يبلغ به سهم راجل لانه تابع لمن له سهم فنقص عنه كالحكومة لا يبلغ بها أرش العضو، ومن أين
يرضح لهم، فيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) أنه يرضخ لهم من أصل الغنيمة، لانهم أعوان المجاهدين فجعل حقهم من أصل الغنيمة كالقتال والحافظ
(والثانى)
أنه من أربعة أخماس الغنيمة، لانهم من المجاهدين فكان حقهم من أربعة أخماس الغنيمة.
(والثالث) أنه من خمس الخمس، لانهم من أهل المصالح، فكان حقهم من سهم المصالح.
(فصل) وإن حضر أجير في إجارة مقدرة بالزمان ففيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنه يرضخ له مع الاجرة لان منفعة مستحقة لغيره فرضخ له كالعبد (والثانى) أنه يسهم له مع الاجرة لان الاجرة تجب بالتمكين والسهم بالحضور وقد وجد الجميع (والثالث) أنه يخير بين السهم والاجرة، فإن اختار الاجرة رضخ له مع الاجرة، وإن اختار السهم أسهم له وسقطت الاجرة، لان المنفعة الواحدة لا يستحق بها حقان، واختلف قوله في تجار الجيش، فقال في أحد القولين يسهم لهم لانهم شهدوا الوقعة، والثانى أنه لا يسهم لهم لانهم لم يحضروا للقتال، واختلف أصحابنا في موضع القولين، فمنهم من قال القولان إذا حضروا ولم يقاتلوا، وأما إذا حضروا فقاتلوا فإنه يسهم لهم قولا واحدا، ومنهم من قال القولان إذا قاتلوا، فأما إذا لم يقاتلوا فإنه لا يسهم لهم قولا واحدا (فصل) وإذا لحق بالجيش مدد أو أفلت أسير ولحق بهم نظرت فإن كان قبل انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة أسهم لهم لقول عمر رضى الله عنه الغنيمة لمن
شهد الوقعة، وإن كان بعد انقضاء الحرب وحيازة الغنيمة لم يسهم لهم لانهم حضروا بعد ما صارت الغنيمة للغانمين، وإن كان بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة
الغنيمة ففيه قولان
(أحدهما)
أنه لا يسهم لهم لانهم لم يشهدوا الوقعة
(والثانى)
أنه يسهم لهم لانهم حضروا قبل أن يملك الغانمون
(فصل)
وان خرج أمير في جيش وأنفذ سرية من الجيش إلى الجهة التى يقصدها أو إلى غيرها فغنمت السرية شاركهم الجيش، وان غنم الجيش شاركتهم السرية، لان النبي صلى الله عليه وسلم حين هزم هوازن بحنين أسرى قبل أوطاس سرية وغنمت فقسم غنائمهم بين الجمع وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (المسلمون يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وترد سراياهم على قاعدهم، ولان الجميع جيش واحد فلم يختص بعضهم بالغنيمة.
وان أنفذ سريتين إلى جهة واحدة من طريق أو طريقين اشترك الجيش والسريتان فيما يغنم كل واحد منهم لان الجميع جيش واحد، وإن أنفذ سريتين إلى جهتين شارك السريتان الجيش فيما يغنمه، وشارك الجيش السريتين فيما يغنمان، وهل تشارك كل واحدة من السريتين السرية الاخرى فيما تغنمه؟ فيه جهان
(أحدهما)
أنها لا تشارك لان الجيش أصل السريتين، وليست إحدى السريتين أصلا للاخرى
(والثانى)
وهو الصحيح انها تشارك لانهما من جيش واحد، وإن أنفذ الامير سرية من الجيش وأقام هو مع الجيش فغنمت السرية لم يشاركها الجيش المقيم مع الامير، لان النبي صلى الله عليه وسلم بعث السرايا من المدينة فلم يشاركهم أهل المدينة فيما غنموا، ولان الغنيمة للمجاهدين والجيش مقيم مع الامير ما جاهدوا فلم يشارك السرية فيما غنمت والله أعلم.
(الشرح) قول عمر (الغنمية لمن شهد الوقعة) أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح وابن أبى شيبة والطبراني والبيهقي مرفوعا وموقوفا، وقال الصحيح وقفه وابن عدى عن على موقوفا والشافعي وفيه انقطاعا.
حديث عمرو بن شعيب عن جده، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه
(المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم ويجير عليهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم) وابن ماجه عن معقل بن يسار (المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم) والحاكم عن أبى هريرة اللغة.
قوله (وتقدير الرضخ إلى الاجتهاد أمير الجيش) وقد ذهب الحنابلة إلى مثل ما قال المصنف فقال ابن مفلح في الفروع ويرضخ من أربعة الاخماس وقيل من أصل الغنيمة وقيل من سهم للصالح لامرأة وعبد مميز وقل مراهق وله التفضيل ولا يبلغ بالرضخ القسمة.
