المجموع شرح المهذبصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الديات

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
النووي
الكتاب
المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي))
المؤلف
أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
الناشر
دار الفكر (طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

من طريق أبى عبيدة عن أبيه، يعنى عبد الله بن مسعود موقوفا، وقا هذا إسناد حسن، وضعف المرفوع من أوجه عديدة، ولعل المصنف قد تأثر بتضعيف الدارقطني للمرفوع وتحسينه للموقوف فاختاره شاهدا، ولكن البيهقى تعقب الدار قنى فاتهمه بالوهم وقال: والجواد قد يعثر.
قال وقد رأيته في جامع سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم عن عبد الله وعن ابن اسحاق عن علقمة عن عبد الله.
وعن عبد الرحمن بن مهدى عن يزيد بن هرون عن سليمان التيمى عن أبى مجلز عن أبى عبيدة عن عبد الله، ويؤيد المصنف أن دافع الحاف بن حجر عن الدارقطني، لانه كان يضعف الرواية المرفوعة لبعض عباراتها، كعبارة (بنو مخاص) فقال فانتفى أن يكون الدارقطني عثر، وقد تكلم الترمذي على حديث ابن مسعود فقال: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وقد روى عن عبد الله موقوفا.
وقال أبو بكر البزاز: وهذا الحديث لا نعلمه روى عن عبد الله مرفوعا إلا بهذا الاسناد.
وذكر الخطابي أن حشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث وعدل الشافعي عن القول به لهذه العلة، ولان فيه بنى مخاض ولا مدخل لبنى المخاض في شئ من أسنان الصدقات.
وأثر عثمان قال الشافعي: أخبرنا سفيان عن أبن أبى نجيح عن أبيه أن رجلا أوطأ امرأة بمكة فقضى فيها عثمان بثمانمائة ألف درهم وثلث.
وقد روى الجوزجانى باسناده عن أبى الزناد أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء فكان مما أحيا من لك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم أن ناسا كانوا يقولون: إن الدية تغلظ في الشهر الحرام أربعة آلاف فتكون سنة عشر ألف درهم، فألغى عمر رحمه الله ذلك بقول الفقهاء وأثبتها اثنى عشر ألف درهم في الشهر الحرام والبلد الحرام وغيرهما قال ابن المنذر: وليس بثابت ما روى عن الصحابة في هذا، ولو صح فقول عمر يخالفه، وقوله أولى من قول من خالفه، وهو أصح في الرواية مع موافقته الكتاب والسنة والقياس.
وسيأتى في شرح الاحكام الراجح من الخلاف ويؤخذ من كتاب عمر وبن حزم أن دية الحر المسلم مائة من الابل، وهو

إجماع، فإن كانت الدية في العمد المحض أو في شبه العمد وجبت مائة مغلظة وهى ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة (والخلفة الحامل) وبه قال عمر وعلى وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وعطاء ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: تجب أرباعا خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وقال أبو ثور (دية قتيل شبه العمد مخففة يجبر به الخطأ) دليلنا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يوم الفتح (ألا ان في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الابل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها) وَعَنْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (ألا ان في الدية العظمى مائة من الابل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها) قال في البيان، فإن قيل فما معنى قوله أربعون خلفة في بطونها أولادها؟ وقد علم أن الخلفة لا تكون إلا حاملا.
قلنا له تأويلان.
أحدهما أنه أراد التأكيد في الكلام وذلك جائز كقوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رجعتم تلك عشرة كاملة) (والثانى) أن الخلفة اسم للحامل التى لم تضع واسم للتى وضعت ويتبعها ولدها فأراد أن يميز بينها.
اه إذا ثبت هذا فهل تختص الخلفة بسن أم لا؟ فيه قولان (أحدهما) لا يختص بسن، بل إذا كانت حاملا فأى سن كانت جاز (والثانى) يختص بسن هو أن تكون ثلاثة فما فوقها لحديث عقبة بن أوس عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (أَلَا إنَّ في قتيل شبه العمد بالسوط والعصا مائة من الابل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ما بين الثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة، رواه أحمدو أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبخاري في تاريخه الكبير، ومراسيل الصحابة رضى الله عنهم حجة لانهم ثقات لا يتهمون (مسألة) إذا كانت الجناية خطأ ولم يكن القتل في المحرم ولا في الاشهر الحرم، ولكن المقتول ذو رحم محرم للقاتل، فإن الدية تكون مخففة أخماسا وهى مائة من الابل عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون

وعشرون حقة وعشرون جذعة، وبه قال من الصحابة ابن مسعود ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهرى ومن الفقهاء مالك وربيعة والليث والثوري.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، هي أخماس، إلا أنه يجب مكان بنى لبون عشرون ابن مخاض.
وروى عن عثمان وزيد بن ثابت أنهما قالا تجب من أربعة أنواع ثلاثين جذعة وثلاثين حقة وعشرين بنت لبون وعشرين بنت مخاض.
وقال الشعبى والحسن البصري تجب أرباعا خمسا وعشرين جذعة وخمسا وعشرين حقة وخمسا وعشرين بنت لبون وخمسا وعشرين بنت مخاض.
وروى مثل ذلك عن على رضى الله عنه دليلنا ما روى الحجاج عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بدية الخطأ مائة من الابل عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض، رواه أحمد وأبو داود النسائي والترمذي وابن ماجه وقد مضى الكلام فيه.
وقد روى موقوفا على ابن مسعود قال المنذرى بعد أن ذكر الخلاف فيه على الحجاج: والحجاج غير محتج به.
وكذا قال البيهقى، والصحيح أنه موقوف على عبد الله.
وروى عن سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ مائة من الابل عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة.
اما إذا كان قتل الخطأ في الحرم أو في الاشهر الحرم وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل كانت دية الخطأ مغلظة كدية العمد، فيجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وبه قال عمر رضى الله عنه فيما أخرجه البيهقى من طريق مجاهد عنه أن قضى فيمن قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو وهو محرم بالدية وثلث الدية، وهو منقطع وفى سنده ليث بن أبى سليم وهو ضعيف.
قال البيهقى: وروى عن عكرمة عن عمر ما يدل على التغليظ في الشهر الحرام وقال ابن المنذر: روينا عن عمر أنه قال فيمن قتل في الحرم أو قتل في الشهر الحرام أو قتل محرما فعليه الدية وثلث الدية وروى الشافعي والبيهقي من

طريق ابن أبى نجيح عن أبيه أن رجلا أوطأ امرأة بمكة فقتلها فقضى فهيا بثمانية آلاف درهم دية وثلثا.
وروى البيهقى وابن حزم عن ابن عباس منريق نافع بن جبير عنه قال: يزاد في دية المقتول في الاشهر الحرم أربعة آلاف، وفى دية المقتول في الحرم أربعة آلاف.
وروى ابن حزم في المحلى عن ابن عباس أن رجلا قتل في البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال إن ديته إثنا عشر ألفا وللشهر الحرام والبلد الحرام أربعة آلاف فكلها عشرون ألفا.
وإن قتل خا في حرم المدينة فهل يتغلظ؟ فيه وجهان (أحدهما) يتغلظ لانه كالحرم في تحريم الصيد، فكان كالحرم في تغليظ دية الخطأ (والثانى) لا تغلظ وهو الاصح لانه دن الحرم في الحرمة بدليل أنه يجمز قصده بغير إحرام فلم يلحق به في الحرمة تغليظ وإن قتل محرما خطأ فهل تغلظ ديته؟ فيه وجهان (أحدهما) تغلظ كما تغلظ في القتل بالحرم، وبه قال أحمد لان الاحرام يتعلق به ضمان الصيد فغلضت به الدية كالرحم (والثانى) لا تغلظ به لان الشرع ورد بتغليظ القتل في الحرم دون الاحرام بدليل ما روى أحمد في رواية الاثرم عَنْ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (إن أعدى الناس على الله عز وجل من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية، والاحرام لا يلحق الحرم في الحرمة إذا ثبت هذا فإن تغليظ دية الخطأ عندنا بالحرم أو في الاشهر الحرم أوإذا قتل ذارحم محرم إنما هو بأسنان الابل كما قلنا في دية العمد، ولا يجمع بين تغليظين.
وقال أحمد: يغلظ بثلث الدية، ويجمع بين تغليظين لما رويناه عن الصحابة رضى الله عنهم.
ولكن دليلنا على أنه لا يغلظ إلا بالاسنان أن ما أوجب التغليظ في دية القتل أوجبه بالاسنان كدية العمد، ودليلنا على أنه لا يجمع بين تغليظين أن ما أوجب التغليظ في أوجه الضمان إذا اجتمع سببان يقتضيان التغليظ لم يجمع بينهما كَمَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد، وأما ما روى عن الصحابة عن الصحابة أنهم قضوا بالدية وثلث الدية في ذلك وجمعوا بين تغليظين محمول على أنهم قضوا بدية مغلظة بالاسنان، إلا أنها قومت فبلغت

قيمتها دية وثلثا من دية مخففة، أو كانت الابل قد أعوزت فأوجبوا قيمة الابل فبلغت قيمتها ذلك.
(فرع) إذا قتل الصبى أو المجنون عمدا فإن قلنا ان عمدهما عمد وجب بقتلهما دية مغلظة، وان قلنا عمدهما خطأ وجب بقتلهما دية مخففة.
وإن كانت الجناية على ما دون النفس كان الحكم في التغليظ بديتها حكم دية النفس، قياسا على دية النفس.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وتجب الدية من الصنف الذى يملكه من تجب عليه الديه من القاتل أو العاقلة كما تجب الزكاة من الصنف الذى يملكه من تجب عليه الزكاة، وان كان عند بعض العاقلة من البخاتى وعند البعض من العراب أخذ من كل واحد منهم من الصنف الذى عنده، وان اجتمع في ملك كل واحد منهم صنفان ففيه وجهان (أحدهما) انه يؤخذ من الصنف الاكثر، فإن استويا دفع مما شاء منهما (والثانى) يؤخذ من كل صنف بقسطه بناء على القولين فيمن وجبت عليه الزكاة وما له أصناف وإن لم يكن عند من تجب عليه الدية إبل وجب من غالب إبل البلد، فإن لم يكن في البلد إبل وجب من غالب أقرب البلاد إليه، كما قلنا في زكاة الفطر.
وإن كانت إبل من تجب عليه الدية مراضا أو عجافا كلف أن يشترى إبلا صحاحا من الصنف الذى عنده لانه بدل متلف من غير جنسه فلا يؤخذ فيها معيب كقيمة الثوب المتلف، وان أراد الجاني دفع العوض عن الابل مع وجودها لم يجبر الولى على قبوله، وإن أراد الولى أخذ العوض عن الابل مع وجودها لم يجبر الانى على دفعه لان ما ضمن لحق الآدمى ببدل لم يجز الاجبار فيه على دفع العوض ولا على أخذه مع وجوده كذوات الامثال، وإن تراضيا على العوض جاز لانه بدل متلف فجاز أخذ العوض فيه بالتراضى كالبدل في سائر المتلفات (فصل) وان أعوزت الابل أو وجدت بأكثر من ثمن المثل ففيه قولان قال في القديم يجب ألف دينار أو إثنا عشر ألف درهم، لما روى عمرو بن حزم

