كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- النووي
- الكتاب
- المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
- المؤلف
- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
- الناشر
- دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
دليلنا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن عن عمرو بن حزم وفيه
(وفى الاذن خمسون من الابل) فدل على أنه يجب فيهما مائة (فرع)
وإن قطع بعض الاذن وجب عليه من ديتها ما قطع منها لانه يمكن تقسيط الدية عليها.
وان جنى على أذنه فاستحشفت أي يبست وانقبضت وصارت كهيئة الجلد إذا ترك على النار ففيه قولان
(أحدهما)
بجب عليه ديتها كما لو جنى على يده فشلت
(والثانى)
لا يجب عليه الا الحكومة، لان منفعتها باقية مع استحشافها، وإنما نقص جمالها وإن أذنا مستحشفة، فاختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال إنه إذا جنى عليها فاستحشفت وحب عليه الدية ووجب هاهنا على قاطع المسحشفة الحكومة، كما لو قطع يدا شلاء وإن قلنا هناك لا يجب عليه الا الحكومة وجب هاهنا على قاطعها ديتها.
وقال الشيخ أبو حامد هذا تخليط لا يحكى، بل يجب عليه الحكومة قولا واحدا كما قلنا فيمن قلع عينا قائمة أو قطع يدا شلاء وان قطع أذن الاصم وجب عليه ديتها، لان ذهاب السمع لعلة في الرأس لا في الاذن.
قوله (ويجب في السمع الدية) فجملة ذلك أنه إذا أذهب سمعه من أحد الاذنين وجب عليه نصف الدية، كما لو أذهب البصر من أحد العينين، فإن أذهب سمعه فأخذت منه الدية ثم عاد السمع وجب رد الدية لانا علمنا أنه لم يذهب (فرع)
وان جنى عليه جناية فادعى أنه ذهب بها سمعه أو بصره أو شمه أخذنا رأى اثنين من أهل الخبرة من المسلمين، فإن قالا مثل هذه الجناية لا يذهب بها السمع والبصر والشم فلا شئ على الجاني، لانا علمنا كذب المدعى، وان قالا مثلها يذهب بها السمع أو البصر أو الشم فإن كان في البصر رجع إلى قولهما أو إلى اثنين من أهل الخبرة، فإن قالا قد ذهب البصر ولا يعود حكمنا على
الجاني بموجب الجناية، وان كان في السمع والشم لم يرجع إلى قولهما في ذهابه، لانه لا طريق لهما إلى المعرفة بذهابه بخلاف البصر، فإذا ادعى المجني عليه ذهاب السمع أو الشم فإن قال اثنان من أهل الخبرة من المسلمين لا يرجى عوده
حكم على الجاني بموجب الجناية.
وإن قالا يرجى عوده إلى مدة، فهو كما لو قالا يرجى عود البصر، وقد مضى بيانه، فإن كانت الجناية عمدا لم يقبل فيه إلا قول رجلين، وإن كانت خظأ أو عمد خطأ قبل فيه قول رجل وامرأتين، كما قلنا في الشهادة بذلك.
(فرع)
وإن جنبى عليه جنايه فنقص سمعه بها فإن عرف قد نقصانه وجب فيه من الدية بقدره، وإن لم يعرف قدر نصفانه وإنما ثقل وجبت فيه الحكومة، وإن ادعى نقصان السمع من أحد الاذنين سدت الاذن العليلة وأطلقت الصحيحة، وأمر من يخاطبه وهو يتباعد منه إلى أن يبلغ إلى غاية يقول لا أسمعه إلى أكثر منها ويلعم عليها ويمتحن بذلك من جميع الجهات لانهه متهم، فإذا اتفقت الجهات أطلقت العليلة وسدت الصحيحة وخاطبه كمخاطبته الاولة وهو يتباعد منه إلى أن يقول لا أسمعه إلى أكثر منها، ويمتحن بمخاطبته أيضا في ذلك من جميع الجهات، فإذا اتفقت علم على ذلك الموضع وينظر كم قدر ذلك من المسافة الاولة، ويجب له من دية الاذن بقدر ما نقص من المسافة التى يسمع منها في العليلة، وإن قطع أذنيه فذهب سمعه منها وجب عليه ديتان، كما لو قطع يديه ورجليه.
(فائدة) قال الثعالبي: يقال بأذنه وقر فإذا زاد فهو صمم، فإذا زاد فهو طرش فإذا زاد حتى لا يسمع الرعد فهو صلخ قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب في مارن الانف الدية، لما روى طاوس قال (كان فِي كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الانف إذا أوعب مارنه جدعا الدية، ولانه عضو فيه جمال ظاهر ومنفعة كاملة، ولانه يجمع الشم ويمنع من وصول التراب إلى الدماغ، والاخشم كالاشم في وجوب الدية، لان عدم الشم نقص في غير الانف فلا يؤثر في دية الانف، ويخالف العين القائمة، فإن عدم البصر نقص في العين، فمنع من وجوب الدية في العين.
وان قطع جزءا من المارن كالنصف والثلث وجب فيه من الدية بقدره، لان
ما ضمن بالدية يضمن بعضه بقدره من الدية كالاصابع، وإن قطع أحد المنخرين ففيه وجهان
(أحدهما)
وهو المنصوص أن عليه نصف الدية، لانه أذهب نصف الجمال ونصف المنفعة
(والثانى)
يجب عليه ثلث الدية، لان المارن يشتمل على ثلاثة أشياء المنخرين والحاجز، فوجب في كل واحد من المنخرين ثلث الدية، وان قطع أحد المنخرين والحاجز وجب عليه على الوجه الاول نصف الدية للحاجز.
وعلى الوجه الثاني يجب عليه ثلثا الدية، ثلث للحاجز وثلث للمنخر.
وان شق الحاجز وجب عليه حكومة، وان قطع المارن وقصبة الانف وجب عليه الدية في المارن والحكومة في القصبة، لان القصبة تابعة فوجب فيها الحكومة كالذراع مع الكف.
وان جنى على المارن فاستحشف ففيه قولان كالقولين فيمن جنى على الاذن حتى استحشف.
(أحدهما)
تجب عليه الدية
(والثانى)
تجب عليه الحكومة، وقد مضى وجههما في الاذن
(فصل)
وتجب باتلاف الشم الدية، لانها حاسة تختص بمنفعة مقصودة
فوجب باتلافها الدية كالسمع والبصر، وان ذهب الشم من أحد المنخرين وجب فيه نصف الديه، كما تجب في اذهاب البصر من أحد العينين، والسمع من أحد الاذنين، وان جنى عليه فنقص الشم وجب عليه أرش ما نقص، وأن أمكن أن يعرف قدر ما نقص وجب فيه من الدية بقدره، وان لم يمكن معرفة قدره وجبت فيه الحكومة لما بيناه في نقصان السمع، وان ذهب الشم وأخذت فيه الدية ثم عاد وجب رد الدية، لانا تبينا أنه لم يذهب، وانما حال دونه حائل، لانه لو ذهب لم يعد.
(الشرح) تخريج خبر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مضى في أول الباب.
أما اللغات فقوله (إذا أوعب مارنه جدعا) أوعب واستوعب استؤصل واستقصى والمارن الغضاريف اللينة من الانف والجدع قطع الانف، وقد يقال لقطع الاذن كما أفاده ابن بطال ومن فقه اللغة أن يقال سمل عينه وصمل أذنه وجدع أنفه
أما الاحكام فإنه يجب في الانف الدية (ارجع إلى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن في أول الباب لعمرو بن حزم وفيه (وأن في الانف إذا أوعب جدعه الدية)) وأوعب بضم الهمز على البناء للمجهول أي قطع جميعه، وقد استدل بهذا من قال بأن الدية تجب في قطع الانف جميعه، لان الانف مركبة من قصبة ومارن وأرنبة وروثة، فالدية تجب إذا استؤصلت من أصل القصبة إجماعا وعند الهادوية في كل واحدة من الاربع حكومة قال الشوكاني، وقال الناصر الفقهاء بل في المارن الدية وفى بعضه حصته.
قلت ويحاب عنه بما أخرجه الشافعي عن طاوس وأورده المصنف هنا أنه قال عندنا فِي كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَفِي الانف إذا قطع مارنه مائة من الابل.
وأخرج البيهقى من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قال (قضى النبي صلى الله عليه وسلم إذ جدعت (ثناؤة؟) الانف بنصف العقل خمسون من الابل وعدلها من الذهب والورق) قال ابن الاثير، أراد بالثندوة هنا روثة الانف وهى طرفه ومقدمه وفى البيان للعمراني، والذى تجب به الدية من الانف المارن، وهو مالان منها دون القصبة اه، ولان المنفعة والجمال فيه فوجبت فيه الدية بقسط ما قطع منه، وان قطع أحد المنخرين ففيه وجهان
(أحدهما)
يجب عليه نصف الدية لانه أذهب نصف الجمال نصف المنفعة
(والثانى)
لا يجب عليه الا ثلث الدية، لان المارن يشتمل على المنخرين والحاجز بينهما، والاول هو المنصوص، فإن قطع الحاجز بين المنخرين وجب عليه على الوجه الاول حكومة وعلى الثاني ثلث الدية.
وان قطع أحد المنخرين والحاجز بينهما وجب عليه على الاول نصف الدية وحكومة.
وعلى الثاني ثلثا الدية، وان قطع المارن وقصبة الانف وجب عليه دية في المارن وحكومة في القصبة.
كما لو قطع يده من المرفق، وان قطع المارن والجلدة التى تحته إلى الشفة وجبت عليه دية في المارن وحكومه للجلدة التى تحته، وان أبان مارنه نأخذه المجني عليه فألصقه فالتصقت خلاياه والتحمت أنسجته كان المجني عليه أن يقتص مارنه حتى يجعله
معلقا كمارن المجني عليه.
وإن عفا عن القصاص لم تجب له الدية، وإنما تجب له الحكومة لانها جناية لم نذهب بها منفعة، وإنما نقص بها جمال، وإن جنى على أنفه فاستحشف فهل تجب عليه الدية؟ قولان كما قلنا في الاذن إذا استحشف بالجناية، فإن قطع أنفا مستحشفا ففيه طريقان، كما قلنا فيمن قطع أذنا مستحشفة وإن قطع أنف أخشم وجب عليه الدية، لعموم الخبر، ولان ذهاب الشم لمعنى
في غير الانف قوله ((وتجب بإتلاف الشم الدية) وهذا صحيح لما رواه عمر بن حزم في كتاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ طرقه وفيها (وفى الشم الدية) كما قلنا فيه إذا أذهب البصر من إحدى العينين، وإن نقص شمه من المنخرين أو من أحدهما فهو كما قلنا فيمن نقص سمعه من الاذنين أو من أحدهما، وإن لم يعرف قدر نقصه وجبت فيه الحكومة، وإن قطع مارنه فذهب شمه وجبت عليه ديتان، لان الدية تجب في كل احد منهما إذا انفرد، فوجبت في كل واحد منهما الدية وان اجتمعا كما لو قطع يديه ورجليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وإن جنى على رجل جناية لا أرش لها بأن لطمه أو لكمه أو ضرب رأسه بحجر فزال عقله وجب عليه الدية، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب في كتاب عمرو بن حزم (وفى العقل الدية) ولان العقل أشرف من الحواس لان يه يتميز الانسان من البهيمة، وبه يعرف حقائق المعلومات، ويدخل في التكليف، فكان بإيجاب الدية أحق وإن نقص عقله فإن كان يعرف قدر ما نقص بأن يجن يوما ويفيق يوما، وجب عليه من الدية بقدره، لان ما وجبت فيه الدية وجب بعضها في بعضه، كالاصابع.
وإن لم يعرف قدره بأن صار إذا سمع صيحة زال عقله ثم يعود، وجبت فيه الحكومة لانه تعذرا إيجاب جزء مقدر من الدية، فعدل إلى الحكومة فإن كانت الجناية لها أرش مقدر نظرت، فإن بلغ الارش قدر الدية أو أكثر لم يدخل في دية العقل، ولم تدخل فيه ديه العقل لما روى أبو المهلب عم أبى قلابة أن رجلا رمى رجلا بحجر في رأسه فذهب عقله وسمعه ولسانه ونكاحه، فقضى
فيه عمر رضى الله عنه بأربع ديات وهو حى) وإن كان الارش دون الدية كأرش الموضحة ونحوه ففيه قولان.