قوله (وان حضر أجير..) قال ابن حزم فإن ذكروا في الاجير خبرين فيهما أن أجيرا استؤجر فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة بثلاثة دنانير فلم يجعل له عليه السلام سهما غيرهما، فلا يصحان لان أحدهما من طريق عبد العزيز بن أبى رواد وعن أبى سلمة الحمصى، وأبو سلمه مجهول وهو منقطع أيضا، والثانى من طريق ابن وهب عن عاصم بن حكيم عن يحيى بن أبى عمرو الشيباني عن عبد الله ابن الديلمى أن يعلى بن منية وعاصم بن حكيم وعبد الله بن الديلمى مجهولان.
وقال الحسن وابن سيرين والاوزاعي والليث لا يسهم للاجير، وقال أبو حنيفة ومالك لا يسهم لهما إلا أن يقاتلا قوله (وان لحق بالجيش مدد) للدد الزيادة المتصلة، وأمددنا القوم، أي صرنا مددا لهم، وقد ذكرنا السرية أنها قطعة من الجيش، قال القتيبى أصلها من السرى وهو سير الليل وكانت تخفى خروجها لئلا ينتشر الخبر فيكتب به العيون فيقال سرت سرية أي سارت ليلا.
وقال في البيان بل يختارهم الامير من السرى وهو الجودة، كأنه يختار خيار الخيل وأبطال الرجال.
قوله (والمسلمون يد على من سواهم) قال الهروي يقال للقوم هم يد على الآخرين، أي هم قادرون عليهم، ويحتمل أن يكون من اليد التى هي الجماعة، يقال هم عليه يد أي مجتمعون لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا على جميع أهل الاديان والملل.
قوله (يسعى بذمتهم أدناهم) الذمة ههنا الامان، ويسمى المعاهد ذميا لانه أعطى الامان على ذمة.
وقال في الفائق أدناهم العبد من الدناءة وهى الخساسة، وأقصاهم، أبعدهم من القصاء، وهو البعد، وهذا يدل على أن أدناهم أقربهم بلدا من العدو.
وأخرج أبو داود وسكت عنه المنذرى عن عبيد الله بن سليمان أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدثه قال: لما فتحنا خيبرا أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي، فجعل الناس يتبايعون غنائهم، فجاء رجل فقال يا رسول الله لقد ربحت ربحا ما ريح اليوم مثله أحد من أهل هذا الوادي، فقال ويحك وما ربحت قال ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلثمائة أوقية، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنا أنبئك بخبر رجل ريح؟ قال وما هو يا رسول الله؟ قال ركعتين بعد الصلاة.
وقال الشوكاني فيه دليل على جواز التجارة في الغزو، وعلى أن الغازى مع ذلك يستحق نصيبه من المغنم وله الثواب الكامل بلا نقص، ولو كانت التجارة في الغزو موجبة لنقصان أجر الغازى لبينه صلى الله عليه وسلم، فلما لم يبين ذلك بل قرره دل على عدم النقصان، ويؤيد ذلك جواز الاتجار في سفر الحج.
وأخرج أبو داود عن يعلى بن منية قال: أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لى خادم، فالتمست أجيرا يكفيني وأجرى له سهمه
فوجدت رجلا، فلما دنا الرجل أتانى فقال ما أدرى ما السهمان وما يبلغ سهمي قسم لى شيئا كان السهم أو لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمة أردت أن أجرى له سهمه فذكرت الدنانير، فجئت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أمره فقال ما أحد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانير التى سمى) وسكت عنه المنذرى وأخرجه الحاكم وصححه، وأخرجه البخاري بنحوه وبوب عليه باب الاجير.
قال الشوكاني: وقد اختلف العلماء في الاسهام للاجير إذا استؤجر للخدمة فقال الاوزاعي وأحمد وإسحاق لا يسهم له، وقال الاكثر يسهم له، ثم قال وأما إذا استؤجر الاجير ليقاتل، فقال الحنفية والمالكية لاسهم له، وقال الاكثر له سهمه.
وقال أحمد لو استأجر الامام قوما على الغزو لم يسهم لهم سوى الاجرة.
وقال الشافعي هذا فيمن لم يجب عليه الجهاد، وأما الحر البالغ المسلم إذا حضر الصف فإنه يتعين عليه الجهاد فيسهم له ولا يستحق أجره وقال الثوري لا يسهم للاجير إلا إن قاتل، وقال الحسن وابن سيرين يقسم للاجير من المغنم، هكذا رواه البخاري عنهما تعليقا ووصله عبد الرزاق عنهما بلفظ يسهم للاجير، ووصله ابن أبى شيبة عنهما بلفظ العبد والاجير إذا شهد القتال أعطوا من الغنيمة والاولى المصير إلى الجمع الذى ذكره المصنف رحمه الله فمن كان من الاجراء قاصدا للقتال استحق الاسهام من الغنيمة ومن لم يقصد فلا يستحق إلا الاجرة المسماة.
قوله (إذا لحق بالجيش مدد..) قال ابن حزم وتقسم الاربعة الاخماس الباقية على من حضر الواقعة أو الغنيمة.