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل اليمن في النفس مائة من الابل، وعلى أهل الذهب ألف مثفال، وعلى أهلا لورق إثنا عشر ألف درهمه.
وروى ابن عباس رضى الله عنه أن رجلا قتل عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته إثنى عشر ألفا، فعلى هذا إن كان في قتل يوجب التغليظ غلظ بثلث الدية، لما رويناه عن عمرو عثمان وابن عباس في تغليظ لدية للحرم، وقال في الجديد: تجب قيمة الابل بالغة ما بلغت، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قال: كانت قيمة الدية عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر رضى الله عنه فقام عمر خطيبا فقال (ألا إن الابل قد غلت قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل ا؟ رق اثنا عشر ألف درهم وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفى شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة) ولان ما ضمن بنوع من المال وتعذر وجبت قيمته كذوات الامتثال.
(الشرح) أثر عمر أخرجه أبو داود والبيهقي.
أما الاحكام فقد قال الشافعي رضى الله عنه: ولا أكلف أحدا من العاقلة غير إبله، ولا نقل منه دونها.
وجملة ذلك أنه قد مضى الكلام في قدر الدية وجنسها وأسنابها وأما نوعها فإن كان للعاقلة إبل وجبت عليهم من النوع الذى معهم من الابل، لان العاقلة تحمل الدية على طريق المواساة، فكان الواجب من النوع الذى يملكونه كما قلنا في الزكاة، بان طلب الولى أعلى مما مع العاقلة من النوع، وامتنعت العاقلة أو طلبت العاقلة أن يدفعوا من النوع دون النوع الذى معها وامتنع الولى لم يجبر الممتنع منهما كما قلنا في الزكاة، فان كان عند بعض العاقلة من البخاتى عند البعض من العراب أخذ من كل واحد من النوع الذى عنده كما قلنا في الزكاة أنه يجب على كل إنسان مما عنده من النوع، وان كان في ملك واحد منهم نوعان من الابل ففيه وجهان (أحدهما) يؤخذ منه من النوع الاكثر، فإن استويا دفع من أيهما شاء (والثانى) يؤخذ من كل نوع بقسطه باء على القولين في الزكاة إذا كان

عنده نوعان من جنس الماشية، وإن كانت إبلهم أو إبل بعضهم مراضا بجرب أو غيره أو مهزولة هزالا فاحشا لم يجبر الولى على قبولها، بل يكلف أن يسلم إبلا صحاحا من النوع الذى عنده لقوله صلى الله عليه وسلم (في النفس مائة من الابل) وإطلاق هذا يقتضى الصحيح فإن قيل هلا قلتم يجبر الولى على قبول ما عند من عليه الدية وإن كانت مراضا كما قلنا في الزكاة؟ قلنا الفرق بينهما أن الواجب في الزكاة هو واجب في غير المال الذى عنده أو في ذمته والمال مرتهن، فلذلك وجب مما عنده، وليس كذلك هاهنا فإن الواجب على كل واحد منهم هو من النقد في الذمة والمال غير مرتهن به، وإنما الابل عوض منه فلم يقبل منه إلا السليم، فإن لم يكن للعاقلة إبل فإن كان في البلد نتاج غالب وجب عليهم التسليم من ذلك النتاج، وان لم يكن في البلد إبل وجب من غالب نتاج أقرب بلد إليهم كما قلنا في زكاة الفطر (فرع) وإن أرادت العاقلة أن تدفع عوضا عن الابل مع وجودها لم يجبر الولى على قبولها، وكذلك ان طالب من له الدية عوض الابل لم تجبر العاقلة على دفعه، لان ما ضمن لحق الآدمى يبدل لم يجبر على غيره كذوات الامثال، فإن تراضيا على ذلك قال أصحابنا جاز ذلك لانه حق مستقر فجاز أخذ البدل عنه كبدل المتلفات، والذى يقتضى المذهب أن هذا إنما يجوز على القول الذى يجيز الصلح على إبل الدية وبيعها في الذمة (فرع) وإن كانت الدية تجب على الجاني بأن كانت الجناية عمدا أو خطأ ثبت بإقراره، فإن الواجب عليه من النوع الذى عنده قياسا على العاقلة، والحكم فيه إذا كان عنده نوعان، أو كانت إبله مراضا في أخذ العوض حكم الابل إذا كانت واجبة على العاقلة على ما مضى بيانه (مسألة) كثير من بلاد الاسلام لايعرف أهلها الابل ولم يروها، كالملايو وأندونيسيا والفلبين وفطانى 1 وبلاد أخرى لا توجد فيها الابل إلا بأثمان غالية

بأكثر من قيمتها ففيه قولان، قال في القديم يعدل إلى بدل مقدر، فيجب على أهل الذهب ألف مثقال وعلى أهل لورق اثنى عشر ألف درهم، وبه قال مالك وهى تبلغ نحو خمسة آلاف جنيه أو عشرة آلاف دولار تقريبا.
وقد روى عمرو ابن حرم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى في الدية بألف دينار أو إثنا عشر ألف درهم.
فعلى هذا تكون الدية ثلاثة أصول عند إعواز الابل وقال في الجديد تجب قيمة الابل من نقد البلد بالغة ما بلغت، لما روى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال: كانت قيمة الدية عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ثمانمائة دينار.
وروى ثمانية آلاف درهم، فكانت كذلك إلى أن استخلف عمر رضى انه عنه فقلت الابل، فصعد المنبر خطيبا وقال: ألا ان الابل قد غلت، ففرض الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم فموضع الدليل من الخبر أنه قال: كانت قيمة الدية عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كذا وكذا، فدل على أن الواجب هو الابل، ولان عمر رضى الله عنه قال: ألا ان الابل قد غلت وفرض عليه مألف دينار أو اثنى عشر ألف دذرهم فتعلق بغلاء الابل فدل على أن ذلك من طريق القيمة، لان ما وجبت قيمته اختلف بالزيادة والنقصان ولم يخالف أحد من الصحابة.
وما روى من الاخبار للاول فنحمله على أن ذلك من طريق القيمة، فعليه ذا لا يكون للدية إلا أصل واحد وهى الابل فإن كانت الدية مغلظة وأعوزت الابل فإن قلنا بقوله الجديد قومت مغلظة بثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة.
وان قلنا بقوله القديم ففيه وجهان حكاهما في العدة.

(أحدهما) تغلظ بثلث الدية، ولم يذكر المصف غيره لما ذكره عن عمر وعثمان وابن عباس رضى الله عنهم (والثانى) يسقط التغليظ، لان التغليظ عندنا إنما هو بالصفة في الاصل لا بالزيادة في العدد، وذلك انما يمكن في الابل دون النقد، ألا ترى أن العبد لما لم تجب فيه الا القيمة فيه التغليظ.
وما روى عن الصحابة رضى الله عنهم فقد ذكرنا أنه انما قيمة ما أوجبوه هذا مذهبنا وقال أبو حنيفة: الواجب في الدية ثلاثة أصول مائة من الابل أو ألف دينار

أو عشرة آلاف درهم فيجوز له أن يدفع أيها شاء مع وجود الابل ومع إعوازها وقال الثوري والحسن البصري وابن أبى ليلى وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل الدية خمسة أصول مائة من الابل أو ألف دينار أو إثنا عشر ألف درهم أو مائتا بقرة لحديث جابر (فَرَضَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدية على أهل الابل مائة من الابل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفى شاء، وعلى أهل الحلل مائتي حلة) رواه أبو داود بسند ضعيف وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه مثله من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.
والاصل الخامس مائتا حلة، وهى برود مكونة من قطعتين كالجبة والقفطان، أو العباءة والزبون، أو الجاكتة والبغطلون، فجميع الحال في كل قوم مؤلفة من ثوبين، الا أن أبا يوسف ومحمد يقولان: هو مخير بين الستة أيها شاء دفع مع وجود الابل ومع عدمها وعند الباقين لا يجوز العدول عن الابل مع وجودها، دليلنا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن يبين فيه الفرائض والسنن، وأن في النفس مائة من الابل، وحديث (ألا ان في قتيل العمد الخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الابل) قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسى ثلثا عشر دية المسلم، لما روى سعيد بن المسيب (أن عمر رضى الله عنه جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسى ثمانمائة درهم.
وأما الوثني إذا دخل بأمان وعقدت له هدنة فديته ثلثا عشر دية المسلم، لانه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه فكانت ديته ثلثى عشر دية المسلم كالمجوسي وأما من لم تبلغه الدعوة فإنه ان عرف الدين الذى كان متمسكا به وجبت فيه دية أهل دينه، وان لم يعرف وجبت فيه دية المجوسى، لانه متحقق وما زاد مشكوك فيه فلم يجب.
وقال أبو إسحاق: إن كان متمسكا بدين مبدل وجبت فيه دية أهل ذلك الدين

وإن كان متمسكا بدين لم يبدل وجبت فيه دية مسلم، لانه مولود على الفطرة، ولم يظهر منه عناد فكملت ديته كالمسلم، والمذهب الاول، لانه كافر فلم تكمل ديته كالذمي.
وإن قطع يد ذمى ثم أسلم ومات وجبت فيه دية مسلم، لان الاعتبار في الدية بحال استقرار الجناية، وهو في حال الاستقرار مسلم.
وإن جرح مسلم مرتدا فأسلم ومات من الجرح لم يضمن.
وقال الربيع: فيه قول آخر أنه يضمن، لان الجرح استقر وهو مسلم.
قال أصحابنا: هذا من كيس الربيع، والمذهب الاول، لان الجرح وجد فيما استحق إتلافه فلم يضمن سرايته، كما لو قطع الامام يد السارق فمات منه (فصل) ودية المرأة نصف دية الرجل، لانه روى ذلك عن عمر وعثمان وعلى وابن عباس وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهم (الشرح) خبر سعيد بن المسيب رواه الشافعي والدارقطني والبيهقي.
أما قوله روى ذلك عن عمر وعثمان وعلى الخ، فقد أخرج ابن أبى شيبة عن عمر قال (دية المرأة نصف دية الرجل) كما أخرج البيهقى عن على رضى الله عنه (دية المرأة على النصف من دية الرجل) وهو من رواية ابراهيم النخعي عنه، وفيه انقطاع، وأخرجه ابن أبى شيبة من طريق الشعبى عنه وأخرج البيهقى عن معاذ بن جبل عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (دية المرأة نصف دية الرجل) قال البيهقى إسناده لا يثبت مثله.
وقال في بداية المجتهد: إن الاشهر عن ابن معسود وعثمان وشريح وجماعة: أن دية جراحة المرأة مثل دية جراحة الرجل إلا الموضحة فإنها على النصف أما الاحكام فإن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، وبه قال عمر وعثمان رضى الله عنهما وابن المسيب وعطاء واسحاق.
وقال عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز ومالك: ديته نصف دية المسلم، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: عقل الكافر نصف دية المسلم) رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه، وصححه ابن الجارود.
وفى لفظ رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم

اليهود والنصارى، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والزهرى وزيد بن على والقاسمية (ديته كذية المسلم) وقال أحمد (ان قتله عمدا فديته مثل دية المسلم) دليلنا ما روى أبو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (كانت قيمة الدية عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهمه، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم.
قال، وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال إن إلابل قد غلت.
قال ففرضها عمر على أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفى شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
قال وترك دية أهل الذمة ليرفعها فيما رفع من الدية) فإذا كانت الدية ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم للمسلم والذمى على النصف من ذلك ثم زاد من قيمة الدية للمسلم من حيث لم يزدها لاهل الكتاب تبين لنا أن دية المسلم التى بلغت ألف دينار أو اثنى عشر ألف درهم مع باء دية الذمي أربعمائة دينار أو أربعة آلاف درهم، لانها لم ترفع فيما رفع من الدية.
نقول تبين لنا أن دية الذمي على الثلث من دية المسلم (فرع) دية المجوسى ثلثا عشر دية المسلم، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة ديته مثل دية المسلم.
وقال عمر بن عبد العزيز ديته مثل دية اليهودي والنصراني وهو نصف دية المسلم عنده دليلنا ما روى عن عمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم أنهم قالوا (دية المجوسى ثمانمائة درهم ثلثا عشر دية المسلم، فإذا كانت دية المسلم إثنا عشر ألف درهم فان ثلثى عشرها ثمانمائة، ولا مخالف لهم في الصحابة، فدل على أنه إجماع.
وأما عبدة الاوثان إذا كان بيننا وبينهم هدنة أو دخلوا الينا بأمان فلا يجوز قتلهم.
فمن قتل منهم وجبت فيه دية المجوسى لانه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه فكانت ديته كالمجوسي ثلثى عشر دية المسلم.
وأما الكافر الذى لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله حتى يعرف أن ها هنا رسولا يدعو إلى الله، فإن أسلم وإلا فتل، فإن قتله قاتل قبل أن تبلغه الدعوة وجبت فيه الدية وقال أبو حنيفة (لادية فيه) دليلنا أنه محقون الدم فوحبت فيه الدية كالذمي إذا ثبت هذا فاختلف أصحابنا في قدر ديته، فمنهم من قال تجب فيه دية المسلم، لانه مولود على الفطرة.
ومنهم من قال ان كان متمسكا بدين مبدل وجبت فيه