قال في القديم: يدخل في دية العقل لانه معنى يزول التكليف بزواله فدخل أرش الطرف في ديته كالنفس.
وقال في الجديد: لايدخل وهو الصحيح، لانه لو دخل في ديته ما دون الدية لدخلت فيها الدية كالنفس، ولان العقل في محل والجناية في محل آخر، فلا يدخل أرشها في ديتها، كما لو أوضح رأسه فذهب بصره، وان شهر سيفا على صبى أو بالغ مضعوف أو صاح عليه صيحة عظيمة فزال عقله وجبت عليه الدية.
لان ذلك سبب لزوال عقله، وان شهر سيفا على بالغ متيقظ أو صاح عليه فزال عقله لم تجب عليه الدية، لان ذلك ليس بسبب لزوال عقله
(فصل)
ويجب في الشفتين الدية لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب في كتاب عمر وبن حزم (في الشفتين الدية) ولان فيهما جمالا ظاهرا ومنافع كثيرة، لانهما يقيان الفم من كل ما يؤذيه، ويردان الريق وينفخ بهما، ويتم بهما الكلام ويجب في إحداهما نصف الدية لان كل شيئين وجب فيهما الدية وجب في أحدهما نصف الدية كالعينين والاذنين، وان قطع بعضها وجب فيه من الدية بقدره كما قلنا في الاذن والمارن، وان جنى عليهما فيبستا وجبت عليه الدية، لانه أتلف منافعهما فوجبت عليه الدية، كما لو جنى على يديه فشلتا، فإن تقلصتا وجبت عليه الحكومه لان منافعهما لم تبطل، وانما حدث بهما نقص.
(الشرح) ما ذكره المصنف من اشتمال كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو ابن حزم على أن (في العقل الدية) لم أجده في طريق من طرقه، وانما الذى ثبت أثر عمر رضى الله عنه أنه قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات.
وما روى من ذلك مرفوعا كرواية البيهقى عن معاذ
(في العقل الدية) فسنده ضعيف.
قال البيهقى وروينا عن عمر وزيد بن ثابت مثله قال الشوكاني في نيل الاوطار: وقد زعم الرافعى أن ذلك في حديث عمرو ابن حزم وهو غلط.
اه
وقد أخرج البيهقى عن زيد بن أسلم بلفظ (مضت السنة في أشياء من الانسان إلى أن قال: وفى الصوت إذا انقطع الدية) فإذا وجبت الدية في ذهاب الصوت فلان يجب في ذهاب العقل أولى.
فإذا ثبت أنه حكم عمر وقول زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل ولا مخالف لهم في الصحابة كان إجماعا، ولان التكليف يزول بزوال العقل كما يزول بخروج الروح، فلما وجبت الدية بخروج الروح وجبت بزوال العقل، فإن ذهب بعض عقله وعرف قدر الذاهب بأن صار يجن يوما ويفيق يوما وجبت فيه نصف الدية، وإن لم يعرف قدر الذاهب بأن صار يفزع مما يفزع منه العقلاء وجبت فيه الحكومة.
إذا ثبت هذا فإن كانت الجناية التى ذهب بها العقل مما لا أرش لها بأن لطمه أو لكمه أو ضربه بحجر أو غيره ولم يجرحه، وجبت دية العقل، على ما مضى، وان كان لها أرش ففيه قولان.
قال في القديم: يدخل الاقل منهما في الاكثر، مثل ان أوضحه فذهب عقله، فإن أرش الموضحة يدخل في دية القعل، وان قطع يديه من المرفقين دخلت دية العقل في دية اليدين والحكومة فيهما، وبه قال أبو حنيفة، لان العقل معنى يزول التكليف بزواله فدخل في دينه أرش الطرف كالروح.
وقال في الجديد: لا يدخل أحدهما في الآخر وهو الاصح، لانه جناية أذهبت منفعة حالة في غير محل الجناية مع بقاء النفس فلم يتداخل الارش، كما لو أوضحه وذهب بصره.
هكذا ذكره العمرانى عن الشيخ أبى حامد.
وذكرا لشيخ أبو إسحاق هنا: ان كانت الجناية بها دية كاملة لم تدخل احدى الديتين في الاخرى قولا واحدا، لما تقدم من حكم عمر رضى الله عنه.
قوله (ويجب في الشفتين الدية) هذا ثابت فيما سقناه في أول الباب من كتاب عمرو بن حزم وفيه (وفى الشفتين الدية) والى هذا ذهب جمهور أهل العلم قال في البحر: وحدهما من تحت المنخرين إلى منتهى الشدقين في عرض الوجه، ولا فضل لاحداهما على الاخرى عند أبي حنيفة والشافعي والناصر والهادوية.
وذهب زيد بن ثابت إلى أن العليا ديتها ثلث والسفلى ثلثان ويرد عليه قوله صلى الله عليه وسلم (وفى الشفتين الدية) ولم يفرق، وقد أخذ الشوكاني من زيادة منفعة السفلى على
العليا القول بالتفرقة ولا دليل عليه.
قال الشافعي رضى الله عنه: ما زال عن جلد الذقن من الخدين من أعلا وأسفل من الشفتين) ولا فرق بين أن يكونا غليظتين أو رقيقتين أو ناميتين أو صغيرتين، وبه قال أبو بكر وعلى وابن مسعود، فإن قطع بعض الشفة وجب فيه من الدية بقدره، وان جنى عليهما فشلتا بأن صارتا مسترخيتين لا ينقبضان أو تقلصتا بحيث لا يبسطان، ولا تنطبق احداهما على الاخرى وجبت الدية فيهما، كما لو جنى على يديه فشلتا قال الشافعي، وان جنى على شفته حتى صارت بحيث إذا مدما امتدت، وان تركها تقلصت ففيها حكومة لانها إذا انبسطت وامتدت إذا مدت فلا شلل فيها، بل فيها روح فلم تصر شلاء، وانما فيها نقص فوجبت فيها الحكومة، وان شق شفتيه فعليه الحكومة سواء التأم الشاق أو لم يلتئم، لان ذلك جرح، والجروح تجب فيها الحكومة
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب في اللسان الدية لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب
في كتاب عمر وبن حزم (وفى اللسان الدية) ولان فيه جمالا ظاهرا ومنافع، فأما الجمال فإنه من أحسن ما يتجمل به الانسان، والدليل عليه ما روى محمد بن على بن الحسين ((إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ للعباس أعجبني جمالك يا عم النبي فقال يا رسول الله وما الجمال في الرجل؟ قال اللسان) ويقال المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ويقال ما الانسان لولا اللسان الا صورة مثله، أو بهيمة مهملة.
وأما المنافع فإنه يبلغ به الاغراض ويقضى به الحاجات، وبه تنم العبادات في القراءة والاذكار، وبه يعرف ذوق الطعام والشراب، ويستعين به في مضغ الطعام، وان جنى عليه فخرس وجبت عليه الدية لانه أتلف عليه المنفعة المقصودة فأشبه إذا جنى على اليد فشلت، أو على العين فعميت وان ذهب بعض الكلام وجب من الديه بقدره، لان ما ضمن جميعه بالدية ضمن بعضه ببعضها كالاصابع، ويقسم على حروف كلامه، لان حروف اللغات مختلفه الاعداد، فإن في بعض اللغات ما عدد حروف كلامها أحد وعشرون حرفا
ومنها ما عدد حروفها ستة وعشرون، وحروف لغة العرب ثمانية وعشرون حرفا فإن كان المجني عليه يتكلم بالعربية قسمت ديته على ثمانية وعشرين حرفا.
وقال أبو سعيد الاصطخرى يقسم على حروف اللسان وهى ثمانية عشر حرفا ويسقط حروف الحلق وهى ستة، الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين، ويسقط حروف الشفة وهى أربعة الباء والميم والفا والواو.
والمذهب الاول، لان هذه الحروف وإن كان مخرجها الحلق والشفة إلا أن الذى ينطق بها هو اللسان، ولهذا لا ينطق بها الاخرس.
وإن ذهب حرف من كلامه وعجز به عن كلمة وجب عليه أرش الحرف لان الضمان يجب لما تلف، وإن جنى على لسانه فصار ألثغ وجب عليه دية الحرف
الذى ذهب، لان ما ابتدل به لا يقوم مقام الذاهب، وان جنبى عليه فحصل في لسانه ثقل لم يكن أو عجلة لم تكن أو تمتمة لم تجب عليه دية، لان المنفعة باقية، وتجب عليه حكومة لما حصل من النقص والشين
(فصل)
وإن قطع ربع لسانه فذهب ربع كلامه، وجب عليه ربع الديه، وان قطع نصف لسانه وذهب نصف كلامه، وجب عليه نصف الدية، لان الذى فات من العضو والكلام سواء في القدر، فوجب من الديه بقدر ذلك، فإن قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام وجب عليه نصف الديه وان قطع نصف اللسان وذهب ربع الكلام وجب عليه نصف الدية، واختلف أصحابنا في علته، فمنهم من قال العلة فيه ان ما يتلف من اللسان مضمون، وما يذهب من الكلام مضمون، وقد اجتمعا فوجب أكثرهما وقال أبو إسحاق الاعتبار باللسان الا أنه إذا قطع ربع اللسان فذهب نصف الكلام دل ذهاب نصف الكلام على شلل ربع آخر من السان فوجب عليه نصف الدية، ربعها بالقطع وربعها بالشلل، فإن قطع ربع اللسان وذهب نصف الكلام وقطع آخر ما بقى من اللسان وجب عليه على تعليل الاول ثلاثة أرباع الدية، اعتبارا بما بقى من اللسان، ويجب عليه على تعليل أبى اسحاق نصف الدية وحكومة لانه قطع من اللسان نصفا صحيحا وربعا أشل، وان قطع واحد نصف
لسانه وذهب ربع الكلام، وجاء الثاني وقطع الباقي وجب عليه على تعليل الاول ثلاثة أرباع الدية، اعتبارا بما ذهب من الكلام، ويجب عليه على تعليل أبى إسحاق نصف الدية اعتبارا بما قطع من اللسان، وإن قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه فاقتص منه فذهب نصف كلامه، فقد استوفى المجني عليه حقه، وإن ذهب ربع كلامه أخذ المجني عليه مع القصاص ربع الدية لتمام حقه، فإن ذهب بالقصاص
ثلاثة أرباع كلامه لم يضمن الزيادة، لانه ذهب بقود مستحق.
(الشرح) حديث العباس أخرجه الحاكم في المستدرك 1 حدثنى محمد بن صالح ابن هانئ حدثنا الحسين بن الفضل قال حدثنا موسى بن داود الضبى حدثنا الحاكم ابن المنذر عن محمد بن بشر الخثعمي عن أبى جعفر مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ قال (أقبل العباس بن عبد المطلب إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعليه حلة وله ضفيرتان وهو أبيض، فلماه رآه النبي صلى الله عليه وسلم تبسم، فقال العباس يا رسول الله ما أضحكك؟ أضحك الله سنك، فقال أعجبني جمال عم النبي، فقال العباس ما الجمال في الرجال؟ قال اللسان) وقال الذهبي في تعليقه عل المستدرك (مرسل) .
وأما قوله (المرء بأصغريه قلبه ولسانه) فإن المعروف ان وفدا قدم لبيعة أمير المؤمنين عمربن عبد العزيز على رأسه صبى، فأمره عمر ان يتأخر ليتقدم من هو أسن، فقال يا أمير المؤمنين المرء بأصغريه قلبه ولسانه، وما دام في المرء لسان لافظ وقلب حافظ فقد استحق الكلام.
ولو كان الامر بالسن لكان في مجلسك هذا من هو أحق منك بالخلافة، فأعجب به عمر أما الاحكام فإن في اللسان الدية، فإن قطع لسانه كله فالدية، وإن قطع نه ما أبطل كلامه فالدية أيضا، وإن عجز عن نطق بعض الحروف فماذا يعتبر فيه وجهان.
