كتاب السبق والرمى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذكره من قسمي العامر والموات، وان كانت بلاد الشرك أيضا عامرا ومواتا، لما ذكره من ان عامر بلاد المسلمين لاهله لا يملك عليه الا بإذنهم.
وعامر بلاد الشرك قد يملك عليهم قهرا وغلبة بغير إذنهم.
وإذا كان كذلك بدأنا بذكر العامر من بلاد المسلمين ثم بمواتهم.
أما العامر فلاهله الذى قد ملكوه بأحد أسباب التمليك وهى ثمانية: 1 - الميراث 2 - المعاوضات 3 - الهبات 4 - الوصايا 5 - الوقف 6 - الصدقات 7 - الغنيمة 8 - الاحياء.
فإذا ملك عامرا من بلاد المسلمين بأحد هذه الاسباب الثمانية صار مالكه له ولحريمه ومرافقيه من بناء وطريق ومسيل ماء وغير ذلك من مرفق العامر التى لا يستغنى العامر عنها فلا يجوز ان يملك ذلك على أهل العامر باحياء ولا غيره فمن أحياه لم يملكه.
وقال داود بن على: حريم العامر كسائر الموات من أحياه فقد ملكه استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم (من أحيا أرضا مواتا فهى له) وهذا خطأ لان حريم العامر قد كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ثم على عهد خلفائه مقرا على اهله لم يتعرض أحد لاحيائه عما انتهوا إليه، ولانه لو جاز احياء حريم العامر لبطل العامر على أهله وسقط الانتفاع به، لانه يفضى إلى ان يبنى الرجل دارا يسد بها باب جاره فلا يصل الجار إلى منزله.
وما ادى إلى هذا من الضرر وكان ممنوعا منه، وليس الحريم مواتا فيصح استدلال داود عليه.
واما الموات فضربان: أحدهما ما لم يزل على قديم الدهر مواتا لم يعمر قط.
فهذا هو الموات جاء في الحديث ان من أحياها فهى له، فان أحياه ذمى لم يملكه وقال أبو حنيفة: يملكه الذمي بالاحياء كالمسلم، استدلالا بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ أحيا أرضا مواتا فهى له) ولانها أعيان مباحة فجاز أن يستوى في تملكها المسلم والذمى كالصيد والحطب، ولان من يملك بالاصطياد والاحتطاب
صح أن يملك بالاحياء كالمسلم، ولانه سبب من أسباب التمليك فوجب أن يستوى فيه المسلم والذمى كالبيع، ودليلنا حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثُمَّ هي لكم منى) فوجه الخطاب للمسلمين وأضاف ملك الموات إليهم فدل على اختصاصهم بالحكم.
ولان النبي صلى الله عليه قال (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان) اشارة إلى إجلائهم حتى أجلاهم عمر رضى الله عنه من الحجاز، فلما أمر بإزالة أملاكهم الثابتة فأولى أن يمنعوا من أن يستبيحوا أملاكا محدثة، لان استدامة الملك أقوى من الاستحداث، فإذا لم يكن لهم الاقوى فالاضعف أولى، ولان من لم يقر في دار الاسلام الا بجزية منع من الاحياء كالمعاهد، ولان كل ما لم يملكه الكافر قبل عقد الجزية لم يملكه بعد عقد الجزية وأصله نكاح المسلمة.
ولانه نوع تمليك ينافيه كفر الحربى فوجب أن ينافيه كفر الذمي كالارث من مسلم فأما الجواب عن حديث (من أحيا أرضا مواتا فهى له) فهو أن هذا الخبر وارد في بيان ما يقع به الملك.
وقوله (ثم هي لكم) وارد في بيان من يقع له الملك فصار المفسر في كل واحد منهما فيما قصد له قاضيا على صاحبه، فصار الخبران في التقدير كقوله (من أحيا أرضا مواتا من المسلمين فهى له) وأما الجواب عن قياسهم على الصيد والحطب فهو أنه منتقض بالغنيمة حيث لم يستو المسلم والذمى فيها مع كونها أعيانا مباحة، ثم لو سلم من النقض لكان المعنى في الصيد والحطب أن لا ضرر على المسلم فيه إذا أخذه الكافر، وليس كذلك الاحياء.
لذلك لم يمنع المعاهد من الاصطياد والاحتطاب وان منع من الاحياء، فكان المعنى الذى فرقوا به في المعاهد بين إحيائه واصطياده (وفرقنا في الذمي بين إحيائه واصطياده، وهو الجواب عن قياسهم الثاني ويكون المعنى
في المسلم فضيلته بدينه واستقراره في دار الاسلام بغير حرمة مباينة لصغار الذمة فاستعلى على من خالف الملة.
وأما الجواب عن قياسهم على البيع فهو إنه منتقض بالزكاة لانها سبب من أسباب التمليك الذى يختص بها المسلم دون الذمي.
ولما لم يجز في الاحياء أن يملك به المعاهد لم يملك به الذمي.
وقال أحمد بعدم الفرق بين المسلم والذمى وقد مضى الرد على ذلك.
والضرب الثاني من الموات ما كان عامرا ثم خرب فصار بالخراب مواتا فذلك ضربان، أحدهما ان كان جاهليا لم يعمر في الاسلام فهذا على ضربين أحدهما أن يكون قد خرب قبل الاسلام حتى صار مواتا مندرسا كأرض عاد وتبع ومدن طيبة ومنف وبابل وآشور وبعلبك فهذه إذا أعلن أيلولتها إلى بيت
مال المسلمين وملكت الدولة التى من حقها أن تكون لها الولاية عليها لعرضها للاعتبار عملا بقوله تعالى (أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الارض، وعمروها أكثر مما عمروها) إلى آخر ما ورد في القرآن الكريم من آيات الحث على السياحة والسير إلى الآثار للاعتبار والاتعاظ، كان إحياؤها معلقا بإذن السلطان، بل إن السلطان إذا أحياها بصيانتها وإقامة الحراس عليها وتمهيد طرقها وتيسير سبل الوصول إليها بسبب ما تحويه من تواريخ من كانوا يعمرونها من الدارسين والبائدين كان هذا إحياء لها على هذا النحو، وصارت ملكا عاما لا يختص به أحد، وذلك أصله قوله صلى الله عليه وسلم (عادى الارض لله ولرسوله ثم هي لكم منى) والضرب الثاني: ما كان باقى العمارة إلى وقت الاسلام ثم خرب وصار مواتا قبل أن يصير من بلاد الاسلام فهذا على ثلاثة أقسام
(أحدهما)
أن يرفع أربابه أيديهم عنه قبل القدرة عليه فهذا يملك بالاحياء كالذى لم يزل مواتا (والقسم الثاني) أن يتمسكوا به إلى حين القدرة
عليه فهذا يكون في حكم عامرهم لا يملك بالاحياء.
(والقسم الثالث) أن يجهل حاله فلا يعلم هل رفعوا أيديهم عنه قبل القدرة عليه أم لا، ففى جواز تملكه بالاحياء وجهان كالذى جهل حاله من الركاز.
والضرب الثاني: ما كان في الاصل عامرا من بلاد الاسلام ثم خرب حتى ذهبت عمارته، واندرست آثاره، فصار مواتا.
فقد اختلف الفقهاء في جواز تملكه بالاحياء على ثلاثة مذاهب، فمذهب الشافعي منها أنه لا يجوز أن يملك بالاحياء سواء عرف إربابه أو لم يعرفوا.
وقال أبو حنيفة: إن عرف أربابه فهو على ملكهم لا يملك بالاحياء وإن لم يعرفوا ملك بالاحياء استدلالا بعموم الحديث (من أحيا أرضا مواتا فهى له) وحقيقة الموات ما صار بعد الاحياء مواتا من العامر فزال عن حكم العامر كالجاهلي.
ولانه موات فجاز احياؤه كسائر الموات.
وقال مالك: يصير كالموات الجاهلي يملكه من أحياه سواء عرف أربابه أم لم يعرفوا.
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نفس منه) وهذا مال مسلم.
وروى عروة عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من أحيا أرضا ميتة ليست لاحد فهو أحق بها)
فجعل زوال الملك عن الموات شرطا في جواز ملكه بالاحياء.
ودل على أن ما جرى عليه ملك لم يجز أن يملك بالاحياء.
وروى أسامة بن مضرس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له مال، فخرج الناس يتعادون يتخاطون) وهذا نص ولانها أرض استقر عليها ملك أحد المسلمين فلم يجز أن تملك بالاحياء كالتى بقيت آثارها عند مالك، وكالتى تعين أربابها عند إبى حنيفة، ولان ما صار مواتا من عامر المسلمين لم يجز إحياؤه بالتملك كالاوقاف والمساجد.
وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم (من أحيا أرضا مواتا فهى له) فهو دليل عليهم، لان الاول قد إحياها، فوجب أن يكون أحق بها من الثاني لامرين أحدهما: أنه سبق.
والثانى: أن ملكه قد ثبت باتفاق.
وأما الجواب عن قياسهم على الجاهلي وعلى التى لم تزل خرابا فالمعنى فيها أنها لم يجر عليها ملك مسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
والاحياء الذى يملك به أن يعمر الارض لما يريده، ويرجع في ذلك إلى العرف، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الاحياء ولم يبين فحمل على المتعارف، فان كان يريده للسكنى فأن يبنى سور الدار من اللبن والآجر والطين والجص إن كانت عادتهم ذلك، أو القصب أو الخشب إن كانت عادتهم ذلك، ويسقف وينصب عليه الباب لانه لا يصلح للسكنى بما دون ذلك، فإن أراد مراحا للغنم أو حظيرة للشوك والحطب بنى الحائط ونصب عليه الباب، لانه لا يصير مراحا وحضيرة بما دون ذلك، وإن أراد للزراعة فأن يعمل لها مسناة ويسوق الماء إليها من نهر أو بئر، فإن كانت الارض من البطائح فأن يحبس عنها الماء لان إحياء البطائح أن يحبس عنها الماء كما أن إحياء اليابس بسوق الماء إليه، وبحرثها، وهو إن يصلح ترابها، وهل يشترط غير ذلك؟ فيه ثلاثة أوجه.
(أحدها) أنه لا يشترط غير ذلك وهو المنصوص في الام، وهو قول أبى إسحاق، لان الاحياء قد تم وما بقى إلا الزراعة، وذلك انتفاع بالمحيا فلم يشترط كسكنى الدار.
(والثانى)
وهو ظاهر ما نقله المزني: أنه لا يملك إلا بالزراعة لانها من تمام العمارة، ويخالف السكنى فإنه ليس من تمام العمارة، وإنما هو كالحصاد في الزرع، (والثالث) وهو قول أبى العباس: أنه لا يتم إلا بالزراعة والسقى، لان
العمارة لا تكمل إلا بذلك، وإن أراد حفر بئر فإحياؤها أن يحفر إلى أن يصل إلى الماء لانه لا يحصل البئر الا بذلك، فان كانت الارض صلبة تم الاحياء، وان كانت رخوة لم يتم الاحياء حتى تطوى البئر لانها لا تكمل الا به، (الشرح) يختلف الاحياء باختلاف المقصود منه، ولما كان الشارع قد أطلق الاحياء لم يحده، ولما كان ليس للاحياء في اللغة حد وجب الرجوع إلى العرف كالحرز والقبض وضابطه تهيئة الشئ لما يقصد منه غالبا، فإن أراد مسكنا نظرت إلى العرف الشائع في المكان الذى يجرى فيه الاحياء سكنا، كتحويطه بالآجر أو اللبن أو القصب على عادة المكان، وقد رأى بعض الاصحاب الاكتفاء بالتحويط من غير بناء لكنه نص في الام على اشتراط البناء.