دية أهل ذلك الدين، مثل أن يكون متمسكا بدين من بدل من اليهودية والنصرانية وإن كان متمسكا بدين من لم يبدل منهم وجبت فيه دية مسلم لانه مسلم لم يظهر منه عناد.
ومن هم من قال تجب فيه دية المجوسى لانه يقين، وما زاد مشكوك فيه وهذا هو الاصح لان الشافعي رضى الله عنه قال هو كافر لا يحل قتله، وإذا كان كافرا وجبت فيه أقل دياتهم لانه اليقين.
وإن قطع يد ذمى ثم أسلم ثم مات من الجراحة وجبت فيه دية مسلم، لان الاعتبار بالدية حال الاستقرار.
وإن قطع مسلم يد..ثم أسلم ثم مات من الجراحة لم يضمن القاطع دية النفس ولا دية اليد.
وقال الربيع فيه قول آخر أنه يضمن دية اليد، والمذهب الاول لانه قطعه في حال لا يجب ضمانه، وما حكاه الربيع من تخريجه.
(مسألة) دية المرأة نصف دية الرجل، هذا قول العلماء كافة إلا الاصم وابن علية فإنهما قالا ديتها مثل دية الرجل.
دليلنا ما سقناه مِنْ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أهل اليمن وفيه (أن دية المرأة نصف دية الرجل) وما حكاه المصنف عن عمرو عثمان وعلى وابن مسعود وابن عمرو ابن عباس وزيد ابن ثابت أنهم قالوا (دية المرأة نصف دية الرجل) ولا مخالف لهم في الصحابة فدل على أنه إجماع، وإن قتل خنثى مشكلا وجبت فيه دية امرأة لِأَنَّهُ يَقِينٌ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يجب بالشك قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ودية الجنبين الحر غرة عبد أو أمة، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ دية جنينها غرة عبد أو أمة، فقال حمل ابن النابغة الهذلى كيف أغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل؟ ومثل ذلك يطل؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ من إخوان الكهان، من أجل سجعه) وإن ضرب بطن امرأة منتفخة البطن فزال الانتفاخ، أو بطن امرأة تجد حركة في بطهنها فسكنت الحركة، لم يجب عليه شئ لانه يمكن أن يكون ريحا

فانفشت فلم يجب الضمان مع الشك وإن ضرب بطن امرأة فألقت مضغة لم تظهر فيها صورة الآدمى فشهد أربع نسوة أن فيها صورة الآدمى وجبت فيها الغرة، لانهن يدركن من ذلك ما لا يدرك غيرهن، وإن ألقت مضغة لم تتصور فشهد أربع نسوة أنه خلق آدمى، ولو بقى لتصور، فعلى ما بيناه في كتاب عتق أم الولد وان ضرب بطن امرأة فألقت يدا أو رجلا أو غيرهما من أجزاء الآدمى وجبت عليه الغرة، لانا تيقنا أنه من حنين، والظاهر أنه تلف من جناية فوجب ضمانه وإن ألقت رأسين أو أربع أيد لم يجب أكثر من غرة، لانه يجوز أن يكون جنينا برأسين أو أربعة أيد، فلا يجب ضمان ما زاد على جنين بالشك وان ضرب بطنها فألقت جنينا فاستهل أو تنفس أو شرب اللبن ومات في الحال أو بقى متألما إلى ان مات، وجبت فيه دية كاملة وقال المزني أن ألقته لدون ستة أشهر ومات ضمنه بالغرة ولا يلزمه دية كاملة لانه لم يتم له حياة، وهذا خطأ، لانا تيقنا حياته، والظاهر أنه تلف من جنايته فوجب عليه دية كاملة، وإن ألقته حيا وجاء آخر وقتله فإن كان فيه حياة مستقرة كان الثاني هو القاتل في وجوب القصاص والدية الكاملة، والاول ضارب في وجوب التعزير وان قتله وليس فيه حياة مستقرة فالقاتل هو الاول، ولتزمه الدية، والثانى ضارب وليس بقاتل، لان جنايته لم تصادف حياة مستقرة، وان ضرب بطن امرأة فألقت جنينا وبقى زمانا سالما غير متألم ثم مات لم يضمنه، لان الظاهر أنه لم يمت من الضرب ولا يلزمه ضمانه.
وان ضربها فألقت جنينا فاختلخ ثم سكن وجبت فيه الغرة دون الدية، لانه يجوز أن يكون اختلاجه للحياة، ويجوز أن يكون بخروجه من مضيق، لان اللحم الطرى إذا حصل في مضيق انقبض، فإذا خرج منه اختلج، فلا تجب فيه الدية الكاملة بالشك (الشرح) حديث أبى هريرة أخرجه أحمد في مسنده، وكذا أخرجه البخاري في الفرائض عن قتيبة وفى الديات عن عبد الله بن يوسف ومسلم في الحدود والترمذي وفى الفرائض عن قتيبه، وأخرجه عن المغيرة بن شعبة مسلم في الديات عن

إسحاق بن ابراهيم، وعن محمد بن رافع وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، وعن عثمان بن أبى شيبة والترمذي فيه عن الحسن بن على والنسائي في القود عن على بن محمد بن على وعلى بن سعيد ومحمد بن قدامة ومحمد بن بشار وسويد بن نصر ومحمود ابن غيلان، وابن ماجه فيه عن على بن محمد.
وكذا أخرجه أحمد، وأخرجه عن ابن عباس أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه.
أما اللغات فإن الجنين سمى بذلك لانه استجن في البطن، أي استتر واختفى وهو وصف له ما دام في بطن أمه.
والجمع أجنة مثل دليل وأدلة، والغرة عبد أو أمة، والغرة عند العرب أنفس شئ يملك، وقوله ومثل ذلك يطل.
طل دم فلان مبنى للمجهول فلا يطالب، قال الشاعر: دماؤهم ليس لها طالب

  • مطلولة مثل دم العذرة قال أبو زيد: ولا يقال طل دم فلان بفتح الطاء.
    قال في الصحاح وأبو عبيدة والكسائي يقولانه.
    وقال أبو عبيدة فيه ثلاث لغات، طل بفتح الطاء وضمها، وأطل بزيادة الهمز المضمونة والطاء المكسورة، والكهان جمع كاهن الذى يدعى علم الغيب، والسجع هو الكلام المقفى.
    وفى رواية أحمد ومسلم وأبى داود والنسائي (سجع مثل سجع الاعراب) وقد استدل بذلك على ذم السجع ويوضح المراد قوله (أسجع الجاهلية وكهانتها) فظهر أن المذموم من السجع إنما هو ما كان من ذلك القبيل الذى يراد به إبطال شرع أو إثبات باطل أو كان متكلفا.
    وقد حكى النووي عن العلماء أن المكروه منه ما كان كذلك لا غيره، هكذا أفاده الشكوكانى في النيل.
    أما الاحكام فإذا ضرب ضارب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا حرا ففيه غرة عبد أو أمة لحديث المغيرة بن شعبة، وروى أن عمر رضى الله عنه قال (أذكر الله امرءا سمع من النبي في الجنين شيئا فقام حمل بن مالك فقال كنت بين جاريتين لى يعنى زوجتين فضربت إحداهما الاخرى بمسطح فقتلتها وما في جوفها فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والجنين الذى تجب فيه الدية هو أن يسقط جنينا بان فيه شئ من صورة

الآدمى إما يد أو رجل أو عين.
وكذلك إذا سقطت مضعة لم يتبين فيها عضو من أعضاء الآدمى، ولكن قال أربع نسوة من القوابل الثقات أو عالمان في الطب البشرى أو علم الا جنبة أن فيها تخطيطا لآدمي، إلا أنه خفى فتجب فيه الغرة لان هؤلاء يدركون ما لا يدركه غيرهم.
وان قلن اولا قالا لم يخطط إلى الان ولكنه مبتدأ خلى آدمى، ولو بقى لتخطط فهل تجب به الغرة والكفارة وتنقضي به العدة اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال في الجميع قولان، ومنهم من قال تنقضي به العدة ولا تجب به الغرة ولا الكفارة قولا واحدا، وقد مضى ذلك، وان قلن أو قالا هذه مضغة تصلح للآدمي ولغيره، ولا ندرى لو بقيت هل تتخطط أم لا؟ فلا تجب به الغرة ولا الكفارة ولا تنقضي به العدة، لان الاصل براءة الذمة من الضمان وثبوت العدة.
وان ألقت المرأة جنينين وجبت عليه غرتان، وان ألقت ثلاثة وجبت عليه ثلاث غرر، وان ألقت رأسين أو أربع أيد لم يجب فيه الا غرة، لانه قد يكون له جسد واحد ذا رأسين أو أربع أيد فلا يجب ضمان ما زاد على جنين بالشك (فرع) إذا ضرب بطن امرأة منتفخة البطن فزا الانتفاخ، أو بطن امرأة تجد حركة فسكنت الحركة لم يجب عليه شئ، وان ضرب بطن امرأة فماتت ولم يخرج الجنين لم يجب عليه ضمان الجنين وقال الزهري إذا سكنت الحركة التى تجد في بطنها وجب عليه ضمان الجنين دليلنا أنا انما نحكم بوجود الحمل في الظاهر، وانما نتحققه بالخروج، فإذا لم يخرج لم يتحقق أن هناك حملا بل يجوز أن يكون ريح فينفش فلا يلزمه الضمان بالشك وان ضرب بطن امرأة فماتت ثم خرج الجنين معها بعد موتها ضمن الام بديتها وضمن الجنين بالغرة.
وقال أبو حنيفة لا يضمن الجنين.
وَدَلِيلُنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى في الجنين بغرة عبدأو أمة، ولم يفرق بين أن يخرج قبل مرت أمه أو بعده، ولان كل حمل كل مضمونا إذا خرج قبل موت الام كان مضمونا إذا خرج بعد موتها كما لو ولدته حيا، وان ضرب بطنها فأخرج الجنين رأسه وماتت ولم يخرج

الباقي وجب عليه ضمان الجنين وقال مالك لا يجب عليه شئ دليلنا أن بظهور الرأس تحققنا أن هناك جنينا والظاهر أنه مات من ضربته فوجب عليه ضمانه.
(فرع) إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا فصرخ ثم مات عقيبه أو بقى متألما إلى أن مات وجبت فيه دية كاملة، سواء ولدته لستة أشهر أو لما دونها، فإن لم يصرخ ولكنه تنفس أو شرب اللبن أو علمت حياته بشئ من ذلك ثم مات عقيبه أو بقى متألما إلى أن مات وجبت فيه دية كاملة وقال المزني إن ولدته حيا لدون ستة أشهر لم يجب فيه دية كاملة، إنما يجب فيه الغرة لانه لا تتم له حياة لما دون ستة أشهر وقال مالك والزهرى (إذا لم يستهل بالصراخ لم تجب فيه الدية الكاملة وإنما تجب فيه الغرة) دليلنا أثنا قد تحققنا حياته فوجب فيه دية كاملة كما لو ولدته لستة أشهر عند المزني، وحما لو استهل صارخا عن مالك ولو ضرب بطنها فألقت جنينا وفيه حياة مستقرة ثم جاء آخر وقتله فالقاتل هو الثاني فيجب عليه القود إن كان مكافئا أو الدية الكامله.
وأما الاول فلا يجب عليه إلا التعزير بالضرب لا غير، لانه لم يمت من ضربه، وإن ضرب بطنها فألقت جنينا فلم يستهل ولا تنفس ولا تحرك حركة تدل على حياته ولكنه اختلج لم تجبفيه الدية الكاملة، وإنما تجب فيه الغرة، لان هذا الاختلاج لا يدل على حياته، لان اللحم إذا عصر ثم ترك اختلج، ويجوز أن يكون اختلاجه لخروجه من موضع ضيق.
وإن ضرب بطن امرأة فألقت يدا ثم أسقطت بعد ذلك جنينا ناقص يد نظرت فإن بقيت المرأة متألمة إلى أن أسقطت الجنين، فإن ألقته ميتا وجبت فيه الغرة ويدخل فيها اليد، لان الظاهر أن الضرب قاطع يده، وإن ألقته حيا ثم مات عقيب الوضع أو بقى متألما إلى أن مات ففيه دية كاملة، ويدخل فيها دية اليد، وإن خرج الجنين حيا وعاش لم يجب عليه في الجنين شئ ووجب عليه ضمان اليد فتعرض اليد على القوابل أو عالمين في الاجنة، فإن قلن أو قالا إنها من جملته لم تنفخ فهيا الروح وجبت فيها نصف الغرة، وان قلن أو قالا انها فارقت جملة تنفخ فيها الروح وجب فيها نصف دية كامله.
فأما إذا سقطت اليد ثم زال