قال علامة أصحابنا يعتبر بجميع حروف المعجم وهى ثمانية وعشرون حرفا للعربي ولا اعتبار بلا لانها مكررة وهى لام وألف، فإن تعذر عليه النطق بحرف منها وجب عليه جز من ثمانية وعشرين جزءا من الدية، وعلى هذا قال أبو سعيد
الاصطخرى تعتبر بحروف السان وهى ثمانية عشر حرفا لا غير، ولا تعتبر
حروف الحلق وهى ستة، وهى من أول الحلق الالف والهاء ومن أوسطه العين والحاء ومن آخره الغين والخاء، ولا تعتبر حروف الشفة وهى أربعة الباء والميم والفاء والواو، لان الجناية على اللسان فاعتبرت حروفه دون غيره، والمنصوص هو الاول، لان هذه الحروف وإن كانت مخارجها في الحلق الشفة إلا أنه لا ينطق بها إلا باللسان.
إذا ثبت هذا فإن لم يذهب من كلامه الا حرف واحد لكنه تعطل بذهابه جميع الاسم الذى فيه ذلك الحرف، مثل أن تتعذر الميم لا غير فصار لا ينطق بمحمد لم يجب عليه الا خاصة الميم من الدية، لان الجاني انما يضمن ما أتلفه، فأما ما لم يتلفه بفعله وكان سليما الا أن منفعته تعطلت لتعطل التالف فلا يضمنه كما لو قصم ظهره فلم تشل رجلاه الا أنه لا يمكنه المشى بهما لقصر ظهره، فلا يلزمه الادية قصم الظهر.
فكذلك هذا مثله وان جنى عليه فذهب من كلامه حرف الا أنه استبدل به حرفا غيره بأن ذهب منه الراء وصار ينطق بالراء ما في موضعه وجبت عليه دية الراء لان ما استبدل به لا يقوم مقامه.
فإن جنى عليه آخر فأذهب هذا الحرف الذى استبدله بالراء، وجب عليه دية هذا الحرف لا لاجل أنه أتلف عليه حرفا قام مقام الاول.
ولكن لاجل أن هذا الحرف إذا تلف في هذا الوضع تلف في موضعه الذى هو أصله، وان لم يذهب بجنايته حرف وانما كان لثغ فزادت لثغته بالجناية، أو كان خفيف اللسان سهل الكلام فثقل كلامه أو حصلت بكلامه عجلة أو تمتمة، وجب على الجاني حكومة لانه أذهب كما لا من غير منفعة.
قوله (وان قطع ربع لسانه الخ) فجملة ذلك أنه إذا قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه نظرت فإن استويا بأن قطع ربع لسانه وذهب ربع كلامه
وجب عليه ربع الدية.
وان قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه وجب عليه نصف الدية، لان الذى فات منهما سواء، فإن اختلف اعتبرت الدية بالاكثر مثل أن يقطع ربع اللسان فيذهب نصف الكلام، فيجب عليه نصف الدية،
أو يقطع نصف اللسان فيذهب ربع الكلام فيجب عليه نصف الدية بلا خلاف من أصحابنا في الحكم، وانما اختلفا في علته.
فمنهم من قال أن منفعة اللسان وهو الكلام مضمونه بالدية، واللسان مضمون بالدية، فإذا اجتمعا اعتبر أكثر الامرين منهما، كما وجنى على يده فشلت فيها جميع دية اليد، ولو قطع خنصره وبنصره وجب فيهما خمسا دية اليد، وإن كان منفعتهما أقل من منفعة خمس اليد ولكن اعتبارا بأكثر الامرين من منفعة اليد وعضوها وقال أبو إسحاق المروزى: الاعتبار باللسان لانها هي المباشرة بالجناية، إلا أنه إذا قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه فإنما وجب عليه نصف الدية لانه دل ذهاب نصف كلامه على شلل ربع آخر غير المقطوع.
إذا ثبت هذا فقطع رجل لسان رجل فذهب نصف كلامه، فقد ذكرنا أنه يجب عليه نصف الدية، فإن جاء آخر فقطع الثلاثة الارباع الباقية من لسانه فإنه يجب عليه على التعليل الاول ثلاثة أرباع الدية اعتبارا بما بقى من اللسان.
وعلى تعليل أبى اسحاق يجب عليه نصف الدية وحكومة، ولانه قطع نصف لسان صحيحا وربعا أشل.
وإن قطع رجل نصف لسان رجل فذهب كلامه وقلنا له أن يقتص منه في نصف اللسان فاقتص منه فذهب نصف كلام الجاني فقد استوفى المجني عليه حقه، فإن ذهب ربع كلام الجاني وجب للمجني عليه ربع الدية، وان ذهب ثلاثة أرباع كلام الجاني لم يجب على المقتص شئ لان التالف بالقود غير
مضمون عندنا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وإن كان لرجل لسان له طرفان فقطع رجل أحد الطرفين فذهب كلامه وجبت عليه الدية، وإن ذهب نصفه وجب عليه نصف الدية، وإن ذهب ربعه وجب عليه ربع الدية، وان لم يذهب من الكلام شئ نظرت، فإن كانا متساويين في الخلقة، فهما كاللسان المشقوق، ويجب بقطعهما الدية وبقطع أحدهما نصف الدية
وإن كان أحدهما تام الخلقة والآخر ناقص الخلقة فالتام هو اللسان الاصلى والآخر خلقة زائدة، فإن قطعهما قاطع وجب عليه دية وحكومة.
وان قطع التام وجبت عليه دية، وان قطع الناقص وجبت عليه حكومة
(فصل)
وان جنبى على لسانه فذهب ذوقه فلا يحس بشئ من المذاق، وهى خمسة: الحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والعذوبة وجبت عليه الدية، لانه أتلف عليه حاسة لمنفعة مقصودة فوجبت عليه الدية، كما لو أتلف عليه السمع أو البصر، وإن نقص بعض الذوق نظرت فإن كان النقصان لا يتقدر، بأن ك ان يحس بالمذاق الخمس إلا أنه لا يدركها على كمالها وجبت عليه الحكومة لانه نقص لا يمكن تقدير الارش فيه، فوجبت فيه حكومة، وان كان نقصا يتقدر بأن لا يدرك أحد المذاق الخمس ويدرك الباقي، وجب عليه خمس الدية، وان لم يدرك اثنين وجب عليه خمسمان، لانه يتقدر المتلف فيقدر الارش
(فصل)
وإن قطع لسان أخرس فإن كان بقى بعد القطع ذوقه وجبت عليه الحكومة.
لانه عضو بطلت مفعته فضمن بالحكومة كالعين القائمة واليد الشلاء، وان ذهب ذوقه بالقطع وجبت عليه دية كاملة لاتلاف حاسة الذوق،
وان قطع لسان طفل فإن كان قد تحرك بالبكاء أو بما يعبر عنه اللسان كقوله بابا وماما وجبت عليه الدية، لانه لسان ناطق.
وان لم يكن تحرك بالبكاء ولا بما يعبر عنه اللسان فإن كان بلغ حدا يتحرك اللسان فيه بالبكاء والكلام وجبت الحكومة.
لان الظاهر أنه لم يكن ناطقا، لانه أو كان ناطقا لتحرك بما يدل عليه.
وان قطعه قبل أن يمضى عليه زمان يتحرك فيه اللسان وجبت عليه الدية لان الظاهر السلامة فضمن كما تضمن أطرافه.
وان لم يظهر فيها بطش.
(فصل)
وان قطع لسان رجل فقضى عليه بالدية ثم نبت لسانه.
فقد قال فيمن قلع سن من ثغر ثم نبت سنه أنه على قولين
(أحدهما)
يرد الدية
(والثانى)
لا يرد.
فمن أصحابنا من جعل اللسان أيضا على قولين.
وهو قول أبى اسحاق لانه إذا كان في السن التى لا تنبت في العادة إذا نبتت قولان.
وجب أن يكون في اللسان أيضا قولان ومنهم من قال لا يرد الدية في اللسان قولا واحدا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ
أبى هريرة، والفرق بينه وبين السن أن في جنس السن ما يعود، وليس في جنس اللسان ما يعود، فوجب أن يكون ما عاد هبة مجددة فلم يسقط به بدل ما أتلف عليه.
وإن جنى على لسانه فذهب كلامه وقضى عليه بالدية ثم عاد الكلام وجب رد الدية قولا واحدا، لان الكلام إذا ذهب لم يعد، فلما عاد علمنا أنه لم يذهب وإنما امتنع لعارض (الشرح) تتلخص أحكام هذين الفصلين في أنه إن كان لرجل لسان له طرفان فقطع قاطع أحدهما نظرت فإن أذهب كلامه وجبت عليه الدية، وإن ذهب بعض كلامه فإن كان الطرفان متساويين فإن كان ما قطعه بقدر ما نقص من الكلام وجب فيه من الدية بقدره، وإن كان أحدهما أكبر اعتبر
الاكبر على ما مضى في التى قبلها، وإن لم يذهب من الكلام شئ وجب بقدر ما قطع من اللسان من الدية، وإن قطعهما قاطع وجب عليه الدية، وإن كان أحدهما منحرفا عن سمت فهى خلقة زائدة يجب فيها الحكومة وفى الآخر الدية (فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه: وفى لسان الاخرى حكومة، وقال النخعي تجب فيه الدية.
دليلنا أن لسان الاخرس قد ذهبت منفعته فلم يجب فيه الدية كاليد الشلاء.
وإن قطع لسان طفل فإن كان قد تكلم ولو بكلمة واحدة، أو قال بابا أو ماما، أو تكلم في بكائه بالحروف وجبت عليه الدية لانا قد علمنا أنه لسان ناطق، وإن كان في حد لا يتكلم مثله بحرف، مثل أن يكون ابن شهر وما أشبه ولم يتكلم فقطع قاطع لسانه وجبت فيه الدية.
وقال أبو حنيفة: لا دية فيه لانه لسان لا كلام فيه فهو كلسان الاخرس.
دليلنا أن ظاهره السلامة وإنما لم يتكلم لطفوليته فوجبت فيه الدية كما تجب الدية بأعضائه، وان لم يظهر بها بطش، وإن بلغ حدا يتكلم فيه مثله فلم يتكلم فقطع قاطع لسانه لم يجب عليه الدية، وإنما يجب فيه الحكومة، لان الظاهر من حاله أنه أخرس.
(فرع)
وإن جنى عليه فذهب ذوقه قال الشيخ أبو حامد فلا نص فيه
للشافعي رحمه الله ولكن يجب فيه الدية، لانه الحواس التى تختص بمنفعة، فهو كحاسة السمع والبصر، وقال القاضى أبو الطيب: قد نص الشافعي رحمه الله على على إيجاب الدية فيه.
قال ابن الصباغ: قلت أنا قد نص الشافعي على أن لسان الاخرس فيه حكومة وإن كان الذوق يذهب بذهابه.
واختار الشيخ أبو إسحاق هنا في هذا الفصل
وجوب الدية في الذوق، وقال إنما تجب في لسان الاخرس الحكومة إذا بقى ذوقه بعد قطع لسانه، فأما إذا لم يبق ذوقه ففيه الدية.
إذا ثبت هذا فقال المصنف: إذا لم يحس بالاحلاوة والمرارة والحموضة والملوحة والعذوبة وجب على الجاني عليه الدية، فإن لم يحس بواحد منها أو باثنتين وجب فيه من الدية بقدره، وان كان يحس بها الا أنه لا يحس بها على الكمال وجب في ذلك الحكومة دون الدية (فرع)
إذا جنى عليه فذهب كلامه فأخذت منه الدية ثم نبت له لسان مكانه فاختلفت أصحابنا فيه فمنهم من قال: هل يجب رد الدية؟ فيه قولان كما قلنا في السن، ومنهم من قال لا يجب رد الدية قولا واحدا، لان عود السن معهود وعود اللسان غير معهود فعلم أنه هبة محددة.