قال الرملي: وهو المعتمد، والاوجه الرجوع في جميع ذلك إلى العادة، ومن هنا قال المتولي وأقره ابن الرفعة والاذرعى وغيرهما: لو اعتاد نازلو الصحراء تنظيف الموضع من نحو شوك وحج وتسويته لضرب خيمته وبناء معلفه ففعلوا ذلك بقصد التملك ملكوا البقعة، وان ارتحلوا عنها أو بقصد الارتفاق فهم أولى بها إلى الرحلة.
إذا ثبت هذا: فإن تحويط الارض احياء لها سواء أرادها للبناء أو للزرع أو حظيرة للغنم أو للخشب أو لغير ذلك، هذا مذهبنا ونص عليه أحمد في رواية على بن سعيد فقال: الاحياء أن يحوط عليها حائطا ويحفر فيها بئرا أو نهرا ولا تعتبر في ذلك تسقيف، وذلك لما روى عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (من أحاط حائطا على أرض فهى له) رواه أبو داود واحمد، ويروى عن جابر مثله.
وقد نص الامام النووي على عدم اشتراط تعليق الباب لان الباب لا يشترط للسكنى وانما هو للحفظ والسكنى لا تتوقف عليه.
وقد اعتبر القصد في مذهب
الشافعي رضى الله عنه ولم يعتبر القصد في مذهب أحمد رضى الله عنه، فلو أحاط مواتا بقصد أن يكون حظيرة فاتخذه سكنا له ولم يتخذه لما قصد له ملكه عند أحمد لعدم اعتبار القصد وملكه عند الشافعي بالقصد الطارئ أما إذا حوطها لتكون حظيرة ولا تصلح للسكنى ثم سكنها فإنه لا يملك عند الشافعي ويملك عند أحمد، فلو خندق حول الارض خندقا لم يكن إحياء لانه ليس بحائط ولا عمارة، وإنما هو حفر وتخريب، وإن أحاطها بشوك وشبهه لم يكن ذلك إحياء ولو نزل منزلا فنصب به بيت شعر أو خيمة لم يكن ذلك إحياء.
أما إذا فعل ذلك بحيث يريدها مزورعة فجمع التراب أو الشوك حولها وسوى الارض فطم المنخفض منها واكتسح العالي وحرثها إذا توقف زرعها على الحرث ورتب لها الماء بشق المسقاة أو حفر الساقية أو شق للماء طريقا ولم يبق الا اجراؤه كفى ذلك في تملكه، وان لم يجز الماء، فان هيأه ولم يحفر له طريقا كفى أيضا وهو المنصوص في الام، وبه قال أبو إسحاق المروزى ورجحه صاحب الشرح الصغير وتابعه الشمس الرملي.
فإذا كفاها المطر لم تحتج إلى ترتيب للماء وذلك خلاف لظاهر ما نقله المزني من أنه يشترط الزراعة لتمام الملك بذلك، ويخالف السكنى، وقد زاد أبو العباس بن سريج على ذلك اشتراط السقى أيضا، وأرض الجبال التى لا يمكن سوق الماء إليها ولا يكفيها المطر تكفى الحراثة وجمع التراب كما اقتضاه كلام النووي في الروضة تبعا للرافعي وجزم به غيرهما.
ولا يشترط أن تتم الزراعة على الاصح كما لا يشترط سكنى الدار لان استيفاء المنفعة خارج عن الاحياء.
والثانى: لا تصير محياة الا بالزراعة كما لا تصير الدار محياة الا إذا صار فيها مال المحيى، وإذا اعتادوا أن يجمعوا ترابا حول ما يزرعونه بستانا فجمع التراب
بدلا من التحويط كفى، والا اشترط التحويط حسب العادة وتهيئة ماء للبستان أن لم يكفه ماء المطر، ويشترط فيه اتخاذ الباب وغرس الاشجار ولو لبعضه بحيث يسمى بستانا كما أفاده الاذرعى، فلا يكفى غرس الشجرة والشجرتين في المكان الواسع على المذهب إذ لا يتم اسم البستان بدون ذلك بخلاف المزرعة
بدون الزرع، ولا يشترط في البستان الاثمار، وما عمله مما يعود نفعه على غيره كطى بئر، فان ملكه له يتوقف على قصده من حفر البئر، وقال الشافعي رضى الله عنه: وانما يكون الاحياء ما عرفه الناس إحياء مثل المحيا ان كان مسكنا فأن يبنى بمثل ما يبنى به مثله من بنيان حجر أو لبن أو مدر يكون مثله بناء، وهكذا ما أحيا الادمى من منزل له أو لدواب من حظار أو غيره فاحياه ببناء، حجر أو مدر أو بماء لان هذه العمارة بمثل هذا، ولو جمع ترابا لحظار أو خندق لم يكن هذا إحياء.
وكذلك لو بنى خياما من شعر أو جريد أو خشب لم يكن هذا إحياء تملك له الارض بالاحياء، وما كان هذا قائما لم يكن لاحد أن يزيله، فإذا أزاله صاحبه لم يملكه، وكان لغيره ان ينزله ويعمره، اه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وإذا أحيا الارض ملك الارض وما فيها من المعادن كالبلور والفيروزج والحديد والرصاص لانها من اجزاء الارض فملك بملكها ويملك ما ينبع فيها من الماء والقار وغير ذلك.
وقال أبو اسحاق لا يملك الماء وما ينبع فيها، وقد بينا ذلك في البيوع، ويملك ما ينبت فيها من الشجر والكلا.
وقال ابو القاسم الصيمري: لا يملك الكلا لما روى ان ابيض بن حمال سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن حمى الاراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسمل (لا حمى في الاراك) ولانه لو فرخ في الارض طائر لم يملك، فكذلك إذا نبت فيه
الكلا، وقال أكثر أصحابنا: يملك لانه من نماء الملك فملكه بملكه كشعر الغنم.
(فصل)
ويملك بالاحياء ما يحتاج إليه من المرافق، كفناء الدار والطريق ومسيل الماء وحريم البئر، وهو بقدر ما يقف فيه المستقى إن كانت البئر للشرب وقدر ما يمر فيه الثور إن كانت للسقي، وحريم النهر وهو ملقى الطين وما يخرج منه من التقن، ويرجع في ذلك إلى أهل العرف في الموضع.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: من احتفر بئرا فله أربعون ذراعا حولها عطن لماشيته.
وروى ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: من السنة أن حريم القليب
العادية خمسون ذراعا، وحريم البدئ خمسة وعشرون ذراعا، وحريم بئر الزرع ثلثمائة ذراع، فان أحيا أرضا إلى جنب غيره فجعل أحدهما داره مدبغة أو مقصرة لم يكن للاخر منعه من ذلك، لانه تصرف مباح في ملكه فلم يمنع منه.
وان الصق حائطه بحائطه منع من ذلك.
وان طرح في أصل حائطه سرجينا منع منه لانه تصرف باشر ملك الغير بما يضر به فمنع منه، فان حفر حشا في أصل حائطه لم يمنع منه لانه تصرف في ملكه.
ومن أصحابنا من قال: يمنع لانه يضر بالحاجز الذى بينهما في الارض.
وان ملك بئرا بالاحياء فجاء رجل وتباعد عن حريمه وحفر بئرا فنقص ماء الاول لم يمنع منه لانه تصرف في موات لاحق لغيره فيه.
(الشرح) حديث أبيض بن حمال رواه الترمذي وحسنه وابو داود بلفظ (أنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم استقطعه الملح فقطع له، فلما ان ولى قال رجل: أتدرى ما أقطعت له؟ إنما أقطعته الماء العد.
فقال انتزعه منه، قال: وسألته عما يحمى من الاراك فقال: ما لم تنله خفاف الابل) وأخرجه أيضا
ابن ماجه والنسائي وصححه ابن حبان وضعفه ابن القطان ولم يذكر وجه تضعيفه ولعله بسبب السبئ المازنى الذى في الاسناد.
وقال فيه ابن عدى: أحاديثه مظلمة منكرة.
وفى رواية (ما لم تنله أخفاف الابل) قال محمد بن الحسن المخزومى: يعنى ان الابل تأكل منتهى رؤسها ويحمى ما فوق ذلك.
ورواه سعيد بن منصور قال: حدثنى اسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس المأربى عن أبيه عن أبيض بن حمال المأربى قال (استقطعت رسول الله صلى عليه وسلم معدن الملح بمأرب فاقطعنيه، فقيل يا رسول الله انه بمنزلة الماء العد، يعنى انه لا ينقطع، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فلا إذن) .
وأما حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فقد رواه ابن ماجه باسناد ضعيف لان فيه اسماعيل بن سلم، وقد أخرجه الطبراني من حديث أشعث عن الحسن، واخرج حرب وعبد الله عن أحمد من حديث أبى هريرة بلفظ (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له، وله حريمها خمسون ذراعا من كل جانب) واختيار الخمسين هو مذهب أحمد وأصحابه، وأخرج ابن ماجه بلفظ (حريم البئر طول رشائها) أما اللغات في الفصل فالبلور كنتور وسنور وسبطر.
وهو جوهر.
وكذلك الفيروزج، والقار نوع من القطران، والعد بكسر العين، قال أبو عبيد: العد بلغة تميم الكثير، وبلغة بكر بن وائل هو القليل، والمراد هنا في الحديث الكثير الذى لا ينقطع.
وأما كلمة التقن التى جرت هنا في كلام المصنف فهى من الكلمات التى كانت شائعة عند أهل بغداد، ويريدون بها سيف النهر وما اجمتع فيه من الطين وغيره.
أما الاحكام فإن المعادن إما ظاهرة، وهى التى سنتكلم عليها في الفصل التالى أما المعادن الباطنة وهى التى لا يوصل إليها الا بالعمل والمؤنة كمعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والبلور والفيروزج، فإذا كانت ظاهرة فلا تملك بالاحياء لما سيأتي، وإن لم تكن ظاهرة فحفرها إنسان لم تملك بذلك في ظاهر مذهب أحمد والشافعي، وهو قول أبى اسحاق المروزى، ويحتمل أن يملكها بذاك، وهو قول للشافعي والمصنف والنووي في المنهاج.
ومنع أبو القاسم الصيمري أن يملك الكلا، ولانه لو فرخ طائر في الارض لم يملك.
وقول أكثر الاصحاب يملك لانه من نماء الارض كمن يملك غنما فانه يملك أصوافها وأشعارها لانه نماء في ملكه، ولانه إظهار تهيأ بالعمل والمؤنة فملك بالاحياء كالارض، ولانه بإظهاره تهيأ للانتفاع به من غير حاجة إلى تكرار ذلك العمل، فاشبه إحاطة الارض أو إجراء الماء إليها.
ووجه الاول أن الاحياء الذى يملك به هو العمارة التى تهيأ بهال المحمى للانتفاع من غير تكرار عمل.
وهذا حفر وتخريبه يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع، فإن قيل: فلو احتفر بئرا ملكها وملك حريمها، قلنا: البئر تهيأت للانتفاع بها من غير تجديد حفر ولا عمارة، وهذه المعادن تحتاج عند كل انتفاع إلى عمل وعمارة فافترقا.