ألم الضرب ثم ألقت الجنين ضمن اليد دون الجنين، لانه بمنزلة من قطع يد رجل ثم اندملت فإن خرج الجنين ميتا وجب في اليد ثم الغرة، وان خرج حيا ثم مات أو عاش عرضت اليد على القوابل أو عالمى أجنة فإن قلن أو قالا انها فارقت جملة لم ينفخ فيها الروح وجب فيها نصف الغرة، وان قلن أو قالا انها فارقت جمله ينفخ فيها الروح كان فيها نصف الدية، وان ضرب بطن امرأة فألقت يدا ثم ماتت الام ولم يخرج الباقي وجبت دية الام ووجبت في الجنين الغرة، لان الظاهر أنه جنى على الجنين فأبان يده ومات من ذلك.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ولا يقبل في الغرة ماله دون سبع سنين، لان الغرة هي الخيار، ومن له دون سبع سنين ليس من الخيار بل يحتاج إلى من يكفله، ولا يقبل الغلام بعد خمس عشرة سنة لانه لا يدخل على النساء، ولا الجارية بعد عشرين سنة لانها تتغير وتنقص قيمتها فلم تكن من الخيار ومن أصحابنا من قال يقبل ما لم يطعن في السن عبدا كان أو أمة، ولا يقبل إذا طعن في السن لانه يستغنى بنفسه قبل أن يطعن في السن، ولا يستغنى إذا طعن في السن، ولا يقبل فيه خصى وان كثرت قيمته، ولا معيب وان قل عيه؟ لانه ليس من الخيار، ولا يقبل الا ما يساوى نصف عشر الدية، لانه روى ذلك عن زيد بن ثابت رضى الله عنه، ولانه لا يمكن ايجاب دية كاملة لانه لم يكمل بالحياة، ولا يمكن اسقاط ضمانه لانه خلق بشر فضمن بأقل ما قدر به الارش وهو نصف عشر الدية، لانه قدر به ارش الموضحة ودية السن، ولا يجبر على قبول غير الغرة مع وجودها، كما لا يقبل في دية النفس غير الابل مع وجودها، فإن أعوزت الغرة وجب خمس من الابل، لان الابل هي أصل في الدية، فإن أعوزت وجبت قيمتها في أحد القولين، أو خمسون دينارا أو ستمائة درهم في القول الآخر فإن كانت الجناية خطأ وجبت دية مخففه، وان كانت عمدا أو عمد خطأ وجبت دية مغلظه كما قلنا في الدية الكامله

وإن كان أحد أبوبه نصرانيا والاخر مجوسيا وجب فيه عشر دية نصراني لان في الضمان إذا وجد في أحد أبويه ما يوجب وفى الاخر ما يسقط غلب الايجاب ولهذا لو قتل المحرم صيدا متولدا بين مأكول وغير مأكول وجب على الجزاء وإن ضرب بطن امرأة نصرانية حامل بنصراني ثم أسلمت ثم ألقت جنينا ميتا، وجبفيه نصف عشر دية مسلم، لان الضمان يعتبر بحال استقرار الجناية، والجنين مسلم عند استقرار الجناية، فوجب فيه نصف عشر دية مسلم، وما يجب في الجنين يرثه ورثته لانه بدل حر، فورث عنه كدية غيره.
(الشرح) الكلام في الغرة والسن في حديه الادنى والاقصى من البحوث غير العملية التى تلحق بأبواب العتق، أما البدل عند إعواز الغرة ففيه نقول: اختلاف أصحابنا فيما ينتقل إليه فقال المصنف وابن الصباغ ينتقل إلى خمس من الابل لانها هي الاصل في الدية.
فإن أعوزت الابل انتقل إلى قيمتها في القول الجديد والى خمسين دينارا أو ستمائة درهم في القول القديم وقال الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا: إذا أعوزت الغرة انتقل إلى قيمتها في قوله الجديد، كما لو غصب منه عبدا فتلف، وينتقل إلى خمس من الابل في قوله القديم، فإن اعوزت الابل انتقل إلى قيمتها في أحد القولين، والى خمسين دينارا أو ستمائة درهم في الاخر.
(فرع) ان كان الابوان مسلمين وجبت الغرة مقدرة بنصف عشر دية الاب أو عشر دية الام، وان كانا ذميين وجبت الدية مقدرة بنصف عشر دية الاب أو عشر دية الام، وكذلك إذا كان الابوان مجوسيين فإنهما يعتبر من ديتهما، وان كان أحد الابوين نصرانيا والاخر مجوسيا اعترت دية الجنين بعشر دية النصراني لانه إذا اتفق في بدل النفس ما يوجب الاسقاط وما يوجب الايجاب غلب الايجاب، كما قلنا في السبع المتولد بنى الضب والذئب 1 إذا قتله المحرم.
هذا نقل أصحابنا البغداديين وقال المسعودي: الجنين اليهودي والنصراني والمجوسي لا تجب فيه الغرة

وانما يجب فيه نصف عشر دية الاب، وإذا كانا مختلفى الدين فقد خرج فيه قول آخر أن الاعتبار بالاب.
وقال ابن سلمة: يعتبر بأقلهما دية والاول أصح (فرع) إذا ضرب بطن امرأة نصرانية حامل بنصراني فأسلمت ثم أسقطت جنينا ميتا ففيه غرة مقدرة بنصف عشر دية المسلم، لان الاعتبار بالدية حال الاستقرار، وهى مسلمة حال الاستقرار.
وان ضرب بطن مرتدة فأسلمت ثم أسقطت جنينا ميتا ففيه وجهان (أحدهما) لا يضمنه وهو قول ابن الحداد المصرى لان الابتداء لم يكن مضمونا (والثانى) يضمنه اعتبارا بحال الاستقرار (فرع) إذا وطئ مسلم وذمى ذمية بشبهة في طهر واحد ثم ضرب رجل بطنها وألقت جنينا ميتا عرض على القافة على الصحيح من المذهب، فإن ألحقته بالمسلم وجب فيه غرة مقدرة بنصف عشر دية المسلم وان ألحقته بالذمي وجبت فيه غرة مقدرة بنصف عشر دية اليهودي وان أشكل الامر عليها وجب فيه ما يجب في الجنين اليهودي لانه يقين، فان كان يرجو انكشاف الامر لم نورث هذا المال أحدا ووقف إلى أن يبين الامر، وان لم يرج انكشاف الامر ترك حتى يصطلحوا عليه، فإن أراد الذمي والذميه ان يصطلحا في قدر الثلث جاز لانه لا حق للذمي فيه، ولا يخرج هذا القدر ما بينهما (فرع) الغرة الواجبة في الجنين الحرير ثنا ورثته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الليث بن سعد لا يورث عنه، وانما يكون لامه لانه بمثابه عضو منها، دليلنا أنه دية نفس تورث عنه كما لو خرج حيا، وان ضرب بطن نصرانيه فألقت جنينا ميتا فادعت أن هذا الجنين من مسلم زنى بها لم يجب فيه أكثر من دية جنين نصرانيه، لان ولد الزنا لا يلحق بالزانى.
قال الطبري، وان قالت وطئني مسلم بشبهة فكذبها الجاني والعاقلة، حلفوا على نفى العلم لان الظاهر أنه تابع لها.
وان صدقوها وجبت غرة مقدرة بنصف عشر دية مسلم، وان صدقها العاقلة دون الجاني لم يؤثر تكذيب الجاني.
وان صدقها الجاني وكذبتها العاقلة حملت العاقلة دية جنين النصرانية ووجب الباقي في مال الجاني لانه وجب باعترافه، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

قال المصنف رحمه الله:

باب أروش الجنايات

والجنايات التى توجب الاروش ضربان، جروح وأعضاء، فأما الجروح فضربان، شجاج في الرأس والوجه، وجروح فيما سواهما من البدن، فأما الشجاج فهى عشر، الخارصة وهى التى تكشط الجلد، والدامية وهى التى يخرج منها الدم، والباضعة وهى التى تشق اللحم، والمتلاحمة وهى التى تنزل في اللحم، والسمحاق، وهى التى تسميها أهل البلد الملطاط، وهى التى تستوعب اللحم إلى أن تبقى غشاوة رقيقة فوق العظم، والموضحة وهى التى تكشف عن العظم، والهاشمة وهى التى تهشم العظم، والمنقلة وتسمى أيضا المنقولة، وهى التى تنقل العظم من مكان إلى مكان، والمأمومة وتسمى أيضا الآمة وهى التى تصل إلى أم الرأس وهى جلدة رقيقة تحيط بالدماغ، والدامغة وهى التى تصل إلى الدماغ (فصل) والذى يجب فيه أرش مقدر من هذه الشجاج أربع، وهى الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة، فأما الموضحة فاواجب فيها خمس من الابل، لما روى أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وفي الموضحة خمس من الابل) ويجب ذلك في الصغيرة والكبيرة، وفى البارزة والمستورة بالشعر، لان اسم الموضحة يقع على الجميع، وإن أوضح موضحتين بينهما حاجز وجب عليه أرش موضحتين، لان هما موضحتات.
وإن أزال الحاجز بينهما وجب أرش موضحة لانه صار الجميع بفعله موضحة واحدة، فصار كما لو أوضح الجميع من غير حاجز.
وإن تآكل ما بينهما وجب أرش موضحة واحدة، لان سراية فعله كفعله، وان أزال المجني عليه الحاجز وجب على الجاني أرش الموضحتين، لان ما وجب بجنايته لا يسقط بفعل غير هـ. وإن جاء آخر فأزال الحاجز وجب على الاول أرش الموضحتين وعلى الاخر أرش موضحه، لان فعل أحدهما لا يبنى على الاخر فانفرد كل واحد منهما بحكم جنايته.

وان أوضح موضحتين ثم قطع اللحم الذى بينهما في الباطن، وترك الجلد الذى فوقهما، ففيه وجهان.