قال في الام: وإن قطع لهاة رجل قطعت لهاته، فإن أمكن والا وجبت حكومة، واللهاة لحم في أصل السان
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب في كل سن خمس من الابل لما روى عمرو بن حزم (أَنَّ (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل اليمن: وفى السن خمس من الابل) والانياب والاضراس والثنايا والرباعيات في ذلك سواء للخبر، ولانه جنس ذو عدد فلم تختلف ديتها باختلاف منافعها كالاصابع، وان قلع ما ظهر وخرج من لحم اللئة وبقى السنخ لزمه دية السن، لان المنفعة والجمال فيما ظهر فكملت ديته، كما لو قطع الاصابع دون الكف، فإن عاد هو أو غيره وقلع السنخ المغيب وجبت عليه حكومة، لانه تابع لما ظهر فوجبت فيه الحكومة، كما لو قطع الكف
بعد ما قطع الاصابع وإن قلع السن من أصلها مع السنخ لم يلزمه لما تحتها من
السنخ حكومة، لان السنخ تابع لما ظهر فدخل في ديته كالكف إذا قطع مع الاصابع، وإن كسر بعض السن طولا أو عرضا وجب عليه من دية السن بقدر ما كسر منها من النصف أو الثلث أو الربع، لان ما وجب في جميعه الدية وجب في بعضه من الدية بقدره كالاصابع، ويعتبر القدر من الظاهر دون السنخ المغيب لان الدية تكمل بقطع الظاهر، فاعتبر المكسور منه، فإن ظهر السنخ المغيب بعلة اعتبر القدر المكسور بما كان ظاهرا قبل العلة، لا بما ظهر بالعلة، لان الدية تجب فيما كان ظاهرا فاعتبر القدر المكسور منه (الشرح) مضى تخريج كتاب عمرو بن حزم في أول الباب بلفظه كاملا وفيه (وفى السن خمس من الابل) وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وظاهر الحديث عدم الفرق بين الثنايا والانياب والضروس، لانه يصدق على كل منها أنه سن، ويروى عن على أنه يجب في الضرس عشر من الابل وروى عن عمر وابن عباس أنه يجب في كل ثنية خمسون دينارا وفى الناجذ أربعون وفى الناب ثلاثون، وفى كل ضرس خمس وعشرون وقال عطاء: في السن والرباعيتين خمس خمس، وفى الباقي بعيران بعيران، وهى الرواية الثانية عن عمر.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم (في السن خمس من الابل) ولم يفرق، ولانه جنس ذو عدد فلم تختلف ديتها كدية الاصابع، والسن الذى يجب فيه خمس من الابل هو ما ظهر من اللثة، وهو اللحم الذى ينبت فيه السن، لان المنفعة والجمال في ذلك، كما تجب دية اليد في الاصابع وحدها، فإن قطع ما ظهر من السن ثم قلع هو أو غيره سنخ السن والسنخ من كل شئ أصله والجمع أسناخ كحمل واحمال وجب على قالع السنخ الحكومة، كما لو قطع رجل أصابع رجل ثم قطع هو أو غيره الكف.
وإن قلع السن وسنخها وجبت عليه دية السن لا غير، لان السنخ يتبع السن في الدية إذا قلع معها،
كما لو قطع الاصابع مع الكف.
وإن ظهر السنخ المعيب بعلة اعتبر المكسور من الموضع الذى كان ظاهرا قبل العلة لا بما ظهر بالعلة، فإن اتفقا أنه كسر القدر
الذى كان ظاهرا قبل العلة فعليه خمس من الابل، وإن قال الجاني كسرت بعض الظاهر فعلى أقل من خمس من الابل، وقال المجني عليه: بل كسرت كل الظاهر فالقول قول الجاني مع يمينه، لان الاصل براءة ذمته مما زاد على ما أقربه.
(مسألة) في كل ما قررنا وافقنا أحمد وأصحابه، إلا أنه حكى ابن قدامة رواية عن أحمد أن في جميع الاسنان الدية، فتعين حمل هذه الرواية على مثل قول سعيد ابن المسيب للاجماع، على أن في كل سن خمسا من الابل وورد الحديث به فيكون في الاسنان ستون بعيرا، لان فيه اثنى عشر سنا، أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربعة أنياب فيها خمس خمس، وفيه عشرون ضرسا في كل جانب عشرة، خمسة في الفك الاعلى ومثلها في الاسفل، فيكون فيها على رأس أحمد أربعون بعيرا في كل ضرس بعيران فتكمل الدية.
وحجة من قال هذا أنه ذو عدد تجب فيه الدية فلم تزد على دية الانسان كالاصابع والاجفان وسائر ما في البدن، ولانها تشتمل على منفعة جنس فلم تزد ديتها على الدية كسائر منافع الجنس، وأو را هذا بأن الاضراس تختص بالمنافع دون الجمال، والاسنان بالمنافع والجمال، فاختلفا في الارش، ولكن يرد على هذا ما ترجح من المذهب عندنا وعند أصحاب أحمد ومالك وأبى حنيفة ومحمد ابن الحسن، وهو قول عروة وطاوس وقتادة والزهرى، لما أخرج أبو داود باسناده عن عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الاصابع سواء والاسنان سواء، الثنية والضرس سواء، هذه وهذه سواء) وهذا نص في مناط النزاع.
ويجاب عن قولهم بالنافع بأن كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع كالاصابع والاجفان والشفتين، وقد أومأ ابن عباس إلى هذا فقال لا أعتبرها بالاصابع.
فأما ما ذكروه من المعنى فلا بد من مخالفة القياس فيه، فمن ذهب إلى قولنا خالف المعنى ذكروه، ومن ذهب إلى قولهم خالت التسوية الثابتة بقياس سائر الاعضاء من جنس واحد، فكان ما قررنا من الاذعان للاخبار الصحيحة وموافقة أكثر أهل العلم.
(فرع) وإن كسر بعض سنه من نصف أو ثلث وجب عليه من ديتها بقدر ما كسر منها، لان ما وجب في جميعه الدية وجب في بعضه بقسطه من الدية كالاصابع، فإن قلع قالع ما بقى من السن مع السنخ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ بقى على الثاني بقدر ما بقى من السن من ديتها، ووجب في السنخ الحكومة لان السنخ إنما يبتع جميع السن، فأما بعض السن فلا يتبغها، وحكى ابن الصباغ أن الشيخ أبا حامد الاسفراينى قال وهذا فيه تفصيل، فإن كسر الاول نصف السن في الطول وبقى النصف فقلع الثاني الباقي منهما مع السنخ وجب نصف دية السن ويتبعه ما تحته من السنخ في نصف ديته وجبت في نصف السنخ الباقي الحكومة، كما لو قطع أصبعين وجميع الكف فإنه يجب عليه دية أصبعين ويتبعهما ما تحتهما من الكف وحكومة في الباقي وإن كسر الاول نصف السن في العرض وقلع الاخر الباقي مع السنخ تبعه ما تحته من السنخ كما لو قطع قاطع من كل أصبع من الكف أنملة فجاء آخر فقطع ما بقى من أنامل الاصابع مع الكف فإنه يجب عليه أرش ما بقى من الانامل ويتبعها الكف، كذلك هذا مثله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وان قلع سنا فيها شق أو أكلة فإن لم يذهب شئ من أجزائها وجبت فيها دية السن كاليد المريضة، وان ذهب من أجزائها شئ سقط من ديتها بقدر الذاهب ووجب الباقي، فإن كانت إحدى ثنيتيه العلياوين أو السفلاوين أقصر من الاخرى فقلع القصيرة نقص من ديتها بقدر ما نقص منها، لانهما لا يختلفان في العادة، فإذا اختلفا كانت القصيرة ناقصة فلم تكمل ديتها، وإن قلع سنا مضطربة نظرت فإن كانت منافعها باقية مع حركتا من المضغ وحفظ الطعام والريق وجبت فيها الدية لبقاء المنفعة والجمال، وان ذهبت منافعها وجبت فيها الحكومة، لانه لم يبق غير الجمال، لم يجب غير الحكومة كاليد الشلاء، وان نقصت منافعها فذهب بعضها وبقى البعض ففيه قولان (أحدهما) يجب فيها الدية لان الجمال تام والمنفعة باقية، وان كانت ضعيفة
فكملت ديتها كما لو كانت ضعيفة من أصل الخلقة
(والثانى)
يجب فيها الحكومة، لان المنفعة قد نقصت ويجهل قدر الناقص، فوجب فيها الحكومة، وإن ضرب سنه فاصفرت أو أحمرت وجبت فيها الحكومة، لان منافعها باقية، وإنما نقص بعض جمالها فوجب فيها الحكومة، فإن ضربها فاسودت فقد قال في موضع تجب فيها الحكومة، وقال في موضع تجب الدية، وليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، فالذي قال تجب فيها الدية إذا ذهبت المنفعة، والذى قال تجب فيها الحكومة إذا لم تذهب المنفعة.
وذكر المزني أنها على قولين، واختار أنه يجب فيها الحكومة، والصحيح هو الطريق الاول
(فصل)
وإذا قلع أسنان رجل كلها نظرت فإن قلع واحدة بعد واحدة وجب لكل سن خمس من الابل فيجب في أسنانه، وهى إثنان وثلاثون سنا مائة
وستون بعيرا، وإن قلعها في دفعة واحدة ففيه وجهان
(أحدهما)
أنه لا يجب عليه أكثر من دية لانه جنس ذو عدد فلم يضمن بأكثر من دية كأصابع اليدين
(والثانى)
أنه يجب في كل سن خمس من الابل، وهو المذهب لحديث عمرو بن حزم، ولان ما ضمن ديته بالجناية إذا انفرد لم تنقص ديته بانضمام غيره إليه كالموضحة.
(فصل)
إذا قلع سن صغير لم يثغر لم يلزمه شئ في الحال لان العادة في سنه أن يعود وينبت فلم يلزمه شئ في الحال كما لو نتب شعره، فإن نبت له مثلها في مكانها لم يلزمه ديتها، وهل تلزمه حكومة فيه وجهان
(أحدهما)
لا تلزمه كما لو نتف شعره فنبت مثله
(والثانى)
تلزمه حكومة الجرح الذى حصل بالقلع وإن لم تنبت له ووقع الاياس من نبانها وجبت ديتها لانا تحققنا إتلاف السن، وإن مات قبل الاياس من نباتها ففيه قولان، أحدهما: يجب عليه دية السن لانه قلع سنا لم تعد.
والثانى لا يجب لان الظاهر أنها تعود وإنما مات بموته.
وان نبتت له سن خارجة عن صف الاسنان، فإن كانت بحيث ينتفع بها وجبت ديتها، وإنك انت بحيث لا ينتفع بها وجبت الحكومة للشين الحاصل بخروجها عن سمت الاسنان، فإن
نبتت أقصر من نظيرتها وجب عليه من ديتها بقدر ما نقص لانه نقص بجنايته فصار كما لو كسر بعض سن.
وإن نبت أطول منها فقد قال بعض أصحابنا لا يلزمه شئ وان حصل بها شين لان الزيادة لا تكون من الجناية.
قال الشيخ الامام: ويحتمل عندي أن تلزمه الحكومة للشين الحاصل بطولها، كما تلزمه في الشين الحاصل بقصرها، لان
الظاهر أن الجميع حصل بسبب قلع السن.
وإن نبتت له سن صفراء أو سن خضراء وجبت عليه الحكومة لنقصان الكمال فإن قلع سن من أثغر وجبت ديتها في الحال، لان الظاهر أنه لا ينبت له مثلها، فان أخذ الدية ثم نبت له مثلها في مكانها ففيه قولان
(أحدهما)
يجب رد الدية لانه عاد له مثلها فلم يستحق بدلها كالذى لم يثغر
(والثانى)
أنه لا يجب رد الدية لان العادة جرت في سن من ثغر أنه لا يعود فإذا عادت كان ذلك هبة مجددة فلا يسقط به ضمان ما أتلف عليه
(فصل)
ويجب في اللحيين الدية لان فيهما جمالا وكمالا ومنفعة كاملة، فوجبت فيهما الدية كالشفتين، وإن قلع أحدهما وتماسك الآخر وجب عليه نصف الدية، لانهما عضوان تجب الدية فيهما فوجب نصف الدية في أحدهما كالشفتين واليدين.
وإن قلع اللحيين مع الاسنان وجب عليه دية اللحيين ودية الاسنان ولا تدخل دية أحدهما في الاخر لانهما جنسان مختلفان فيجب في كل واحد منهما دية مقدرة فلم تدخل دية إحداهما في دية الاخرى كالشفتين مع الاسنان، وتخالف الكف مع الاصابع فإن الكف تابع للاصابع في المنفعة، واللحيان أصلان في الجمال والمنفعة، فهما كالشفتين مع الاسنان (الشرح) إذا قلع سنا مضطربة لكبر أو مرض وكانت منافعها باقية من المضغ وطحن الطعام واستدرار اللعاب وجبت ديتها على أحد الوجهين، وهو قول أحمد وأصحابه، لان جمالها باق ومنفعتها باقية، إنما نقصت، ونقعان المنفعة لا يوجب سقوط الدية كاليد العليلة.