وروى الترمذي عن أبى موسى قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نفر من الاشعريين خيبر فأسهم لنا مع الذين افتتحوها) ثم قال وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قال الاوزاعي (من لحق بالمسلمين قبل أن يسهم للخيل اسهم له) قال المباركفورى (استدل بهذا الحديث من قال انه يسهم لمن حضر بعد الفتح قبل قسمة الغنيمة) قال ابن التين (يحتمل أن يكون انما أعطاهم من جميع الغنيمة لكونهم وصلوا قبل القسمة وبعد حوزها) وهو أحد الاقوال للشافعي قال ابن بطال: لم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم فيغير من شهدا لوقعة إلا في خيبر فهى مستثناة من ذلك فلا تجعل أصلا يقاس عليه فانه قسم لاصحاب السفينة لشدة حاجتهم، وكذلك أعطى الانصار عوض ما كانوا أعطوا المهاجرين عند قدومهم عليهم، ويحتمل أن يكون استطاب أنفس أهل الغنيمة بما أعطى الاشعريين وغيرهم ومما يؤيد أنه لانصيب لمن جاء بعد الفراغ من القتال ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، وذكر قول ابن عمر ورواه الشافعي من قول أبى بكر
وفيه انقطاع.
وروى أبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله (ص) بعث أبان أبن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد فقدم ابان بن سعيد وأصحابه عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخيبر بعد فتحها وإن حزم خيلهم ليف فقال ابان قسم لنا يا رسول الله، قال أبو هريرة: فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال ابان أنت بها ياوبر تحد علينا من رأس ضال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اجلس يا أبان ولم يقسم لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ المنذرى: أخرجه البخاري تعليقا.
وقال الخطابى وفيه من الفقه أن الغنيمة لمن شهد الوقعة دون من لحقهم بعد إحرازها، وقال أبو حنيفة من لحق الجيش بعد أخذ الغنيمة قبل قسمها في دار الحرب فهو شريك الغانمين.
وقال الشافعي الغنيمة لمن حضر الوقعة أو كان رداء لهم، فاما من لم يحضرها فلا شئ له منها، وهو قول مالك وأحمد، وكان الاوزاعي يقول إذا أدرب قاصدا في سبيل الله أسهم له شهد القتال أو لم يشهد.
وجزم موسى بن عقبة بأنه أعطى أبان ومن معه برضا بقية الجيش، وجزم أبو عبيد في كتاب الاموال بإنما أعطاهم من الخمس.
وقال الشوكاني وقد استدل بقصة عثمان في تغيبه عن بدر لمرض زوجته ابنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه يسهم الامام لمن كان غائبا في حاجة له بعثه لقضائها، وأما ما كان غائبا عن القتال لا لحاجة الامام وجاء بعد الواقعة فذهب أكثر العترة والشافعي ومالك والاوزاعي والثوري والليث أنه لا يسهم له، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يسهم لمن حضر قبل احرازها إلى دار الاسلام.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب قسم الخمس
ويقسم الخمس على خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسهم لذوى القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل، والدليل عليه قوله عز وجل (واعلموا أنما غنمتم من شئ فان لله خمسه والرسول ولدى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) فأما سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يصرف في مصالح المسلمين.
والدليل عليه ما روى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله
عليه وسلم حين صدر من خيبر تناول بيده نبذة من الارض أو وبرة من بعيره وقال والذى نفسي بيده مالى مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فجعله لجميع المسلمين ولا يمكن صرفه إلى جميع المسلمين إلا بأن يصرف في مصالحهم وأهم المصالح سد الثغور لانه يحفظ به الاسلام والمسلمين ثم الاهم فالاهم.
(فصل) وأما سهم ذوى القربى فهو لمن ينتسب إلى هاشم والمطلب ابني عبد مناف لما روى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لما قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهم ذوى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب جئت أنا وعثمان، فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذى وضعك الله فيهم أرأيت إخواننا من بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وإياهم منك بمنزلة واحدة، قال إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد ثم شبك بين أصابعه، ويسوى فيه بين الاغنياء والفقراء، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطى منه العباس وكان موسرا يقول عامة بنى عبد المطلب، ولانه حق يستحق بالقرابة بالشرع فاستوى فيه الغنى والفقير كالميراث ويشترك فيه الرجال والنساء لما روى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم أسهم لام الزبير في ذوى القربى ولانه حق يستحق بالقرابة بالشرع فاستوى فيه الذكر والانثى كالميراث ويجعل الذكر مثل حظ الانثيين
وقال المزني وأبو ثور يسوى بين الذكر والانثى، لانه مال يستحق باسم القرابة فلا يفصل الذكر فيه على الانثى كالمال المستحق بالوصية القرابة، وهذا خطأ، لانه مال يستحق بقرابة الاب بالشرع ففضل الذكر فيه على الانثى كميراث ولد الاب ويدفع ذلك إلى القاضى منهم والدانى.