(أحدهما) يلزمه أرش موضحتين لانفصالهما في الظاهر (والثانى) يلزمه أرش موضحة لاتصالهما في الباطن، وإن شج رأسه شجة واحدة بعضها موضحة وبعضها باضعة لم يلزمه أكثر من أرش موضحة، لانه لو أوضح الجميع لم يلزمه أكثر من أرش موضحة، فلان لا يلزمه والايضاح في البعض أولى.
وإن أوضح جميع رأسه وقدره عشرون أصبعا ورأس الجاني خمس عشرة أصبعا اقتص في جميع رأسه، وأخذ عن الربع الباقي ربع أرش موضحه وخرج أبو على بن أبى هريرة وجها آخر أنه يأخذ عن الباقي أرش موضحة، لان هذا القدر لو انفرد لوجب فيه أرش موضحة، وهذا خطأ لانه إذا انفرد كان موضحة فوجب أرشها، وههنا هو بعض موضحه فلم يجب فيه إلا ما يخصه.
(الشرح) حديث كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مضى تخريجه، وكذلك بيان لغات الفصل.
أما الاحكام فإن الجنايات على ما دون النفس شيئين: جراحات وأعضاء فأما الجراحات فضربان، شاج في الرأس والوجه، وجراحات فيما سواهما من البدن، فأما الشجاج في الرأس والوجه فعشرة: الخارصه، والداميه، والباضعه والمتلاحمة، والسمحاق، والموضحه، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغه، فالتى يجب فيها أرش مقدر من هذه الشجاج الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة، فالموضحة فيجب فيها خمس من الابل صغيرة كانت أو كبيرة، وبه قال أكثر الفقهاء وقال مالك ان كانت في الانف أو في اللحى الاسفل وجبت فيها حكومة.
وقال ابن المسيب يجب في الموضحة عشر من الابل.
دليلنا حديث أَبِي بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان في كتابه (أن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الابل وأن في الانف إذا أوعب جدعه الدية، وفى اللسان الدية

وفى الشفتين الدية، وفى البيضتين الدية، وفى الذكر الدية، وفى الصلب الدية، وفى العينين الدية، وفى الرجل الواحدة نصف الدية، وفى المأمومة ثلث الدية، وفى الجائفة ثلث الدية، وفى المنقله خمسة عشر من الابل، وفى كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الابل.
وفى السنن خمس من الابل، وفى الموضحة خمس من الابل،، وان الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والبيهقي موصولا وأبو داود في المراسيل، وصححه أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي، وقد تقدم الكلام عليه.
وقد أثبتنا رواية النسائي هنا لنرجع إليها ما يأتي من الديات عن كتب منها اتقاء التكرار.
(مسألة) إذا أوضحه موضحتين أو ثلاثا أو أربعا لكل موضحة خمس من الابل لعموم الخبر، فإن كثرت المواضح حتى زاد أرشها على دية النفس ففيه وجهان لاصحابنا الخراسانيين (أحدهما) لا يجب أكثر من دية النفس، لان ذلك ليس بأكثر حرمة من نفسه (والثانى) يجب بكل موضحة خمس من الابل وهو الشمهور لقوله صلى الله عليه وسلم (وفى الموضحة خمس من الابل) ولم يفرق، ولانه يجب في كل واحدة أرش مقدر فوجب، وإن زاد ذلك على دية النفس، كما لو قطع يديه ورجليه، فإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز ثم أزال الجاني هذا الحاجز لم يجب عليه أكثر من أرش موضحة، لان فعل الانسان يبنى بغضه على بعض، كما لو قطع يديه ورجليه ثم مات، وكذلك ان تأكل ما بينهما بالجناية صار كما لو خرق ما بينهما لان سراية فعله كفعله فصار كما لو قطع يديه ورجليه وسرى ذلك إلى نفسه، وإن خرق أجنبي ما بينهما وجب عليه أرش موضحه إن بلغ إلى العظم.
ووجب على الاول أرش موضحتين، لان فعل الانسان لا يبنى على فعل غيره وإن خرق المجني عليه ما بينهما صار ما فعله هدرا ولم يسقط بذلك عن الجاني شئ وإن أوضح رجلان في رأس رجل موضحتين واشتركا فيهما ثم جاء أحدهما وخرق ما بينهما وجب على الخارق نصف أرش موضحة، وعلى الذى لم يخرق أرش موضحه، لانهما لما أوضحاه أولا وجب على كل واحد منهما أرش موضحة

فإذا خرق أحدهما الحاجز بينهما صار في حقه كأنهما أوضحاه موضحة واحدة فكان عليه نصف أرشها ولم يسقط بذلك مما وجب على الاخر شئ (فرع) إذا شج رجل آخر شجة، بعضها موضحه وبعضها باضعه وبعضها متلاحمه لم يجب عليه أكثر من أرش موضحه، لانه لو أوضحها جميعها لم يجب عليه أكثر من أرش موضحه، فلان لا يلزمه والايضاح في بعضها أولى وان أوضحه موضحتين وخرق اللحم الذى بينهما ولم يخرق الجلد الظاهر ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه أرش موضحتين اعتبارا بالظاهر (والثانى) لا يلزمه إلا أرش موضحه اعتبار بالباطن.
وان أوضحه موضحتين وخرق الجلد الذى بينهما ولم يخرق اللحم لم يلزمه إلا أرش موضحه وجها واحدا، لانه لو خرق الظاهر والباطن بينهما لم يلزمه الا أرش موضحه، فلان لا يلزمه الا أرش موضحه ولم يخرق الا الظاهر أولى.
وان أوضحه موضحة في الرأس ونزل فيها إلى القفا وهو العنق وجب عليه أرش موصحه في الرأس وحكومه فيما نزل إلى القفا، لانهما عضوان مختلفان، وان أوضحه موضحة بعضها في الرأس وبعضها في الوجه ففيه وجهان، أحدهما يلزمه أرش موضحتين لانهما عضوان مختلفان، فهما كالرأس والقفا، والثانى لا يلزمه الا أرش موضحه، لان الجميع محل للموضحه بخلاف القفا، والاول أصح لانهما مختلفان في الظاهر.
وان أوضح جميع رأسه ورأس المجني عليه عشرون أصبعا ورأس الجاني خمسة عشر أصبعا فاقتص منه في جميع رأسه، فإنه يجب للمجني عليه فيما بقى الارش، لانه لم يستوف قدر موضحته، وكم يجب له؟ فيه وجهان (أحدهما) يجب له أرش موضحه، لانه لو أوضحه قدر ذلك لوجب فيه أرش موضحه (والثانى) وهو الاصح أنه لا يجب له الا ربع أرش موضحه، لانه أوضحه موضحه وقد استوفى ثلاثة أرباعها فبقى له ربع أرشها.
وإذا وجب له أرش موضحه مغلظه فانه تجب له حفتان وثلاثه أبعره من النوعين الاخرين قال القاضى أبو الطيب: فيكون له بعير ونصف من الحقان، وبعير ونصف من الجذاع.

قال ابن الصباغ: وهذا يقتضى أن يأخذ قيمة الكسرين إلا أن يرضى أن يأخذهما من السن الاول، وهو أن يأخذ حقتين وجذعة.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجب في الهاشمة عشر من الابل لما روى قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت أنه قال (في الهاشمة عشر من الابل) وإن ضرب رأسه بمثقل فهشم العظم من غير إيضاح ففيه وجهان.
أحدهما وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنه تجب فيه الحكومة، لانه كسر عظم من غير إيضاح، فأوجب الحكومة ككسر عظم الساق.
والثانى وهو قول أبى اسحاق أنه يجب فيه خمس من الابل، وهو الصحيح، لانه لو أوضحه وهشمه وجب عليه عشر من الابل، فدل على أن الخمس الزائدة لاجل الهاشمة، وقد وجدت الهاشمة فوجب فيها الخمس، وان هشم هاشمتين بينهما حاجز وجب عليه أرش هاشمتين كما قلنا في الموضحتين (فصل) ويجب في المنقله خمس عشرة من الابل لما روى عمر بن حزم (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل اليمن في المنقلة خمس عشرة من الابل) وإن أوضح رأسه موضحة ونزل فيها إلى الوجه ففيه وجهان، أحدهما أنه يجب عليه أرش موضحتين لانه أوضح في عضوين فوجب أرش موضحتين، كما لو فصل بينهما.
والثانى يجب أرش موضحة لانها موضحه واحدة، فأشبه إذا أوضح في الهامه موضحه ونزل فيها إلى الناصبة، وإن أوضح في الرأس موضحه ونزل فيها إلى القفا وجب عليه أرش الموضحة في الرأس، ويجب عليه حكومه في الجراحه في القفا، لانه ليس بمحل للموضحه فانفرد الجرح فيه بالضمان (فصل) ويجب في المأمومه ثلث الديه لما روى عكرمه بْنِ خَالِدٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى في المأمومه بثلث الديه، وأما الدامغة فقد قال بعض أصحابنا يجب فيها ما يجب في المأمومة، وقال أقضى القضاة أبو الحسن الماوردى البصري: يجب عليه أرش المأمومة وحكومة لان خرق الجلد جناية بعد المأمومة فوجب لاجلها حكومة (فصل) وإن شج رأس رجل موضحة فجاء آخر فجلعها هاشمه، وجاء آخر

فجعلها منقلة، وجاء آخر فجعلها مأمومة، وجب على الاول خمس من الابل، وعلى الثاني خمس، وعلى الثالث خمس،، وعلى الرابع ثمانية عشر بعيرا وثلث، لان ذلك جناية كل واحد منهم.
(الشرح) أثر زيد بن ثابت أخرجه البيهقى، ثما حكاه البيهقى عن عدد من أهل العلم.
وقد اتفق أهل العلم على أنه لم يبلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها تقدير، وحكوا عن مالك قوله: لا أعرف الهاشمة لكن في الايضاح خمس وفى الهشم عقوبة.
وكان الحسن البصري لا يوقت فيها شيئا.
قال ابن المنذر: النظر يدل على قول الحسن البصري إذ لا سنة فيها ولا إجماع، ولانه لم ينقل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير فوجبت فيها الحكومة كما دون الموضحة، وسيأتى نقضه.
أما مرسل عكرمة ذلك لانه ابن خالد بن العاص بن هشام المخزومى من التابعين، فإن في حديث عمر وبن حزم عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن ما يغنى عنه.
أما الاحكام فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ (وقد حفظت عن عدد لقيتهم وذكر لى عنهم أنهم قالوا في الهاشمة عشر من الابل وبهذا أقول.
ثم قال ولو كانت الشجة كبيرة فهشمت موضعا أو مواضع بينهما شئ من العظم لم ينهشم كانت هاشمة واحدة لانها جناية واحدة، ولو كانت بينهما شئ من الرأس لم تشققه والضربة واحدة فهشمت مواضع كان في كل موضع منها انفصل حتى لا يصل به غيره مجروحا بتلك الضربة هاشمة، وهذا هكذا في المنقلة والمأمومة.
وممن قال في الهاشمة عشر من الابل أحمد بن حنبل وأبو حنيفة وقال مالك يجب فيها خمس من الابل وحكومة في كسر العظم، دليلنا ما روى عن زيد بن ثابت ولا مخالف له في الصحابة فكان اجماعا، ومثل حكم زيد يدل ظاهره على أنه توقيف ومن ثم لا يخلو من أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولانها شجة فوق الموضحة تختص باسم فكان فيها مقدر كالمأمومة وإن ضرب وجهه أو رأسه بمثقل فهشم العظم من غير أن يقطع جلدا ولا

لحما ففيه وَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فيها حكومة لانها ليست بموضحة ولا هاشمة، وإنما كسر عظم، فهو كما لو كسر يده وقال أبو إسحاق المرزوى عليه خمس من الابل، وهو الاصح لانه لو أوضحه وهشمه لوجب عليه عشر من الابل، ولو أوضحه ولم يهشمه لم يجب عليه إلا خمس من الابل، فدل على أن الخمس الزائدة لاجل الايضاح.
(فرع) إذا شجه شجة بعضها موضحة وبعضها هاشمة وبعضها دون موضحة لم يجب عليه إلا عشر من الابل، لانه لو هشم الجميع لم يجب عليه الا عشر من الابل، فلان لا يلزمه الهشم في البعض أولى، وان هشمه هاشمتين بينهما حاجز لزمه أرش هاشمتين، وان أوضحه موضحتين وهشم العظم بكل واحدة منهما واتصل الهشم في البطان وجب عليه أرش هاشمتين وجها واحدا، والفرق بينهما وبين الموضحتين إذا اتصلتا في الباطن، لان الحائل قدر ارتفع بين الموضحتين في الباطن، وههنا اللحم والجلد بينهما باق فكاننا هاشمتين، وانما الكسر اتصل ولا اعتبار به، وبكل ما قلنا ذهب أحمد وأصحابه قوله (في المنقلة خمس عشرة من الابل) وفى رواية (خمسة عشر من الابل) قال في القاموس هي الشجة التى ينقل منها فراش العظام، وهى قشور تكون على العظم دون اللحم.
وفى النهاية لابن الاثير انها التى تخرج صغار العظام وتنقل عن أمكانها.
وقيل التى تنقل العظم أي تكسره وقد روى ذلك عن على وزيد بن ثابت والعترة وأحمد بن حنبل وأبى حنيفة.
قال ابن قدامه وهو إجماع أهل العلم.
أما تفصيلها فكما في تفصيل الموضحة والهاشمة قوله (ويجب في المأمومة ثلث الديه) قلت ارجع إلى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن في أول الباب قال ابن عبد البر أهل العراق يقولون لها الآمه وأهل الحجاز المأمومه، وهى الجراحه الواصلة إلى أم الدماغ، سميت أم الدماغ لانها تحوطه وتجمعه، فاذإا وصلت الجراحه إليها سميت آمه ومأمومه، وأرشها ثلث الديه في قول عامة أهل العلم إلا مكحولا فانه قال ان كانت عمدا ففيها ثلالثا الدية، وان كانت خطأ ففيها ثلاثا، هكذا نقله الشوكاني عن ابن المنذر