(الثاني) لا يجب فيها الدية، وإنما تجب فيها الحكومة، لان معظم منفعتها
تذهب بالاضطراب، فصار كاليد الشلاء فإن جنبى على سنه جان فاضطربت
وطالت عن الاسنان، وقيل إنها تعود إلى مدة على ما كانت عليه انتظرنا إليها، فإن ذهبت وسقطت وجبت ديتها، وإن عادت كما كانت فلا شئ فيها، كما لو جنى على يده فمرضت ثم برأت، وان بقى فيها اضطراب ففيها حكومة لجنايته، وإن مضت المدة ولم تعد إلى ما كانت عليه ففيها حكومة، وإن قلعها قالع قبل استقرارها فهل تجب عليه الدية والحكومة؟ فيه قولان، كما لو قلعها وهى مضطربة بمرض أو كبر.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أنا إذا أوجبنا الحكومة ههنا فإنها تكون أقل من الحكومة في التى قبلها، لان المجني عليه لم ينتفع بالاضطراب الحادث من المرض وهاهنا المجني عليه قد انتفع بالاضطراب الحادث من الجناية الاولة، وإن قلع رجل سنا فيها شق أو أكلة فإن لم يذهب من أجزائها شئ وجب فيها سن كاليد المريضة، وان ذهب منها شئ سقط من ديتها بقدر الذاهب ووجب الباقي (فرع)
إذا قلع قالع سنة بسنخها وأبانها ثم ردها المجني عليه إلى مكانها فنبتت وعادت كما كانت وجبت على الجاني الدية.
ونص أحمد في رواية جعفر بن محمد أنه لا تجب فيها الدية.
دليلنا أن الدية وجبت عليه بإبانته السن على الفور، ورده لها لا حكم له لانه يجب ازالتها، فإن قلعها قالع فلا شئ عليه لانه يجب قلعها وان لم يرد المقلوعة وانما رد مكانها عظما طاهرا أو قطعة ذهب أو فضة فنبت عليها اللحم ثم قلعها انسان ففيه قولان حكاهما الشيخ أبو حامد الاسفراينى
(أحدهما)
لا يجب عليه شئ لانه أزال مال ليس من بدنه فلم يجب عليه دية كما لو أعاد سنه المقلوعة ثم قلعها قالع
(والثانى)
يجب عليه حكومة لانه أبيح له أن يتخذ سنا من عظم طاهر أو ذهب أو فضة، وقد حصل له في ذلك جمال ومنفعه، وقد أزالها فلزمه الحكومة لذلك.
(فرع)
قوله (وإذا قلع أسنان رجل كلها الخ) وقد مضى في شرح ما قال المصنف قبل هذا تفصيل مفيد، والذى لم نقله هو أنه إذا كان بعض اضراسه قصارا أو ثنايا طوالا وجب في كل سن ديتها، لان العادة أن الاضراس أقصر
من الثنايا، وإن كان بعض الاضراس طوالا وبعضها قصارا، أو كان بعض الثنايا طوالا وبعضها قصارا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَإِنْ كَانَ النقصان قريبا ففى كل سن ديتها، لان هذا من خلقة الاصل، وإن كان النقصان كثيرا ففيها بقسطها من الدية، فإنك انت القصيرة نصف الطويلة وجب فيها نصف دية السن وإن كانت ثلثها ففيها ثلث ديتها، لان هذا القدر من النقص لا يكون إلا من سبب مرض أو غيره.
اه (فرع)
إذا جنبى على سنه فسودها ففيه قولان، وحكى عن أحمد روايتان
(أحدهما)
تجب ديتها كاملة وهو ظاهر كلام الخرقى، ويروى هذا عن زيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وشريح والزهرى وعبد الملك ابن مروان والنخعي ومالك والليث وعبد العزيز بن أبى سلمة والثوري وأصحاب الرأى (الثانية) وهو المختار عندنا أنه إن أذهب منفعتها من المضغ عليها ونحوه ففيه دية، وان لم يذهب نفعها ففيه حكومة.
قال في البيان: وان ضرب رجل سن رجل فاحمرت أو اصفرت ولم يذهب شئ من منفعتها وجبت فيها الحكومة، لانه أذهب جمالامن غير منفعة، وان اسودت فقد قال الشافعي في موضع فيها الحكومة، وقال في موضع فيها الدية، فقال المزني فيها قولان، وقال سائر أصحابنا ليست على قولين وانما هي على حالين فحيث قال تجب فيها الدية إذا ذهبت منفعتها، وحيث قا ل تجب فيها الحكومة أراد إذا لم تذهب منفعتها، وكل موضع قلنا تجب فيه الحكومة إذا اسودت فإنه
يجب فيها أكثر من الحكومة إذا احمرت أوء اصفرت، لان الشين أي العيب والقبح في السواد أكثر وفى حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مرفوعا (وفى السن السوداء إذا نزعت ثلث ديتها.
قال الشوكاني (لذهاب الجمال والمنفعة) ولقول على عليه السلام (إذا اسودت فقد تم عقلها) أي ديتها، فإن لم يضعف فحكومة له (فرع)
إذا تبتت أسنان الصبى سوداء فسقطت ثم نبتت سوداء، فإن كانت كاملة المنفعة غير مضطربة فقلع قالع بعضها ففى كل سن ديتها، لان هذا السواد من أصل الخلقة فهو كما أو كانت العين عمشاء من أصل الخلقة فأما إذا نبتت أسنانه
بيضا فسقطتت، ثم نبتت سوداء، ثم قلع قالع بعضها قال الشافعي رضى الله عنها سألت أهل الخبرة فإن قالوا لا يكون هذا من مرض ففيها الحكومة لانها ناقصة الجمال والمنفعة.
وان قالوا قد يكون من مريض وغيره وجبت في كل سن ديتها، لان الاصل سلامتها من المرض.
(مسألة) قوله (ويجب في اللحيين الخ) فجملة ذلك أن اللحيين وهما العظمان اللذان تنبت عليهما الاسنان ويقال لهما الفكان تجب فيهما الدية، لان فيهما منفعة وجمالا وفى أحدهما نصف الدية، لا ما وجبت الدية في اثنتين منه وجبت في أحدهما نصفها كالعينين، وان قلع اللحيين وعليهما الاسنان فحكى المسعودي فيه وجهين:
(أحدهما)
لا يجب عليه الا دية واحدة، كما لون قطع الاصابع مع الكف
(والثانى)
وهو اقول أصحابنا العراقيين أنه يجب في اللحيين الدية، في كل سن خمس من الابل، لان كل احد منهما تجب فيه دية مقدرة فلم يدخل أحدهما في الآخر كدية الاسنان والشفتين، ولان اللحيين كانا موجودين قبل الاسنان فلم يتبعا
ما حدث عليهما من الاسنان، والكف والاصابع، جدا معا فتبع الكف الاصابع
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
ويجب في اليدين الدية لِمَا رَوَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (فِي الدين الديه) ويجب في احداهما نصف الدية لما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب لعمرو بن حزم حين أمره على نجران في اليد خمسون من الابل، واليد التى تجب فيها الديه هي الكف، فإن قطع الكف وجبت الديه، وان قطع من نصف الذراغ أو من المرفق أو من العضد أو من المنكب وجبت الديه في الكف، ووجب فيما زاد الحكومه.
وقال أبو عبيد بن حرب، الذى تجب فيه الديه هو اليد من المنكب، لان اليد اسم للجميع، والمذهب الاول، لان اسم اليد يطلق على الكف، والدليل عليه قوله تعالى (والسارق والسارقه فاقطعوا أيديهما) والمراد به الكف، ولان المنفعة المقصودة من اليد هو البطش، والاخذ والدفع وهو بالكف، وما زاد
تابع للكف، فوجبت الدية في الكف، والحكومة فيما زاد.
ويجب في كل أصبع عشر الدية لما روى أبو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عليه كتب إلى أهل اليمن في كل أصبع من الاصابع من اليد والرجل عشر من الابل) ، ولا يفضل أصبع على أصبع لما ذكرناه من الخبر، ولما رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مسندا (الاصابع كلها ساء عشر عشر من الابل) ولانه جنس ذو عدد تجب فيه الدية فلم تختلف ديتها باختلاف منافعها كاليدين، ويجب في كل أنملة ن غير الابهام ثلث دية الاصبع وفى كل أنملة من الابهام نصف دية الاصبع، لانه لما قسمت دية اليد على عدد الاصابع وجب أن يقسم دية الاصبع على عدد الانامل
(فصل)
وإن جنبى على يد فشلت، أو على أصبع فشلت، أو على أنملة فشلت، وجب عليه ما يجب في قطعها، لان المقصود بها هو المنفعة فوجب في إتلاف منفعتها في إتلافها، وان قطع يدا شلاء أو أصبعا شلاء أو أنملة شلاء وجب عليه الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعه.
(الشرح) خبر معاذ أخرجه البيهقى، وخبر عمرو بن حزم هو كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن، قال ابن كثير في الارشاد وهذا الكتاب متداول بين ائمة الاسلام قديما وحديثا يعتمدون عليه، ويفزعون في مهمات هذا الباب إليه.
أما حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فإن هذه زيادة في حديث رواه أحمد وأصحاب السنن الاربعة، وصححه ابن خزيمة وابن الجارود ولفظه عندهم (في المواضح خمس خمس من الابل وزاد أحمد والاصابع سواء كلهن عشر عشر من الابل)) أما قوله (وتجب في اليدين الدية) فجملة ذلك أن أهل العلم قد أجمعوا على وجوب الدية في الدين ووجوب نصفها في إحداهما لما سقناه من حديث معاذ وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن، ولان فيهما جمالا ظاهرا ومنفعة كاملة، وليس في البدن من جنسهما غيرهما فكان فيهما الدية كالعينين.
واليد التى تجب فيها الدية من الكوع لان اسم اليد عند الاطلاق ينصرف إليها بدليل قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) كان الواجب قطعهما من الكوع، وكذلك التيمم يجب فيه مسح اليدين إلى الكوعين، فإن قطعها من بعض الساعد أو من المرفق أو من المنكب وجبت الدية في الكف وفيما زاد عليه الحكومة وقال أبو يوسف ما زاد على الاصابع إلى المنكب يتبع الاصابع كما تتبعها الكف
نص عليه أحمد في رواية أبى طالب، وهو قول عطاء وقتادة والنخعي وابن أبى ليلى ومالك وغيرهم أنه أو قطع اليد من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانيا حكومة، لانه وجبت عليه دية اليد بالقطع الاول فوجبت بالثاني حكومة كما لو قطع الاصابع ثم قطع الكف أو قطع حشفة الذكر ثم قطع بقيته أو كما لو فعل ذلك اثنان.
وقال أبو عبيد بن حرب من أصحابنا (اليد التى يجب بقطعها الدية هي اليد من المنكب) دليلنا الآية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قطع اليد من مفصل الكوع فكان فعله بيانا للآية، لان المنفعة المقصودة باليد الاخذ والدفع يحصل بالكف فوجبت الدية فيه، وإن جنى على كفه فشلت وجبت عليه ديتها لانه قد أذهب منفعتها فهو كما لو قطعها، وكما لو أعمى عينيه مع بقائها أو أخرس لسانه.
قال الشوكاني (والحد الموجب للدية من الكوع) كما حكاه صاحب البحر عن العترة وأبى حنيفة والشافعي، فإن قطعت اليد من المنكب أو الرجل من الركبة ففى كل واحدة منهما نصف دية وحكومه عند أبى حنيفه ومحمد والقاسمية والمؤيد بالله.
اه (فرع)
ويجب في كل أصبع عشر من الابل ولا تفضل أصبع على أصبع، وبه قال على وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت رضى الله عنهم، وعن عمر روايتان، إحداهما مثل قولنا، والثانية يجب في الخنصر ست من الابل، وفى البنصر تسع، وفى الوسطى عشرة وفى السبابة اثنا عشر وفى الابهام ثلاثة عشر فقسم دية اليد على الاصابع.
دليلنا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى في كل أصبع مما هناك من اليد والرجل عشر
من الابل وقيل إن عمر رضى الله عنه وأرضاه لما وجد هذا في الكتاب عند
آل حزم رجع عن التفصيل.