وقال أبو إسحاق يدفع ما في كل إقليم إلى من فيه منهم، لانه يشق نقله من
إقليم إلى إقليم، والمذهب الاول لقوله عز وجل (ولذي القربى) فعمم ولم يخص ولانه حق مستحق بالقرابة فاستوى فيه القاصي والدانى كالميراث
(فصل)
وأما سهم اليتامى فهو لكل صغير فقير لا أب له فأما من له أب فلا حتى له فيه لان اليتيم هو الذى لا أب له وليس لبالغ فيه حق، لانه لا يسمى بعد البلوغ يتيما.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لايتم بعد الحلم، وليس للغنى فيه حق ومن أصحابنا من قال للغنى فيه حق، لان اليتيم هو الذى لا أب له غنيا كان أو فقيرا، والمذهب الاول، لان غناه بالمال أكثر من غناه بالاب فإذا لم يكن لمن له أب فيه حق فلان لا يكون لمن له مالى أولى.
(فصل) وأماسهم المساكين فهو لكل محتاج من الفقراء والمساكين لانه إذا أفرد المساكين تناول الفريقين.
(فصل) وأما سهم ابن السبيل فهو لكل مسافر أو مريدا لسفر في غير معصية وهو محتاج على ما ذكرناه في الزكاة.
(فصل)
ولا يدفع شئ من الخمس إلى كافر لانه عطية من الله تعالى فلم يكن الكافر فيها حق كالزكاة، ولانه مال مستحق على الكافر بكفره فلم يجز أن يستحقه الكافر وبالله التوفيق.
(الشرح) حديث جبير بن مطعمم (والذى نفسي بيده مالى مما أفاء الله إلا الخمس..) أخرجه أبو داود مختصرا وابن حبان في صحيحة عن عبادة بن الصامت وقال (وأخذت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حنين وبرة من جنب بعير، ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَا يحل لى مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فانه عار على أهله
يوم القيامة) .
حديث جبير بن مطعم (لما قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهم ذوى للقربى من بنى هاشم وبنى عبد المطلب، قال مشيت أنا وعثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا أعطيت بنى المطلب من خمس خيبر وتركتنا قال انما بنو المطلب وبنو هاشم شئ واحد، قال جبير ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبنى هاشم ولا لبنى نوفل شيئا) أخرجه البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه، وفى رواية لما قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهم ذوى القربى من خيبر من بنى هاشم وبنى عبد المطلب جئت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذى وضعك الله عز وجل منهم، أرأيت اخواننا من بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا وإنما نحن وهم منك بمزلة واحدة فقال: انهم لما يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد قال ثم شبك بين أصابعه) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والبرقاني كما قال القرطبى في تفسيره والشوكانى في النيل، وقال البرقانى أنه على شرط مسلم.
حديث (لا يتم بعد احتلام) أخرجه أبو داود عن على وباقيه (ولا صمات يوم إلى الليل) .
اللغة: قال ابن العربي في كتاب أحكام القرآن، الانفال، الغنائم، الفئ فالنفل الزيادة وتدخل فيه الغنيمة فانها زيادة الحلال لهده الامة، والغنيمة ما أخذ من أموال الكفار بقتال، والفئ ما أخذ بغير قتال لانه رحل إلى موضعه الذى يستحقه وهو انتفاع المؤمن به قوله (ويقسم الخسم على خمسة ... ) قال الغزنوى الحنفي في الغرة المنيفة (كان الخمس فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقسم على خمسة أسهم سهم لله ورسوله وكان يشترى به السلاح، وسهم لذوى قربى النبي صلى الله عليه وسلم
وسهم للمساكين، وسهم لليتامى، وسهم لابناء السبيل وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سقط سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ذوى القربى فيأخذون بالفقر دون
القرابة عند أبى حنيفة رضى الله عنه وعند الشافعي رحمه الله سهم النبي صلى الله عليه وسلم يدفع إلى الامام وسهم ذوى القربى باق.
حجة أبى حنيفة إجماع الصحابة على عهد الخلفاء الراشدين فإنهم قسموا خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم ولم يعطوا ذوى القربى شيئا لقربهم بل لفقرهم، مع أنهم شاهدوا قسمة النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا تأويل الآية، وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير فحل محل الاجماع، فلو كان سهمهم باقيا لما منعوهم، وهذا لان المراد بالقربى قربى النصرة دون القرابة بدليل، وذكر حديث جبير الثاني المذكور في صدرا لشرح، واستدل بحديث أم هانئ مرفوعا، قال عليه الصلاة والسلام (سهم ذوى القربى لهم في حياتي وليس لهم بعد وفاتي) وكذا سهم النبي صلى الله عليه وسلم سقط بعد وفاته إذ غيره ليس في معناه من كل وجه.
حجة الشافعي قوله تعالى (واعلموا أنما غنمتم من شئ..) وهذا نص صريح في المسألة.