أما إذا ملك الارض بالاحياء فظهر أن فيها معدنا من المعادن الجامدة ظاهرا
أو باطنا فقد ملكه لانه ملك الارض بجميع أجزائها وطبقاتها وهذا منها ويفارق الكنز فانه مودع فيها وليس من أجزائها، ويفارق ما إذا كان ظاهرا قبل إحيائها لانه قطع عن المسلمين نفعا كان واصلا إليهم، ومنعهم انتفاعا كان لهم.
وههنا لم يقطع عنهم شيئا لانه انما ظهر بإظهاره له، ولو تحجر الارض أو أقطعها فظهر
فيها المعدن قبل إحيائها لكان له احياؤها ويملكها بما فيها لانه صار أحق به بتحجره واقطاعه فلم يمنع من اتمام حقه.
(فرع)
يقال للبئر التى تحفر في الارض الموات: بئر عادية بتشديد الياء منسوبة إلى عاد، وليس المراد عادا بعينها، ولكن لما كانت عاد في الزمن الاول وكانت لها آثار في الارض نسب إليها كل قديم، فكل من حفر بئرا في موات للتمليك فله حريمها أربعون ذراعا حولها أو خمس وعشرون ذراعا من كل جانب أو خمسون ذراعا طول أبعد طرفي حريمها، ومن سبق إلى بئر عادية كان أحق بها لقوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له وله حريمها خمسون ذراعا من كل جانب) وقد فرق سعيد بن المسيب بين العادى منها والبدئ، فجعل الاولى حريمها خمسون ذراعا وجعل البدئية حريمها خمسة وعشرون ذراعا.
وجعل حريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع وقال: هذا من السنة.
وإذا قال تابعي كبير كابن المسيب (من السنة) وكذلك روى أبو عبيد عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ (السنة في حريم القليب العادى خمسون ذراعا والبدئ خمس وعشرون ذراعا) فإنما يقول كل منهما - وهما تابعيان كبيران - ذلك لما صح عندهما من عمل الصحابة واتفاقهم عليه مما يجعل هذا القدر هو السنة لانه لا يخلو من هدى نبوى.
وقال أصحاب أحمد منهم أبو الخطاب والقاضى: ليس هذا على طريق التحديد بل حريمها على الحقيقة ما تحتاج إليه في ترقية مائها منها، فإن كان بدولاب فقدر مد الثور أو غيره، وان كان بساقية فبقدر طول البئر، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (حريم البئر مد رشائها) رواه ابن ماجه.
وذهب النووي إلى تحديد حريم البئر المحفورة في الموات بمقدار موقف النازح منها، قال الرملي: وهل يعتبر قدر النازح من سائر الجوانب أو من أحدها فقط الاقرب اعتبار العادة في مثل ذلك المحل اه.
وعلى هذا يكون حريم البئر من جوانبه ما يحتاج إليه في مجال عمله، وينبغى أن يمتد حريمها إلى ما تقتضيه.
وقال أبو حنيفة: حريم البئر أربعون ذراعا، وحريم العين خمسمائة ذراع، لان أبا هريرة رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انه قال (حريم البئر أربعون ذراعا لاعطان الابل والغنم) .
(قلت) حديث أبى هريرة رواه احمد (حريم البئر العادى خمسون ذراعا، وحريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعا) وعن الشعبى مثله.
وقد روى الدارقطني والخلال بإسنادهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: حريم البئر خمس وعشرون ذراعا، وحريم العادى خمسون ذراعا) وقد أعله الدارقطني بالارسال وقال: من أسنده فقد وهم، وفى سنده محمد بن يوسف المقرى شيخ شيخ الدارقطني وهو منهم بالوضع، ورواه البيهقى من طريق يونس عن الزهري عن المسيب مرسلا وزاد فيه (وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها) وأخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة موصولا ومرسلا والموصول فيه عمر بن قيس وهو ضعيف: والاحاديث في مجموعها تثبت أن للبئر حريما، والمراد بالحريم ما يمنع منه المحيى والمحتفر لاضراره.
وفى النهاية: سمى بالحريم لانه يحرم منع صاحبه منه، ولانه يحرم على غيره التصرف فيه.
وحديث عبد الله بن مغفل الذى ساقه المصنف يجعل العلة في ذلك هي ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقى إبله لاجتماعها على الماء.
وحديث أبى هريرة دال على أن العلة هو ما يحتاج إليه البئر لئلا تحصل المضرة عليها باقتراب الاحياء منها، ولذا وقع الاختلاف بين حالى كل من البدئ
والعادي، والجمع بين الحديثين يمكن أن ينظر فيهما من وجه الحاجة فإن كانت لاجل سقى الماشية فحديث الاربعين أو الخمس والعشرين، وإن كانت لاجل البئر فخمسين وقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن حريم البئر أربعون، وذهب أحمد إلى أن الحريم خمسة وعشرون.
(فرع)
ومن كانت له بئر فيها ماء فجاء آخر فحفر قريبا منها بئرا فليس له منعه من ذلك، وإن نقص ماء البئر الاولى أو انسرب الماء إليها لانه تصرف مباح في ملكه، ويحتمل أن يمنع من ذلك من حفر بئرا في موات إلى جوار بئر مثلها وجعلها أعمق منها بحيث تجتذب ماء الاولى إليها، لانه ليس له أن يبتدئ ملكه على وجه يضر بالملك قبله، وهو مذهب أحمد وقول للشافعي رضى الله عنهما، والقول الاظهر وهو المذهب: له ذلك لانه تصرف مباح في ملكه فجاز له كتعلية داره.
وهكذا الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره، مثل أن يجعل داره مدبغة أو حماما يضر بعقار جاره برائحته أو غيرها، أو يجعل داره مخبزا في وسط العطارين ونحو ذلك مما يؤذى الجيران فمذهب أحمد: المنع من ذلك، ومذهب الشافعي: له ذلك كله، لانه تصرف مباح في ملكه أشبه ببناء ونقضه.
وأما إذا ألصق الحائط بالحائط بغير مسافة ولو يسيرة منع من ذلك.
أما إذا طرح في أصل حائطه فضلات عفنة تسرى في مسام الارض فتحدث في البناء العطب والتلف منع من ذلك قولا واحدا، لانه تصرف باشر ملك غيره بما يضره.
أما إذا حفر في أصل حائطه حشا فقولان.
أحدهما: لم يمنع من ذلك والثانى: يمنع لانه يضر بالحاجز الذى بينهما وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (فصل) وان تحجر رجل مواتا وهو أن يشرع في إحيائه ولم يتمم صار أحق به من غيره لقوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به، وان نقله إلى غيره صار الثاني أحق به، لانه آثره صاحب الحق به، وان مات انتقل ذلك إلى وارثه، لانه حق تملك ثبت له فانتقل إلى وارثه كالشفعة، وان باعه فَفِيهِ وَجْهَانِ.
(أَحَدُهُمَا) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: أنه يصح لانه صار أحق به فملك بيعه.
(والثانى) أنه لا يصح، وهو المذهب، لانه لم يملكه بعد فلم يملك بيعه كالشفيع قبل الاخذ، وان بادر غيره إلى إحيائه نظرت، فان كان ذلك قبل أن تطول المدة ففيه وجهان.
أحدهما: لا يملك لان يد المتحجر أسبق.
والثانى: يملك لان الاحياء يملك به والتحجر لا يملك به، فقدم ما يملك به على ما لا يلملك به، وإن طالت المدة ولم يتمم قال له السلطان: إما أن تعمر وإما أن ترفع يدك، لانه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم فلم يمكن منه كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء ومنع غيره منها، وإن سأل أن يمهل أمهل مدة قريبة، فان انقضت المدة ولم يحيى فبادر غيره فأحيا ملك، لانه لا حق له بعد انقضاء المدة.
(فصل) ومن سبق في الموات إلى معدن ظاهر وهو الذى يوصل إلى ما فيه من غير مؤنة كالماء والنفط والمومياء والياقوت والبرام والملح والكحل كان أحق به، لقوله صلى الله عليه وسلم: من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به، فإن أطال المقام فيه ففيه وجهان.
(أحدهما)
لا يمنع لانه سبق إليه
(والثانى)
يمنع لانه يصير كالمتحجر، فان سبق اثنان وضاق المكان وتشاحا، فان كانا يأخذان للتجارة، هايأ الامام بينهما
فان تشاحا في السبق أقرع بينهما، لانه لا مزية لاحدهما على الاخر فقدم بالقرعة وإن كانا يأخذان للحاجة ففيه ثلاثة أوجه.
أحدهما: يقرع بينهما لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخِرِ.
وَالثَّانِي: يقسم بينهما لانه يمكن لهما القسمة فلا يؤخر حقه.
والثالث: يقدم الامام أحدهما لان للامام نظرا في ذلك فقدم من رأى تقديمه، وان كان من ذلك ما يلزم عليه مؤنة بأن يكون بقرب الساحل موضع إذا حصل فيه الماء حصل فيه ملح جاز أن يملك بالاحياء لانه يوصل إليه بالعمل والمؤنة فملك بالاحياء كالموات.
(الشرح) حديث (من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به) هذا الحديث هو الذى سبق تخريجه فقد رواه أبى داود وصححه الضياء المقدسي عن أسمر بن مضرس.
وقال البغوي: لا أعلم بهذا الاسناد غير هذا الحديث، التحجر أحاطة الارض بالحجارة، أو بحائط صغير، وهو شروع في احياء الموات وليس احياء تاما، ولذلك فانه لا يملكها بذلك لان الملك لا يكون الا بالاحياء، وليس هذا
إحياء ولكن يصير أحق الناس بِهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به) فإن نقله إلى غيره صار الثاني بمنزلته لان صاحبه أقامه مقامه، وإن مات فوارثه أحق به لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ تَرَكَ حقا أو مالا فهو لورثته من بعده) وهذا هو المذهب ومذهب أحمد رضى الله عنه وقال أبو إسحاق المروزى: إن حق التملك قد ثبت له فيصح له بيعه وقبض ثمنه، والمذهب أنه لا يصح له بيعه كالشفيع لا يصح له أن يبيع قبل أن يأخذ.
وإن ثبت له الاختصاص وفرق بين الاختصاص والملك.
والاختصاص لا يستلزم صحة البيع أو الهبة.
فإن سبق غيره فأحياه ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه يملكه لان الاحياء يملك به والحجر لا يملك به فثبت الملك بما لم يملك به دون ما لم يملك به كمن سبق إلى معدن أو مشرعة ماء فجاء غيره فأزاله وأخذه
(والثانى)
لا يملكه، لانه مفهوم قوله عليه السلام (من أحيا أرضا ميتة ليست لاحد) وقوله (في حق غير مسلم فهى له) أنها لا تكون له إذا كان لمسلم فهو أحق، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) وروى سعيد بن منصور في سننه أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (مَنْ كانت له أرض يعنى من تحجر أرضا فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها) .
هذا يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها، وهو مذهب أحمد رضى الله عنه، ومذهب الشافعي رضى الله عنه أن المدة في التحجر إذا طالت عرفا بلا عذر، فإن السلطان يقول للمتحجر: إما أن تحييه أو تتركه ليحييه غيرك، لانه ضيق على الناس في حق مشترك بينهم فلم يمكن من ذلك كما لو وقف في طريق ضيق أو مشرعة ماء أو معدن لا ينفع ولا يدع غيره ينتفع.