وروى أن ابن عباس كان يقول في كل أصبع عشر من الابل، فوجه إليه مروان وقال له أما سمعت قول عمر رضى الله عنه؟ فقال ابن عباس قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولى من قول عمر، وأن الدية إذا وجبت بعدد قسمت عليه على عدده لا على منافعه كاليدين والرجلين، ويجب في كل أنملة من الاصابع ثلث دية الاصبع، إلا الابهام فإنه يجب في كل أنملة منها نصف دية الاصبع، وهو قول زيد بن ثابت.
وحكى عن مالك أنه قال (للابهام أيضا ثلاث أنامل إحداهن باطنة) دليلنا أن كل أصبع لها أنملة باطنة ولا اعتبار بها، وانما الاعتبار بالانامل الظاهرة، ووجدنا لكل أصبع غير الابهام ثلاث أنامل وللابهام أنملتين فقسمت الدية عليهما وإن جنى على أصبع فشلت أو على أنملة فشلت وجب عليه ديتها، لانه أذهب منفعتها فهو كما لو قطعها.
(فرع)
إذا كان له كفان على كوع أو يدان على مرفق أو منكب، فإن لم يبطش بواحدة منهما فهما كاليد الشلاء فلا يجب فيمهما قود ولا دية، وإنما يجب فيهما الحكومة، وان كان يبطش بإحداهما دون الاخرى فالباطشة هي الاصليه والاخرى زائدة، سواء كانت الباطشه على مستوى الذراع أو منحرفه عن سمت الذراع، لان الله تعالى جعل البطش في اليد كما جعل البول في الذكر، فاستدل بالبطش على الاصليه كما يستدل على الخنثى بالبول، وان كان يبطش بهما إلا أن إحداهما أكثر من الاخرى، فالتى هي أكثر بطشا هي الاصليه والاخرى خلقة زائدة، وعلى قول ابن حامد من أصحاب أحمد لا شئ فيها، لانها عيب، فهى كالسلعة في اليد.
أما إذا كانت احداهما على مستوى الخلقه والاخرى زائدة عن الاستواء
فالمستوية هي الاصلية، والزائلة هي الزائدة، وان كاننا على مستوى الخلقة، فإن كانت احداهما لها خمس أصابع وللاخرى أربع اصابع فالاصليه هي كامله الاصابع والاخرى زائدة، فإن استويا في ذلك كله الا أن في احداهما أصبعا
زائدة لم يحكم بكونها بذلك، لان الاصبع الزائدة قد تكون في اليد الاصلية وفى الزائدة حكمنا أن إحداهما أصلية والاخرى زائدة أو جبنا في الاصلية القود والدية الكاملة وفى الآخر الحكومة، وإن تساويا ولم يعلم الزائدة منهما من الاصلية.
قال الشافعي رحمه الله: فهما أكثر من يد وأقل من يدين، فإن قطعهما قاطع قطعت يده، ووجب عليه مع القصاص حكومة للزيادة، وإن عفا عن القصاص أو كانت الجناية خطأ وجب على الجاني دية وزيادة حكومة، وإن قطع قاطع إحداهما لم يجب عليه القصاص لانه ليس له مثلها، ولكن يجب عليه نصف دية يد وحكومة، وإن قطع أصبعا من إحداهما وجب عليه نصف دية أصبع وحكومة، وان قطع أنملة منهما وجب عليه نصف دية أنملة وحكومة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجب في الرجلين الدية لِمَا رَوَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (في الرجلين الدية) ويجب في احداهما نصف الدية لما روى عمرو بن حزم (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (في الرجل نصف الدية) والرجل التى يجب في قطعها نصف الدية القدم، فإن قطع من الساق أو من الركبة أو من بعض الفخذ من أصل الفخذ وجبت الدية في القدم، ووجبت الحكومة فيما زاد، لما ذكرناه في اليد، ويجب في كل أصبع من أصابع الرجل عشر الدية لما ذكرناه في اليد من حيث عمرو بن حزم، ويجب في كل أنملة من غير الابهام ثلث دية الاصبع، وفى كل أنملة من الابهام نصف دية الاصبع لما ذكرناه في اليد.
(فصل) ويجب في قدم الاعرج ويد الاعسم إذا كانتا سليمتين الديه، لان العرج انما يكون من قصر احدى الساقين، وذلك ليس بنقص في القدم، والعسم لقصر العضد أو الذراع أو اعوجاج الرسغ، وذلك ليس بنقص في الكف، فلم يمنع كمال الدية في القدم، والكف كذكر الخصى وأذن الاصم وأنف الاخشم.
(فصل) إذا كسر الساعد فجبره مجبر أو خلع كفه فاعوجت ثم جبرها فجبرت وعادت مستقيمه، وجبت الحكومه، لانه حصل به نقص، وان لم تعد إلى
ما كانت، كانت الحكومه أكثر لان النقص أكثر فإن قال الجاني أنا أعيد خلعها وأعيدها مستقيمه منع من ذلك لانه استئناف جنايه أخرى فإن كابره وخلعه فعاد مستقيما وجب عليه بهذا الخلع حكومة، ولا يسقط ما وجب من الحكومه الاولى لانها حكومه استقرت بالجناية، وما حصل من الاستقامة حصل بمعنى آخر، فلم يسقط ما وجب، ويخالف إذا جنى على العين فذهب الضوء ثم عاد، لانا نتيقن أن الضوء لم يذهب
(فصل)
وان كان لرجل كفان من ذراع، فإن لم يبطش بواحد منهما، لم يجب فيهما قود ولا دية، لان منافعهما قد بطلت فصارا كاليد الشلاء، ويجب فيهما حكومه، لان فيهما جمالا، وان كان أحدهما يبطش دون الآخر فالذي يبطش به هو الاصلى فيجب فيه القود أو الدية، والآخر خلقة زائدة ويجب فيها الحكومه، وان كان أحدهما أكثر بطشا كان الاصلى هو أكثرهما بطشا سواء كان الباطش على مستوى الذراع أو منحرفا عنه، لان الله تعالى جعل البطش في الاصلى فوجب أن يرجع في الاستدلال عليه إليه، كما يرجع في الخنثى إلى بوله.
وان استويا في البطش فإن كان أحدهما على مستوى الذراع والاخر
منحرفا عن مستوى الذراع فالأصلي هو الذى على مستوى الذراع فيجب فيه القود أو الديه، ويجب في الآخر الحكومه، فإن استويا في ذلك فإن كان أحدهما تام الاصابع والآخر ناقص الاصابع فالأصلي هو التام الاصابع، فيجب فيه القود أو الديه، والآخر خلقة زائدة ويجب فيها الحكومه، وان استويا في تمام الاصابع الا أن في أحدهما زيادة أصبع لم ترجح الزيادة، ولانه قد يكون الاصبع الزائدة في غير اليد الاصلية، فإذا استويا في الدلائل فهما يد واحدة، فإن قطعهما قاطع وجب عليه القود أو الديه، ووجب عليه للزيادة حكومه، فان قطع احداهما لم يجب القود لعدم المماثلة، وعليه نصف ديه يد وزيادة حكومه لانها نصف يد زائدة.
وان قطع أصبعا من احداهما فعليه نصف دية أصبع وزيادة حكومه لانها نصف أصبع زائدة.
وان قطع أنملة أصبع من احداهما وجب عليه نصف دية أنملة وزيادة حكومه، لانها نصف أنملة زائدة
(الشرح) قوله (الاعسم) العسم في الكف والقدم، بابه تعب يبس مفصل الرسغ حتى تعوج الكف والقدم، والرجل أعسم والمرأة عسماء، عسم عسماء من باب ضرب طمع في الشئ.
وقوله (خلع كفه) أي فكها من معصمها فاسترخت فلا يطيق رفعها، وقد شلت يده تشل بفتح الشين فيهما إذا يبست وقيل إذا استرخت، ولا تشلل بفتح التاء واللام إذا دعا لك بالسلامة من الشلل.
قال الشاعر فلا تشلل يد فتكت بعمرو
- فإنك لن تذل ولن قضاما إذا ثبت هذا فإنه يجب في الرجلين الدية وفى إحداهما نصف الدية لما ذكرناه من حديث معاذ وحديث عمرو بن حزم، وهو قول عمر وعلى ولا مخالف لهما في الصحابة، والرجل التى يجب بقطعها الدية هي القدم، فإن قطعها من نصف
الساق أو من الركبة أو من الورك وجب الدية في القدم والحكومة فيما زاد لما ذكرناه في اليد، ويجب في كل أصبع منها وفى كل أنملة ما يجب في أصابع اليد وأناملها لما ذكرناه في اليد.
فإن خلق له قدمان على كعب واحد أو ساقان على ركبة أو ركبتان على فخذ فالحكم فيه كالحكم فيمن خلق له كفان على مفصل، إلا أن الشافعي رضى الله عنه قال ها هنا (إذا كان إحدى القدمين أطول من الاخرى وكان يمشى على الطويلة فالظاهر أن الاصلية هي الطويلة التى يمشى عليها، فإن قطع قاطع القدم الطويلة لم يجب على القاطع في الحال الدية، بل ينظر في المقطوع فإن لم يمش على القصيرة أو مشى عليها مشيا ضعيفا وجبت الدية في الطويلة، لاننا علمنا أن الاصلية هي الطويلة، والقصيرة زائدة فيجب على قاطعها الحكومة وإن مشى على القصيرة مشى العادة وجب على قاطع الطويله الحكومة، لانا علمنا أن الاصل هو القصر، وإنما منعه المشى عليها الطويله.
وان قطع قاطع القصيرة وجبت عليه الدية، فان جنى رجل على الطويله فشلت وجبت عليه الدية لانها هي الاصلية في الظاهر فان قطعها قاطع بعد الشلل وجبت عليه الحكومة ثم ينظر فيه فان لم يمش على القصيرة أو مشى عليها مشيا ضعيفا فقد علمنا أن الاصلية هي الطويله، واستقر ما أخذه، وإن مشى على القصيرة مشى العادة
علمنا أن القصيرة هي الاصلية، فيجب عليه أن يرد على الجاني الاول على الطويله ما زاد على الحكومه الا الديه، وان قطع قاطع القصيرة ك ان عليه الديه.
(فرع)
قال الشافعي رضى الله عنه (وفى يد الاعسم ورجل الاعرج إذا انتا سالمتين الديه) وهذا صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم (في اليد خمسون من الابل وفى الرجل خمسون من الابل) ولم يفرق، ولان العرج انما يكون لقصر
الساق أو لمرض فيه أو في غيره من الرجل والقدم سالم بنفسه فلم تنقص دية القدم لذلك، وأما الاعسم فاختلف أصحابنا فيه، فقال الشيخ أبو حامد هو الاعسر وهو الذى بطشه بيساره أكثر.
وقال ابن الصباغ الاعسم هو الذى يكون في رسغه مثل اعوجاج، والرسغ طرف الذراع مما بلى الكوع، وهو ظاهر كلام الشيخ أبى اسحاق.
(فرع)
ولا يفضل يمين عن يسار في الديه، لقوله صلى الله عليه وسلم (في اليد خمسون من الابل وفى الرجل خمسون من الابل) ولم يفرق، وان وجبت عليه الحكومه أكثرل مما لو عادت مستقيمه وجبت عليه حكومه للشين، وان عادت غير مستقيمه وجبت عليه الحكومه أكثر مما لو عادت مستقيمه، لانه أحدث بها نقص.
فان قال الجاني أنا أكسرها وأجبرها فتعود مستقيمه لم يجب رد الحكومه الاولة إليه، لانها استقرت عليه بالانجبار الاول، قال الشيخان أبو حامد وأبو إسحاق يجب عليه للكسر الثاني.