ثم قال مؤيدا لمذهبه (الجواب عنه أن المراد بالقربى قربى النصرة لا قربى القرابة بما ذكرنا من الدليل وقد زالت النصرة بعد وفاته) (قلت) وقد اطلعت على كثير من كتب الفقه كالمغنى والشرح الكبير عليه والفروع والاقناع للحنابلة وشرحي الموطأ والبداية للمالكية وفتاوى السبكى وابن حجر وروضة الطالبين للشافعية وبدائع الصنائع 1 وحاشية ابن عابدين للحنفية والنيل والمحلى وتحفة الاحوذي وتهذيب السنن وأحكام القرآن للجصاص وكذا لابن عربي والتفاسير للقرطبي، صديق حسن خان وابن كثير وللقاسمي والرازي
والمنار وغير ذلك كثير مما ذكرناه من مراجع سابقة، وقد وجدت خير ما أضعه بين يديك ما أورده القرطبى متمشيا مع ما أشار إليه المنار، إلا انى أخالفه في أنه أشار أن ما نقله في الخاتمة هو خير ما أورده صديق حسن خان، إلا أنى بعد المراجعة تبين لى أن صديق حسن خان نقل ما ذكره القرطبى مع اختصار كثير فلم يأت بجديد، ورأيت ردا للامور في نصابها أن أحيل إلى القرطبى لانه هو السابق.
قال القرطبى اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على ستة أقوال
(الاول) قالت طائفة يقسم الخمس على ستة فيجعل السدس للكعبة وهو الذى لله والثانى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والثالث لذوى القربى، والرابع لليتامى والخامس للمساكين والسادس لابن السبيل، وقال بعض أصحاب هذا القول يرد السهم الذى لله على ذوى الحاجة.
(الثاني) قال أبو العالية والربيع تقسم الغنيمة على خمسة فيعزل منها قسم واحد وتقسم الاربعة على الناس ثم يضرب بيده على السهم الذى عزله فما قبض عليه من شئ جعله للكعبة ثم يقسم بقية السهم الذى عزله على خمسة، سهم للنبى صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوى القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل (الثالث) قال المنهال بن عمرو سألت عبد الله بن محمد بن على وعلى بن الحسين الخمس فقال هولنا، قلت لعلى إن الله تعالى يقول (واليتامى والمساكين وابن السبيل) فقال أيتامنا ومساكيننا (الرابع) قال الشافعي يقسم على خمسة ورأى أن سهم الله ورسوله واحد وأنه يصرف في مصالح المؤمنين، والاربعة الاخماس على الاربعة الاصناف
المذكورين في الآية (الخامس) قال أبو حنيفة يقسم على ثلاثة اليتامى والمساكين وابن السبيل وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه قالوا ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القصاة والجند، وروى نحو هذا عن الشافعي أيضا (السادس) قال مالك هو موكول إلى نظر الامام واجتهاده فيأخذ منه من غير تقدير ويعطى منه القرابة باجتهاد ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وبه قال الخلفاء الاربعة وبه عملوا وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم (مالى مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم) فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم لانهم من أهم من يدفع إليهم قال الزجاج محتجا لمالك قال الله عز وجل (يسئلونك ماذا ينفقون)
وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الاصناف إذا رأى ذلك وذكر النسائي عن عطاء قال (خمس الله وخمس رسوله واحد وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل منه ويعطى منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء.
وروى ابن حزم عن قتادة قال تقسم الغنائم خمسة أخماس، فأربعة أخماس لمن قاتل عليها ثم يقسم الباقي على خمسة اخماس، فخمس منها لله تعالى وللرسول وخمس لقرابة الرسول الله صلى الله عليه وسلم وخمس لليتامى وخمس لا بن السبيل وخمس للمساكين، ثم قال وهو قول الاوزاعي وسفيان الثوري والشافعي وأبى ثور وإسحاق وأبى سليمان والنسائي وجمهور أصحاب الحديث وآخر قولى أبى يوسف القاضى الذى رجع إليه، إلا أن الشافعي قال للذكر من ذوى القربى مثل حظ الانثين، وهذا خطأ لانه لم يأت به نص أصلا وليس ميراثا فيقسم
كذلك، وإما هي عطية من الله تعالى فهم فيها سواء.