فإن سأل الامهال لعذر له أمهل الشهر والشهرين ونحو ذلك، فان أحياه غيره في مدة المهلة ففيه الوجهان اللذان ذكرناهما، وان انقضت المدة ولم يعمر فلغيره أن يعمره ويملكه، لان المدة قد ضربت له لينقطع حقه بمضيها وسواء أذن له
السلطان في عمارتها أو لم يأذن له، وإن لم يكن للمتحجر عذر في ترك العمارة قيل له أما أن تعمر واما أن ترفع يدك، فان لم يعمرها كان لغيره عمارتها.
ومذهب أحمد في هذا كله نحو مذهبنا إلا في التوقيت بثلاث سنين لقول عمر رضى الله عنه لان عمر رضى الله عنه أخذ بالعرف في زمنه، وقد تكون السنين الثلاث معطلة لنفع يعود على المسلمين من إحياء الموات ونشر العمران مما يحقق
مقاصد الاسلام، ويدفع المسلمين إلى التسابق في استخراج خيرات الارض واستنباط معادنها وإصلاح تربتها وتأهيل مهجورها وتعمير خرابها، وذلك صلاح للمسلمين وقوة لهم وعدة على أعدائهم ومصادر أعمال لعاطليهم وتوسيع لرقعة مساكنهم، وما نشطت شركات الكفار وتسابقت تستعمر بلاد المسلمين إلا لتعطيلهم هذه الاحكام الشريفه، وتخلفوا عن غيرهم في مجالات التعمير والبناء وهجرهم لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم وصدق الله العظيم (ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال: رب لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) .
(فرع)
حكم المعادن الظاهرة، قال الشافعي رضى الله عنه: ومثل هذا كل عين ظاهرة كنفط أو كبريت أو موميا 1 أو حجارة ظاهرة كموميا في غير ملك لاحد، فليس لاحد أن يتحجرها دون غيره، ولا لسلطان أن يمنعها لنفسه ولا لخاص من الناس، لان هذا كله ظاهر كالماء والكلا اه.
وهى التى يوصل إلى ما فيها من غير مؤنة ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء والكبريت والنفط وأحجار التلك الذى يتخذ مسحوقه لتبريد الجلد وإشباه ذاك لا تملك بالاحياء،
ولا يجوز إقطاعها لاحد من الناس، ولا احتجازها دون المسلمين لما في ذلك من
التضييق عليهم وحرمانهم خيرات ظاهرة، ولان النبي صلى الله عليه وسلم أقطع أبيض بن حمال معدن الملح في مأرب باليمن، فلما قيل له: إنه بمنزلة الماء العد.
أمر برده، فأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح الكثير منزلة مشارع الماء وطرقات المسلمين.
قال ابن عقيل من الحنابلة: هذا من مواد الله وفيض جوده الذى لا غناء عنه فلو ملكه أحد بالاحتجاز ملك منعه فضاق على الناس، فان أخذ عنه الثمن أغلاه فخرج عن الموضع الذى وضعه الله من تعميم ذوى الحوائج من غير كلفة.
وهذا مذهب الشافعي وأحمد ولا نعلم لهما مخالفا من الائمة.
قال الرملي: وللاجماع على منع إقطاع مشارع الماء وهذا مثلها بجامع الحاجة العامة وأخذها بغير عمل، ويمتنع أيضا إقطاع وتحجر أرض لاخذ نحو حطبها وصيدها وبركة لاخذ سمكها، وظاهر كلام الاصحاب المنع من التملك والارتفاق ولكن الزركشي قيد المنع بالتملك.
ويأتى بعد هذا إذا اطال من سبق إليه المقام فيه ففيه وجهان.
أحدهما: لا يمنع لانه سبق إليه فهو أحق به، بشرط أن لا يمنع غيره ويأخذ قدر حاجته والثانى: يمنع لانه أطال المقام والاخذ، واحتمل أن يمنع غيره لانه يصير كالمتملك له أو المتحجر.
وإن استبق إليه اثنان وضاق المكان عنهما أقرع بينهما لانه لا مزية لاحدهما على صاحبه وهذا إذا كانا يأخذانه للتجارة، فإن كانا يأخذانه للحاجة ففيه ثلاثة أوجه، اما أن يقرع بينهما كالمتجرين، واما أن يقسم بينهما لامكان هذه القسمة وقد تساويا فيه كما لو تداعيا في أيديهما ولا بينة لاحدهما بها، واما أن يقدم الامام من يرى منهما لان له نظرا في ذلك، وهذه الاوجه كلها عند أحمد وأصحابه وأضاف القاضى وجها رابعا وهو أن الامام ينصب من يأخذ لهما
ويقسم بينهما.
ولو كان في الموات موضع يمكن أن يحدث فيه معدن ظاهر كموضع على شاطئ البحر إذا صار فيه ماء البحر وتبخر صار ملحا ملك بالاحياء وجاز للامام اقطاعه لشركات أو أفراد، لانه لا يضيق على المسلمين باحداثه، بل يحدث نفعه بفعله، فلم يمنع منه كبقية الموات، واحياء هذا يتم بتهيئته لما يصلح من حفر ترابه وتمهيده وفتح القنوات إليه تصب الماء فيه، لانه يتهيأ بهذا الانتفاع به،
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وان سبق إلى معدن باطن وهو الذى لا يوصل إليه الا بالعمل والمؤنة كمعدن الذهب والفضة والحديد والرصاص والياقوت والفيروزج فوصل إلى نيله ملك ما أخذه لقوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به) وهل يملك المعدن، فيه قولان
(أحدهما)
يملكه لانه موات لا يوصل إلى ما فيه الا بالعمل والانفاق، فملكه بالاحياء كموات الارض
(والثانى)
لا يملك وهو الصحيح، لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الملك في الموات على الاحياء وهو العمارة، والعمل في المعدن حفر وتخريب فلا يملك به، ولانه يحتاج في كل جزء يأخذه إلى عمل فلا يملك منه الا ما أخذ، ويخالف موات الارض لانه إذا عمر انتفع به على الدوام من غير عمل مستأنف فملك به، فان قلنا انه يملك بالاحياء ملكه إلى القرار وملك مرافقه، فان تباعد انسان عن حريمه وحفر معدنا فوصل إلى العرق لم يمنع من أخذ ما فيه، لانه احياء في موات لا حق فيه لغيره، فان حفر ولم يصل إلى النيل صار أحق به كما قلنا فيمن تحجر في موات الارض.
فان قلنا: لا يملك كان كالمعدن الظاهر في ازالة يده إذا قال مقامه، وفى القسمة والتقديم بالقرعة وتقديم من يرى الامام تقديمه.
(فصل) ويجوز الارتفاق بما بين العامر من الشوارع والرحاب والواسعة بالقعود للبيع والشراء، لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى اقرار الناس على ذلك من غير انكار، ولانه ارتفاق بمباح من غير اضرار فلم يمنع منه كالاجتياز، فان سبق إليه كان أحق به، لقوله صلى الله عليه وسلم (منى مناخ من سبق) وله أن يظلل بما لا ضرر به على المارة من بارية وثوب، لان الحاجة تدعو
إلى ذلك، وان أراد أن يبنى دكة منع، لانه يضيق به الطريق، ويعثر به الضرير وبالليل البصير فلم يجز، وان قام وترك المناع لم يجز لغيره أن يقعد فيه، لان يد الاول لم تزل، وان نقل متاعه كان لغيره ان يقعد فيه لانه زالت يده، وان قعد وأطال ففيه وجهان:
(أحدهما)
يمنع لانه يصير كالمتملك، وتملكه لا يجوز
(والثانى)
يجوز لانه قد ثبت له اليد بالسبق إليه، وان سبق إليه اثنان ففيه وجهان
(أحدهما)
يقرع بينهما لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخِرِ
(وَالثَّانِي)
يقدم الامام أحدهما، لان للامام النظر والاجتهاد، ولا تجئ القسمة لانها لا تملك فلم تقسم.
(الشرح) حديث من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق، سبق لنا تخريجه أما الاحكام فقد مضى أكثر مسائل هذين الفصلين، أما ما كان من الشوارع والطرقات والرحاب (الميادين) بين العمران فليس لطحد احياؤه، سواء كان واسعا أو ضيقا، وسوء ضيق على الناس أو لم يضيق، لان ذلك يشترك فيه المسلمون وتتعلق به مصلحتهم فاشبه مساجدهم، ويجوز الارتفاق بالقعود في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد ولا يضر بالمارة لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى اقرار الناس على ذلك من غير انكار، ولانه
ارتفاق مباح من غير اضرار فلم يمنع منه كالاجتياز والعبور.
وقال أحمد في السابق إلى دكاكين السوق غدوة فهو له إلى الليل، وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (منى مناخ من سبق) وله أن يظلل على نفسه بما لا ضرر فيه من بارية ومظلة وكساء ونحوه لان الحاجة تدعو إليه، فإذا جرى العرف بمنعه الا بإذن السلطان لتنظيم صفوفهم وحصرهم فيما لا يخل بحرمة الطريق ومخاطر الآلات المستحدثه للركوب كالمترو والتروللى والترام والباس، والسيارات العام منها والخاص، وللسلطان أن يقيد المطلق أحيانا إذا اقتضت ذلك مصلحة أرجح من الاطلاق وجميع المدن المتحضرة في العالم اليوم لا تسمح بإشغال الطريق الا في حدود المترو ونحوه، وبترخيص يصدر
من وزارة الاسكان والمرافق.
ولو تركت الطرقات هكذا لكل من يريد أن ينصب فيها تابوتا لبضاعته في عرض الطريق لضاقت الطرقات والشوارع على المارة والمجتازين، وربما ادعى أحدهم ملكية المكان الذى يشغله على أن الفقهاء لم يرتبوا حقا للتملك لمن يجلس في الطرقات للبيع والشراء فقالوا: والسابق أحق به ما دام فيه، فإن قام وترك متاعه فيه لم يجز لغيره إزالته لان يد الاول عليه، وإن نقل متاعه كان لغيره أن يقعد فيه، لان يده قد زالت وإن قعد وأطال منع من ذلك لانه يصير كالمتملك، ويختص بنفع يساويه غيره في استحقاقه، ويحتمل أن لا يزال.
وهذا وجه آخر لانه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم.
وان استبق إثنان إليه احتمل أن يقرع بينهما، واحتمل أن يقدم الامام من يرى منهما.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كان ينبغى لنا أن نشترى من هؤلاء الذين يبيعون على الطريق.
قلت: إن الامام أحمد رضى الله عنه يرى في وقوف مثله على قارعة الطريق للشراء ضربا من التبذل المخل بأهل الوقار والنصون: لان هؤلاء قلما يراعون حقوق الطريق، فقد روى الشيخان عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله عليه وسلم: إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: إذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقها.
قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر وكف الاذى ورد السلام والامر بالمعروف والنهى عن المنكر) هذا والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الإقطاع والحمى
يجوز للامام أن يقطع موات الارض لمن يملكه بالاحياء لما روى علقمة بن وائل عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطعه أرضا فارسل معه معاوية أن أعطه إياها، أو قال أعطاها إياه.
وروى ابْنُ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أقطع الزبير حضر فرسه فأجرى فرسه حتى قام ورمى بسوطه، فقال أعطوه من حيث وقع السوط.
وروى أن أبا بكر أقطع الزبير وأقطع عمر عليا وأقطع عثمان رضى الله عنهم خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: الزبير وسعدا وابن مسعود وخبابا وأسامة بن زيد رضى الله عنهم.