أما الدامغة وهى أن يخرق جلدة الدامغ وفيها ما في المأمومة، ولم يذكر متقدموا أصحاب أحمد الدامغة لمساواتها المأمومة في أرشها، قال ابن قدامة ويحتمل أنهم تركوا ذكرها لكونها لا يسلم صاحبها في الغالب.
وقال أبو الحسن الماوردى البصري صاحب الحاوى والاحكام السلطانية وأدب الدنيا والدين وغيرها وإمام أصحابنا العراقيين: يجب فيها حكومة مع ثلث الدية لخرق الغشاوة التى على الدماغ وبه قال بعض أصحاب أحمد كما أفاده ابن قدامة (فرع) قال أبو العباس بن سريج: وان أوضحه رجل وهشمه آخر ونقله آخر وأمه آخر في موضع واحد وجب على الذى أوضحه خمس من الابل وعلى الذى هشمه خمس من الابل وعلى الذى نقله خمس من الابل وعلى الذى أمه ثمانى عشرة من الابل وثلث، لان ذلك قدر أرش جناية كل واحد منهم.
وهو اختيار المصنف هنا.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) وأما الشجاج التى قبل الموضحة وهى خمسة: الخارصة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق، فينظر فيها فإن أمكن معرفة قدرها من الموضحة بأن كانت في الرأس موضحة فشج رجل بجنبها باضعة أو متلاحمة وعرف قدر عمقها ومقدارها من الموضحة من نصف أو ثلاث أو ربع، وجب عليه قدر ذلك من أرش الموضحة، لانه يمكن تقدير أرشها بنفسها فلم تقدر بغيرها، وإن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة وجبت فيها الحكومة، لان تقدير الارش بالشرع ولم يرد الشرع بتقدير الارش فيما دون الموضحة، وتعذر معرفة قدرها من الموضحة فوجبت فيها الحكومة.

(فصل) وأما الجروح فيما سوى الرأس والوجه فضربان، جائفة وغير جائفة فأما غير الجائفة فهى الجراحات التى لا تصل إلى جوف، والواجب فيها الحكومة فإن أوضح عظما في غير الرأس والوجه أو هشمه أو نقله وجب فيه الحكومة، لانها لا تشارك نظائرها من الشجاج التى في الرأس والوجه في الاسم ولا تساويها في الشين والخوف عليه منها، فلم تساوها في تقدير الارش.
وأما الجائفة وهى

التى تصل إلى الجوف من البطن أو الظهر أو الورك أو الصدر أو ثغرة النحر، فالواجب فيها ثلث الدية، لما روى في حديث عمرو بن حزم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب إلى أهل اليمن (في الجائفة ثلث الدية) فإن أجاف جائفتين بينهما حاجز وجب في كل واحدة منهما الدية.
وإن أجاف جائفة فجاء آخر ووسعها في الظاهر والباطن وجب على الثاني ثلث الدية، لان هذا القدر لو انفرد لكان جائفة فوجب فيه أرش الجائفة فإن وسعها في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر وجب عليه حكومة، لان جنايته لم تبلغ الجائفة.
وإن جرح فخذه وجر السكين حتى باغ الورك وأجاف فيه، أو جرح الكتف وجر السكين حتى باغ الصدر وأجاف فيه، وجب عليه أرش الجائفة وحكومة في الجراحة، لان الجراحة في غير موضع الجائفة فانفردت بالضمان كما قلنا فيمن نزل في موضحة الرأس إلى القفا.
وإن طعن بطنه بسنان فأخرجه من ظهره، أو طعن ظهره فأخرجه من بطنه وجب عليه في الداخل إلى الجوف أرش الجائفة لانها جائفه، وفى الخارج منه إلى الظاهر وجهان (أحدهما) وهو المنصوص أنة جائفة، ويجب فيها أرش جائفة أخرى لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (أن عمر رضى الله عنه قضى في الجائفة إذا نفذت من الجوف جائفتان) ولانها جراحة نافذة إلى الجوف فوجب فيها أرش جائفة كالداخلة إلى الجوف (والثانى) ليس بجائفة، ويجب فيها حكومه، لان الجائفة ما تصل من الظاهر إلى الجوف، وهذه خرجت من الجوف إلى الظاهر فوجب فيها حكومه.

(فصل) وان طعن وجنته فهشم العظم ووصلت إلى الفم ففيه قولان (أحدهما) أنها جائفة ويجب فيها ثلث الدية، لانها جراحة من ظاهر إلى جوف فأشبهت الجراحه الواصلة إلى الباطن (والثانى) أنه ليس بجائفه، لانه لا تشارك الجائفة في إطلاق الاسم ولا تساويها في الخوف عليه منها، فلم تساوها في أرشها، فعلى هذا يجب عليه دية هاشمه لانه هشم العظم ويجب عليه حكومه لما زاد على الهاشمه

(فصل) وان خاط الجائفة فجاء رجل وفتق الخياطة نظرت فإن كان قبل الالتحام لم يلزمه أرش لانه لم توجد منه جنايه ويلزمه قيمة الخيط وأجرة المثل للخياطه، وان كان بعدا لتحام الجميع لزمه أرش جائفه، لانه بالالتحام عاد إلى ما كان قبل الجناية ويلزمه قيمة الخيط ولا تلزمه أجرة الخياطة لانها دخلت في أرش الجائفة، وان كان بعد التحام بعضها لزمه الحكومه لجنايته على ما التحم وتلزمه قيمة الخيط ولا تلزمه أجرة الخياطة لانها دخلت في الحكومة (فصل) وإن أدخل خشبة أو حديدة في دبر انسان فحرق حاجزا في الباطن ففيه وجهان بناء على الوجهين فيمن خرق الحاجز بين الموضحتين في الباطن (أحدهما) يلزمه أرش جائفه لانه خرق حاجزا إلى الجوف (والثانى) تلزمه حكومه لبقاء الحاجز الظاهر.

(فصل) وإن أذهب بكارة امرأة بخشبة أو نحوها حكومه، لانه إتلاف حاجز وليس فيه أرش مقدر، فوجبت فيه الحكومه، وان أذهبها بالوطئ لم يلزمه أرش لانها ان طاوعته فقد أذنت فيه، وان أكرهها دخل أرشها في المهر، لانا نوجب عليه مهر بكر (الشرح) في مراسيل مَكْحُولٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ في الموضحة خمسا من الابل ولم يوقت فيما دون ذلك شيئا) فإذا كان تقدير الارش لا يثبت إلا بالنص التوقيفى، ولا توقيف هاهنا في الشجاج التى قبل الموضحة بأرش مقدر فإنه إذا ثبت هذا فإذا أمكن معرفة قدرها من الموضحة بأن كان في رأس المجني عليه موضحه ثم شج في رأسه دامغه أو باضعه، فإن عرف قدر عمقها من عمق الموضحة التى في رأسه وجب فيها تقدير ذلك من أرش الموضحة، وان لم يمكن معرفة قدر عمقها من عمق الموضحة التى في رأسه وجب فيها حكومه يعرف بالتقويم على ما يأتي بيانه، فإن تيقنا أنها نصف الموضحة وشككنا هل يزيد ام لا؟ فإنه يقوم، فإن خرجت حكومتها بالتقويم نصف ارش الموضحة لا غير، لم تجب الزيادة لانا علمنا ان الزيادة لا حكم لها، وان خرجت حكومتها اكثر من نصف ارش الموضحة وجب ذلك لانا علمنا ان الشك له حكم.
وان خرجت حكومتها اقل من نصف

أرش الموضحة وجب نصف أرش الموضحة.
لانا قد تيقنا وجوب النصف وعلمنا أن التقويم خطأ.
قوله (وأما الجروح فيما سوى الرأس والوجه الخ) فجملة ذلك أن هذا الجراحة ضربان جائفة وغير جائفة، فأما غير الجائفة وهى الموضحة والهاشمة والمنقلة وما دون الموضحة من الجراحات فلا يجب فيها أرش مقدر، وإنما يجب فيها حكومة لان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الموضحة وما بعدها من الجراحات وذكر بعدها المأمومة، والمأمومة لا تكون إلا في الرأس، فعلم أن ما قبلها لا تكون إلا بالرأس، والوجه في معنى الرأس، ولان هذه الجراحات في سائر البدن لا تشارك نظائرها في الرأس والوجه في الشين والخوف عليه منها فلم يشاركها في تقدير الارش.
وأما الجائفة فهى الجراحات التى تصل إلى الجوف من البطن أو الصدر أو ثغرة النحر أو الورك فيجب فيها ثلث الدية.
وقال مكحول: إن تعمدها وجب فيها الدية.
دليلنا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن الذى سقنا لك نصه في أول الباب.
وعن ابن عمر مثل ذلك أن في الحائفة ثلث الدية، وهو قول عامة أهل العلم، منهم أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل الحديث وأصحاب الرأى إلا مكحولا حيث قال في عمدها ثلثى الدية ولانها جراحة أرشها مقدر فلم يختلف قدر أرشها بالعمد والخطأ كالموضحة، ولا نعلم في جراح البدن الخالية عن قطع الاعضاء وكسر العظام مقدرا غير إلحائفة، والجائفة ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو ورك أو غيره.
وذكر ابن عبد البر أن مالكا وأبا حنيفة والشافعي والنبى اصحابهم اتفقوا على أن الجائفة لا تكون إلا في الجوف.
قال ابن القاسم: الحائفة ما أفضى إلى الجوف ولو بمغرز إبرة.
فأما ان خرق شدقه فوصل إلى باطن الفم فليس بجائفة لان داخل الفم حكمه حكم الظاهر لاحكم الباطن فإن أجافه جائفتين بينهما حاجز وجب عليه أرش جائفتين، وإن طعنه فأنفذه من ظهرة إلى بطنه ففيه وجهان (أحدهما) لا يجب عليه إلا أرش جائفة.
لان الجائفة هو ما ينفذ من

خارج إلى داخل، فأما الخارج من داخل إلى خارج فليس بجائفة، فيجب فيها حكومة (والثانى) يجب عليه أرش جائفتين، وبه قال مالك، وهو المذهب، لانه روى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ولا مخالف لهما في الصحابة رضى الله عنهم أجمعين، ولانهما جراحتان نافذتان إلى الجوف فهو كما لو نفذنا من خارج إلى داخل.
(فرع) وإن أجاف رجلا جائفه ثم جاء آخر وأدخل السكين في تلك الجائفة، فإن لم يقطع شيئا فلا شئ عليه وإنما يعزر به، وان وسعها في الظاهر والباطن وجب عليه أرش جائفة لانه أجاف جائفة أخرى، وان وسعها في الظاهر دون البان أو في البان دون الظاهر أو أصاب بالسكين كبده أو قلبه وجرحه وجبت عليه حكومة، وإن قطع امعاءه أو أبان حشوته فهو قاتل، لان الروح لا تبقى مع هذا، والاول جارح.
وإن وضع السكين على فحذه فجره حتى بلغ به البطن وأجافه، أو وضعه على كتفه وجره حتى بلغ به الظهر وأجافه وجب عليه أرش جائفة وحكومة للجراحة في الكتف والفخذ، لانهما جراحة في غير محل الجائفة.
وان وضع السكين على صدره وجرها حتى باغ به إلى بطنه أو ثغرة النحر وأجافه لم يجب عليه إلا أرش جائفة، لان الجميع محل للجائفة، ولو أجافه في الجميع لم يلزمه إلا أرش جائفة فلئلا يلزمه ولم يجفه إلا في بعضه أولى.
هذا هو اتفاق أهل العلم (فرع) إذا أجافه جائفة فخاط الجائفة، فجاء آخر وفنق تلك الخياطة، فإن كان الجرح لم يلتحم ظاهرا أو لا باطنا لم يلزم الثاني أرش، وانما يعزر، كما لو أدخل السكين في الجائفة قبل الخياطة، ويجب عليه قيمة الخياطة وأجرة المثل، وان كانت الجراحة قد التحمت فقطعها ظاهرا وباطنا وجب عليه ارش جائفة، لانه عاد كما كان، وان التحمت الجراحة في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر ففتقه وجبت عليه الحكومة، وكل موضع وجب عليه ارش، الجائفه أو الحكومه فإنه يجب عليه معه قيمة الخيط، وتدخل اجرة الطبيب الذى يجرى عملية الخياطة في الارش أو في الحكومه.
وهذا هو اتفاق اهل العلم (فرع) إذا جرحه في جوفه فخرجت الجراحه من الجانب الاخر فهما جائفتان