وقال ابن الصباغ فيه وجان كالجناية إذا اندملت ولم يكن لها شين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجب في الاليتين الديه، لان فيهما جمالا كاملا ومنفعة كامله فوجب فيهما الدية كاليدين، ويجب في احداهما نصف الديه، لان ما وجبت الديه في اثنين منه وجب نصفها في أحدهما كاليدين، وان قطع بعضها وجب فيه من الدية بقدره، وان جهل قدره وجبت فيه الحكومه (فصل) وان كسر صلبه انتظر، فان جبر وعاد إلى حالته لزمته حكومة
الكسر، وان احدودب لزمه حكومة للشين الذى حصل به، وإن ضعف مشيه أو احتاج إلى عصا لزمته حكومة لنقصان مشيه، وإن عجز عن المشى وجبت عليه الدية، لما روى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال (مضت السنة أن في الصلب الديه، وفى اللسان الديه، وفى الذكر الذيه، وفى الانثيين الديه) ولانه أبطل عليه متفعة مقصودة فوجبت عليه الديه وإن كسر صلبه وعجز عن الوطئ وجبت عليه الديه، لانه أبطل عليه منفعة مقصودة، وإن ذهب مشيه وجماعه ففيه وجهان (أحدهما) لا تلزمه الا دية واحدة لانهما منفعتا عضو واحد (والثانى) يلزمه ديتان، وهو ظاهر النص، لانه يجب في كل واحد منهما الدية عند الانفراد فوجبت فيهما ديتان عند الاجتماع، كما لو قطع أذنيه فذهب سمعه أو قطع أنفه فذهب شمه.
(فصل)
ويجب في الذكر الدية لِمَا رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب مع عمرو بن حزم إلى اليمن وفى الذكر الديه) ويجب ذلك في ذكر الشيخ والطفل والخصى والعنين، لان العضو في نفسه سليم، ولا تجب في ذكر أشل لانه بطلت منفعته فلم تكمل ديته، ويجب فيه الحكومة لانه أتلف عليه جماله، وان جنى على ذكره فشل وجبت ديته، لان المقصود بالعضو هو المنفعة فوجب في اتلاف منفعته ما وجب في اتلافه.
وان قطع الحشفة وجبت الديه لان منفعة الذكر تكمل بالحشفة كما تكمل منفعة الكف بالاصابع، فكملت الدية بقطعها، ان قطع الحشفة وجاء آخر فقطع الباقي وجبت فيه حكومة، كما لو قطع الاصابع، وجاء آخر وقطع الكف، وان قطع بعض الحشفة وجب عليه من الدية بقسطها، وهل تتقسط على الحشفة وحدها أو على جميع الذكر؟ فيه قولان
(أحدهما)
تقسط على الحشفة، لان الدية تكل بقطعها فقسطت عليها
كدية الاصابع.
(والثانى) يقسط على الجميع، لان الذكر هو الجميع فقسطت الديه على الجميع.
(فصل)
ويجب في الانثيين الدية لِمَا رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم وفى الانثيين الدية) ويجب في أحدهما نصف الدية، لان ما وجب في اثنين منه الدية وجبت في أحدهما نصفها كاليد.
(الشرح) قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون في الاليتين الدية، وفى كل واحدة منهما نصفها، منهم عمرو بن شعيب والنخعي والشافعي وأحمد وأصحاب الرأى اه ولانهما عضوان من جنس فيهما جمال ظاهر ومنفعة كاملة، فإنه يحلس عليهما كوسادتين فوجب فيهما الدية، وفى إحداهما نصفها كاليدين.
والاليتان هما ما علا أشرف من الظهر عن استواء الفخذين وفيهما الديه إذا أخذتا إلى العظم الذى تحتهما، وفى ذهاب بعضهما بقدره، لان ما وجبت الدية فيه وجب في بعضه بقدره، فإن جهل المقدار وجبت حكومة لانه نقص لم يعرف قدره، ولافرق بين اليتى الرجل والمرأة في ذلك، وان كان الانتفاع باليتى المرأة أكثر، لان الدية لا تختلف بالمنفعة كما قلنا في اليمين واليسار (مسألة) إذا كسر صلبه 1 فأذهب مشيه وجبت فيه الدية لما روى في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم (وفى الصلب الديه) وعن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أن في الصلب الدية وهذا ينصرف إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا قال القاضى من الحابلة، وقال أحمد وأكثر أصحابه ومنهم ابن قدامة (إذا كسر الصلب فلم ينجبر الدية ولو لم يذهب مشيه أو جماعه، وبهذا قال زيد بن ثابت وعطاء والحسن والزهرى ومالك قالوا إذا ذهب
مشيه أو جماعه بسبب كسر صلبه ففيه دية أخرى غير دية الصلب، وظاهر رواية أحمد رواها عنه ابنه عبد الله أنه ان ذهب مشيه وجماعه وجبت ديتان، لانهما
منفعتان تجب الدية بذهاب كل واحدة منهما منفردة، فإذا اجتمعتا وجبت ديتان كالسمع والبصر.
ولا أن الدية تجب إذا ذهب مشيه، ولان المشى منفعة جليلة فأشبه السمع والبصر، وإن لم يذهب المشى ولكن احتاج في مشيه إلى عكازة وجب فيه حكومه، وان لم يحتج إلى عكازة ولكنه يمشى مشيا ضعيفا وجبت عليه حكومة أقل من الحكومة الاولة، وان عاد مشيه كما كان إلا أن ظهره احدب لزمته حكومة للشين الحاصل بذلك، فإذا كسر صلبه فذهب جماعه وجبت عليه الديه، لانه روى ذلك عن أبى بكر وعمر وعلى رضى الله عنهم ولا تخالف لهم، ولانه منفعة جليلة فشابه السمع والبصر وان كسر صلبه فذهب ماؤه فقد قال القاضى أبو الطيب الذى يقتضى المذهب أنه تجب فيه الدية، وهو قول مجاهد لانه منفعة مقصودة فوجب في ذهابه الدية كالجماع وان كسر صلبه فذهب مشيه وجماعه ففيه وجهان
(أحدهما)
لا يجب عليه الا ديه واحدة لانهما منفعتا عضو واحد
(والثانى)
يجب عليه ديتان وهو المنصوص، لانهما منفعتان يجب في كل واحدة منهما الدية عند الانفراد فوجب في كل واحدة منهما دية عند الاجتماع كالسمع والبصر.
وقال ابن قدامة (وان أذهب ماءه دون جماعه احتمل وجوب الدية، وهذا يروى عن مجاهد، وهذا كما قلنا هو مقتضى النص لانه ذهب بمنفعة مقصودة فوجبت الديه.
(فرع)
وفى الذكر الديه لما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن (وفى الذكر الدية) وهو اجماع أهل العلم، ولان فيه منفعه وجمالا فوجبت فيه الديه، وسواء قطع ذكر صبى أو شيخ أو شاب أو خصى أو عنين لعموم الخبر، واختلفت الرواية عن أحمد في العنين على روايتين (احداهما) تجب فيه الديه لذلك (والثانيه) لا تكمل ديته، وهو مذهب قتادة، لان منفعته الانزال والاحبال والجماع، وقد عدم ذلك منه في حال الكمال فلم تكمل ديته كالاشل، وبهذا فارق ذكر الصبى.
وكذلك اختلفت الرواية عن أحمد على روايتين (إحداهما) وهو مذهبنا،
وبه قال ابن المنذر: فيه دية كاملة، للخبر، ولان منفعة الذكر الجماع، وهو باق فيه (والثانية) لا تجب فيه، وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأى وقتادة وإسحاق لما ذكرنا في ذكرا لعنين، ولان المقصود منه تحصيل النسل ولا يوجد ذلك منه فلم تكمل ديته كالاشل، والجماع يذهب في الغالب.
واستدلوا على ذلك بالبهائم يذهب جماعها بخصائها، والفرق بين ذكر العنين وذكر الخصى أن الجماع في ذكر العنين أبعد منه في ذكر الخصى، واليأس من الانزال متحقق في ذكر الخصى دون ذكر العنين، فعلى قولهم لا تكمل الدية في ذكر الخصى إن قطع الذكر والانثيين دفعة واحدة.
أو قطع الذكر ثم قطع الانثيين لزمته ديتان فإن قطع الانثيين ثم قطع الذكر لم تلزمه إلا دية واحدة في الانثيين، وفى الذكر حكومة لانه ذكر خصى، وأفاد ابن قدامة عن القاضى أن أحمد نص على هذا.
(فرع)
إذا جنى رجل فقطع الحشفة والقضيب فقال أصحابنا البغداديون يجب فيه دية، ولا يفرد القضيب بالحكومة، لان اسم الذكر يقع على الجميع، فهو كما لو قطع يده من مفصل الكوع.
وقال الخراسانيون هل يفرد القضيب بالحكومة؟ فيه وجهان، وكذلك عندهم إذا قطع المارن مع القصبة أو قلع السن مع السنخ فهل يفرد القصبة عن المارن؟ والسنخ عن السن بالحكومة؟ فيه وجهان وإن قطع بعض الحشفة ففيه قولان:
(أحدهما)
ينظر كم قدر تلك القطعة من الحشفة نفهسا؟ فيجب فيها من الدية بقدرها من الحشفة، لان الدية تجب بقطع الحشفة وحدها
(والثانى)
ينظر كم قدر تلك القطعة من جميع الذكر، ويجب فيها من دية الذكر بقدرها، لانه أو قطع جميع الذكر لوجبت فيه الدية، فإذا قطع بعضه اعتبر المقطوع منه، فإن قطع رجل قطعة مما دن الحشفة، والحشفة باقية، قال الشافعي رضى الله عنه نظر فيه فإن كان البول يخرج على ما كان عليه، وجب بقدر تلك القطعة من جميع الذكر من الدية.
وان كان البول يخرج من موضع القطع وجب عليه أكثر الامرين من حصة القطعة من جيمع الذكر أو الحكومة وإن جرح ذكره فاندمل ولم يشل، فادعى المجني عليه أنه لا يقدر على الجماع لم
تجب الدية وانما تجب الحكومة، لان الجماع لا يذهب مع سلامة العضو، فإذا لم يقدر عليه كان ذلك لعلة أخرى في غير الذكر فلا يلزم الجاني دية الجماع، وإن جرح ذكره وطالت الجراحة إلى جوف الذكر لم تجب أرش الجائفة وإنما تجب فيه الحكومة، ولانه وإن كان له جوف، إلا أنه جوف لا يخاف من الوصول إليه التلف
قوله (ويجب في الانثيين الدية) وهذا صحيح لما رويناه من كتاب عمرو بن حزم في أول الباب.
وروى ذلك عن على وعمر وزيد بن ثابت.
والانثيان معناهما معنى البيضتين، أفاده في القاموس وذكر الشوكاني نقلا عن الغيث أن الانثيين هما الجلدتان المحيطتان بالبيضتين وفيه نظر لان كتب اللغة على خلاف ذلك.
وفى اللسان والانثيان الخصيتان، وهما أيضا الاذنان يمانية، وأنشد الازهرى لذى الرمة وكنا إذا القيسي نب عتوده
- ضربناه فوق الانثيين على الكرد وقال ابن سيده في المخصص، وقول الفرزدق وكنا إذا الجار صعر خده
- ضربناه تحت الانثيين على الكرد وقوله (مضت السنة الخ) قال الشافعي فيما أخرجه البيهقى عنه (ان قول سعيد من السنة يشبه أن يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن عامة أصحابه) ثم قال (وقد كنا نقول أنه على هذا المعنى ثم وقفت عنه) وأسأل الله الخير، لانا قد نجد منهم من يقول السنة، ثم لا نجد لقوله السنة نفاذا أنها عن النبي صلى الله عليه وسلم والقياس أولى بنا فيها، وقال الشوكاني، وعلى تسليم أن قوله (من السنة) يدل على الرفع فهو مرسل.
إذا ثبت هذا فإن الجمهور على أن فيهما الدية لما فيهما من جمال ومنفعة فهما كاليدين، وفى كل واحدة منهما نصف الدية.
وقال ابن المسيب في اليسرى ثلثى الدية لان النسل منها وفى اليمنى ثلث الديه.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم (وفى الانثيين الديه) وظاهر هذا أن الديه مقسطه عليهما بالسويه وقوله ان النسل من اليسرى لم يصح.
وروى هذا في كتب العترة عن على ولم يثبت عندنا، وقد روى عن عمرو بن شعيب قوله عجبت لمن يقول ان النسل
من اليسرى كان لى غنيمات وأخصيتها فألقحت وإن صح فإن العضو لا تفضل ديته بزيادة المنفعة، كما لا تفضل اليد اليمنى على اليسرى، وكما لا يفضل الابهام على الخنصر في الدية.