ومن أقطعه الامام شيئا من ذلك صار أحق به.
ويصير كالمتحجر في جميع ما ذكرناه، لان بإقطاع الامام صار أحق به كالمتحجر، فكان حكمه حكم المتحجر، ولا يقطع من ذلك إلا ما يقدر على إحيائه لانه إذا أعطاه أكثر من ذلك دخل الضرر على المسلمين من غير فائدة.
(فصل)
وأما المعادن فانها إن كانت من المعادن الظاهرة لم يجز اقطاعها لما روى ثابت بن سعيد عن أبيه عن جده أبيض بن حمال أنه استقطع النبي صلى الله عليه وسلم ملح المأرب فأقطعه إياه، ثم ان الاقرع بن حابس قال: يا رسول الله انى قد وردت الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس بها ملح، ومن ورده أخذه، وهو مثل الماء العد بأرض، فاستقال أبيض بن حمال فقال أبيض قد أقلتك فيه على أن تجعله منى صدقة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو منك صدقة وهو مثل الماء العدو من ورده أخذه.
وان كانت من المعادن الباطنة فإن قلنا انها تملك بالاحياء جاز إقطاعه لانه موات يجوز أن يملك بالاحياء فجاز اقطاعه كموات الارض، وان قلنا لا تملك بالاحياء فهل يجوز اقطاعه، فيه قولان.
(أحدهما) يجوز إقطاعه لانه يفتقر الانتفاع به إلى المؤن فجاز اقطاعه
كموت الارض.
والثانى لا يجوز لانه معدن لا يملك بالاحياء فلم يجز إقطاعه كالمعادن الظاهرة، فإذا قلنا يجوز إقطاعه لم يجز إلا ما يقوم به لما ذكرناه في إقطاع الموات.
(فصل)
ويجوز إقطاع ما بين العامر من الرحاب ومقاعد الاسواق للارتفاق، فمن أقطع شيئا من ذلك صار أحق بالموضع نقل متاعه أو لم ينقل، لان للامام النظر والاجتهاد، فإذا أقطعه ثبتت يده عليه بالاقطاع فلم يكن لغيره أن يقعد فيه.
(الشَّرْحُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وفيه ضعف لان في إسناده عبد الله ابن عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب الملقب بالعمرى المكبر.
قال ابن حجر في التقريب: ضعيف عابد.
وقال الصنعانى: فيه مقال.
وقال الذهبي:
صدوق في حفظه شئ.
وروى عن ابن معين أنه قال: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال الدارمي قلت لابن معين: كيف حاله في نافع؟ قال: صالح ثقة.
وقال الفلاس: كان يحيى القطان لا يحدث عنه.
وقال أحمد بن حنبل: صالح لا بأس به، وقال النسائي وغيره ليس بالقوى، وقال ابن عدى هو في نفسه صدوق.
وقال أحمد: كان عبد الله رجلا صالحا، كان يسأل عن الحديث في حياة أخيه عبيد الله فيقول: أما وأبو عثمان حى فلا.
وقال ابن المدينى: عبد الله ضعيف.
وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن حفظ الاخبار وجودة الحفظ للآثار، فلما فحش خطؤه استحق الترك وقد أخرج الشيخان عن أسماء بنت أبى بكر في حديث ذكرته قالت (كنت أنقل النوى من أرض الزبير التى أقطعه رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رأسي وهو منى على ثلثى فرسخ) وقوله: حضر فرسه، أي قدر ارتفاع الفرس في عدوه، وفى قولها (من أرض الزبير) يحتمل أن تكون هذه الارض هي التى وردت في حديث ابن عمر وفى البخاري في آخر كتاب الخمس من حديث أسماء أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أقطع الزبير أرضا من أموال بنى النضير.
وفى سنن أبى داود عن أسماء (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطع الزبير نخلا) والاحاديث تدل على أنه يجوز للنبى صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الائمة إقطاع الاراضي وتخصيص بعض دون بعض لمن يأنس فيهم القدرة على القيام عليها وإحيائها واستنباط منافعها.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقطع صخر بن أبى العيلة البجلى الاحمسي ماء لبنى سليم لما هربوا عن الاسلام وتركوا ذلك، ثم رده إليهم في قصة طويلة مذكورة في
سنن أبى داود.
ومنها ما أخرجه أبو داود عن سبرة بن معبد الجهنى (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ في موضع المسجد تحت دومة فأقام ثلاثا ثم خرج إلى تبوك وإن جهينة لحقوه بالرحبة فقال لهم: من أهل ذى المروة؟ فقالوا: بنو رفاعة من جهينة، فقال قد أقطعتها لبنى رفاعة فاقتسموها، فمنهم من باع ومنهم من أمسك فعمل ومنها عند أبى داود عن قيلة بنت مخرمة قالت: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتقدم صاحبي يعنى حريت بن حسان وافد بكر بن وائل، فبايعه على الاسلام عليه وعلى قومه، ثم قال يا رسول الله: اكتب بيننا وبين بنى تميم بالدهناء أن لا يجاوزها الينا منهم أحد إلا مسافر أو مجاور، فقال اكتب له يا غلام بالدهناء فلما رأيته قد أمر له بها شخص بى وهى وطنى ودارى، فقلت: يا رسول الله إنه لم يسألك السوية من الارض إذ سألك، انما هذه الدهناء عندك مقيد الجمل ومرعى الابل، ونساء بنى تميم وأبناؤها وراء ذلك، فقال أمسك يا غلام صدقت المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان) يعنى الشيطان، وأخرجه أيضا الترمذي مختصرا وقال الشافعي رضى الله عنه: والموات الذى للسلطان أن يقطعه من يعمره خاصة وأن يحمى منه ما رأى أن يحميه عاما لمنافع المسلمين، والذى عرفنا نصا ودلالة فيما حمى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حمى البقيع، وهو بلد ليس بالواسع الرى إذا حمى ضاقت البلاد على أهل المواشى وأضربهم
ويشتمل هذا الباب على ثلاثة أحكام تختص بالموات وهى الاحياء والاقطاع والحمى.
فأما الاحياء فقد ذكرنا جوازه ومن يجوز له.
وأما الاقطاع وهو موضوع الفصل، فإنه لا يصح الا في موات لم يستقر عليه ملك وعلى هذا كان
قطائع النبي صلى الله عليه وسلم حين أقطع الزبير ركض فرسه من موات البقيع فأجراه ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فقال: اعطوه منتهى سوطه، وأما ورود بعض الاخبار فيما أعطاه للزبير من أرض بنى النضير أو من نخل المدينة فقد أوردها البخاري في آخر كتاب الخمس ومعى هذا أنها عنائم زالت عنها يد الكفار وهذه قضية أخرى غير ما أقطعه من أرض البقيع مواتا لاحيائه، وهكذا كانت قطائع رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا ما كان من شأن تميم الدارى وأبى ثعلبة الخشنى، فإن تميما سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يقطعه عبون البلد الذى كان منه بالشام قبل فتحه، وأبو ثعلبة سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يقطعه أرضا كانت بيد الروم فأعجبه الذى قال: ألا تسمعون ما يقول؟ فقال والذى بعثك بالحق لتفتحن عليك، فكتب له كتابا.
فاحتمل ذلك من فعله أن يكون أقطعهما ذلك اقطاع تقليد لا اقطاع تمليك، أو يجوز أن يكونا مخصوصين بذلك لتعلقه بتصديق أخبار وتحقيق احجاز، وأما الائمة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فان أبا بكر وعمر رضى الله عنهما لم يقطعا الا مواتا لم يجر عليه ملك، واصطفى عمر رضى الله عنه من أرض السواد أموال كسرى وأهل بيته وما هرب عنه أربابه أو هلكوا فكان يبلغ تسعة آلاف ألف فكان يصرفها في مصالح المسلمين ولم يقطع شيئا، ثم ان عثمان رضى الله عنه أقطعها لانه رأى اقطاعها أوفى لغلتها من تعطيلها، وشرط على من أقطعها أن يأخذ منه الغنى، فكان ذلك منه اقطاع اجازة لا اقطاع تمليلك، وقد توفرت عليه حتى بلغت خمسين ألف ألف، ثم تناقلها الخلفاء بعده فلما كان عام الجماجم سنة اثنين وثمانين وفتنة ابن الاشعث أحرق الديوان وأخذ كل قوم ما يليهم.
فإذا كان اقطاع الامام إبما يختص بالموات دون العامر فالذي يؤثره اقطاع
الاما إنما يختص بالموات دون العامر، فالذي يؤثره إقطاع الامام أن يكون المقطع أولى الناس بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه لمكان اذنه وفصل اجتهاده، فلو بادر فأحياها غير المقطع فهى ملك للمحيى دون المقطع.
وقال أبو حنيفة: ان أحياها قبل مضى ثلاث سنوات من وقت الاقطاع فهى للمقطع، وان أحياها بعد ثلاث سنين فهى للمحيى.
وقال مالك بن أنس: ان أحياها عالما بالاقطاع فهى للمقطع، وان أحياها غير عالم بالاقطاع خير المقطع بين أن يعطى المحيى نفقة عمارته وتكون الارض له، وبين أن يترك عليه الارض ويأخذ قيمتها قبل العمارة استدلالا برواية معمر عن أبى نجيح عن عمرو بن سعيب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أقطع أقواما فجاء آخرون في عهد عمر فأحيوها فقال لهم عمر رضى الله عنه حين فزعوا إليه: تركتموهم يعملون ويأكلون ثم جئتم تغيرون عليهم لولا أنها قطيعة رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أعطيتكم شيئا، ثم قومها عامرة وقومها غير عامرة، ثم قال لاهل الاصل: ان شئتم فردوا عليهم ما بين ذلك وخذوا أرضكم، وان شئتم ردوا عليكم ثمن أرضكم ثم هي لهم.
ودليلنا على أنها ملك المحيى بكل حال دون المقطع، قوله صلى الله عليه وسلم (من أحيا أرضا مواتا فهى له) ولان الاقطاع لا يوجب التمليك، والاحياء يوجب التمليك، فإذا اجتمعا كان ما أو وجب التمليك أقوى حكما مما لم يوجبه.
فأما حديث عمر رضى الله عنه فقد قال في قضيته: لولا أنها قطيعة رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أعطيتكم شيئا، فدل على أن من رأيه أنها للمحيى، وانما عدل عن هذا الرأى لما توجه إليها من اقطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره أن يبطله، فاستنزل الخصمين إلى ما قضى به مراضاة لا جبرا.
فان كان المقطع قد حجرها وجمع ترابها حتى تميزت عن غيرها فجاء غيره
فعمرها وحرثها نظر، فان كان المقطع مقيما على عمارتها حتى تغلب عليها الثاني فعمرها فهى للاول ويكون الثاني متطوعا بعمارته، وان كان المقطع قد ترك عمارتها فعمرها الثاني فهى للثاني دون الاول، وهكذا لو كان الاول قد بدأ بالعمل من غير اقطاع فهذا حكم الاقطاع.
(فرع)
مضى ما سقناه من حديث أبيض بن حمال الذى وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم استقطعه الملح ثم انتزعه منه لما علم أنه كالماء العد، وفى إقطاع المعادن روى أحمد وأبو داود عن أبن عباس قال (أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن الحرث المزني معادن القبيلة جلسيها وغوريها، وحيث يصلح الزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم) وفى إسناده أبى أويس عبد الله بن عبد الله أخرج له مسلم في الشواهد وضعفه غير واحد.