وقال مالك يجعل الخمس كله في بيت المال ويعطى اقرباء رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ما يرى الامام ليس في ذلك حد محدود قال أصبع بن فرج أقرباؤه عليه السلام هم جميع قريش، وقال أبو حنيفة يقسم الخمس على ثلاثة أسهم، الفقراء والمساكين وابن السبيل، قال على: هذه أقوال في غاية الفساد لانها خلاف القرآن نصا وخلاف السنة الثابتة، ولا يعرف قول أبى حنيفة عن أحد من أهل الاسلام قبله وجماع نصوصهم لكل من تأملها أنهم يحتجون بأحاديث موضوعة أو مرسلة أو صحاح، ليس فيها دليل أو قول صاحب قد خالفه غيره منهم ولا مزيد وقال الشوكاني: في الاحاديث دلالة على أن من مصارف الخمس قربى رسول الله، وذكر حديثا رواه أبو داود أن أبا بكر كان يقسم الخمس نحو قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه لم يكن يعطى قربى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عمر يعطيهم منه وعثمان بعده وقد استدل من قال إن الامام يقسم الخمس حيث شاء بما أجرجه أبو داود وغيره عن ضباعة بنت الزبير قالت أصاب النبي صلى الله عليه وسلم سبيا فذهبت أنا وأختى فاطمة فسأله فقال سبقتكما يتامى بدر، وفى حديث الصحيح أن فاطمة شكت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرحى..الخ
قال اسماعيل القاضى هذا الحديث يدل على أن للامام أن يقسم الخمس حيث يرى، لان الاربعة الاخماس استحقاق للغانمين والذى يختص بالامام هو الخمس وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ابنته وأعز الناس عليه من قرابته وصرفه إلى غيرهم، وقال بنحو ذلك الطبري والطحاوى.
قال الحافظ في الفتح في الاستدلال بذلك نظر، لانه يحتمل أن يكون
ذلك من الفئ.
قلت أما باقى الاقوال التى ذكرها المصنف فلم يخالفه فيها أحد قوله (نبذة من الارض) النبذة الشئ اليسير، يقال في رأسه نبذ من الشيب وأصاب الارض نبذ من مطر أي شئ يسير قوله (سد الثغور) الثغر موضع المخافة.
وقال الازهرى أصل الثغر الهدم والكسر، يقال ثغرت الجدار إذا هدمته.
وقيل للموضع الذى تخاف منه العدو ثغر لانثلامه وإمكان دخول العدو منه.
وقيل النصيب سهم لانه يعلم عليه بالسهام قوله (بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد) بالشين المعجمة وهو المثل، وقد ذكر فِي الزَّكَاة
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿باب قسم الفئ﴾ الفئ هو المال الذى يؤخذ من الكفار من غير قتال، وهو ضربان، أحدهما ما انجلوا عنه خوفا من المسلمين أو بدلوه للكف عنهم فهذا يخمس ويصرف خمسه إلى من يصرف إليه خمس الغنيمة، والدليل عليه قوله عز وجل (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فالله وللرسول والذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) .
(والثانى) ما أخذ من غير خوف كالجزية وعشور تجاراتهم ومال من مات منهم في دار الاسلام ولا وارث له ففى تخميسه قولان، قال في القديم لا يخمس لانه مال أخذ من غير خوف لم يخمس كالمال المأخوذ بالبيع والشراء.
وقال في الجديد يخمس وهو الصحيح للآية، ولانه مال مأخوذ من الكفار بحق الكفر يختص به بعض المسلمين فوجب تخميسه كالمال الذى انجلوا عنه، وأما
أربعة أخماسه فقد كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حياته، والدليل عليها قوله عز وجل (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فالله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) ولا ينتقل ما ملكه إلى ورثته، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ما تركته بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فإنه صدقة وروى مالك بن أوس بن الحدثان رضى الله عنه عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف: أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنا لا نورث، ما تكرنا صدقة، إن الانبياء لا تورث، فقال القول بلى قد سمعناه، ثم أقبل على على وعباس فقال أنشد كما بالله هل سمعتما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ما تركناه صدقة إن الانبياء لا تورث، فقالا نعم، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود، واختلف قول الشافعي فيما يحصل من من مال الفئ بعد موت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ في أحد القولين يصرف في المصالح لانه مال راتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصرف بعد موته في المصالح كخمس الخمس، فعلى هذا يبدأ بالاهم وهو سد الثغور وأرزاق المقاتلة ثم الاهم فالاهم.
وقال في القول الثاني هو للمقاتلة، لان ذلك كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما كان فيه من حفظ الاسلام والمسلمين، ولما كان له في قلوب الكفار من الرعب، وقد صار ذلك بعد موته في المقاتلة فوجب أن يصرف إليهم.
(الشرح) حديث أبى هريرة (لا تقتسم ذريتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة) متفق عليه، وأخرجه الحاكم وأبو داود عن أبى هريرة.
حديث عمر (لا نورث ما تركنا فهو صدقة، وإنما هذا المال لآل محمد لنائبهم
ولضعيفهم، فإذا مت فهو إلى ولى الامر من بعدى) أخرجه أبو داود عن على
وفى إسناده يحيى بن محمد المدنى متكلم فيه، والترمذي في الشمائل عن أسامة، وأسامة مختلف فيه وروى له مسلم، وحديث عمر الآخر فقد خرجه المصنف.
اللغة.
قوله (الفئ هو المال الذى يأخذ..) قلت بوب الترمذي فقال: باب من يعطى من الفئ، وذكر فيه أحاديث الغزو بالنساء هل يسهم لهن وللصبيان حتى أن المباركفورى بعد أن شرح كلمة الفى لغويا قال: والظاهر أن المراد من الفئ هنا الغنيمة ولم يذكر فيه أقوالا.