في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء ومجاهد وقتادة ومالك وأحمد وأصحاب الرأى.
قال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك.
وقال بعض أصحابنا: هي جائفة واحدة.
وحكى هذا عن أبى حنيفة، لان الجائفة هي التى تنفذ من ظاهر البدن إلى جوف، وهذه الثانية إنما نفذت من الباطن إلى الظهر وقد استدل الجمهور بما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن سعيد بن المسيب (أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه فقضى أبو بكر رضى الله عنه بثلث الدية) وروى نحوه عن عمر رضى الله عنه من طريق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، لان الاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف لا بكيفية إيصاله، إذ لا أثر لصورة الفعل مع التساوى في المعنى، كما قلنا فيمن أوضح إنسانا في رأسه ثم أخرج السكين من موضع آخر فهما موضحتان، وإن هشمه هاشمة لها مخرجان فهما هاشمتان.
(فرع) إذا ضرب وجنته فكسر العظم ووصل إلى فيه، ففيه قولان، (أحدهما) يجب عليه أرش جائفة، لانها جراحة وصلت إلى جوف الفم، فهو كما لو وصلت إلى جوف البطن أو الرأس (والثانى) لا يجب عليه إلا أرش هاشمة لهشم العظم وحكومة لما زاد، لان هذه دون الجائفة إلى البطن أو الرأس في الخوف عليه منها، وإن جرحه في أنفه فحرقه إلى باطنه، قال أبو على الطبري ففيه قولان، كما لو هشم عظم وجنته فوصل إلى فيه، وقال ابن الصباغ: لا يجب عليه أرش جائفة قولا واحدا.
(فرع) إذا أدخل خشبة في دبر إنسان فحرق حائزا في البطن فهل يلزمه أرش جائفة؟ فيه وجهان كما قلنا فيمن خرق الباطن بين الموضحتين دون الظاهر وقال أحمد وأصحابه: عليه حكومه ولا يلزمه أرش جائفه وجها واحدا.
أما إذا أذهب بكارة امرأة بخشبة أو بيده فليست بجائفه، لانه لا يخاف عليها من ذلك فإن كانت امة وجب عليه ما نقص من قيمتها، وان كانت حرة ففيها حكومه، فإن أكرهها على الزنا وجب عليه حكومه، ولاذهاب البكارة مهر المثل، وهل يلزمه أرش البكارة؟ عد أصحاب أحمد فيها روايتان إحداهما لا يلزمه لان أرش البكارة داخل في مهر المثل، فإن مهر المثل أكبر من مهر الثيب، فالتفاوت

بينهما هو عوض أرش البكارة فلم يضمنه مرتين (والثانية) يضمنه لانه محل أتلفه بعدوانه فلزمه أرشه، كما لو أتلفه بأصبعه قال المنصف رحمه الله تعالى: (فصل) وأما الاعضاء فيجب الارش في إتلاف كل عضو فيه منفعة أو جمال، فيجب في إتلاف العينين الدية، وفى أحدهما نصفها، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في كتاب كتبه لعمرو بن حزم: هذا كتاب الجروح، في النفس مائة من الابل وفى العين خمسون من الابل، فأوجب في كل عين خمسين من الابل، فدل على أنه يجب في العينين مائة، ولانها من أعظم الجوارح جمالا ومنفعة ويجب في عين الاعور نصف الدية للخبر، ولان ما ضمن بنصف الدية مع بقاء نظيره صمن به مع فقد نظيره كاليد.
وان جنبى على عينيه أو رأسه أو غيرهما فذهب ضوء العينين وجبت الدية لانه أتلف المنفعة المقصودة بالعضو فوجبت ديته، كما لو جنى على يده فشلت، وإن ذهب الضوء من إحداهما وجب نصف الدية، لان ما أوجب الدية في إتلافهما أوجب نصف الدية في إتلاف إحداهما كاليدين.
وان أزال الضوء فأخذت منه الدية ثم عاد وجب رد الدية، لانه لما عاد علمنا أنه لم يذهب، لان الضوء إذا ذهب لم يعد.
وإن زال الضوء فشهد عدلان من أهل الخبرة أنه يرجى عوده، فإن لم يقدر لعوده مدة معلومة لم ينتظر لان الانتظار إلى غير مدة معلومة يؤدى إلى إسقاط موجب الجناية.
وان قدر مدة معلومة انتظر وان عاد الضوء لم يجب شئ وان لم يعد أخذ الجاني بموجب الجناية من القصاص أو الدية وان مات قبل انقضاء المدة لم يجب القصاص لانه موضع شبهة لانه يجوز أن لا يكون بطل الضوء، ولعله أو عاش لعاد والقصاص يسقط بالشبهة، وأما الدية فقد قال فيمن قلع سنا وقال أهل الخبرة: يرحى عوده إلى مدة فمات قبل انقضائها إن في الدية قولين: أحدهما تجب لانه أتلف ولم يعد.
والثانى لا تجب لانه لم يتحقق الاتلاف ولعله

لو بقى لعاد، فمن أصحابنا من جعل في دية الضوء قولين، ومنهم من قال: تجب دية الضوء قولا واحدا، لان عود الضوء غير معهود، بخلاف السن فإن عودها معهود.

(فصل) فإن جنى على عينيه فنقص الضوء منهما، فإن عرف مقدار النقصان بأن كان يرى الشخص من مافة فصار لا يراه إلا من نصف تلك المسافة وجب من الدية بقسطها، لانه عرف مقدار ما نقص فوجب بقسطه، وان لم يعرف قدر النقصان بأن ساء إداركه وجبت فيه الحكومة لانه تعذر التقدير، فوجبت فيه الحكومة، وان نقص الضوء في إحدى العينين عصبت العليلة وأطلقت الصحيحة، ووقف له شخص في موضع يراه، ثم لا يزال يبعد الشخص ويسأل عنه إلى أن يقول لاأراه، ويمسح قدر المسافة ثم تطلق العليلة وتعصب الصحيحة، ولا يزال يقرب الشخص إلى أن يراه، ثم ينظر ما بين المسافتين، فيجب من الدية بقسطها.

(فصل) وان جنبى على عين صبى أو مجنون فذهب ضوء عينه، وقال أهل الخبرة قد زال الضوء ولا يعود، ففيه قولان (أحدهما) أنه لا يجب عليه في الحال شئ، حتى يباغ الصبى ويفيق المجنون ويدعى زوال الضوء، لجواز أن لا يكون الضوء زائلا (والقول الثاني) أنه يجب القصاص أو الدية، لان الجناية قد وجدت فتعلق بها موجبها.

(فصل) وان جنى على عين فشخصت أو احولت وجبت عليه حكومة، لانه نقصان جمال من غير منفعة، فضمن بالحكومة، وان أتلف عينا قائمة وجبت عليه الحكومة لانه إتلاف جمال من غير منفعة فوجبت فيها الحكومة.

(فصل) ويجب في الجفون الدية لان فيها جمالا كاملا ومنفعة كاملة، لانها تقى العين من كل ما يؤذيها، ويجب في كل واحد منها ربع الدية، لانه محدود، لانه ذو عدد تجب الدية في جميعها، فوجب في كل واحد منها ما يخصها من الدية كالاصابع، وان قلع الاجفان والعينين وجب عليه ديتان، لانهما جنسان يجب باتلاف كل واحد منهما الدية، فوجب بإتلافهما ديتان كاليدين والرجلين، فإن أتلف الاهداب وجبت عليه الحكومه، لانه إتلاف جمال من غير منفعة،

فضمن بحكومة، إن قلع الاجفان وعليها الاهداب ففيه وجهان، أحدهما لا يجب للاهداب حكومة لانه شعر نابت في العضو المتلف فلا يفرد بالضمان كشعر الذراع.
والثانى: يجب للاهداب حكومة، لان فيها جمالا ظاهرا فأفردت عن العضو بالضمان.
(الشرح) يأخذ المصنف في ديات الاعضاء، فيبحث أولا ديات العين، فيتقرر من هذا ان في العينين الدية لما عرفناه من كتاب صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن وفيه (وفى العينين الدية) ويجب في إحداهما نصب الدية، وهذا مطرد فيما فيه زوج كالاذن والرجل واليد، ولا اعلم في ذلك مخالفا إلا في الاعور فإن مقضتى المذهب أنه لا يجب فيه إلا نصف الدية خمسون من الابل أو من النقدين تقويما.
وبه قال النخعي والاوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وقال الزهري ومالك والليث وأحمد وإسحاق: يجب فيها جميع الدية وروى ذلك عن عمر وعلى وابن عمر، وذلك لعماه بسببها فساوت مصيبته مصيبة من قلعت عيناه.
دليلنا أن الدليل لم يفصل ولم يفرق بين عين الاعور وعين غيره، ولان ما ضمن ببدل مع بقاء نظيره ضمن به مع فقد نظيره كالبد.
وإن قلع الاعور عين من له عينان وللجاني مثلها كان للمجني عليه القصاص.
وقال أحمد ليس له القصاص منه.
دليلنا قوله تعالى (والعين بالعين) ولم يفرق وإن عفى المجني عليه عن قلع عين الاعور لم يستحق عليه إلا نصف الدية.
وقال مالك يستحق عليه جميع الدية.
دليلنا أنه قلع عين واحدة فإذا عفى عن القصاص لم يجب له أكثر من ديتها كما لو كانتا سليمتين (فرع) إذا جنبى على عينه أو رأسه فذهب ضوء بصره والحدقة باقية كانفصال الشبكية وجبت عليه الدية للحديث المرفوع (وفيا لبصر مائة من الابل) ولكتابه صلى الله عليه وسلم لاهل اليمن (وفى العينين الدية) ولانه أذهب المنفعة المقصودة بالعين وعطل وظائفها فوجب عليه أرشها، كما لو جنى على يده فشلت.
وإن ذهب البصر من إحدى العينين وجب عليه نصف الدية، كما لو أشل إحدى يديه،