قال أبو عمر بن عبد البر: هو غريب من حديث ابن عباس ليس يرويه عن أبى أويس غير ثور.
وحديث عمرو بن عوف رواه أحمد وأبو داود أيضا بمعنى حديث ابن عباس، وفى إسناده ابن ابنه كثير بن عبد الله بن عمرو ابن عوف عن أبيه عن جده.
والاحاديث واردة في جواز أن يقطع الامام من يأنس منه صلاحا مكانا فيه معادن غير ظاهرة حتى يعالج أمرها بالعمل والتنقيب والبحث.
ومن ثم فقد انتزع ما أقطعه من أرض مأرب للابيض بن حمال عندما علم أن الملح فيها كالماء الجارى ويشترط في إقطاع المعادن أن يكون في موات لا يختص به أحد.
وهذا أمر متفق عليه.
وقال في فتح الباري: حكى عياض أن الاقطاع تسويع الامام من مال الله شيئا لمن أهلا لذلك، وأكثر ما يستعمل في الارض وهو أن يخرج منها
لمن يراه يحوزه، إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة.
قال السبكى: والثانى هو الذى يسمى في زماننا هذا إقطاعا ولم أر أحدا من أصحابنا ذكره.
وتخريجه على طريق فقهى مشكل.
قال والذى يظهر أنه يحصل للمقطع اختصاص كاختصاص المتحجر ولكنه لا يملك الرقبة، وبهذا جزم الطبري، وادعى الاذرعى نفى الخلاف في جواز تخصيص الامام بعض الجند بغلة أرضه إذا كان مستحقا لذلك.
هكذا في الفتح وحكى صاحب الفتح أيضا عن ابن التين أنه إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار، وانما يقطع من الفئ ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد،
قال: وقد يكون الاقطاع تمليكا وغير تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه صلى الله عليه وسلم.
وذكر الخطابى وجها آخر فقال: إنما يحمى من الاراك ما بعد عن حضرة العمارة فلا تبلغه الابل الرائحة إذا أرسلت في الرعى اه إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز للامام أن يقطع ما لا يجوز إحياؤه من المعادن الظاهرة لان النبي صلى الله عليه وسلم استعاد من أبيض بن حمال ما أقطعه، لانه وإن كان فيه توسعة على المقطع له إلا أن فيه تضييقا على المسلمين فإذا رأى الامام أن مكانا نائيا عن العمران فيه من المعادن والمواد الاولية ما يدخل في منافع الناس، وهو من المعادن الظاهرة، إلا أن بعد مكانها عن العمران يجعلها في حكم المعادن الباطنة، لان حملها إلى حيث المنتفعون بها عمل يفوق أحيانا مؤنة التنقيب والحفر.
وقد تكون المعادن الظاهرة هي في حقيقتها مركبة من مواد مختلفة يحتاج فصلها بعضها عن بعض إلى مصانع ومعامل كالفوسفات والمنجنيز، وثاني أكسيد الكالسيوم الذى يستخرج من الجير وهو يمثل نسبة عالية في الجير تبلغ النصف
منه قدرا ووزنا، ومع ذلك فإن الجير مع احتوائه على ثانى أكسيد الكالسيوم يباع الطن منه بقروش معدودة في حين ان ثانى أكسيد الكالسيوم يباع بالجرام والسببت في ذلك هو نفقات استخلاصه ومؤنة تميزه ومن ثم يجوز للامام أن يقطع المناجم والمحاجر المحتوية على الخامات الظاهرة إذا قصد تصنيعها واستخلاص المواد النافعة الثمينة منها، وذلك يساوى التنقيب عن المعادن الباطنة.
(فرع)
مضى كلامنا في أمر كان يده الفقهاء من الاقطاع ويعده المختصون في زاماننا هذا باسم الترخيص، وهو إذن السلطان، فإذا إراد أحد التجار أن يشغل الطريق أمامه استأذن الحاكم فمنحه رخصة يتحدد فيها المساحة المأذون في شغلها نظير مكوس يؤديها توقف على تعبيد الطريق وتنظيفها وإنارة الشوارع وصيانتها من الروائح الكريهة والمزابل المؤذية وهى من الامور التى تناط باجتهاد السلطان وبصره بالامور ونظره في صلاح رعيته، والله اعلم بالصواب
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ولا يجوز لاحد أن يحمى مواتا ليمنع الاحياء ورعى ما فيه من الكلا.
لما روى الصعب بن جثامة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول (لا حمى إلا لله ولرسوله) فأما الرسول عليه السلام فإنه كان يجوز له أن يحمى لنفسه وللمسلمين، فأما لنفسه فإنه ما حمى ولكنه حمى للمسلمين.
والدليل عليه ما روى ابْنِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين) وأما غيره من الائمة فلا يجوز أن يحمى لنفسه للخبر.
وهل يجوز أن حمى لخيل المجاهدين، ونعم الجزية، وإبل الصدقة وماشية من يضعف عن الابعاد في طلب النجعة؟ فيه قولان:
أحدهما لا يجوز للخبر.
والثانى يجوز لما روى عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: أتى أعرابي من أهل نجد عمر فقال: يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الاسلام، فعلام تحميها؟ فأطرق عمر رضى الله عنه وجعل ينفخ ويفتل شاربه وكان إذا كره أمرا فتل شاربه ونفخ فلما رأى الاعرابي ما به جعل يردد ذلك: فقال عمر: المال مال الله.
والعباد عباد الله، فلولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الارض شبرا في شبر) قال مالك: نبئت أنه كان يحمل في كل عام أربعين ألفا من الظهر، وقال مرة من الخيل.
وروى زيد بن أسلم عن أبيه (أن عمر رضى الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى وقال له، ياهنى اضمم جناحل عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فان دعوة المظلوم مجابة.
وأدخل رب الصريمة والغنيمة.
واياك ونعم ابن عوف.
وإياك ونعم ابن عفان، فإنهما ان تهلك ما شيتهما يرجعا إلى نخل وزرع وان رب الصريمة ورب الغنيمة ان تهلك ماشيتهما فيأتياني فيقولا: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك، ان الماء والكلا أيسر عندي من الذهب والورق، والذى نفسي بيده لولا المال الذى أحمل عليه في سبيل الله
ما حميت عليهم من بلادهم شبرا، فإن حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا لحاجة والحاجة باقية لم يجز إحياؤها.
وإن زالت الحاجة ففيه وجهان:
(أحدهما)
يجوز لانه زال السبب.
(والثانى)
لا يجوز لان ما حكم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نص، فلا يجوز نقضه بالاجتهاد، وإن حماه إمام غيره وقلناه: إنه يصح حماه فأحياه رجل.
ففيه قولان
(أحدهما)
لا يملكه كما لا يملك ما حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(وَالثَّانِي)
يملك لان حمى الامام اجتهاد، وملك الارض بالاحياء نص، والنص لا ينقض بالاجتهاد (الشرح) حديث الصعب بن جثامة رواه أحمد وأبو داود والبخاري والنسائي ولفظ النسائي هو الذى ساقه المصنف، والفظ أحمد وأبى دَاوُد (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمى النقيع وقال (لا حمى إلا لله ولرسوله) وتتمة رواية البخاري هكذا: وقال (بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وأن عمر حمى شرف والربذة) وأخرج الحديث أيضا الحاكم وقال البيهقى: ان قوله (حمى النقيع) من قول الزهري.
وقد روى الحديث النسائي فذكر الموصول فقط وهو قوله (لا حمى إلا لله ورسوله) ويؤيد ما قاله البيهقى أن أبا داود أخرجه من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري فذكره وقال في آخره قال ابن شهاب: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع.
قال بعض المحدثين: وقد وهم الحاكم فزعم أن حديث لا حمى إلا لله متفق عليه.
وهو من أفراد البخاري، وتبع الحاكم في وهمه أبو الفتح القشيرى في الالمام وابن الرفعة في المطلب.
والصعب بن جثامة بتشديد المثلثة مع فتح الجيم اللبثى، صحابي مات في خلافة أبى بكر على ما قيل، والاصح أنه عاش إلى خلافة عثمان رضى الله عنه.
وحديث ابن عمر رواه أحمد وابن حبان.
والنقيع بالنون مكان معروف.
وحكى الخطابى أن بعضهم صحفه فقال بالموحدة، وهو على قدر عشرين فرسخا من المدينة ومساحته ميل في ثمانية أميال، أفاده ابن وهب في موطئه، وأهل
النقيع كل موضع فيه الماء، وهذا النقيع المذكور غير نقيع الخضمات الذى جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة على المشهور.
وقال ابن الجوزى: إن
بعضهم قال: إنهما واحد والاول أصح وأثر عمر سقناه في الفصل قبله في الرد على مالك، وأما خبر تولية هنئ مولى عمر فقد رواه البخاري عن أسلم مولى عمر وأخرجه عن الدراوردى عن زيد بن أسلم عن أبيه بلفظ المصنف.
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري مرسلا أما الاحكام فإن الحمى هو المنع من إحياء الموات ليتوفر فيه الكلا فترعاه المواشى، لان الحمى في كلامهم هو المنع، والحمى على ثلاثة أنواع: حمى حَمَاهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ روى أنه وقف على جبل يعمل فصلى عليه ثم قال: هذا حماى وأشار إلى النقيع وهو قدر ميل في ثمانية.
وقال الماوردى ستة أميال فحماه لخيل المسلمين.
ولان اجتهاد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أمته أمضى، وقضاؤه فيهم أنفذ، وكان ما حماه لمصالحهم أولى أن يكون مقرا من إحيائهم وعمارتهم.
فأما حمى الامام بعده فإن أراد أن يحمى لنفسه أو لاهله أو للاغنياء خصوصا لم يجز، وكان ما حماه مباحا لمن أحياه.
وان أراد أن يحمى لخيل المجاهدين ونعم الجزية والصدقة ومواشي الفقراء نظر، فإن كان الحمى يضر بكافة المسلمين فقرائهم وأغنيائهم لضيق الكلا عليهم فحمى أكثر مواتهم لم يجز.
وان كان لا يضر بهم لانه قليل من كثير يكتفى المسلمون بما بقى من مواتهم ففيه قولان
(أحدهما)
لا يجوز أن يحمى لرواية مجاهد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: المسلمون شركاء في ثلاثة.
الماء والغار والكلا وثمنه حرام، وسيأتى تخريجه في باب حكم المياه، وحديث الصعب بن جثامة الذى سبق.
(والقول الثاني) يجوز له أن يحيى لما فيه من صلاح المسلمين، ولما روى أن أبا بكر رضى عنه حميى الربذة لابل الصدقة واستعمل عليها مولاه أبا أسامة وتولى عليه قطبة بن مالك الثعلبي رضى الله عنه وحمى عمر رضى الله عنه الشرف فحمى منه نحو ما حمى أبو بكر بالربذة، وولى عليه مولى له يقال له: هنئ وقال: يا هنى اضمم جناحك على المسلمين واتق دعوة المظلوم فإن دعوه المظلوم مستجابة وأدخل رب الصريمة وهى بالتصغير القطعة من الابل نحو الثلاثين أو ما بين العشرة إلى الاربعين ورب الغنيمة ما بين الاربعين إلى المائة من الشاء والغنم وتفرد به راع واحد وإياى ونعم ابن عوف يعنى عبد الرحمن ونعم ابن عفان يعنى عثمان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، ورب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه يقول: يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبالك، فالماء والكلا أيسر من الذهب والورق وعمر بهذا يلزم نفسه ويلزم أمراء المسلمين بعده بأن عليهم عوض ما هلك من أموال الرعية بسبب تقصيرهم في حفظ أموالهم وعنده أن توفير المرعى والكلا أيسر من توفير الذهب والفضة يبذلهما في تعويض ما تلف على رب الصريمة والغنيمة ثم يقول: وايم الله إنهم ليرون أنى قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الاسلام.