وقال أبو يوسف في كتاب الخراج (فصل في الفئ) فأما الفئ يا أمير المؤمنين فهو الخراج عندنا، خراج الارض والله أعلم.
واستشهد بالآية (ما أفاء الله على رسوله..) حتى فرغ من هؤلاء ثم قال (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم..) ثم قال تعالى (والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم..والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا..) فهذا والله أعلم لمن جاء من بعدهم من المؤمنين إلى يوم القيامة ثم استشهد بأعمال عمر في عدم تقسيمه أرض الشام والعراق.
وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: والفئ في مثل هذا الموضع ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك، واستشهد بقول لعمر (كانت أموال بنى النضير فيثا مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقى جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.
وذكر في المنتفى للجد ابن تيمية حديث عوف بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أتاه الفئ قسمه في يومه فأعطى الآهل حظين وأعطى العزب حظا) رواه
أبو داود وذكره أحمد وقال حديث حسن (قلت) هذا الحديث وإن كان في الفئ إلا أن فيه كفالة حق الفرد الآهل أكثر من الاعزب، كما أن فيه الضمان الاجتماعي الذى يتغنى به الاوربيون وابناء جلدتنا وبنى جنسنا ممن ساروا في ركاب الثقافة الغربية أو الشيوعية فليتهم يعودون إلى أحضان دينهم فيجدوا فيه الخير الكثير لهم ولنا، وفيه دافعا للشباب
على الزواج وحلا للازمة التى نراها وبقاء لبعض أنوثة المرأة التى أهدرت بالعمل دون مبرر ولا حاجة.
قال ابن العربي في أحكام القرآن بعد أن أورد الآيتين من سورة الحشر: لا خلاف أن الآية الاولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وهذه الاية (وهى الثانية) اختلف الناس فيها على أربعة أقوال (الاول) أنها هذه القرى التى قوتلت فأفاء الله بمالها فهى لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، قال عكرمة وغيره: ثم نسخ ذلك في سورة الانفال.
(الثاني) هو ما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب فيكون لمن سمى الله فيه، والاولى للنبى صلى الله عليه وسلم خاصة إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين.
(الثالث) قال معمر الاولى للنبى صلى الله عليه وسلم والثانية في الجزية والخراج للاصناف المذكورة فيه، والثالثة الغنيمة في سورة الانفال للغانمين (الرابع) روى ابن القاسم وابن وهب في قوله تعالى (فما أوجفتم عليه من خيل..) هي النضير لم يكن فيها خمس ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، وكان صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها بين المهاجرين وثلاث من الانصار،
وقوله تعالى (ما أفاء الله..) هي قريظة، وكانت قريظة والخندق في يوم واحد.
قال ابن ضويان في شرح منار السبيل (مذهب الحنابلة) والفئ هو ما أخذ من مال الكفار بحق من غير قتال، كالجزية والخراج وعشر التجارة من الحربى ونصف العشر من الذمي، وما تركوه فزعا أو عن ميت ولا وارث له ومصرفه في مصالح المسلمين، ثم شرحه بقوله لعموم نفعها ودعاء الحاجة إلى تحصيلها، قال عمر رضى الله عنه ما من أحد من المسلمين الا له في هذا المال نصيب إلا العبيد فليس لهم في شئ، وقرأ (ما أفاء الله على رسوله..) فقال هذه استوعبت المسلمين، ولئن عشت ليأتين الراعى بسرد حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه.
وقال أحمد (الفئ حق لكل المسلمين، وهو بين الغنى والفقير)
وتبدأ بالاهم فالاهم من سعد ثغر وكفاية أهل وحاجة من يدفع عن المسلمين وعمارة القناطر ورزق القضاة والفقهاء وغير ذلك، فإن فضل شئ قسم بين أحرار المسلمين غنيهم وفقيرهم وبيت المال ملك للمسلمين ويضمنه متلفه ويحرم الاخذ منه بلا إذن الامام.
وأفضل ما قرأنه في الفئ ما صنفه ابن رشد في البداية، وأما الفئ عند الجمهور فهو كل ما صار للمسلمين من الكفار قبل الرعب والخوف من غير أن يوجف عليه بخيل أو رجل.
واختلف الناس في الجهة التى يصرف إليها، فقال قوم إن الفئ لجميع المسلمين، الفقير والغنى، وأن الامام يعطى منه للمقاتلة وللحكام وللولاة.
وينفق منه في النوائب التى تنوب المسلمين كبناء القناطر وإصلاح المساجد غير ذلك، ولاخمس في شئ منه، وبه قال الجمهور، وهو الثابت عن أبى بكر وعمر.
وقال الشافعي بل فيه الخمس، والخمس مقسوم على الاصناف التى ذكروا في آية الغنائم وهم الاصناف الذين ذكروا في الخمس بعنيه من الغنيمة وأن الباقي هو مصروف إلى اجتهاد الامام ينفق منه على نفسه ومن رأى، وأحسب أن قوما قالوا إن الفئ غير مخمس، ولكن يقسم على الاصناف الخمس الذين يقسم عليهم الخمس، وهو أحد أقوال الشافعي فيما أحسب.