فإن قلع عينا عليها بياض فإن كان على غيرا لناظر (القرنية) أو على الناظر إلا أنه خفيف يبصر بها من تحته وجب عليه جميع ديتها، لان البياض لا يؤثر في منفعتها، وإنما يؤثر في جمالها، فهو كما لو قطع يدا عليها ثآليل، فإن كان لا يبصر لم تجب عليه الدية، وإنما عليه الحكومة كما لو قطع بدا شلاء، وإن نقص بصرها بالبياض وجب عليه من ديتها بقدر ما بقى من بصرها.
(تنبيه) أعلم أن العين الكاملة الابصار مقياسها عند الاطباء 6 على 6 ودونها 6 على 9 ثم 6 على 12 ثم 6 على 18 ثم 6 على 24 ثم 6 على 60، ولها علامات مرسومة على لوحة مثبتة على حائط يبعد عند الكشف من مترين إلى أربعة أمتار فيها أقواس كبيرة من أعلاها ثم تأخذ في الصغر حتى تبلغ في الدقة الحد الذى يجعل رؤيتها دليلا على أن العين كاملة الابصار، وبهذا المقياس يمكن أن نكتفي به عن الصور التى رسمها المصنف منه وقوف شخص على بعد ثم اقترابه، وما إلى ذلك مما لم يكن له بديل أدق منه في عصرهم.
أما وقد وصل الكشف الطبى في زماننا إلى الاطلاع على قاع العين بالعدسات والآلات الحديثة، فإن الاعتبار يكون بالوسائل الحديثة وبها نأخذ، على أن الصورة التى مثل بها الامام الشافعي رضى الله عنه لا يمكن أن يقوم مقامها صورة أخرى للاثبات أو النفى عند التحقيق في دعوى المجني عليه وهى في الفرع التالى.
(فرع) إذا جنبى على عينه فذهب ضوؤها فأخذت منه الدية ثم عاد ضوؤها وجب رد ديتها، لانا علمنا أنه لم يذهب، وان ذهب ضوؤها وقال رجلان من أطباء العيون برجاء عودته فإن لم يقدر ذلك إلى مدة لم ينتظر، وان قدراه إلى مدة انتظر، فإن عاد الضوء لم تجب الدية، وان انقضت المدة ولم يعد الضوء أخذ الجاني بموجب الجناية.
وإن مات المجني عليه قبل انقضاء تلك المدة لم يجب القصاص لانه موضع شبهة.
وهل تجب عليه الدية؟ من أصحابنا من قال فيه قولان كما قلنا في السن.
ومنهم من قال تجب الدية قولا واحدا، لان عود الضوء غير معهود، وعود السن معهود (فرع) إذا جنبى على عينيه فنقص ضوءها نظرت فإن عرف أنه نقص

نصف ضوئهما راجع ما أجملناه في تبيينهما آنفا حول امتحان العين بمقاييس عصرنا بأن نظره يساوى 6 على 6 فصار يساوى 6 على 12 وجبت عليه نصف الدية، وإن لم يعرف قدر النقصان، وإنما ساء إدراكه وجبت عليه حكومة.
وإن نقص بصره في إحدى العينين وجبت عليه من دية تلك العين بقدر ما نقص من ضوئها إن أمكن معرفة ذلك.
قال الشافعي رضى الله عنه: وإلامكان أن نعصب عينه العليلة ونطلق الصحيحة ويقام له شخص على ربوة من الارض، ثم يقال له انظر إليه ثم يتباعد الشخص عنه إلى أن يأتي إلى غاية يقول لا أدرى إلى أكثر منها، ثم يعلم على ذلك الموضع ويغير عليه ثياب الشخص لانه متهم، فإذا غير عليه وأخبر به علمنا صحة ذلك، ثم نطلق العين العليلة ونعصب الصحيحة ونوقب له الشخص على ربوة ثم لا يزال يبعد عنه إلى الغاية التى يقول أبصره إليها ولا أبصره إلى أكثر منها، فنعلم على ذلك الموضع ويوقف له الشخص من جميع الجهات، فإن أخبر أنه يبصره على أكثر من تلك الغاية أو أقل علمنا كذبه، لان النظر لا يختلف باختلاف الجهات فإذا اتفقت الجهات علمنا صدقهه، ثم ينظر كم الغاية الثانية من الاولى فيؤخذ بقدر ما نقص من الدية.
(فرع) وإن جنى على عين صبى أو مجنون فقال الطبيب الشرعي: قد زال ضوءها ولا يرجى عوده، ففيه قولان.
أحدهما يحكم على الجاني بموجب الجناية لان الجناية قد وجدت فيتعلق بها موجبها.
والثانى لا يحكم عليه بموجبها حتى يبلغ الصبى ويفيق المجنون ويدعى زوال الضوء لجواز أن الضوء لم يذهب، وإن جنى على عين رجل فشخصت، وأى لا يستطيع أن يطرف إذا ارتفعت أو احولت ولم يذهب من ضوئها شئ، وجب عليه الحكومة لانه أذهب جمالا من غير ذهاب منفعة.
وإن قلع عينا قائمة، وهى العين التى ذهب ضوءها وبقيت حدقتها وجبت عليه الحكومة دون الدية، لانه أذهب جمالا من غير منفعة.
قوله (ويجب في الجفون الدية الخ) قلت: أجفان العينين أربعة واسمها الاشفار وفى جميعها الدية، لان فيها منفعة الجنس، وفى كل واحد منها ربع الدية

لان كل ذى عدد تجب في جميعه الدية تجب في الواحد منها بحصته من الدية كاليدين والاصابع، وبهذا قال الحسن والشعبى وقتادة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه وقال مالك: لا يجب عليه الا الحكومة، لانه لم يعلم تقديره على النبي صلى الله عليه وسلم والتقدير لا يثبت بالقياس.
دليلنا أن فيها جمالا ظاهرا ونفعا كاملا، لانها نكن العين وتحفظها، وندرا عنها الرياح والعواصف، والحر والبرد، وهجوم الغبار والاجسام المتطايرة في الهواء، واولاها لقبح منظر العينين، فوجبت فيها الدية كاليدين، ولا نسلم أن التقدير لا يثبت قياسا، فإذا ثبت هذا فإن في أحدها ربع الدية.
وحكى عن الشعبى أنه يجد في الا على ثلثا دية العين، وفى الاسفل ثلثها لانه أكثر نفعا.
وإن قطع الاجفان وعليها الاهداب ففيه وجهان: (أحدهما) يجب عليه الدية كالاجفان والحكومة للاهداب، كما لو قطع الاهداب والاجفان (والثانى) يجب عليه الدية لا غير، كما لو قطع يدا وعليها شعر واظفار.
وان قلع العينين والاجفان وجبت عليه ديتان، كما لو قطع يديه ورجليه، وإن أزال الاهداب وحدها ففيه حكومة، وقال أبو حنيفة وأحمد: تجب فيها الدية وفى كل واحد منها ربعها، ومثل ذلك الحاجبان، فإن فيها حكومة.
وقال أبو حنيفة وأحمد فيهما الدية.

قال المصنف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجب في الاذنين الدية وفى أحدهما نصفها لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب في كتاب عمرو بن حزم (في الاذن خمسون من الابل) فأوجب في الاذن خمسين من الابل، فدل على أنه يجب في الاذنين مائة، ولان فيها جمالا ظاهرا ومنفعة مقصودة، وهو أنها تجمع الصوت وتوصله إلى الدماغ، فوجب فيها الدية كالعين وإن قطع بعضها من نصف أو ربع أو ثلث وجب فيه من الدية بقسطه،

لان ما وجبت الدية فيه وجبت في بعضه بقسطه كالاصابع، وإن ضرب أذنه فاستحشفت ففيه قولان: (أحدهما) تجب عليه الدية كما لو ضرب يده فشلت (والثانى) تجب عليه الحكومة، لان منفعة الاذن جمع الصوت، وذلك لا يزول بالاستحشاف، بخلاف اليد فإن منفعتها بالبطش وذلك يزول بالشلل، وإن قطع أذنا مشتحشفة فإن قلنا إنه إذا ضربها فاستحشفت وجبت عليه الدية، وجب في المستحشفة الحكومة، كماا لو قطع يدا شلاء، وان قلنا إنه تجب عليه الحكومة وجب في المستحشفة الدية، كما لو قطع يدا مجروحة، فإن قطع أذن الاصم وجبت عليه الدية، لان عدم السمع نقص في غير الاذان، فلا يؤثر في دية الاذان.

(فصل) ويجب في السمع الدية، لما روى أبو المهلب عن أبى قلابة (أن رجلا رمى رجلا بحجر في رأسه فذهب سمعه وعقله ولسانه ونكاحه، فقضى فيه عمر رضى الله عنه بأربع ديات والرجل حى) ولانها حاسة تختص بمنفعة فأشبهت حاسة البصر.
وإن أذهب السمع في أحد الاذنين وجب نصف الدية، لان كل شيئين وجبت الدية فيهما وجب نصفها في أحدهما كالاذنين وان قطع الاذنين وذهب السمع وجب عليه ديتان لان السمع في غير الاذن فلا تدخل دية أحدهما في الاخر وان جنى عليه فزال السمع وأخذت منه الدية ثم عاد وجب رد الديه، لانه لم يذهب السمع، لانه لو ذهب لما عاد.
وإ ذهب السمع فشهد شاهدان من أهل الخبرة أنه يرجى عوده إلى مدة، فالحكم فيه كالحكم في العين إذا ذهب ضوءها، فشهد شاهدان أنه يرجى عوده، وقد بيناه.
وإن نقص السمع وجب أرش ما نقص، فإن عرف القدر الذى نقص بأن كان يسمع الصوت من مسافة فصار لا يسمع إلا من بعضها وجب فيه من الدية بقسطه، وان لم يعرف القدر بأن ثقلت أذنه وساء سمعه وجبت الحكومه.
وان نقص السمع في أحد الاذنين سدت العليلة وأطلقت الصحيحه، ويؤمر رجل حتى يصيح من موضع يسمعه ثم لا يزال يبعد ويصيح إلى أن يقول لا أسمع،

ثم تمسح المسافة، ثم تطلق العليلة، وتسد الصحيحة، ثم يصبح الرجل ثم لا يزال يقرب ويصيح إلى أن يسمعه وينظر ما بين المسافتين، ويجب من الدية بقسطه.
(الشرح) خبر عمرو بن حزم مضى تخريجه في أول الباب، وأثر أبى المهلب عن أبى قلابة، أخرجه أحمد بن حنبل في رواية أبى الحرث، وابنه عبد الله، كما أخرجه ابن أبى شيبة عن خالد عن عوف: سمعت شيخا في زمن الحاكم، وهو ابن المهلب عم أبى قلابة قال: رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمن عمر فذهب سمعه وبصره وعقله وذكره فلم يقرب النساء، فقضى عمر فيه بأربع ديات وهو حى) قد دل الخبر على وجوب الدية في كل واحد من الاربعة المذكورة وهو إجماع الصحابة لانه لم يثبت له مخالف.
وقال الحافظ بن حجر في تلخيص الحبير: إنه وحد في حديث معاذ في السمع الدية قال وقد رواه البيهقى من طريق قتادة عن ابن المسيب عن على رضى الله عنه وقد زعم الرافعى أنه ثبت في حديث معاذ أن في البصر الدية.
قال الحافظ لم أجده.
وروى البيهقى من حديث معاذ في العقل الدية وسنده ضعيف.
قال البيهقى وروينا عن عمر وعن زيد بن ثابت مثله، وقد زعم الرافعى أن ذلك في حديث عمرو بن حزم وهو غلط.
وأخرج البيهقى عن زيد بن أسلم بلفظ: مضت السنة في أشياء من الانسان إلى أن قال: وفى اللسان الدية وفى الصوت إذا انقطع الدية) قال الشوكاني: والحاصل أنه قد ورد النص بايجاب الدية في بعض الحواس الخمس الظاهرة كما عرفت، ويقاس ما لم يرد فيه نص منها على ما ورد فيه قلت: روى ذلك عن عمر وعلى، وبه قال عطاء ومجاهد والحسن وقتادة والثوري والاوزاعي وأحمد وأصحاب الرأى ومالك في إحدى الروايتين عنه.
وقال في الاخرى فيهما حكومة لان الشرع لم يرد في ذلك بتقدير ولا يثبت التقدير بالقياس.
وحكاه أصحابنا الخراسانيون قولا آخر للشافعي.
قال العمرانى وليس بمشهور وروى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال (في الاذنين خمسة عشر من الابل) قال ابن المنذر لم يثبت ذلك عنه.
قاله ابن قدامه

فصول الكتاب · 39 فصل · 657 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المجموع شرح المهذب · 657 صفحة
ـ[المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) ]ـ
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
كتاب الحج
كتاب الأطعمة
كتاب الحوالة
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الوديعةكتاب العاريّة
كتاب الغصب
كتاب الشفعة
كتاب القراض
كتاب المساقاة
كتاب الإجارة
كتاب السبق والرمى
كتاب اللقطة
كتاب اللقيط
كتاب الهبات
كتاب الوصايا
كتاب العتقكتاب المكاتب
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الخلع
كتاب الطلاق
كتاب الايلاء
كتاب الظهار
كتاب اللعان
كتاب الأيمان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب السير
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
كتاب الإقرار
جارٍ التحميل