وهكذا يعطى تقويما صحيحا وتقديرا سليما لمقومات الوطنية عند الشعب وهم الرعية ومقومات الديموقراطية والعدل عند الحاكم حين يسمح لرعيته أن يتهموه بالظلم إذا قصرت الدولة في بذل الخدمات وتأمين سلامة الرعية وهو حمى من أرضهم جزءا للمرعى فيجب ألا يسمح للاغنياء والقادرين أن يزاحموهم في مراعيهم لان لهم من بساتينهم ومزارعهم غنية عن مزاحمة الفقراء.
والحمى فيه نفع للفقراء والاغنياء، أما الفقراء فلانه مرعى صدقاتهم، وأما الاغنياء فلخيل المجاهدين عنهم، وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَا حمى إلا الله) فمعناه لا حمى إلا أن يقصد به وجه الله، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فيسلم فيما للفقراء المسلمين ومصالحهم فخالف فيه فعل الجاهلية فإن الذى في الجاهلية كان إذا استولى على بلد أوتى بكلب فجعله على جبل أو على نشز من الارض واستعداه فحيث انتهى عواؤه حماه لنفسه، فلا يرعى فيه غيره ويشارك الناس فيما سواه، وهكذا كان كليب بن وائل إذا أعجبته روضة ألقى فيها كلبا وحمى إلى منتهى عوائه وفيه يقول معبد بن شعبة الضبى: كفعل كليب أنبئت أنه يرى
- يخطط أكلاء المياه ويمنع وقال العباس بن مرداس: كما كان يبغيها كليب
- لظلمه من العز حتى صاح وهو قتيلها على وائل إذ يترك الكلب هائجا
- وإذ يمنع الاكلاء منها حلولها وأما حمى الواحد من عوام المسلمين فمحظور وحماه مباح، ان حمى لنفسه فقد تحكم وتعدى بمنعه، وان حمى للمسلمين فليس من أهل الولاية عليهم ولا ممن يؤثر اجتهاده لهم، وقد أخرج الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعا (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلا) .
فلو أن رجلا من عوام المسلمين حمى مواتا ومنع الناس منه زمانا رعاه وحده، ثم ظهر الامام عليه ورفع يده عنه لم يغرمه ما رعاه لانه ليس بمالك، ولا يعزره لانه أحد مستحقيه ولكن ينهاه عن مثله من التعدي.
فأما أمير البلد ووالى الاقليم إذا رأى أن يحمى لمصالح المسلمين كالامام فليس له ذلك الا بإذن الامام، لان اجتهاد الامام أعم.
ولكن لو أن والى الصدقات اجتمعت معه ماشية الصدقة، وقل المرعى لها وخاف عليها التلف ان لم يحم الموات لها: فإن منع الامام من الحمى كان والى الصدقات أولى، وان جوز الامام الحمى ففى جوازه لو إلى الصدقات عندما ذكرناه من حدوث الضرورة به وجهان.
(أحدهما) يجوز كما يجوز عند الضرورة أن يبيع ما بيده من مال الصدقة،
وإن كان بيعها لا يجوز من غير الضرورة، فعلى هذا يتقدر الحمى بزمان الضرورة، ولا يستديم بخلاف حمى الامام.
(والوجه الثاني) لا يجوز أن يحمى لانه ليس له أن يرفع الضرر عن أموال الفقراء بإدخال الضرر على الاغنياء، ويكون الضرر إن كان بالفريقين معا، وهذا أصح الوجهين كما أفاده الماوردى في الحاوى الكبير.
(فرع)
إذا حمى الامام مواتا وصححناه وقلنا: انه كحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحياه رجل من عامة المسلمين فهل يملك بإحيائه أم لا؟ قال الماوردى تبعا للشيخ أبى اسحاق: فيه قولان.
أحدهما: لا يملك المحي ما أحياه من حمى الامام كما لا يملك حمى النبي صلى الله عليه وسلم لان كليهما حمى محرم.
والقول الثاني: يملك بالاحياء، وان منع منه لان حمى الامام اجتهاد وملك الموات بالاحياء نص، والنص أثبت حكما من الاجتهاد وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
باب حكم المياه
الماء اثنان، مباح وغير مباح، فأما غير المباح فهو ما ينبع في أرض مملوكة، فصاحب الارض أحق به من غيره، لانه على المنصوص: يملكه، وعلى قول أبى إسحاق: لا يملكه، إلا أنه لا يجوز لغيره أن يدخل إلى ملكه بغير إذنه،
فكان أحق به، وإن فضل عن حاجته واحتاج إليه الماشية للكلا لزمه بدله من غير عوض.
وقال أبو عبيد بن حرب: لا يلزمه بذله كما لا يلزمه بذل الكلا للماشية ولا بذل الدلو والحبل ليستقى به الماء للماشية، والمذهب الاول لما روى إياس بن عمرو (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عن بيع فضل الماء) .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (مَنْ منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا منعه الله فضل رحمته) ويخالف الكلا فإنه لا يستخلف عقيب أخذه، وربما احتاج إليه لماشيته قبل أن يستخلف فتهلك ماشيته
والماء يستخلف عقيب أخذه وما ينقص من الدلو والحبل لا يستخلف، فيستضر والضرر لا يزال بالضرر، ولا يلزمه بذل فضل الماء للزرع، لان الزرع لا حرمة له في نفسه، والماشية لها حرمة في نفسها، ولهذا لو كان الزرع له لم يلزمه سقيه، ولو كانت الماشية له لزمه سقيها، وان لم يفضل الماء عن حاجته لم يلزمه بذله، لان النبي صلى الله عليه وسلم علق الوعيد على منع الفضل.
ولان ما لا يفضل عن حاجته يستضر ببذله، والضرر لا يزال بالضرر.
(الشرح) حديث اياس بن عمرو عند أهل السنن وصححه الترمذي.
وقال أبو الفتح القشيرى: هو على شرط الشيخين وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر مرفوعا.
أما حديث أبى هريرة فقد وجدته عند الشيخين بلفظ (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلا) وللبخاري (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلا) وعند أحمد من حديث أبى هريرة أيضا (ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغنى عنه) أما اللفظ الذى ساقه المصنف معزوا إلى أبى هريرة فإنى وجدته عند أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ولفظه (من منع فضل مائه، أو فضل كلئه.
منعه الله عز وجل فضله يوم القيامة) وفى اسناده محمد بن راشد الخزاعى
وهو ثقة وقد ضعفه.
قال ابن حجر: صدوق يهم، ورمى بالقدر، ورواه الطبراني في الصغير عن عمرو بن شعيب ورواه في الكبير من حديث وائلة بلفظ آخر واسناده ضعيف والاحاديث يشهد بعضها لبعض ويشهد لها جميعا حديث أبى هريرة عند الشيخين وحديث عائشة عند أحمد وابن ماجه (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يمنع نفع البئر) وحديث جابر عند مسلم (نهى عن بيع فضل الماء) وفى مسند عبد الله بن أحمد عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بين أهل المدينة في النخل أن لا يمنع نقع بئر وقضى بين أهل البادية أن لا يمنع فضل ماء ليمنع به الكلا) والنقع الماء الفاضل فيها عن حاجة صاحبها، وقوله (فضل الماء) المراد به ما زاد على الحاجة ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد من حديث أبى هريرة بلفظ (ولا يمنع ماء بعد أن يستغنى عنه) .
قال ابن حجر في فتح الباري: وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الارض المملوكة.
وكذلك في الموات إذا كان لقصد التملك، والصحيح عند الشافعية ونص عليه في القديم وحرملة أن الحافر يملك ماءها.
وأما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق لا التملك فإن الحافر لا يملك ماءها بل يكون أحق به إلى أن يرتحل.
وفى الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته.
والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية، وخص المالكية هذا الحكم بالموات.
وقالوا في البئر التى لا تملك لا يجب عليه بذل فضلها.
وأما الماء المحرز في الاناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح.
اه قال في البحر: والماء على أضرب، حق إجماعا كالانهار غير المستخرجة
والسيول، وملك إجماعا كماء يحرز في الجرار ونحوها، ومختلف فيه كماء الآبار والعيون والقنا المحتفرة في الملك اه قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أن صاحب الحق أحق بمائه حتى يروى قال الحافظ ابن حجر، وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، فكأن الذين يذهبون إلى أنه يملك وهم الجمهور هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك وقد استدل بتوجه النهى إلى الفضل على جواز بيع الماء الذى لا نضل فيه.
وقد تقدم في أبواب البيوع بحوث مستفيضة من المجموع فاشدد بها يديك.
وقوله (ليمنع به الكلا) هو النبات، رطبه ويابسه، والمعنى أن يكون حول البئر كلا ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشى رعيه إلا إذا مكنوا من سقى بهائمهم من تلك لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعى، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعى، والى هذا التفسير ذهب الجمهور.
وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية، ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب، لانه إذا منعهم من الشرب امتنعوا من الرعى هناك.
ويحتمل أن يقال يمكنهم حمل الماء لانفسهم لقلة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم، والصحيح الاول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك، والصحيح عند الشافعية وبه قالت الحنفية الاختصاص بالماشية وفرق الشافعي فيما حكاه المزني
عنه بين المواشى والزرع، بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها، بخلاف الزرع، وبهذا أجاب النووي وغيره.
واستدل لمالك بحديث جابر في صحيح مسلم الذى ذكرناه لاطلاقه وعدم تقييده، وتعقب بأنه يحمل على المقيد، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلا يرعى فلا منع من لانتفاء العلة.
على أنه ليس هناك صارف يصرف النهى عن معناه
الحقيقي من التحريم، لا سيما وأن النهى مصحوب في بعض روايات الحديث بالوعيد.
وقال في الفتح، وظاهر الحديث وجوب بذله مجانا وبه قال الجمهور.