وسبب اختلاف من رأى أنه يقسم جميعه على الاصناف الخمسة أو هو مصروف إلى اجتهاد الامام هو سبب اختلافهم في قسمة الخمس من الغنيمة.
ثم قال: إن من جعل الاصناف في الآية تنبيها على المستحقين له قال هو لهذه الاصناف المذكورين ومن فوقهم، ومن جعل ذكر الاصناف تعديدا للذين يستوجبون هذا المال قال لا يتعدى بهم هؤلاء الاصناف، أعنى أنه جعله من باب الخصوص لا من باب التنبيه.
وأما تخميس الفئ فلم يقل به أحد قبل الشافعي، وإنما حمله على هذا القول أنه رأى الفئ قد قسم في الآية على عدد الاصناف الذين قسم عليهم الخمس، فاعتقد لذلك أنه فيه الخمس، لانه ظن أن هذه القسمة مختصة بالخمس،
وليس ذلك بظاهر بل الظاهر أن هذه القسمة تخص جميع الفى لاجزءأ منه، وهو الذى ذهب إليه فيما أحسب قوم.
وخرج مسلم عن عمر وذكر الحديث السابق الاشارة إليه في مذهب الاحناف.
ثم قال وهذا يدل على مذهب مالك (قلت) وفى آخر الكتاب سنفرد بحثا لمصارف هذه الاموال في عصرنا الحاضر كما ذكرها الدهلوى في كتابه حجة الله البالغة، وكذا الرق في الاسلام وما استملته سورة الانفال من الاستعداد للقتال إن شاء الله
قوله (انجلوا عنه) أي هربوا، يقال جلا القوم عن منازلهم إذا هربوا، قال الله تعالى (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) قوله (ومؤنة عاملي) أي مؤنة خليفتي، والعامل هو الذى يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله، ومنه قيل للذى يستخرج الزكاة عامل والذى يأخذه العامل من الاجرة يقال له عمالة بالضم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وينبغى للامام أن يضع ديوانا يثبت فيه أسماء المقاتلة وقدر أرزاقهم، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قدمت على عمر رضى الله عنه من عند أبى موسى الاشعري بثمانمائة ألف درهم، فلما صلى الصبح اجتمع إليه نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال لهم قد جاء للناس مال لم يأتهم مثله منذ كان الاسلام، أشيروا على بمن أبدا منهم؟ فقالوا بك يا أمير المؤمنين إنك ولى ذلك، قال لا، ولكن أبدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الاقرب قالاقرب إليه، فوضع الديوان على ذلك.
ويستحب أن يجعل على كل طائفة عريفا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ عام خيبر على كل عشرة عريفا، ولان في ذلك مصلحة، وهو أن يقوم التعريف بأمورهم ويجمعهم في وقت العطاء وفى وقت الغزو ويجعل العطاء في كل عام مرة أو مرتين ولا يجعل في كل شهر ولا في كل أسبوع لان ذلك يشغلهم عن الجهاد
(فصل)
ويستحب أن يبدأ بقريش لقوله صلى الله عليه وسلم (قسموا قريشا ولا تتقدموها، ولان النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فإنه محمد بن عبد الله ابن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بن مالك بن النضر بن كنانة.
واختلف الناس في قريش، فمنهم من قال كل من ينتسب إلى فهر بن مالك فهو من قريش.
ومنهم من قال: كل من ينتسب إلى النضر بن كنانة فهو من قريش، ويقدم من قريش بنى هاشم لانهم أقرب قبائل قريش إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويضم إليهم بنو المطلب، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد وشبك بين أصابعه) وعن عمر رضى الله عنه أنه قال حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم فإذا كان السمن في الهاشمي قدمه على المطلبى، وإذا كان في المطلبى قدمه على الهاشمي ثم يعطى بنى عبد شمس وبنى نوفل ابني عبد مناف، ويقدم بنى عبد شمس على بنى نوفل، لان عبد شمس أقرب إليه لانه أخو هاشم من أبيه وأمه ونوفل أخوه من أبيه، وأنشد آدم بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العزيز: يا أمين الله إنى قائل
- قول ذى بر ودين وحسب عبدشمس لا تهنها إنما
- عبد شمس عم عبد المطلب عبد شمس كان يتلو هاشما
- وهما بعد لام ولاب ثم يعطى بنى عبد العزى وبنى عبد الدار، ويقدم عبد العزى على عبد الدار لان فيهم أصهار رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنْ خديجة بنت خويلد منهم ولان فيهم من حلف المطيبين وحلف الفضول، وهما حلفان كانا من قوم من قريش اجتمعوا فيهما على نصر المظلوم ومنع الظالم.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: شهدت حلف الفضول ولو دعيت إليه لاجبت، وعلى هذا يعطى الاقرب فالاقرب حتى تنقضي قريش، فإن استوى إثنان في القرب قدم أسنهما لما رويناه من حديث