(فرع)
وإن قطع الذكر والانثيين معا أو قطع الذكر ثم الانثيين وجبت عليه ديتان بلا خلاف، وإن قطع الانثيين ثم قطع الذكر بعدهما وجب عليه ديتان عندنا.
وقال أبو حنيفة تجب عليه دية الانثيين وحكومة في الذكر، لانه بقطع الانثيين قد ذهبت منفعة الذكر، لان استيلاده قد انقطع، دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم (وفى الذكر الدية) ولم يفرق، ولان كل عضوين لو قطعا معا وجبت فيهما ديتان، فإذا قطع إحداهما بعد الاخرى وجبت فيهما ديتان، كما لو قطع الذكر ثم الانثيين، وما قاله لا نسلمه، لان منفعة الذكر باقية لانه يولجه، فأما الماء فإن محله في الظهر لا في الذكر وقد قيل انه بقطع الانثيين لا ينقطع الماء، وانما يرق فلا ينعقد منه الولد
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(فصل)
وما اشترك فيه الرجل والمرأة من الجروح والاعضاء ففيه قولان قال في القديم: تساوى المرأة الرجل إلى ثلث الديه، فإذا زادت على ذلك كانت المرأة على النصف من الرجل، لما روى نافع عن ابن عمر أنه قال (تستوى دية الرجل والمرأة إلى ثلث الديه ويختلفان فيما سوى ذلك) وقال في الجديد هي على النصف من الرجل في جميع الاروش، وهو الصحيح لانهما شخصان مختلفان في دية النفس فاختلفا في أروش الجنايات كالمسلم والكافر ولانه جناية يجب فيها أرش مقدر فكانت المرأة على النصف من الرجل في أرشها كقطع اليد والرجل، وقول ابن عمر يعارضه قول على كرم الله وجهه (في جراحات الرجال والنساء سواء على النصف يما قل أو كثر
(فصل) ويجب في ثديى المرأة الديه لان فيهما جمالا ومنفعه فوجب فيهما الديه كاليدين والرجلين، ويجب في إحداهما نصف الديه لما ذكرناه في الانثيين وان جنى عليهما فشلنا وجبت عليه الديه، لان المقصود بالعضو هو المنفعة فكان
إتلاف منفعته كإتلافه، وإن كانتا ناهدين فاسترسلتا وجبت الحكومة، لانه نقص جمالهما، وان كان لها لبن فجنى عليهما فانقطع لبنها وجبت عليه الحكومة لانه قطع اللبن بجنايته، وإن جنى عليهما قبل أن ينزل لها لبن فولدت ولم ينزل لها لبن سئل أهل الخبرة فإن قارا لا ينقطع إلا بالجناية وجبت الحكومة.
وان قالوا قد ينقطع من غير جناية لم تجب الحكومة، لجوا أن يكون انقطاعه لغير الجناية فلا تجب الحكومة بالشك وتجب الدية في حلمتيهما، وهو رأس الثدى لان منفعة الثديين بالحلمتين لان الصبى بها يمص اللبن وبذها بهما تتعطل منفعة الثديين فوجب فيهما ما يجب في الثديين، كما يجب في الاصابع ما يجب في الكف.
وأما حلمتا الرجل فقد قال في موضع يجب فيه حكومة، وقال في موضع قد قيل إن فيهما الدية فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ
(أَحَدُهُمَا)
تجب فيهما الدية، أن ما وجبت فيه الدية من المرأة وجبت فيه الدية من الرجل كاليدين.
(والثانى)
وهو الصحيح أنه يجب فيهما الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فوجبت فيه الحكومة، ومنهم من قال يجب فيه الحكومة قولا واحدا.
وقوله قد قيل إن فيهما الدية حكاية عن غيره
(فصل)
ويجب في اسكتي المرأة وهما الشفران المحيطان بالفرج الدية لان فيهما جمالا ومنفعة في المباشرة، يجب في أحدهما نصف الدية لان كل ما وجب في اثنين منه الدية وجب في أحدهما نصفها كاليدين
(الشرح) قد ذكرنا أن دية نفس المرأة على النصف من دية الرجل، وأما ما دون النفس فاختلف الناس فيه فذهب الشافعي في الجديد إلى أن أرشها نصف أرش الرجل في جميع الجراحات والاعضاء، وبه قال على بن أبى طالب والليث ابن سعد وابن أبى ليلى وابن شبرمة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وقال في القديم: تساوى المرأة الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زاد الارش على ثلث الدية كانت على النصف من الرجل وبه قال ابن عرم وربيعة لما روى عن عمر وبن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى
يبلغ الثلث من ديته) رواه النسائي والدارقطني، وهو من رواية اسماعيل بن عياش عنه، وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة.
وقال في بداية المجتهد (إن الاشهر عن ابن مسعود وعثمان وشريح وجماعة أن دية جراحة المرأة مثل دية جراحة الرجل إلا الموضحة فإنها على النصف وحكى في البحر عن زيد بن ثابت وسليمان بن يسار أنهما يستويان إلى أن يباغ أرشها خمس عشرة من الابل.
وعن الحسن البصري يستويان إلى النصف ثم ينصف.
وحكى في الْبَيَانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (تساوى المرأة الرجل إلى ثلث الديه، فإذا بلغت إلى ثلث الديه كانت على النصف، وبه قال سيعدبن المسيب ومالك وأحمد واسحاق.
وروى أن ربيعة الرأى قال، قلت لابن المسيب كم في أصبع المرأة؟ قال عشر من الابل، قلت كم في أصبعين؟ قال عشرون، قلت كم في ثلاث أصابع؟ قال ثلاثون، قلت كم في أربع أصابع؟ قال عشرون من الابل، قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال سعيد أعراقي أنت؟ قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال هي السنه يا ابن أخى.
رواه مالك في الموطأ والبيهقي في سننه.
دليلنا حديث عمرو بن حزم (إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (دية المرأة عليا لنصف من دية الرجل ولم يرق بين القليل والكثير، ولانه جرح له أرش مقدر فوجب أن يكون في أرشه عن النصف من أرش الرجل أصله مع كل طائفه ما وافقتنا عليه، وأما حديث عمرو بن شعيب وابن المسيب فهما مرسلان قوله ويجب في ثديى المرأة الديه لان فيهما جمالا ومنفعه الخ وهذا صحيح، أما الجمال فظاهر، لانهما دليل على الانوثة وتوفر خصائض الاغراء وجذب الرجل نحوها.
وأما المنفعة فلان وظيفتهما تحقيق خصائص الامومه، إذ بهما يحيى الصبى فيلتهمهما ويلتقمهما فيدران لبنا يعيش وينمو به، ولان الديه إذا كانت واجبه في أذنها هي أقل جمالا ومنفعه من ثديها فلان تجب في الثدى أولى، ويجب في أحدهما نصف الديه لان كل اثنين وجبت الديه فيهما وجب في أحدهما نصفها كاليدين.
والثديان اللذان يجب فيهما لادية هما الحلمتان، وهما رأس الثدى اللذان يلتقمهما الصبى، لان الجمال والمنفعة يوجدان فيهما، فإن قطع قاطع الحلمتين ثم قطع آخر باقى الحملتين ثم قلع آخر باقى الثديين وجب على الاول الدية وعلى الثاني الحكومة كما لو قطع رجل الاصابع وقطع آخر بعده الكف، وقد أوهم المزني في الثديين بعد الحلمتين الدية حين قال وفى الثديين الديه وفى حلمتهما ديتان، وليس بشئ، وقد بينه في الام.
وإن قطع الحلمتين والثديين من أصلهما ففيه وجهان حكاهما المسعودي
(أحدهما)
يجب الدية في الحلمتين والحكومة في الثديين، كما لو قطع الحلمتين ثم قطع الثديين.
(والثانى)
وهو قول البغداديين من أصحابنا أنه لا يجب عليه إلادية، كما لو قلع السن مع سنخها.
(فرع)
قال الشافعي فإن قطع ثديها فأجافها فعليه نصف الديه للثدي وثلث دية للجائف، وإن قطع ثدييها وأجافها فعليه في الثديين كما الديه وفى الجائفتين ثلثا الديه، لان كل واحد منهما فيه دية مفردة إذا انفرد، فإذا اجتمعا وجب في كل واحد منهما ديته، كما لو قطع أذنه فذهب سمعه، وإن قطع ثديها وشيئا من جلد صدرها ففى الثدى الديه وفى الجلد الحكومه.
وإن جنى عليهما فشلا وجبت فيهما الديه، لان كل عضو وجبت الديه في قطعه وحبت في شلله.
وصورة ذلك أن يضرب الثدى ضربة يصل أثرها إلى الخلايا الداخلية للثدي فتحدث فيه أليافا تشل نموه كما تشل وظيفته عن إدرار اللبن، فإن لم يشلا ولكن استرخيا وكانا ناهدين أي مرتفعين وجبت فيهما الحكومه، لانه نقص جمالهما، وإن كان لهما لبن فجى عليهما فانقطع لبنهما أو نقص وجبت فيهما الحكومه، لانه نقص منفعتهما.
وان جنى عليهما قبل أن ينزل اللبن فلم ينزل في وقته فإن قال أهل الخبرة ان انقطاع اللبن لا يكون إلا من الجناية وجبت عليه الحكومه.
وان قالوا قد ينقطع من غير جنايه لم تجب الحكومه، لانه لا يعلم أن انقطاعه من الجناية.
(فرع)
وإن قطع حلمتي الرجل فقال الشافعي رضى الله عنه في موضع: فيهما
الحكومة، وقال في موضع: قد قيل إن فيهما الدية، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلَانِ
(أَحَدُهُمَا)
يجب فيهما الدية، لان كل عضو اشترك فيه الرجل والمرأة كانت الديه فيه تجب من المرأة تجب فيه من الرجل كاليدين والرجلين
(والثانى)
لا يجب فيهما الدية لانه لا منفعة فيهما من الرجل وإنما فيهما
جمال، ومنهم من قال لا يجب فيهما الدية قولا واحدا لما ذكرناه في أحد قوليه، وما ذكرناه من قوله الآخر فليس بقول له، وإنما حكى قول غيره.
(فرع)
وإن كان للخنثى المشكل ثديان كثدي المرأة فهل يكونان دليلا على أنوثبته؟ فيه وجهان قال أبو على الطبري: يكونان دليلا على أنوثيته لانهما لا يكونان إلا للمرأة.
وقال عامة أصحابنا: لا يكونان دليلا على أنوثيته لانهما قد يكونان للرجل، فإن قطعهما قاطع، فإن قلنا تجب الدية في ثدى الرجل وجبت ها هنا دية ثدى امرأة لانه اليقين، فان قلنا لا تجب الديه في ثدى الرجل لم يجب هاهنا إلا الحكومة وإن ضرب ثدى الخنثى وكان ناهدا فاسترسل ولم يجعله دليلا على أنوثيته.
قال القاضى أبو الفتوح لم يجب على الجاني حكومة، لانه ربما كان رجلا ولا جمال له فيهما، ولا يحلقه نقص باسترسالهما، فإن بان امرأة وجبت الحكومة.
وإن كان للخنثى لبن فضرب ضارب ثديه فانقطع لبنه، فإن قلنا بقول أبى على وجبت عليه الحكومه، وإن قلنا بقول عامة أصحابنا بنى على الوجهين في لبن الرجل، هل يحكم بطهارته ويثبت التحريم والحرمة بإرضاعه.
ويجوز بيعه ويضمن؟ فإن قلنا تثبت هذه الاحكام يجب ها هنا الحكومة وإن قلنا لا تثبت هذه الاحكام لم تجب هاهنا الحكومة، ولكن يعزر به الجاني إذا كان عامدا للتعدى.
(مسألة) قوله (اسكتي المرأة) الاسكة وزان سدرة سدرة وفتح الهمزة لغة قليلة جانب فرج المرأة وهما إسكتان الجمع إسك مثل سدر قال الازهرى: الاسكتان ناحيتا الفرج، والشفران طرفا الناحيتين، وأسكب المرأة بالبناء للمفعول أخطأتها الخافضة فأصابت غير موضع الختان فهى مأسوكة.
وقال الشافعي رضى الله عنه: وفى اسكتيها وهما شفراها إذا أو عبتا ديتهما قال في البيان وجملة ذلك أن الاسكتين وهما اللحمان المحيطان بالفرج كإحاطة
الشفتين بالفم يفرق الشافعي بين الاسكتين والشفرين