وقيل: لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه كما في طعام المضطر وتعقب بأنه يلزم منه جواز البيع حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة، ورد بمنع الملازمة فيجوز أن يقال يجب عليه البذل وتثبت له القيمة في ذمة المبذول له، فيكون له أخذ القيمة منه متى أمكن، ولكنه لا يخفى أن رواية لا يباع فضل الماء، ورواية النهى عن بيع فضل الماء يدلان على تحريم البيع، ولو جاز له أخذ العوض لجاز له البيع.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى
(فصل)
وأما المباح فهو الماء الذى ينبع في الموات، فهو مشترك بين الناس لقوله صلى الله عليه وسلم (الناس شركاء في ثلاثة، الماء والنار والكلا) فمن سبق منهم إلى شئ منه كان أحق به، لقوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به) فإن أراد أن يسقى منه أرضا، فإن كان نهرا عظيما كالنيل والفرات وما أشبههما من الاودية العظيمة، جاز أن يسقى منه ما شاء ومتى شاء، لانه لا ضرر فيه على أحد، وإن كان نهرا صغيرا لا يمكن سقى الارض منه الا أن يحبسه، فان كانت الارض متساوية، بدأ من أول النهر، فيحبس الماء حتى يسقى أرضه إلى أن يبلغ الماء إلى الكعب، ثم يرسله إلى من يليه، وعلى هذا إلى أن تنتهى الاراضي، لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (قضى في شرب نهر من سيل أن للاعلى أن يشرب قبل الاسفل، ويجعل الماء فيه إلى الكعب، ثم يرسله إلى الاسفل الذى يليه كذلك، حتى تنتهى الارضون) وروى عبد الله بن الزبير أن الزبير ورجلا من الانصار تنازعا في
شراج الحرة التى يسقى بها النخل، فقال الانصاري للزبير: سرح الماء، فأبى الزبير، فاختصما إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للزبير (اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك، فقال الانصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ فتلون وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ يا زبير اسق أرضك واحبس الماء إلى أن يبلغ الجذر) وإن كانت الارض بعضها أعلى من بعض ولا يقف الماء في الارض العالية إلى الكعب حتى يقف في الارض المستقلة إلى الوسط، فيسقى المستقلة حتى يبلغ الماء إلى الكعب، ثم يسدها ويسقى العالية حتى يبلغ الكعب، فإن أحيا جماعة أرضا على هذا النهر وسقوا منه، ثم جاء رجل فأحيا أرضا في أعلاه إذا سقى أرضه استضر أهل النهر، منع من ذلك، لان من ملك أرضا ملكها بمرافقها، والنهر من مرافق أرضهم فلا يجوز مضايقتهم فيه (الشرح) حديث (الناس شركاء) رواه أحمد وأبو داود عن أبى خراش عن بعض اصحاب النبي صلى الله علهى وَسَلَّمَ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم (المسلمون شركاء في ثلاثة في الماء والكلا والنار) ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس وزاد فيه (وثمنه حرام) وقد رواه أبو نعيم في الصحابة في ترجمة أبى خراش، ولم يذكر الرجل، وقد سئل أبو حاتم عنه فقال أبوخراش لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد وجدت ممن كنيته أبوخراش في الصحابة، وهو حدرد بن أبى حدود الاسلمي وهو صحابي قال ابن حجر في التقريب: له حديث واحد.
ووجدت هذا الحديث يذكره ابن الاثير في أسد الغابة يقول: روى جندل بن والق عن يحيى بن يحيى الاسلمي عن سعيد بن مقلاص عن الوليد بن أبى الوليد عن عمران بن ابى أنس عن حدود
الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (هجرة الرجل أخاه سنة كسفك دمه) ووجدت أبا داود يسميه في روايته حبان بن زيد وفى هامش فتح العلام
أبوخداش حبان بن زيد الشعرى ثقة لم يعرفه ابن حزم فقال: انه مجهول.
انتهى.
وقال ابن حجر في التقريب: حبان بن زيد الشرعبى أبوخداش ثقة.
أخطأ من زعم أن له صحبة.
وقال في بلوغ المرام: عن رجل من الصحابة قال (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول (الناس شركاء في ثلاثة.
الكلا والماء والنار) رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات.
(قلت) والجهالة بالصحابى لا تؤثر في صحة الحديث كما هو معروف عند المحدثين، لانهم رضوان الله عليهم عدول أجمعون.
وأما رواية ابن عباس عند ابن ماجه والتى فيها (وثمنه حرام) ففيها عبد الله ابن خراش، هو متروك، وقد صححه ابن السكن، ويشهد لرواية ابن عباس رواية أبى خراش ورواية أبى هريرة عند ابن ماجه وعبد الله بن أحمد إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (لا يمنع الماء والنار والكلا) وأما حديث من (سبق الخ) فقد مر تخريجه في غير موضع وحديث عبادة بن الصامت رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد والبيهقي والطبراني وفيها انقطاع بلفظ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى في شرب النخل من السبيل أن الاعلى يشرب قبل الاسفل ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الاسفل الذى يليه.
وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء) ورواها عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَضَى في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الاعلى على الاسفل) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ عبد الرحمن بن الحرث المخزومى المدنى تكلم فيه الامام أحمد.
وقال الحافظ في الفتح: إن إسناد هذا الحديث حسن ورواه الحاكم في المستدرك من حديث عائشة أنه قضى في سيل مهزور أن الاعلى يرسل إلى الاسفل ويحبس قدر الكعبين.
وأعله الدارقطني بالوقف وصححه الحاكم، ورواه ابن ماجه وأبو داود من حديث ثعلبة بن أبى مالك.
ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن أبى حاتم القرظى عن أبيه عن جده أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بنى قريظة فخاصم إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مهزور السيل الذى يقسمون ماءه فقضى بينهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الماء إلى الكعبين لا يحبس الاعلى الاسفل) ومهزور وادى بنى قريظة بالحجاز.
قال ابن الاثير: أما مهروز بتقديم الراء على الزاى فموضع سوق المدينة.
وهذه الاحاديث تدل على أن الاعلى تستحق أرضه الشرب بالسيل والنيل وماء البئر قبل الارض التى تحتها، وأن الاعلى يمسك الماء حتى يبلغ الكعبين أي كعبي رجل الانسان الواقعيين عند مفصل الساق والقدم ثم يرسله بعد ذلك.
وقال صاحب البحر: إن الماء إذا كان قليلا فحده أن يعم أرض الاعلى إلى الكعبين في النخيل وإلى الشراك في الزرع لقضائه صلى الله عليه وسلم بذلك في خبر عبادة بن الصامت.
قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للزبير (اسق أرضك حتى يبلغ الجدر) فقيل: عقوبة لخصمه، وقيل: بل هو المستحق، وكان أمره صلى الله عليه وسلم بالتفضيل، فإن كانت الارض بعضها مطمئن فلا يبلغ في بعضها الكعبين إلا وهو في المطمئن إلى الركبتين، قدم المطمئن إلى الكعبين ثم حبسه
وسقى باقيها.
وقال أبو طالب: العبرة بالكفاية للاعلى.
أما حديث الزبير فقد رواه أصحاب الكتب الستة وهو عند الخمسة من رواية عبد الله بن الزبير عن أبيه وعند النسائي من رواية عبد الله بن الزبير لم يذكر فيه عن أبيه وللبخاري في رواية قال: خاصم الزبير رجلا وذكر نحوه وزاد فيه: فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه، وكان قبل ذلك قد أشار على الزبير برأى فيه سعة له وللانصاري، فلما أحفظ الانصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم) .
قال عروة: قال الزبير (فوالله ما أحسب هذه الآية نزلت الا في ذلك) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) رواه أحمد كذلك لكن قال، عن عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا وذكره جعله من مسنده وزاد البخاري في رواية.
قال ابن شهاب فقدرت الانصار والناس قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اسق يا زبير ثم احتس الماء حتى يرجع إلى الجدر) فكان ذلك إلى الكعبين، وقد جاء هذا الحديث عند المحدثين في أبواب الاقضية وأن القاضى إذا حكم وهو غضبان صح ان صادف الحق لانه صلى الله عليه وسلم قضى للزبير بعد أن أغضبه الرجل ولا يخفى أنه لا يصح الحاق غيره صلى الله عليه وسلم به لانه معصوم فلا يدل حكمه صلى الله عليه وسلم وهو غضبان على جواز ذلك للقضاء، والنبى صلى الله عليه وسلم معصوم عن الحكم بالباطل في غضبه ورضاه بخلاف غيره، ولهذا ذهب بعض الحنابلة إلى أنه لا ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهى عنه، وسيأتى مزيد ايضاح ان شاء الله تعالى في كتاب الاقضية، وقد رواه مالك في موطئه من حديث
عروة عن ابيه.
والرجل المبهم الذى خاصم الزبير هو ثعلبة بن حاطب، وقيل حميد، وقيل حاطب بن ابى بلتعة ولا يصح لانه ليس أنصاريا، وقيل: انه ثابت بن قيس بن شماس، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله بعد ان جاء في مقاله بما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم جار في الحكم لاجل القرابة لان ذلك كان في أوائل الاسلام وقد كان صلى الله عليه وسلم يتالف الناس إذ ذاك ترك قتل عبد الله بن أبى بعد أن جاء بما يسوغ به قتله.
وقال القرطبى: يحتمل انه لم يكن منافقا بل صدر منه ذلك عن غير قصد، كما اتفق لحاطب بن أبى بلتعة في قصة تخابره مع العدو ومسطح في قصة الافك وحمنة وغيرهم ممن بدره لسانه بدرة شيطانية.
على ان الحكم في هذا الفصل ياتي هكذا: إذا كان الماء صغير المجرى بحيث يزدهم الناس فيه ويتشاحون في مائة أو سيل يتشاح الناس من أصحاب الارض الشاربة منه فيه، فان يبدأ بمن في أول النهر فيسقى ويحبس الماء حتى يبلغ إلى
الكعب ثم برسل إلى الذى يليه فيصنع كذلك، وعلى هذا إلى ان تنتهى الاراضي كلها، فان لم يفضل عن الاول شئ أو عن الثاني أو عمن يليهم فلا شئ للباقين، لانه ليس لهم إلا ما فضل، فهم كالعصبة في الميراث، وهذا قول الفقهاء من اهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد ولا نعلم فيه ومخالفا، والاصل فيه حديث الزبير، قال الزهري: نظرنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم (ثم احبس الماء حتى يبلغ إلى الجدر) فوجدنا ذلك إلى الكعبين.
قال أبو عبيد: الشراج جمع شرج، والشرج نهر صغير، والحرة أرض ملتبسة بحجارة بركانية سود، والجدر الجدار، وانما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير
ان يسقى ثم يرسل الماء تسهيلا على غيره، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى:
(فصل)
وان اشترك جماعة في استنباط عين اشتركوا في مائها، فان دخولوا على أن يتساووا، تساووا في الانفاق، وان دخولوا على أن يتفاضلوا تفاضلوا في الانفاق، ويكون الماء بينهم على قدر النفقة، لانهم استفادوا ذلك بالانفاق فكان حقهم على قدره، فإن أرادوا سقى اراضيهم بالمهاياة يوما يوما جاز، وان ارادوا قسمة الماء نصبوا خشبة مستوية قبل الاراضي وتفتح فيها كوى على قدر حقوقهم، فخرج حصة كل واحد منهم إلى أرضه، فان أراد أحدهم أن يأخذ حقه من الماء قبل المقسم في ساقية يحفرها إلى أرضه منع من ذلك، لان حريم النهر مشترك بينهم، فلا يجوز لواحد منهم ان يحفر فيه، فان أراد أن ينصب رحا قبل المقسم ويديرها بالماء منع من ذلك، لانه يتصرف في حريم مشترك، فان أراد أن يأخذ الماء ويسقى به أرضا اخرى ليس لها رسم بشرب من هذا النهر منع منه يجعل لنفسه شربا لم يكن له، كما لا يجوز لمن له داران متلاصقان في دربين أن يفتح من أحدهما بابا إلى الاخرى فيجعل لنفسه طريقا لم يكن له، والله تعالى أعلم.
(الشرح) قوله: بالمهايأة أي بالمناوبة.
وقوله: كوى جمع كوة بضم الكاف وتشديد الواو مثل مدية ومدى وتفتح ايضا وهى الثقب في الحائط.